منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

تذكرة الوفاء

انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 2 من اصل 2]

1 تذكرة الوفاء في 2009-10-02, 10:03

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

تذكرة الوفاء
في ترجمة حياة قدماء الأحباء

صفحة خالية
من آثار

حضرة عبدالبهاء

تذكِرةُ الوفـــــــاء
في ترجمة حياة قُدماء الأحبَّاء

ترجمة: حسين روحي

شهر القدرة 161 بديع
تشرين الثّاني 2004م
من منشورات دار النّشر البهائيّة في البرازيل

المحتويات



المحفل الروحاني المقدّس للبهائيين في حيفا ....................................
11

1-

جناب نبيل الأكبر - آقا محمد القائني .................................
13

2-

حضرة اسم الله الأصدق ..............................................
18

3-

حضرة ملاّ علي أكبر .................................................
22

4-

حضرة الشيخ سلمان ..................................................
26

5-

حضرة أفنان السدرة المباركة - جناب آقا ميرزا محمد علي ...........
30

6-

حضرة الحاجي ميرزا حسن أفنان ....................................
35

7-

حضرة آقا محمد علي إصفهاني ......................................
38

8-

جناب آقا عبد الصالح الباغبان (البستاني) ............................
41

9-

جناب الأستاذ إسماعيل ..............................................
44

10-

جناب نبيل الزرندي .................................................
47

11-

جناب درويش صدق علي ...........................................
51

12-

آقا ميرزا محمود وآقا رضا ..........................................
54

13-

جناب پدرجان القزويني ..............................................
57

14-

جناب آقا الشيخ صادق اليزدي .......................................
58

15-

جناب شاه محمد أمين ................................................
60




16-

جناب مشهدي فتّاح .................................................
63

17-

جناب نبيل قائني ...................................................
65

18-

جناب آقا سيد محمد تقي المنشادي ..................................
71

19-

جناب آقا محمد علي صبّاغ اليزدي ................................
75

20-

جناب آقا عبدالغفار ................................................
77

21-

جناب آقا علي النجف آبادي .......................................
79

22-

جناب مشهَدي حسين ومشهدي محمد الأذربايجانيّين ...............
81

23-

جناب الحاج عبدالرحيم اليزدي ...................................
83

24-

جناب الحاج عبدالله النجف آبادي .................................
86

25-

جناب آقا محمد هادي الصحّاف ...................................
87

26-

جناب آقا ميرزا محمد قُلي .........................................
90

27-

جناب أستاذ باقر وجناب أستاذ أحمد ................................
92

28-

جناب آقا محمد حنا ساب ..........................................
94

29-

جناب الحاجي فرج الله التّفرشي ....................................
96

30-

آقا إبراهيم الإصفهاني وإخوانه ....................................
98

31-

جناب آقا محمد إبراهيم الملقّب ب‍منصور ...........................
102

32-

جناب آقا زين العابدين اليزدي ....................................
104

33-

جناب الحاج ملا مهدي اليزدي ...................................
106

34-

حضرة الكليم يعني جناب آقا ميرزا موسى .......................
108

35-

جناب الحاج محمد خان ..........................................
113

36-

جناب آقا محمد إبراهيم أمير .....................................
116

37-

جناب آقا ميرزا مهدي الكاشاني ..................................
117




38-

جناب مشكين قلم .................................................
120

39-

جناب الأستاذ علي أكبر النّجار ...................................
124

40-

جناب آقا شيخ علي أكبر المازكاني ...............................
126

41-

جناب آقا ميرزا محمد خادم المسافر خانه .........................
128

42-

جناب آقا ميرزا محمد الوكيل .....................................
130

43-

جناب الحاج محمد رضا الشيرازي ...............................
139

44-

جناب حسين أفندي التبريزي ......................................
141

45-

جناب آقا جمشيد الكرجي ..........................................
143

46-

الحاج جعفر التبريزي وإخوانه .....................................
145

47-

حضرة الحاج ميرزا محمد تقي أفنان ...............................
149

48-

جناب آقا عبدالله البغدادي ..........................................
153

49-

حضرة آقا محمد مصطفى البغدادي .................................
155

50-

جناب سليمان خان التنكاباني ........................................
158

51-

جناب آقا عبدالرحيم مِسگر (النحاس) ...............................
163

52-

جناب آقا محمد إبراهيم التبريزي ...................................
164

53-

جناب آقا محمد علي الأردكاني .....................................
165

54-

الحاج آقاي التبريزي ...............................................
167

55-

جناب الأستاذ غلام علي النجار .....................................
169

56-

جناب منيب ........................................................
171

57-

جناب آقا ميرزا مصطفى النراقي ..................................
174

58-

جناب زين المقربين ................................................
177

59-

جناب عظيم التفرشي ...............................................
181




60-

آقا ميرزا جعفر اليزدي .............................................
183

61-

جناب حسين آقا التبريزي ...........................................
186

62-

جناب الحاج علي عسكر التبريزي ..................................
188

63-

جناب آقا علي القزويني .............................................
192

64-

جناب آقا محمد باقر وآقا محمد إسماعيل ............................
195

65-

جناب آقا أبو القاسم سلطان آبادي وجناب آقا فرج ...................
198

67-

جناب حرم سلطان الشهداء .........................................
200

68-

شمس الضّحى واللوح المبارك الذي نزل بشأنها .....................
203

69-

جناب الطاهرة (قرّة العين) ..........................................
217


Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
إن الشاب الإلهي، جناب آقا ميرزا محمد خادم المسافر خانة، هو من أهالي أصفهان ومن المهاجرين والمجاورين. وقد اشتهر وهو في ريعان شبابه بين العلماء بأنه حاضر الذهن، شديد الذكاء، وكان من ذوي البيوتات، محترمًا بين القوم، نجيبًا فطنًا مجدًا ومجتهدًا في تحصيل العلوم والمعارف وعلى قسط وافر من العلوم والفنون المتنوعة والمعقول والمنقول، وكان فضلاً عن كل هذا، متلهفًا إلى الارتواء من مَعين أسرار الحقيقة طالبًا لمعرفة الأحدية، ولم يطفئ زلال العلوم والفنون والمعارف، حرارة عطشه مع شدّة بحثه وتنقيبه في مجالس العلماء والفقهاء، إلى أن تحقق كل ذلك وظهر السرّ المكنون والرمز المصون لائحًا واضحًا فتعطرت مشامه من نفحة جنة أوراد الأبهى وتنور قلبه وروحه بسطوع أشعة شمس الحقيقة فوصل الحوت الظمآن إلى عين الحياة وعكفت الفراشة المشتاقة المتهافتة على الشمعة الموقدة فأحيت البشارة الكبرى روح ذلك الطالب الصادق واستنار قلبه بضياء نور صبح الهدى وأوقدت فيه نار المحبة بدرجة جعلته يعوف هذا العالم وما فيه من نعيم موفور وراحة كبرى وأخيرًا هرع إلى السجن الأعظم (عكاء).


كان هذا الشخص في أصفهان يعيش في هناء ورفاه ورخاء مسرورًا قرير العين غير أن شوقه للّقاء حفزه على التخلص من كل قيد وقطع


المسافات البعيدة غير عابئ بما لآقاه من وعثاء الطريق والمتاعب ومشقة الأسفار واستتب به الرحيل إلى الهدوء والسلام في السجن الأعظم، وقام على عبوديته للجمال الأبهى وداوم على خدمة الأحباء وبعد أن كان مخدومًا أصبح خادمًا، وأصبح عبدًا بعد أن كان سيّدًا، وأسيرًا بعد أن كان قائدًا، لم يذق للراحة طعمًا في كل آناته. وأصبح كهفًا لجميع المسافرين ومؤنسًا عديم النظير للمجاورين يعمل فوق طاقته جائش الحميّة في محبة الأحباء واكتسب محبة المسافرين والمجاورين ورضاهم ساكتًا صامتًا حال تأدية خدماته.

واستمر على هذا الحال إلى أن وقعت المصيبة الكبرى فانهار بنيان صبره واستقراره وأحرقت نار الفراق قلبه، فكان لا يهدأ ليلاً ولا نهارًا مضيئًا كالشمعة المشتعلة فأثرت فيه شدة الالتهاب ووصلت ناره إلى قلبه وكبده فخارت قواه ولم يعد يتحمل ما هو فيه فجنح إلى التضرع والتبتل ليل نهار متمنيًا أن يطير إلى عالم الأسرار ويقول: "رب أدركني، أدركني من هذا الفراق وجرعني كأس الوصال، وأجرني في جوار رحمتك يا رب الأرباب" إلى أن أدركه الحال فطار إلى العالم العلوي غير المحدود. هنيئًا له هذه الكأس الطافحة بموهبة الله، مريئًا له هذه المائدة التي هي حياة للقلوب والأرواح. متّعه الله بالورود على الورد المورود، ورزقه الحظ الموفور من الرفد المرفود.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان ضمن الأسرى الذين نفوا من الزوراء إلى الحدباء، جناب آقا ميرزا محمد الوكيل. وهذه النفس الزّكيّة تجرعت كأس التسليم والرضاء في دار السلام، ومكث في ظل شجرة الطوبى آمنًا مستريحًا وأمينًا كريمًا موصوفًا بالغيرة والهمة في تسيير الأمور بدرجة لا مثيل لها وذاع صيته بين القوم بالعراق، على الأخص بحسن التدبير. ولما دخل الإيمان والإيقان في قلبه لُقِّبَ بالوكيل الممتاز والسبب في منحه هذا اللقب هو أنه كان في بغداد شخص مشهور اسمه الحاج ميرزا هادي الجواهرجي وله ابن عزيز يدعى آقا ميرزا موسى، الذي لقبه القلم الأعلى بحرف البقاء، وهذا الأخير آمن بالأمر ثابتًا راسخًا في معتقده وكان أبوه شخصًا مهيبًا وفي عظمة الأمراء معروفًا في بلاد إيران وبلاد الهند بالجود والسخاء والبذل والعطاء والإنفاق عن سعة. أصله من وزراء إيران، ولكنه لما شاهد أن المرحوم فتح علي شاه ميالٌ لجمع الأموال واغتيال أموال الوزراء والاستيلاء على ما لديهم من حطام الدنيا طوعًا وكرهًا ويُعِدّ من أظهر عدم تنفيذ رغائبه من ذوي الجرائم التي لا تغتفر، بادرَ لخوفه من هذه الورطة إلى ترك الإمارة والوزارة وذهب إلى بغداد. فطلب فتح علي شاه من والي بغداد المدعو داود باشا أن يُعيده إلى إيران، أما الوالي المذكور فكان ذا شهامة وغيرة، فلم يلبِّ طلب شاه إيران، وعمل كل ما في وسعه لرعاية واحترام الحاج المذكور الذي اشتهر بحسن التدبير، واشتغل بتجارة المجوهرات



واشتهر بالجواهرجي ولكنه كان يعيش عيشة الملوك في قصورهم، وهذا الشخص كان من نوادر الدهر إذ كان يعيش في مقرّه بكل عزة ومكنة ولكنه ترك الخدم والحشم وآثر العمل بالتجارة وكسب المنافع الكلية وكان باب داره مفتوحًا على مصراعيه للزائرين والقاصدين من الغرباء والأقربين على السواء، غوثًا للمحتاجين حين يستقبل زائريه على اختلاف طبقاتهم بكل ترحاب وإعزاز، وكان أغلب أكابر الإيرانيين ينزلون ضيوفًا عليه عندما يأتون في مواسم حجهم لزيارة أضرحة الأئمة المكرمين وكان مصفوفًا على موائده ما تشتهيه الأنفس من فاخر الطعام المتنوعة وأصنافه، وكان القوم يقدّمون له عظيم الاحترام أكثر من الصدر الأعظم بمراحل، وفاق احتشامه جميع الوزراء وعلى الأخص في العطاء والقِرى والبذل والسخاء المتزايد يومًا إثر يوم حتى أصبح مفخرة الإيرانيين في العراق وعمّت إنعاماته مواطنيه بل وزراء آل عثمان والمشيرين في دولتهم حتى أكابر القوم في بغداد هذا فضلاً عن رجاحة عقله وعظم تدابيره للأمور مهما عظمت.

وعلى الرغم من أن تجارة الحاج المشار إليه قد أصبحت لكبر سنه في ارتباك، غير أنه لم يطرأ على معيشته أدنى تغيير أو تبديل أبدًا وعاش معزّزًا محتشمًا مع أن أمواله قد ذهبت ديونًا على أكابر القوم وعظماء أهل البلاد ولم يؤدّ واحد منهم ما عليه من الديون بالمرة. ومن جملة من استدانوا منه والدة آقا خان المحلاتي بمبلغ لا يقل عن المائة ألف تومان ولم تؤدِّ منها فلسًا لأن المنيّة وافتها بعد فترة قصيرة وماتت والدّيْن في ذمتها، وعدة أشخاص أُخر كقائد الجيوش المدعو علي قلي خان وسيف الدولة نجل فتح علي شاه والسيدة والية كريمة الشاه المذكور وغيرهم من الأكابر والأعيان والإيرانيين وأمراء آل عثمان وأعاظم أهل العراق. وبالاختصار، إن كل هذه الديون قد أُكِلت عن آخرها مع كل


هذا لم تتغير حال ذلك الأمير الكبير أكان ذلك في المعيشة أو البذل والسخاء والكرم. وتضاعفت محبته للجمال المبارك في أواخر أيام حياته بدرجة تسترعي الأنظار، وكان يحضر للتشرف في المحضر المبارك بكل خضوع وخشوع. ومما لا أنساه أنه قد حضر ذات يوم إلى الساحة المقدّسة وقال: "قد تصادف أنني بينما كنت في رحلة إلى زيارة العتبات المقدّسة (أضرحة الأئمة من آل بيت الرسول) بعد عام 1250 بقليل وإذا بالمنجّم المشهور ميرزا موكب يفاجئني بقوله: "يا جناب الميرزا، إنني أرى في النجوم قرآنًا عجيبًا لم يشاهد له نظير قبل اليوم، وهذا دليل على ظهور أمر عظيم ومما لا شك فيه أن هذا الأمر العظيم هو ظهور القائم (المهدي) الموعود".

وما عتم الحاج المذكور أن قضى نحبه تاركًا ولدًا وبنتين ورّاثًا له وظنّ الناس أن ثروته باقية على ما كانت عليه، ولم يشكّ أحد في ذلك لما شاهدوه منه طوال أيام حياته مما حرك ثائرة الطمع في أذهان القائم بأعمال القنصلية الإيرانية وزمرة مجتهدي آخر الزمان وقاضي الشرع عديم الإيمان، فألقوا العراقيل بين الوراث وأوجدوا بينهم روح العداء والخلاف والتنافر وتمكنوا بذلك من التدخل في أمورهم بالكلية وعملوا على تقويض دعائم ثروتهم لسد أطماعهم وأنشبوا مخالبهم في التركة حتى وقع الورثة في مخالب الفاقة والفقر المدقع حفاة عراة بعد أن استولى على أموالهم كل من القائم بأعمال القنصلية الإيرانية والمجتهدين والقاضي الشرعي.

أما ابن المرحوم المدعو حرف البقاء وهو ميرزا موسى كان شخصًا مؤمنًا وموقنًا ونفسًا مطمئنة غير أن أختيه كانتا لأبيه ولم تعلما عن الأمر شيئًا. ذات يوم ذهب هاتان الأختان مع المدعو ميرزا سيد رضا المرحوم وهو أحد أصهارهما إلى دار المبارك ودخلتا إلى الحرم وأبقتا الصهر المذكور خارج البيت في انتظارهما ثم عرضتا في الحضور


المبارك: "إن القنصل والمجتهدين وقاضي الشرع قد خرّبوا دارنا وبدّدوا أموالنا وأن والدنا المرحوم كان لا يعتمد في أواخر أيام حياته إلا المقام المقدّس (الجمال المبارك) ولو أننا قد غفلنا وتأخرنا عن الالتجاء إلى مقامكم المقدّس فها نحن الآن جئناكم لاجئين ملتمسين العفو عن قصورنا آملين أن لا تخيّبوا رجاءنا وتشملونا بعنايتكم وتصونونا في كهف حمايتكم وتنقذونا من هذا الخطر الشديد الداهم بأن تعيروا أمورنا ومطالبنا جانب النظر ولا تنظروا إلى قصورنا."

فأجابهم الجمال المبارك بشكل قاطع بأنه ينفر من التدّخل في مثل هذه الأمور. أما هما فقد تشبثا بذيل حضرته وألحّا في طلبهما ولم يتركا البيت المبارك مدة أسبوع كامل، تصيحان في كل صباح ومساء طالبتين الأمان في جنابه قائلتين: "إننا لا نبرح داركم أبدًا، لأنا عاكفتان على رحابكم مرتميتان على أعتابكم المقدّسة، واقفتان على عتبة الملائكة الحافظين حتى تنظروا في أمرنا وتخلّصونا من يد الأعداء الظالمين".

أما الجمال المبارك فكان يكرّر على مسامعهما نصحه بأن هذه الأمور ترجع إلى الحكام والمجتهدين، ولا دخل لحضرته بشأنها. أما هما فلم تكفّا عن الإلحاح في هذا الصدد بكل إصرار مستدعيتين نظر عنايته بشأن مطالبهما. ولما كان البيت المبارك خلوًّا من حطام الدنيا في ذلك الحين فقد قنعتا بالخبز والماء والطعام الذي كان يجهز بالدّيْن، وبالاختصار إن الأمور كانت معقدة من جميع الوجوه. وفي النهاية طلبني الجمال المبارك ذات يوم وتفضل بقوله: "إن هاتين المخدرتين قد أثقلتا علينا من كثرة إلحاحهما، ولا حيلة غير أنك تذهب وتنهي هذه المسألة المهمة في يوم واحد". فتوجهت، امتثالاً للأمر المبارك،


في صبيحة اليوم التالي مصطحبًا جناب الكليم إلى بيت المرحوم، وأحضرنا أرباب الخبرة وجمعوا جميع المجوهرات في غرفة على حدة ووضعوا دفاتر الأملاك في غرفة وبقية الأشياء ذات القيمة في غرفة ثالثة، وقام نفر من بائعي المجوهرات بتثمين الموجود منها وقام أرباب الخبرة بتثمين البيوت والحوانيت والبساتين والحمامات. أما أنا فقد تركت الخبراء والمثمّنين وتوسّدت من شدة التعب مضجعًا بعد أن وضعت في كل غرفة شخصًا ليراقب الأعمال بكل دقة، وما أن انتصف النهار حتى كان كل شيء قد انتهى. وبعد تناول طعام الغداء أبدى أرباب الخبرة رأيهم بتقسيم التركة إلى قسمين واحد منهما للبنتين والآخر لجناب حرف البقاء بطريقة الاقتراع. وبعد أن اضطجعت قليلاً وشربنا الشاي قرب العصر دخلت داخل الحرم فوجدت أن التركة قد قسمت إلى ثلاثة أقسام! فسألت عن السبب في ذلك التقسيم، وأبديت بأنني أُخبرت بتقسيم التركة إلى قسمين فقط فأجاب جميع الوراث والمتعلقين في نفس واحد قائلين: "لابد من ذلك إذ رأينا أن يُعطى الثلث لجناب حرف البقاء والثلث الثاني للبنتين والثلث الأخير يوضع تحت تصرف حضرتكم، إذ رأينا أن يكون ثلث مال الميت تحت تصرفكم على الوجه الذي ترونه. فأغضبني ذلك جدّ الغضب وقلت: "إن هذا لا يمكن أبدًا، ومن باب أولى أن تُغلقوا هذا الباب إذ يستحيل أن أجري ما تقولون وقسمًا بالجمال المبارك إنني لا أقبل فلسًا واحدًا. فأقسموا هم أيضًا بأنهم لا يرضون إلا بما أقروه ولا يقبلون غيره. فقال لهم هذا العبد (عبدالبهاء): "دعونا من ذلك، فهل لديكم شيء آخر؟" فقال جناب حرف البقاء: "أين النقود؟ وسأل عن مقدارها؟ فقيل إن النقود لا تقل عن ثلاثمائة ألف تومان. قالت الكريمتان: "إن النقود،


إما أن تكون داخل صندوق في نفس البيت وإما أن تكون مدفونة في الأرض أو في الخارج أمانة عند أحد، فنحن نسلّم الدار بأجمعها إلى جناب الميرزا ونخرج بعباءاتنا فقط فإذا عثر حضرته على شيء من النقود فهي هبة منا له وأما إذا كانت النقود مودعة بصفة ما عند بعضهم وإذا شعر المؤتمن على المال بما حدث فكيف يقرّ بالمبلغ المودع عنده أو يعيده إلينا وإنه لا شك أنه سيستولي عليه، وعلى جناب الميرزا توضيح هذه المسألة المعقّدة وغير المثبوتة. فقال جناب حرف البقاء إن جميع الأموال كانت مسلّمة للكريمتين ولم أعلم عنها شيئًا بالمرة ومجرد الادعاء لا يثبت الحق إذ ليس هناك دليل واضح يمكن الاستناد عليه وقال إن الحاج المرحوم ربما لم يكن لديه نقود بالمرة.

أخيرًا لاحظ هذا العبد (عبدالبهاء) أن ليس هناك برهان قاطع في هذه الدعوى وأن الإلحاح في الموضوع لا يسبب غير الأسف ولا ينتج شيئًا ولهذا رأيت أن تعمل قرعة بخصوص الثلث المنوه عنه وفي النهاية وضعناه في غرفة على حده وأغلقنا بابها وختمناه بالشمع الأحمر وأخذت المفتاح للحضور المبارك وعرضت على حضرته أن العمل قد انتهى وما ذلك إلا بتأييد الجمال المبارك وإلا كان الحال يستلزم حوْلاً كاملاً على الأقل وشرحت بتفصيل كل ما حدث من الإشكالات والادعاءات وفقدان البينات وبأن حضرة حرف البقاء أثقلت كاهله الديون وأن ما خصه من التركة لا يفي بأدائها ومن المستحسن، إذا وافقت الحضرة، قبول ملتمس الورثة في مسألة الثلث. فقبل حضرته ذلك بعد الإلحاح الزائد ثم وهبه لجناب حرف البقاء لعله يتمكن من التخلص مما عليه من الديون ويستعين بما يتبقى على عيشة وما يحتاج إليه.

وفي اليوم التالي، حضر جميع الورثة إلى الساحة المقدّسة ورجوا أن أقبل ذلك الثلث. فتفضل جمال القدم بأن ذلك من المحال فألحوا


أن يقبله حضرته ليصرفه بمعرفته في الأمور الخيرية. فقال حضرته: "أما أنا فأرى صرف هذا المبلغ في مورد واحد" فقالوا إنهم لا يعارضون في ذلك حتى ولو قذفه حضرته في اليم، ولا يرجون إلا قبول ملتمسهم. فقال حضرته: "إنني قبلت هذا الثلث ووهبته لحضرة حرف البقاء بشرط أن لا يدّعي شيئًا بعد ذلك". ثم قام جميع الورثة بأداء عظيم الشكر لحضرته وانتهت القضية في يوم واحد بكل راحة وهدوء ولم يبق هناك ادعاء ولا ملاحقة. بعد ذلك رأى حضرة حرف البقاء أن يقدّم للحضرة بعد المجوهرات بصفة هدية فلم يقبل حضرته ذلك، فالتمس من الجمال المبارك قبول خاتم ذي فصّ من الياقوت الرماني الحبابي نادر المثال خال من العيوب مرصعة أطرافه بالماس غالي الثمن فلم يقبل حضرته ذلك أيضًا مع أن حضرته في ذلك الحين كان لا يملك عباءة واحدة بل كان يرتدي قفطانًا مصنوعًا من القطن أكل عليه الدهر وشرب ولا يملك فلسًا واحدًا على حدّ قول حافظ الشيرازي (الشاعر المشهور) ما معناه:

الكنز في الكم لكن كيسي من الدراهم خال

ومجمل القول، إن جناب حرف البقاء قدّم كل ما يملك من عقار وبساتين وأملاك وأراض للجمال المبارك والتمس قبولها فلم يقبل حضرته، فتوسل حرف البقاء بعلماء بغداد لدى حضرته فحضر جميعهم إلى الساحة المقدّسة ورجوا قبول ذلك فأبا حضرته فألحّوا وألحَفُوا إن حضرة حرف البقاء سيبدّد كل ما يملك في قليل من الزمن ومن باب أولى أن لا يتصرّف هو في كل ما يملك وقدّموا للحضرة صك الهبة بخط حرف البقاء من نسختين بالفارسية والعربية طبقا للمذاهب الخمسة، وفي ذيل ذلك الصك تواقيع وأختام العلماء في مدينة بغداد بصفة شهود ومن جملة العلماء كان عبدالسلام


أفندي العالم النحرير والسيد داود أفندي الفاضل الشهير. أما الجمال المبارك فقد تفضل بقوله: "إننا قد جعلنا ميرزا موسى وكيلاً عنّا في هذا الأمر". وبعد أن شرف الجمال المبارك إلى الروملي (أدرنه) ألزمت الحكومة جناب حرف البقاء بدفع أعشار إقليم هندية الذي هو بالقرب من بغداد وهو من ممتلكاته وكان هو وقتئذ في حالة إعصار فحلت به من جراء ذلك خسائر فادحة تقدر بمائة ألف تومان حيث عجز عن دفعها. فوضعت الحكومة يدها على أملاكه وباعتها بأبخس الأثمان، وقد عرض هذا الأمر على الجمال المبارك فأمر حضرته أن يضعوا هذا الأمر في زوايا الكتمان وأن لا يأتي ذكر ما يحل بهذه الأملاك على لسان أحد. وفي تلك الأثناء، وقع حادث النفي من أدرنه إلى عكاء وقام جناب آقا ميرزا محمد بإخبار الحكومة أن حرف البقاء ليس بمالك وأنا الوكيل إذ الأملاك تتعلق بحضرة جمال القدم فكيف تضع الحكومة يدها عليها وحيث أنه لم يكن في يده صك الهبة بأنه كان في عكاء فرفضت الدعوى، واشتهر باسم ميرزا محمد الوكيل وهذا سبب تلقيبه بالوكيل.

أما الخاتم الذي فصّه من الياقوت فقد أرسله إلينا حضرة حرف البقاء ونحن في أدرنه بواسطة المدعو سيد علي أكبر، فأمر الجمال المبارك بقبوله. وعندما وصلنا إلى عكاء مرض من كان معنا من الأحباء بدرجة أعيتهم عن الحراك من شدة المرض، فأرسل هذا العبد (عبدالبهاء) الخاتم المذكور إلى أحد الأحباء في بلاد الهند ليبيعه ويوافينا بثمنه بكل سرعة ممكنة لكي نصرفه على المرضى. أما الحبيب المذكور، فلم يوافِنا بفلس واحد من ثمن الخاتم ثم كتب لنا بعد عامين كاملين أنه قد باع الخاتم بمبلغ خمسة وعشرين جنيها، وصرفها


على الزائرين مع العلم أن الخاتم يقدّر بأكثر من ذلك بكثير وأما هذا العبد (عبدالبهاء) فلم يلجأ إلى الشكوى بل شكر الباري على ما وقع حيث لم يتلوث ذيلنا بغبار تلك الأموال. وبعد كل هذا، وقع جناب ميرزا محمد الوكيل أسيرًا ونفوه إلى الحدباء (الموصل) فوقع في المتاعب الشديدة من شدة الفاقة إذ كان غنيًا فأصبح فقيرًا وكل ذلك في سبيل الله، وكان في أتم الراحة فوقع في الشقاء في سبيل الله أيضا، ومضى بقية أيامه في بلدة الموصل بغاية التذلل والتبتل إلى أن صعد من هذا العالم الظلماني إلى العالم النوراني وهو في كمال الانقطاع عما سوى الله، وفي نهاية الانجذاب بنفحات الله.

عليه التحية والثناء وفتح الله على ترابه أبواب السماء بماء منهمر من العفو والغفران.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
جناب الحاج محمد رضى الشيرازي، هو أحد المهاجرين والمجاورين وهذا الشخص الرباني من أهالي مدينة شيراز. وكان مظهرًا للإيمان والإيقان بعجز وانكسار متناهيين، وبغاية الاطمئنان سرع إلى ظل العناية الربانية بمجرد ارتفاع النداء وهو ألسْت (بربكم) إذ قال – بَلَى – فأصبح مشكاة مصباح الهدى وفي غاية التبتل والابتهال ووُفق لخدمة أحد أفنان السدرة المباركة المدعو الحاج ميرزا محمد علي مدة طويلة وكان أنيسًا ومجلسه لا يمل ولا يرجو غير الخير للجميع. ثم طوّحت به يد الأسفار إلى مختلف الأقطار إلى أن ألقى عصاه في الأرض المقدّسة ووصل إلى الساحة المقدّسة وفاز بشرف اللقاء بكمال الخضوع والخشوع وانتهل من بحر الألطاف غير المحدود وآقام بجوار العتبة العليا زمنًا ليس باليسير متمتعًا بالمثول بين يدي الحضرة في أغلب الأوقات مشمولاً بنظر العناية والفضل والموهبة الكاملة. أما في حسن الأخلاق فقد بزّ الكثير من أقرانه عاملاً بالتعاليم الإلهية، ساكنًا صبورًا على الشدائد، متفانيًا في تنفيذ إرادة من لا شبيه له، زاهدًا في الدنيا، غاية أمله الوحيد رضاء الله ولم يتحول عن ذلك أيام حياته. وسافر بعد ردح من الزمن إلى مدينة بيروت وقام على خدمة حضرة الأفنان المذكور عليه بهاءالله بكل إخلاص مدة طال أمدها، ولم ينقطع عن زيارة العتبة المقدّسة والتشرف بالمثول بين يدي المنظر الأكبر. ثم



ألمّ به مرض وهو في مدينة صيدا وأعياه عن الذهاب إلى عكاء ثم أدركته المنون فانتقل بكمال التسليم والرضاء إلى الملكوت الأبهى، واستغرق في بحر الأنوار وقد جرى من القلم الأعلى عنايات لا حدّ لها في ذكره.

في الحقيقة، إن هذا الشخص يعدّ من الثابتين الراسخين في الأمر وركنًا ركينًا في العبودية للجمال المبارك ولطالما سمعت ذكره بالخير من الفم المطهر.

عليه التحية والثناء، وعليه البهاء الأبهى، وعليه الرحمة الكبرى، وله المغفرة العظمى من رب السموات العلى. أما قبره المنور ففي مدينة صيدا بجوار المقام المشهور بمقام سيدنا يحيى.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان من جملة المهاجرين والمجاورين حسين أفندي التبريزي وهو ممن شربوا من الكأس الطافحة بصهباء محبة الله. سافر إلى بلاد اليونان وهو في عنفوان الشباب ومكث فيها مدة مشتغلاً بالكسب هانئ العيش حيث ظهرت بوارق الظهور فرحل إلى أزمير واستمع للنداء الجديد فاشتعلت في قلبه نار محبة الحق وزاد هيامه فهام في بيداء العشق الإلهي، والشوق لمشاهدة المحبوب، فساعدته الظروف ووصل إلى العتبة المقدّسة وفاز باللقاء، ولازم التشرف زمنًا ليس بالقليل وكان من المقربين. وأخيرا، أمره النيّر الأعظم بالذهاب إلى حيفا للآقامة فيها، فصدع بما أمر وأوقف حياته على خدمة الأحباء محطًا لرحال المسافرين من الأحباء. وكان على جانب عظيم من مكارم الأخلاق، ليّن العريكة، حسن الطباع والنوايا، محبوبًا لدى الجميع من أحباب وأغيار، محبًّا للخير، ودام على استقامته بعد صعود الجمال المبارك إلى الملأ الأعلى، راسخًا في العبودية لجمال القدم ولم يتحول عن ذلك طرفة عين، مؤنسًا للأحباء نديمًا للأصفياء. ونسج على هذا المنوال السنين الطوال عزيزًا في نفسه يرى كأنه أعز من سلاطين الأرض وملوكها بقوة إيمانه، وقد صاهر جناب آقا محمد قلي أحد أخوة الجمال المبارك وكان حسن المعاملة بعيدًا عن المداهنة، دائم الخوف من الامتحانات والافتتانات، حذرًا من تدفق طوفان


الامتحانات الإلهية على الأكوان مخافة أن يقذف موجه بالنفوس في هوة لا قرار لها، لا يفتأ يئن من شدة الخوف حتى أدركته المنون وتخلص من هذه الدار الفانية وبيده خلع ثوب حياته.

عليه التحية والثناء، وعليه الرحمة والرضوان، وغفر عنه وأدخله الله في الجنة العليا وفردوسه الأعلى. أما قبره المعطر ففي حيفا.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان المذكور من جملة المهاجرين والمجاورين. ولد هذا الرجل الرشيد في مقاطعة كرجستان (من إقليم القوقاز) وترعرع واشتد في مدينة كاشان، ونشأ محبًا للصداقة والأمانة والديانة والعزة. ولما بلغ سمعه نداء البُشرى بطلوع صبح الهدى وارتفع ذلك النداء شمس الحقيقة من أفق إيران، اشتعل في فؤاده نار الشغف والوله وأوقد في قلبه نار محبة الله. فخلع عذار الشبهة والارتياب عند سطوع أنوار شمس الحقيقة وأوقدت في وجوده شموع الهداية وسكن إيران مدة من الزمن ثم غادر إلى الروملي (في البلاد العثمانية) ومَثُلَ بين يديّ جمال القدم في أرض السرّ وفاز بشرف اللقاء وهو في غاية الانجذاب منشرح الصدر ومسرورًا للغاية حتى صدر له الأمر المبارك بالسفر مع كل جناب آقا محمد باقر وجناب آقا عبدالغفار إلى إسلامبول حيث وقع في مخالب الأعداء هدفًا للسلاسل والأغلال هو وجناب الأسطى محمد على الدلاّك واعتبروا جناب جمشيد من الوحوش الكاسرة وجناب الأسطى محمد علي الدلاك من السباع الشاردة ثم دفعوا بهذين الشخصين المحترمين، بعد أن عذبوهما في السجون، إلى حدود إيران بصفة أسرى ليسلّما إلى الحكومة لصلبهما أو لشنقهما محذرين بكل شدة من تركهما مخافة أن يفلتا لذا كانوا يحبسونهما في أماكن صعبة للغاية حتى إنهم ألقوهما في غيابة جب عميق قاسيَا فيه أنواع العذاب


طوال الليل حتى الصباح وعند ذلك صاح آقا جمشيد قائلاً: "أيها الحراس هل نحن يوسف الصديق حتى تلقونا في غيابة الجب! أما سيدنا يوسف فقد ارتفع من غيابة الجب إلى أوج قمر السماء. ولما كان إلقاؤنا في غيابة الجُبِّ هو في سبيل الله فلا شك ولا شبهة في أن هذا البئر العميق هو لنا عين الرفيق الأعلى".

ومختصر القول، إن الحراس قد سلموهما لرؤساء الأكراد على حدود إيران ليبعثوا بهما إلى طهران غير أن هؤلاء الرؤساء لما تأكدوا أن هذين المظلومين من محبي الخير لجميع العباد وأنهما قد سطت عليهما يد التطاول دون ذنب اقترفاه أطلقوا سراحهما ولم يرسلوهما إلى طهران.

وبمجرد إطلاق سراحهما قصدا محبوب العالمين سيرًا على الأقدام حتى وصلا إلى السجن الأعظم وألقيا عصاهما في جوار جمال القدم وآويا إلى رحابه. وقضى آقا جمشيد زمنًا طويلاً في غاية السرور والبهجة والفرح هانئ العيش في ظل ألطاف الرحمن فائزًا باللقاء في أكثر الأوقات ساكنًا مستقرًا وكان جميع الأحباء راضين عنه وهو راضٍ بما قسم له واستمر على هذا الحال حتى سمع نداء "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية"، فأجاب بقوله: "بلى!" وانتقل من السجن الأعظم إلى الأوج الأعلى طائرًا من عالم التراب إلى العالم الطهور. أغاثه الله في الرفيق الأعلى وأدخله في فردوس الأبهى وأخلده في جنة المأوى وعليه التحية والثناء. أما قبره المعنبر ففي عكاء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان للحاج جعفر التبريزي، الذي كان من جملة المهاجرين والمجاورين، أخوان هما الحاج حسن والحاج تقي، وكان هؤلاء الثلاثة كالنسور الطائرة أو كالنجوم البازغة المضيئة بنور محبة الله وأشعة أنوارهم بادية من أفق إيمانهم وإيقانهم.


أما الحاج حسن فكان من المؤمنين السالفين استضاء ولمع بأنوار فجر الظهور منذ بزوغه، وكان فطنًا شديد الوله والانجذاب. سافر وانتقل بعد إيمانه إلى كل بلدة وقصبة في إيران تؤثر أنفاسه في قلوب المشتاقين حتى وضع الرحال في العراق. وفاز بشرف المثول بين يدي حضرة المحبوب وبمجرد مشاهدة أنوار الجمال انجذب إلى ملكوت الجلال فهام ووله واستنار وأنار ثم أُمر بالرجوع إلى إيران. ولما كان بائعًا جوالاً حمل سلعه متنقلاً من بلدة إلى أخرى ثم عاد إلى العراق للمرة الثانية فازدادت شعلة اشتياقه للجمال الأبهى حتى أصبح، وهو في دار السلام، في غاية الانجذاب ثملاً بصهباء الوصال واستمرّ على سفراته بين دار السلام وإيران لا يفكر إلا في ترويج الأمر وإعلاء كلمة الله ولم يكن يعبأ بأمور تجارته، ثم وقع في مخالب اللصوص وجردوه من سلعه وأصبح صفر يدين وكان يردد قوله: "إن حملي أصبح خفيفا". فانقطع عن كل علقة بهذه الدنيا ووصل انجذابه إلى حد


الجنون وغدا مفتون جمال محبوب العالمين واشتُهر بين الخلق بالمجذوب إذ كانت تصدر منه حالات غريبة. مثلاً تراه أحيانًا يجالس الناس ويحادثهم في مسائل التبليغ ببيان فصيح مستشهدًا بالآيات والأحاديث المناسبة للمقام مع الأدلة العقلية والحجج الدامغة حتى إن سامعيه كانوا يقرّون برجاحة عقله ورزانته وسعة اطّلاعه. وكنت طورًا تراه من فرط انجذابه قد عيل صبره فيقوم ويرقص من شدة طربه، وكان طورًا يغني بصوت مرتفع ويترنم بالأشعار بأبدع الألحان وطورًا تراه يبتدع أنواعًا من الأغاني. وفي أواخر حياته، اقتصر على مصاحبة المدعو – جناب منيب – وصار يجالسه ويؤانسه وكان يجمعهما تناغم الأفكار والألحان في الروح والجنان.

ومختصر القول، إنه بعد أن سافر الأحباء من بغداد رحل إلى أذربيجان وأخذ في نشر النفحات بنعرة – يا بهاء الأبهى – غير هيّابٍ ولا وجِل فتصدّى له جماعة من الملحدين الذين اتحدوا مع بعض آقاربه وأخذوه إلى حديقة هناك وبدءوا يستدرجونه في الحديث وكان يجيب عن أسئلتهم دون تستّر كاشفًا لهم الحجاب عن كل ما يتعلق بالظهور الأعظم ببراهين قاطعة بأفصح العبارات مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمأثورة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام برهانًا على ما يقول. وكان كلما أتم حديثه أخذه عامل الشوق والوله فيأخذ من شدة انجذابه في الغناء بألحان شجية أمام الحاضرين، وينشد الأشعار بخصوص هذا الظهور دون تلعثم أو انتظار، مما أثار حفيظة الملحدين من الأعداء فتجمعوا عليه وأوسعوه ضربًا حتى فارق الحياة ثم قطعوا جسده إربًا إربًا وطمروه في التراب.

كان هذا الشخص الطاهر عديم النظير، قد جذب أخاه الحاج


محمد جعفر إلى أنوار الجمال وقد فاز هذا الأخ بالتشرف بلقاء نيّر الآفاق في العراق واشتعل بنار محبة الله وكان بائعًا جوالاً مثل أخيه المرحوم واتفق أنه كان في إيران حال رحيل الجمال المبارك من بغداد إلى عاصمة مملكة الإسلام (إسلامبول) وما أن بلغ حضرته أرض السر حتى جاء ذلك الأخ مع أخيه الأخير – الحاج تقي – إلى أدرنه من أذربيجان واستأجرا بيتًا وسكناه إلى أن كانت نتيجة أعمال الأعداء إرسال الجمال المبارك إلى السجن الأعظم – عكاء – ومنعت الحكومة الأحباء عن مرافقة حضرته وقصدت بذلك أن يسافر الجمال المبارك ولا يكون في معيته غير أفراد أسرته وذويه، فلما شعر بذلك الحاج حسن المذكور لم يستطع صبرًا وجزّ حلقومه بموسى حاد ففزع القوم وهالهم هذا العمل بدرجة لا حدّ لها. ولما شاهدت الحكومة ذلك (يعني أن أهل البهاء لا يستطيعون الحياة بعد سفر محبوبهم) أجازة سفر الجميع في معيّة الجمال المبارك وكل هذا كان ببركة الحركة التي أبداها الحبيب الذي جُزّ حلقومه. ثم خاطوا الجرح ولم يكن هناك أمل في التئامه ونقلوا الجريح إلى المستشفى بأمر الجمال المبارك مؤكدين له بأنه سيحضر إلى عكاء بعد شفائه فاطمأن قلبه ثم سافر جمال القدم ومن معه إلى السجن الأعظم ولم يمض أكثر من شهرين إذ جاء جناب الحاج المذكور مع أخيه إلى قلعة عكاء وانضمّا إلى المسجونين من أهل البهاء فأخذت شعلة اشتياقه في الازدياد آنا غُبّ آن حتى إنه كان يسهر ليله حتى السحر يتلو الأنجية وعيناه تذرفان الدمع من شدة البكاء حتى سقط ذات ليلة عن سطح الثكنة فكانت القاضية وصعدت روحه إلى ملكوت الآيات.

أما أخوه النوراني – الحاج تقي – فكانت أحواله وأطواره تتشابه


مع ما كان لأخيه المرحوم جعفر بالضبط غير أنه كان أكثر سكونًا وعاش بعد أخيه منفردًا صامتًا في غرفته. وكان يجلس في كمال الأدب واتفق أنه بينما كان على سطح بيته مشغولاً بتلاوة الآيات إذ به يسقط خلف الدار وبالبحث عنه وجدوه فاقد الوعي. أما سبب وقوعه فلم يُعلم، أكان عمدًا أم سهوًا. ولما أفاق من غشيته قال: "إنني كرهت البقاء ولذا رجوت الفناء لأني لا أحب البقاء في هذا العالم ولو دقيقة واحدة وأرجوكم أن تدعوا الله أن يكون لي ذلك حتى أفارق هذه الدار."

هذا شرح حال الأخوة الثلاثة الذين كان كل منهم نفسًا مطمئنة راضية مرضية مشتعلة منجذبة طاهرة مقدسة ولذا فارقوا هذا العالم وهم في غاية الانقطاع إلى الله والتوجه إليه والإيقان به ودخلوا الملكوت الأعلى. ألبسهم الله خِلع الفضل والإحسان في ملكوت الغفران وأغرقهم في بحار رحمته إلى أبد الآباد وعليهم التحية والثناء

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان حضرة الحاج ميرزا محمد تقي أفنان، الملقب بوكيل الدولة، من النفوس الزكية والحقيقة النورانية والجلوه الرحمانية.

هذا الفرع الجليل هو من أفنان السدرة المباركة. اجتمع فيه شرف الأعراق مع حسن الأخلاق أما حسبه ونسبه فكان حقيقيًا وهو من الذين انجذبوا بنفحات الله بمجرد قراءة كتاب الإيقان وانشرحت صدورهم بترتيل الآيات فطغى عليه الوجد والوله بحيث ترك إيران قاصدًا العراق، ملبيًا النداء بالروح والريحان فقام من شدة الاشتياق وطوى الفيافي والقفار بكل روح وريحان إلى أن وصل إلى العراق وهو فائر لم يهدأ له بال ثم ذهب وهو في دار السلام إلى الساحة المقدّسة وفاز بشرف المثول بين يدي الجمال المبارك واعتلى ذروة القبول، فوله وانجذب وانقطع عما سوى الحق بدرجة تفوق الوصف. كان صبيح الوجه، نوراني الطلعة حتى إن جميع الأحباء في العراق سمّوه "أفنان المليح" وكان في الحقيقة نفسًا مباركة، ومحترمًا للغاية. لم يقصّر في خدماته طوال حياته، انجذب بنفحات الله من فاتحة أيام حياته وتوجت خاتمة مطافه بأعظم خدمة لأمر الله. كان حسن المعاملة، شهي الحديث، لم يفتر عن عبوديته للحق لحظة واحدة، يؤدي أعماله فرحًا مسرورًا، وكان كل ذلك مع ما كان عليه من حسن السلوك ينم


عن مقدرة في تبليغ أمر الله وتنبيه الكثيرين. وبعد أن فاز بشرف اللقاء في بغداد، عاد إلى إيران وباشر أمر التبليغ بلسان فصيح، إذ هكذا يجب أن يكون التبليغ بلسان فصيح وقلم بليغ مشموليْن بحسن الأخلاق وحلاوة القول وطيب الأعمال والاستقامة في السير والسلوك حتى شهد الأعداء والخصماء بعلوه وروحانيته وأقرّوا بأن هذا الشخص لا نظير له في العمل والقول والتقوى والأمانة والديانة وهو فريد ووحيد في جميع الشؤون ولكنه للأسف بهائي أي أنه ليس مثلنا متهورًا غير مبالٍ ومرتكبًا للسيئات ومنهمكًا في الشهوات ومطيعًا للنفس والهوى.

سبحان الله! فقد لاحظوا أن هذا الشخص الذي لا مِراء في أنه مطلع الهدى قد انقلبت أطواره العتيقة وأصبح بمجرد وصول نفحات الأبهى إلى سمعه، مشكاة شعاع شمس الحقيقة.

لم يتنبه للأمر أيام كان تاجرًا في يزد، وبعد ذلك أصبح سبب انتشار نور الهداية حقًا. ولم يكن له مقصد سوى إعلاء كلمة الله، جل أمله نشر النفحات فكره محصور في التقرب من ساحة الكبرياء مطمئن القلب بترتيل آيات الله، مظهر رضاء الجمال المبارك ومطلع عطاء الاسم الأعظم، وكثيرًا ما تكررت على لسان جمال القدم عبارات الرضاء في حقه حتى إن الجميع تأكدوا أنه سيكون هذا الشخص مصدرًا لأمر عظيم. أما ثبوته ورسوخه على الأمر بعد الصعود المبارك فكان لا ينكره أحد ولم يكن ليتأخر عن الخدمة مهما كانت الحال رغم ما كان هناك من موانع وعقبات كأداء ومشاغل لا حصر لها. ولما عاف تشتت أفكاره ترك الراحة والتجارة والأملاك والأراضي والعقار ورحل إلى عشق آباد وشرع في بناء مشرق


الأذكار هناك ولا مِراء في أن هذه الخدمة عظيمة للغاية لأنه كان أول شخص قام ببناء مشرق الأذكار (في مدينة العشق) وأصبح الباني الأول لبيت توحيد العالم الإنساني ووفق إلى ذلك بمعونة أحباء (عشق آباد) واعتبر السبّاق في هذا الميدان حيث لم يسبقه أحد في آقامة مشرق للأذكار. آقام في عشق آباد زمنًا طويلاً لم يذق للراحة طعمًا يحث الأحباء ويشوّقهم إلى ما هو قائم بعمله وهم بدورهم أيضًا قد بذلوا ما وسعهم في هذا السبيل مضحين بكل مرتخصٍ وغالٍ إلى أن تم البناء المذكور وعم صيته الشرق والغرب. أما هو فقد أنفق كل ماله، إلا القلة، في هذا السبيل. هكذا يكون الإنفاق وهذا هو شرط الوفاء.

ثم توجه بعد ذلك إلى الأرض المقدّسة وآقام بجوار مطاف الملأ الأبهى ملتجئًا إلى المقام الأعلى (مقام حضرة الباب) بنهاية التضرع والابتهال وفي غاية التنزيه والتقديس، مشتغلاً بذكر الله على الدوام يناجي الحق بقلبه ولسانه.

كانت روحانيته عظيمة ونورانيته لا مثيل لها، وكان من الذين قالوا في قلوبهم "بلى" قبل أن يُقرع طبل "ألسْت". وقد اشتعل في العراق بنار محبة نيّر الآفاق بين سنة السبعين والثمانين بعد المائتين للهجرة، وشاهد الإشراق من الأفق الأبهى، ولاحظ ببصيرته قوله: "إنني حي في الأفق الأبهى".

أما بشاشتة فحدّث عنها ولا حرج. كان إذا ألمّ بي حزن ولاقيته استبدل حزني بالفرح والسرور في الحال. وكانت عاقبته، والحمد لله، ساطعة الأنوار للغاية وانتقل إلى الملكوت الأبهى بجوار المقام الأعلى فأثرت مصيبة انتقاله في عبدالبهاء أيما تأثير.


أما مرقده المنور في حيفا بجوار حظيرة القدس قرب مقام سيدنا الخضر ويجب أن يشاد له قبر بكل إتقان. نوّر الله مضجعه بأنوار ساطعة من ملكوت الأبهى وطيب الله جدثه المطهر بصيّب مدرار من الرفيق الأعلى. عليه البهاء الأبهى.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان من زمرة المهاجرين والمجاورين، جناب آقا عبدالله البغدادي الذي اشتهر بين الخلق في أول أدوار شبابه أنه من أهل اللهو والهوى المنهمكين في اللذائذ، وشهد الكل أنه من أسرى الشهوات المستغرقين في بحور المشتهيات الجسمانية، ولكنه بمجرد إيمانه وإيقانه وانجذابه بنفحات الرحمن أصبح خلقًا جديدًا في حالة تستوجب الاستغراب إذ انقلب فجأة بالكلية وأصبح سماويًا بعد أن كان أرضيًا، وروحانيًا بعد أن كان جسمانيًا، ونورانيًا بعد أن كان ظلمانيًا، ورحمانيًا بعد أن كان شيطانيًا، ولؤلؤ صدف لامع بعد أن كان خزفًا، وجوهرًا وضّاءًا بعد أن كان حجرًا أسودًا، وقد احتار الأغيار في أمره وقالوا: "ما هذا الانقلاب الذي حصل لهذا الشاب الذي أصبح منقطعًا عن الدنيا، منجذبًا إلى الحق، طاهرًا بعد أن كان دنسًا، لابسًا ثياب الزهد والتقوى بعد ما كان منهمكًا في اللهو والهوى. نراه اليوم قد زهد في الدنيا وطوى بساط اللذات والمرح وقنع من الدنيا بالوله والانجذاب إلى الحق".

وخلاصة القول، إنه قد عاف الهناء ولذة العيش وتوجه راجلاً إلى عكاء بوجه مستبشر، كان بهي الطلعة نورانيًا وروحانيًا بدرجة أن قَلْبَ كل من رآه كان يمتلئ سرورًا وبهجة.

سألته مرّة: "آقا عبدالله كيف حالك؟"، فأجابني: "كنت، يا


مولاي، مظلمًا أصبحت بعناية الجمال المبارك وفضله منيرًا، كنت بلقعًا أصبحت روضة أوراد غناّء، كنت معذّبًا أصبحت في نعيم، كنت مكبلاً بالقيود الدنسة أصبحت حرًا منزهًا طاهرًا، كنت متعلّقًا بعالم الناسوت أصبحت متعلّقًا بعالم الملكوت، كنت كطائر في قفص أصبحت طليقًا أفترش الأرض في الصحاري الغبراء وألتحف السماء مسرورًا مبتهجًا. ولو أن فراشي كان قبل اليوم من الخزّ الناعم غير أن روحي كانت في عذاب أليم، ولو أني الساعة خالي الوفاض ولكنني في غاية الروح والريحان.

وعلى الجملة، إن هذا الشخص المنجذب بالنفحات قد ذاب قلبه أسى لما شاهد مظلومية نيّر الآفاق وتمنى أن يفدي حضرته بالروح حتى حان حينه واستجيب دعاؤه وانتقل من هذا العالم الظلماني إلى العالم النوراني.

أما قبره المنور ففي عكاء. عليه البهاء الأبهى وعليه الرحمة من فيض الكبرياء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان حضرة آقا محمد مصطفى البغدادي في عداد المهاجرين والمجاورين. هذا السراج الوهاج، النجل الخليل للعالم النحرير الشيخ محمد شبل، من أهل العراق العربي. اشتهر حضرة محمد مصطفى البغدادي بتفرده في جميع الآفاق بالشجاعة، والشهامة، والوفاق من فجر شبيبته. اهتدى إلى فجر الظهور منذ كان طفلاً على يد والده، فاستنار قلبه وأحرق ستر الوهم وفتح حديد بصره، فشاهد الآيات الكبرى وأعلى نعرة "قد أشرقت الأرض بنور ربّها" غير هيّاب ولا وجل.


كنت ترى هذا الشخص الكريم، رغم التعرض الشديد للمؤمنين وسوط عذاب أولي الشأن وانزواء الأحباء خلف ستار التقية (عدم إظهار المعتقد) من شدة الخوف من الأعداء، غاديًا ورائحًا في دار السلام بكل شجاعة وجسارة يقاوم كل ظالم بعزم ثابت وقوة خارقة، واشتهر في سنة السبعين في العراق بمحبة نيّر الآفاق. وأما الذين اتخذوا الحيطة والكتمان أصبحوا في زوايا النسيان.

وأيم الحق، إن هذا الهزبر الذي لا يضارع، كان يمرّ في أسواق بغداد يهابه كل من رآه، وتخشى الأشرار بأسه ولم يتعرضوا له مخافة بطشه. وقد ظهرت، على الأخص رجولة هذا الرجل الرشيد بأجلى


معانيها للقاصي والداني، بعد رجوع جمال القدم من كردستان (السليمانية) إذ كان يتشرف بالحضور المبارك كلما صدر له الإذن بذلك، وكان يمتع سمعه بما يخرج من فم المبارك من البيانات ويفوز بالعنايات وهو أول محبّ ظهر في العراق جاهرًا بمعتقده واستمر بعد أن تحرك الموكب المبارك من دار السلام إلى المدينة الكبرى (اسلامبول) على مقاومة الأعداء وخدمة الأمر بكل همة ونشاط، يبلّغ الناس علانية ولما ذاع في الآفاق إعلان من يظهره الله كان من الذين أذعنوا لظهوره مع أنه كان متأكدًا من ذلك ومؤمنًا قبل الإعلان حتى إنه قال: "إنّا آمنا قبل أن يرتفع النداء، لأنه قد رفع الستار عن الإشراق بين الآفاق قبل ارتفاع النداء وشاهد الأنوار كل ذي بصر حديد ورأى الجمال المطلوب كل طالب بصير".

وعلى الجملة، إن هذا الشخص قام على خدمة الأمر بكل ما أوتي من قوة، ولم يهدأ لحظة في هذا السبيل. وبعد حركة جمال القدم إلى السجن الأعظم لاقى هذا المحب من الأعداء ما لاقى، فبعد أسر الأحباء ونفيهم من الزوراء إلى الحدباء (الموصل)، وخصومة الأعداء وتعرّض أهل دار السلام، لم يفتر عن مقاومة الأعداء واستمر على ذلك زمنًا ليس بالقليل حتى تأججت نار الشوق للقاء المحبوب بين ضلوعه فترك الأوطان والأهل والخلاّن وتوجه منفردًا إلى السجن الأعظم (عكاء) فوطئ المدينة في أيام الشدة والضيق وفاز بشرف اللقاء وطلب السماح له بالسكنى حوالي عكاء. فصدر له الإذن بالآقامة في بيروت، فصدع بالأمر وآقام في تلك المدينة خادمًا للأمر بكل إخلاص، محطّ رحال جميع الأحباء الذاهبين للتشرف والآيبين من أرض المقصود. وكان يرحب بالجميع بكل حفاوة، يعاونهم ويسهل لهم الطريق بكل مودّة،


مضحّيًا بكل مرتخصٍ وغالٍ في سبيل راحة الأحباء الذاهبين إلى عكاء والعائدين منها، والكل يشهد بذلك. وعمّت شهرته في هذا الصدد كل صوب وحدب. واستمر بعد أفول شمس الحقيقة وصعود نيّر الملأ الأعلى، ثابتًا مستقيمًا على العهد والميثاق الإلهي بدرجة زلزلت فرائص المتزلزلين الناقضين ولم يجرؤ أحد منهم أن يحرك لسانه بكلمة أمامه لأنه كان كالشهاب الثاقب يرجم الشياطين، وكالسيف القاطع على أعناق الناكثين، ولم يجرؤ أحد منهم أن يمرّ من الحي الذي هو فيه، وإذا تصادف أن مرّ به أحد الناقضين، في الطريق مثلاً، مرّ هذا الأخير مرّ الكرام وكأنه من الصم البكم العمي الذين لا يرجعون.

حقًا، إنه كان بين القوم مصداق "لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تزعزعه صولة شاتم".

ومختصر القول، إنه لم يتزعزع عن أسلوبه، من قلب فارغ ونيّة صادقة وإخلاص في خدمة الأحباء قاصدي الروضة المطهرة، الطائفين حول مطاف الملأ الأعلى. ثم انتقل في أخر الأمر إلى بلدة الاسكندرونة وعاش فيها زمنًا منجذبًا إلى الله منقطعًا عما سواه مستبشرًا ببشارات الله متشبثًا بالعروة الوثقى مشهورًا بالتقديس، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

رفعه الله إلى الأوج الأعلى والرفيق الأبهى، وأدخله في عالم الأنوار، ملكوت الأسرار، محفل تجلي ربه العزيز المختار. وعليه البهاء الأبهى.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان من جملة المهاجرين والمجاورين جناب سليمان خان التنكاباني الملقب ب‍ جمال الدين. ولد في مدينة تنكابان وهو من العائلات القديمة في ذلك الإقليم. نشأ ونما ورضع من ثدي الراحة والعزّة، وتربّى في أحضان الرفاهية والثروة، وكان ذا همّة عالية منذ طفولته، مقاصده نبيلة، ذا غيرة مجسمة ونشاط ملحوظ، كان يفكّر في التربع في دسوت المناصب، طالبًا التفوق على أقرانه وأترابه. ولذا بارح موطنه الأصلي إلى مقر سرير السلطنة يعني مدينة طهران أملاً في علو اسمه ورفعة مكانته وعظمة قدرته وتفوقه على أقرانه. غير أنه في طهران وصلت إلى مشامه نفحات الرحمن، وطرق سمعه نداء المحبوب العطوف، فخلّص نفسه من ارتباكات الفكر الناشئة من طلب الجاه وغلغلة العظمة والأبّهة الفانية وعزة هذا العالم الترابي وما به من غرور، وتحرر من القيود فعمّ قلبه الفرح والسرور بالموهبة الإلهية وتأكد أن صدر الجلال هو صفّ النعال وأن المناصب والدسوت سريعة الزوال فترك الدنيا ووطّد العزم على الراحة وعدم انشغال البال وتخلص من أغلال قيود البشرية وسلاسل التعلق بالدنيا فلبس إحرام حرم الكبرياء وعزم على التوجه إلى حيث المحبوب فقطع الفيافي والقفار إلى أن وصل إلى سجن عكاء وفاز باللقاء ومضى مدة في رحاب جمال القدم مستمعًا للنغمات الخارجة من الفم المبارك صاغيًا لجوامع الكلام


وفصل الخطاب. وبعد أن تعطرت مشامه وتنورت بصيرته وتمتع بالعطاء الموفور وثمل من رحيق الرب الجليل وفاز من كل ذلك بنصيب موفور، صدر له الإذن المبارك بالسفر إلى بلاد الهند مأمورًا بتبليغ كل طالبٍ صادق، فصدع بالأمر وذهب إلى بلاد الهند. متوكلاً على الله منجذبًا بنفحات الله مشتعلاً بنار محبة الله وهام في تلك الأقطار وجاس خلال تلك الديار مدنها وبلدانها وقراها يضرب ناقوس الملكوت عاليًا مبشرًا بظهور مكلم الطور سالكًا سبيل رجال الله العاملين وغرس بذور التعاليم الطاهرة في تلك الأصقاع فنبتت نباتًا حسنًا ونمت وأينعت وانقاد الكثيرون إلى سفينة النجاة واهتدوا بنور الهدى وتنورت بصائرهم من مشاهدة الآيات الكبرى وكان هو الشمعة المضيئة للجميع في تلك الآقاليم واستمرت آثاره واضحة في بلاد الهند كل الوضوح وقام أغلب الذين آمنوا على تبليغ الأمر واشتغلوا بهداية الخلق مقتفين أثره.

وخلاصة القول، فقد عاد بعد سياحته في بلاد الهند إلى الساحة المقدّسة وكان وصوله بعد الصعود المبارك فاتقدت في صدره نيران الحسرة وأصبح باكي العين مكلوم الفؤاد يفور قلبه كالأتون ولكنه كان ثابتًا على العهد والميثاق نابتًا في روضة الرضوان.

وحدث أن تفضل جمال القدم قبل الصعود بقوله تعالى: "إذا توجه أحد إلى إيران، فليوصل من قِبَلي لأمين السلطان الرسالة الآتية: أن يا أمين السلطان، إذا بذلت الهمة في حق الأسرى وقمت بمعونة المحتاجين والمظلومين (من أهل البهاء) فخدمتك هذه لا تنسى وكن على يقين من أن هذا العمل سيكون لكم سبب العزة والبركة في جميع الشؤون. يا أمين السلطان اعلم أن كل بنيان في هذا العالم يؤول إلى الانهيار عدا البنيان الإلهي وهو الذي تزداد متانته وأحكامه يومًا فيومًا.


إذًا، فاعمل كل ما في مكنتك في خدمة الديوان الإلهي حتى تهتدي إلى الإيوان الرحماني وابن بناء لا يؤول إلى الزوال".

وبعد الصعود المبارك، أوصلنا هذه الرسالة إلى أمين السلطان وكان وقتذاك قد أصاب جناب آقا سيد أسدالله إهانة من فقهاء الترك بمدينة أردبيل وأظهروا له عوامل الجفاء والغلظة وعزموا على قتله. أما الحكومة هناك فقد عملت ما في وسعها حتى نجته من مخالب الفقهاء وحالت دون قتلهم إياه ثم أرسلوه مصفدًا إلى تبريز ومنها إلى طهران حيث قام أمين السلطان ببذل كل رعاية في حق آقا سيد أسدالله وأسكنه في ديوانه الخاص وآواه فيه واتفق في تلك الأثناء أن أصاب أمين السلطان مرض وأتى ناصر الدين شاه لعيادته فما كان من أمين السلطان إلا أن قصّ للشاه كل ما حدث لآقا سيد أسدالله ومدحه وأطراه أمام الشاه بدرجة جعلت هذا الأخير يعرب لآقا سيد أسدالله عن تألمه واستيائه مما حصل وأظهر له عطفه وكان من طبع الشاه في مثل هذه الأحوال أن يأمر بصلب من هو بمثل آقا سيد أسدالله ويجعله هدف نيران القنابل. ولكن، حال دون ذلك ما سمعه من أمين السلطان، وما لبث هذا الأخير أن حل عليه غضب الشاه وأصبح مبغوضًا وأرسل أسيرًا منكوبًا مستبعدًا إلى مدينة "قم" فما كان من هذا العبد إلا أن أرسل إليه (بإيران) الرسالة التي تفضل بها جمال القدم مصحوبة بمناجاة وخطاب منيّ بخط يدي وطلبت له في المناجاة العون والعناية من الله ورجوت الله أن يصونه ويحميه وينقذه من زاوية الخمول ويرفعه إلى أوج القبول وقلت له صراحة في رسالتي: إنك سيحظى بالتأييد الإلهي في القريب العاجل وتسطع أنوار العناية وستستقر في دست الصدارة (الوزارة) بنهاية الاستقلال مكافأة لك على


خدمتك والهمة التي بذلتها في حق المظلومين (من أحباء البهاء). ورسالتي هذه مع المناجاة لا يزالان في حيازة أسرة أمين السلطان.

أما سليمان خان، فقد بارح مدينة طهران بعد ردح من الزمن إلى مدينة قم. وبينما هو في غرفته إذ حضر أحد معارف أمين السلطان لزيارته فسأله سليمان خان عن أحوال أمين السلطان وروى أنه في أشد الحاجة لمقابلته. وما أن وصل هذا الخبر إلى أمين السلطان حتى طلب حضور سليمان خان، فذهب هذا الأخير إلى داره متوكلاً على الله واختلا به وسلّمه الرسالة المرسلة من قبلي، فتقبّلها بكل احترام وفضّها بعد أن صافحها جبينه، ثم قال لسليمان خان بعد قراءتها: "إنني لفي يأسٍ عظيم وإنني دون شك سأستمرّ مشمّرًا ساعد الجد في الخدمة وصيانة أحباء الله وحمايتهم إذا ما تيسر حصول ما جاء في الرسالة المباركة". ثم أظهر امتنانه الزائد وعظيم السرور والابتهاج وقال: "الحمد لله، قد تم المراد ومن المؤكد أني سأكون، بعون الله وعنايته، من الناجحين".

وبالاختصار، إن أمين السلطان قد تعهد بالقيام بالخدمات، ثم ودع سليمان خان بعد أن عرض عليه بعض النقود بحجة مصروف الطريق فأبى سليمان خان قبول شيء من هذا القبيل رغم إلحاح أمين السلطان.

وبينما كان سليمان خان في الطريق إلى البقعة المباركة (عكاء) إذا بصدور أمر الشاه بإطلاق سراح أمين السلطان وإحضاره إلى طهران وإسناد صدارة الوزارة إليه رأسًا. فقام بأعباء الوزارة مستقلاً في عمله كل الاستقلال. وقام في أول الأمر على حماية الأحباء غير أنه قصّر في ذلك أثناء حادثة شهداء يزد، إذ تمنّع عن حماية الأحباء وصيانتهم بالمرّة، وكان كلما رفع إليه الأحباء شكايتهم كان يقابلهم بأُذن صماء


فكانت النتيجة أن تجرّع جميع أهل البهاء كأس الشهادة ولهذا عُزل أمين السلطان ونكس علمه المرفوع ويأس قلبًا وروحًا من خيبة الأمل.

ومختصر القول، إن جناب سليمان خان وصل إلى البقعة المباركة وأمضى بقية أيام حياته بجوار مطاف الملأ الأعلى منشرح الصدر، بكمال الروح والريحان، وقد ألفه جميع الأحباء واستأنسوا به إلى أن وافاه الأجل المحتوم فلبى دعوة الحي القيوم، وترك الأهل والخلاّن ورحل إلى عالم الأنوار، وتخلص من قفص الإمكان طائرًا إلى الفضاء اللامكان غير المتناهي. أغرقه الله في غمار رحمته وأنزل عليه شآبيب مغفرته وأسبغ عليه جلائل نعمته ورزقه جزيل موهبته. وعليه التحية والثناء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان في عداد المهاجرين والمجاورين جناب آقا عبدالرحيم مِسگر، الذي اجتمعت فيه صفتا الصبر والحلم، وهو من أهالي كاشان ومن الأحباء الأقدمين. شرب من صهباء محبة الله قبل أن يَطِرّ شاربه، وتناول من المائدة السماوية التي كانت مهيأة وممدودة، ونال نصيبًا من الهداية الكبرى والموهبة العظمى، ثم بارح موطنه بعد إيمانه بقليل وهرع إلى روضة أوراد الزوراء وفاز بشرف لقاء حضرة المقصود، وأمضى أيامًا بجوار الحضرة في العراق، ولبس من ألطاف اللايزال تاجًا وهاجًا إذ كان يتمتع بشرف اللقاء في أغلب الأوقات، ثم سار راجلاً بجوار الركب المبارك إلى الكاظمين عليهما السلام، وكان حظه موفورًا. وكان أيضًا من جملة الأسرى في الموصل (الحدباء) وما لبث أن رحل إلى عكاء حيث أمضى أيامًا بجوار الألطاف المباركة، مسرورًا مبتهجًا، وكان يعمل كتاجر قليل البضاعة غير أنه كان، على الدوام، قانعًا مسرورًا وراضيًا بما قسم له، سالكًا سبيل الرشاد حتى ناهز الثمانين من عمره، صابرًا ساكنًا حتى وافاه الأجل المحتوم، وصعدت روحه إلى عالم الأسرار.

تغمده الله بفضله ورحمته وألبسه حلل الغفران في جنة الرضوان. أما قبره ففي عكاء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان جناب آقا محمد إبراهيم التبريزي من جملة المهاجرين والمجاورين، وكان هذا الرجل الكريم ذا خُلق عظيم، وأسرع إلى سجن عكاء بمجرد علمه بأن والده جناب مشهدي عبدالفتاح مقيمٌ بها قصد مساعدة أبيه رفيع الشأن، أما عقله فكان راجحا،ً ونشاطه عظيمًا، ثملاً من نسيم محبة الله مشتعلاً بنارها، غريب السكون، عجيب الرزانة، مقتفيًا آثار والده في الطباع والأخلاق (الولد سرّ أبيه). أمضى زمنًا ليس باليسير بجوار حضرة المقصود، متمتعًا بالرفاه والحظ العظيم، يبيع في النهار بعض السلع ويقابل الأحباء ليلاً في داره ويؤانسهم، ثابتًا على الأمر راسخًا في إيمانه، غيورًا وشكورًا، طاهرًا وحصورًا، مطمئنًا بفضل الرب الغفور وعنايته. أضاء شمعة وجود والده (مشهدي عبدالفتاح) محافظًا على سمعة أسرته، وخلّف ذريّة حسنة وكان دائمًا سبب سرور الأحباء وباعث الروح والريحان بينهم، عظيم الفطنة، حاد الذكاء، قوي العارضة رزينًا. عاش متمسكًا بالإيمان مطمئنًا بفضل العزيز المنان، إلى أن لفظ النفس الأخير وصعدت روحه إلى حيث تلقى الثواب.

سقاه الله كأس العفو والغفران، وجرّعه من عين العناية والرضوان، ورفعه إلى أوج الفضل والإحسان. أما قبره المعطر ففي عكاء

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان جناب محمد علي أردكاني من جملة المهاجرين والمجاورين. سمع النداء الرباني وهو في حداثة سنّه وغضاضة شبابه، فتعلق قلبه بالفيض السماوي، وقام على خدمة أفنان الشجرة الإلهية، وعاش عيشة ملؤها الروح والريحان. وبينما هو قائم بخدمته المذكورة إذ سافر إلى عكاء وتشرف بخدمة العتبة المقدّسة زمنًا ليس باليسير هائمًا في بحبوحة الموهبة الكبرى، مشاهدًا لطلعة العزة العظمى باستحقاق ملحوظ بنظر العناية، قائمًا بالخدمة بصادق النيّة. وكان حسن الطباع وسيم المحيّا صادق الإيمان لم يخل من الامتحانات منقّبًا عن الحقائق.

كان في أيام نيّر الآفاق، ثابت القدم في معتقده، واستمرّ راسخاّ في الأمر أيضًا بعد الصعود ونزول الرزية العظمى ولم يتزعزع قلبه، ثملاً من هبوب نسيم العهد والميثاق، متشبّثًا بألطاف الحي اللامثال. وبالآخرة انتقل إلى حيفا وآقام البقية الباقية من أيام حياته في جوار حظيرة القدس بجانب المقام الأعلى غاية في الثبوت والاستقامة، إلى أن حان حينه وحلّت خاتمة مطافه، فطوى بساط حياته ولفظ النفس الأخير.

نعم. إن هذا الشخص، كان خادمًا صادقًا للعتبة المباركة، خدينًا


لجميع الأحباء والكل راضٍ عنه ومسرورًا منه، لأن مشربه كان مألوفًا وعريكته لينة.

أغاثه الله في ملكوته الأعلى وأسكنه في ملكوته الأبهى، وأفاض عليه فيضًا مدرارًا في جنة الفردوس مقام المشاهدة واللقاء. أما ترابه المعنبر ففي حيفا.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان الحاج آقاي التبريزي في عداد المهاجرين والمجاورين. هذا الشخص الرباني من أهالي تبريز، وقد تعطّرت مشامه من عبيق النفحات الهابة من حديقة أوراد العرفان، تلك النفحات مسكيّة الشذا، وتجرّع من الجام الرباني صهباء الإيمان وهو في عنفوان الشباب. وكان ثابت القدم في الأمر كل الثبوت، وعاش زمنًا في أذربيجان واستمرّ هائمًا في حب محبوب الأرواح. ولما اشتهر بمعتقده قام القوم على معاندته فضاق به المُقام بعدما كان القوم يوجهون إليه التهم الباطلة، فبارح تلك الديار بعد أن باع كل ما يمتلك هرِعًا إلى أرض السرّ مع بعض المتعلقين بالأمر، فوصلها في الأيام الأخيرة، وما لبث أن وقع أسيرًا في يد الأعداء. غير أنه أخيرًا وصل إلى السجن الأعظم مع المنفيين وكان شريكًا في البلايا والمصائب وصبورًا وسليمًا. وبعد أن حصلنا على بعض الحرية حتى اشتغل بالتجارة، ونسج على هذا المنوال ردحًا من الزمن متمتعًا بالراحة والرفاه في ظل الألطاف المباركة. ومن المصائب والبلايا الأولى أصبح جسمه عليلاً، وحفّ به المرض وانتابه ضعف القوى، فاشتد مرضه وانحل جسمه حتى فاجأته المنون وهو في الجوار المبارك وفي ظل سدرة المنتهى، وصعدت روحه من هذا العالم الأدنى إلى الفردوس الأعلى، فتخلص من هذا العالم الظلماني طائرًا إلى العالم


النوراني. أغرقه الله في بحار الغفران وأدخله في جنة الرضوان وأخلده في فردوس الجنان. أما ترابه المطهر ففي عكاء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان جناب الأستاذ (المعلم) غلام علي النجار ضمن المهاجرين والمجاورين، وأستاذًا ماهرًا في صناعته، وفي الإيمان والإيقان كالسيف المسلول، واشتهر لدى القاصي والداني من أهل بلدته بالتديّن، وكان الكل يقرّ بأمانته وعدم خيانته، وبأنه غيور وطاهر وحصور للغاية. ولما استضاء بصره بنور الهداية، اشتعلت في فؤاده نار الاشتياق إلى لقاء المحبوب، فظَعنَ، بكمال الوجد والطرب والانجذاب والوله، من أرض الكاف (كاشان) إلى العراق. وحظي بمشاهدة أنوار الإشراق مهاجرًا مظلومًا في نهاية الصبر والسكون. ومارس النجارة في دار السلام وقد ألفه جميع الأحباء وفاز بشرف الحضور بين يدي الحضرة، وقضى ردحًا من الزمن متمتعًا بمنتهى الراحة والسرور حتى استبعد ضمن الأسرى إلى الحدباء (الموصل). وكان من المظلومين المغضوب عليهم لدى أولي الحِلّ والعِقْد، واستمر على هذا الحال مدة طويلة. وبعد أن فُك أسره وأصبح طليقًا، أتى إلى عكاء ودخل في عداد المسجونين وزاول صناعته، وكان ميالاً إلى العزلة والانفراد، متباعدًا قدر الإمكان عن الأغيار والأحباء لميله إلى الوحدة، وكانمنويًا في أغلب الأحيان حتى حلت المصيبة الكبرى، ووقعت الرزية العظمى، فتعهد بالقيام بجميع أعمال النجارة اللازمة لبناء التربة المطهرة. وقد أدّى كل ذلك بكمال الدقة والإتقان،


وشاهدنا اليوم أعمال النجارة من صنع يده في سقف بهو الحجرة المقدّسة المحلاة بالزجاج.

عاش هذا الشخص صافي الضمير، طلق المحيّا، ثابتًا على حال واحد، لم يتلون ولم يتزلزل، متمسكًا بالمحبة في دينه السنوات الطوال بجوار الرحمة الكبرى، حتى وافاه الأجل المحتوم، فطار من هذا العالم ورافق أهل الجنة العليا وفاز بشرف اللقاء في عالم الأسرار كما فاز به في هذه الدار. هذه هي الموهبة العظمى، هذه هي العطية الكبرى. وعليه التحية والثناء. أما جدثه المنور ففي عكاء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان اسم هذه الروح المجسمة الميرزا آقا من أهالي كاشان. انجذب بالنفحات في أيام حضرة الأعلى (الباب) واشتعل بنار محبة الله. كان في أيام شبابه في نهاية العظمة والأبهة بادي الملاحة صبيح المحّيا وفي إتقان علم الخط لا يضارع، حسن الطباع شجي الألحان فهيمًا موهوبًا ثابتًا في الأمر مستقيمًا في معتقده وكان شعلة من نار المحبة منقطعًا عما سوى الله. وقد بارح مدينة كاشان إلى العراق حيث كان يشرفّها بوجوده الجمال المبارك وحظى بالتشرف بالساحة المقدّسة واتّخذ في الجوار منزلاً وضيعًا وعاش عيشة ضنكًا إذ كان في حالة إعسار شديدة ثم اشتغل بتحرير الآيات والبيانات الإلهية وكان يلوح على جبينه نور الموهبة المبين واضحًا ملموسًا واشتغل بخدمة أمر الله بينما ترك ابنته الوحيدة في إيران قبل وروده إلى دار السلام – بغداد.

وعندما تحرك موكب جمال القدم بكمال العزة والعظمة من بغداد قاصدًا إسلامبول سار جناب منيب بجوار الركب المبارك راجلاً مع أنه عاش في إيران طوال مدة آقامته بها حياة ملؤها الرفاهية والهناء، وذلك معلوم للعموم، وكان لدى أهل بلاده معروفًا بالدلال والحرية ومن كل ذلك يُعلم مقدار ما عاناه من المشاق أثناء سفره راجلاً بجسمه الرقيق من بغداد إلى إسلامبول ومقدار ما لقيه من وعثاء الطريق ولكنه كان


يطوي البيداء بنهاية الروح والريحان مشتغلاً ليل نهار بالتضرع والابتهال وتلاوة الأنجية. وكان هذا العبد (عبدالبهاء) مؤنس قلبه وروحه إذ كنا نسير الواحد منا على اليمين والآخر على اليسار بمحاذاة الركب المبارك أثناء الطريق وكنت أنا وإياه في حالة روحانية يكل عنها الوصف أما هو فكان أثناء الليل مترنم ببعض الأشعار الغزلية من نظم حافظ الشيرازي وكان يقول قبل تغنيه بها: دعونا نرقص ونثمل من خمر المعاني ونتغزل بما قاله الشيرازي. ثم أخذ ينشِد بما معناه:

ولو أنّا للسلطان عبيد ركّع فنحن سلاطين الملك عليه الصبح يطلع

فينا حقيقة الألوان لا تزويرها أسود حمر نحن وفينا التنين الأسود وبالإجمال، إن الجمال المبارك، روحي لأحبائه الفداء، أذن لجناب منيب بالعودة إلى إيران في نفس الوقت الذي تحرك فيه الموكب المبارك من إسلامبول إلى أرض السر (أدرنه) وأمره بالاشتغال بالتبليغ. فصدع جناب منيب بالأمر المبارك وذهب إلى إيران حيث قام بخدمات فائقة على الأخص في مدينة طهران ثم عاد بعد مدة إلى أرض السر وتشرف بالساحة المقدّسة ومكث مدة فائزًا بشرف اللقاء، وعندما وقعت البلية الكبرى يعني حادثة النفي إلى عكاء سار راجلاً بمحاذاة الركب المبارك مع ضعف بنيته وشدة مرضه وعدم قدرته على السفر راجلاً فاشتد عليه المرض غير أنه كان راضيًا كل الرضاء ولم يقبل البقاء في أدرنه ليعالج وكان يود أن يموت تحت قدمي الجمال المبارك. وما أن وصلنا إلى البحر حتى خارت قواه فحمله ثلاثة أنفار وصعدوا به إلى أعلى السفينة التي سارت بنا نحو إزمير، وأراد الربان


إنزاله من السفينة لأنه كان يعاني من شدة المرض وقد أصرّ ربان السفينة على إخراجه، يعني طرحه في اليم، وبعد أخذ ورد صبر القبطان حتى رست السفينة بميناء إزمير وهنا قال الربان للمسؤول الحكومي، الميرالآي عمر بك، إن لم يبارح جناب منيب السفينة فسوف يضطر إلى إخراجه بالقوة لأن السفينة لا تستقبل المرضى بهذا الشكل قانونًا.

ولذا أجبرنا على حمله إلى المستشفى بإزمير وهو في حالة يرثى لها غير قادر حتى على الكلام، وقبل المسير به إلى المستشفى وقع على قدمي الجمال المبارك وبكى بكاءً مُرًا فلاح الحزن على طلعة المبارك من جراء ذلك. وصلنا به إلى المستشفى وعدنا مسرعين إلى السفينة لأن الربان لم يأذن لها بالانتظار أكثر من ساعة واحدة. وكنا قد وجدنا لذلك الوجود المبارك سريرًا خاصًا فوسدناه إياه وقبلناه من رأسه إلى قدميه قبل مبارحتنا المستشفى وعدنا أدراجنا إلى السفينة لأن الحراس لم يمنحونا وقتًا بالمرة، ولم نعلم بعد ذلك عنه شيئًا.

إننا كلما تذكرناه وما انتابه فاضت عيوننا بالدموع وزادت قلوبنا حرقة تحسرًا عليه. كان ذلك الوجود ذا فطنة فائقة ورزانة مثالية لا يضارعه أحد في قوة إيمانه وإيقانه وقد اجتمعت فيه أنواع الكمالات المعنوية والصورية ولهذا كان مورد الألطاف التي لا حد لها.

أما قبره المنور، ففي إزمير ولكنه مهجور، وإذا سنحت الفرص للأحباء فليبحثوا عن ذلك القبر المهجور ويجعلوه بيتًا معمورًا حتى تتعطر مشام زائري ذلك القبر برائحته الطيبة.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان جناب آقا ميرزا مصطفى النراقي من النفوس الطيبة الطاهرة ذا شخصية محترمة بين كبراء مدينة نراق ومن قدماء أحباء الله مستنير الفؤاد مسبّحًا لله قلبه بستان أوراد نابتة فيه شقائق حقائق المعاني وثمل من صهباء الظهور في أيام حضرة الأعلى (الباب)، روحي له الفداء، وشرب الكأس الطافحة بالنفحات الإلهية، فانجذب انجذابًا عظيمًا وعجيبًا واشتعلت في قلبه نار الشوق الشديد وكان دأبه التضحية في سبيل الله حتى إنه ترك وطنه العزيز وأقرباءه وذويه وكذلك راحته الجسمانية والروحية وفر فرار الحيتان العطاشى إلى البحر الإلهي ووصل إلى العراق واختلط بالأحباء الروحانيين وفاز بشرف اللقاء وعاش زمنًا طويلاً في جوار الألطاف اللاحدّ لها بكمال الروح والريحان إلى أن صدر له الأمر المبارك بالذهاب إلى إيران، وما أن وصل إلى تلك الأقطار حتى قام على خدمة الأمر بكل ما في مكّنته. فقد كان إنسانًا كاملاً ثابتًا وراسخًا في الأمر لا يتزعزع كالجبل الراسي موصوفًا بالرزانة والأمانة، وكان يعتبر نباح الكلاب (الأعداء) كطنين الذباب رغم شدة الانقلاب وعظيم الاضطراب وسببت له البراهين الدامغة على حقيقة الأمر عظيم الراحة وأصبح في نار الافتتان كالذهب الإبريز لا تزعزعه الحوادث.

وبالإجمال، إن هذا الشخص النبيل حضر من إيران إلى


القسطنطينية في نفس اليوم الذي كان فيه موكب الجمال المبارك متوجهًا إلى أدرنه ولم يستطع التشرف باللقاء غير مرة واحدة وأمر في حينها بالعودة إلى إيران قصد نشر النفحات فصدع بما أمر، وما أن وضع قدمه في أذربيجان حتى أخذ في التبليغ وكان لا يفتأ يتلو الأنجية ليل نهار ولعبت في رأسه صهباء الإيمان وهو في مدينة تبريز فهام من شدة الوله الروحي وانكب على التبليغ بكل ما أوتي من قوة وما لبث أن حضر إلى أذربيجان جناب الفاضل الكامل والعالم النحرير الشيخ أحمد الخراساني فاتصل به، وقاما معًا يدًا واحدة على خدمة الأمر يرميان إلى هدف واحد، بكل اشتياق ووله وهيام. ولم يتورعا عن التبليغ جهارًا بين القوم فأدى الحال إلى قيام أهالي تبريز ضدهما ومعاداتهما.

قام الحرس بإلقاء القبض على آقا ميرزا مصطفى لأنهم عرفوه في أول الأمر من خصل شعره التي كانت غير ظاهرة لهم حال إلقاء القبض عليه فما كان من المذكور إلا أنه حسر رأسه وقال ها هو شعري المجعد فلا يعتريكم شك في أنني ذلك الشخص الذي أنتم وراءه فأخذوه هو وذلك الشيخ العظيم بكل عنف وأذاقوهما من العذاب ألوانًا وفي آخر الأمر أسقوهما الكأس الطافحة بصهباء الشهادة في مدينة تبريز فانتقلا إلى الأفق الأعلى. وحدث أن قال آقا ميرزا مصطفى للجلاد: "أرجوك أن تقتلني أولاً حتى لا أشاهد قتل جناب الشيخ رفيع المقام". هذا، وقد رقم القلم الأعلى عدة ألواح مباركة لكل منهما مما يخلد ذكرهما إلى الأبد. ورقم القلم الأعلى ذكر مصيبتهما بعد استشهادهما.

إن ميرزا مصطفى صاحب الشخصية البارزة قام على خدمة الأمر منذ صباه إلى أن بلغ من الكبر عتيّا ووهن منه العظم في سبيل رب


الأرباب. أما اليوم فهو في الملكوت الأبهى في جوار الرحمة الكبرى فرحًا مسرورًا مطمئنًا ومبتهجًا مشتغلاً بتسبيح وتقديس حضرة الكبرياء. طوبى له وحسن مآب بشرى له من رب الأرباب جعل الله له مقامًا عليًّا في الرفيق الأعلى

68 (58) جناب زين المقربين في 2009-10-03, 17:24

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان حضرة زين المقربين من المهاجرين والمجاورين ومن أجلّة أصحاب حضرة الأعلى (الباب) ومن أعاظم أحباب الجمال الأبهى، اشتهر في دورة الفرقان (أيام كان مسلمًا) بالتنزيه والتقديس والتزهّد. وقد مهر مهارة تامة في فنون شتّى، وكان قدوة جميع أهالي – نجف آباد – محترمًا لدى أكابر القوم وعظماء البلاد احترامًا كليًا، قوله القول الفصْل وحكمه جار ونافذ إذ كان العموم يأخذون برأيه، وكان المرجع الخاص والعام. وبمجرد أن بلَغ سمعه خبر ظهور حضرة الأعلى صاح قائلا: "ربنا إنا سمعنا مناديًا يناجي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا". ولم يعبأ بالحياة الدنيا وشقّ جميع الحجبات وكشف السبحات ودفع الشبهات وقام على تسبيح جمال الموعود وتقديسه مشتغلاً بتبليغ ظهور حضرة المقصود واشتهر بذلك في وطنه أصفهان وذاع صيته في الآفاق حتى أصبح مورد الطعن واللعن والأذى من أهل النفاق. وبعد أن كان العوام الذين هم كالهوام يحترمونه بدرجة العبادة قاموا بالتعدي عليه، وكان يلاقي كل يوم من أهل الاعتساف جفاء وأذى وعذابًا من المناوئين له ورغم كل هذا لم يفتر عزمه عن التبليغ بكل ما أوتي من قوة بيان وفصاحة ملجمة وقاوم الأعداء بقلب ثابت ومتانة لا تضارع، وكان غضب الظالمين عليه في ازدياد يومًا بعد يوم وهو يحمل في يده الكأس الطافحة بالبشارات الإلهية ليجعل الكل ثملين من نفحات


معرفة الله غير هيّاب ولا وجل ولم يتطرق إليه عامل الجبن أبدًا مكافحًا في سبيل الله ولكنه قد ضاقت به المسالك بعد حادثة الشاه وأصبح مورد الأذى الشديد صباح مساء. ولما رأى أن وجوده في نجف آباد فيه خطر على الأحباء، سافر إلى العراق.

وبينما كان الجمال المبارك غائبًا في كردستان (السليمانية) مختليًا في مغارة بجبل سمي – سرجلو – وصل جناب زين المقربين إلى بغداد الذي تأثر ولازمه اليأس أولاً لغياب الجمال المبارك وثانيًا عندما رأى أن حالة الأمر في ركود ولا جمع ولا اجتماع للأحباء وأن صيت الأمر ليس في ازدهار ورأى يحيى (الأزل) منكمشًا في ركن من شدة خوفه وخموله آفلاً في زاوية الخمود والخسوف وكلما تحرى عن الأحباء كان نصيبه الخيبة غير أنه التقى ذات يوم فجأة بحضرة الكليم. ولما كانت التقية (عدم إظهار العقيدة) ضاربة أطنابها سافر إلى كربلاء واشتغل بتحرير الآيات والبيانات مدة من الزمن ثم عاد إلى – نجف آباد – ولم يستقر بها لهجوم الأعداء وتعدي الظالمين عليه. وما لبث، عندما نفخ في الصور مرة أخرى أن هبّت فيه روح الحياة الجديدة واستمع بأذن روحه لبشارة ظهور الجمال المبارك وأجاب بقول بلى عندما قرع أذنين رنين طبل – ألست – (بربكم) وحرك لسانه بتبليغ الأمر المبارك بعبارات فصيحة وأدلة عقلية ونقلية قاطعة في إثبات ظهور من يظهره الله وكان حديثه كالماء الزلال لكل عطشان بالبراهين الساطعة من الملأ الأعلى وبزّ الجميع في التقرير والتحرير وكان آية كبرى في التفسير والتوضيح.

ومختصر القول، إنه كان في إيران تحت الخطر العظيم وكان وجوده في – نجف آباد – جالبًا لضوضاء أهل العناد ولهذا، ذهب ذلك الملبّي


للنداء إلى أرض السر (أدرنه) وقصد حرم الكبرياء لابسًا إحرام المحبوب حتى وصل إلى مشعر المقصود ومقامه.

أمضى أوقاتًا في الحضور المبارك ثم صدر له الأمر ومعه حضرة ميرزا جعفر اليزدي بالاشتغال بالتبليغ. فعاد إلى إيران وأخذ في التبليغ وأوصل البشارة بظهور مليك الوجود إلى أعلى علّيّين ثم جاس خلال الديار مدنها وبلداتها وقراها وصحاريها ووديانها صحبة رفيقه جناب ميرزا جعفر المذكور مبشرًا بظهور الجمال المبارك. ثم عاد ثانية إلى العراق وكان كالشمعة التي استضاء بنورها الجميع وسبب الروح والريحان للعموم لا يفتأ يبث الناس النصائح والمواعظ متفانيًا في محبة الله.

ولما وقع الأحباء كأسرى في يد الحكومة ونفتهم ظلمًا وعدوانًا إلى الموصل مشتتين كان على رأسهم جناب زين المقربين يسليهم ويواسيهم ويحل ما ينشأ بينهم من المشكلات ويؤلف بين قلوبهم ويخلق فيهم روح المودة، وأخيرًا طلب من الحضرة الإذن بالإجازة له بالتشرف فحاز طلبه شرف القبول، فسافر إلى السجن (عكاء) وفاز بالمثول بين يدي الجمال المبارك واشتغل بتحرير الآيات وبث روح التشويق بين الأحباء والتأليف بين قلوب المهاجرين حتى أشعل نار المحبة في قلوب الجميع ولم يتوانَ لحظة في الخدمة وكان مورد العناية المباركة ليل نهار وهو يدوّن الكتب والألواح بكل دقة ودون خطأ.

وعلى الجملة، إن هذا الشخص الجليل لم يعتره فتور أو قصور في خدمة النور المبين من بدء حياته إلى أن لفظ النفس الأخير. وبعد الصعود المبارك اشتعلت في قلبه نار الحسرة الشديدة وغلبت عليه دموع الألم فأخذ جسمه في النحول يومًا بعد يوم ولكنه كان ثابتًا مستقيمًا على العهد


والميثاق. وكان أنيسي الوحيد ومؤنسي الفريد يترقب الموت في كل آن ويتمنى الانتقال من هذا العالم حتى وافاه الأجل المحتوم فطارت روحه إلى ملكوت الرحمن بنهاية الروح والريحان فارغًا من الهموم مستغرقًا في محفل أنوار التجلّي. عليه التحية والثناء من ملكوت الأنوار وعليه البهاء الأبهى من الملأ الأعلى وله السرور والحبور في عالم البقاء وجعل الله له في جنة الأبهى مقامًا عليا.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
جناب عظيم التّفريشي، هو من المهاجرين والمجاورين وكأن هذا الرجل الإلهي من مقاطعة تفريش لم تأسره القيود ولم يستولِ عليه تشويش الفكر، حرًا بين عارفيه وعشيرته، ومن قدماء الأحباء، ومن سلالة أهل الوفاء. فاز بشرف الإيمان في إيران واشتغل بخدمة كل عبدٍ آمن بالله، وعلى الأخص المسافرين، خدمة صادقة. أتى إلى العراق في معيّة المدعو جناب آقا ميرزا موسى القمي، عليه بهاءالله وعليه التحية والثناء، وفاز بنصيب وافر من ألطاف نيّر الآفاق حاضرًا في محضر الكبرياء في كل حين فائزًا بشرف اللقاء ومظهرًا للألطاف مشمولاً بالعناية والإسعاف. مكث زمنًا طويلاً على هذا الحال ثم عاد إلى إيران في معيّة نفس الشخص الذي صحبه إلى العراق. كان لا يدّخر وسعًا في خدمة أهل البهاء حبًا لله. وقام على خدمة المدعو ميرزا نصرالله التفريشي عدة سنوات دون جُعل أو أجر، وكان إيمانه يزداد يومًا بعد يوم. ثم حضر إلى أرض السرّ (أدرنه) في معيّة هذا الأخير وفاز بشرف اللقاء وداوم على خدمة الأحباء بنهاية المحبة والصداقة وفاز بمرافقة الموكب المبارك من أدرنه إلى عكاء وجاء إلى السجن الأعظم.

وفي السجن أختير لخدمة العائلة المباركة مشتغلاً بالسقاية وحمل الماء داخل السجن وخارجه، وتحمّل داخل القشلة (الثكنة) عظيم المتاعب


والمشاق ولم يهدأ ليلاً أو نهارًا وكان على خلق عظيم وحِلم لا يضارع سليم النيّة يحمل أعباء الأحباء بكل همّة وتجرّد، ويسّر له حمل الماء إلى البيت المبارك الفوز بشرف الحضور يوميًا، وكان يجالس الأحباء ويؤانسهم ويسلّي خاطرهم ويضفي على الجميع كمال السرور والبهجة. وكثيرًا ما قرع مسمعي من الفم المبارك كلمة الرضاء في حقه وكان دائمًا على حال واحد بشوشًا لا يتغير ولا يتبدل ولا يعرف للأذى سبيلا، لا يمل ولا يتكدر يلبي دعوة من دعاه إلى خدمة دون تردد، ثابتًا في إيمانه وإيقانه شجرة نابتة في بستان محبة الله. وبعد أن أدّى السنوات الطوال في خدمة العتبة المقدّسة انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء بكمال السكون والاطمئنان مستبشرًا بملكوت الله. فأورث جميع الأحباء حسرة وتأثرًا عليه حتى إن الجمال المبارك كان يواسي الجميع، وكانت عنايات حضرته في شأنه لا تحصى. عليه الرحمة من ملكوت الغفران وعليه بهاءالله في كل عشي وإشراق.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان ضمن المهاجرين والمجاورين جناب آقا ميرزا جعفر اليزدي، وكان رجل الميدان هذا من طلاب العلوم، وعلى معرفة تامة بشتى الفنون، صرف من أيام حياته مدة في المدارس سبّآقا في ميادين الفقه وعلم الأصول، واسع الاطلاع في المعقول والمنقول. ولما رأى آثار النخوة والتكبّر فاشية بين القوم نَفَرَ أشد النفور وما عتم أن قرع سمعه، وهو على هذا الحال، النداء من الملأ الأعلى حتى قال، على فوره: بلى، و"ربنا إنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا".

ولما استفحل أمر القلاقل والاضطرابات والازدحام العجيب في مدينة يزد، سافر من وطنه المألوف إلى النجف الأشرف واندمج مع طلاب العلوم فظهرت قيمته واشتهر بين الطلاب بالعلم والفضل. ولما ارتفع صيت الأمر في دار السلام ذهب إلى بغداد وغيّر زيّه بمعنى أنه استبدل العمامة بالكلاه (الطربوش)، واحترف النجارة لكسب معاشه بعرق جبينه، ثم سافر إلى طهران لمدة يسيرة ثم عاد إلى بغداد واستمر في ظل العناية لابسًا رداء التقشف بالصبر الجميل وسعيدًا رغم فقره.

ورغم ما كان عليه من التضلع في العلوم وعظيم الفضل، كنت تراه في نهاية الخضوع والخشوع فانيًا نفسه، دائم الصمت والسكون. ثم التحق بموكب نيّر الآفاق أثناء السفر من العراق إلى اسلامبول، وكان


شريكًا لهذا العبد (عبدالبهاء) في خدمة الأحباء، فكنا كلما توقف الركب في الطريق وطلب الراحة من شدة التعب من المسير نذهب سويًا إلى القرى المجاورة لابتياع ما يلزم لأفراد القافلة من غذاء وعلف للخيل، وكنا في بعض الأحيان يجبرنا الحال إلى التأخر في القرى إلى منتصف الليل لأن القحط كان عامًا والغلاء فاحشًا في كل مكان. وعلى كل حال كنا لا نعود بخُفيّ حُنَيْن.

وعلى الجملة، فقد كان هذا الشخص الحليم النشط، سليم النيّة لا يبارح العتبة المقدّسة، منكبًا على خدمة الأحباء نهارًا وعلى التعبد ليلاً، دون أن يُسمع له صوت متوكلاً على الله في جميع الأحوال، وداوم على الخدمة في ارض السرّ (أدرنه) حتى حان وقت الرحيل إلى معتقل النفي بعكاء، فكان في عداد المساجين بكمال الرضاء فرحًا مستبشرًا دائم الشكر لله، وكان يقول: "الحمد لله الذي جعلنا في الفلك المشحون". وكان يعتبر المعتقل بستان أوراد، وساحته حديقة غنّاء. وأخيرا، أصابه وهو في المعتقل مرض شديد حتى يئس الطبيب من شفائه فطرحوه أرضًا خارج الثكنة وهو يعالج سكرات الموت. فذهب في الحين المدعو ميرزا آقا جان إلى الساحة المقدّسة وعرض خبر وفاة الميرزا جعفر وأن محبيه يبكون وينتحبون عليه، فتفضل الجمال المبارك لميرزا آقا جان بقوله: "اذهب إليه واقرأ مناجاة (يا شافي) فيعود ميرزا إلى الحياة". فأسرعت أنا (عبدالبهاء) والميرزا آقا جان إلى حيث المريض (أو الميت) فوجدناه بارد الجسم وآثار الموت ظاهرة عليه ثم تلونا المناجاة المشار إليها فما لبث أن تحرك الجسم الهامد رويدًا رويدًا وعاد إلى حالته الأولى. وبعد مضي ساعة واحدة استوى ميرزا جعفر جالسًا وأخذ يمازح ويطايب من حوله.


ومختصر القول، إنه قد عاش بعد ذلك مدة مديدة وهو يوالي خدماته للأحباء ويفتخر بذلك كل الفخر، مؤديًا خدمته للجميع وهو في منتهى التبتل والتذكر قوي الإيمان شديد الإيقان والاطمئنان. وفي آخر الأمر انتقل، وهو في السجن الأعظم، من عالم الناسوت وصعدت روحه إلى عالم اللاهوت.

عليه التحية والثناء، وعليه البهاء الأبهى، وعليه نظر العناية من حضرة الكبرياء. أما قبره المنور ففي عكاء.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
جناب حسين آقا التبريزي، كان من جملة المهاجرين والمجاورين. وهذا الشخص المقرب من باب الكبرياء هو النجل العزيز لجناب آقا عسكر التبريزي، وقد بارح مدينة تبريز في معيّة والده بكل شوق ووله إلى أرض السر (أدرنه) ومنها إلى السجن الأعظم بمحض اختياره وميله. وبمجرد وصوله إلى السجن عهد إليه بعمل القهوة للزائرين في نفس المعتقل قائمًا لدى العتبة المباركة بخدمة الأحباء. كان هذا الرجل الأديب حليمًا وسليم النية بدرجة أنه كان يقوم بخدمة كل وافد سواء أكان من الأحباء أو من الأغيار، وكان يظهر العبودية للجميع واستمر على هذا الحال أربعين عامًا لم يتأفف منه أحد خلال هذه المدة ولم يشكَّ أحد منه بالمرة وإن هذا لمن المعجزات حقًا، وإن غيره لم يقوَ على القيام بالخدمات التي أوكلت إليه.

كان على الدوام بشوشًا مسرورًا مواظبًا على القيام بما عهد به إليه من الخدمات بكل إتقان. وكان مخلصًا غيورًا ثابتًا ووقورًا راسخًا في أمر الله حمولاً صبورًا على البلايا. ورغم اشتعال نيران الامتحانات وهبوب أرياح الافتتان التي هدمت كل بنيان بعد الصعود المبارك، فقد دام هذا الشخص الموقن مستقيمًا مع أنه كان يمتّ لبعض أفراد بيت الناقضين بصلة المصاهرة، وأصبح مصداق "لا تأخذه في الله


لومة لائم". ولم يعتره أدنى تزلزل ولم يتوقف في معتقده، بل كان بمثابة الجبل الراسخ لا يتزعزع رزينًا كالحصن الحصين. أما الناقضون فقد أخذوا أمةالله المقدّسة والدته إلى دارهم، حيث توجد ابنتها، وبذلوا ما في وسعهم ليزلزلوها فلم يفلحوا رغم إظهارهم كمال المودّة لها بدرجة تفوق الوصف، وكانوا يخفون عنها نقضهم للعهد.

وما لبثت أن اشتمت منهم رائحة النقض حتى بادرت تلك الأمة المحترمة، بمبارحة القصر إلى عكاء وهي تقول: "إنني إحدى خدّام الجمال المبارك، وليس هناك ما يزعزع ثبوتي ورسوخي على العهد والميثاق. لو كان زوج ابنتي أمير البلاد فليس هناك من فائدة تعود عليّ، ولا تعنيني قرابتي لأحد، ولا تؤثر أمومتي في معتقدي، وإنني لمنصرفة عن جميع المظاهر النفسية، مع ثبوتي على العهد وتمسكي بالميثاق". ومن ثم لم ترض مشاهدة الناقضين، وتبرّأت منهم وارتبطت مع الحق ليتولاها.

ومختصر القول، إن جناب حسين آقا المذكور لم ينفكّ عن عبدالبهاء لحظة، مواظبًا على مؤانستي ولذا كان تعلقي به شديدًا واعتبرت صعوده مصيبة عظمى، وإني أتأثر جدًا كلما تذكرته وتستولي عليّ الحسرة. ولكني أشكر الله، على أن هذا الرجل الإلهي عاش في جوار البيت المبارك مظهرًا للرضاء وكثيرًا ما سمعت من لسان العظمة قوله تعالى: "إن حسين آقا قد خلق لهذه الخدمة".

وأيم الله، إن هذا المؤمن النوراني قد ترك هذا العالم الفاني بعد أن قام بالخدمة أربعين عامًا، وطار إلى العالم الإلهي.

عليه التحية والثناء، وعليه الرحمة من فيض الكبرياء، وحفف جدثه بأنوار ساطعة من الرفيق الأعلى.

أما قبره النوراني ففي حيفا.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كان هذا الرجل الجليل من أهالي تبريز، مشتغلاً بالتجارة في أذربيجان، محترمًا بين القوم مشهورًا بتدينه وأمانته وزهده وورعه وتقواه. وجميع أهالي تبريز يقرون له بذلك، ويقدرون مقامه ومكارم أخلاقه وحسن طويته، وينعتونه بعظيم المناقب. هو من قدماء الأحباء وأجلّة المؤمنين.

انصعق منذ النفخة الأولى في الصور، وانجذب إبان النفخة الثانية ونال حياة جديدة، وأصبح شمعة محبة الله، وشجرة مباركة في جنة الأبهى، وآمن على يديه كل أهل بيته وآقاربه وعارفيه، وتوفق إلى عظيم الخدمات. ولمّا وقع في الضيق الشديد وتوالي البلايا من ظلم الأشرار في مدينة تبريز لم يضجر بل تحمل كل ذلك وكان إيمانه وإيقانه يزداد يومًا فيومًا مضحيًا بكل مرتخصٍ وغالٍ في سبيل الله. وأخيرًا ملّ الآقامة في وطنه فسافر هو وأهل بيته إلى أرض السرّ (أدرنه) وأمضى أوقاته بها في حالة إعسار شديد، وعاش بمنتهى القناعة صابرًا وقورًا وراضيًا وشكورًا، وكان يبيع ما تأبطه معه من السلع في الأسواق التي كانت تقام أيام الجمع في أدرنه للحصول على ما يسد رمقه هو وذويه. ولما كانت بضاعته مزجاة، سطت عليها يد النشالين حتى أصبحت في خبر كان. ولما علم قنصل إيران بما حدث قدّم للحكومة


التركية تقريرًا بالحادث وقدّر المسروقات بمبلغ باهظ، فما كان من الحكومة إلا أن ألقت القبض على اللصوص، ولما تبين أنهم من أهل الثراء، استغل القنصل الفرصة واحضر جناب الحاج المذكور وأخبره أن الذين سرقوا سلعه هم من أهل الثراء العظيم، وأنه (القنصل) قد قدّر مبلغًا باهظًا ثمنًا للمسروقات في تقريره للحكومة. وعليه يرى من الواجب على الحاج عسكر في هذا الحال أن يوافق، عندما يدعى للتحقيق، على ما جاء في تقرير القنصل، وذلك ليحصل على مبلغ وافر يتقاسماه معًا، فأجابه الحاج بقوله: "يا جناب القنصل، إن ما سرق مني هو شيء زهيد فكيف أن أقرر خلاف الواقع، وهذا ما سيكون مني إذا دعيت للاستنطاق. وإني لن أعمل بما تقول مهما كان الحال". فقال القنصل: "يا جناب الحاجي، إن الفرصة الآن سانحة لك للحصول على المال الذي سيستفيد منه كلانا فائدة لا بأس بها، فلا تضيّع هذه الفرصة". فقال له ذلك الحبيب: "يا جناب الخان (القنصل)، ماذا يكون جوابي بين يدي الله؟ أرجوك أن تتركني وشأني، وتأكد أنني لا أقول غير الواقع". فاشمأزّ القنصل وهدده وتوعده ثم قال: "أتريد تكذيبي وفضيحتي. لا سبيل من سجنك ونفيك وإيصال الأذى إليك. والآن سأسلمك للشرطة بدعوى أنك من المغضوب عليهم من دولة إيران ويجب أن يقيّدوا يديك بالأصفاد ويسوقوك إلى حدود إيران". فتبسّم ذلك الرجل عظيم الشأن وقال: "يا جناب الخان (القنصل)، إننا قد جعلنا أرواحنا فداء الصدق والأمانة وتركنا كل شيء، وحضرتك الآن تحرضنا على استعمال الكذب والافتراء، فافعل ما بدا لك، ثم اعلم أننا لا نحيد عن عبادة الحق والصدق". فسكت القنصل، ثم التفت إلى ذلك الشخص الجليل وقال له بعبارة ملؤها الرجاء: "من


باب أولى أن تسافر من هنا حتى أكتب للحكومة أن صاحب المال المسروق ليس موجودًا، وإن لم تفعل ذلك فتتضح فضيحتي". فعاد جناب الحاج علي عسكر إلى أدرنه ولم يذكر شيئًا عن أمواله التي سرقت. ولما ذاع صيت هذه المسألة اندهش القوم كل الاندهاش.

وأيم الله، إن هذا الشخص الطاعن في السن، والذي لا نظير له، قد آقام في أدرنه وأصبح في عداد الأسرى كباقي الأحباء، وسار في الموكب المبارك إلى السجن الأعظم الذي هو من أحط السجون. وصبر على السجن مدة طويلة هو وأفراد أسرته حامدًا شاكرًا على أنه قد سجن في سبيل الله، وازداد من جرّاء سجنه بهجة وسرورًا وشغفًا وحبورًا، واعتبر السجن إيوانًا ولم يفُه بكلمة غير الحمد والشكر. وكلما اشتد عليه ظلم الأعداء ازداد سرورًا، وكثيرًا ما جرى من فم المبارك المطهر عبارات العنايات في حقه حيث كان يتفضل بقوله: "إنني راضٍ عنه".

وعلى الجملة، إن هذا الشخص الذي كان روحًا مجسمة قد انتقل من عالم التراب إلى العالم الطهور بعد أن أفنى السنوات الطوال، كان إبّانها مثال الثبوت والاستقامة والفرح والسرور، وخلّف بعده أثرًا عظيمًا، كان أنيس هذا العبد (عبدالبهاء) ونديمه. ومما يجدر بالذكر أنني ذهبت ذات يوم من أيامنا الأولى في السجن إلى الغرفة المتواضعة التي كان يسكنها، فرأيته محمومًا بدرجة لا توصف، وملقى كالسكران مدهوشًا، وزوجته المحترمة عن يمينه وقد اعترتها رعشة شديدة، وعن يساره ابنته المحترمة المسماة فاطمة، وقد أصابتها الحمّى الشديدة، وأمام رأسه ولده حسين آقا مريضًا بالحصبة، وترى أن ذلك الشخص كأنه قد نسي اللغة الفارسية وأصبح يلهج بلغة أهالي أذربيجان ويقول،


(ياندى يوره كم) يعني أن قلبي لفي احتراق، وكانت إزاء قدميه إحدى بناته منكمشة في زاوية من شدة المرض أيضًا، وكان أخوه المرحوم المدعو مشهدي فتاح، يهذي من شدة الحمّى، وهو على هذه الحال، كان لا ينطق إلا بالشكر لله وتلوح عليه إمارات البشاشة والسرور والحمد لله تعالى. ثم صعدت روحه وهو في السجن الأعظم صابرًا شاكرًا ثابتًا ووقورًا إلى جوار الرب الغفور.

عليه البهاء الأبهى، وعليه التحية والثناء، وعليه الرحمة والغفران إلى أبد الآباد.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
جناب آقا علي القزويني هو من زمرة المهاجرين والمجاورين، وهو من ذوي الهمم العالية العلوية، عظيم الثبوت والاستقامة، محكم ومتين في قوة الإيمان، ومن الأحباء الأقدمين، ومن أجلّة الأصحاب. انجذب إلى حضرة الأعلى، روحي له الفداء، من أول طلوع صبح الهدى، وقام على هداية الناس. يشتغل في محله بصناعته، وفي الليل يهيئ الموائد والولائم للأحباء الروحانيين الذين كان يدعوهم مع غيرهم، وبهذه الوسيلة كان يتوصل لهداية الخلق، وكان يترنم بنغمات شجية تدل على انجذابه وعشقه الإلهي، همته لا تضارع، وثبوته ورسوخه حدّث عنهما ولا حرج. ولما انتشرت نفحات بستان الأوراد الإلهية، وعطرت مشامه، أشعل النار الموقدة وحرق أستار الأوهام، وأخذ في نشر الأمر المبارك، وكان في الليالي يرتل الآيات والأنجية في المجامع والمحافل بألحان تطرب القلوب وتسترعي الأسماع بدرجة تغبطه عليها الرياض والأوراد مبشرًا بالظهور الأعظم، مُظهرًا كمال المحبة للأحباء والأغيار، ألِفًا وفيًا للجميع، كريمًا، واسع الصدر، ونسج على هذا المنوال إلى أن ضرب ناقوس الرحيل إلى السجن الأعظم (عكاء) فتوجه إليها ومعه أهل بيته وكابد مشاق وعثاء الطريق، ولم يعبأ بما لآقاه من البلايا لشدّة شوقه للقاء المحبوب، ولم تُثْنِ همته الحوادث عن المسير في الوديان


والصحارى حتى ألقى عصاه بعكاء، وآوى في جوار الرحاب المبارك، وعاش في أول الأمر عيشة ناعمة في راحة وهناء، وبعد ردح من الزمن وقع في مخالب الفاقة والإعسار الشديد حتى بلغ به الحال أنه كان في أغلب الأحايين يطوي الضلوع على الجوع حيث لم تصل إلى يده كسرة من الخبز ليسدّ بها رمقه، واستبدل شرب الشاي بالماء القراح.

ورغم كل هذا فكان قانعًا مسرورًا وراضيا بما قسم له، وكان شرف الحضور بالساحة المقدّسة يفيض عليه غيث السرور والحبور، ويعدُّ لقاء المحبوب نعمة موفورة. غذاؤه كان مشاهدة الجمال وشرابه نسمة الوصال، كان دائم البشاشة، قليل الحركة ساكنًا، أما قلبه وروحه ففي نهاية الاشتعال والوله، وكان ألِفًا وفيًا لهذا العبد (عبدالبهاء) بل رفيقًا مسرّا وجليسا محبوبا وأنيسا لا يمل، مقربا لدى الساحة المقدّسة، محترما بين الأحباء والأصحاب، زاهدًا كل الزهد في الدنيا، متوكلاً على حضرة الواحد الأحد، لا يتلوّن ولا يتغير بالمرة ثابتا مستقيما كالجبل الراسخ في الأمر.

إنني كلما تذكّرت صبر هذا الشخص وسكونه وقناعته وثبوته اندفعت، دون تكلّف، إلى طلب الألطاف له من حضرة الأحدية. كان هذا الشخص يشكو باستمرار من الأمراض والعلل والنوازل التي استولت عليه مما كان يكابده من المتاعب والمشاق التي لا تحصى. ولما كان في قزوين وقع فريسة أهل النفاق الذين كانوا يصفعونه على أم رأسه المباركة بالأكف وغيرها، وآثار ذلك ظاهرة حتى الساعة في سمت رأسه ولم تختف حتى لفظ النفس الأخير. ولكم أذاقه الظالمون من العذاب ألوانا، ولكم توالى عليه الأذى من أهل النفاق ولا ذنب له


إلا الإيمان والإيقان، ولا جرم اقترفه سوى محبته لله، على حدّ قول الشاعر:

أزالوا الشعر من رأسي جزافًا بصفعاتٍ شدادٍ لا بموسَى

وكل تعرض لاقيت منهم ولم أر بينهم شخصًا أنيسَا

وذنبي كان إيماني بربي وودي أن أكون له جليسَا

وأنشر أمره بين البرايا لأحيي من بريته نفوسَا

فيوسف ما الذي قد كان منه من الإجرام يوم غدا حبيسَا

وهذا مصداق حال جناب آقا علي.

وبالاختصار، إن هذا الشخص الجليل مضى كل أوقاته وهو في السجن الأعظم، مشتغلاً بالتبتل والتضرع والتقرب إلى الله، وكان مورد عناية الرب الغفور مشمولاً بالألطاف بدرجة لا حدّ لها، وكان يفوز بشرف اللقاء في أغلب الأحيان، وفي ذلك كان سروره وانشراح صدره وبهجته وارتياحه، حتى وافاه الأجل المحتوم وصعدت روحه إلى العالم اللامتناهي، وطار إلى ملكوت الأسرار واستظل في ظل الجمال.

عليه التحية والثناء، وعليه الرحمة من رب الآخرة والأولى، نوّر الله مضجعه بأنوار ساطعة من الرفيق الأعلى.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
إن جناب آقا محمد باقر وآقا محمد إسماعيل، هما من الذين زُج بهم في سجن عكاء في سبيل الله، وهما أخوا المرحوم پهلوي رضا، ويشتغلا بمهنة الخياطة. هاجرا من إيران إلى أرض السرّ (أدرنه) واستظلا في ظل العناية الرحمانية، ثم سافرا إلى عكاء صحبة الجمال المبارك.

أما أخوهما المرحوم پهلوان رضا، عليه الرحمة والرضوان وعليه البهاء الأبهى وعليه التحية والثناء، فكان شخصًا عاريًا عن رداء العلم، مشتغلاً بالتكسب لوقوعه في الفاقة كسائر أهل العشق الإلهي، وأخيرًا خلع رداء الحياة وطار إلى أوج العرفان الأعظم. إنه كان من المؤمنين السابقين. ومع قلة بضاعته قد أدهش أهالي كاشان بما كان يتدفق من فيهِ من البيانات حتى بُهتوا وتملكتهم الحيرة. وقد ذهب ذلك الشخص الأمي، في الظاهر، ذات يوم إلى المدعو الحاج كريم خان، في مدينة كاشان، وسأله قائلاً: "يا جناب الخان، هل أنت الركن الرابع؟ أفدني لأني متعطش لعرفان الركن الرابع لأني أحب أن أكون من عارفيه". ولما كان في محضر الخان المذكور جمع من الأمراء السياسيين والعسكريين، أجاب بقوله: "أستغفر الله، إنني بريء من كل من ادعى أنني الركن الرابع، وأنا لا أدعي ذلك، ومن روى عني مثل هذا الادعاء


فهو كذاب أشر وعليه لعنة الله". ثم زاره پهلوان رضا للمرة الثانية بعد أيام قلائل وقال له: "إنني قد تصفّحت (مؤلّفكَ) الكتاب المعروف ب‍‍‍ إرشاد العوام كله، وعلمت منه أنك من الواجب المفروض معرفة الركن الرابع. وأنك، والحقيقة هذه قد ساويته بنفس الإمام صاحب الزمان، ولهذا أرجوك كل الرجاء أن تعرّفني إياه وأين هو، وإني أكرر رجائي أن تدلني عليه". فاشمأز الحاجي المشار إليه وقال: "إن الركن الرابع ليس شخصًا موهومًا بل شخص معلوم ومعروف كشخصي وأنا لابس عمامتي وفوق ظهري عباءتي وعصاي في يدي". فتبسّم پهلوان رضا وقال: "عفوًا يا جناب الحاجي، إن أقوالك متناقضة، إذ قلتَ لي في المرة الأولى شيئًا والآن تقول شيئًا آخر". فحنق الحاجي جدّ الحُنق، ثم قال: "ليس لدي الآن متسع من الوقت، وسنتكلم في هذه المسألة في وقت آخر فاعفني الآن". والمقصود أن هذا الشخص، پهلوي رضا، وإن كان في الظاهر أميّا غير أنه كان مصداق ما قاله العلام الجلّى قد أوقع الركن الرابع في الركن الرابع وألزمه الحجة وحيّره.

ومختصر القول، إن فارس الميدان وغضنفر العرفان هذا (پهلوي رضا) كان كلما حرّك لسانه في المحافل أدهش المستمعين، وكان ملجًا للاجئين، ومساعدًا للطالبين، واشتهر باسم الحق في جميع الآفاق. ثم ترك الرخيص والغالي وصعد إلى الملكوت الأبهى.

أما أخواه العزيزان، فقد وقعا أسيرين في يد الأعداء، ودخلا في عداد المظلومين في السجن الأعظم. وأما هو فقد أسرع إلى الملكوت الأبهى بينما كان في حالة الانقطاع الكلي، وكمال الانجذاب وذلك في أول أيامنا في عكاء التي كان هواؤها في ذلك الحين مسمومًا، حتى


جعل كل وارد عليها عرضة للمرض وملازمة

فراشه، وما لبثت الأمراض أن نشبت أظفارها في كل من جناب محمد باقر وآقا محمد إسماعيل ولم يكن هناك وجود للأطباء والعلاج. وصعد هذان النوران المجسمان إلى عالم الأبدية في ليلة واحدة حاضنيْن بعضهما البعض، فتحسّر عليهما الأحباء جدّ التحسّر وبكاهما الكل ليلة صعودهما.

ولما أتيتُ في الصباح لآخذ الرفاتيْن المطهريْن للدفن، حال دون ذلك الحراس وقالوا: "لا يجوز لأحد منكم الخروج من القشلة (الثكنة) فأعطونا الرفاتين حتى نغسلهما وندفنهما وعليكم دفع التكاليف". ولسوء الحظ، لم يكن لدينا ما ندفعه للمصاريف، بل كانت هناك سجادة موضوعة تحت قدمي الجمال المبارك الذي تكرّم حضرته، روحي له الفداء، برفعها من تحت قدميه بغية بيعها وإعطاء ثمنها للحراس لتجهيز الرفاتين ودفنهما. ثم بعنا السجادة المشار إليها بمائة وسبعين قرشًا وسلّمنا هذا المبلغ للحراس، فما كان من هؤلاء الظالمين إلا أن واروا الرفاتين بثيابهما دون غُسلٍ في قبر واحد. ولما كانت روحاهما متحدتين في الملكوت الأبهى، فجسماهما أيضًا يحتضنان بعضهما تحت الثرى.

كانت عناية الجمال المبارك بشأن هذين الحبيبين لا حدّ لها، إذ كانا مشموليْن بالألطاف طوال أيام حياتهما وقد جرى القلم الأعلى بذكرهما في الألواح المباركة بعد وفاتهما.

أما قبراهما ففي عكاء. عليهما التحية والثناء وعليهما البهاء الأبهى وعليهما الرحمة والرضوان.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة



كان في عداد المسجونين جناب آقا أبو القاسم السلطان آبادي، رفيق المدعو آقا فرج في أسفاره. فهذان الشخصان المؤمنان الثابتان المستقيمان، قد بارحا إيران إلى أدرنه بقلب سليم وروح أحيتها نفثات الروح الأمين لأنهما لم يستطيعا البقاء في وطنهما العزيز من ظلم أولي الشأن واعتساف الأعداء، وأخذا يطويان الصحارى والهضاب طليقيْن غير مقيديْن، وتحملا وعثاء الطريق وركوب البحار، ينامان على التراب ويلتحفان السحاب، غذاؤهما ما تنبت الصحراء رغم ندرة الماء، ترعى عيونهما في الليالي نجوم السماء، وبعد التي واللتيّا وصلا إلى أرض السر (أدرنه) في الأيام الأولى من ورود الجمال المبارك إليها فأخذا أسيريْن وذهبا في معيّة الجمال المبارك إلى السجن الأعظم.

وهنا أصيب جناب آقا أبو القاسم بالحمى الشديدة وفارق الحياة، وحكاية دفنه لا تقل،ّ عما حدث للأخوين آقا محمد باقر وآقا محمد إسماعيل السالف ذكرهما، ولا تزيد غير أنهم دفنوه خارج عكاء حيث جسده المطهر الآن. وقد أظهر الجمال المبارك بشأنه كمال الرضاء وقد بكاه جميع الأحباء بكاء مرًا، واحترقت قلوبهم من هذا الفادح الجليل عليه البهاء الأبهى.


أما جناب آقا فرج فقد كان في جميع الأحوال رفيقًا حميمًا لأبي القاسم المذكور وملازمًا له. وما أن ذاع خبر الظهور الأعظم في عراق العجم، حتى تزلزلت أركانه وردد صداه مهللاً وظعن إلى العراق العربي فوجد ضالته وكان سروره لا يقدّر عندما أتى إلى الساحة المقدّسة ودخل في محفل الأنس وفاز بشرف الحضور، وبعد برهة عاد إلى سلطان آباد، يحمل أعظم البشارات، في حين كان أهل النفاق مترصدين للأحباء مشعلين نيران الفساد، وكانوا يفتكون بالأحباء ويسقونهم كأس الشهادة ظلمًا وعدوانًا. وكان بين من استشهدوا ظلمًا واعتسافًا تلك النفس الطاهرة المقدسة (الملا باشي). أما آقا أبوالقاسم وآقا فرج فكانا قد تواريا عن أعين الظالمين ثم سافرا إلى أرض السر (أدرنه) ومن هناك إلى السجن الأعظم (عكاء) في معيّة المحب المحبوب. وهنا انفرد آقا فرج بشرف خدمة الجمال المبارك وملازمة العتبة المقدسة، لا يألو جهدًا في تسلية الأحباء وكان الخادم الصادق في أيام الجمال المبارك والخل الوفي لجميع أهل البهاء. وظلّ بعد الصعود المبارك ثابتا على العهد والميثاق وكالنخلة الباسقة في إظهار عبوديته للأحباء. دام هذا الشخص البارع الصادع ناسجًا على منوال القناعة صابرًا في موارد البلاء.

وبالإجمال، إنه رحل من هذا العالم وهو في كمال الإيمان والإيقان والتوجه، وكان في أيامه مظهر الألطاف اللانهاية. عليه الرحمة والرضوان وعليه التحية في جنة الرضوان وعليه الثناء في فردوس الجنان.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كانت في عداد المهاجرات أمةالله – فاطمة بيگم – حرم حضرة سلطان الشهداء. وقعت هذه الورقة المقدّسة، ورقة الشجرة الإلهية، من أول شبابها في غمار البلايا اللامتناهية وذلك في سبيل الله وكان أول ما انصبّ عليها من المصائب وفاة والدها ذلك الجوهرة النقية بعد أن أضناه التعب ووهن العظم منه في الغربة مما قاساه في طي الصحاري وعظيم المشاق والكروب التي لا حد لها ووافاه الأجل المحتوم في إحدى النزل الريفية في ضواحي بدشت. فتيتّمت هذه المخدّرة من بعده إلى أن ساقتها العناية الإلهية ودخلت في عصمة حضرة سلطان الشهداء.

ولما كان سلطان الشهداء مشهورًا بين الجميع ببهائيته وبانقطاعه الكلي للجمال الرحماني حتى أصبح حيرانا هائما في ذلك الميدان، وحيث إن ناصر الدين شاه كان مولعًا بسفك الدماء والأعداء يقفون بالمرصاد للأحباء ويقومون ضدهم بالسعاية وإثارة كوامن الفتن والاضطرابات. لهذا كله، كانت أسرة سلطان الشهداء غير مطمئنة عليه وتترقب استشهاده في كل لحظة، فاستولى عليهم الاضطراب الشديد لأن الأسرة كلها كانت مشهورة بالبهائية، وكان الأعداء يناوئون أفرادها ظلما وعدوانا، وكانت الحكومة تتعرض لهم باستمرار وكذلك شاه إيران كما ذكرنا.


ومن هذا يتبين حال هذه الأسرة وكيف كانت تعيش والشعب يُظهر لأفرادها كل الكراهية، وتقوم عليهم الغوغاء في كل حين ويشهّرون بهم حتى وقع حادث استشهاد حضرة سلطان الشهداء وحدّث ولا حرج عما أظهرته الحكومة من الوحشية المتناهية التي فزع وجزع لهولها البشر. وما اكتفت بذلك بل نهبت أمواله وبددت ممتلكاته الأمر الذي جعل كامل أفراد الأسرة في حاجة إلى القوت الضروري. أما فاطمة بيكم فقد أخذت في البكاء والنحيب والتحسر ليل نهار وكانت تخفي ذلك على أطفالها رأفة بهم وعليهم رغم التهاب نار الحسرة والأسى بين ضلوعها غير أنها كانت تتلو على الدوام آيات الشكر لله الواحد الأحد لأنها اعتبرت أن كل هذه المصائب والنوائب كانت، والحمد لله، في سبيل نيّر الآفاق وفي محبة كوكب الإشراق. وكل هذا جعل أفراد أسرة سلطان الشهداء ممتازين بين أهل الإيمان، وكانت أمةالله المذكورة كلما حلّت بهم مصيبة قالت بكل إخلاص: "الحمد لله الذي ساوى هذه الأسرة بالأسرة النبوية".

ولما كان التضييق على هذه الأسرة من قبل الحكومة والأعداء على أشده، أمر الجمال المبارك بإحضار جميع أفرادها إلى السجن الأعظم (عكاء) ليعيشوا مطمئنين بجوار الموهبة الكبرى. فأمضوا زمنا هانئين في الجوار الرحماني ورغم كل هذا فقد أصيبت هذه العائلة بوفاة نجل سلطان الشهداء المدعو آقا ميرزا عبدالحسين، فما كان من والدته فاطمة بيگم إلا التسليم والرضاء ولم تجنح إلى النحيب والعويل حتى إنها لم تقِم له عزاء ولم تفه بشيء يدل على التأثر أو التحسر.

كانت هذه السيدة (فاطمة بيگم) متردية برداء الصبر الجميل والوقار شاكرة لله بدرجة تفوق الحدّ، ومع وقوع المصيبة الكبرى والرزية العظمى بصعود


سراج الملأ الأعلى (حضرة بهاءالله) عيل صبرها ونفد استقرارها وزاد اضطرابها وحرقة قلبها حتى أصبحت كالحوت المتبلبل على التراب من شدة العطش ولم تهدأ لها حال ولم تقوَ على تحمل الفراق، فودعت أطفالها وعاجلها الأجل المحتوم وصعدت في جوار الرحمة الكبرى منتقلة إلى ظل عناية حضرة الأحدية واستغرقت في بحر الأنوار.

عليها التحية والثناء، وعليها الرحمة والبهاء، وطيب الله ثراها بصيّب الرحمة من السماء، وأكرم الله مثواها في ظل سدرة المنتهى.

77 67) شمس الضحى في 2009-10-03, 17:38

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
كانت أمةالله المنجذبة بنفحات الله حضرة خورشيد بيگم الملقبة ب‍‍‍‍ شمس الضحى والدة حرم سلطان الشهداء في عداد المهاجرات والمجاورات. وأمةالله المفوّهة هذه، هي ابنة عم الحاج سيد محمد باقر المعروف بالعلم في جميع الآفاق والذي كان أمير العلماء في أصفهان.

ولما فقدت أمةالله هذه، المنجذبة، والديها وهي في سن الطفولة، تولت جدتها أمر تربيتها فترعرعت واشتدت في سراي ذلك العالِم الذي لا يجارَى والمجتهد المشهور سالف الذكر، ونمت في أحضان العلوم والفنون والمعارف. ولما بلغت سن الاحتلام، تزوجت جناب آقا ميرزا هادي النهري. ولما كانت مشام الزوجين قد تعطرت بنفحات العرفان من ذلك النجم الساطع البارع الصادع ألا وهو حضرة الحاج سيد كاظم الرشتي، لهذا رحلا إلى كربلاء صحبة المدعو آقا ميرزا محمد علي النهري شقيق ميرزا هادي المذكور وأخذا يحضران مجالس دروس السيد كاظم لاقتباس أنوار المعارف حتى أصبحت أمةالله المنجذبة (شمس الضحى) متفقهة في المسائل الإلهية وما ترمي إليه الكتب السماوية وتتبعت الحقائق والمعاني بكل دقة. ثم أنجبت ولدًا وبنتًا وهما السيد علي وفاطمة بيگم التي تزوجت بعد سن البلوغ من حضرة سلطان الشهداء.


في أثناء آقامة تلك الأم النورانية (شمس الضحى) في كربلاء، وإذ ارتفع نداء الرب الأعلى من مدينة شيراز قالت: "بلى!"، وآمنت على الفور. وفي تلك الآونة، سافر إلى شيراز قرينها المحترم آقا ميرزا هادي النهري وأخوه المبجّل لأنه قد سبق لهذين الأخوين أن شاهدا جمال النقطة الأولى (الباب)، روحي له الفداء، في ضريح سيد الشهداء (الحسين بن علي) عليه الصلاة والسلام وعند ذلك أخذتهم الحيرة بمجرد مشاهدة شمائله النورانية وخصاله وفضائله الرحمانية حتى قالا لبعضهما: لا شبهة في أن هذا الرجل رجل عظيم ولذا أجابا ب‍‍‍‍ "بلى" بمجرد استماع النداء واشتعلا بنار محبة الله لأنهما كانا يسمعان المرحوم السيد كاظم كل يوم ينادي في مجالسه المملوءة بالفيض ويقول صراحة: "إن الظهور لقريب!"، وإن هذا المطلب غاية في الدقة والرقة وعلى الكل أن يتنسموا أخباره ويتفحصوا أيضًا لعل حضرة الموعود يكون حاضرًا وموجودًا بين الناس. لكن الكل غافلون كما أشير إلى ذلك في بعض الأحاديث (الشريفة).

وما أن بلغ الشقيقان إيران حتى بلغهما أن حضرة الأعلى (الباب) قد سافر إلى مكة المكرمة. لهذا ذهب حضرة آقا سيد محمد علي إلى أصفهان، أما آقا ميرزا هادي فقد عاد إلى كربلاء. وكانت شمس الضحى قد تعرفت في تلك الأثناء بأمةالله ورقة الفردوس أخت جناب باب الباب (ميرزا حسين البشروئي) ثم تقابلت بواسطة هذه الأخيرة مع جناب الطاهرة، وتمكنت عرى الألفة والمحبة والمؤانسة بينهن، وكن يجتمعن ليل نهار ويشتغلن بأمر التبليغ. ولما كان الأمر الإلهي في بدايته كان القوم ينفرون منه بعض النفور. وأدت ملآقاة شمس الضحى بحضرة الطاهرة إلى زيادة انجذابها واشتعالها واستفاضتها التي لا حدّ لها وقد


استمرت في عشرة حضرة الطاهرة في كربلاء مدة ثلاث سنوات تجالسها ليل نهار، وكانت كلما تحدثت تدفق من فمها الحديث كالبحر الزاخر بنسائم الرحمن وهي هائجة مائجة تتكلم بلسان فصيح.

ولما اشتهر أمر الطاهرة في كربلاء وانتشر صيت أمر حضرة الأعلى (الباب)، روحي له الفداء، في أنحاء إيران قام علماء آخر الزمان على تكفير معتنقيه وتحقيرهم وتدميرهم وأصدروا فتوى بقتل عموم أتباع الباب. وقام علماء السوء في كربلاء على تكفير جناب الطاهرة ثم هاجموا بيت شمس الضحى ظانين أن حضرة الطاهرة فيه، ثم أحاطوا بأمةالله المنجذبة (شمس الضحى) وأوسعوها ضربًا وشتمًا ولعنًا وزجرًا وتأنيبًا بدرجة لا توصف ثم سحبوها من الدار إلى السوق، فهجم عليها الأعداء وأوسعوها ضربًا بالعصي وقذفوها بالحجارة وبينما هي على هذه الحال إذ أتى والد زوجها المحترم الحاج سيد مهدي وصاح في القوم قائلا: "إن هذه السيدة ليست بجناب الطاهرة". فلم تصدقه الشرطة والعامة ولم يتركوها ثم طلبوا من حضرة الحاج سيد مهدي أن يأتي بمن يشهد على ما يقول وما لبثوا أن سمعوا أحد الغوغاء يصيح قائلا: "إن قرة العين قد قبض عليها"، ولهذا تركوا شمس الضحى.

ومختصر القول، إن الحكومة وضعت بعضًا من الحراس في بيت جناب الطاهرة ومنعوا الناس من الدخول والخروج حتى تأتي الأوامر من بغداد وإسلامبول. ولما طالت مدة انتظار الأوامر طالبت جناب الطاهرة لها ورفيقاتها بالذهاب إلى بغداد ريثما تأتي الأوامر بشأنها من إسلامبول ويفعل الله ما يشاء. فلبّت الحكومة طلبها فسافرت من


كربلاء هي وجناب ورقة الفردوس ووالدتها وجناب شمس الضحى إلى بغداد وكان الرعاع يرجمونهن بالحجارة على مسافة من كربلاء ولما وصلن بغداد نزلن في بيت حضرة الشيخ محمد شبل والد جناب آقا محمد مصطفى البغدادي. ولما كثر الوافدون على جناب الطاهرة هاج أهالي ذلك الحي فاضطرت إلى الانتقال إلى منزل خاص بجهة أخرى من المدينة وداومت على التبليغ وإعلاء كلمة الله ليل نهار وكان يفد عليها العلماء والمشايخ وغيرهم، ويلقون عليها بعض الأسئلة فكانت تجيبهم بما يقنعهم واشتهرت في بغداد شهرة عجيبة لأنها كانت تتكلم في المسائل الإلهية ذات الشأن والدقة. ولما علمت الحكومة بذلك نقلتها هي وشمس الضحى وورقة الفردوس إلى دار المفتي حيث أقمن مدة ثلاثة شهور حتى وصلت الأوامر من إسلامبول بشأنهن.

أما مفتى بغداد فكان دائمًا يحادثهن ويناقشهن مدة آقامتهن في داره وكن يقمن له الحجج والبراهين القاطعة على دعواهن وكن يشرحن له المسائل الدينية شرحًا وافيًا ويتباحثن معه في مسائل الحشر والنشر والحساب والميزان ويوضحن له معضلات الحقائق والمعاني.

تصادف أن حضر والد المفتي إلى الدار ذات يوم، وما أن وقع نظره على جناب الطاهرة ورفيقاتها حتى انهال عليهن بما لا يليق من الألفاظ النابية، وكان المفتي حاضرًا فاستاء مما كان من والده واعتذر للسيدات ثم أخبرهن بورود الأوامر بشأنهن من إسلامبول تفيد أن السلطان العثماني قد عفا عنهن شريطة مغادرة الدولة. فخرجت في صباح اليوم التالي من بيت المفتي وتوجهت إلى الحمام، وبعد عودتها أخذ جناب الحاج الشيخ محمد شبل وجناب الشيخ سلطان العربي بتهيئة لوازم السفر وبعد ثلاثة أيام بارحت جناب الطاهرة


بغداد هي وجناب شمس الضحى وجناب ورقة الفردوس ووالدة آقا ميرزا هادي ونفر من سادات مدينة يزد قاصدين إيران والذي تولى الصرف على هذه الرحلة من جيبه الخاص هو جناب الشيخ محمد شبل إلى أن وصلوا مدينة كرمانشاه فنزلت المخدّرات في دار على حدة والرجال في بيت آخر واستمر أمر التبليغ على ما كان عليه في بغداد ولما علم العلماء بذلك حكموا بإخراج الجميع من المدينة وهذا حفّز حاكم المدينة وأناسًا آخرين على مهاجمة السيدات ونهب ممتلكاتهن ثم أركبوا السيدات هودجًا مكشوفا وذهبوا بهن إلى الصحراء حيث تركوهن في العراء يتخبطن في البادية بلا زاد ولا فراش. عند ذلك، كتبت الطاهرة لوالي كرمانشاه تقول: "إننا مسافرون وضيوف (وجاء في الحديث): "أكرموا الضيف ولو كان كافرا فهل من اللائق والجائز إهانة الضيف وتحقيره؟"، وما أن وصل ذلك إلى الوالي حتى أمر بإعادة المسروقات وكل ما سلب من السيدات. فأعيدت في الحال إليهن بتمامها ثم أحضروا لهن الركائب من المدينة وأركبوهن إلى همدان حيث توافدت عليهن النساء حتى نساء العائلة المالكة لملاقاة جناب الطاهرة يوميًا.

آقامت جناب الطاهرة ومن معها في همدان مدة شهرين وفي غضونهما سمحت لبعض من كانوا برفقتها بالعودة إلى بغداد ورافقها الباقون إلى مدينة قزوين وبينما هي في الطريق إذ أتى ركب من آقاربها يعني إخوانها وقالوا لها: "إننا أتينا إلى هنا بأمر والدنا وإرادته حتى نأخذك منفردة إلى الدار. أما جناب الطاهرة فلم تقبل ذلك ومن ثمّ وصلوا جميعًا إلى قزوين. وذهبت جناب الطاهرة إلى دار أبيها مع رفيقاتها أما الرجال فقد نزلوا في نُزُل.


وكان جناب آقا ميرزا هادي قرين شمس الضحى قد عاد إلى قزوين منتظرًا إيّاها بعد أن تشرف بحضور حضرة الأعلى (الباب) في قلعة ماه كو (يعني قلعة جبل القمر)، ثم اصطحبها إلى أصفهان، ومنها توجه جناب آقا ميرزا هادي إلى قرية بدشت التي لاقى فيها وفي ضواحيها من الأذى والجفاء والمشاق والابتلاء وما لا يدخل تحت حصر فضلاً عن رجمه بالحجارة حتى أدركته المنية في إحدى النُزُل الخربة فدفنه أخوه المدعو آقا ميرزا محمد علي على رأس الطريق بين أصفهان وبدشت أما شمس الضحى فقد بقيت في أصفهان مشغولة بذكر الله في جميع آناتها قائمة بتبليغ أمرالله بين النساء بلسان فصيح بتوفيق من الله ومؤيدة بالبيان البديع وكانت ماجدات أصفهان يحترمنها كل الاحترام، وكان الكل على بيّنة من زهدها وورعها وتقواها وعفّتها المجسمة وعصمتها المشخّصة وهي مشتغلة إما بترتيلها للآيات ليل نهار أو بتفسير آيات الكتاب أو بشرح غوامض المسائل الإلهية أو بتبليغ أمرالله ونشر النفحات القدسية. فسبب كل ذلك اقتران حضرة سلطان الشهداء، روح المقربين له الفداء، بابنتها المحترمة أما هي فقد سكنت في سراي صهرها حضرة سلطان الشهداء فتوالت عليها الزائرات من النساء الماجدات ممن تعرف وممن لا تعرف من الأحباء والأغيار فزاد ذلك من اشتعالها بنار محبة الله وانجذابها إلى إعلاء كلمة الله بكل ما في مكنتها حتى لقبها الأغيار "فاطمة الزهراء" عند البهائيين.

ولما استمر الحال على هذا المنوال اتفق كل من الرقشاء والذئب (أما الرقشاء فهو المدعو ميرزا محمد حسين إمام الجمعة بأصفهان، والذئب هو المدعو الشيخ محمد باقر الأصفهاني قد جرى القلم الأعلى بتلقيب الأول بالرقشاء والثاني بالذئب) وأصدرا فتوى بقتل


حضرة سلطان الشهداء وشقيقه حضرة محبوب الشهداء فباغتهما بالهجوم عليهما كل من الرقشاء وأعوانه والذئب والجلادون والشرطة المملوءة قلوبهم بالجفاء وصفدوهما بالسلاسل والأغلال وساقوها إلى السجن ثم سطوا على سرايهما وبددوا محتوياتها ولم تنج الأطفال الرضع من أذاهم وصبوا على أقرباء هذين الشخصين المقدّسين سياط الطعن واللعن والسب والضرب والتعذيب بدرجة لا توصف.

وقد حكى لي أثناء وجودي في باريس المدعو – ظل السلطان – مؤكدًا ما حكاه بالأيمان المغلّظة بأنه طالما نصح هذين السيدين الجليلين بالإقلاع عن معتقدهما دون جدوى. وقال: "إنني دعوتهما ذات ليلة وألححت عليهما بترك ما هما عليه، وأريتهما أن حضرة الشاه قد أمر بقتلهما ثلاث مرات، وقد أتى المرسوم الشاهاني بالحكم القطعي في هذا الصدد، وإذًا لا مفر من أنكما تتبرآن من هذا الدين أمام العلماء. فأجابا بما يلي: "يا بهاء الأبهى، إن روحينا مقدمتان قربانًا"، وفي النهاية قبلت أن يقولا: "إننا لسنا بهائييْن، وقلت لهما إنني أكتفي بهاتين الكلمتين وأحرر واقعة الحال لجلالة الشاه متخذا إقراركما وسيلة لخلاصكما ونجاتكما"، فقالا: "إن هذا لا يكون منا أبدًا، إننا بهائيان، يا بهاء الأبهى! إننا لمتعطشان لشرب كأس الشهادة الكبرى". فاغتظت وخاطبتهما بحدة وشدة علّهما ينصرفا عن تصميمهما فما أمكن، فاضطررت أخيرًا إلى تنفيذ ما جاء بالفتوى التي أصدرها الرقشاء والذئب الضاري".

وبالإجمال، إن رجال الحكومة، بعد استشهاد هذيْن الشخصين تعقبوا السيدة شمس الضحى التي اضطرت أن تذهب إلى بيت أخيها، والحال أن أخاها لم يكن مؤمنا تمامًا وهو مشهور في أصفهان بالزهد


والتقوى والعلم والفضل والاعتكاف والانزواء ولذا أصبح محل احترام الجميع واعتمادهم، وظلّت الحكومة تتعقبها وتبحث عنها إلى أن علمت بمكانها فاستدعتها، بالاتفاق مع علماء السوء. فاضطر أخوها أن يأخذها إلى بيت الحاكم، فدخلت إلى محل الحريم أما أخوها فقد انتظرها خارج باب الدار، وما أن وصلت إلى مدخل محل الحريم قابلها الحاكم وأخذ يركلها بكل ما أوتي من قوة حتى سقطت على الأرض مغشيًا عليها، وعند ذلك نادى الحاكم زوجته وقال لها، انظري فاطمة البهائيين الزهراء، ثم نقلوها إلى إحدى الغرف وأخوها خارج السراي محتار في أمره، وأخيرًا تقدم إلى الحاكم ليشفع لأخته، ثم قال: "إن أختي هذه قد أوشكت على الموت من شدة الضرب، فما الفائدة من وجودها في داركم ما دام الأمل في حياتها مفقود، وأملي أن تسمحوا لي بأخذها إلى دارنا، إذ من باب أولى أن تقضي نحبها هناك، مع العلم بأن هذه السيدة من السلالة الطاهرة، لم تقصّر ولم تقترف جرمًا –وذنبها- فقط أنها منسوبة إلى زوج ابنتها". فقال الحاكم: "إنها لمن صناديد البهائيات، ولا بد من أنها سوف تحدث هيجانًا بعد"، فقال أخوها: "إنني أتعهد بأنها لا تنبس ببنت شفة ومن المؤكد أنها سوف لا تعيش إلا أيامًا قليلة، إذ إنها جسم بلا روح ولا حياة، وقد أخذ الضعف منها كل مأخذ، ووهن العظم منها وأصبحت عرضة لمختلف الصدمات".

ولما كان أخوها محترمًا للغاية ومحل اعتماد الخاص والعام، لهذا، سمح له الحاكم وسلّمه أخته (شمس الضحى). فمضت في دار أخيها أيامًا تبكي وتنتحب ليل نهار وكأنها في مأتم وعزاء، وهذا أقلق راحة أخيها، والأعداء لا يفترون عن مناوأتها وقَلْبِ ظهر المجن لها


يوما إثر يوم. ولما شاهد أخوها ذلك، رأى من المصلحة، حسمًا للضوضاء والغوغاء، أن يأخذها إلى مشهد قصد زيارة أهل البيت، وأسكنها في بيت على حدة، بجوار ضريح حضرة علي بن موسى الرضا عليه السلام. ولما كان أخوها غارقًا في بحار الزهد والتقوى، كان لا ينقطع عن زيارة أضرحة آل البيت في كل يوم من الصباح الباكر إلى الزوال وبعد الظهر يذهب إلى البقعة المباركة قصد التعبد والصلاة وتلاوة الأدعية والأذكار إلى آخر النهار. وكانت شمس الضحى، أثناء تغيب أخيها عن البيت، تعقد مجالسًا لنساء الأحباء وتتحدث إليهن لأنها كانت لا تتحمل السكوت لاشتعال نار محبة الله في قلبها، وكانت نساء الأحباء يكثرن من الذهاب إليها ويستمعن لبياناتها التي كانت تلقيها بلسان فصيح وعبارات بليغة.

وعلى الجملة، إنه لما كانت الأحوال في شدة الصعوبة في مشهد، في تلك الأيام، وكان الأعداء يتعقبون الأحباء، حتى إنهم إذا ما عثروا على أحد من الأحباء قتلوه، وانعدمت الراحة والأمان. أما شمس الضحى، فقد أخذ من يدها زمام الاختيار، واستمرت على ما هي عليه ورمت بنفسها في غمار البلايا غير هيابة ولا وجلة ولم تهدأ عن التبليغ. ولم يكن عند أخيها خبر عما تجريه، لأنه لم يعاشر أحدا ويمضي نهاره وليله في الزيارات للأضرحة المذكورة ويعود إلى البيت قصد النوم، ولم يعرف أحدا في تلك الجهة لانزوائه، حتى كان لا يحادث أحدا. ومع كل هذا، فقد شاهد في المدينة غاغة ولغطًا يؤديان إلى شديد التصادم (مما تجريه أخته). ولما كان دائمًا ساكنًا لا يُسمع له صوت، فلم يتعرض لأخته بل أخذها توًا إلى أصفهان وأرسلها إلى دار ابنتها حرم سلطان الشهداء، ولم يُنزلها في داره.


وبالاختصار، إن شمس الضحى أمضت أيامًا في أصفهان وكانت جريئة في إلقاء البيانات الأمرية، وبكل جسارة كانت تنشر نفحات الله. ومن اشتعالها بنار محبة الله كانت تفتح لسانها بالتبليغ لكل طالب، ولما كان متوقعًا وقوع أسرة سلطان الشهداء مرة أخرى في المصائب الشديدة وأن تصبح في شديد المتاعب والقلق، لهذا، تعلقت إرادة المبارك بأن تحضر هذه الأسرة إلى السجن الأعظم، وصدر لها الأمر المبارك بذلك. فسافرت شمس الضحى وحرم سلطان الشهداء وجميع الأطفال إلى الأرض المقدّسة، وأمضى جميعهم فيها أوقاتهم في غاية من الروح والريحان والسرور الذي لا مزيد عليه إلى أن توفي، في مدينة عكاء، نجل حضرة سلطان الشهداء المدعو آقا ميرزا عبدالحسين، متأثرًا بمرض السل الذي أصابه في أصفهان، فضلاً عما لآقاه من المصاعب والصدمات. فتأثرت لوفاته السيدة شمس الضحى وحزنت حزنًا عظيمًا، واكتوت بنار الفرقة والحسرة، وعلى الأخص، لحدوث المصيبة الكبرى والرزية العظمى (وهي الصعود المبارك) فتزلزل بنيان حياتها، وأخيرا وهنت قواها فلازمت الفراش بعد أن كانت كالشمعة المضيئة. مع كل هذا لم تركن إلى السكوت والسكون، إذ كانت طورًا تتحدث عن أيامها السالفة، وطورًا عن الوقائع الأمرية، وطورًا ترتل الآيات البينات، وطورًا تتضرع وتتلو الأنجية، حتى طارت وهي في السجن الأعظم إلى العالم الإلهي، وتخلصت من عالم التراب وخلعت الثوب الترابي، ورحلت إلى عالم الأنوار. عليها التحية والثناء وعليها الرحمة العظمى في جوار رحمة ربها الكبرى.


اللوح الذي نزل بشأنها
هو الله


وإنك أنت يا إلهي، ترى في جوار روضتك الغناء وحوالي حديقتك الغلباء مجمع أحبائك واجتماع أرقائك في يوم من أيام عيدك الرضوان يوم السعيد الذي فيه أشرقت بأنوار تقديسك على الممكنات وأظهرت أنوار توحيدك على الآفاق. وخرجت من الزوراء بقدرة وسلطنة أحاطت الآفاق، وعظمة خرت لها الوجوه وذلت لها الرقاب وعنت لها الوجوه وخضعت لها الأعناق متذكرين بذكرك منشرحين الصدر بأنوار ألطافك، ومنتعشين الروح بآثار إحسانك، وناطقين بالثناء عليك ومتوجهين إلى ملكوتك ومتضرعين إلى جبروتك، ليتذكروا بذكر أمتك المقدّسة النوراء وورقة شجرة رحمانيتك الخضراء، الحقيقة النورانية والكينونة المتضرعة الرحمانية التي ولدت في حضن العرفان ورضعت من ثدي الإيقان ونشأت في مهد الاطمئنان وانتعشت في حجر محبتك يا رحيم ويا رحمن، وبلغت أشدها في بيت انتشرت منها نفحات التوحيد على الآفاق، وأصابتها الضرّاء والبأساء في صغر سنها في سبيلك يا وهّاب وتجرعت كؤوس الأحزان والآلام منذ نعومة أظفارها حبا بجمالك يا غفار.

إلهي أنت تعلم البلايا التي احتملت بكل سرور في سبيلك، والرزايا التي قابلتها بوجه طافح بالسرور في محبتك. فكم من ليال استراحت النفوس في مضاجعهم، وهي تبتهل وتتضرع إلى ملكوتك. وكم من أيام اطمأنت عبادك في حصن أمنك وأمانك وهي مضطربة القلب مما جرى على أصفيائك.


فيا إلهي، مضت عليها أيام وأعوام، كلما أصبحت بكت على مصائب أرقائك، وكلما أمست ضجت وصرخت واحترقت حزنا على ما ورد على أمنائك، وقامت بجميع قوائها على عبادتك والتضرع إلى سماء رحمتك والتبتل إليك والتوكل عليك. وظهرت بإزار التقديس في حلل التنزيه عن شؤون خلقك إلى أن دخلت في ظل عصمة عبدك الذي أكرمت عليه بمواهبك الكبرى، وأظهرت فيه آثار رحمتك العظمى، ونوّرت وجهه بنور البقاء في ملكوتك الأبهى، وأسكنته في نزل اللقاء في الملأ الأعلى، ورزقته كل الموائد والآلاء ولقبته بسلطان الشهداء. فعاشت أعوامًا في حمى ذلك النور المبين، وخدمت بروحها عتبتك المقدّسة النوراء بما كانت تهيئ الموائد والمنازل والمضاجع لعموم أحبائك، وليس لها سرور إلاّ ذلك. فخضعت وخشعت وبخعت لكل أمَةٍ من إمائك وخدمتها بروحها وذاتها وكينونتها حبا بجمالك وطلبا لرضائك إلى أن اشتهر بيتها باسمك وشاع صيت قرينها بنسبته إليك. واهتزت وربت أرض الصاد بنزول ذلك الفيض المدرار من ذلك الجليل المغوار وأنبتت رياحين معرفتك وأوراد موهبتك واهتدى جمّ غفير إلى معين رحمانيتك، فقاموا عليه جهلاء خلقك والزنماء من بريتك وأفتوا بقتله ظلما وعدوانا وسفكوا دمه الطاهر جورا واعتسافا، وذلك الرجل الجليل يناجيك تحت اهتزاز السيف ويقول: "لك الحمد يا الهي على ما وفقتني على هذا الفضل المشهود في اليوم الموعود واحمرت الغبراء بثاري في سبيلك وأنبتت بأزهار حمراء. لك الفضل ولك الجود على هذه الموهبة التي كانت أعظم آمالي في حيز الوجود. ولك الشكر بما وفقتني وأيدتني وسقيتني هذا الكأس الذي مزاجها كافور في يوم


الظهور عن يد ساقي الشهادة الكبرى في محفل الحبور. إنك أنت المعطي الكريم الوهّاب.

وبعد ما قتلوا أغاروا إلى بيته المعمور وهجموا هجوم الذئاب الكاسرة والسباع الضارية ونهبوا الأموال وسلبوا الأمتعة والحليّ والحطام، فكانت هي مع أفلاذ كبدها في خطر عظيم. وكان هذا الهجوم الشديد عند انتشار نبأ قتل الشهيد. فضج الأطفال وارتعب قلوب الأولاد وبكوا وصرخوا وارتفع العويل من ضواحي ذلك البيت الجليل فلم يرثِ لهم أحد ولا ترق لهم نفس، بل زادوا الظلمة طغيانا واشتد جحيم الاعتساف نيرانا فما ابقوا من عذاب إلاّ أجروه وما بقي من عقاب إلا نفذوه وبقت هذه الورقة المباركة مع أطفالها تحت سلطة الظالمين وتعرض الغافلين بلا ناصر ومعين وقضت أيامها وأنيسها بكاؤها وجليسها ضجيجها وقرينها أحزانها وخدينها آلامها. وما وهنت يا إلهي مع كل هذه الآلام في حبك ولا فترت يا محبوبي مع هذه الأحزان في أمرك فتتابعت عليها المصائب والرزايا، وترادفت عليها المحن والبلايا، وتحملت وصبرت وشكرت وحمدت على هذه المحنة العظمى وعدتها أنها هي المنحة الكبرى يا ذا الأسماء الحسنى، ثم تركت وطنها وراحتها ومسكنها ومأويها وطارت كالطيور مع أفراخها إلى هذه الأرض المقدّسة النوراء حتى تتعشش في أوكارها وتذكرك كالطيور بألحانها وتشتغل بحبك بجميع قويها وخدمتك بقلبها وروحها وكينونتها وخضعت لكل أمَةٍ من إمائك وخشعت لكل ورقة من أوراق حديقة أمرك وانقطعت عن دونك وتذكرت بذكرك وكان يرتفع ضجيجها في الأسحار وصوت مناجاتها في جنح الليالي ورابعة النهار إلى أن رجعت إليك وطارت إلى


ملكوتك والتجأت إلي عتبة رحمانيتك وصعدت إلى أفق صمدانيتك.

أي رب أجبها بمشاهدة لقائك وارزقها من مائدة بقائك وأسكنها في جوارك وارزقها ما تحب وترضى في حديقة قدسك وأكرم مثواها وظلل عليها بسدرة رحمانيتك، وأدخلها في خيام ربانيتك واجعلها آية من آياتك ونورا من أنوارك. إنك أنت المكرم المعطي الغفور الرحيم.

78 68) جناب الطاهرة في 2009-10-03, 17:39

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
هو الله


من النساء الطاهرات والآيات الباهرات اللائي هن قبس من نار محبة الله وسراج موهبة الله – جناب الطاهرة التي كان اسمها المبارك – أم سلمة – وهي ابنة الحاج ملا صالح المجتهد القزويني شقيق الملا تقي إمام الجمعة في قزوين.

اقترنت (الطاهرة) بالمدعو ملا محمد ابن الحاج ملا تقي المذكور ورزقت منه بثلاثة أولاد وهم ذكران وبنت واحدة. هؤلاء الأولاد الثلاثة حرموا من المواهب التي نالتها والدتهم.

وبالإجمال، إن أباها قد عين لها معلّما منذ طفولتها. فجدّت في تحصيل العلوم والفنون حتى طال باعها وعلا كعبها في علوم الأدب بدرجة أن أبويها قالا: "لو كانت هذه الابنة ولدًا ذكرًا لأصبح ربّ المنزل ولأخذ مقام والده بين فضلاء القوم".

وبينما كانت الطاهرة في دار ابن خالتها المدعو – ملا جواد – ذات يوم، إذ عثرت في مكتبته على كتاب من مؤلفات المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي فتصفحته، وما كادت أن تأتي على آخره حتى بهرتها عباراته وراقت لها آراؤه ثم طلبت من ملا جواد أن يعيرها إياه لتطالعه في


خلوتها. فأكبر الملا ذلك وقال لها: "كيف أعيرك إياه وأبوك هو ضد كلٍ من النورين النيرين الشيخ أحمد الإحسائي والسيد كاظم الرشتي، والحقيقة، إذا استشم أنه قد وصل إلى سمعك أو أنك قد وقفت على شيء من نفحات المعاني المتضوعة من رسائل هذين العظيمين لقام على قتلى ولحل عليك غضبه الشديد". فقالت الطاهرة: "اعلم أنني، كنت ولا أزال متعطشة إلى تجرّع مثل هذا الكأس الصافي ومتشوقة لمثل هذه البيانات والمعاني منذ أمد غير قصير. وعليه أرجوك أن تتكرم على بكل ما لديك من هذه المصنفات ولو أدى الحال إلى اشمئزاز والدي". فارتاح الملا جواد لجوابها ولهذا أرسل لها كل ما وصل إلى يده من مؤلفات حضرتي الشيخ والسيد.

وتصادف أن دخلت الطاهرة على والدها ذات ليلة وهو في غرفة المطالعة وفاجأته بالتحدث عن مطالب المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي وخاضت في مسائله. فما كاد والدها يفهم من كلامها أنها لعلى بينة من مطالب الشيخ حتى انهال عليها بالسب والشتم والتأنيب، ثم قال لها: "إن الميرزا جواد (يعني الملا جواد المذكور) قد أضلك السبيل". فقالت: "يا أبتِ، إنني قد استنبطت من مؤلفات ذلك العالم الرباني – حضرة الشيخ المرحوم – معانٍ لا حصر لها، لأن مضامين كل ما جاء به مستندة إلى روايات الأئمة الأطهار. والمعلوم أن حضرتك، أيها الوالد المحترم، تدعو نفسك عالمًا ربانيًا وتعتبر عمي المحترم فاضلاً ومظهرًا لتقوى الله. والحال أن لا أثر مشهود فيكما من تلك الصفات".

ثم أخذت تباحث أباها في مسائل القيامة والحشر والنشر والبعث والمعراج والوعد والوعيد وظهور حضرة الموعود حتى ضاق والدها


ذرعًا لقلة بضاعته ولم يقوَ على دحض حججها وأخيرًا أمطرها وابلاً من السباب واللعنات. وحدث أنها روت لأبيها ذات ليلة حديثًا من المأثور عن جعفر الصادق عليه السلام لإثبات مدعاها. ورغم أن الحديث كان برهانًا دامغًا على مدعاها فقد جنح أبوها إلى السخرية والاستهزاء. فقالت: "يا أبتِ، إن هذا من البيانات المنسوبة لحضرة جعفر الصادق عليه السلام فَلِمَ تستوحش منه وتظهر السخرية. وفي النهاية، قطعت حبل المذاكرة والمناقشة مع والدها وكانت تكاتب حضرة المرحوم – السيد الرشتي - وتستخبر منه عن جل المسائل الإلهية المعضلة. وهذا ما جعل حضرته يلقبها ب‍ "بقرة العين" حتى إنه قال: "حقًا، إن قرة العين أزاحت الستار عن وجه مسائل المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي". وقد نالت هذا اللقب في أول الأمر وهي في مدينة بدشت واستصوبه حضرة الأعلى (الباب) وجرى به قلمه في ألواحه المباركة. فأثّر ذلك في الطاهرة أيّما تأثير وأهاجها حتى إنها سافرت إلى كربلاء قصد التشرف بملآقاة الحاج سيد كاظم الرشتي. وما أن وصلت كربلاء حتى علمت أن السيد قد انتقل إلى الملأ الأعلى قبل وصولها بعشرة أيام ولذا لم يتيسر لها ملآقاته.

كان حضرة السيد الرشتي المرحوم يبشر تلاميذه، قبل وفاته، بظهور الموعود ويقول لهم: "اذهبوا وجوسوا خلال الديار وطوفوا في الأرض وابحثوا عن سيدكم". فذهب نفر من أَجِلَّةِ تلاميذه إلى الكوفة واعتكفوا بمسجدها واشتغلوا بالرياضة (التنسّك). وذهب بعضهم إلى كربلاء مترصدين ظهور الموعود وكان من جملتهم حضرة الطاهرة التي أشغلت نفسها بالصوم نهارًا وبالتهجد وتلاوة الأنجية ليلاً. وبينما هي سابحة في هذا الخضم إذ رأت رؤية صادقة في وقت السَّحر وهي


منقطعة عن العالم فرأت سيدًا شابًا بعمامة خضراء يرتدي عباءة سوداء وما أن وقع قدمه على الأرض حتى ارتفع إلى أوج الهواء ثم انتصب يصلي ويتلو في قنوته بعض الآيات. فحفظت حضرتها آية مما كان يتلوه. ولما استيقظت دوّنتها في مذكرتها. ولما انتشر، بعد ظهور حضرة الأعلى (الباب) كتابه الموسوم بأحسن القصص (قيوم الأسماء)، تناولته وبينما هي تتصفحه إذ وقع نظرها على نفس الآية التي حفظتها في المنام (كما ذكرنا) فقامت على الفور بشكران الله وخرّت على الأرض للحق وأيقنت أن هذا الظهور حق لا ريب فيه. وعندما بلغتها البشرى بظهور الموعود وهي في كربلاء أخذت في التبليغ وكانت تترجم للقوم أحسن القصص وتفسير آياته لهم. ثم إنها وضعت مصنفات باللغتين الفارسية والعربية ولها منظومات في الغزل وغيره من الروحانيات وكانت عظمة خضوعها وخشوعها ظاهرة للعيان ولم تترك مستحبًا حتى أوردته.

ولما بلغ علماء السوء في كربلاء خبرها، وتأكدوا أن هذه السيدة تدعو الناس إلى أمر جديد، وأن دعوتها قد انتشرت، رفعوا شكايتهم إلى الحكومة وكانت النتيجة قيام المعارضة والتعرض الشديد من قبل الهيئة الحاكمة، بل ومن كل الجهات. وعندما قامت الحكومة بالتحقق في الأمر اعتقدت بأن شمس الضحى هي جناب الطاهرة ولهذا تعرّضوا لها. وعندما علم الأعداء بأنه تمّ إلقاء القبض على جناب الطاهرة أفرجوا عن شمس الضحى، ومن ثمّ أرسلت جناب الطاهرة رسالة إلى الحكومة تقول إنها مستعدة لإجابة كل ما تطلبه الحكومة ولا لزوم للتعرض لشمس الضحى. وما لبثت الحكومة أن وضعت دار الطاهرة تحت المراقبة وطلبت من رئاسة الحكومة في بغداد أن تحدّد لها أسلوب معاملة هذه السيدة. واستمرت


دارها تحت المراقبة ثلاثة شهور ولم يصرّح لأحد بدخول دارها أو بمحادثتها. ولما طال أمد حضور الجواب من حكومة بغداد، قامت حضرة الطاهرة بالاستفهام عما تم بشأنها. عند ذلك، رأت الحكومة إرسالها إلى بغداد حتى يأتي الجواب بشأنها من إسلامبول ثم صرحت لها بمغادرة بيتها والذهاب إلى بغداد على أن تأخذ معها كلا من السيدة شمس الضحى وورقة الفردوس أخت جناب (الملا حسين البشروئي) باب الباب ووالدتها أيضاّ. وما وصلن بغداد حتى أنزلهن حضرة الشيخ محمد شبل والد حضرة محمد مصطفى البغدادي في داره. ولما ضاق سكنها بالزائرين والزائرات اتخذت لها مسكنًا فسيحًا فاتسع لها مجال التبليغ ليل نهار فازدادت المراودة والاتصال بينها وبين أهالي بغداد وذاعت شهرتها في المدينة وهاج القوم واضطربوا وعلا صياحهم بينما كانت الطاهرة في معمعة الأخذ والرد مع علماء الكاظمين الذين كانوا يباحثونها ليقفوا على حقيقة الحال وكانت تقنع كل من حادثها من العلماء بأدلة واضحة وبراهين دامغة. وفي النهاية، كتبت لعلماء الشيعة بأنها ستقوم على مباهلتهم (يعني مناظرتهم) إن لم يقتنعوا بما تقيمه من الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة. فأثار ذلك حفيظة العلماء الذين أجبروا الحكومة على أن ترسلها هي وبعض النساء إلى دار مفتي بغداد المدعو "ابن الآلوسي". فآقامت في دار المفتي ثلاثة شهور في انتظار الأمر من الآستانة. كان المفتي، خلال مدة آقامتها في بيته يباحثها في مسائل علمية معضلة فكانت تجيبه بأجوبة كافية شافية، وكان ذلك يثير فيه عوامل الغيظ والغضب مستغربًا مما كانت عليه من طلاقة اللسان وآقامة الحجج والبراهين الدامغة. واتفق أن ابن الآلوسي قد رأى رؤية وقصها على حضرة الطاهرة وطلب منها تعبيرها قائلا: "إنني رأيت في


منامي أن علماء الشيعة أتوا إلى ضريح سيد الشهداء (الحسين بن علي) المطهر ورفعوا مقصورة الضريح ونبشوا قبره المنور وعروا جسده المطهر وكشفوه للعيان ثم أرادوا أن يأخذوا رفاته المباركة، فمَنَعْتهم عن ذلك ورميت نفسي على الرفات". فقالت له السيدة الطاهرة: "إن تعبير رؤياك هو أنك ستخلّصني من يد علماء الشيعة". فقال ابن الآلوسي: "وهذا هو تعبيري لها أيضًا".

ولمّا وقف ابن الآلوسي على مدى اطلاعها وطول باعها في حل المسائل العلمية وشواهد التفسير كان يصرف أغلب أوقاته في طرح الأسئلة عليها فكانت تجيبه بأجوبة شافية وعلى الأخص فيما يتعلق بالحشر والنشر والميزان والصراط وما إلى ذلك. وكانت تروق له أجوبتها. واتفق أن أتى حضرة والد ابن الآلوسي إلى الدار وما أن وقع نظرة على حضرة الطاهرة حتى انطلق لسانه بأنواع السباب والشتائم واللعنات والطعن في الطاهرة بكل وقاحة وقلة حياء. فخجل ابنه من ذلك وأخذ في تقديم الأعذار لحضرة الطاهرة وقال لها: "إن الأمر بشأنك قد أتى من إسلامبول وفيه يأمر السلطان بإطلاق سراحك شريطة ألا تقيمي في الممالك العثمانية، وعليه يجب عليك أن تعدي عدة السفر وتبارحي المملكة". فما لبثت الطاهرة أن خرجت من بيت المفتي مع بعض النسوة وتهيأن للرحيل وبارحت بغداد في حراسة بعض الأحباء العرب بسلاحهم راجلين وكان من جملتهم حضرة الشيخ سلطان والشيخ محمد شبل ونجله الجليل محمد مصطفى البغدادي والشيخ صالح وهؤلاء الأربعة كانوا يمتطون جيادهم. وقد قام جناب الشيخ بدفع جميع النفقات حتى وصلوا مدينة – كرمانشاه – فنزلت النساء في دار على حدة والرجال في دار أخرى. فتوافد أهل المدينة


على حضرة الطاهرة بلا انقطاع للوقوف على ما لديها من مواضيع جديدة. وبعد أيام قلائل، هاجت العلماء وحكموا بإخراجها من المدينة فهاجم دارها مأمور الشرطة وأعوانه ونهبوا متاعها وبدّدوا كل ما كان بالدار ثم حملوا النساء في هودجٍ مكشوفٍ وساروا بالجميع من رجال ونساء إلى الصحراء وتركوهم يهيمون في البادية بلا زاد ولا فراش. عند ذلك كتبت الطاهرة إلى أمير المقاطعة تقول: "أيها الحاكم العادل، نحن بمنزلة ضيوف على حضرتك، فهل يستحق الضيوف مثل هذه المعاملة؟"

ولما وصلت رسالة الطاهرة إلى حاكم كرمانشاه قال: "إنني براء من مثل هذه المعاملة ولا علم لي بهذه السيدة. إن العلماء هم الذين أيقظوا هذه الفتنة". ثم أصدر أمرًا صارمًا بإعادة كل ما سلبه أو بدده المأمورون فورا إلى دار الحكومة، وقد كان. وبعد ذلك، أمر الحاكم بإحضار الركائب وأركبوا الطاهرة ومن في معيتها من وسط الصحراء إلى مدينة همدان. فتخلصوا من تلك الورطة وآقاموا في همدان هانئين حيث زار الطاهرة لفيف من علماء المدينة وكامل أفراد الأسرة الشاهانية قصد الاستفاضة من بياناتها القيّمة ثم سافرت إلى قزوين مع بعض رفاقها وأرسلت البقية إلى بغداد. وبينما هي في طريقها إلى قزوين إذ لآقاها كل من حضرة شمس الضحى والشيخ صالح وطلبا إليها أن تذهب معهما منفردة إلى دار أبيها فأبت إلا أن يكون معها رفيقاتها وعلى هذا الشرط ذهبت هي ورفيقاتها إلى بيت أبيها في قزوين، وأما الرجال الذين كانوا يحافظون عليها فقد نزلوا في النزل المعد للقوافل. ثم انتقلت الطاهرة بعد أيام معدودات إلى دار أخيها حيث جاء لملآقاتها نساء الأعيان واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن وقع


حادث قتل الملا تقي عمها. فألقت الحكومة القبض على جميع البابيين في قزوين وأرسلت بعضهم إلى طهران ثم أعادوهم إلى قزوين وقتلوهم.

أما السبب المجهول لقتل ذلك الظالم– الحاج ملا تقي – فهو كونه صعد على المنبر وأمطر حضرة الشيخ الأكبر الجليل أحمد الإحسائي وابلاً من السباب والطعن واللعنات فأوقد بذلك نار الفتنة ووقع القوم في نزاع وخصام وبلغ مسامع القاصي والداني ما زلف به لسان الملا تقي من الشتائم والألفاظ النابية والعبارات الركيكة الدالة على قلة الحياء وكان من بين الذين سمعوا ما قاله الملا تقي شخص من أهالي شيراز حديث العهد باعتناق الأمر وقد كبُر عليه ما تفوه به الملا تقي من الألفاظ الخشنة في حق الشيخ أحمد الإحسائي فانتظر إلى أن جن الليل ثم ذهب إلى المسجد حيث الملا تقي المذكور ودس في حلقه رمحًا وركن إلى الفرار. ولما قابله الأحباء في الصباح أنّبوه وزجروه على ما فعل. وما كادت الحكومة تقف على ما وقع حتى أمرت باعتقال بعض الأتباع قصد التحقيق معهم أما هم فقد نفوا علمهم بالحادث وهذا مما زاد الأمر إبهامًا. وبعد عدة أيام سلم القاتل نفسه للحكومة واعترف بما اقترفت يداه وقال: "إن السبب الذي جعلني أقتل الملا تقي هو كونه قد سبّ ولعن المرحوم الشيخ أحمد الإحسائي علانية وعلى مسمع مني فهاجني ذلك فقتلته، وها أنا أسلم الآن نفسي لتطلقوا سراح من اعتقلتموهم بسبب هذا الحادث وتخلوا سبيلهم لأنهم أبرياء وأنا وحدي الجاني" فاعتقلوه وكبلوه بالسلاسل والأغلال وأرسلوه مع بقية المعتقلين الأبرياء إلى طهران مكبلين بالأصفاد.

وفي طهران، لم تُخْلِ الحكومة سبيل المعتقلين دون جرم مع اعتراف القاتل بارتكاب الجريمة. أما القاتل فقد تمكن من الهرب من السجن ليلاً إلى دار من هو حقًا صدفة اللؤلؤ الوحيدة، الصادق في محبة


الله، ذلك الكوكب المضيء في برج الفداء (حضرة رضا خان) بن رئيس ديوان محمد شاه المدعو محمد خان، وآقام لديه عدة أيام ثم فرّ خفية هو ورضا خان المذكور رادفَين على صهوة جواد واحد إلى قلعة مازندران. ولما علم محمد خان المشار إليه بفرارهما أرسل في طلبهما عددًا من الراكبة إلى جميع الجهات، فلم يعثروا عليهما بعد أن أعياهم البحث والتنقيب، أما هما فقد وصلا الطبرسي واستشهدا فيها.

أما الأحباء الذين اعتقلوا ظلمًا وعدوانًا فقد أُرسل بعضهم إلى قزوين حيث أسقوهم جام الاستشهاد.

وحدث أنه، بينما كان القائل في دار رضا خان المذكور، إذ دعاه ذات يوم أحد رؤساء الديوان وهو المدعو – ميرزا شفيع – وقال له: "يا حضرة الفاضل، هل أنت من أرباب الطرق أم من أهل شريعة من الشرائع؟ فإن كنت تنتمي إلى شريعة ما فكيف تقدم على قتل ذلك المجتهد الفاضل بأن أحدثت في عنقه جرحًا عميقا أدى إلى موته! وإن كنت من أرباب الطرق فليس من شروط أي طريقة كانت إيصال الأذى إلى مخلوق. فكيف أقدمت على قتل ذلك العالِم الشفيق المرحوم الملا تقي؟" وكانت القاتل يجيب بقوله: "يا صاحب الديوان هناك حقيقة واحدة وهي أنني قد جازيته جزاءًا يستحقّه".

وبالإجمال، إن هذه الحوادث وقعت قبل ذيوع الأمر وقبل أن تتضح حقيقته، لأنه لم يَدُرْ في خلد أحد، في ذلك الحين، أن دورة ظهور حضرة الأعلى (الباب)، روحي له الفداء، تنتهي بظهور الجمال المبارك، وعند ذلك يمحى أساس الانتقام من بين البرية ويوطّد أساس شريعة الله وهو "وأن تُقتلوا خير من تَقتلوا"، وينهار بنيان الحرب والقتال ولا تكون لمثل هذه الحوادث من أثر. هذا، وقد سطع بظهور


الجمال المبارك، والحمد لله، نور الصلح والسلام وحلّت المظلومية الكبرى. إذ حدث أنّ الرجال والنساء والأطفال في مدينة يزد، كانوا هدفًا للسهام وعرضة للسيوف والانتقام، وحدث أن هجم على هؤلاء المظلومين علماء السوء وأرباب الحكومة يدًا واحدة وسفكوا دماءهم وهم أبرياء وقطعوا أجساد المخدّرات إربًا إربًا، وطعنوا الأيتام بخناجر الجفاء وأبانوا أعناقهم وألقوا بأجسامهم في النيران بعد تمزيقها. ومع كل هذا، لم يتطاول أحد من الأحباء على هؤلاء الأعداء، بل كان الأحباء في كربلاء كلما شاهدوا الأعداء قادمين عليهم شاهرين سيوفهم ليقتلوهم وضعوا في أفواه تلكم الأعداء قطعًا من السكّر النبات قائلين: "هذا ليكون طعم حلاوة السكر في أفواهكم عندما تقتلونا نحن المساكين. لأن هذا مقام القداسة والشهادة الكبرى ومنتهى آمالنا".

وانتهى الحال، بجناب الطاهرة في قزوين بعد مقتل عمها غير الورع، أن وقعت في مخالب المصائب والأحزان والسجون وكاد قلبها أن يتفتت من هذه الوقائع المؤلمة رغم عظيم تضايقها من كثرة المراقبة من الشِحنة والشرطة. وبينما هي على هذا الحال، وإذا بالجمال المبارك قد أرسل المدعو جناب آقا ملا هادي القزويني زوج خاتون جان المشهورة من طهران إلى جناب الطاهرة قصد إحضارها إلى طهران فتمكن بحسن تدبيره من إحضارها إلى طهران فوصلتها ليلاً وذهبت إلى السراي المبارك حيث سكنت في الطابق العلوي. وما أن وصل خبر مجيئها إلى حكومة طهران حتى أخذت في البحث عنها، وأصبحت حديث القوم ولم يعلم مكان وجودها. ورغم كل هذا، كان يرد عليها الأحباء حيث هي بلا انقطاع وكانت تخاطب الرجال من وراء حجاب.

حدث أن حضر ذات يوم جناب آقا سيد يحيى الوحيد، ذلك


الشخص الفريد، روح المقربين له الفداء، وجلس في غرفة الضيوف وكانت الطاهرة جالسة وراء الحجاب وكنت أنا نفسي (عبدالبهاء) إذ ذاك طفلاً جالسًا على حجرها وما لبثنا حتى أخذت الآيات والأحاديث تتدفق كالدر المنثور من فم جناب الوحيد في إثبات هذا الأمر وما لبثت الطاهرة أن هاجت ثم قالت: "يا يحيى، فأتِ بعمل إن كنت ذا علم رشيد. ليس الوقت وقت الأقوال والروايات إنما الوقت وقت الآيات البينات، وقت الاستقامة وهتك الأستار والأوهام وإعلاء كلمة الله، وقت تضحية الروح في سبيل الله. العمل! العمل! لابد من العمل!"

وبالإجمال، كان الجمال المبارك قد هيأ ما يلزم لراحة الطاهرة، من خدم وحشم، وما إلى ذلك وبعث بحضرتها إلى بدشت، وبعد عدة أيام تحرك الركاب المبارك إلى تلك الجهة ونزل خفية في بستان لجناب القدوس، روح المقربين له الفداء. أما هذا البستان فواقع في ميدان بمدينة بدشت تحيط به المياه الجارية والحدائق الغناء من ثلاث جهات وكأن ذلك البستان غبطة الجنان. أما حضرة الطاهرة، فكانت تقيم على حدة في بستان مجاور. وبعد قليل انتقل الجمال المبارك إلى بستان آخر ونصب خباءه ليقيم فيه حضرته. أما الأحباء، فقد نصبوا خيامهم في البستان الواقع في وسط الميدان وكان جناب القدوس وحضرة الطاهرة يتشرفان أثناء الليل بملآقاة الجمال المبارك. ولم تكن، إلى ذلك الحين، قد أعلنت قائمية حضرة الأعلى (الباب) (يعني أنه هو القائم الموعود). فقرّر الجمال المبارك هو وجناب القدوس إعلان الظهور الكلي وفسخ الشرائع الموجودة ونسخها. ثم اعتكف الجمال المبارك حكمة منه قصد النقاهة، وبعد ذلك، بارح جناب القدّوس خيمته وذهب على مرًاى من


الجميع إلى فسطاط الجمال المبارك ولما علمت الطاهرة باعتكاف جمال القدم، أرسلت إليه ترجوه أن يشرف بستانها مدة النقاهة فأجابها حضرته بقوله: "إنني أفضّل الآقامة في بستاني هذا ويمكنك أن تحضري لدينا". فخرجت من بستانها سافرة وتوجهت إلى خيمة جمال القدم. عند ذلك صاحت قائلة: "إن هذا لنقرة الناقور ونفخة الصور وإن الظهور الكلي قد أعلن". وقع الكل في حيرة وارتباك وهم يقولون: "كيف نسخت الشرائع وكيف خرجت هذه المرأة سافرة؟ "فتفضل جمال القدم في ذلك الحين بقوله: "اقرءوا سورة الواقعة". فقرأها أحد القراء، ثم أعلنت الدورة الجديدة وظهور القيامة الكبرى. ففرّ جميع الأصحاب لأول وهلة وانصرف بعضهم بالكلية ودبّ في روع بعضهم عامل الشكّ والارتياب غير أن بعضهم قد عاد إلى الحضور المبارك بعد التردّد. فاختلط الحابل بالنابل في مدينة بدشت بعد إعلان الظهور الكلي. وما لبث جناب القدوس أن توجه إلى قلعة الطبرسي وتأهب الجمال المبارك أيضًا للسفر إلى بلدة نيالا ليلاً ليتمكنوا من دخول قلعة الطبرسي. ولما علم بذلك حاكم بلدة آمل المدعو ميرزا تقي أتى ليلاً إلى نيالا على رأس سبعمائة جندي حاملين بنادقهم وحاصروا البلدة وأرجعوا الجمال المبارك إلى آمُل يحرسه اثنا عشر نفرًا من الراكبة، وهنا تكرّرت البلايا وتوالت المصائب على حضرته.

أما حضرة الطاهرةأنتيبمستيبنمتسيمبأما حضرة الطاهرة فقد ارتبكت واشتد قلقها في بدشت ووقعت فريسة النكبات. وأخيرا، ألقت الحكومة عليها القبض وأرسلتها إلى طهران وأنزلوها في بيت المدعو محمود خان كلانتر


محافظ المدينة بصفة سجينة. ولكن شدة انجذابها وعظيم اشتعالها جعلاها لم تستقرّ ولم تسكت عن التحدث في الأمر، وكان يزورها سيدات من أعيان وأكابر أهل طهران وغيرهم بحجة استماع حديثها والإصغاء لبياناتها.

واتفق أن آقامت إحدى العائلات عرسًا في بيت المحافظ المذكور فأقيمت الولائم ومدت الموائد وعليها من ألوان الطعام الفاخر ما لا يدخل تحت حصر وكان ضمن المدعوات سيدات الأسرة المالكة ونساء الوزراء وعقيلات الكبراء والعظماء والأعيان. وأخذت العازفات في العزف على آلات الطرب المتنوعة كالكمان والعود والسنطير وما إلى ذلك وغنّى بعضهن بعض المقطوعات الغزلية بألحان شجيّة واستمر ذلك طول الليل إلا أقلّه والكل غارقات في بحر الطرب العظيم. وبينما هن في لجة الفرح والمرح إذ شرعت الطاهرة في البيان والتقرير بحديثها الشيق فاسترعت الأسماع وجاءت السيدات من البيوت المجاورة وابتعدن عن سماع الطار والطنبور وآلات الطرب وتركن الفرح والمرح واللهو والتفَفْنَ حول الطاهرة ولَهَيْنَ عن النغمات باستماع حلو حديثها وشهيّ كلامها إلى أن انفضّ العرس بسلام.

أما الطاهرة، فقد استمرت سجينة في دار المحافظ إلى أن وقعت حادثة الشاه فصدر الأمر بقتلها ثم أخرجوها من بيت كلانتر المذكور بحجة الذهاب بها إلى منزل رئيس الوزراء فتزيّنت ما استطاعت ولبست أفخر ثيابها وطلَت وجهها بالعطر وماء الورد ودهنت شعرها بالروائح المسكيّة النفسية وبارحت دار المحافظ فقادها الحراس إلى بستان لينفّذوا فيها حكم الإعدام. ولما حان وقت قتلها تردّد الجلادون وامتنعوا عن قتلها. فأحضروا زنجيًّا نشوان يترنح وأعطوا لذلك الأسود


ذي القلب الأسود منديلاً ليدسه في حلقها ففعل ثم خنقها. وبعد أن فاضت روحها الزكية ألقوا بجسدها المطهر في بئر واقع في وسط البستان ورجموه بالحجارة ثم أهالوا عليه التراب. أما هي فكانت تتلقى كل ما حلّ بها (وهي على قيد الحياة) هاشة باشة مسرورة للغاية وفدت بروحها مستبشرة بالبشارات الكبرى متوجهة إلى الملكوت الأعلى. عليها التحية والثناء وطابت تربتها بطبقات من النور النازلة من السماء.

79 ختام في 2009-10-03, 17:43

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
تمت ترجمة هذا الكتاب بعون الله تعالى
في يوم الجلال، يوم القول (14) من شهر الأسماء
سنة 107 الموافق للسنة الثانية عشرة
من الواحد السادس من كل شيء الأول
المترجم الفاني
حسين روحي
في يوم السبت الواقع في 2 سبتمبر سنة 1950- بالقاهرة
تم نشره في منتديات عظمة هذا اليوم يومي 2 و3 اكتوبر 2009

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 2 من اصل 2]

انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى