منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

بهاءالله والعصر الجديد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
منتخبات من كتاب

بهاءالله والعصر الجديد

مُقدّمة لدِرَاسَةِ الدِّين البهائيّ

تَأليف

الدُّكتُور جُون أسلُمنُت


منتخبات من كتاب بهاءالله والعصر الجديد (مقدّمة لدراسة الدّين البهائيّ)، الطّبعة الأولى، مترجمة عن الطّبعة الإنجليزيّة الثّالثة المنقّحة الصّادرة عن مؤسّسة النّشر البهائيّة في ويلمت، إلينوي سنة 1970.

طبعت هذه التّرجمة بمعرفة المحفل الرّوحانيّ المركزيّ للبهائيّين في شمالي شرقي أفريقيا آديس أبابا الحبشة.


المحتوى



الصّفحة

من مقدّمة المؤّلف

5

الباب الأوّل – البشارات

7

الباب الثّاني – الباب المبشّر

20

الباب الثّالث – بهاءالله

36

الباب الرّابع – عبدالبهاء

72

الباب الخامس – ما هو البهائيّ

97

الباب السّادس – الصّلوة والمناجاة

119

الباب السّابع – الشّفاء والعلاج

136

الباب الثّامن – الوحدة الدّينيّة

154

الباب التّاسع – المدنيّة الحقيقيّة

176

الباب العاشر – السّبيل إلى السّلام

211

الباب الحادي عشر – بعض الأحكام والتّعاليم

233

الباب الثّاني عشر – الدّين والعلم

263

الباب الثّالث عشر – نفوذ كلمة بهاءالله

284

الباب الرّابع عشر – ماضي وحاضر ومستقبل الأمر البهائيّ

301

من ملحق الكتاب

339

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
من مقدّمة المؤلّف



كان أوّل علمي بالتّعاليم البهائيّة في ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1914، من محادثة مع بعض الأخوة الذّين قابلوا عبدالبهاء ومن بعض النّبذ البهائيّة التّي استعرتها. وكانت دهشتي عظيمةً من قوّتها وجمالها وسعة شمولها، واعتقدت بأنّها تقدّم للعالم الحديث من الاحتياجات العظمى أكثر ممّا تقدّمه أيّة هيئة دينيّة أخرى صادفتها في حياتي، وازداد هذا الاعتقاد ثبوتًا ورسوخًا كلّما تعمّقت في البحث والاستقصاء فيما بعد.



وأثناء بحثي وطلبي لزيادة العلم بالحركة، شاهدت صعوبة الحصول على الكتب التّي أحتاج إليها، وسرعان ما تبادر إلى ذهني أن أضع خلاصةً لكلّ ما وصلت إليه يدي وما عرفته منها في هيئة كتاب، ليكون في متناول الجميع. فلمّا أعيدت المواصلات مع فلسطين بعد الحرب، كتبت لعبدالبهاء، وأرسلت له نسخةً مخطوطةً من الأبواب التّسعة الأولى من الكتاب الذّي كان قد قرب من الانتهاء. فأرسل لي ردًّا مشجّعًا كريمًا، ودعوةً ودّيّةً لزيارته في حيفا، ومعي المخطوطة كلّها، فقبلت هذه الدّعوة بكلّ سرور.


وكان لي الشّرف العظيم في صرف شهرين ونصف في ضيافة عبدالبهاء في شتاء 1919 – 1920. وفي أثناء إقامتي راجعته في كثير من المواضيع وأشار فيها بآراء قيّمة لتنقيحها، واقترح أن تترجم مخطوطة الكتاب إلى اللّغة الفارسيّة بعد انتهائي من تنقيحها، حتّى يقرأها ويصلّح فيها ما يراه، وقد تمّت المراجعة والتّرجمة كما طلب. وقد لقي عبدالبهاء بعض الوقت من بين أعماله اليوميّة العديدة ليصلح ثلاثة أبواب ونصف (وهي الباب الأوّل والثّاني والخامس وجزء من الثّالث) قبل صعوده.



ومن دواعي أسفي العظيم أنّ عبدالبهاء لم يتمكّن من تصحيح بقيّة الكتاب، حيث كانت قيمته تزداد بذلك زيادةً عظيمةً. وقد قامت لجنة من المحفل المركزيّ للبهائيّين في انكلترا بمراجعة الكتاب كلّه ووافقت على طبعه...([1])



كتبه جون أسلمنت

في فيرفورد – كالتس

في ضواحي أبردين – اسكتلنده.





([1]) وهذا الكتاب "مختارات من كتاب بهاءالله والعصر الجديد" مترجم عن الطّبعة المنقّحة لسنة 1970.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الأوّل

البشارات



"قد ظهر موعود جميع الأمم، وكانت جميع الأمم والمذاهب تنتظر ظهور الموعود، وحضرة بهاءالله أعظم المعلّمين والمربّين الذّين ظهروا في العالم الإنسانيّ"
(عبدالبهاء – مترجمًا)




أعظم حدثٍ في التّاريخ



لو رجعنا إلى ما هو مدوّن في صفحات التّواريخ بخصوص مسألة كيفيّة "تقدّم الإنسان" لوجدنا أنّ العامل المهم في الرّقي البشريّ هو ظهور رجال من وقتٍ لآخر يتخطّون الآراء والأفكار المسلّم بها في عصرهم، ويكتشفون الحقائق التّي لم تكن معلومةً للبشر قبل ظهورهم، ثمّ يعلنونها. فالمخترع والرّائد والنّابغة والرّسول هم الذّين يتوقّف عليهم مبدئيًّا تطوير العالم. وكما يقول كارلايل:



"إنّ الحقيقة الواضحة بل الواضحة جدًّا... أنّ رجلاً واحدًا يمتلك حكمةً أسمى وحقيقةً روحانيّةً كانت مجهولة قبل مجيئه، إنّما يمتلك قوّةً لا تزيد على قوّة عشرة من أبناء جنسه فحسب أو


عشرة آلاف منهم ممّن لم تكن عندهم تلك الحكمة، بل تزيد قوّته على قوّة جميع الذّين لم يمتلكوها، وتراه يقف فيهم بقوّة ملائكيّة علويّة، كمن يكون مقلّدًا بسلاح من أسلحة السّماء، لا تقاومهم أيّة دروع أو أيّة أبراج من النّحاس."([1])



ففي تواريخ العلوم والآداب والموسيقى، نرى أمثلةً كثيرةً لهذه الحقيقة، إلاّ أنّه ليس هناك في أيّ أفق شيء أوضح من أهميّة الرّجل العظيم، ولا أبين من رسالته، في أفق الدّين. ففي جميع العصور، كلّما انحطّت حياة البشر الرّوحانيّة، وفسدت أخلاقهم، يظهر رسولاً هو أعجب الرّجال وأعمقهم، فيقوم وحده أمام جميع العالم، كرجل بصير بين رجالٍ عميّ، ليعلن بشارة الحقّ والصّدق، بينما لا يوجد معه من يشاركه في إنجاز مسؤولياته، أو من يفهمه، أو من يعلّم النّاس ويهديهم.



ومن الرّسل من كانت له مهمّة سامية خاصّة. وكلّما انقضت بضعة قرون، ظهر رسول إلهيّ في الشّرق، أمثال كريشنا وزردشت وموسى وعيسى ومحمّد، ليضيء عقول البشر المظلمة، ويوقظ أرواحهم الرّاقدة، كالشّمس الرّوحانيّة. ومهما تكن آراؤنا حول العظمة النسبيّة لهؤلاء الرّسل المؤسّسين للأديان، فإنّنا يجب أن نعترف بأنّهم كانوا أقوى العوامل في تعليم بني البشر. وقد اتّفقوا جميعًا في تصريحهم، بأنّ الكلمات التّي يتكلّمون بها ليست من أنفسهم، بل من إلهام إلهيّ يلهمون به، وأنّها رسالة إلهيّة هم حملتها. وقد امتلأت أقوالهم المدوّنة بإشارات ووعود تبشّر بظهور


معلّم عظيم للعالم، يظهر في "وقت المنتهى"، ليتمّم عملهم حتّى يؤتي ثمرته، وهو يؤسّس حكم السّلام والعدل على الأرض، ويجمع في أسرة واحدة كلّ الأجناس والأديان والأمم والقبائل، ليكون هناك "قطيع واحد وراع واحد" وليعرفوا الله ويحبّوه "من أصغرهم إلى أكبرهم".



حقًا إنّ مجيء هذا "المربّي للإنسانيّة" في آخر الأيّام هو أعظم حدثٍ في التّاريخ البشريّ. ولقد أعلنت الدّيانة البهائيّة للعالم بشارة ظهور هذا "المربّي" ظهورًا فعليًا، وأنّ أمره قد تمّ وتدوّن، وأنّه يمكن لكلّ باحث غيّور أن يدرسه، وأنّ فجر "يوم الرّب" قد تنفّس، وأنّ "شمس الحقيقة" قد أشرقت. نعم، لم يشاهد أحد للآن تلك الشّمس البهيّة سوى القليلون ممّن هم على قلل الجبال، ولكنّ أشعّتها قد أضاءت الأرض والسّماء، وعن قريب سوف ترتفع فوق رؤوس الجبال، وتشرق بأشدِّ إشراق على الأودية والبطاح، وتهب الحياة والهدى لكافّة النّاس.



عالم يتبدّل



قد أصبح معلومًا لدى العموم، اختراق العالم في القرن التّاسع عشر وابتداء القرن العشرين سكرات موت العصر القديم وطلقات ولادة العصر الجديد، وقد أخذت أصول المادّيّة القديمة والمصلحة الفرديّة والتّعصّبات والعداوات الوطنيّة والمذهبيّة بالاضمحلال، وصارت أمورًا مفضوحةً يجب نبذها، بسبب التّدميرات التّي نشأت عنها، وفي كلّ جهة من جهات العالم نرى علامات روح إيمان جديد وأخوّة دوليّة تكسر القيود القديمة وتتجاوز الحدود العتيقة.


وتجري الآن في جميع شؤون الحياة الإنسانيّة تحوّلات ثوريّة ذات شأن عظيم لم يسبق لها مثيل، وترى العصر القديم في صراع دائم مع العصر الجديد، وفي تقلّب بين الحياة والموت، ولم يتم للآن إحتضاره. وهناك شرور عديدة لا تزال قويّةً هائلةً، ولكنّها قد انكشف سترها، وأخذ العالم في محاربتها والهجوم عليها بقوّة جديدة وبأمل وطيد. نعم إنّ السّحب قد تكاثفت، وامتدّت، وهدّدت، ولكنّ النّور آخذ في تبديدها وتقويضها، وهو ينير طريق التقدّم، ويكشف العقبات والمهاوي التّي تعترض الطّريق المستقيم.



أمّا في القرن الثّامن عشر، فقد كان الأمر على خلاف ذلك، فإنّ الظّلمة الرّوحانيّة والأخلاقيّة التّي استولت على العالم فيه لم يكد يخترقها أيّ شعاع من النّور، بل كانت كالظّلمة الحالكة التّي تتقدّم ظهور الفجر، ولم تستطع المصابيح والشّموع القليلة التّي كانت حينذاك موجودة، أن تبيّن شيئًا من الظلام إلاّ قليلاً. وممّا كتبه كارلايل عن القرن الثّامن عشر في كتابه (فردريك العظيم) ما يأتي: "إنّه قرنٌ ليس له تاريخٌ مهم، بل تاريخه نزر قليل يكاد يكون معدومًا، وهو قرن مشحون بالأباطيل المتراكمة... ممّا لا يوجد له شبيه في القرون الأولى! ولم يكن عند أهله شعور بما كان قرنهم عليه من الضّلال الذّي نما فيه، بل انغمس فيه واختلط به لحمًا ودمًا، وطفح به الكيل إلى أن انتهى بالثّورة الفرنسيّة...



وهي خاتمة لائقة جدًا بمثل هذا القرن، كما أشعر بسرور لذلك... لأنّ بني البشر الذّين استولى عليهم الطّيش والبلادة كانوا في حاجةٍ إلى "دين إلهيّ جديد"، لئلا يسقطوا في هاوية التّوحش


والتّقليد"([2]).



والوقت الحاضر، بالنّسبة إلى القرن الثّامن عشر، بمثابة الفجر بعد الظّلام، وكظهور الرّبيع بعد الشتاء، فترى العالم يموج بحياة جديدة، ويصدع بأفكار سامية جديدة، وآمال جديدة، وأنّ الأمور التّي كانت منذ سنين قليلة تعدّ حلمًا مستحيلاً، قد أصبحت الآن من الحقائق الثّابتة، وكذلك الكثير من الأمور التّي كانت تُعتبر بعيدةً وغير محتملة الوقوع إلاّ بعد مرور أجيال عديدة، أصبحت "مناهج عمليّة"، وشاهدنا عجائب عديدةً لا تحصى، فقد طرنا في الهواء وغصنا في أعماق البحار، وأصبحنا نرسل الرّسائل حول الأرض بسرعة البرق، وخلال عقود السّنوات الأخيرة رأينا عجائب لا تحصى.



شمس الحقيقة



فما هو السّبب يا ترى في هذه اليقظة الفجائيّة في العالم؟

يعتقد البهائيّون أنّها ترجع إلى نفثات الرّوح القدس الفائضة من الرّسول بهاءالله الذّي ولد في إيران سنة 1817 وصعد في الأرض المقدسّة سنة 1892.



ولقد علم بهاءالله أنّ الرّسول أو "المظهر الإلهيّ" هو الذّي يجلب النّور من العالم الرّوحانيّ كما تجلب الشّمس النّور إلى عالم الطّبيعة. فكما تشرق الشّمس الماديّة فوق الأرض، وتسبب نموّ


الأجسام الماديّة وتطوّرها، فكذلك شمس الحقيقة تضيء من خلال المظهر الإلهيّ على عالم القلوب والأرواح، وتربّي العقول والآداب والأخلاق البشريّة. وكما أنّ أشعّة الشّمس الماديّة لها القدرة على اختراق أظلم نواحي العالم لتهب الحياة والحرارة حتّى للمخلوقات التّي لم تر في حياتها الشّمس، فكذلك نفثات الرّوح القدس الفائضة من المظهر الإلهيّ تؤثّر على حياة الجميع وتلهم العقول المستعدّة، حتّى بين الذّين لم يسمعوا باسم الرّسول أبدًا. فمجيء المظهر هو كمجيء الرّبيع، وهو يوم القيامة الذّي يقوم فيه أموات الرّوح إلى حياة جديدة، وتتجدّد فيه، بل وتتأسّس من جديد حقائق الأديان الإلهيّة، وفيه تظهر "سماء جديدة وأرض جديدة".



ولكنّ مجيء الرّبيع في عالم الطّبيعة لا يقتصر على إنماء الحياة الجديدة وبعثها فقط، بل يتسبّب عنه زوال كلّ قديم وعتيق وفناؤه، لأنّ الشّمس التّي تنمّي الأزهار وتربّي الأشجار تسبّب بذاتها اضمحلال وانحلال كلّ ما هو هزيل وبالٍ قديم. فهي تذيب ثلوج الشّتاء، وترسل الفيضان والأعاصير التّي تنظّف الأرض وتطهرّها. وعلى هذا المنوال يكون العالم الرّوحانيّ، فيسبّب إشراق الشّمس الرّوحانيّة تغييرًا وحركةً مشابهةً، وكذلك يكون يوم القيامة يومًا للجزاء، فتزول فيه وتنبذ كلّ أشكال الفساد الأفكار والعادات العتيقة وكلّ الخرافات والتّقاليد، وتذوب ثلوج الأوهام والتّعصّبات التّي تراكمت في أزمنة الشّتاء، وتنطلق القوى التّي تجمّدت طويلاً، لتغمر العالم وتجدّده.




([1]) عن كتاب علامات الأزمنة.


([2]) مترجم عن الفصل الأوّل من الجزء الأول من كتاب "فردريك العظيم"

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
رسالة بهاءالله



صرّح بهاءالله مرارًا، وبكلّ وضوح، أنّه هو المرّبي والمعلّم المنتظر، وأنّه معلّم جميع الأمم، وأنّه ينبوع الرّحمة الواسعة العجيبة التّي تفوق كلّ فيض سابق، والذّي فيه تندمج جميع الأديان السّابقة كما تنصبّ الأنهار في المحيط. وقد أسّس أساسًا يكون قاعدةً متينةً لاتحاد جميع العالم ولافتتاح ذلك العصر المجيد، عصر السّلام على الأرض والتآخي بين الأنام، كما أخبر به الرّسل وتغنّى به الشّعراء.



وقد نزلت من قلم بهاءالله قبل مئة عام تعاليمه في كتب متعدّدة وألواح كان الكثير منها موجّهًا إلى الملوك وحكّام العالم. وهذه التعاليم هي: تحرّي الحقيقة، ووحدة الجنس البشريّ، واتحاد الأديان والأجناس والأمم في الشّرق والغرب، واتّفاق العلم والدّين، ومحو التّعصّبات والخرافات والأوهام، ومساواة المرأة والرّجل، وتأسيس العدل والحق، وإنشاء محكمة دوليّة عليا، والاتفاق على لسان واحد من بين اللّغات، والتّعليم الإجباريّ وغيرها.



وأمّا رسالته الفريدة في شمولها ومداها، فإنّها مطابقةً لحاجات هذا العصر وعلاماته تطابقًا عجيبًا. ولم تَكُن المشاكل المستجدّة التّي تجابه البشر قد بلغت في أيّ عصر من الضّخامة والتّعقيد ما بلغته الآن، ولم تكن حلولها المقترحة قد بلغت كذلك ما بلغته من الكثرة والتّضارب، ولم يكن الاحتياج إلى معلّم للعالم في أي


عصر أشدّ إلحاحًا منه في هذا العصر، ولا الشّعور بالحاجة إليه بأوسع، ولم يكن انتظار ظهور مثل هذا المعلّم بأمكن ولا أثبت منه ولا أعمّ.



انطباق النّبوّات



كتب عبدالبهاء خصيصًا لهذا الباب ما تلي ترجمته:



"عندما ظهر السّيد المسيح منذ عشرين قرنًا، كان اليهود منتظرين مجيئه بشوق، وفي كلّ يوم يتضرّعون قائلين "اللّهم عجّل ظهور المسيح"، ومع ذلك، حينما أشرقت شمس الحقّ، أنكروه وقاموا ضدّه بأعظم العداء، وأخيرًا علّقوه على الصّليب، مع أنّه كان الرّوح القدس وكلمة الله، وسمّوه بـ (بعلزبول) أي الشّيطان، كما هو مذكور في الإنجيل. والسّبب في كلّ ذلك، كما قالوا، هو أنّ ظهور المسيح، حسب نصوص التّوراة الواضحة له علامات خاصّة، وما دامت هذه العلامات لم تظهر، فإنّ كلّ من يدّعي أنّه المسيح كاذب. وهذه العلامات هي: أنّ المسيح يجب أن يأتي من مكان مجهول، في حين أنّنا نعرف بيت هذا الرّجل في النّاصرة، وهل يمكن أن يظهر من النّاصرة شخصٌ صالح؟ والعلامة الثّانية: أنّ عصاه يجب أن تكون من حديد، أي أنّه يرعى الأغنام بالسّيف، ولكن هذا المسيح لم تكن عنده حتّى عصا من الخشب. ومن العلامات والشّروط: أنّه يجلس على كرسيّ داود ويؤسّس سلطنة داود، ففضلاً عن عدم تتويجه، فإنّه لا يملك الآن حصيرًا يجلس عليها. ومن بين الشّروط: أنّه يروّج شريعة التّوراة، ولكنّ هذا الرّجل نسخ شريعة التّوراة نسخًا كليًا، وكسر يوم السّبت مع وجود


نص قاطع في التّوراة يقضي بأنّ كلّ من يدّعي النّبوّة ثم يكسر يوم السّبت يجب قتله، ولو أظهر العجائب والمعجزات. ومن العلامات أنّه في مدّة حكمه يسود العدل والحقّ والصّلاح، حتّى يتجاوز من الإنسان إلى الحيوان، فيعيش الثعبان والفأر في حفرة واحدة، والصّقر والحجل في وكر واحد، والأسد والغزال في مرعى واحد، والذّئب والحمل يشربان من مَعين واحد ولكنّ الظّلم والعدوان قد اشتدّا الآن إلى درجة أنّهم صلبوه! ومن الشّروط الأخرى: أنّ اليهود في زمان المسيح يسودون وينتصرون على جميع أمم الأرض، ولكنّهم الآن مقيمون على العبوديّة والهوان في إمبراطوريّة الرّومان، فكيف إذن يكون هذا هو المسيح الموعود في التّوراة؟



"وبهذه الكيفيّة اعترضوا على شمس الحقيقة، مع أنّ روح اللّه ذاك كان هو الموعود في التّوراة، ولكنّهم لمّا لم يفهموا معنى هذه العلامات، صلبوا (كلمة الله).



"ويقول البهائيّون اليوم أنّ العلامات المدوّنة كلّها ظهرت في مجيء السّيد المسيح، غير أنّ ظهورها لم يكن بالمعنى الذّي فهمه اليهود، وأنّ الوصف الموجود في التّوراة وصف مرموز.



"فمثلاً من ضمن العلامات علامة السّلطنة: فالبهائيّون يقولون أنّ سلطنة السّيد المسيح كانت سلطنة إلهيّة سماويّة أبديّة، وليست مثل سلطنة نابليون التّي زالت في وقتٍ قصير، فقد توطّدت سلطنة السّيد المسيح حوالي ألفيّ سنة، وهي للآن باقية، وسيبقى هذا الوجود المقدّس معتليًا عرشه السّرمدي إلى الأبد، وهكذا بقيّة العلامات التّي ظهرت ولم يدركها اليهود، وهم للآن ينتظرون مجيء


المسيح، مع أنّه قد مرّ الآن عشرون قرنًا على ظهوره بظهور إلهيّ ساطع ويعتقدون أنّهم على الحقّ وأنّ السيّد المسيح كان باطلاً معاذ الله. "



لو طلب اليهود من السّيد المسيح تفسير معاني النّبوات الخاصّة به، لأخبرهم بها. فلنعتبر بهذا المثال، وقبل أن نحكم إذا كانت النّبوات الخاصّة بظهور المعلّم الأعظم في اليوم الأخير قد تمّت أم لا، فلنرجع إلى ما كتبه بهاءالله نفسه خصيصًا حول تفسيرها، لأنّ كثيرًا من النّبوات ولا شك "مختوم"، وأنّ المرّبي الحقيقي هو الشّخص الوحيد الذّي يمكنه أن يفضّ ختمها، ويكشف معانيها المكنونة في أصداف عباراتها.



وقد كتب بهاءالله الكثير حول تفسير النّبوّات القديمة، ولكنّه لا يجعل البرهان على أحقيّة رسالته متوقفًا على هذه النّبوات. فجميع العقلاء يعلمون أنّ الشّمس هي حجّة بذاتها، وفي وقت شروقها لا نحتاج إلى نبوّات سابقة تطمئننا عن شروقها، وهكذا الأمر مع المظهر الإلهيّ حين ظهوره، فإنّه يكون بنفسه حجّة كافية لكل من له إحساس روحانيّ، حتّى ولو نسيت جميع نبوّات الرّسل السّابقين.



براهين الرسّالة



إنّ بهاءالله لم يطلب من أيّ شخص أن يقبل أقواله ودلائله قبولاً أعمى بدون تحقيق، بل بالعكس من ذلك، وضع في مقدّمة تعاليمه إنذارات شديدة لكلّ من يقبل أيّة سلطة قبولاً أعمى، وحثّ الجميع على أن يفتحوا أعينهم وآذانهم، ويحكموا بأنفسهم بدون


خوفٍ، وبتمام الحريّة والاستقلال، حتّى يعرفوا الحقيقة. وهو يدعو إلى التّحري التّام، ولم يخفِ نفسه مطلقًا، بل جعل البرهان الأعلى على رسالته نفس كلماته وأعماله وأثارها في تغيير أخلاق النّاس وحياتهم. وإنّ الأدلّة التّي ذكرها هي التّي وضعها سلفه العظماء من الرّسل، فقال موسى في التوراة:



"وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذّي لم يتكلّم به الرّب؟ فما تكلّم به النّبي باسم الرّب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذّي لم يتكلّم به الرّب، بل بطغيان تكلّم به النّبي فلا تخف منه."([1])



وبمثل ذلك قرّر المسيح دليله بوضوح وبيّن البرهان على دعوته بقوله:



"احترزوا من الأنبياء الكذبة يأتونكم بثياب الحملان ولكنّهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم. هل يجنون من الشّوك عنبًا، أو من الحسك تينًا؟ هكذا كلّ شجرة جيّدة تصنع أثمارًا جيّدة، وأمّا الشّجرة الرّديئة فتصنع أثمارًا رديئة. لا تقدر شجرة جيّدة أن تصنع ثمارًا رديئة، ولا شجرة رديئة أن تصنع أثمارًا جيّدة، كلّ شجرة لا تصنع ثمرًا جيّدًا تقطع وتلقى في النّار، فإذن من ثمارهم تعرفونهم."([2])



وسنجتهد فيما يأتي من الأبواب أن نُبيّن إذا كانت دعوة بهاءالله للرّسالة ثابتة بمقتضى هذه الأصول، وهل الأمور التّي نطق بها تحقّقت أم لا، وهل كانت ثماره طيّبة أم رديئة، وبعبارة أخرى،


هل نبوّاته تحقّقت، وأحكامه قد نفذت، وهل عمله في الحياة قد ساعد على تهذيب الإنسانيّة ورفعتها وعلى تحسين الأخلاق أو بالعكس من ذلك.



صعوبة التّحريّ



قد تعرض بالطّبع صعوبات كثيرةً في سبيل الطّالب الذّي يرغب في تحرّي الحقيقة بخصوص هذا الأمر. فالدّين البهائيّ مثل جميع الدّعوات الأخلاقيّة والرّوحانيّة العظمى، قد أسيء عرضه وتمثيله وأخطئ فهمه. نعم، قد اتفقت روايات الأحباء والأعداء اتفاقًا تامًا بخصوص الاضطهادات الفظيعة والآلام التّي حصلت لبهاءالله وأتباعه، أمّا بخصوص أهميّة الدّعوة وصفات مؤسّسيها، فقد اختلفت أقوال المنكرين عن أقوال المؤمنين اختلافاً كليًّا كما اختلف مؤرخو المسيحيين واليهود في زمان السيد المسيح... وبينما يقول المؤمنون أنّ عيسى قد أتمّ وأكمل شريعة موسى والأنبياء، يصرّح المنكرون أنّه كسر قوانينها، ونسخ قواعدها، وأنّه كان مستحقًا للموت.



وفي الدّين كما في العلم، تكشف الحقيقة أسرارها للطّالب المجدّ الوقور المتواضع الذّي يستعد لأن يطرح جانبًا كلّ تعصب ووهم ويبيع ما عنده ليشتري "الجوهرة الفريدة ذات الثّمن العظيم". ولأجل فهم الدّين البهائيّ بكامل معناه، يجب أن نقوم بدراسته بروح الإخلاص وعدم الأنانيّة في البحث عن الحق، مثابرين في طريق التّحرّي، ومتّكلين على الهداية الرّبانية. وسنجد في الآثار


الكتابيّة لمؤسّسيها المفتاح الأعظم لأسرار هذه اليقظة الرّوحانيّة والمعيار الأتم لأهميّتها وقيمتها.



هدف هذا الكتاب



والغاية التّي نتوخاها في ما يأتي من الأبواب، هي أن نبسط على قدر الإمكان، باعتدال وبدون تعصّب وإجحاف، معالم تاريخ الأمر البهائيّ، وبالأخص تعاليمه، حتّى يتمكّن القرّاء بذلك من إصدار حكم صحيح حول أهميّتها، وربمّا يؤول بهم البحث إلى زيادة التعمّق في الموضوع بأنفسهم لأنفسهم.



وتحرّي الحقيقة، مع أنّه أمر مهم، إلاّ أنّه ليس الغاية الوحيدة والغرض النّهائي من الحياة، فالحقّ ليس أمرًا مواتًا يبحث عنه، وعند العثور عليه يوضع في متحف الآثار، فتوضع له بطاقة، ويصنّف بين الآثار، ويرصد في قائمة، ثمّ يعرض في المتحف، ليبقى هناك متروكًا جافًا قاسيًا عقيمًا، بل هو أمر حي يجب أن تتأصّل جذوره في قلوب النّاس، ويكون له ثمر في حياتهم من قبل أن يجنوا مكافأة بحثهم.



فالغرض الحقيقي إذن من نشر معرفة الظّهور الإلهيّ هو أنّ يشرع الذّين يقتنعون بصحّته في تطبيق أوامره ومبادئه "والسيّر في الحياة" بمقتضاه، ونشر بشارته، فيعجّلون بذلك تحقّق ذلك اليوم المبارك الذّي فيه تظهر مشيئة الله على الأرض كما هي في السّماء.





([1]) ثنية (18: 21 و22)


([2]) متّى (7: 15-20)

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الثّاني

الباب المبشّر



"قل إنّ الظّالم قتل محبوب العالم، ليطفئ بذلك نور اللّه بين ما سواه ويمنع النّاس عن سلسبيل الحيوان، في أيّام ربّه العزيز الكريم"
(بهاءالله – لوح الرئيس)


مهد الظّهور الجديد



إنّ لإيران، التّي هي موطن الظّهور البهائيّ، تاريخًا مجيدًا فريدًا في العالم. ففي أيّام عظمتها الأولى، كانت بين الأمم أشبه بملكة مبجّلة، لا تضارعها أيّة أمّة في مدنيّتها وقوتّها وعظمتها، وقد أبرزت للعالم ملوكًا وساسةً عظامًا ورسلاً وشعراء وفلاسفة وفنّانين، فزردشت، وكورش، ودارا، وحافظ، والفردوسي، وسعدي، وعمر الخيّام، هم بعض أبنائها المشهورين، وكان صنّاعها لا يدانيهم أحد في مهارتهم، وكان سجّادها لا يضارعه سجّاد في العالم، وأسلحتها الفولاذيّة لا يدانيها غيرها، وحازت أوانيها الفخّاريّة شهرةً عالميّة، ولا تزال آثار عظمتها الأولى موجودةً في جميع أطراف الشّرقين الأوسط والأدنى.



إلاّ أنّها سقطت في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر إلى وهدةٍ


مزرية يرثى لها، وكأنّما ضاع مجدها القديم إلى الأبد، فأصبحت حكومتها فاسدة، وأحوالها الماليّة في حال يأس وضيق، وكان بعض ملوكها ضعيفًا، والبعض الآخر مستبّدًا طاغيًا كالوحوش، وأصبح علماؤها متعصّبين غير متسامحين... وكان عامّة أهلها يتّبع مذهب الشّيعة ومنهم جمّ غفير من الزردشتيين واليهود والمسيحيين والمذاهب الأخرى المتباغضة. وكلهّم يدّعون أنّهم يتّبعون معلّمين رفيعين يأمرونهم بعبادة إله واحد، وبأن يعيش بعضهم مع البعض الآخر بالمحبّة والاتحاد، إلاّ أنّهم كانوا في الحقيقة يبغض بعضهم بعضًا ويحتقره ولا يعاشره. وكان كلّ مذهب يعتبر المذاهب الأخرى نجسةً كأنّها الكلاب أو كأنّها الكفّار الوثنيين، فيتبادلون اللّعن والطّعن بينهم بدرجة مخيفة، حتّى أصبح من الخطر على اليهودي أو الزّردشتي أن يسير في الشّارع في يوم مطير، لأنّه لو فرض ومسّ رداء الزردشتي المبلّل بالمطر مسلمًا فإنّه ينجّس المسلم ولا يقدر الزردشتي أن يكفّر عن جريمته إلاّ بضياع حياته، وإذا أخذ المسلم نقودًا من يهودي أو زردشتي أو مسيحي، فإنّه لا محالة يغسلها قبل أن يضعها في جيبه. وكذلك لو شاهد اليهودي إبنهُ يعطي قدحًا من الماء إلى سائل مسلم، فإنّه لا بدّ وأن يكسر القدح من يد الطّفل، اعتقادا منه بأنّ الكفّار لا يستحقون الرّأفة بل اللّعنة! هذا وقد انقسم المسلمون منهم إلى جملة فرق، اشتدّت بينها العداوة، ولم يشتبك الزّردشتيون كثيرًا في هذه المشاحنات المتبادلة، بل عاشوا وحدهم منعزلين في جماعات منفصلة، وامتنعوا عن معاشرة مواطنيهم من أصحاب الأديان الأخرى.


وتدهورت الشّؤون الاجتماعيّة والأمور الدّينيّة تدهورًا لا أمل في علاجه، فأهمل أمر التّعليم، وأصبحت العلوم والفنون الغربيّة في نظهرهم رجسًا ومخالفة للدّين، ومسخت العدالة، وصارت اللّصوصيّة والنّهب والسّلب من الأمور المعتادة، وأصبحت الطّرق رديئةً غير مأمونة للأسفار، وأضحت الشؤون الطّبيّة ناقصةً نقصًا معيبًا.



وبالرّغم من ذلك، لم تكن أنوار الحياة الرّوحيّة قد انطفأت في إيران، لأنّه في وسط تلك الحالة المادّية السّائدة والخرافات المنتشرة، كانت تظهر هنا وهناك بعض النّفوس المقدّسة، كما حدث قبيل ظهور السّيد المسيح حينما بُعث في قلوب الكثيرين شوق وحنين لمظهر الله، كالشّوق الذّي غمر قلبي "حنّة" و"سمعان". وهكذا كان الكثيرون قبيل ظهور الباب ينتظرون ظهور الرّسول الإلهيّ الموعود، موقنين بأنّ وقت مجيئه قد حان.



وهذه خلاصة ما كانت عليه إيران عندما ظهر السّيد الباب بشير العصر الجديد، فحرّك جميع إيران من أعماقها برسالته الفريدة.



نشأته



ولد سيّد "علي محمد"، الذّي اتّخذ فيما بعد لقب "الباب"، في مدينة شيراز من جنوب إيران، في اليوم العشرين من أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1819 ميلاديّة الموافق ليوم أوّل محرّم سنة 1235 هجريّة، وكان سيّدًا أي من سلالة الرسول محمد (ص)، وبعد قليل من ميلاده توفي والده الذّي كان تاجرًا معروفًا فكفله خاله أحد


التجّار في شيراز، وفي أثناء طفولته تعلّم القراءة وحصل على التّعليم الأوليّ العادي للأطفال)[1](.



ولمّا بلغ سنّ الخامسة عشرة، اشتغل بالتّجارة أوّلاً مع وليّ أمره، ثمّ بعد ذلك مع خالٍ آخر له في "بوشهر" على شاطئ الخليج جنوبيّ إيران. واشتهر في صباه بحسن الخلق والخُلق والورع والنّبل الفريد، ولم يكن يتوانى عن الصّلوة والصّيام وغيرهما من الأوامر الإسلاميّة سالكًا على مقتضى روح الشّريعة فضلاً عن اتّباع النّصوص، وتزّوج في السّن الثّانية والعشرين وولد له ولد توفي وهو طفل قبل سنة من إعلان دعوته)[2](.


إعلان الدّعوة



وعندما بلغ الباب السّن الخامسة والعشرين، أجاب الأمر الإلهيّ، وأعلن "أنّ الله سبحانه وتعالى قد اختاره لمقام البابيّة". وفي كتاب "مقالة سائح" نقرأ ما يأتي مترجمًا:



"وكان مقصوده من كلمة "الباب": أنّه واسطة فيوضات من شخص عظيم، و يزال خلف حجاب العزّة، حائز لكمالات لا عداد لها ولا إحصاء، وأنّه متحّرك بإرادته ومشيئته، ومعتصم بحبل ولائه ومحبّته"([3]).



وكان الاعتقاد بقرب ظهور الموعود الإلهيّ سائدًا في تلك الأيّام، خصوصًا فيما بين الطّائفة التّي تُدعَى بالشّيخيّة. وقد أعلن الباب بعثته أوّلاً لعالم جليل من تلك الطائفة يدعى "الملاّ حسين بشروئي" وتاريخ هذا الإعلان مذكور بالضّبط في "كتاب البيان"، الذّي هو أحد كتب الباب، وهو في ساعتين وإحدى عشر دقيقة بعد الغروب، ليلة الخامس من شهر جُمادى الأولى سنة 1260 هجريّة، الموافق ليوم 23 مايو (أياّر) سنة 1844 ميلاديّة. وحيث أنّ اليوم البهائيّ يبدأ بعد الغروب، لا بعد منتصف اللّيل كما في بلاد الغرب، لذا يحتفل بعيد بعثة حضرة الأعلى([4]) في الخامس من جمادى الأولى المطابق لليوم الثاّلث والعشرين من شهر مايو (أيّار).


وقد ولد عبدالبهاء في تلك اللّيلة نفسها، لكن ساعة ميلاده لم تُعيَّن([5]).



وبعد بحث شديد وتحر مستفيض، اقتنع "الملاّ حسين بشروئي" اقتناعًا يقينيًّا، بظهور الموعود المنتظر عند الشّيعة. ولم يمض الكثير من الزّمن حتّى شاركه في هذا الحماس كثير من الأصحاب. وبعد قليل آمن بالباب أغلب الشّيخيّة، وتسمّوا بالبابييّن، وابتدأت شهرة السّيد الباب الشّاب تنتشر كالنّار في طول البلاد وعرضها.



انتشار دعوة الباب



إنّ تلاميذ الباب الثّمانية عشر الأولين عُرفوا بـ "حروف الحيّ"([6]) وهؤلاء هم الذّين أرسلهم الباب إلى جهاتٍ مختلفة من إيران وتركستان لنشر خبر ظهوره، وسافر بنفسه في نفس الوقت للحج إلى مكّة، فوصلها في ديسمبر (كانون الأول) سنة 1844، وفيها أعلن بعثته جهارًا.



وعند عودته إلى "بوشهر" وقع إضراب عظيم بسبب إعلانه دعوة البابيّة. فمن جهة حرّك قوّة الحماس في أتباعه بحرارة نار تبيانه وعجيب سرعة جريان كتاباته وعظيم علمه ووفور حكمته وشجاعته وإقدامه واشتعاله وحماسه في الإصلاح، ومن جهة أخرى أثار في المتعصّبين من المسلمين العداء والذّعر، وقام علماء الشّيعة


بكلّ شدّة على تكذيبه ومقاومته، وأقنعوا حاكم فارس المدعوّ "حسين خان" الذّي كان حاكمًا متعصّبًا مستبدًّا بأن يقمع هذه البدعة الجديدة. ومن ثمّ ابتدأت للباب سلسلة حوادث عديدة من الحبس والنّفي والمحاكمات أمام المجالس والجلد والإهانة انتهت بشهادته سنة 1850 ميلاديّة.



دعوة الباب



إنّ العداء الذّي أثير بسبب دعوة البابيّة، قد تضاعف عندما أعلن الشّاب المصلح العظيم أنّه هو المهدي الذّي تنبّأ بمجيئه محمّد (ص)، فقد قالت الشّيعة أنّ ظهور المهدي هو بالذّات ظهور الإمام الثّاني عشر، الذّي قالوا أنّه اختفى عن الأنظار منذ ألف سنة، وهم يعتقدون أنّه حيّ، وأنّه سيظهر بجسده الأوّل، وفسّروا النّبوّات الخاصّة بسلطنته ومجده وفتوحاته و"علامات" ظهوره تفسيرًا ماديّا محسوسًا، كما فسّر اليهود في زمان ظهور المسيح النّبوّات الخاصّة بمجيئه، فتوقّعوا مجيئه بسلطنة دنيويّة، وبجيش جرّار، ليعلن دعوته، ويقيم الأموات، ويعيد لهم الحياة وغير ذلك، فلمّا لم تظهر لهم بحسب الظّاهر هذه العلامات، رفضت الشّيعة قبول دعوة الباب، وواجهته بنفس الغلظة والقسوة التّي واجه اليهود بها السيّد المسيح. أمّا البابيّون فكانوا من جهة أخرى يفسّرون كثيرًا من النّبوّات تفسيرًا مجازيًا، واعتبروا سلطنة الموعود سلطنة غيبيّة مثل سلطنة السّيد المسيح الجليليّ "رجل الأوجاع" فإنّ سلطنته كانت سلطنة روحانيّة لا سلطنة أرضيّة، وكانت فتوحاته هي فتحه مدائن


قلوب البشر. وقد وجدوا البراهين العديدة على صحّة دعوة الباب في حياته المدهشة التّي عاشها، وفي تعاليمه العظيمة، وفي إيمانه الذّي لا يتزعزع، وثباته الذّي لا يضارع، وقدرته في نفخ روح الحياة الرّوحيّة وتجديدها فيمن كانوا في قبور الخطأ والجهل راقدين.



ولكنّ الباب لم يكتف بدعوة المهدويّة، بل تلّقب بلقب "النّقطة الأولى"... حتّى أنّ الأئمّة أنفسهم كانوا يعدّون مقام "النّقطة" التّي كانوا يستمدّون منها إلهامهم وحجّتهم. فابتّخاذ الباب هذا اللّقب كانت دعواه أنّه في عداد كبار مؤسسي الأديان...



ولهذا السّبب كانت الشّيعة تعدّه باطلاً كما اعتبر النّاس قبلهم موسى وعيسى ومحمّد عليهم السّلام من المفترين، وزاد على ذلك فوضع تقويمًا جديدًا افتتح به العصر الجديد ابتداءً من سنة إعلانه دعوته.



ازدياد الاضطهاد



كانت نتيجة إعلان الباب للدّعوة، وما تبعها من إجابة النّاس لها إجابةً سريعةً مذهلةً من جميع الطّبقات سواء الغنيّ منهم والفقير والعالم والجاهل، أن قام علماء إيران وحكاّمها على إطفاء الدّعوة بعزم مقرون بطيش، فنهبت المنازل وهدّمت، وأخذت النّساء، وقتل الجمّ الغفير من المؤمنين في طهران ومازندران وجهات أخرى، وقطّعت رؤوس الكثيرين وشنق الآخرون، أو قذفوا من أمام فوّهات المدافع، أو أحرقوا، أو قطّعوا إربًا إربًا، وكانت الدّعوة


تسير قدمًا وتتسّع بالرّغم من كلّ الجهود التّي بذلت لقمعها، بل أنّ نفس الاضطهاد كان سببًا في ازدياد إيقان المؤمنين، إذ تحقّقت بذلك النبوّات الخاصّة بمجيء المهدي تحقّقًا حرفيًّا، ففي الحديث الذّي رواه جابر والذّي تعتقده الشّيعة حديثًا صحيحًا جاء ما ينطبق على هذه الاضطهادات:-



"عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، فيذلّ أولياؤه في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم، فيقتلون، ويحرّقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرّنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقًا، بهم أدفع كل فتنة حندس، وبهم أكشف الزّلازل، وأرفع الأوصاد والأغلال".



استشهاد الباب



وفي يوليو (تمّوز) سنة 1850 وقع الباب نفسه ضحيّة لثائرة تعصّب مضّطهديه، وكان يبلغ إذ ذاك من العمر 31 سنة، وقد أخذ إلى مكان الاستشهاد في ثكنة عسكريّة قديمة في تبريز، مع شاب مؤمن به يُدعَى "محمّد علي"، كان قد التمس بتوسل السّماح له بأن يشارك سيّده في شهادته. وقبل الظّهر بساعتين تقريبًا علّق الإثنان، بأن أوثقا بحبال من تحت آباطهما بطريقة وضع فيها رأس "محمّد علي" على صدر سيّده المحبوب، واستدعي فوج من العسكر الأرمن، وأصدرت له الأوامر بإطلاق الرّصاص، وفي الحال دوّت المقذوفات، إلاّ أنّه لمّا انقشع الدّخان، وجد أنّ الباب ورفيقه أحياء، ولم تعمل فيهما المقذوفات شيئًا، سوى أنّها قطعت الحبال


التّي كانا معلّقين بها، وبذلك وقعا على الأرض، دون أن يصيبهما ضرر، وذهبا توًا إلى غرفة مجاورة حيث وجدا يتحدّثان إلى أحد المؤمنين. وقبيل الظّهر علّقا مرة أخرى، ولكنّ الأرمن الذّين رأوا عدم إصابة مقذوفاتهم معجزةً من المعجزات، امتنعوا عن إعادة إطلاق الرّصاص، ولذلك استبدلوا بفرقة أخرى من العسكر الذّين حضروا، أطلقوا الرّصاص حينما أمروا، وفي هذه المرّة أصابت المقذوفات المرمى فتمزّق جسدا الضحيّتين وتفتّت أعضاؤهما، عدا الوجه، فإنّه لم يكد يصب بشيء تقريبًا.



بهذه الفعلة الشّنعاء أصبح ميدان ثكنة تبريز محل قطع الرّؤوس و"الجلجلة" الثّانية. وابتهج أعداء الباب بنشوة هذا الظّفر الإجرامي، ظانّين أنّ شجرة دين الباب التّي يبغضونها قد قطّعت من جذورها، وأنّه قد أصبح من السّهل استئصالها، ولكنّ انتصارهم كان ذا أمد قصير، لأنّهم لم يفهموا أنّ شجرة الحقّ لا يمكن قطعها بأيّة فأس ماديّة، و يا ليتهم عرفوا أنّ هذه الجريمة التّي أجرموها كانت وسيلةً لتقوية هذا الأمر وتثبيت دعائمه، فشهادة الباب قد حقّقت أمنيةً كان يتمنّاها، كما ألهمت المؤمنين به حماسًا لا حدود له، فاشتعل حماسهم الرّوحانيّ إلى درجة زادت رياح الاضطهاد الهوجاء لهيبه ضرامًا، فضلاً عن فشلها في إخماده، وكلّما تعاظمت جهود الأعداء في الإطفاء، زاد لهيبه علوًا واشتعالاً.



ضريحه على جبل الكرمل



وبعد شهادة الباب، نقلوا رفاته ورفات رفيقه المخلص إلى حافّة الخندق خارج المدينة، وفي اللّيلة التّالية خلّص بعض البابيّين


جسديهما في منتصف اللّيل. وبعد إخفائهما سنوات عديدة في أماكن سريّة في إيران، جيء بهما بصعوبة وتحت الخطر إلى الأرض المقدّسة، ودفنا في مقام جميل في موقعه في سفح جبل الكرمل على مقربة من كهف إيليّا النّبي وعلى بضعة أميال فقط من المكان الذّي قضى فيه بهاءالله سنواته الأخيرة والذّي دفن فيه.



وليس هناك من بين آلاف الزّائرين الذّين يأتون من جميع بقاع الأرض لزيارة مقام بهاءالله المقدّس من تفوته زيارة مقام مبشّرهِ الفريد المخلص المحبّ البار، إجلالاً ووفاءً.



آثار الباب الكتابيّة



ملأت آثار الباب المجلّدات الضّخمة، وكانت سرعة كتابتِه وتفاسيره المسهبة وبياناته العميقة ومناجاته البليغة التّي كان يمليها على البديهة، تعتبر من البراهين على إلهامه السّماوي، وتتلخّص فحوى آثاره الكتابيّة المتنوعة فيما ننقله من كتاب مقالة سائح:



"لقد بقي في أيدي النّاس من آثار الباب الكتابيّة ما بعضه في موضوع تفسير وتأويل الآيات القرآنيّة والآخر في المناجاة، والخطب، والإشارات. وكان البعض في المواعظ والنّصائح، وبيان مراتب التّوحيد، وإثبات النّبوة الخاصّة لسيّد الكائنات محمّد (ص) والمفهوم من مضامينها التّرغيب في تهذيب الأخلاق والانقطاع عن شؤون الدّنيا والتّمسّك بنفحات الله. لكن فحوى كلماته، ومقصود مصنّفاته، إنّما كان يدور حول نعت الحقيقة الشّاخصة التّي مقصوده ومحبوبه ومطلوبه. وقد اعتبر ظهوره في مقام التّبشير به، كما اعتبر


حقيقة ذاته واسطة لظهور الكمالات العظيمة من تلك الحقيقة الشّاخصة. وفي الحقيقة، ظلّ ليلهُ ونهاره متبتّلاً له في ذكره، بحيث لم يغفل عنه لحظة واحدة. وكان يدلّ جميع أتباعه إلى ترصّد شروقه، بحيث أوضح في تآليفه:



"إنّي حرف من ذلك الكتاب الأعظم، ورذاذ من ذلك البحر الذّي لا ساحل له. وعند ظهوره، تتجلّى حقيقتي وأسراري ورموزي وإشاراتي، ويعرّج جنين هذا الأمر في مراتب الوجود ويفوز بمقام "أحسن تقويم"، ويلبس خلعة "فتبارك الله أحسن الخالقين"...



وكان مشتعلاً بناره، بحيث صار ذكره له في ليالي سجنه الدّاجية في قلعة "ماه كو" سراجه المنير، وتذكاره له وهو في ضيق سجن "جهريق" نعم الأنيس الرفيق، فابتهج بالانشراح الرّوحانيّ قلبه، وثمل من رحيق كأسه، وامتلأ جذلاً بذكره"([7]).



من يظهره الله



قارن البعض الباب بيوحنا المعمدان، في حين أنّ مقام الباب ليس مجرّد كونه مبشّرًا بظهور بهاءالله، بل إنّ الباب في ذاته كان مظهرًا من المظاهر الإلهيّة، ومؤسّسًا لدين مستقل، ولو أنّه كان دينًا محدودًا في مدّته، ومقتصرًا على فترة قصيرة من السنوات. ويعتقد البهائيّون أنّ الباب وبهاءالله كانا المؤسّسين اللّذين اشتركا في تأسيس دينهم، وتشهد كلمات بهاءالله التّالية على صدق هذه


الحقيقة حين يقول ما ترجمته:



"أمّا وقد اقتضى أن تفصل هذا الظهور الأعظم البديع عن ظهوري السّابق فترةً قصيرةً جدًا كهذه، فإن ذلك سرّ لا يستطيع أحد كشفه وغيب لا يستطيع عقل أن يسبر غوره، وقد سبقت التّقديرات الإلهيّة فعيّنت مدّة امتداد تلك الفترة، ولن يستطيع أحد أبدًا أن يكتشف سببها، إلاّ بعد أن يطلع على ما في كتابي المكنون".



ومع وجود هذا، فإنّ الباب حينما أشار إلى بهاءالله، أظهر أقصى درجات إنكار الذّات وأعلن:



"إنّ الذّي يسمع في يوم ظهور "من يظهره الله" آيةً واحدةً من آياته ويتلوها خير له من أن يتلو كتاب البيان ألف مرّة"([8]).



وقد عدّ الباب نفسه سعيدًا في تحمّل كلّ ألم في سبيل تهيئة الطّريق، وصرّح أنّه حين يتحمّل ذلك، إنّما يفعل القليل ممّا يجب عليه عمله في سبيل "من يظهره الله"، الذّي هو مصدر إلهامه الوحيد، ومقصود محبّته الفريد.



القيامة والجنّة والنّار



إنّ جزءًا مهمًّا من تعاليم الباب خاص بتفسير عبارات القيامة ويوم الجزاء والجنّة والنّار، فقد قال أنّ معنى القيامة هو ظهور مظهر جديد لشمس الحقيقة، وأنّ معنى قيام الأموات هو اليقظة الرّوحانيّة لمن هم نيام في قبور الجهالة والغفلة والشّهوات، وأنّ


يوم الجزاء يعني يوم الظّهور الجديد الذّي فيه يحصل الفصل بين أغنام الله الذّين يقبلون ظهوره وبين الذّين لا يقبلونه، لأنّ الأغنام تعرف صوت الرّاعي الصّالح فتتبعه، وأنّ الجنّة هي السّرور بمعرفة الله، كما أنزل ذلك مظهره، وبه يصل المرء إلى أسمى الكمال الذّي يستطيع الوصول إليه، وبه يدخل بعد الموت إلى ملكوت الله والحياة الأبديّة، وأمّا النّار فهي الحرمان من عرفان الله، وينتج عنها عدم الوصول إلى الكمال الإلهيّ وضياع السّعادة الأبديّة. وقد صرّح تصريحًا أكيدًا أنّ عبارات القيامة لم يكن لها معنى بغير هذا، وأنّ الأفكار السّائدة بين الأمم الخاصّة بقيام أجساد الموتى وبالجنّة والنّار الماديّة وأمثالها إنّما هي من اختراع الخيال. وقد بيّن أيضًا بأنّ للإنسان حياة أخرى بعد الموت، وبأنّ التّقدم نحو الكمال في الحياة الأخرى ليست له حدود.



تعاليمه الأخلاقيّة والاجتماعيّة



يخبر الباب أتباعه في آثاره الكتابيّة بأنّهم يجب عليهم أن يمتازوا بالمحبّة الأخويّة وبالأدب، وأن ينشروا بينهم الفنون والصّنائع النّافعة، وأن يكون التّعليم الابتدائي عامًا، وأن يكون للنّساء في هذا الدّور الإلهيّ العظيم الذّي افتتحه بذاته قسطًا أكبر من الحريّة، وأن يصرف على الفقراء من الخزانة العامّة، وقد منع التّسوّل منعًا باتًا وكذلك استعمال الخمور والمسكرات، وأمر أن يكون الدّافع الذّي يهدي الفرد البابيّ هو المحبّة الخالصة لله بدون رجاء للثّواب أو خوف من العقاب، ولذلك يقول في كتاب البيان:


"فاعبد الله، بحيث لو كان الجزاء على عبادتك النّار، لا تفتر عن عبادتك له. فإنّك لو عبدت الله خوفًا، فلن تليق لعتبة قدسه الإلهيّة، وكذلك لو نظرت إلى الجنّة، وعبدت الله رجاءً لها، فقد جعلت خلق الله شريكًا له"([9]).



العذاب والانتصار



تدلّ هذه الفقرة الأخيرة التّي اقتبسناها على الرّوح التّي أنعشت حياة الباب كلّها، حيث كان مرماه الوحيد والغرض الفريد من وجوده هو عرفان الله ومحبّته، وإظهار صفاته من مرآته، وتهيئة الطّريق للمظهر الآتي بعده. ولم تكن للحياة عنده أيّة مخاوف ولا للموت أيّ اضطراب، لأنّ الحبّ طرد عنه الخوف، ولم يكن الاستشهاد ذاته لديه سوى ابتهاجه في إلقاء كلّ ما لديه تحت أقدام محبوبه.



عجبًا لمثل هذه النّفس الطّاهرة البديعة ولمثل هذا المعلّم للحقيقة الإلهيّة ولمثل هذا العاشق الإلهيّ، ولمثل رفاقه، كيف قوبلوا بالعداوة الشّديدة، وحكم عليهم بالموت على يد فقهاء العصر!



حقًا لا يعمي النّاس عن معرفة الرّسول الإلهيّ سوى التعصّب الأعمى والجهل، فالرّسول الإلهيّ لا يملك من زخارف الدّنيا وعظمتها شيئًا، ولكن كيف يمكن إثبات القوّة والسّلطنة الرّوحانيّة


إلاّ باستغناء المظهر الإلهيّ عن كلّ معونة دنيويّة وبانتصاره وفوزه على كلّ مقاومة أرضيّة مهما كان عُنفُها وشدّتها؟ بل كيف يمكن إظهار المحبّة الإلهيّة أمام أعين العالم الكافر بها إلاّ بقدرة تلك المحبّة على تحمّلها أقصى ضربات البلايا وسهام الرزايا وضغائن الأعداء وخيانة الأودّاء، وسموّها فوق هذا كلّه بكلّ هدوء وقرار وبدون أدنى وجل أو حقد سابغةً عفوها وبركتها؟



نعم قد تحمّل الباب، وانتصر، وشهدت الألوف على إخلاصها في حبّها له بفدائها أرواحها وكلّ ما ملكت في خدمته، ويحقّ للملوك أن يغبطوا سلطانه على قلوب النّاس وقدرته على تطوير حياتهم.



وفضلاً عن ذلك كلّه فإنّ "من يظهره الله" قد ظهر وأيّد دعوة مبشّرهِ الفريد، وأعلن قبوله ورضاه عن إخلاصه وجعله شريكًا له في مجده وبهائه.





([1]) وحول هذه النّقطة كتب أحد المؤرّخين:

"يعتقد الكثير من الشّرقيين وخاصّة أتباع السّيد الباب (وهم البهائيّون اليوم) أنّ السّيد الباب لم يتلقّ أيّ تعليم في حياته. ولكن مخالفيه من رجال الدّين أعلنوا، لحطّ منزلته في أعين النّاس، أنّ العلم والحكمة اللّذين يظهران من الباب إنّما نالهما بالدّرس والتّعليم، ولكنّ البحث العميق في هذا الموضوع أظهر أنّ السّيد الباب ذهب في طفولته ولمدّة قصيرة فقط إلى بيت الشّيخ محمد (المعروف أيضًا بالشيخ عابد) وتعلّم لديه القراءة والكتابة بالفارسيّة. وإلى هذا أشار السّيد الباب في (كتاب البيان) بقوله: " يا محمّد! يا معلّمي!".

"ومن المدهش حقًا أنّ هذا الشّيخ الذّي كان معلمًا له أصبح فيما بعد تابعًا مخلصًا لتلميذه، وكذلك خال الباب (الحاج ميرزا سيّد علي) الذّي كان بمثابة الوالد له أصبح مؤمنًا مخلصًا له وأصبح أحد شهداء أمره.

"إنّ فهم هذه الأسرار منوط بالباحثين عن الحقائق، ولكنّ الواقع هو أنّ التّعليم الذّي حصّله السّيد الباب كان تعليمًا أوليًّا ابتدائيًا، وأنّ إمارات العظمة والمعرفة الفائقة التّي ظهرت منه إنّما هي إلهيّة لدنيّة".


([2]) تاريخ النبيل مطالع الأنوار.


([3]) مقالة سائح في تاريخ الباب –الترجمة العربية- الصفحة 3.


([4]) حضرة الأعلى لقب من ألقاب السيد الباب.


([5]) انظر بداية الباب الرابع من هذا الكتاب.


([6]) بإضافة السيد الباب إلى حروف الحي يكونون تسعة عشر أي ما يسمى بـ "الواحد الأول".


([7]) مقالة سائح - الترجمة العربية – الصفحات 39 -41


([8]) مترجم عن كتاب مقالة سائح


([9]) مترجم عن كتاب "البابيون في إيران" تأليف البرفسور براون الصفحة 931 المجلد21

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الثالث

بهاءالله



"أيّها المنتظرون لا تنتظروا، فإنّه قد أتى، فانظروا إلى سرادقه الذّي استقرّ فيه بهاؤه، إنّه لهو البهاء القديم في ظهور جديد"
(بهاءالله - مترجمًا)




مولده ونشأته



إنّ الميرزا حسين علي، الذّي اتّخذ فيما بعد لقب بهاءالله، كان أكبر أولاد الميرزا عبّاس النّوري وزير الدّولة. وكانت عائلته غنيّة ومرموقة، وكثير من أعضاءها شغلوا مناصب مهمّةً في الوظائف المدنيّة والعسكريّة في الحكومة، وكان مولده في طهران عاصمة إيران بين الفجر والشّروق يوم 12 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1817 الموافق 2 محرّم سنة 1233 هجرية. ولم يذهب إلى مدرسة أو كليّة ما، بل تلقّى تعليمه البسيط في المنزل، مع ذلك حينما كان طفلاً ظهرت منه حكمةً فائقةً ومعرفةً مدهشةً. ومات والده وهو شاب فتركه مسؤولاً عن إخوته وأخواته الصّغار، وعن إدارة أملاك الأسرة الواسعة.



وقد حكى عبدالبهاء أكبر أولاد بهاءالله لمؤلّف هذا الكتاب في


إحدى المناسبات التّفاصيل الآتية عن أوائل أيّام حياة والده فقال ما ترجمته:



"كان منذ طفولته شفوقًا سخيًّا للغاية، وكان محبًّا للعيشة في الأرياف، فكان يقضي أغلب أوقاته في البساتين أو الحقول، وكانت له قوّة جاذبيّة خارقة يشعر بها الجميع، فكان النّاس يلتفون حوله كما كان الوزراء ورجال البلاط يحبّون مجالسته، وكذلك كان يحبّه الأطفال. ولما بلغ السّن الثّالثة عشرة أو الرّابعة عشرة اشتهر بدرايته الواسعة وعلمه الغزير، فكان يتكلّم في أيّ موضوع ويحلّ أيّة معضلة تعرض عليه، ويتباحث في المجامع مع العلماء، ويفسّر المسائل الدينيّة المعضلة، وكان الكلّ ينصتون إليه بكل ارتياح.



ولمّا بلغ سنّ الثّانية والعشرين، توفي والده، وأرادت الحكومة أن تسند إليه منصب والده في الوزارة، كما هي الحال في إيران، ولكنّ بهاءالله لم يقبل ذلك المنصب، وعندئذ قال رئيس الوزراء: "إتركوه لنفسه فإنّ هذا المنصب لا يليق به، فإنّ له غرضًا أسمى تحت نظرِه، ولا أقدر أن أفهمه، ولكنّني مقتنع بأنّ مهمّة سامية قد قدّرت له، فإنّ أفكاره ليست كأفكارنا، فاتركوه لنفسه".



حبس بهاءالله بسبب البابيّة



لمّا أعلن الباب بعثته سنة 1844، اعتنق بهاءالله أمر الدّين الجديد بشجاعته، وكان إذ ذاك في السّابعة والعشرين من العمر، وصار معروفًا بكونه أحد مروّجي البابيّة الشّجعان، حبس مرّتين لأجل هذا الأمر. وتحمّل ذات مرّة عذاب الجلد على الأقدام.



وفي أغسطس (آب) سنة 1852 حصلت حادثة مريعة للبابيين،


فإنّ أحد أتباع الباب، وهو شاب يدعى صادق التّبريزي، كان قد تأثّر من استشهاد سيّده المحبوب حينما شاهد ذلك عيانًا، فاختلّ عقله، ومن باب الانتقام كمن للشّاه وأطلق عليه بندقيّة صيد كان قد حشاها رشًّا([1]) بدلاً من الرّصاص، فلم يصب الشّاه بأذىً بليغ، ولو أنّه أصيب من الرّش. وكان الشّاب قد سحب الشّاه من فوق جواده، إلاّ أنّ مرافقي صاحب الجلالة قبضوا عليه، وأعدموه في الحال في المكان ذاته، ثمّ اعتبر البابيّون جميعًا مسؤولين عن هذا الحادث ظلمًا، وابتدأت فيهم المذابح الفظيعة نتيجة ذلك الحادث وأعدم منهم ثمانون في طهران بأشّد أنواع العذاب، وقبض على الكثيرين وزجّوا في السّجون، ومنهم بهاءالله، وقد كتب بهاءالله عن ذلك فيما بعد في "لوح ابن الذّئب" ما ترجمته([2]):-



"لعمر الله لم يكن لنا دخل في هذا الأمر المنكر أبدًا. وقد ثبتت براءتنا أيضًا في مجالس التّحقيق، ومع ذلك أخذونا وسيّرونا مترجّلين عاري الرّأس والأقدام مقيّدين بالسّلاسل من "نياوران" التّي كانت في تلك الأيّام مقرّ السّلطنة إلى أن أوصلونا إلى سجن طهران، وقد أخذ أحد الخيّالة الظّالمين القلنسوة من رأسي، وألجأنا المأمورون والجلاّدون على السّير بسرعة عظيمة، ووضعونا مدّة أربع أشهر في مكان لم تر العيون له مثيلاً. أمّا السّجن الذّي كان محل ورود المظلوم والمظلومين، فكانت في الحقيقة أفضل منه حجرة مظلمة ضيّقة، وعند ورودنا فيه أدخلونا ممرًا مظلمًا،


ومنه نزلنا ثلاث درجات عميقة، حتّى وصلنا إلى المقرّ المعيّن لنا. أمّا ذلك المقرّ، فكان مظلمًا ظلامًا حالكًا، وكان يرافقنا فيه ما يقارب المائة والخمسين مسجونًا من السّارقين وقطّاع الطّرق والقاتلين. ومع وجود هذا الازدحام، لم تكن له نافذةً سوى الطّريق الذّي دخلنا منه، وتعجز الأقلام عن وصفه، وتقصر العبارة عن بيان رّوائحه المنتنة، وكان ذلك الجمع أكثرهم من غير لباس وفراش [الله يعلم ما ورد علينا في ذلك المقام الأنتن الأظلم]، وكنّا نفكّر في ذلك السّجن في اللّيالي والأيّام في أحوال البابييّن وأعمالهم وحركاتهم، ومع علوّ وسموّ إدراك هذا الحزب، نعجب كيف ظهر منهم مثل هذا العمل يعني تلك الجسارة والتهجّم الحاصل على ذات الشّاه. وبعد ذلك عزم هذا المظلوم بعد خروجه من السّجن، أن يقوم بتمام الهمّة على تهذيب هؤلاء النّفوس. وفي ليلة من اللّيالي، في عالم الرّؤيا، سُمِعَت هذه الكلمة العليا من جميع الجهات: [إنّا ننصرك بك وبقلمك، لا تحزن عمّا ورد عليك ولا تخف إنّك من الآمنين. سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال ينصرونك بك وباسمك الذّي به أحيَى الله أفئدة العارفين]".



النّفي إلى بغداد



وامتّد هذا السّجن الرّهيب مدّة أربعة أشهر، ولكنّ بهاءالله وأصحابه كانوا في حماس وسرور عظيم. وكان الجلاّدون يقتلون في كلّ يوم تقريبًا واحدًا أو أكثر أو يعذّبونهم، ويذكّرون الباقين بأنّ دورهم سيأتي، وكلّما أتى الجلاّدون ليأخذوا أحد الأصحاب، كان


الذّي ينادون اسمه يرقص طربًا، يقبّل أيدي بهاءالله، ويعانق الباقين من زملائه المؤمنين، ثمّ يسرع بشوق عظيم إلى مكان الاستشهاد.



وأخيرًا، تحقّق أنّ بهاءالله لم يشترك في جريمة الاعتداء على الشّاه، وشهد سفير الرّوس بطهارة أخلاقه([3])، وفضلاً عن ذلك، فقد اشتدّ مرضه لدرجة أنّهم كانوا يظنّون أنّه سيقضي نحبه، ولذلك أمر الشّاه بنفيه إلى العراق، بدلاً من الحكم عليه بالإعدام، فتوجّه بهاءالله بعد أسبوعين إلى تلك البلاد، ورافقته أسرته وعدد من المؤمنين، وفي سفرهم الطّويل في فصل الشّتاء، عانوا قسوة البرد، وغيرها من المصاعب، إلى أن وصلوا بغداد، في حال من الفاقة يرثى لها.



وبمجرّد عودة الصّحة لبهاءالله ابتدأ يعلّم الطّالبين، ويشجّع المؤمنين، وينصحهم، فاستقامت أحوال البابييّن، وشملتهم السّعادة والرّاحة بوقتٍ قصير([4]). إلاّ أنّ هذه الفترة لم يطل أمدها، لأنّ أخ بهاءالله لأبيه، المسمّى بالميرزا يحيى والمعروف بـ (صبح أزل) وصل إلى بغداد، ولم يمض زمن كبير، حتّى ظهرت الاختلافات العدائيّة، الّتي كان هذا الأخ يثيرها سرًّا، وأخذت تتفاقم. وقد سبق حصول مثل هذه الإنشقاقات بين تلامذة السّيد المسيح. وهذه


الاختلافات التّي ازدادت فيما بعد في أدرنة وضوحًا وعنفًا، كانت شديدة الألم لبهاءالله، الذّي كان غرضه في حياته كلّها ترويج الإتّحاد بين أهل العالم.



هجرته مدّة سنتين في الفيافي



وبعد مرور سنة على وروده بغداد، غاب وحيدًا في فيافي السليمانيّة، ولم يأخذ معه سوى بدلة واحدة من الملابس. وقد كتب عن هذه الفترة في كتاب الإيقان:-



"إنّ هذا العبد في أوائل أيّام وروده، في هذه الأرض (بغداد)، لمّا رأى علائم الحوادث المقبلة، اختار المهاجرة قبل وقوعها، وهام في فيافي الفراق. وقضيت سنتين، وحيدًا، في براري الهجر، فجَرَت العبرات من عيوني كالعيون، وسال بحور الدم من قلبي. فكم من ليال لم أجد قوتًا، وكم من أياّم لم أجد للجسد راحةً. ومع كلّ هذه البلايا النّازلة، والرّزايا المتواترة، فو الذّي نفسي بيده، كان كمال السّرور موجودًا ونهاية الفرح مشهودًا، حيث لم يكن عندي خبر من ضرّ أحد أو نفعه وصحتّه أو سقمه. كنت مشغولاً بنفسي، نابذًا ورائي العالم وما فيه، وما كنت أدري أنّ شرك قضاء الله أوسع من ميدان الخيّال، وسهم تقديره مقدّس عن التّدبير. فلا نجاة لأحد من شرك قضاءه، ولا مفرّ له إلاّ بالرّضاء في إرادته. قسمًا بالله، لم يكن عندي نيّة الرّجوع من هذه المهاجرة، ولا أمل في العودة من هذا السّفر.



وكان مقصودي من ذلك – أن لا أكون علّة اختلاف


الأحباب([5])، ولا مصدر انقلاب الأصحاب، وأن لا أكون سببًا في ضرّ أحد، ولا علّةً لحزن قلب. فلم يكن في فكري قصد آخر غير ما ذكرت، ولا أمام نظريّ أمر سواه، ولو أنّ كلّ إنسان قد حمله على غير محمله، وفسّره على حسب أهوائه وميوله. وأخيرًا صبرنا، إلى أن صدر حكم الرّجوع من مصدر الأمر، ولا بدّ من التّسليم له، فرجعنا ولاحظنا بعد الرّجوع ما يعجز القلم عن ذكره. وها قد مضت الآن سنتان والأعداء قائمون بنهاية الجدّ والاهتمام على إهلاك هذا العبد الفاني، كما هو معلوم عند الجميع"([6]).



مقاومة العلماء



وبعد رجوع بهاءالله من هذه العزلة، اشتهر صيته أكثر من قبل، وهرع النّاس إلى بغداد، من القريب والبعيد، ليروه ويسمعوا تعاليمه، واهتم اليهود والنّصارى والزّردشتيون اهتمام المسلمين بالرّسالة الجديدة.



ولكنّ فقهاء المسلمين قاموا على المقاومة، وتآمروا على القضاء عليه، وفي ذات يوم أرسلوا واحدًا منهم لمقابلته وسؤاله بعض الأسئلة فوجد الرّسول أنّ أجوبة بهاءالله مقنعة، وأنّ حكمته مدهشة، لدرجة أنّه اضطّر للاعتراف بأنّ بهاءالله لا يضارعه أحد في العرفان والإدراك. ولأجل أن يقتنع العلماء الذّين أرسلوه


بحقيّة رسالة بهاءالله، سأل هذا الرّسول من أن يظهر له معجزةً لتكون حجةً، فأظهر بهاءالله استعداده لقبول اقتراحه بشروط معيّنة، وصرّح له بأنّ العلماء، لو كانوا يتّفقون على طلب معجزة معيّنة، ويكتبون طلبهم ويختمونه، ويصرّحون فيه أنّهم يؤمنون بصحّة رسالته، ويكفّون عن مقاومته، فإنّه يظهر لهم المطلوب، وإن لم يظهره فإنّه لا يكون على الحقّ. نعم، لو كان غرض العلماء الوصول إلى الحقّ لكانت الفرصة سانحةً لهم إذ ذاك، ولكنّ أغراضهم كانت بعيدة عن ذلك، ومتّجهةً إلى إصدار حكمهم في صالحهم، سواء أكان حقًا أم باطلاً، لأنّهم خافوا من الحقّ، وهربوا من هذا التحدّي الجريء.



وقد دفعهم فشلهم هذا، إلى نصب مكائد جديدةً لإبادة هذه الطّائفة المظلومة، وساعدهم في ذلك القنصل الإيراني العام في بغداد، فأرسل جملة رسائل متتابعة إلى الشّاه، مضمونها أنّ بهاءالله يضرّ بالدّين الإسلامي أكثر من قبل، وأنّ له تأثيرًا سيّئًا في إيران، ولذلك يجب نفيه إلى مكان أبعد.



وكان من حكمة بهاءالله، في هذه الأزمة الحاصلة من اتفاق الحكومة التركيّة مع الحكومة الإيرانيّة وبذلهما جهدًا مشتركًا لاستئصال أمر الله بتحريض من الفقهاء، أنّه بقي هادئًا ساكنًا، يشجّع أتباعه ويرشدهم، ويكتب من كلمات التّسلية والهداية ما لا يبيد ولا يفنى على ممَر الدّهور.



وقد قصّ عبدالبهاء كيف كتب بهاءالله "الكلمات المكنونة" في ذلك الوقت، فقال بأنّ بهاءالله كان يذهب للنزهة على شاطئ


دجلة، ثمّ يعود وهو فرحان جذل، فيكتب هذه اللئالئ الوجدانيّة، وفيها النصّائح الحكيمة التّي كانت عونًا وشفاءً لألوف القلوب الجريحة المتألّمة. ولم يكن يوجد من " الكلمات المكنونة" سوى بضع نسخ لمّدة سنوات عديدة، وكان من الضّروري سترها بكلّ احتراس، لئلا تقع في أيدي الأعداء الذّين كثروا هناك، ولكن هذا المجلّد الصّغير أصبح الآن يتلى في كلّ جهة من جهات المعمورة.



أمّا "كتاب الإيقان" فهو كذلك من الكتب الشّهيرة التّي كتبها بهاءالله في نفس الوقت، قبيل انتهاء إقامته في بغداد بين سنتي 1862 و1863.



إعلان الدّعوة في الرّضوان في ضواحي بغداد



صدر أمر الحكومة التركيّة باستدعاء بهاءالله إلى الآستانة([7]) بناءً على طلب الحكومة الإيرانيّة، بعد مفاوضات كثيرة معها، ولمّا وصلت هذه الأخبار، وقع أحبّاؤه في اضطّراب، وحاصرت الدّولة منزل مولاهم المحبوب، لدرجة أنّ أسرته اتخذت حديقة نجيب باشا خارج المدينة مقرًّا لها مدّة اثني عشر يومًا، ريثما تتجهز القافلة للسّفر الطويل.



وفي اليوم الأوّل من هذه الإثني عشر يومًا (من 22 إبريل (نيسان) على 3 مايو (أيّار) سنة 1863) أي في السّنة التّاسعة عشرة بعد إعلان بعثة الباب، أعلن بهاءالله للعديد من أتباعه البشارة بأنّه هو الموعود الذّي أخبر بظهوره الباب، وأنّه هو المختار الذّي


اختاره الله والموعود الذّي أخبرت بمجيئه جميع رسل الله. وقد عرفت تلك الحديقة التّي أعلنت فيها هذه الدّعوة الشّهيرة بحديقة الرّضوان، وخلّدت ذكرى الأيّام التّي صرفها بهاءالله فيها بـ (عيد الرّضوان) الذّي يحتفل به البهائيّون سنويًا مدّة اثني عشر يومًا.



وفي أثناء تلك الأيّام، أظهر بهاءالله أعظم الفرح والرّفعة والقوّة بدلاً من الحزن والغم، وازداد أتباعه حماسًا وسرورًا، وجاءت الجموع الكثيرة لتقدّم له احترامها وإجلالها، وحضرت جميع شخصيّات بغداد، حتّى الوالي نفسه، لتكريم ذلكم السّجين قبيل رحيله.



اسطنبول وأدرنة



دام السّفر إلى اسطنبول بين ثلاثة أشهر وأربعة أشهر. ولمّا وصلت الجماعة المؤلّفة من بهاءالله وعدد من أفراد عائلته وستّ وعشرين من أصحابه إلى اسطنبول، وجدوا انفسهم مسجونين في منزل صغير ازدحم بهم. وأخيرًا نقلوا إلى مكان أوسع قليلاً، ولكنّهم بعد أربعة أشهر رحِّلوا إلى أدرنة، وهذا السّفر إلى أدرنة، ولو أنّه دام بضعة أيّام، لكنّه كان أفظع سفر قاسوه حتّى ذلك الوقت، فقد سقط الثّلج عليهم بشدّة طيلة تلك الأيّام، ولم يكن لديهم طعام ولا ألبسة كافية، فتضاعفت آلامهم لذلك. وفي مدّة الشّتاء الأوّل، أسكن بهاءالله وأسرته البالغين اثني عشر نفرًا في منزل صغير مكوّن من ثلاث غرف، ليست فيها أسباب الرّاحة، ومليئة بالحشرات وغيرها ولماّ جاء الرّبيع، نقلوهم إلى مكان أوسع. ومكثوا في أدرنة ما يزيد على أربع سنوات ونصف.


وهنا استأنف بهاءالله تعليمه، وجمع حوله العديدين، وأعلن دعوته جهارًا، فتحمّس لها معظم البابيّين، وعرفوا منذ ذلك الحين باسم " البهائيّين". ولم تتخلّف إلاّ أقليّة، اتّبعت الميرزا يحيى (صبح أزل)، الأخ غير الشّقيق لبهاءالله، وناصبتهُ العداء الشّديد، وانضمّت على الأعداء السّابقين من الشّيعة وتآمرت على القضاء عليه. وأعقب ذلك جملة صعوبات، وأخيرًا قامت الحكومة التركية بنفي البهائيّين والبابيّين من أدرنة، فنفت بهاءالله وأتباعه إلى عكّا في فلسطين حيث وصلوها، حسب تاريخ النبيل([8]) في 31 أغسطس (آب) سنة 1868، بينما نفت الميرزا يحيى وجماعته إلى قبرص.



رسائله للملوك



في ذلك الوقت كتب بهاءالله سلسلة رسائله الشّهيرة، إلى سلطان تركيا، وإلى العديد من ملوك الأرض المتوّجين، وإلى "البابا" وإلى شاه إيران. وخاطب في الكتاب الأقدس فيما بعد ملوكًا آخرين، كما خاطب حكّام أمريكا ورؤساءها، ورجال الدّين عامّةً، بالإضافة إلى عموم بني الإنسان معلنًا وداعيًا إياهم إلى أن يوجّهوا جهودهم نحو تأسيس الدّين الحقيقي والحكم العادل والسّلام العالميّ. وفي رسالته إلى الشّاه، دافع بقوّة عن أمر البابيين


المظلومين، وطلب منه أن يجمعه مع العلماء الذّين حرّضوه على اضطهاده وجهًا لوجه. ولا حاجة إلى القول بأنّ هذا الطّلب لم ينل الاستجابة، كما أنّ "بديع" ذلك الشّاب البهائيّ المخلص الذّي سلّم بيده الشّاه رسالة بهاءالله قد أُلقي القبض عليه، وعذّب تعذيبًا بالكيّ، وبالآجر([9]) المشوي على لحمه، وهكذا تجرّع كأس الشّهادة!



وفي هذه الرّسالة ذاتها يقصّ بهاءالله، بعبارة مؤثّرة، آلامه وآماله، فيقول بالنص:



"يا مَلِك! قد رأيت في سبيل الله ما لا رأت عين ولا سمعت أذن. قد أنكرني المعارف، وضاق عليَّ المخارف. قد نضب ضحضاح السّلامة، واصفرّ ضحضاح الرّاحة. كم من البلايا نزلت، وكم منها سوف تنزل، امشي مقبلاً إلى العزيز الوهّاب، وعن ورائي تنساب الحباب. قد استهّل مدمعي إلى أن بلَّ مضجعي، وليس حزني لنفسي – تالله رأسي يشتاق الرّماح في حبّ مولاه، وما مررت على شجر، إلاّ وقد خاطبه فؤادي: (يا ليت قطّعت لاسمي وصلب عليك جسدي في سبيل ربّي) – بل بما أرى النّاس في سكرتهم يعمهون ولا يعرفون. رفعوا أهوائهم، ووضعوا إلۤههم، كأنّهم اتخذوا أمر الله هزوًا ولهوا ولعبًا، ويحسبون أنّهم محسنون، وفي حصن الأمان هم محصّنون، ليس الأمر كما يظنّون، غدًا يرون ما ينكرون. فسوف يخرجنا أولو الحكم والغنى من هذه الأرض التّي سميّت بأدرنة إلى مدينة عكّا. وممّا يحكون، أنها أخرب مدن


الدّنيا، وأقبحها صورةً وأردأها هواءً وأنتنها ماءً، كأنّها دار حكومة الصّدى، لا يسمع من أرجائها إلا صوت ترجيعه. وأرادوا أن يحبسوا الغلام فيها، ويسدّوا على وجوهنا أبواب الرّخاء ويصدّوا عنّا عرض الحيوة الدّنيا فيما غبر من أيّامنا. تالله لو ينهكني اللّغب، ويهلكني السّغب، ويجعل فراشي من الصّخرة الصّماء ومؤانسي وحوش العراء، لا أجزع، وأصبر، كما صبر أولو الحزم، وأصحاب العزم، بحول الله مالك القدم وخالق الأمم. وأشكر الله على كلّ الأحوال، ونرجو من كرمه تعالى بهذا الحبس يعتق الرّقاب من السّلاسل والأغلال، ويجعل الوجوه خالصةً لوجهه العزيز الوهّاب، إنّه مجيب لمن دعاه، وقريب لمن ناجاه. ونسأله أن يجعل هذا البلاء الأدهم درعًا لهيكل أمره، وبه يحفظه من سيوف شاحذة، وقضب نافذة. لم يزل بالبلاء علا أمره، وسنا ذكره، هذا من سنّته قد خلت في القرون الخالية والأعصار الماضية".



سجن عكّا



كانت عكّا في ذلك الوقت مدينة السّجون، وكان يسجن فيها كبار المجرمين الذّين يرسلون إليها من جميع أنحاء الإمبراطوريّة العثمانيّة. وقد حبس بهاءالله وأتباعه عند وصولهم إليها في القلعة العسكريّة، بعد سفرتهم البحريّة المزرية، وكانوا حوالي ثمانين إلى أربع وثمانين من الرّجال والنّساء والأطفال، وكان المكان قذرًا موحشًا للغاية، ولم يكن عندهم فراش، ولا أسباب للرّاحة من أيّ نوع كانت، وكان الطّعام الذّي يقدّم لهم رديئًا وغير كاف، إلى درجة التمس المحبوسون بعد مدّة قليلة السّماح لهم بشراء الطّعام


لأنفسهم، وكان الأطفال يبكون على الدوام في الأيّام الأولى، وكاد النّوم يكون مستحيلاً. ولم يلبثوا أن تفشّت بينهم الملاريا والزّحار وغيرها من الأمراض، حتّى وقعوا جميعًا فريسةً للمرض عدا شخصين، وقد توفي منهم ثلاثة من المرضى، أمّا آلام الذّين بقوا أحياء فقد كانت خارجةً عن الوصف([10]).



واستمرّ هذا الحبس الشّديد مدّة سنتين، وفي أثنائه لم يسمح لأحد من البهائيّين بالخروج خارج باب السّجن، سوى لأربعة أنفار كانوا يخرجون يوميًا لشراء الطّعام تحت الحراسة المشدّدة.



وفي أثناء الحبس في القلعة، كان الزّائرون ممنوعين منعًا باتًا من الزّيارة، ولم يؤذن للعديد من البهائيّين الذّين حضروا من إيران مشيًا على الأقدام من أجل لقاء مولاهم المحبوب أن يدخلوا جدران مدينة السّجن، فكانوا يذهبون إلى مكان فوق السّهل خارج الخندق الثّالث، ومنه كانوا يتمكّنون من رؤية نوافذ مسكن بهاءالله في القلعة، وكان بهاءالله يظهر لهم من إحدى النّوافذ، فكانوا بعد النّظر إليه يبكون، ثمّ يعودون إلى بلادهم، وهم في حماس واشتعال جديد من أجل الخدمة والفداء.


تخفيف القيود



وأخيرًا تخفّف السّجن. فقد جرى تجنيد جيوش تركيّة واحتاجت الحكومة إلى القلعة العسكريّة للجنود، وبناءً على ذلك نقلوا بهاءالله وأسرته إلى منزل منفرد لهم، وأسكنوا باقي الجماعة في خان في المدينة، وفي هذا المنزل، حبس بهاءالله سبع سنوات أخرى في غرفة صغيرة، وسكن في الغرفة المجاورة أفراد أسرته، وكان عددهم ثلاثة عشر شخصًا رجالاً ونساءً وأطفالاً، وكان عليهم أن يرتّبوا أنفسهم فيها على قدر استطاعتهم! وفي أوائل أيّام سكناهم، كانوا يقاسون ضيق المسكن، وفقدان وسائل الرّاحة، وقلّة الطّعام، وعدم وجود أسباب العيش الاعتياديّة، إلاّ أنّهم بعد قليل، تمكّنوا من العيش براحة نسبيًّا، عندما أضيفت إلى منزلهم غرف أخرى. ومنذ ترك بهاءالله وأصحابه القلعة سمح للزّائرين بمقابلتهم، وابتدأت القيود والموانع التّي أوجبت الفرامين العمل بها تزول تدريجيًّا، ولو أنّها كانت في بعض الأحيان تعود إلى شدّتها الأولى.



فتح أبواب السّجن



كان ثبات البهائبّبن وقت اشتداد السّجن لا يتزعزع، ولم يضطربوا مطلقًا. وحينما كانوا مسجونين في القلعة العسكريّة في عكّا، كتب بهاءالله إلى بعض أحبائه ما ترجمته:-



"لا تضطربوا، فإنّ الأبواب ستفتح، ويرتفع خبائي فوق جبل الكرمل، ويتحقّق الفرح الأعظم".


فكان هذا التّصريح مصدر سلوى عظيمة لأتباعه. وبالفعل لم يمض إلاّ القليل، حتّى تحقق هذا الوعد. وقد حكى عبدالبهاء قصّة فتح أبواب السّجن بأبدع عبارات ترجمها حفيده الأكبر شوقي أفندي([11]) للإنكليزيّة وفيما يلي تعريبها:-



"كان بهاءالله يحبّ جمال الأرياف وخضرتها. وفي ذات يوم لمّح إليّ متفضلاً: "إنّني لم أنظر خضرةً منذ تسع سنوات، فالأرياف من عالم الرّوح والمدينة من عالم الأجساد". فلمّا سمعت ذلك منه علمت من لحن القول أنّه يشتاق إلى التّوجه للريف وكنت متأكّدًا من أنّ كلّ ما أعمله تنفيذًا لرغبته يكون ناجحًا.



"وكان هناك في عكّا في ذلك الوقت رجل معاد لنا يدعى محمّد صفوت باشا، وكان له قصر يسمّى (المزرعة) على بعد أربعة أميال شمالي المدينة، وهو محل جميل تحفّه الحدائق وبه نهر ماء جار. فذهبت لزيارة هذا الباشا في منزله، وقلت له: "يا باشا إنّك تركت القصر، وسكنت في عكّا. " فقال: "إنّني عليل، ولا أقدر على ترك المدينة، وإذا ذهبت هناك استوحشت للإخوان". فقلت له: "ما دمت لا تسكن هناك، وما دام المكان خاليًا، فأجّره لنا". فلمّا سمع ذلك الاقتراح، استغرب، ولكنّه سرعان ما وافق. فاستأجرت المنزل منه بإيجار بسيط جدًا، أي بخمسِ جنيهات سنويًا، ودفعت له إيجار خمس سنوات مقدّمًا، وتعاقدت معه بعقد، وأرسلت


عمّالاً لترميم المنزل وإصلاح الحديقة وبناء حمّام، ثمّ أعددت عربة لنقل الجمال المبارك([12]).



"وفي ذات يوم، ذهبت لرؤية المحل بنفسي. ورغمًا عمّا ورد في الفرامين المتعدّدة من الأوامر المتكرّرة بأنّنا لا يمكننا أن نتعدّى حدود أسوار المدينة بأيّ حال من الأحوال، فإنّي تمّشيت خارج باب المدينة، وكان الحرّاس من الجنود على الباب، ولكنّهم لم يعارضوني في شيء. فذهبت توًا إلى القصر. وفي اليوم الثّاني ذهبت مرّة أخرى مع بعض الأحبّاء والموظّفين دون أن يعارضنا أحد أو يعترض سبيلنا معترض مع أنّ الحرّاس والخفراء كانوا واقفين على جانبي أبواب المدينة. وفي يوم آخر أولمت وليمةً وأعددت مائدةً تحت أشجار الصّنوبر في البهجة([13]). وجمعت حولها موّظفي البلدة وأعيانها، ثمّ رجعنا إلى البلدة جميعًا في المساء.



"وفي ذات يوم، ذهبت إلى حضور الجمال المبارك وقلت: "إنّ قصر المزرعة قد أعدّ لأجلكم، وأعدّت عربةً لانتقالكم إليه" (ولم تكن في عكّا وحيفا حينذاك عربات) فرفض الذّهاب متفضلاً: "إنّني سجين". وبعد مدّة عرضت عليه ذلك ثانيةً إلاّ أنني سمعت نفس الجواب، ثمّ ذهبت إلى أبعد من ذلك فسألته للمرّة الثّالثة ولكنّه عاد فتفضّل: "لا" فلم أتجاسر بعدها على الإلحاح أبعد من ذلك.



"وكان هناك قي عكّا شيخ مسلم مرموق الجانب كان يحبّ بهاءالله كما كان بهاءالله يحبّه، فاستدعيت هذا الشّيخ، وشرحت


له الموقف، وقلت له: "إنّك جسورٌ فاذهب الليلة إلى محضره الأقدس، واركع أمامه، وخذ بيده المباركة، ولا تتركها، حتّى يعدك أن يترك المدينة". وكان هذا الشّيخ عربيًّا. فذهب توًا إلى بهاءالله وركع أمامه، وأخذ بيد الجمال المبارك وقبّلها وقال: "لماذا لا تترك المدينة؟" فأجابه: "إنّني سجين". فقال الشّيخ: "لا سمح الله! ومن ذا الذّي يستطيع أن يسجنك؟ أنت الذّي أبقيت نفسك في السّجن، وتلك كانت إرادتك أن تكون سجينًا، والآن أرجوك أن تخرج وتذهب إلى القصر، فإنّه جميل في خضرته، وفيه الأشجار البديعة، وكأنّ البرتقال فيه كراتٌ من النّار". وكلّما تفضّل الجمال المبارك: "إنّ هذا غير ممكن، لأنّي سجين"، كان الشّيخ يأخذ بيده ويقبّلها، واستمّر يتضرع ساعةً كاملةً، وأخيرًا تفضّل بهاءالله: "حسن جدًا"، وبهذه الإجابة كوفئ الشّيخ لصبره وثباته. وجاءني بفرحٍ عظيم، ليبشّرني بقبول حضرته. ورغمًا عن وجود فرمان السّلطان عبد العزيز الذّي منع لقائي بالجمال المبارك أو الاتّصال به، فإنّي أخذت العربة في اليوم التّالي، وذهبنا إلى قصر المزرعة. ولم يعترض علينا أيّ إنسان، وتركت حضرته هناك، ورجعت وحدي إلى المدينة.



"ومكث حضرته في ذلك المكان السّاحر البديع مدّة سنتين. ثمّ عزمنا على الانتقال إلى مكان آخر في "البهجة"، وكان قد حدث وباء في "البهجة" فهرب صاحب القصر وجميع أفراد أسرته مذعورين، ووافق على إعطاء القصر مجانًا إلى أيّ طالب، فأخذنا القصر بإيجار زهيد جدًا. وهناك فتحت أبواب العظمة والسّلطنة


الحقيقيّة على مصاريعها.



"وكان بهاءالله سجينًا اسميًّا (لأنّ فرامين السّلطان عبد العزيز لم تلغ مطلقًا)، إلاّ أنّه كان في الواقع ذا حشمةٍ ووقار ظاهرين في هيأته وفي حياته وأحواله، وكان محترمًا من الجميع، حتّى أنّ حكّام فلسطين، كانوا يغبطونه على نفوذه وهيبته. وكان الحكّام، والمحافظون، وقادة الجيش، والموظّفون المحليّون يلتمسون التّشرّف بلقائه، لكنّه كان لا يأذن إلا قليلاً، وذات مرةٍ، تضرّع حاكم المدينة للتّشرّف، مدّعيًا أنّه أمر من السّلطات العالية بزيارة الجمال المبارك مع أحد قادة الجيش، فأجيب طلبه، وكان القائد، وهو أوروبيّ سمين، قد تأثّر جدًا من عظمة محضر بهاءالله، حتّى أنّه استمرّ راكعًا على الأرض بالقرب من الباب. وكان تهيّب الزائرين شديدًا لدرجة أنّهما لم يشربا الأركيلة التّي قدّمت لهما، إلاّ بعد تكرار الطّلب من بهاءالله. وعندئذٍ وضعاها على شفاههما فقط، ثمّ تركاها جانبًا، وطويا ذراعيهما، ووضعا أيديهما على صدريهما، وجلسا بغاية الخضوع، بدرجة أدهشت جميع الحاضرين.



"وكان إجلال الأحباء ومحبّتهم له، واحترام الموظّفين والأعيان، وتوافد الزّائرين والقصّاد من طلاّب الحقيقة، وروح الإخلاص والخدمة التّي تحفّ به، وسيماء الجمال المبارك الملوكيّ وجلال وجهه، ونفوذ أمره، وكثرة المخلصين المفدين الملتفّين حوله – كلّها شهود ناطقة بأنّ بهاءالله لم يكن في الحقيقة سجينًا بل كان ملك الملوك.


"فقد قام ضدّه سلطانان مستبدّان، كانا حاكمين ظالمين، قويّين، ومع ذلك خاطبهما بعبارات صارمة، وهو مقيم في سجنهما، كملك يخاطب رعاياه. وكان يعيش في (البهجة) كأمير، رغمًا عن الفرامين الشّديدة بالسّجن. وكان كثيرًا ما يقول: "حقًا إنّ أتعس السّجون قد انقلب إلى جنّات عدن". وفي الحقيقة، لم تر عينٌ شبيهًا لهذا منذ أن خلق العالم".



حياته في البهجة



وكما أظهر بهاءالله في أيّام المصاعب الأولى كيف يمجّد الله في حال الفقر والذّلة، فإنّه أظهر في أيّامه في (البهجة) كيف يمجّد الله في حال العزّة والقدرة. وكانت هبات مئات الألوف من أتباعه المخلصين قد وضعت تحت تصرّفه مبالغ من المال كبيرة، كان عليه أن يدبّرها. ومع أنّ حياته في (البهجة) كانت موصوفةً بأنّها ملكيّة بكلّ معنى الكلمة، إلا أنّها لم تتميّز بطابع البهرجة الماديّة أو التّرف والتّبذير، بل على العكس من ذلك، عاش الجمال المبارك وأفراد عائلته في حالة بساطة واحتشام، ولم يعرف في بيته شيء من الكماليّات الأنانيّة.



وقد أعدّ أحباؤه حديقةً جميلةً بالقرب من مسكنه في (البهجة) كانت تدعى بـ "الرّضوان" فكان يصرف فيها أيّامًا متتاليةً أو أسابيع، وينام ليلاً في كوخ صغير في الحديقة، وأحيانًا كان يتنزّه في الحقول.



وقد زار عكّا وحيفا مرارًا، وفي مرة أو أكثر، نصب خيامه على جبل الكرمل، كما تنبّأ بذلك حينما كان سجينًا في قلعة عكّاء


العسكريّة. وكان بهاءالله يصرف أغلب وقته في التبتّل والتأمّل، وفي كتابة الكتب المقدّسة، وفي إنزال الألواح، وفي تربية الأحبّاء تربية روحانيّة.



ولأجل أن يتفرّغ لهذا العمل العظيم تفرّغًا كاملاً، أخذ عبدالبهاء على عاتقه ترتيب جميع الشّؤون الأخرى: كمقابلة العلماء والشّعراء ورجال الحكومة. وكان هؤلاء جميعًا سعداء بلقاء عبدالبهاء وممتنّين من بياناته ومحادثاته. ومع أنّهم لم يقابلوا بهاءالله نفسه، فإنّهم كانوا يمتلؤون محبّةً له، بسبب تعرّفهم بنجله، لأنّ هيئة عبدالبهاء عرّفتهم مقام والده.



وقد دوّن المستشرق الشّهير إدوارد براون البروفسور في كليّة كمبردج خاطراته التّالية عن زيارته بهاءالله في البهجة سنة 1890:-



"انتظر دليلي لحظة من الزّمن ريثما خلعت حذائي، وبحركة سريعة من يده سحب ستارةً، وبمروري من الباب أعادها، فوجدت نفسي في غرفةٍ كبيرةٍ، في صدرها امتدت أريكةً منخفضةً، ووضع في مقابل الباب كرسيّان أو ثلاثة كراسي. وإنّي وإن كنت متصوّرًا تصوّرًا مبهمًا المكان الذّي أنا ذاهب إليه، ومن أنا قادم لرؤيته، إذ لم تعطَ لي إيماءةً واضحةً حول ذلك، إلاّ أنّه قد مرّت ثانية أو ثانيتان من الزّمن، وأخذتني الرّهبة والذّهول، قبل أن أعرف معرفةً تامةً بوجود من فيها، وحانت منّي التفاتةً إلى الرّكن. وحيث تلتقي الأريكة بالجدار، كان يجلس هيكلٌ عظيمٌ، تعلوه المهابة والوقار، وتتوّج رأسه قلنسوة من الصّوف، من النّوع المسمّى عند الدراويش


"بالتّاج"، تمتاز بطولها، وحول أسفل "التّاج" عمامة بيضاء صغيرة.



"وإنّما الوجه الذّي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النّافذة التّي تقرأ روح الشّخص. وتعلو جبينه الوضّاح العريض القدرة والجلال، بينما أسارير وجهه وجبهته تنمّ عن عمرٍ لا يصدّقه الشّعر الأسود القاتم، مع لحيةٍ كانت تتماوج بوفرة مألوفة لغاية وسطه، فلم أكُ إذ ذاك في حاجة للسّؤال عن الشّخص الذّي امتثلت في حضوره، ووجدت نفسي منحنيًا، أمام من هو محطّ الولاء والمحبّة التّي يحسده عليها الملوك، وتتحسّر لنوالها عبثًا الأباطرة! وسمعت صوتًا هادئًا يأمرني بالجلوس، ثمّ استمرّ يقول:



(الحمد لله إذ وصلت،.. جئت لترى مسجونًا ومنفيًّا... نحن لا نريد إلاّ إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقّين للحبس والنّفي... فأيّ ضرر في أن يتّحد العالم على دينٍ واحدٍ وأن يكون الجميع إخوانًا، وأن تستحكم روابط المحبّة والإتّحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينيّة وتمحى الاختلافات العرقيّة؟... ولا بدّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي "الصّلح الأعظم"... ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروبّا أيضًا؟ أليس ذلك ما تنبّأ به السّيد المسيح؟... ومع ذلك فإنّا نرى ملوككم وحكّامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشريّ، بدلاً من إنفاقها على ما يؤدّي إلى سعادته،... ولا بدّ من زوال هذه المشاحنات والبغضاء وهذا


السّفك للدّماء وهذا الاختلاف، حتّى يكون جميع النّاس جنسًا واحدًا وأسرةً واحدةً... فلا يفتخر الإنسان أنّه يحبّ وطنه، بل يفتخر بأنّه يحبّ جنسه..)



"هذه كانت على ما أتذكر بعض الكلمات التّي سمعتها من بهاءالله مع غيرها من الكلمات، فلينظر الذّين يقرأونها، وليحكموا بأنفسهم هل هذه الآراء تستحق القتل والسّجن؟ وهل ينتفع العالم بانتشارها أم يخسر؟"([14])



الصّعود



وهكذا قضى بهاءالله أواخر أيّامه على الأرض بكلّ بساطة وهدوء، وبعد إصابته بالحمّى، صعد في 29 مايو (أيّار) 1892، في الخامسة والسّبعين من العمر.



وكانت وصيّته المعروفة بـ "كتاب عهدي" من الألواح الأخيرة التّي نزلت، وكتبت بخطه، وأمضاها وختمها. وقد فضّ ختمها بعد مضيّ تسعة أيّام من صعوده، بيد نجله الأكبر، بحضور أعضاء أسرته وبعض الأصحاب، فاتّضحت مضامين تلكم الوثيقة الشّهيرة.



وبمقتضى هذه الوصيّة، أصبح عبدالبهاء مركز عهد بهاءالله وميثاقه ومبيّنًا لتعاليمه. وقد أمر بهاءالله أسرته وأقرباءه وجميع المؤمنين بالتوّجه إليه وبإطاعته.



وبهذا التّرتيب امتنع ظهور الانقسامات المذهبيّة في الدّين البهائيّ، وضمنت وحدة الأمر الإلهيّ ضمانًا كاملاً.





([1]) الرّش بارود مع صغار الحديد.


([2]) ما بين القوسين [ ] عربي بالنّص.


([3]) كان بهاءالله ضيفًا في دار صهره الموظف في السفارة حين إلقاء القبض عليه فشهد هذا ببراءة ضيفه أمام السفير والتمس منه انقاذه.


([4]) كان ذلك في أوائل سنة 1853 وهي السّنة التّاسعة من بعثة الباب وهكذا تمّت نبوّات الباب الخاصّة "بسنة التّسع".


([5]) الأحباب أو الأحبّاء اسم يخاطب به البهائيّون بعضهم بعضًا رمزًا للمحبّة والوداد بينهم.


([6]) الإيقان - التّرجمة العربيّة – الصّفحات: 199 – 201 – مطبعة البيان – بيروت.


([7]) الآستانة اسم مدينة اسطنبول في العهد العثماني.


(1) النّبيل الأعظم لقب للشيخ محمّد الزّرندي مؤلّف (مطالع الأنوار) في تاريخ الأيّام الأولى للظهور البهائيّ وكان قد شارك بصورة فعليّة في العديد من الأحداث التّي يصفها في تاريخه وكانت له معرفة شخصيّة واتصّال بكثير من المؤمنين الأوائل.


([9]) القرميد.


([10]) ومن أجل دفن اثنين من هؤلاء الأصحاب اللذّين توفيا في القلعة العسكريّة أعطى بهاءالله الحراس سجادته الخاصّة، ليبيعوها، ويدفنوا بثمنها هذين المؤمنين، لكنّ الحرّاس أخذوا السّجادة، وأدخلوا الجسدين في حفرة حفروها لهما في الأرض.


(1) شوقي أفندي أصبح بعد صعود عبدالبهاء وليًّا للأمر البهائيّ بموجب وصيّته منذ سنة 1921 إلى صعوده سنة 1957.


([12]) الجمال المبارك لقب من ألقاب بهاءالله.


([13]) تُلفظ (البهجي) وتكتب (البهجة).


([14]) مترجم من مقدّمة كتاب مقالة سائح.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
رسالة بهاءالله



من المهم أن نكوّن لأنفسنا فكرةً واضحةً عن رسالة بهاءالله، فإنّ أقواله مثل أقوال سائر المظاهر الإلهيّة، تنقسم إلى قسمين، ففي أحدهما يتكلّم أو يكتب كبشر أمر من الله برسالة للنّاس، بينما في القسم الآخر تفيد كلماته بأنّها صادرةً رأسًا عن الله ذاته، فقد كتب في كتاب الإيقان:-



"إنّ للشّموس المشرقة من المشارق الإلهيّة مقامين، أحدهما مقام التّوحيد ورتبة التّفريد كما سبقت الإشارة إليه من قبل "لا نفرّق بين أحد منهم"([1])، وثانيهما مقام التّفصيل ومقام عالم الخلق ورتبة الحدودات البشريّة، ففي هذا المقام لكلّ واحد منهم هيكل معيّن، وأمر مقرّر، وظهور مقدّر، وحدود مخصوصة. بمثل ما إن كلّ واحد منهم موسوم باسم، وموصوف بوصف، ومأمور بأمر بديع، وشرع جديد، كما يقول "تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض، منهم من كلّم الله، ورفع بعضهم درجات، وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات، وأيدناه بروح القدس"([2]).



"وبالنّظر لاختلاف هذه المراتب والمقامات، تظهر بيانات وكلمات مختلفة، من تلك الينابيع للعلوم السّبحانيّة، وإلاّ فإنّها في الحقيقة، تعتبر جميعها لدى العارفين بمعضلات المسائل الإلهيّة في حكم كلمة واحدة. ولمّا لم يطّلع أكثر النّاس على المقامات


المذكورة، لهذا يضطربون، ويتزلزلون من الكلمات المختلفة الصّادرة من تلك الهياكل المتّحدة.



"إذن أصبح معلومًا أزلاً وأبدًا، أنّ جميع هذه الاختلافات في الكلمات، هي من اختلافات المقامات. ولهذا أطلقت، ولا تزال تطلق، على جواهر الوجود هؤلاء، في مقام التّوحيد وعلوّ التّجريد، صفات الرّبوبيّة، والإلوهيّة، والأحديّة الصّرفة، والهويّة البحتة، لأنّ جميعهم جالسون على عرش ظهور الله، ومستقرّون على كرسيّ المكنونات الربانيّة، أعني أنّ ظهور الله ظاهر بظهورهم، وجمال الله مشرق من وجوههم، لهذا قد ظهرت نغمات الرّبوبيّة من هذه الهياكل الأحديّة، ولكن في المقام الثّاني الذّي هو مقام التّمييز، والتّفصيل والتّحديد، ومقام الإشارات، والدّلالات الملكيّة، تظهر منهم العبوديّة الصّرفة، والفقر البحت، والفناء البات كما يقول: "إنّي عبد الله"، "وما أنا إلاّ بشر مثلكم"...



"وإذا ما سمع من المظاهر الجامعة "إنّي أنا الله"، فهو حق ولا ريب فيه، إذ قد ثبت مرارًا أنّ بظهورهم، وبصفاتهم، وبأسمائهم يظهر في الأرض، ظهور الله، واسم الله، وصفة الله، ولهذا يقول: "وما رميت إذ رميت، ولكنّ الله رمى"([3]) وكذلك يقول: "إنّ الذين يبايعونك، إنّما يبايعون الله".([4])



"وإذا ما تغنّوا بنغمة: "إنّي رسول الله"، فإنّه أيضًا صحيح ولا


شكّ فيه، كما يقول: "ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله"([5]). وفي هذا المقام هم جميعًا مرسلون من لدن ذلك السلطان الحقيقي والكينونة الأزليّة. وإذا ما نادى كلّ واحد منهم بنداء: "أنا خاتم النبيّين"، فهو أيضًا حق ولا سبيل إلى الرّيب فيه، ولا طريق إلى الشّبهة. لأنّ الجميع حكمهم حكم ذات واحدة، ونفس واحدة، وروح واحدة، وجسد واحد، وأمر واحد. وكلّهم مظهر البدئيّة والختميّة، والأوليّة والآخريّة، والظاهريّة والباطنيّة، لروح الأرواح الحقيقي، وساذج السواذج الأزلي. ولو يقولون: "نحن عباد الله" فإنّ هذا أيضًا ثابت وظاهر، حيث قد ظهروا في الظّاهر، بمنتهى رتبة العبوديّة، تلك العبوديّة التّي لا يستطيع أحد في الإمكان أن يظهر بنحو منها.



"وكذلك قد ظهرت أذكار الرّبوبيّة والإلوهيّة من جواهر الوجود هؤلاء، في حين استغراقهم في بحار القدس الصّمديّ، وارتقائهم إلى معارج المعاني للسّلطان الحقيقيّ. وإذا ما نظر بعين التدقيق، يرى أنّهم في هذه الرّتبة قد اعتبروا أنفسهم في منتهى العدم والفناء، أمام الوجود المطلق، والبقاء الصّرف، حتّى كأنّهم عدّوا أنفسهم عدمًا صرفًا، وجعلوا ذكرهم في تلك السّاحة شركًا. لأنّ مطلق الذّكر في هذا المقام، دليلٌ على عدم الوجود والبقاء. وإنّ هذا لخطأ كبير عند الواصلين...



"والخلاصة، أنّه بالنّظر إلى هذا المقام، قد ظهر منهم ذكر


الرّبوبيّة وأمثالها. وفي مقام الرّسالة، اظهروا الرسالة، وهكذا في كل مقام جاؤوا بذكر حسب اقتضائه، ونسبوا كلّ هذه الأذكار إلى أنفسهم، فهي أذكار من عالم الأمر إلى عالم الخلق، ومن عوالم الرّبوبيّة إلى العوالم الملكيّة، لهذا فمهما يقولون، ومهما يذكرون، من الإلوهيّة والرّبوبيّة، والنّبوّة والرّسالة، والولاية والإمامة والعبوديّة كلّه حق ولا شبهة فيه"([6]).



وعندما يتكلّم بهاءالله كإنسان، فإنّ المقام الذّي يدّعيه لنفسه هو التّواضع التام و"الفناء في الله"، فالأمر الذّي يميّز المظهر في شخصيّته البشريّة عن باقي البشر، إنّما هو إنكار ذاته إنكارًا تامًا وقدرته الكاملة كذلك. ففي جميع الأحوال، يمكنه أن يقول كما قال المسيح في جبل الزّيتون([7]) في موضع جثسيماني: "ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت"([8]) كما قال بهاءالله في رسالته إلى الشّاه بالنّص:



"يا سلطان، إنّي كنت كأحدٍ من العباد، وراقدًا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السّبحان، وعلّمني علم ما كان، ليس هذا من عندي، بل من لدن عزيز عليم. وأمرني بالنّداء، بين الأرض والسّماء، بذلك ورد عليّ ما تذرّفت به عيون العارفين. ما قرأت ما عند النّاس من العلوم، وما دخلت المدارس، فاسأل المدينة التّي


كنت فيها، لتوقن بأنّي لست من الكاذبين. هذا ورقة حرّكتها أرياح مشيّة ربّك العزيز الحميد، هل لها استقرار عند هبوب أرياح عاصفات؟ لا ومالك الأسماء والصّفات، بل تحرّكها كيف تريد. ليس للعدم وجود تلقاء القدم. قد جاء أمره المبرم، وأنطقني بذكره بين العالمين. إنّي لم أكن إلاّ كالميّت تلقاء أمره، قلّبتني يد إرادة ربّك الرّحمن الرّحيم. هل يقدر أحد أن يتكلّم من تلقاء نفسه، بما يعترض به عليه العباد، من كلّ وضيع وشريف؟ لا فوالذّي علّم القلم أسرار القدم، إلاّ من كان مؤيّدًا من لدن مقتدر قدير."



وكما غسل السّيد المسيح أرجل التّلاميذ، فكذلك بهاءالله كان أحيانًا يهيئ الطّعام بنفسه، ويخدم أحبّاءه، ولا يفتخر إلاّ في عبوديّته، وكان يقنع بالنّوم على الأرض من غير سرير، إذا لزم ذلك، ويعيش على الخبز والماء، وأحيانًا على ما يدعى "بالغذاء الإلهيّ، أي الجوع". ويظهر تواضعه التّام من احترامه للطبيعة ومن تقديره لطبيعة الجنس البشريّ، وخاصّة من إجلاله للرّسل والشّهداء والأولياء. وهو يرى أنّ المخلوقات من الأدنى إلى الأعلى تحكي عن الذّات الإلهيّة.



لقد اختار الله شخصه البشريّ، ليكون حاكيًا ومتكلمًا عنه، أي ليكون فمًا وقلمًا إلهيًّا ولم يكن بارادته أن ادّعى المقام المملوء بالمصاعب والمتاعب التّي ليس لها نظير. وكما قال السّيد المسيح: "يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عنّي هذه الكأس"([9])، كذلك قال بهاءالله: "لو وجد مبيّن أو ناطق، ما جعلت نفسي عرضةً


لشماتة العباد ولا لاستهزائهم ومفترياتهم"([10])



إلاّ أنّ النّداء الإلهيّكان صريحًا، وإلزاميًّا له، وقد أطاعه، فكانت إرادة الله إرادته، ورضاء الله رضاه. وقد قبل الأمر "بمنتهى التّسليم والرّضاء"، فقال في لوح ابن الذّئب ما ترجمته:-



"لعمر الحق،ّ كلّما ورد عليّ في سبيل الله، إنّه محبوب روحي ومقصود فؤادي. والسّم المهلك في سبيله، شهد فائق، وعذابه شراب عذب لائق".



وكما سبق لنا ذكره، إنّ بهاءالله يتكلّم في أحيان أخرى من "مقام الإلوهيّة". ففي هذا النّوع من أقواله هذه، ينمحي ذكر شخصيّته البشريّة بالكليّة، وبواسطته يخاطب الله خلقه، ويعلن لهم محبّته، ويعلّمهم صفاته، ويشهر إرادته، ويعلن قوانينه، لأجل هدايتهم، وطلب محبّتهم وولائهم، وخدمتهم.



وفي آثار بهاءالله الكتابيّة، كثيرًا ما ينتقل الخطاب من أحد هذين النّوعين إلى النّوع الآخر، فأحيانًا يكون من الواضح أنّ المتكلّم رجل، ثمّ يستمرّ الكلام دون توقّف وكأنّ الله هو النّاطق بضمير المتكلّم، وحتّى حينما يتكلّم بهاءالله كرجل، فإنّه يتكلّم كرسول من الله وكمثال حيّ للإخلاص الصّرف لإرادة الله، فالمحرّك لجميع أطوار حياته هو الرّوح القدس، ولذلك لا يمكن وضع حدود فاصلة بين الوجهتين البشريّة والإلهيّة، سواء في حياته أو في تعاليمه، فيخبره الله في سورة الهيكل بالنّص:



"قل لا يرى في هيكلي إلاّ هيكل الله، ولا في جمالي إلاّ


جمال الله، ولا في كينونتي إلاّ كينونته، ولا في ذاتي إلاّ ذاته، ولا في حركتي إلاّ حركته، ولا في سكوني إلاّ سكونه، ولا في قلمي إلاّ قلمه العزيز المحمود. قل لم يكن في نفسي إلاّ الحقّ، ولا يرى في ذاتي إلاّ الله".



بعثته



إنّ الغرض من بعثة بهاءالله إلى العالم هو إيجاد الإتّحاد، أي اتّحاد البشريّة في الله، عن طريق إيمانها بالله، وقد قال:-



"إنّ أبهى ثمرة لشجرة العرفان، هي هذه الكلمة العليا:



"كلّكم أثمار شجرة واحدة، وأوراق غضن واحد، [ليس الفخر لمن يحبّ الوطن، بل لمن يحبّ العالم]"([11]) .



ولقد بشّر الأنبياء السابقون النّاس بمجيء عصر السّلام والصّلاح بين البشر، وكانوا قد ضحّوا أنفسهم حتّى يعجّلوا مجيئه، ولكن كلّ واحد منهم صرّح، بكلّ وضوح، إنّ هذه النهاية السّعيدة والغاية المباركة لن تحصل إلاّ بعد "مجيء الرّب"، في آخر الأيّام، عندما يدان الأشرار، ويثاب الصّالحون.



فلقد تنبّأ زردشت، قبل ثلاثة آلاف سنة، بوقوع المشاحنات والحروب قبل مجيء "شاه بهرام"، مخلّص العالم، الذّي يغلب "أهرمن" روح الشّر، ويؤسّس حكم الحقّ والسّلام...



وقال السّيد المسيح: "لا تظنّوا إنّي جئت لألقي سلامًا على


الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا"([12]). وأخبر بأنّ فترة حروب وإشاعات حروب ومحن وبلايا سوف تستمرّ حتّى يأتي ابن الإنسان "في مجد أبيه".



وصرّح محمّد (ص) أنّه، بسبب سوء أعمال اليهود والنّصارى سوف تظهر بينهم العداوة والبغضاء التّي تستمرّ إلى يوم القيامة، حيث يظهر الله ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون([13]).



أمّا بهاءالله فيعلن في هذا اليوم أنّه هو موعود جميع هؤلاء الرّسل، وأنّه هو المظهر الإلهيّ الذّي في عصره يتأسّس حكم السّلام فعلاً، وهذا القول لم يسبقه به أحد، وهو فريد في بابه، وتنطبق عليه علامات الأزمنة انطباقًا عجيبًا، وتؤيّده نبوّات جميع الرّسل العظام.



وقد كشف بهاءالله، بوضوح تام، وبشمول منقطع النّظير، عن الوسائل التّي بها يحصل السّلام على الأرض والإتّحاد بين بني البشر. حقًا منذ مجيء بهاءالله للآن، وقعت ولا تزال تقع حروب وتدميرات، بمقياس لم يسبق له مثيل، ولكنّ هذا هو تمامًا ما أخبرت بوقوعه جميع الرّسل، في فجر ظهور "يوم الرّب العظيم المخيف"، وليس ذلك إلا تأييدًا للرّأي القائل بأنّ "مجيء الرّب" لم يكن فقط على الأبواب، بل أنّه حقيقة وقعت بالفعل.


وفي المَثَل الذّي ضربه المسيح، لا بدّ لربّ الكرْم من أن يهلك الكرامين الأشرار هلاكًا مهينًا، قبل أن يأخذ منهم الكرْم، ويعطيه لآخرين غيرهم ممّن يؤدّون إليه الثّمرة في فصولها. أفلا يفهم من هذا المثل، أنّ الهلاك المريع عند مجيء الرّب، ينتظر الحكومات الجائرة، ورجال الدّين الطمّاعين المتعصّبين، والقادة المستبدّين، الذّين حكموا الأرض حكمًا جائرًا قرونًا واغتصبوا ثمارها كالكرامين الأشرار؟



وربّما تحصل على الأرض حوادث مريعةً وكوارث فظيعةً، ليس لها مثيل، لمدّة من الزمان، ولكن بهاءالله يؤكّد لنا: "عن قريب سوف تنمحي هذه المشاحنات العقيمة، وسوف تمضي هذه الحروب المدّمرة، وسوف يأتي الصّلح الأعظم". ([14]) وقد أصبحت الحروب من الفظاعة في التّدمير والتّخريب إلى درجة لا تطاق، وعلى البشريّة أن تكتشف لنفسها طريق الخلاص، وإلاّ فإنّها تفنى، وها قد أتى "وقت المنتهى"، وأتى معه "المخلص الموعود".



آثاره الكتابيّة



إنّ آثار بهاءالله الكتابيّة واسعة في مداها إلى أبعد الحدود، فهي تبحث في كلّ شأن من شؤون الحياة البشريّة، سواء أكانت فرديّة أم اجتماعيّة، ماديّة أم روحانيّة، وتبحث في تفسير الكتب المقدّسة القديمة والحديثة، وتبحث في النبوّات الخاصّة بالمستقبل القريب والبعيد.


أمّا مدى معارفه ودقّتها، فإنّها أدهشت الآفاق، فقد اقتبس الآيات المقدّسة من مختلف الكتب السّماويّة، وفسّرها للذّين كانوا يسألون عنها بأسلوب مهيمن وبراهين مقنعة، مع أنّه بحسب الظّاهر، لم يملك الوسائل المألوفة التّي تمكنّه من الوصول إلى العديد من الكتب التّي أشارهم إليها. وقد صرّح في "لوح ابن الذئب" بأنّه لم يقرأ أبدًا "كتاب البيان" في حين يظهر من آثاره، أنّه كان على إطلاع تام ومعرفة كاملة بجميع آثار الباب، وقد قرّر الباب، كما ذكرناه، أنّ كتابه "البيان" قد ألهمه إياه "من يُظهرُهُ الله"!.



وإذا استثنينا زيارة البروفسور براون له، الذّي حادثه أربع مرّات سنة 1890، ولم تزد كلّ زيارة منها على العشرين أو الثلاثين دقيقة، فإنّه لم تكن عنده أيّة فرصة للتّكلم مع أيّ واحد من مفكّري الغرب، ومع ذلك فإنّ آثاره تنمّ عن الإحاطة التّامة بجميع أحوال ومشاكل الغرب الاجتماعيّة والسّياسيّة والدّينيّة، حتّى اضطرّ أعداؤه إلى الاعتراف بأنّ حكمته لم يكن لها نظير في الوجود. فظروف سجنه الطّويل المعلوم للعموم تنفي الشّك في أنّ كثيرًا من العلم الغزير الواسع الذّي ظهر منه لا بدّ وأن يكون مكتسبًا من منبع روحانيّ آخر مستقلّ تمام الاستقلال عن وسائل البحث والتّعليم العادي، وعن الكتب والمعلّمين([15]).


وكان أحيانًا يكتب باللّغة الفارسيّة الحديثة، وهي لغة مواطنيه الممزوجة إلى حد كبير بالعربيّة، وفي أحيان أخرى يكتب باللّغة الفارسيّة الخالصة عندما يخاطب العلماء الزّردشتيين. وكذلك كان يكتب باللّغة العربيّة بنفس السّلاسة بلغة بسيطة أحيانًا، أو بلغة وأسلوب عال... وأمّا تمكّنه من هذه اللّغات المختلفة وأساليبها، فكان مدهشًا، لأنّه لم يتلق أي تعليم لغوي.



وفي بعض كتاباته، يوضّح طريقة التّقديس بعبارات سهلة بحيث "من سلك في الطّريق حتّى الجهّال لا يضل"، وفي البعض الآخر من كتاباته، هناك الكثير من تصوّرات الأسفار الرّوحانيّة، والفلسفة العميقة الشّعريّة، والإشارات إلى الآيات والكتب المقدّسة الإسلاميّة والزّردشيّة والكتب السّماويّة الأخرى، أو إلى الآداب والحكايات العربيّة والفارسيّة ممّا لا يقدّره حقّ قدره سوى الشّاعر أو الفيلسوف أو العالم، ويتعلّق البعض الآخر بمراحل الحياة الرّوحانيّة العالميّة، ممّا لا يفهمه إلاّ من سبق له السّلوك في المراحل الأولى وكانت كتاباته أشبه شيء بالمائدة المهيّأة التّي تحتوي على جميع أنواع الأطعمة واللّذائذ، والموافقة لرغبات واحتياجات جميع طلاّب الحقيقة الصادقين.



ولهذا السّبب، نرى لأمره تأثيرًا كبيرًا على المتعلّمين والمهذّبين، والشّعراء الرّوحانيّين، والكتّاب المشهورين، حتّى أنّ بعض رؤساء المذاهب الصّوفيّة، والمذاهب الأخرى، وبعض الوزراء السّياسيّين،


الذّين اشتهروا بالكتابة، أعجبوا بكلماته، لأنّها فاقت جميع كتابات الكتّاب الآخرين في طلاوتها، وفي عمق معانيها الرّوحانيّة.



الرّوح البهائيّة



حرّكت روح بهاءالله، من محلّ سجنه البعيد في عكّا موطنه في إيران في أعماقه، ولم تحرّك إيران فقط، بل حرّكت العالم ولا زالت تحرّكه. والرّوح التّي كانت تحرّكه وتحرّك أتباعه كانت روحًا لطيفةً فاضلةً صابرةً لا تكلّ، ومع ذلك كانت ذات حيويّة مدهشة، وقدرة فائقة، وكانت تعمل من الأعمال ما يبدو مستحيلاً، وكانت تغيِّر الطبيعة البشريّة.



أمّا الذّين خضعوا لتأثيرها، فقد تجدّدت خلقتهم، فامتلؤا بالمحبّة والإيمان والحماس الذّي لو قورنت به جميع مباهج الأرض وأحزانها، لظهرت كالهباء في الميزان، فكانوا دائمًا على استعداد لمجابهة الآلام الطّويلة والموت الفظيع بكلّ هدوء، بل بفرح مشرق من عظيم توكلّهم على القوّة الإلهيّة توكّلاً لا يساوره خوف أو ارتياب.



وأعجب من كلّ ما سبق، أنّ قلوبهم كانت طافحةً بالفرح بالحياة الجديدة التّي لم تترك مجالاً في قلوبهم لمرارة حبّ الانتقام من ظالميهم. وقد تركوا بالكليّة استعمال القوّة والعنف في الدّفاع عن النّفس، وبدلاً من أن يرتفع منهم الضّجيج على ما أصابهم، فإنّهم اعتبروا أنفسهم أسعد النّاس، لتشرّفهم بهذا الظهور الجديد الجليل، ويفدون أنفسهم لأجله، ويقبلون سفك دمائهم للشّهادة على حقيِّته، وتطرب قلوبهم فرحًا لأنّهم يعتقدون أنّ الله العليّ الأزليّ المحبوب


قد كلّمهم بشفاه بشريّة، ودعاهم لأن يكونوا عبيده وأصحابه، وأنّه جاء ليؤسس مملكته على الأرض، ولينعم على العالم بنعمة الصّلح والسّلام، بعد أن أنهكته الحروب، وأضناه الطّعان.



وهكذا كان الدّين الذّي أوحى به بهاءالله. فقد أعلن بعثته كما بشّر بذلك الباب، واستعدّت الآلاف لقبول أمره وللهتاف بمجيئه، شاكرين بشيره العظيم على فدائه، وكانت الآلاف من أتباعه ممّن طرحوا الأوهام والخرافات منتظرين بقلوب طاهرة وعقول نيّرة مجيء مظهر الله في مجده الموعود، ولم يكن الفقر ولا السّلاسل ولا الذلّة الظّاهرة بقادرة على أن تحجب عنهم جلال ربّهم ومجده الرّوحانيّ، بل إنّ هذه الظّلمة الدّنيويّة المحيطة به ساعدت في زيادة تألّق بهائه الحقيقي.





([1]) سورة البقرة.


([2]) سورة البقرة.


([3]) سورة الأنفال.


([4]) سورة الفتح.


([5]) سورة الأحزاب.


([6]) الإيقان – التّرجمة العربيّة – مطبعة البيان – بيروت – الصّفحات 139-143.


([7]) في القدس الشّريف.


(3) متّى: (26: 36- 39).


([9]) متّى 26: 39.


([10]) الإشراقات – التّرجمة العربيّة – الصّفحة – 103.


([11]) الإشراقات – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 100 وما بين القوسين [ ] عربيّ بالنّص.


([12]) متى 10 : 34.


([13]) "وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" (سورة المائدة 64) وقوله تعالى "إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (سورة المائدة 48).


(1) من خطاب للبروفسور براون الصفحة 45 في هذا الكتاب.


([15]) لمّا سُئل عبدالبهاء عمّا إذا كان بهاءالله قد درس العلوم الغربيّة وأسّس تعاليمه على مقتضاها، صرّح بأنّ كتب بهاءالله صدرت وطبعت منذ عام 1870، وهي تحتوي على التّعاليم والآراء التّي أصبحت الآن معروفةً في الغرب، مع أن أحدًا في تلك الأيام لم يكن قد فكّر في تلك التّعاليم مطلقًا في الغرب.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الرّابع

عبدالبهاء



"إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدء في المآل، توجّهوا إلى من أراده الله الذّي انشعب من هذا الأصل القديم"
(بهاءالله – الكتاب الأقدس)




ميلاده وصباه



كان عبّاس أفندي، الذّي اتخذّ لنفسه فيما بعد لقب "عبدالبهاء" أكبر أولاد بهاءالله. وكان قد ولد في طهران قبيل منتصف ليلة 23 مايو (أيّار) سنة 1844، في نفس اللّيلة التّي فيها أعلن الباب بعثته.



ولمّا كان عمره تسع سنوات، زُجّ بوالده بهاءالله في السّجن المظلم بطهران. وكان عبدالبهاء حتّى في تلك السّن المبكّرة شديد الولاء والتعلّق ببهاءالله، ونهبت الغوغاء منزلهم، وجرّدت الأسرة من كلّ ممتلكاتها، وتركت في حالة ضيق وعوز.



ويخبرنا عبدالبهاء كيف أنّه ذات يوم سمح له بالدّخول إلى ساحة السّجن ليرى والده المحبوب عند خروجه للرّياضة اليوميّة. وكان بهاءالله قد تغيّر تغيّرًا فظيعًا، وكان مريضًا إلى درجة أنّه ما كان يقدر على المشي إلاّ بغاية الصّعوبة، ولم يكن شعره ولا لحيته


ممشّطًا، وقد انتفخ عنقه وتسلّخ من أثر السّلاسل الحديديّة، وانحنى جسمه من أثر ثقلها وضغطها، فأثّر هذا المنظر على فكر الفتى عبدالبهاء وإحساسه المرهف بصورة لا يمكن نسيانها.



وفي السّنة الأولى من إقامتهم في بغداد، وقبل إعلان بهاءالله بعثته بعشر سنوات، عرف عبدالبهاء بفراسته ذلك الأمر الخطير: وهو أنّ والده هو "الموعود" الذّي ينتظر ظهوره جميع البابيّن. وكان عبدالبهاء حينذاك قد بلغ التّاسعة من عمره. وبعد حوالي ستّين سنة من ذلك التّاريخ وصف لنا اللّحظة التّي فيها استولى هذا الاعتقاد فجأةً على جميع وجوده، فقال:-



"إنّي عبد لجمال القدم([1]). وفي بغداد كنت طفلاً، وفي ذلك الزّمان والمكان ألقى عليّ الكلمة فآمنت. وبمجرّد إلقائه تلك الكلمة، ارتميت على قدميه المباركتين وتضّرعت إليه وتوسّلت به أن يقبل دمّي فداءً في سبيله، فداء! ما أحلى كلمة "فداء" في مذاقي! فليست لي موهبة أعظم من هذا! وأيّة عزّة لي أعظم من أن تكون عنقي هذه رهن السّلاسل من أجله، وترصف أقدامي في الأغلال في سبيل محبّته، ويقطع هذا الجسد إربًا إربًا، أو يلقى في أعماق البحار لأمره! فلو كنّا في الحقيقة أحبائه المخلصين – ولو كنت أنا في الحقيقة خادمهُ الصّادق، لوجب عليّ أن أفدي بحياتي له، وأضحّي على عتبته المقدّسة بكلّ وجودي".([2])



ومنذ ذلك الوقت، ابتدأ أحباؤه يدعونه بـ"سرّ الله" وهو لقب


لَقَّبهُ به بهاءالله، وقد عرف بهذا الاسم مدّة إقامته في بغداد.



ولمّا ذهب والده بعيدًا عن الأسرة مدّة سنتين في فيافي السليمانية، حزن عبدالبهاء. وكانت تسليتُهُ الوحيدة كتابة ألواح الباب وحفظها، وقضاؤه أغلب أوقاته في التأمّل والمناجاة. وأخيرًا لما عاد والده لم يملك نفسه من السّرور وطار فؤاده فرحًا.



شبابه



ومنذ ذلك الوقت، كان أقرب رفيق لوالده بل حارسًا له. ومع أنّه كان شابًا، فقد أظهر حكمةً وحصافةً مدهشتين، وأخذ على عاتقه محادثة جميع الزوّار الذّين حضروا لرؤية والده. وإذا وجد أنّهم طلاّب حقيقة، كان يأذن لهم بلقاء والده، وإلاّ فإنّه ما كان يسمح لهم أن يتعبوا بهاءالله. وكثيرًا ما كان يساعد والده في الإجابة على الأسئلة الواردة وفي حلّ معضلات المسائل للزّائرين. فمثلاً لمّا طلب أحد رؤساء الصّوفيّة، المدعوّ علي شوكت باشا، تفسيرًا للحديث "كنت كنزًا مخفيًّا"([3])، أحاله بهاءالله إلى "سرّ الله" عبّاس، وطلب منه أن يكتب له التفسير، فكتب في الحال، وهو فتى في السّن الخامسة عشرة أو السّادسة عشرة، رسالةً هامّةً فيها شرح مستنير أدهش الباشا. وهذه الرّسالة منتشرة الآن بين البهائيّين، كما يعرفها الكثيرون ممّن ليسوا بهائيّين.



وقد كان عبّاس في ذلك الوقت يكثر من زيارة المساجد، وهناك


يتباحث في المسائل الإلهيّة مع العلماء، مع أنّه ما ذهب أبدًا إلى أيّة مدرسة أو كليّة، بل كان معلّمه الوحيد والده، وكانت نزهته الوحيدة ركوب الخيل، فكان مغرمًا بها.



وبعد أن أعلن بهاءالله الدّعوة في حديقة الرّضوان خارج بغداد، اشتدّ إخلاص عبدالبهاء له، وازداد عشقه أكثر من ذي قبل. وخلال السّفر الطويل إلى القسطنطينيّة، كان يقوم على حراسة بهاءالله ليل نهار، وكان يركب بجوار عربته ويحرس حول خيمته. وكان على قدر المستطاع يريح والده من جميع المتاعب المنزليّة والمسؤوليّات، حتّى أصبح هو السّلوى لجميع الأسرة ومحطّ آمالها.



وخلال إقامته في أدرنة، كان عبدالبهاء عزيزًا على الجميع، ويكثر من تبليغ الأمر، وكان يدعونه بـ "المولى". وفي عكّاء عندما كانت الجماعة كلّها تقريبًا مريضةً بالحمّى التيفوئيديّة وبالملاريا وبالزّحار، كان يغسل المرضى، ويقوم على خدمتهم، ويطعمهم، ويحرسهم، ولم يذق طعم الرّاحة، إلى أن أصيب بعد التّعب الشّديد بالزّحار، وكانت حالته خطرةً مدّة شهر تقريبًا. وفي عكّا، كما في أدرنة، أجمع النّاس على احترامه ومحبّته على اختلاف طبقاتهم من الوالي الأمير إلى المسكين الفقير.



الزّواج



إنّ ما يأتي من التّفاصيل الخاصّة بزواج عبدالبهاء، كتبه مؤرّخ فارسي للدّين البهائيّ وتكرّم بإرساله للكاتب:



"كانت مسألة تزويج عبدالبهاء في أثناء شبابه بزواج لائق من


المسائل الهامّة عند الأحبّاء. وتقدّم إليه أشخاص كثيرون ليحظوا عنده بتاج الإفتخار بانتساب عائلتهم إليه. ولم يظهر عبدالبهاء ميلاً للزواج مدّةً مديدةً، ولم يعرف أحد حكمة ذلك. ولكن علم فيما بعد، أنّ إحدى البنات قدّر لها أن تكون زوجةً لعبدالبهاء، وهي تلك التّي ولدت بعد تبريك السّيد الباب لوالديها في إصفهان. وكان والدها ميرزا محمّد علي عم "سلطان الشّهداء" و"محبوب الشّهداء" وأسرتها من أشهر وأنبل الأسر في إصفهان. وأثناء وجود الباب في إصفهان، لم يكن للميرزا محمّد علي أبناء، وكانت زوجته تشتاق إلى طفل. فلمّا سمع السّيد الباب بذلك، أعطاه شيئًا من طعامه وأوصاه أن يقتسمه مع زوجته. وبعد أن أكلاه تحقّقا من نيل آمالهما في الذّريّة، حيث ولدت لهما بنت سمّياها منيرة خانم([4]). وبعد ذلك ولد لهما ولد سمّي سيّد يحيى، ثمّ ولد لهما غيرهما. وبعد مدّة توفي الوالد، واستشهد أبناء عمّها بأمر ظلّ السّلطان وفتوى العلماء، ووقعت الأسرة في متاعب واضطّهادات مريرة لأنّها كانت بهائيّة. فأذن بهاءالله لمنيرة خانم ولأخيها سيّد يحيى بالحضور إلى عكّا حمايةً لهما. وأظهر بهاءالله وزوجته "نوّاب" والدة عبدالبهاء رأفةً ومحبّةً لمنيرة، بدرجة أنّ النّاس فهموا أنّهما يرغبان في أن تكون زوجةً لعبدالبهاء. وأصبحت إرادة الوالدين أرادة عبدالبهاء أيضًا. وقد تمّ القران بكمال الألفة والمحبّة ومرّت الأيّام بالرّوح والرّيحان".


وكان زواجهما سعيدًا وموفّقًا وعاش لهما من الأبناء أربع بنات بقين أحياء رغم مشاق السّجن الطويل، وصرن عزيزات على جميع الذّين تشرّفوا بمعرفتهن بسبب تخصيصهن حياتهن الجميلة للخدمة.



مركز العهد والميثاق



أشار بهاءالله بطرق متعدّدة بأنّ عبدالبهاء هو الذّي يدير الأمر بعد صعوده. وكتب ذلك في كتابه الأقدس قبل الصعود بطريقة رمزيّة، وكان يشير إلى عبدالبهاء مرارًا بأنّه هو "مركز العهد والميثاق" وسمّاه "الغصن الأعظم" و"الفرع المنشعب من الأصل القويم". وكان يدعوه عادةً باسم "المولى" ويطلب من جميع أسرته أن يعاملوه باحترام فائق، وطلب من الجميع في لوح عهده وميثاقه المسمّى بـ (كتاب عهدي) أن يتوجّهوا إليه ويطيعوه.



وبعد صعود الجمال المبارك تقلّد عبدالبهاء المقام الذّي عيّنه له والده بكلّ وضوح وصراحة كرئيس للأمر وصاحب الحقّ في تبيين التّعاليم، وأن كان ذلك لم يرق في نظر بعض أقربائه وغيرهم، فشرعوا يقاومون عبدالبهاء بكلّ عداء كما فعل "صبح أزل" مع بهاءالله، واجتهدوا في خلق انشقاقات بين الأحباء. وإذ خابوا في هذا العمل، ابتدأوا يدّسون الدّسائس ضدّ عبدالبهاء لدى الحكومة التّركيّة.



واتّباعًا للأوامر التّي أمره بها والده، شرع عبدالبهاء بإقامة بناء على سفح جبل الكرمل في أعلى حيفا، ليكون مقرًا أبديّا لرفات السّيد الباب، وفيه غرف للمجالس والاجتماعات. وقد وشى أعداء عبدالبهاء لدى الحكومة التّركيّة بأنّ عبدالبهاء يقصد من إقامة هذا


البناء عمل قلعة ليتحصّن فيها هو وأتباعه، ويتحدّوا الحكومة، ويستولوا على جهات من سوريا المجاورة.



السّجن من جديد



وبناءً على ما تقدّم من التّهم، وبناءً على تهم أخرى لا نصيب لها من الصّحة، حبس عبدالبهاء سنة 1901 وأسرته مرّة أخرى، لمدّة تزيد على سبع سنوات داخل أسوار مدينة السّجن عكّاء، بعد أن سبقت لهم خلال أكثر من عشرين سنة حريّة تجاوزها بضعة أميال. ولكنّ ذلك السّجن الجديد لم يمنع عبدالبهاء من نشر الرّسالة البهائيّة في آسيا وأوروبا وأمريكا. وقد كتب المستر (هوريس هولي) عن هذه الفترة ما يلي:-



"كان يحضر لزيارة عبدالبهاء والانتفاع بهدايته ومحبّته الجم الغفير من الرّجال والنّساء من كلّ جنس ودين وأمّة، وهم يجلسون على مائدته ضيوفًا مكرّمين، يسألونه عن كلّ ما يخالج ضمائرهم من أمور اجتماعيّة وروحانيّة وأدبيّة، وبعد أن يمكثوا عنده مدّة تتراوح بين بضع ساعات أو بضعة شهور، يرجعون إلى مواطنهم، وهم متحدّون مستنيرون ملهمون. فلم ترَ عين الإبداع شبيهًا لدار ضيافته هذه.



" ففي داخلهما تبطل جميع الفوارق التّي تباعد بين المذاهب المتنابذة في الهند، وينمحي التّعصب اليهودي والمسيحي والإسلامي، ويصبح في خبر كان، وتنكسر كلّ القيود ولا يبقى سوى القانون الأصلي الأساسي الذّي يجمع كلّ القلوب على


المحبّة الخالصة، وبه تحيى الأفئدة من أثر عواطف الوحدة الفائضة من ربّ البيت، فكأنّه الملك آرثر جالسًا حول مائدته المستديرة... إلاّ أنّ الفرق بينهما هو أنّ عبدالبهاء يهيّئ النّاس جميعًا رجالاً ونساءً لأن يكونوا فرسانًا روحانيّين ويقلّدهم "الكلمة" لا "السّيوف"([5]).



وكان عبدالبهاء في أثناء هذه السّنين يقوم بمراسلات هائلة يراسل بها جميع الأحبّاء والمسترشدين من جميع أنحاء العالم. وكان يساعده في هذا العمل بناته وجملة من الكتبة والمترجمين.



وكان يقضي أغلب أوقاته في عيادة المرضى والمصابين في منازلهم الخاصّة، ولم تشهد أفقر أحياء عكّاء زائرًا أحبّه الجميع ورحبّوا به ترحيبًا عامًّا كترحيبهم "بالمولى". وقد حكى أحد الزائرين لِـ عكّاء في هذا الوقت ما يأتي:



"إنّ عادة عبدالبهاء في صباح كلّ يوم جمعة أن يوزّع المساعدات على المساكين، ويعطي من مخزنِهِ الضّئيل لكلّ شخص من المعوزين والمساكين، الذّين يحضرون طلبًا لمساعدته شيئًا قليلاً. وفي صباح هذا اليوم جلس له نحو مئة شخص في صفّ واحد على الأرض في السّاحة التّي يقع فيها منزل عبدالبهاء، وهم مجموعة غريبة من البشر متنوّعة من الرّجال والنّساء والأطفال – فقراء بائسون وفي منظرهم كالعرايا وأغلبهم عجزة وعميان وشحّاذون – فهم حقًّا بؤساء ولا تفي العبارة بوصف فقرهم


المدقع. وكانوا ينتظرون بلهف خروج عبدالبهاء من الباب... فيمرّ بينهم سراعًا، من واحد لآخر، وأحيانًا ينتظر قليلاً ليواسي مسكينًا أو يشجّعه ملقيًا قطعةً من النقود في كلّ كف ممدودة، أو يلمس –أحيانًا– وجه طفل، أو يأخذ بيد عجوز تتعلّق بذيل ردائه في وقت مروره، ويتفوّه ببعض العبارات الرّحيمة للعجزة والعميّ من الرّجال، ويسأل عن الضّعفاء الذّين يمنعهم ضعفهم عن الحضور لأخذ نصيبهم الضّئيل، فيرسله لهم مع عبارات المحبّة والتّسلية([6]).



وأمّا احتياجات عبدالبهاء الشّخصيّة فقد كانت قليلةً، وكان يشتغل مبكّرًا وإلى ساعة متأخّرة ويكفيه غذاءان بسيطان في اليوم. وكانت ملابسه عبارةً عن بضعة ألبسة غير ثمينة. فلم يرضَ بمعيشة التّرف، بينما يرى الآخرين في الاحتياج.



وكان يحبّ الأطفال محبّة عظيمة، وكذلك الزّهور، وجمال الطّبيعة. وكانت جميع أسرته تجتمع معه يوميًا في الصّباح حوالي السّاعة السّادسة أو السّابعة لتناول الشّاي. وكان الأطفال يترنّمون بالمناجاة حينما يتناول المولى الشّاي. وممّا كتبه المستر "ثورنتون تشايس" عن هؤلاء الأطفال:-



"لم أر طوال حياتي أطفالاً مؤدّبين غير أنانيّين وأذكياء غير مزعجين يهتمّون بغيرهم متناسين ذواتهم في الأشياء الصّغيرة التّي يحبّها الأطفال"([7]).


وقد حمل كلّ زائر عائد من عكّاء ذكريات عطرة عن "ولاية الأزهار" التّي كانت إحدى مظاهر الحياة في عكّاء. وقد كتبت السّيد لوكاس:



"إنّ الإنسان ليندهش عندما يستنشق عبدالبهاء رائحة الزّهور، حتّى أنّه ليخيّل له أنّ زهرة الخزامى تخبر عبدالبهاء بأمر ما عندما يغمس وجهه في أوراقها، وكأنّ آذانه تجتهد في أن تسمع منها نغمةً بديعةً وهي بكمال الاهتمام في الاصغاء"([8]).



وكان يحبّ أن يقدّم لزائريه العديدين زهورًا بديعةً ذات رائحة عطرة. وقد لخّص المستر "ثورنتون تشايس" انطباعته عن حياة السّجن التّي عاشها في عكّا فقال:



"مكثنا خمسة أيّام داخل الأسوار، فكنّا مسجونين مع السّاكن في "السّجن الأعظم" وهو سجن السّلام والمحبّة والخدمة. فلم يكن لنا فكر ولا رغبة في أمر سوى خير ومنفعة العالم وسلام الدّنيا والاعتراف بأبوّة الله وبحقوق البشر المتبادلة، فهم مخلوقاته وأبناؤه. حقًا إنّ السّجن الحقيقي، والجوّ الخانق، والبعد عن الأماني الحقيقيّة للقلوب، وكذلك الإرتباط بالشؤون الدّنيويّة – كلّ ذلك كان خارج تلك الأسوار الحجريّة من عكّاء. أمّا داخلها فكانت ترفرف الحريّة الصّرفة والإنطلاق التّام، وتفوح نسمات روح الله الخالصة. فالمتاعب والهموم والقلق على الأمور الدّنيويّة كلّها كانت خارج تلك الأسوار"([9]).


إنّ متاعب السّجن تظهر لمعظم النّاس كأنّها مصائب شديدة، ولكنّ عبدالبهاء لم يكن يخشى بأسها، فلمّا كان مسجونًا كتب:



"لا تحزن من سجني وبلائي لأنّ السّجن جنّتي العليا وحديقتي الغنّاء وعرش عزّي بين العالمين وأنّ بلائي في سجني هو تاجي الذّي به أفتخر بين ملأ الأخيار"([10]).



"إنّ كلّ إنسان يستطيع أن يكون مسرورًا في حال الرّاحة واليُسر وفي أوقات الصّحة والنّجاح والسّرور والانشراح، ولكنّه إذا أمكنه أن يكون مسرورًا راضيًا في وقت الضّيق والمصائب والأمراض، فهذا هو دليل النّبل وعنوان الشّرف"([11]).



لجان التّحقيق التّركيّة



عيّنت الحكومة التّركيّة سنة 1904 وسنة 1907 لجانًا للتّحقيق في التّهم الموجّهة إلى عبدالبهاء، وتقدّم شهود شهدوا ضدّه زورًا. وبينما كان عبدالبهاء يدحض هذه التهم، كان يصرّح باستعداده التام لقبول أي حكم تصدره اللجنة ضده. وقال بأنّهم لو رموه في أعماق السّجون، أو سحبوه في الشّوارع، أو لعنوه، أو بصقوا عليه، أو رجموه، أو رشقوه بكلّ أنواع الاهانات، أو علّقوه على المشانق، أو رموه بالرّصاص، فإنّه يكون جذلاً مسرورًا.



وبينما كانت لجان التّحري منعقدةً لتجمّع الأدلّة ضدّه، كان يزاول أعماله اليوميّة وأشغاله العاديّة بكلّ اطمئنان وهدوء، ويزرع


أشجارًا في حديقته، أو يرأس حفل زواج برفعة وحريّة روحانيّة نوراء. وقد عرض عليه القنصل الإيطالي أن يسهّل له طريق الفرار آمنًا إلى أيّة ميناء أجنبيّة يختارها، ولكنّه رفض، مع الشّكر، هذا العرض رفضًا باتًا قائلاً بأنّه مهما تكن النتائج، فإنّه يجب عليه أن يحذو حذو الباب والجمال المبارك، اللّذين لم يحاولا أبدًا إنقاذ نفسيهما أو الهرب من أعدائهما. ومع هذا فقد شجّع أغلب البهائيّين على أن يهاجروا من عكّا التّي أصبحت خطرًا عليهم، ومكث وحده مع القليل من المؤمنين ينتظر القدر المقدور.



وقد وصلت آخر لجنة من لجان التّحقيق مكوّنة من أربعة من الموظّفين المرتشين إلى عكّا في أوائل شتاء 1907، ومكثت شهرًا واحدًا، وسافرت إلى القسطنطينيّة بعد إتمام "تحقيقها"، وكانت على استعداد لتقديم تقريرها بثبوت التّهم ضدّ عبدالبهاء مقترحةً نفيه أو إعدامه. ولكن لم يمض زمن طويل على رجوعهم إلى تركيّا حتّى قامت الثّورة، وفيها هرب الموّظفون الأربعة لأنّهم كانوا من أنصار العهد القديم. وإذ ذاك استطاع حزب تركيّا الفتاة أن يؤسّس سيادته، وأطلق سراح جميع المسجونين السياسيّين والدّينيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة. وفي سبتمبر (أيلول) سنة 1908، أطلق سراح عبدالبهاء من السّجن، وفي السّنة التّالية أصبح السّلطان عبد الحميد نفسه سجينًا.



أسفاره في الغرب



بعد إطلاق سراح عبدالبهاء، استمّر على عمله المتواصل في التّبليغ بنفس الحياة الرّوحانيّة وبدون كلل أو ملل، وعلى إرسال


الرّسائل، وعلى العناية بالمساكين والمرضى. ولم يغيّر شيئًا سوى تبديل إقامته من عكّا إلى حيفا ثمّ إلى الإسكندريّة، إلى أن قام في أغسطس (آب) 1911 برحلته الأولى إلى عالم الغرب. وفي أثنائها قابل عبدالبهاء رجالاً عديدين من مختلف العقائد، ونفّذ بكلّ معنى الكلمة أمر بهاءالله التّالي: "عاشروا مع الأديان بالرّوح والرّيحان". وقد وصل إلى لندن في بداية سبتمبر (أيلول) 1911، وأمضى هناك شهرًا واحدًا، قام فيه بمحادثاته اليوميّة مع الطّالبين بالإضافة إلى أعمال عديدة أخرى، كما ألقى في أثنائه خطبةً في كنيسة "ستي تمبل" خاطب بها جماعة المصّلين مع القس "ر. ج. كامبل"، وكذلك خطب في كنيسة "سانت جونس وسمنستر" حيث رئيسها الأرشديكن ولبر فورس، وتناول طعام الإفطار مع أمين العاصمة في لندن، ثمّ انتقل عبدالبهاء إلى باريس حيث قضى أوقاته بإلقاء الخطب اليوميّة ومحادثة الطّالبين المتشوّقين من جميع القوميّات والفئات.



وفي ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1911 رجع إلى مصر وسافر في الرّبيع التّالي 1912 إلى الولايات المتّحدة إجابةً لالتماس الأحبّاء الأمريكيين، ووصل إلى نيويورك في إبريل (نيسان) 1912 وفي أثناء الأشهر التّسعة التّالية سافر في أنحاء أمريكا من الشّاطئ الشّرقي إلى الشّاطئ الغربي، وهو يخطب في مجموعات من النّاس في مختلف مناحي الحياة – في طلاّب الجامعات وفي الإشتراكيين وفي المورمون وفي اليهود والمسيحيّين وجماعة اللاّأدريين "القائلين بعدم كفاية العقل لفهم الوحي الإلهيّ" وجماعات


الإسبرانتيين وجمعيّات السّلام وجمعيّات الأفكار الجديدة وجمعيّات النّساء المطالبات بحقوق الإنتخاب. وخطب في الكنائس التّابعة لمختلف المذاهب وتحدّث بما يناسب المقام ويناسب السّامعين.



وفي 5 ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1912 سافر راجعًا إلى بريطانيا وقضى فيها ستّة أسابع زار خلالها: ليفربول ولندن وبرستول وأدنبرغ. وبعد قضاء شهرين في باريس بالمقابلات اليوميّة وفي الخطابات العامّة سافر إلى اشتتكارت في ألمانيا حيث عقد اجتماعات متتالية مع البهائيّين الألمان، ومنها سافر إلى بودابست وڤيينّا حيث أسّس جماعات بهائيّةً جديدةً، وعاد في مايو (أيّار) سنة 1913 إلى مصر.



وفي 5 ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1913 سافر إلى حيفا.



العودة إلى الأرض المقدّسة



وهنا كان عبدالبهاء قد بلغ السّبعين من عمره، وكانت أتعابه المستمرّة التّي انتهت بأسفاره المضنية إلى بلاد الغرب قد أنهكت جسمه، وبعد رجوعه إلى الشّرق كتب إلى المؤمنين في الشّرق والغرب اللّوح المؤثّر الشّجي التّالية ترجمته:-



"يا أحبائي سيأتي يوم لا أكون فيه معكم، وقد عملت كلّ ما أمكنني عمله، وخدمت أمر بهاءالله بمنتهى قوّتي، واشتغلت ليل نهار طوال أيّام حياتي.



"والآن ما أشدّني شوقًا إلى أن أرى الأحبّاء يحملون على أكتافهم أعباء مسؤوليّات هذا الأمر! فقد حان الآن وقت إعلان الملكوت


الأبهى، وحانت الآن ساعة الإتّحاد والاتّفاق! والآن يوم الوفاق الرّوحانيّ لأحبّاء الله!...



"إنّي أوجّه آذاني للشّرق والغرب وللشّمال والجنوب، لعليّ أسمع تغنيّات المحبّة والوفاق ترتفع في مجامع الأحبّاء. فإنّ أيّامي أصبحت معدودةً وليس لي فرح إلاّ في ذلك.



"فكم أحبّ أن أرى الأحبّاء متّحدين كأنّهم عقد لؤلؤ مضيء أو نجوم الثريّا أو أشعّة الشّمس الواحدة أو غزلان مرعى واحد! إنّ هذا البلبل المعنوي يغرّد لهم أفلا يسمعون؟ وطير الفردوس يغنّي أفلا ينصتون؟ وملاك الملكوت الأبهى يناديهم أفلا يلبّون؟ ورسول الميثاق يلتمس أفلا يصغون؟ إنّي منتظر، منتظر لأسمع الأخبار السّارة بأنّ الأحباء مظاهر الصّدق والإخلاص ومجسّم الوفاء والمحبّة ومطالع الألفة والاتّحاد! أفلا يفرحون قلبي؟ أفلا يحقّقون توسّلاتي؟ أفلا يسمعون تمنّياتي؟ أفلا يتمّمون آمالي؟ أفلا يلّبون دعائي؟



"ها أنذا منتظر، منتظر بفارغ الصّبر."



إنّ أعداء الأمر البهائيّ، الذّين تعالت آمالهم بمشاهدتهم الباب يسقط ضحيّة هياجهم، وبمشاهدتهم بهاءالله يُنفى من موطنه ويكون سجينًا مدى حياته، وبمشاهدتهم صعوده، قد ابتهجوا مرّة أخرى حين رأوا وهن جسم عبدالبهاء وضناه بعد رجوعه من أسفاره في بلاد الغرب. ولكنّ آمالهم قد خابت مرّة أخرى حين عاد عبدالبهاء بعد فترة قصيرة مقتدرًا على الكتابة. فكتب اللّوح التّالية ترجمته:



"لا شكّ إنّ الجسد الماديّ والقوى البشريّة لا تستطيع تحمّل المشاقّ المستمرّة... ولكنّ عون حضرة المقصود وصونه كان


حافظًا معينًا لعبدالبهاء العليل الضّعيف... ويزعم البعض أنّ عبدالبهاء سوف يودّع الدّنيا عن قريب، وأنّ قواه الجسمانيّة قد تحلّلت، واستولت عليه الأمراض التّي ستختم حياته عن قريب. كلاّ ليس الأمر كذلك، فالجسم الظّاهريّ ولو أنّه حسب ظنّ النّاقضين للميثاق وعقول أهل النّفاق النّاقصة في ضعف نتيجة تحمّل البلايا والشّدائد في سبيل الجمال المبارك، ولكنّ القوى الرّوحانيّة ولله الحمد في منتهى الجدّة والقوّة من عناية جمال القدم. والآن بفضل الله عادت القوى الجسمانيّة، وبألطاف حضرة بهاءالله تمّ السّرورالرّبانيّ، وتوالت بشارات الملأ الأعلى، وشمل السّرور الحقيقي"([12]).



وخلال الحرب العظمى وبعد نهايتها، كان عبدالبهاء رغم المشاكل الأخرى التّي لا تعدّ ولا تحصى، قادرًا على أن يفيض سلسلةً من الرّسائل الملهمة العظيمة. وبمجرّد أن أعيدت المواصلات بعد الحرب، بعثت هذه الرّسائل في المؤمنين في أنحاء العالم حماسًا جديدًا للخدمة. ومن نتيجة تأثير إلهام هذه الرّسائل([13]) تقدّم الأمر الإلهيّ بطفرات واسعة جدًا، وأظهر دين الله علائم قوّة وحيويّة جديدة في كلّ مكان.



زمن الحرب في حيفا



من الأمثلة الرّائعة الدّالة على بعد نظر عبدالبهاء ما ظهر منه في


الأشهر التّي سبقت الحرب مباشرةً. ففي زمن السّلم كان يحضر إلى حيفا عادةً عدد وفير من الزّائرين من إيران ومن جميع أطراف العالم. وقرابة ستّة أشهر قبل نشوب الحرب طلب أحد شيوخ البهائيّين المقيمين في حيفا إذنًا لكثيرين من أحبّاء إيران لزيارة المولى، ولكنّ عبدالبهاء لم يأذن بذلك، بل بدأ منذ ذلك الوقت يأذن بصورة تدريجيّة للزّائرين الموجودين في حيفا بالسّفر عنها، حتّى أنّه لم يبق أحد منهم في نهاية شهر يوليو (تمّوز) سنة 1914. وعندما أدهش العالم نشوب الحرب العظمى فجأة في أوائل أغسطس (آب)، ظهرت حكمة احتياطاته التّي أظهرها.



وعندما نشبت الحرب، أصبح عبدالبهاء في الواقع مرّة أخرى سجينًا للحكومة التّركيّة، بعد أن أمضى نحوًا من 55 عامًا في النّفي والسّجن. فانقطعت المخابرات تقريبًا مع الأحبّاء خارج ولاية سورية العثمانيّة وأصبح هو والفئة الصّغيرة من أتباعه المقيمين حوله في ضيق من العيش مرّة أخرى ونزر من الطّعام وخطر على حياتهم عظيم.



وخلال الحرب كان عبدالبهاء أكثر وقته مشغولاً في تدبير الشّؤون المادّية والرّوحانيّة للذّين كانوا حوله، وقد قام بنفسه بإدارة أعمال زراعيّة واسعة بالقرب من "طبريّة"، وبذلك حصل على محصول وافر من القمح أمكن به تفادي المجاعة التّي كادت تحصل لمئات من المساكين من مختلف الأديان فضلاً عن البهائيّين في حيفا وعكّا، فكان يمدّهم بما يكفييهم من المؤونة ويرعى الجميع ويخفّف آلامهم على قدر المستطاع ويحسن إلى مئات المساكين


يوميًّا بمبلغ مناسب من النقود. وكان يعطيهم بالإضافة إلى النّقود تمورًا أو أشياء أخرى مثلها إن لم يوجد الخبز. وكان كثيرًا ما يقوم بزيارة الأحبّاء في عكّا لمساعدة المؤمنين ومواساة المساكين هناك. وفي زمن الحرب كان يجتمع كلّ يوم بالأحبّاء. وكانوا جميعًا مسرورين مطمئنين هادئي البال بسبب تلك المساعدة أثناء تلك السّنين المليئة بالمتاعب والأهوال.



سنواته الأخيرة



كان لي الشّرف العظيم في شتاء سنة 1919 - 1920 أن أصرف شهرين ونصفًا ضيفًا على عبدالبهاء في حيفا. وكنت خلالها ألاحظ عن كثب بعين الوداد حياته اليوميّة. ومع أنّه كان إذ ذاك يبلغ من العمر ستًا وسبعين عامًا، إلاّ أنّه كان ذا قوّة غريبة، ينجز يوميًّا من الأعمال ما لا يكاد يصدّقه النّاظرون. ومع أنّه كان في أغلب الأحيان متعبًا جدًّا، فقد كانت تظهر عليه حيويّة عجيبة كأنّها عادت إليه من جديد. وكانت خدماته دائمًا موجّهة للذّين هم في حاجة شديدة إليها. فكان صبره الجميل ولطفه وبشاشته ودماثة أخلاقه قد جعلته نعمةً عظيمةً على الجميع. وقد اعتاد أن يصرف جزءًا كبيرًا من كلّ ليلة في التّأمل والمناجاة. وكان يشتغل منذ باكورة الصّباح إلى المساء، باسثناء فترة القيلولة القصيرة بعد طعام الظّهيرة، في القراءة وكتابة الإجابات على الرّسائل التّي ترد من جميع الجهات وفي الاعتناء بأمور المنزل العديدة وفي شؤون الأمر المبارك، ويخرج عصرًا للتنزّه وترويح النّفس مشيًا على الأقدام أو راكبًا عربة، وحتّى في ذلك الوقت كان يصحبه واحد أو اثنان أو جماعة


من الزّائرين الذّين كان يحادثهم في أمور روحانيّة أو يتحيّن الفرص للاهتمام بأمر بعض الفقراء أو زيارتهم. وعند عودته كان يدعو الأحبّاء عادةً لاجتماع المساء في بهوه، ويضيف طائفةً كبيرةً من الزّائرين والأحبّاء، ويتحفهم بالأحاديث الفكهة بالإضافة إلى أحاديثه الرّوحانيّة القيّمة في مواضيع متنوّعة جدًا. وكان يصرّح: "إنّ منزلي منزل السّرور والانشراح"، وحقيقةً، كان الأمر كما يقول، فقد كان يبتهج بجمعه الكثيرين من النّاس من أجناس مختلفة وألوان وأديان مختلفة بالمحبّة والوفاق التّام على مائدة كرمه.



صعود عبدالبهاء



استمّرت أعمال عبدالبهاء العديدة على حالتها، ولم تنقص إلاّ قليلاً، رغم ما بدا عليه من التّعب والضّعف الجسماني حتّى آخر يوم أو يومين من حياته. ففي يوم الجمعة 25 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1921 شهد صلاة الجمعة في مسجد حيفا، وبعد ذلك وزّع المساعدات بيده على الفقراء كعادته، وبعد الغداء أملى بعض الرّسائل، ولمّا استراح مشى داخل الحديقة وتكلّم مع البستانيّ، وفي المساء بارك زواج أحد الخدّام المخلصين في البيت المبارك في ذلك اليوم، وقدّم النّصائح إليه، وحضر بعد ذلك اجتماع الأحبّاء في بهوه، وبعد مرور ثلاثة أيّام، أي في السّاعة الواحدة والنّصف صباحًا من يوم الإثنين 28 نوفمبر (تشرين الثّاني) توفّي بسلام، حتّى أنّ ابنتيه اللّتين كانتا بجانبه ظنتّا أنّه نائم.



وذاعت الأخبار المحزنة في جميع المدينة، وأبرقت إلى جميع


أنحاء العالم. وفي ثاني يوم (أي الثّلاثاء 29 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1921) جرى تشييع الجثمان:-



"موكب لم تر مدينة حيفا ولا أرض فلسطين مثله... وكذلك كان شعور التأثّر الشّديد الذّي جمع آلاف المعزّين من أديان مختلفة وأجناس متنّوعة وألسن متعدّدة. وحضر المندوب السّامي... وكبار موّظفي الحكومة وقناصل الدّول المختلفة ورؤساء الأديان وجموع من اليهود والمسيحيّين والمسلمين والدّروز والمصريّين واليونانيّين والأتراك والأكراد وجموع كثيرة من أحبّائه الأمريكيّين والأوروبيّين ومن المواطنين رجالاً ونساءً وأطفالاً... وبلغ عددهم زهاء العشرة آلاف يندبون فقدانهم لمحبوبهم... ويصرخون بصوت واحد: "يا ربّنا! يا الله! قد تركنا والدنا! قد تركنا والدنا...



"وصعد النّاس جبل الكرمل صعودًا وئيدًا... وبعد مسيرة بطيئة وصلوا إلى حديقة مقام الباب... ولمّا اكتظّت الجماهير حوله في البهو الذّي يلي المقام، ارتفعت أصوات نوّاب المذاهب المختلفة... وقلوبهم جميعًا متأجّجة بنيران محبّة عبدالبهاء وألسنتهم تلهج بالثّناء والحزن الشّديد في وداعهم الأخير لمحبوبهم، وهم بنهاية الخضوع، وقد اتّحد الكلّ عند تأبينه في أنّه المعلّم الحكيم والمؤلّف للجنس البشريّ في هذا العصر الحاضر الحائر الكئيب. واسترسلوا في مراثيهم حتّى لم يتركوا للبهائيّين أنفسهم شيئًا يقولونه."([14])


وقد خطب تسعة من الخطباء البارزين الذّين مثّلوا الهيئات الدّينيّة المختلفة، وبرهنوا بعبارات مؤثّرة بليغة على محبّتهم وإعجابهم بالحياة الطّاهرة النّبيلة التّي انتهت أخيرًا وكان عهدهم بها قريبًا. وبعد ذلك مرّ التّابوت بهدوء إلى مثواه المقدّس البسيط.



حقًّا إنّ ذلك كان ثناءً جميلاً في ذكرى من قضى أيّام حياته كلّها من أجل وحدة الأديان والأجناس والألسن، فهو ثناء وبرهان في الوقت ذاته على أنّ أعماله طيلة حياته لم تكن عبثًا وعلى أنّ المثل العليا التّي جاء بها بهاءالله والتّي كانت الإلهام له بل كانت حياته ذاتها، ابتدأت تخترق آفاق العالم، وتكسر الحواجز المذهبيّة المتنوّعة التّي أبعدت أهل الأديان بعضهم عن بعض مدّة قرون عديدة، وكذلك قضت على الانشقاقات التّي سيقت إليها الأسرة الإنسانيّة.



آثاره الكتابيّة وخطبه



إنّ آثار عبدالبهاء عديدة جدًّا، وأغلبها على هيئة رسائل للمؤمنين وأجوبة على أسئلة الطّالبين، وقد دوّنت أكثر خطبه وأحاديثه وطبع منها الكثير، كما قام ألوف الزّائرين والمسافرين الذّين زاروه في عكّا وحيفا بتدوين تفاصيل انطباعاتهم ومشاهداتهم. وكثير من هذه المدوّنات مطبوع الآن وفي متناول من يريد الاطّلاع عليه.



بذلك حفظت جميع آثاره وخطبه حفظًا تامًّا. وهي تشمل مواضيع عديدةً. وقد عالج العديد من مشاكل الشّرق والغرب ببيانات أوسع ممّا بيّنه والده، وطبّق عليها الأصول العامّة التّي


وضعها بهاءالله. ولم يترجم الكثير من كتاباته للآن إلى اللّغات الأجنبيّة، ولكن ما سبقت ترجمته منها ممّا هو في متناول اليد يكفي لأن تعرف منه أهم المبادئ الأساسيّة التّي عالجها معرفةً عميقةً تامّةً.



وكان يتكلّم الفارسيّة والعربيّة والتركيّة. وخلال أسفاره في بلاد الغرب كانت تترجم خطبه وأحاديثه. ومن الواضح أنّ التّرجمة تفقد كثيرًا من الجمال الأصلي والفصاحة والبلاغة، إلاّ أنّ قوّة الرّوح التّي رافقت كلماته كانت مؤثّرة نافذةً في جميع الذّين أصغوا إليه.



مقام عبدالبهاء



إنّ المقام الفريد الذّي خصّ الجمال المبارك به عبدالبهاء يعرف من العبارة التّالية التّي كتبها بيده بالنّص:



"إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدء في المآل، توّجهوا إلى من أراده الله الذّي انشعب من هذا الأصل القديم".([15])



وكتب كذلك:



"أرجعوا ما لا عرفتموه من الكتاب إلى الفرع المنشعب من هذا الأصل القويم"([16]).



وقد كتب عبدالبهاء نفسه ما يلي مترجمًا:



"بصريح الكتاب الأقدس، جعل بهاءالله مركز الميثاق مبيّنًا لكلمته – وهو ميثاق غليظ لم تشاهد الأدوار الدّينيّة شبهه منذ أوّل


الأزمنة حتّى اليوم".



وقد أدّت العبوديّة الخالصة التّي روّج بها عبدالبهاء دين بهاءالله في الشّرق والغرب إلى اضطراب آراء المؤمنين حول مقامه، فالبعض وقد أدركوا طهارة الرّوح التّي تتجلّى في أقواله وأفعاله صاروا يشعرون تحت تأثير عقائدهم السّالفة المنهارة أنّهم سوف يجلّونه إذا شبّهوه بـ "المسيح" أو سمّوه بـ "رجعة المسيح". ولم يحزن عبدالبهاء شيء أكثر من عدم انتباههم إلى أنّ قابليّة عبدالبهاء وقدرته على خدمة بهاءالله نشأت عن صفاء المرآة في توجّهها لشمس الحقيقة ولم تنشأ عن كونه الشّمس بذاتها.



وعلاوةً على ذلك فإنّ دين بهاءالله على خلاف الظّهورات السّابقة يحتوي على قدرة مجتمع إنسانيّ عالميّ. وخلال عهد عبدالبهاء بين سنتي 1892 و1921، تدرّج الدّين البهائيّ في مراحل متعاقبة من التطوّر نحو نظام عالميّ حقيقي، واقتضى تطوّره توجيهًا مستمرًّا وإرشادًا معيّنًا من جانب عبدالبهاء الذّي أحاط وحده عرفانًا بتمام الدّين المهيمن الجديد الذّي جاء إلى الكرة الأرضيّة في هذا القرن. وكان البهائيّون، قبل الوقت الذّي فيه فتحت وصيّة عبدالبهاء بعد صعوده حين شرح فحواها شوقي أفندي وليّ أمر الله، ينسبون إلى مولاهم المحبوب درجة السّلطة الرّوحانيّة المكافئة لسلطة المظهر الإلهيّ.



ولم يمض وقت طويل إلاّ وشعرت الجامعة البهائيّة بآثار هذا الحماس والاندفاع السّاذج، وأدركت سرّ العبوديّة والفناء المنقطع النّظير، وعرف البهائيّون في جميع أنحاء العالم طبيعة الرّسالة الفريدة التّي أنجزها عبدالبهاء. فالأمر الإلهيّ الذّي كان


يبدو سنة 1892 ضعيفًا لا حول ولا قوّة له ولا قوّة بسبب نفي وسجن مبيّنه الفريد، قد أقام منذ تلك السّنة حتّى اليوم جامعات بهائيّة بقوّة لم يمكن لأحد صدّها في الكثير من أقطار العالم([17]) وتحدّى وهن المدنيّة وتفسّخها ببياناته التّي تستطيع وحدها أن تكشف عن مستقبل إنسانيّة يائسة، وقد أوضحت وصيّة عبدالبهاء وضوحًا تامًّا مقام الباب ومقام بهاءالله ومقام عبدالبهاء نفسه إذ تفضّل فيها ما ترجمته:



"إنّ حضرة الرّب الأعلى مظهر الوحدانيّة والفردانيّة الإلهيّة والمبشّر بجمال القدم وإنّ حضرة الجمال الأبهى روحي لأحبّائه الثّابتين فداء المظهر الكلّي الإلهيّ ومطلع الحقيقة المقدّسة الرّبانيّة وما سواه (كلّ عباد له وكلّ بأمره يعملون)".



وبهذا البيان وغيره من البيانات المتعدّدة أكّد عبدالبهاء أهميّة قيام الفرد البهائيّ ببناء معلوماته حول دين الله على رسائله العموميّة للعالم البهائيّ: وهو أساس تبنّى عليه وحدة العقيدة، وينتج عن هذا أيضًا اختفاء اختلاف الرّأي الناشىء من الرّجوع إلى رسائله التّي أرسلها إلى الأفراد جوابًا على أسئلتهم الشّخصيّة. وفوق كلّ هذا، كان تأسيس نظام إداريّ محدّد، على رأسه وليّ أمر الله، وقد نقل إلى المؤسّسات البهائيّة كلّ شكل من أشكال السّلطة والمقام والهيبة التّي اقتضى التّدبير أن يتمتّع بها سابقًا أفراد بهائيّون في جامعات محليّة مختلفة.


عبدالبهاء المثل الأعلى للحياة البهائيّة



كان بهاءالله هو المنزّل للكتاب. ولم يترك سجن الأربعين سنة له فرصةً تمكنّه من التحدّث إلى مواطنيه إلاّ قليلاً. لهذا ترتّب على عبدالبهاء العبء الكبير في أن يكون مبيّنًا للكتاب ومنفذًّا لكلمة الله ومثلاً أعلى للحياة البهائيّة في اتصاله الفعلي المباشر بعالم اليوم بما هو عليه من وجهات النّظر المختلفة والمجهودات المتنوّعة. وقد أرانا عبدالبهاء أنّ من الممكن لأيّ شخص أن يعيش عيشة الإخلاص التّام لله وخدمة النّاس كما يطلبها جميع رسل الله بالرّغم من كلّ المشاكل التّي أوجبتها الحياة الحديثة ورغم ما هو سائد في العالم من محبّة الذّات والتّنازع على السّعادة الماديّة. وقد قام بنفسه كالمنارة العظيمة المبنيّة على الصّخر وهي ثابتة لا تتزعزع من هبوب أرياح عاصفات في الشّتاء ولا من تلاطم أمواج البحار في الصّيف تحيط به المحن والرّزايا وتقلبّات الأيّام والافتراءات والخيانة من جهة وتحفّه المحبّة والإخلاص والاحترام والثّناء من جهة أخرى. فقد عاش عيشةَ الإيمان ودعا أتباعه على أن يتّبعوه ويحذوا حذوه فيها دون تأخير. فرفع راية الوحدة والسّلام وعلم العصر الجديد بين آفاق العالم المتحارب وأكّد للذّين هبّوا لمساعدته أنّ روح هذا اليوم الجديد سيلهمهم وهو نفس الرّوح القدس الذّي ألهم الرّسل والقدّيسين السّابقين إلاّ أنّه فيض جديد للرّوح القدس يلائم مقتضيات العهد الجديد.





([1]) جمال القدم لقب من ألقاب بهاءالله.


([2]) مترجم من يوميّات ميرزا أحمد سهراب كانون الثاّني (يناير) 1914.


([3]) ورد هذا الحديث النّبوي في الباب الخامس من هذا الكتاب في أحد ألواح بهاءالله.


([4]) من الطّريف مقارنة هذه القصّة بقصّة ميلاد يوحنّا المعمدان الواردة في الإصحاح الأوّل من إنجيل مرقس.


([5]) مترجم عن كتاب الدّيانة الاجتماعيّة الحديثة الصّفحة 171 تأليف هوريس هولي.


([6]) مترجم من (كتاب نظرات في عبدالبهاء) الصّفحة 13.


([7]) مترجم من كتابه (في الجليل) الصّفحة 51.


([8]) مترجم من كتابها "موجز لزيارتي عكّاء" الصّفحة 26.


([9]) مترجم من كتابه (في الجليل) الصفحة 24.


([10]) مترجم من مكاتيب عبدالبهاء ج2 ص258 و 263.


([11]) مترجم من مكاتيب عبدالبهاء ج2 ص258 و 263.


([12]) مترجم عن (مجلّة نجمة الغرب ج 5 ص 213 العدد 14).


([13]) تسمّى هذه الرّسائل بالذّات (ألواح الخطّة الإلهيّة).


(1) مترجم من (كتاب صعود عبدالبهاء) بقلم شوقي أفندي والليدي بلومفيلد.


(1) من الكتاب الأقدس وكتاب عهدي.


(2) من الكتاب الأقدس.


([17]) ففي سنة 1969 بلغ عدد الأقطار المستقلّة 139 قطرًا وعدد الأقاليم التّابعة والجزر الهامّة 173 إقليمًا وجزيرةً.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الخامس

ما هو البهائيّ



"لا بدّ وأن يظهر من الإنسان ثمر، لأنّ الإنسان الخالي من الثّمر، كما نطق به حضرة الرّوح "المسيح"، بمثابة الشّجر بلا ثمر – والشّجر بلا ثمر لائق للنّار"
- بهاءالله –([1])




إنّ هربرت سبنسر قال مرّة أنّه لا يمكن أبدًا لأيّة كيمياء سياسيّة أن تبدّل الغرائز الرصاصيّة إلى أخلاق ذهبيّة. وعلى هذا المنوال لا يمكن الحصول على جامعة بشريّة ذهبيّة من أشخاص طبائعهم رصاصيّة باستعمال أيّة كيمياء سياسيّة. وقد أعلن بهاءالله هذه الحقيقة كما أعلنها جميع الرّسل السّابقين، وعلّم النّاس أنّه من أجل تأسيس ملكوت الله على الأرض يجب أوّلاً تأسيسها في القلوب البشريّة. ولذلك إذا أردنا فحص التّعاليم البهائيّة، علينا أن نبدأ بإرشادات بهاءالله ونصائحه الخاصّة بسلوك الفرد، وعلينا أن نكوّن لأنفسنا صورةً واضحةً عن معنى كون الشّخص بهائيّا.


الحياة البهائيّة



لمّا سُئل عبدالبهاء في إحدى المناسبات "ما هو البهائيّ؟" أجاب:



"لكي تكون بهائيّا يلزمك أن تحبّ العالم وتحبّ الإنسانيّة وأن تجتهد في خدمتها وأن تعمل للسّلام والأخوّة العامّة".



وفي مناسبة أخرى عرّف البهائيّ:



"إنّه الشّخص المتحلّي بالكمالات الإنسانيّة في الحياة العمليّة".



وفي إحدى خطبه في لندن قال بأنّ الإنسان يمكنه أن يكون بهائيّا ولو لم يكن قد سمع باسم بهاءالله ثمّ أضاف قائلاً:



"إنّ الذّي يعيش طبقًا لتعاليم بهاءالله هو بهائيّ سلفًا، وعلى العكس من ذلك قد يدعو إنسان نفسه بهائيّا مدّة خمسين سنة ولكنّه إذا لم يكن يحيا الحياة البهائيّة فإنّه ليس بهائيّا. والرّجل القبيح ربّما يسّمي نفسه جميلاً، ولكنّه لا يخدع أحدًا"([2]).



ومثل من يكون جاهلاً برسل الله كمثل نبات ينمو في الظّل، فمع أنّه لم ير الشّمس فإنّه مع ذلك متوقّف في وجوده الكلّي عليها. والرّسل العظام شموس روحانيّة. وبهاءالله هو شمس هذا اليوم الذّي نعيش فيه. وقد سبق لشموس الأيّام السّالفة أن منحوا العالم الدّفء والحياة. ولو لم تشرق تلك الشّموس لأصبحت الأرض باردةً ميّتةً. ولكنّ أشعّة شمس هذا اليوم وحدها الكفيلة بإنضاج أثمارها التّي مسّتها الشّموس السّالفة وبعثت فيها الحياة.


الإخلاص لله



من أجل أن نحيا حياةً بهائيّة بكامل معناها، لا بدّ لنا من تكوين اتّصالات عقليّة مباشرة واعية مع بهاءالله. فهي ضروريّة لازمة كلزوم أشّعة الشّمس لتفتح الزّنابق والورود. فالبهائيّ لا يعبد الشّخص البشريّ لبهاءالله بل يعبد البهاء الإلهيّ الظّاهر منه. وتراه يحترم المسيح ومحمّدًا وجميع رسل الله السّابقين الذّين جاءوا إلى العالم الإنسانيّ، ولكنّه يعتبر بهاءالله حامل رسالة الله إلى عصرنا الجديد الذّي نعيش فيه، وأنّه هو المعلّم العالميّ العظيم الذّي جاء ليتمّم العمل الذّي بدأه أسلافه من الرّسل ويحقّقه.



إنّ مجرّد الإذعان الفكري للعقيدة لا يجعل الإنسان بهائيّا، وكذلك لا تستطيع الاستقامة الظّاهريّة في الأخلاق والسّلوك وحدها أن تجعله بهائيّا، بل إنّ بهاءالله يطلب من المؤمنين به إخلاصا قلبيًّا كاملاً وولاءً تامًّا. ويحقّ لله وحده أن يطلب هذا الطّلب من النّاس، ولكنّ بهاءالله يتكلّم باعتباره مظهرًا من مظاهر الله والمعبّر عن إرادته تعالى. وقد كان الرّسل السّابقون صريحين في هذه النّقطة بنفس صراحة بهاءالله فقد قال السّيد المسيح لتلاميذه: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإنّ من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها"([3]).



وقد قالت المظاهر الإلهيّة جميعها نفس هذا القول بكلمات


أخرى وطلبت نفس هذا الطّلب من أتباعها. وترينا تواريخ الأديان بكلّ وضوح أنّ هذا الطّلب إذا ما استجيب نمت الأديان وترعرعت بالرّغم من جميع المقاومات الأرضيّة وبالرّغم من جميع ما يصيب المؤمنين من المصائب والاضطهادات والاستشهادات، في حين أنّ الأديان تبدأ بالتّفسخ والانحلال كُلّما زحفت المساومات إلى داخلها، وكلّما أخذ حبّ المنزلة الاجتماعيّة والجاه محلّ حبّ التّضحية التّامّة. وعندما تصبح الأديان مكيّفةً ومحوّرةً لتطابق النّمط العصري الحديث تفقد قوّتها في إنقاذ النّاس وتبديل قلوبهم، وتفقد قوّتها في عمل المعجزات. فالدّين الحقيقي لم يكن يومًا ما مكيّفًا ومحوّرًا ليطابق النّمط العصري الحديث. ولو فرض أن أصبح الدّين يومًا ما مكيّفًا فالواقع أنّه يبقى كما كان الأمر في أيّام المسيح: "الباب الضيّق والطريق الضيّق الذّي يؤدّي إلى الحياة وقليلون هم الذّين يجدونه"([4]) والباب الموصل إلى الولادة الرّوحانيّة كالباب الموصل إلى الولادة المادّية يسمح بدخول النّاس واحدًا واحدًا من دون ازدحام. وإذا ما استطاع في المستقبل كثير من النّاس الدّخول فيه أكثر ممّا دخلوا في الماضي، فإنّ هذا لا يعني حدوث أي توّسع في الباب، بل يعود إلى نزعة في النّاس أقوى إلى "استسلام أعظم" لإرادة الله ويعود كذلك إلى أنّ المحن الطّويلة المريرة قد جاءت بهم أخيرًا ليروا سوء عاقبة اختيارهم طريقهم الخاص بدلاً من اختيارهم طريق الله.


البحث عن الحقيقة



يحتّم بهاءالله على جميع أتباعه الأخذ بالعدل والإنصاف ويعرّفه لهم ويحدّده لهم بهذه الكلمات:-



"هو خروج العبد عن الوهم والتّقليد والتّفرّس في مظاهر الصّنع بنظر التّوحيد والمشاهدة في كلّ الأمور بالبصر الحديد"([5]).



فيتحتّم على كلّ فرد أن يرى بنفسه الجمال الإلهيّ المتجلّي في الهيكل البشريّ لبهاءالله ويدركه إدراكًا تامًّا وإلاّ فإنّ الدّين البهائيّ إذا ما اعتنقه يكون له مجرّد اسم بدون معنى. وقد دعت رسل الله النّاس دائمًا أن يفتحوا أعينهم لا أن يغمضوها وأن يستعملوا عقولهم لا أن يخمدوها.



والأمر الذّي يمكنّهم من اختراق سحب التّعصب وكسر قيود التّقليد الأعمى والوصول إلى حقيقة الدّين الجديد إنّما هو: بصيرتهم الحادّة وتفكيرهم الحرّ لا إذعانهم إذعان هوان وذلّة.



والمرء الذّي يريد أن يكون بهائيّا، يلزمه أن يكون باحثًا شجاعًا عن الحقيقة، ولكنّه يجب أن لا يقتصر بحثه على الأفق المادّي بل يجب أن تكون قواه الرّوحانيّة الحسّاسة يقظة كما تكون قواه الماديّة يقظة. ويجب عليه أن يستعمل كلّ الملكات التّي وهبها له الله من أجل الوصول إلى الحقيقة، وأن لا يؤمن بشيء دون دليل كاف متين. والباحث الجاد إذا كان قلبه طاهرًا وعقله حرًّا من التّعصب، لن يفشل في تشخيص العظمة الإلهيّة في أيّ هيكل بشريّ تجلّت


فيه. وفوق هذا كلّه يصرّح بهاءالله في (لوح الطّرازات):



"الطّراز الأوّل والتّجلي الأوّل الذّي أشرق من أفق سماء أمّ الكتاب في معرفة الإنسان نفسه وما هو سبب لعلّوه ودنوّه وذلّته وعزّته وثروته وفقره". وكذلك يصرّح في (لوح كلمات الحكمة):



"أصل كلّ العلوم هو عرفان الله جلّ جلاله وهذا لن يحقّق إلاّ بعرفان مظهر نفسه".



والمظهر الإلهيّ هو الإنسان الكامل والمثل الأعلى للعالم الإنسانيّ، وهو الثّمرة الأولى لشجرة الإنسانيّة، وما لم نعرفه لن نعرف القابليّات الكامنة في أنفسنا. ويخبرنا السيّد المسيح أن نتأمّل الزّنابق كيف تنمو ويصرّح: "إنّه ولا سليمان في كلّ مجده كان يلبس كواحدة منها"([6]). فالزّنبقة تنمو من برعم غير جميل في مظهره الخارجي. فإن نحن لم نر الزّنبقة تتفتّح، ولم نمتّع النّظر بجمال أوراقها الذّي لا يدانيه جمال آخر، فكيف نعرف الحقيقة التّي يحتويها ذلك البرعم؟ وقد نشرحها بعناية بالغة، ونفحصها بدّقة متناهية، لكنّنا لن نكتشف الجمال الرّاقد الذّي يعرف البستاني وحده كيف يوقظه أمام أعيننا. وكذلك الأمر إذا لم نر جمال الله المتجلّي في المظهر الإلهيّ، لن نعرف شيئًا عن الجمال الرّوحانيّ الكامن في طبيعة أنفسنا وفي طبيعة رفاقنا البشر. وعن طريق عرفان المظهر الإلهيّ ومحبّته واتّباع أوامره نستطيع شيئًا فشيئًا مشاهدة الكمالات الكامنة في أنفسنا، وحين ذلك فقط يتجلّى أمام أعيننا معنى الحياة ومغزاها ومعنى الكون ومغزاه.


محبّة الله



إنّ عرفان مظهر الله يعني محبّته أيضًا. ومن المستحيل أن يتحقّق أحدهما دون تحقّق الآخر، ويقول بهاءالله أنّ الغرض من خلقة الإنسان هو من أجل أن يعرف الله ويعبده، فيقول في أحد الألواح ما ترجمته:



"إنّ علّة خلق الممكنات كان الحبّ كما ورد في الحديث المشهور: كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف".



ويقول بهاءالله في الكلمات المكنونة:



"يا ابن الوجود أحببني لأحبّك أن لم تحبنّي لن أحبّك أبدًا فاعرف يا عبد".



"يا ابن المنظر الأعلى أودعت فيك روحًا منّي لتكون حبيبًا لي لم تركتني وطلبت محبوبًا سوائي".



ما أبدع "أن تكون محبًّا لله!" إنّ هذا الغرض من الحياة لدى البهائيّ، وحين يتّخذ الله حبيبًا قريبًا ورفيقًا ودودًا ومحبوبًا فريدًا يجد في المثول في محضره منتهى الفرح والابتهاج. وتعني محبّة الله محبّة كلّ شيء وكلّ شخص لأنّ الكلّ من الله. والبهائيّ الحقيقي هو المحبّ الكامل. فهو يحبّ كلّ شخص بقلب طاهر حبًا جمًّا، ولا يكره أحدًا، ولا يحتقر نفسًا، لأنّه قد تعلّم أن يرى وجه المحبوب في كلّ وجه ويكتشف آثاره في كلّ مكان. فلا تعرف محبتّه أيّة حدود مذهبيّة أو قوميّة أو طبقيّة أو عرقيّة، فيقول


بهاءالله في لوح الدّنيا ما ترجمته:



"قد قيل في السّابق حبّ الوطن من الإيمان لكن لسان العظمة ينطق في يوم الظّهور: ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم". وكذلك يقول في الكلمات الفردوسيّة بالنّص:-



"طوبى لمن اختار أخاه على نفسه إنّه من أهل البهاء". وقد أخبرنا عبدالبهاء بأنّنا يجب أن نكون "كنفس واحدة في أجساد متعدّدة، لأنّنا كلّما ازدننا في حبّ بعضنا ازددنا قربًا إلى الله". كما خاطب جمعًا من الأمريكيين فقال:



"والأديان الإلهيّة التّي أسّستها المظاهر المقدّسة الإلهيّة كلّها في الحقيقية دين واحد، ولو أنّها تختلف بالإسم والرّسم. ويجب على المرء أن يكون عاشقًا للنّور من أيّ مصدر جاءه، وعليه أن يكون عاشقًا للورد في أيّة تربة نبت، وعليه أن يكون باحثًا عن الحقيقة من أيّ منبع جاءت، فالتعلّق بالمصباح لا يسمّى حبًا للنّور والتّعلق بالأرض لا يغني عن متعة الورد الذّي ترعرع في التّربة اللاّئقة به، والولاء للشّجرة لايفيد إن لم ينتفع بثمرتها. فيجب عليه أن يتمتّع بالفواكه الشهيّة من أيّة شجرة ظهرت، وكلمات الحقّ يجب الإذعان إليها من أيّ لسان خرجت، والحقائق المطلقة ينبغي قبولها في أيّ كتاب دوّنت، وإذا نحن آوينا إلى التّعصب واتخذناه جبلاً يعصمنا، فإنّ ذلك يؤدّي بنا إلى الجهل والحرمان. إنّ النّزاع بين الأديان والأمم والأجناس ينشأ عن سوء التّفاهم، وإذا نحن تحرّينا الأديان في سبيل اكتشاف المبادئ التّي تقوم عليها، فسنجدها جميعًا متّفقة فيما بينها، لأنّ حقيقتها الأساسيّة واحدة، لا تعدّد فيها، وبهذه


الطّريقة سوف يصل أهل الأديان في العالم إلى ملتقى الوحدة والوئام". ويقول كذلك:



"يجب على كلّ نفس من الأحبّاء أن يحبّ الآخرين ولايبخل عليهم بماله وروحه ويجهد بكلّ الوسائل في أن يجعلهم مسرورين مبتهجين ولكن هؤلاء الأحبّاء الآخرين عليهم أيضًا أن يكونوا نزيهين ومضحّين حتّى يغمر شروق شمس الحقيقة بأشعّته كلّ الآفاق وتبهج هذه النّغمة المحيية للأرواح كلّ الأمم ويكون هذا الدّواء الإلهيّ علاجًا لكلّ الأمراض وأن تكون روح الحقّ سبب الحياة لكلّ نفس"([7]).



الانقطاع



إنّ الولاء لله يتطلّب الانقطاع عن كلّ شيء سواه، وهذا يعني الانقطاع عن الشّهوات الأنانيّة الدنيويّة وحتّى المطامع الأخروية. فالطّريق إلى الله يكون من خلال الغنى أو الفقر ومن خلال الصّحة أو المرض ومن خلال القصر أو السّجن ومن خلال الحديقة أو غرفة التّعذيب، ومهما يكن الأمر فالبهائيّ يقبل بما قدّر الله له "بمنتهى التّسليم والرّضاء". ولايعني الانقطاع عدم مبالاة الإنسان بما حوله من الأشياء، أو يعني الإذعان التّام لظروف الشّر التّي تحيط به، أو يعني احتقار الأشياء الطّيبة التّي خلقها الله. فالبهائيّ الحقيقيّ لن يكون جلمودًا قاسيًا، ولا بليدًا فاقدًا للشّعور، ولا ناسكًا متقشّفًا، ولو أنّه يجد في سبيل الله المتعة التّامة والعمل


الوفير والبهجة الفائقة، لكنّه لن ينحرف قيد شعرة عن طريق الله في سبيل ملاحقة أهوائه، ولن يحوم حول أيّ شيء حرّمه الله. وحينما يصبح المرء بهائيّا، تصبح إرادة الله إرادته، ولن يطيق أن يرى إرادته مباينةً لإرادة الله، ولن تروّعه في سبيل الله أيّة أخطاء، ولن ترعبه أيّة متاعب. فنور الحبّ ينير أظلم أيّامه، ويبدّل آلامه إلى سرور، ويحوّل استشهاده إلى غبطة وانجذاب، ويرتفع بالحياة إلى مستوى البطولة، ويكون الموت له بشارة. ويقول بهاءالله في سورة الهيكل بالنّص:



"من كان في قلبه أقلّ من خردل حبّ دوني لن يقدر أن يدخل ملكوتي"



ويقول في الكلمات المكنونة:



"يا ابن البشر إن تحبّ نفسي فأعرض عن نفسك وإن ترد رضائي فأغمض عن رضائك لتكون فيّ فانيًا وأكون فيك باقيًا"



وكذلك يقول في الكلمات المكنونة:



"يا عبدي تخلّص من قيد ما ملكت وتحرّر من سجن نفسك وأعدد الوقت غنيمةً لأنّك لن ترى هذا الوقت من بعد ولن تجد هذا الزّمان قط."([8])



الطّاعة



إنّ الإخلاص لله يتّضمن الطّاعة التّامة إلى أوامره المنزلة إطاعةً تستمرّ وطيدةً حتىّ ولو لم تعرف أسباب هذه الأوامر. فالملاّح


يطيع أوامر قائد السّفينة دون أدنى ارتياب، لكنّ قبوله لسلطة القائد لا يسمّى قبولاً أعمى، فهو يعلم حقّ العلم أنّ قائد السّفينة قد جرّب خدماته العديدة، وقدّم البراهين العديدة على كفائته وعلى كونه ملاّحًا ماهرًا، وبغير ذلك تكون خدمة هذا الملاّح تحت لواء القائد غباءً وحماقةً. وكذلكم البهائيّ يجب أن يطيع قائد سفينة نجاته بتمام الثّقة، لكنّه يكون غبيًّا قليل العقل إن هو لم يتأكّد في ابتداء الأمر من أنّ قائد سفينته هو ممّن قامت البراهين العديدة على لياقته وكفائته وحقيقته. وإذا ما توصّل إلى تلك البراهين، فإنّ رفضه الطّاعة له يكون حمقًا وغباءً أعظم، لأنّنا عن طريق هذه الطّاعة المدركة الواعية لأوامر القائد الحكيم نستطيع أن نحصد منافع حكمته، ونكسب هذه الحكمة لأنفسنا، وإذا لم يكن قائد السفينة حكيماً إلى هذه الدرجة من الحكمة، وإذا لم يطعه أحد من البحّارة، فكيف تصل سفينتهم سالمةً إلى ساحل النّجاة؟ أو كيف يتعلّم الملاّحون فنّ الملاحة منه مهما كان هو نفسه حكيمًا؟ وقد أشار السّيد المسيح بكلّ وضوح إلى أنّ هذه الطّاعة هي السّبيل إلى العرفان فقال: "تعليمي ليس لي بل للذّي أرسلني. إن شاء أحد أن يعمل مشيئته، يعرف التّعليم هل هو من الله أم أتكلّم أنا من نفسي"([9]).



وكذلك يقول بهاءالله في لوح التّجلّيات ما ترجمته:



"إنّ الإيمان باللّه وعرفانه لا يتحقّقان إلاّ بتصديق كلّ ما نزل فيه وكذلك بالعمل بما أمر وبما نزل في الكتاب من القلم الأعلى".


والطّاعة التّامة المطلقة ليست من الفضائل المألوفة في هذه الأيّام الديمقراطيّة. وفي الواقع إنّ الخنوع التّام لإرادة أيّ إنسان خطر مدّمر ولكنّ وحدة العالم الإنسانيّ ممكنة عن طريق وفاقنا التّام فرادى وجمعًا مع الإرادة الإلهيّة. وما لم يأت دين إلهيّ يوضّح هذه الإرادة فإنّ الحروب والمنازعات سوف تستمر، ويتمادى النّاس في معارضتهم بعضهم بعضًا، وفي تكريس جزء كبير من جهودهم لتفنيد جهود الآخرين ودحضها بدلاً من العمل معًا بوئام من أجل تمجيد الله ومن أجل المصلحة العامّة.



الخدمة



إنّ الإخلاص لله يستلزم خدمتنا للنّاس في حياتنا. ولن نستطيع خدمة الله بأيّ طريق آخر. وإذا ولّينا ظهورنا للنّاس فإنّنا نولي ظهورنا لله ويقول السّيد المسيح: "الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلمتوه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم"([10])، وكذلك يقول بهاءالله:-



"يا ابن الإنسان إن تكن ناظرًا إلى الفضل ضع ما ينفعك وخذ ما ينتفع به العباد، وإن تكن ناظرًا إلى العدل اختر لدونك ما تختاره لنفسك."([11])



ويقول عبدالبهاء:



"إنّ الفنون والعلوم وجميع الحرف تعتبر في الأمر البهائيّ نوعًا


من أنواع العبادة. فالرّجل الذّي يصنع قطعةً من الورق ويجيد صنعها بأحسن ما يستطيع من قابلياته ويرّكز جميع قواه تركيزًا واعيًا على اتقانها وجودتها إنّما يمجّد الله بعمله. وعلى سبيل الاختصار أن كلّ سعي وجد يبذله الإنسان من كلّ قلبه هو عبادة إذا كان الدّافع له ساميًا يهدف خدمة الإنسانيّة. فخدمة الإنسانيّة والعناية باحتياجات النّاس هو عين العبادة، والخدمة العامّة عبادة. فالطّبيب الذّي يعنى بالمرضى باللّطف والحنان خاليًا من التّعصب ومؤمنًا بوحدة الجنس البشريّ، إنّما يمجّد الله بعمله"([12]).



التّبليغ



إنّ البهائيّ الحقيقي فضلاً عن إيمانه بتعاليم بهاءالله يجد فيها مرشدًا وملهمًا له في جميع شؤون حياته، وبكلّ فرح وابتهاج يبلّغ غيره بهذه التّعاليم، وبهذا العرفان الذّي هو ينبوع وجوده وبعمله هذا وحده يمكنه أن يحصل على "قوّة الرّوح وتأييداتها" بكلّ معنى الكلمة. نعم إنّ كافّة النّاس لا يقدرون أن يصبحوا خطباء مفوّهين أو كتّابًا قديرين، ولكنّهم جميعًا يقدرون أن يبلّغوا النّاس "بعيشهم الحياة البهائيّة" فيقول بهاءالله:



"ينبغي لأهل البهاء أن ينصروا الرّب ببيانهم، ويعظوا النّاس بأعمالهم وأخلاقهم، فأثر الأعمال أنفذ من أثر الأقوال... إنّ تأثير الكلام أمر منوط بخلوص نيّة المبلّغ وانقطاعه، فلقد قنع البعض بالأقوال ولكنّ الأعمال شاهد أمين ودليل واضح على صدق


الكلام. وإنّ مقام الإنسان يظهر ويتجلّى بأعماله وأفعاله. ويجب أن تطابق الأقوال كلّ ما نزل من لسان المشيئة الإلهيّة"([13]).



وليس للبهائيّ في أيّ حال من الأحوال أن يملي أفكاره على الذّين لايريدون سماعها، فهو يجذب النّاس إلى ملكوت الله لا أن يحاول سوقهم إليها سوقًا. فهو كالرّاعي الصّالح يهدي قطيعه ويبهجه بتغنّياته، وليس كالرّاعي الذّي يسوق قطيعه بعصاه وكلبه من خلفه.



ويقول بهاءالله في الكلمات المكنونة:



"يا ابن التّراب إنّ حكماء العباد هم الذّين لا ينسبون ببنت شفة إلاّ إذا وجدوا سميعًا. مثلهم كمثل السّاقي لا يقدّم الكأس إلاّ إذا وجد له طالبًا، والعاشق لا يصيح من أعماق قلبه إلاّ إذا فاز بجمال المعشوق. إذًا فانثر حبّات الحكمة والعلم في أرض القلب الطيّبة واسترها حتّى تنبت سنبلات الحكمة الإلهيّة من القلب لا من الطّين"([14]).



ومرّة أخرى يقول في لوح الإشراقات:



"يا أهل البهاء كنتم ولا زلتم مشارق محبّة الله ومطالع عنايته، فلا تدّنسوا ألسنتكم بسبّ أحد ولعنه، وغضّوا أبصاركم عمّا لا يليق بها. أظهروا ما عندكم، فإنّ قبل فالمقصود حصل، وإلاّ فالتعرّض باطل. ذروه بنفسه مقبلين إلى الله المهيمن القيّوم. ولا تكونوا سببًا في حزن أحد، فضلاً عن الفساد والنّزاع، عسى أن تتربّوا في ظلّ


سدرة العناية الإلهيّة، وتعملوا بما أراده الله. كلّكم أوراق شجرة واحدة وقطرات بحر واحد"([15]).



الأدب والاحترام



يقول بهاءالله في لوح الدّنيا ما ترجمته:



"يا حزب الله أوصيكم بالأدب فهو في المقام الأوّل سيّد الأخلاق طوبى لنفس تنوّرت بنور الأدب وتزيّنت بطراز الاستقامة. فصاحب الأدب صاحب مقام عظيم. أرجو أن يكون هذا المظلوم وأنتم جميعًا قادرين متمسّكين ومتشبّثين به وناظرين إليه. فهذا هو الحكم المحكم الذّي جرى ونزل من قلم الاسم الأعظم".



وكذلك يقول مرارًا وتكرارًا:-



"فلتعاشر أمم العالم بعضها بعضًا بالرّوح والرّيحان. عاشروا يا قوم مع الأديان بالرّوح والرّيحان".



ويقول عبدالبهاء قي لوح إلى أحد الأحبّاء الأمريكيّين ما ترجمته:-



"إيّاكم إيّاكم أن تكدّروا قلبًا،

"إيّاكم إيّاكم أن تؤذوا أحدًا،

"إيّاكم إيّاكم أن تعاملوا إنسانا بغير المحبّة،

"إيّاكم إيّاكم أن تكونوا سببًا في يأس مخلوق،

"وإنّ أيّ إنسان يحزن قلبًا أو يكون سببًا في قنوط أحد خير له أن يطمر نفسه تحت أطباق الثرى من أن يعيش فوق سطح الأرض".


وهو يعلّمنا أنّ روحًا من الله يكمن في قلب كلّ إنسان مهما كان ذلك الإنسان قاسيًا جافيًا بشعًا في ظاهره، كما تكمن الزّهرة في برعمها. ولهذا فالبهائيّ الحقيقي هو الذّي يعامل كلّ إنسان كما يرعى البستاني شجرةً نادرةً جميلةً، وهو يعلم أنّ أيّ تدخل مستعجل من جانبه لا يمكن أن يؤدّي إلى تفتّح أكمامها من براعهما، لكنّ أشّعة شمس الله وحدها تستطيع تحقيق ذلك. ولهذا فإنّ هدفه هو إيصال أشعّة الشمس الواهبة للحياة إلى جميع القلوب والبيوت المظلمة. ومرّة أخرى يقول عبدالبهاء:-



"إنّ أحد تعاليم بهاءالله يستلزم من المرء أن يكون آية عفو الله في جميع الأحوال والأوضاع، وأن يعتبر عدّوه صديقًا والمسيء إليه محبًّا لخيره، لا أن يعتبر إنساناً عدوًا له ويكنّ له الكراهيّة ثمّ يبدأ بمداراته ومراوغته حسب الظّاهر. إنّ هذا هو النّفاق بعينه وليس المحبّة الحقيقة، بل عليه أن يرى العدوّ صديقًا والمبغض محبًّا وأن يسلك معه سلوكه مع رفيق أنيس وحبيب ودود. ويجب أن تكون المحبّة والشّفقة صميميّة لا مجرّد مداراة. وحينما تكون المحبّة غير صادرة عن القلب والإخلاص فإنّها لا شكّ نفاق"([16]).



وتبدو لنا هذه النّصيحة بادئ ذي بدء غامضة ومتناقضة إلى أن يتّضح لنا أنّ في كلّ إنسان ناحية خارجيّة شهوانيّة قد تكون مبغضةً تكره خير النّاس كما أنّ فيه أيضًا ناحيةً داخليّة روحانيّةً هي الإنسان الحقيقيّ الذّي منه تصدر المحبّة وحسن النيّة. وإلى مثل هذا الإنسان الحقيقيّ الكائن في كلّ واحد من جيراننا وإخواننا البشر


يجب أن نوّجه أفكارنا ومحبّتنا حتّى إذا استيقظ هذا الإنسان الحقيقيّ أي استيقظت النّاحية الداخليّة من الإنسان فإنّ الناحية الخارجيّة منه سوف تتجدّد وتتحوّل.



التستّر على الخاطئين



لا يوجد في التّعاليم البهائيّة أمر أشد تأكيدًا وأكثر بعدًا عن أيّة مساومات من أمرها بابتعاد المؤمن عن البحث في عيوب النّاس. وقد تكلّم السّيد المسيح بشدّة في هذا الموضوع لكنّنا أصبحنا الآن نرى النّاس يعتبرون خطابة المسيح على الجبل تتضّمن "نصائح من الكمالات" لايمكن أن نتوقّع من الرّجل المسيحيّ العادي أن يسلك في أطوار حياته على مقتضاها. وقد بذل بهاءالله وعبدالبهاء الجهد في إيضاح أنّهما يقصدان ما يقولانه من القوانين الإلزاميّة حول هذا الموضوع. ففي الكلمات المكنونة نقرأ:-



"يا ابن الإنسان لا تَنَفَّس بخطأ أحد ما دمت خاطئًا وإن تفعل بغير ذلك ملعون أنت وأنا شاهد بذلك".



"يا ابن الوجود لا تنسب إلى نفس ما لا تحبّه لنفسك هذا أمري عليك فاعمل به".



ويأمرنا عبدالبهاء أن:-



"نصمت عن أخطاء الآخرين وأن ندعو لهم وأن نساعدهم بشفقتنا على تصحيح أخطائهم.



"وأن ننظر دومًا إلى الحسن لا إلى القبيح، وإذا كانت لإنسان عشرة أعمال حميدة وعمل واحد قبيح، فعلينا أن ننظر إلى الأعمال العشرة الحميدة وننسى العمل القبيح. وإذا كانت له عشرة صفات


ذميمة وصفة واحدة حميدة، فعلينا أن ننسى الصّفات العشر الذّميمة وننظر إلى الصّقة الواحدة الحميدة.



"وأن لا ننطق بكلمة جارحة واحدة في حقّ شخص ولو كان ذلك الشّخص عدوّنا"([17]).



وكتب إلى أحد المؤمنين الأمريكيّين:-



"إنّ أسوأ خلق إنسانيّ وأكبر ذنب بشريّ هو غيبة النّاس وخاصّة إذا صدرت الغيبة عن أحبّاء الله. ولو أمكن سدّ أبواب الغيبة سدًّا تامًّا وأطلق أحبّاء الله ألسنتهم بمدح غيرهم، فحينذاك تنتشر تعاليم حضرة بهاءالله وتصير القلوب نورانيّة والأرواح ربّانيّة وينال العالم الإنسانيّ السّعادة الأبديّة"([18]).



التّواضع



في الوقت الذّي يأمرنا فيه بهاءالله بغضّ النّظر عن أخطاء الآخرين وبالنّظر إلى فضائلهم، نراه يأمرنا من النّاحية الأخرى أن نبحث عن أخطاء أنفسنا وأن نتناسى فضائلنا، فيقول بهاءالله في الكلمات المكنونة بالنّص:-



"يا ابن الوجود كيف نسيت عيوب نفسك واشتغلت بعيوب عبادي من كان على ذلك فعليه لعنة منّي".



"أيّها المهاجرون جُعل اللّسان لذكري فلا تدّنسوه بالغيبة. فإن غلبت النّفس النّاريّة، فاشتغلوا بذكر عيوب أنفسكم لا


باغتياب خلقي، لأنّ كلاً منكم بنفسه أبصر وأعرف منه بنفوس عبادي"([19]).



ويقول عبدالبهاء:-



"لتكن حياتكم كلّها اقتباس للفضائل من ملكوت المسيح. فالمسيح ما جاء ليكون مخدومًا بل خادمًا... وفي دين بهاءالله يكون الكلّ عبيدًا وإماءً للرّحمن وإخوانًا وأخوات. وبمجرّد أن يشعر إنسان أنّه أحسن حالاً أو أعلى مقامًا من الباقين فإنّ مركزه يكون في خطر عظيم. وما لم يجتث جذور هذه الفكرة، فإنّه لن يكون أداةً صالحةً لخدمة الملكوت.



"إنّ عدم رضاء الإنسان عن نفسه علامةً من علامات الرّقي، والذّي يرضى عن نفسه إنّّه مظهر الشّيطان، والذّي لا يرضى عن نفسه إنّه مظهر الرّحمن. ولو كانت للإنسان ألف صفة حميدة فعليه أن لا ينظر إليها بل يجتهد في البحث عن عيوبه ونقائصه... ومهما ارتقى الإنسان فإنّه يبقى ناقصًا، لأنّ هنالك نقطة أرقى أمامه. وحالما ينظر إلى تلك النّقطة يشعر بنقص نفسه وبعدم رضائه عنها، ويطمح في الوصول إلى تلك النّقطة. وإذا مدح الإنسان نفسه، فإنّ في ذلك علامة الأنانيّة"([20]).



ومع أنّنا مأمورون بتشخيص عيوبنا وبالنّدم عليها بكلّ إخلاص، فإنّ الاعتراف أمام القُسُس وغيرهم ممنوع منعًا باتًّا. فيقول بهاءالله في لوح البشارات:-


"يجب على العاصي أن يطلب العفو والمغفرة حينما يجد نفسه منقطعًا عن سوى الله. ولا يجوز الاعتراف بالخطايا والمعاصي عند العباد، لأنّ ذلك لم يكن ولن يكون سببًا للغفران أو العفو الإلهيّ، بل الاعتراف لدى الخلق سبب للذلّة والهوان، ولا يحبّ الحق جلّ جلاله ذلّة عباده (إنّه هو المشفق الكريم). ينبغي للعاصي أن يطلب الرّحمة من بحر الرّحمة فيما بينه وبين الله، ويسأل المغفرة من سماء الكرم"([21]).



الصّدق والأمانة



يقول بهاءالله في لوح الطّرازات:



"إنّ الأمانة باب الاطمئنان لمن في الإمكان وآية العزّة من لدى الرّحمن، من فاز بها فاز بكنوز الثّروة والغنى. إنّ الأمانة هي الوسيلة العظمى لراحة الخلق واطمئنانهم. لم يزل ولا يزال قوام كلّ أمر من الأمور منوطًا بها، وبها تستنير وتستضيء عوالم العزّة والرّفعة والثّروة... يا أهل البهاء إنّها أحسن طراز لهياكلكم وأبهى إكليل لرؤوسكم، خذوها أمرًا من لدن آمر خبير"([22]).



وكذلك يقول في كلمات الحكمة بالنّص:-



"رأس الإيمان هو التقلّل في القول والتّكثر في العمل، ومن كانت أقواله أزيد من أعماله، فاعلموا أنّ عدمه خير من وجوده، وفناءه أحسن من بقائه".


ويقول عبدالبهاء:-



"إنّ الصّدق هو أساس جميع الفضائل الإنسانيّة، وبدون الصّدق يكون الفلاح والنّجاح مستحيلاً لأيّ إنسان في جميع العوالم. وعندما تتمكّن هذه الصّفة المباركة في الإنسان، فإنّ جميع الصّفات الإلهيّة الأخرى تحصل لديه"([23]).



وكتب عبدالبهاء كذلك:-



"فليشرق نور الأمانة من وجوهكم بحيث يعلم الجميع أنّ كلمتكم في العمل أو في غير العمل هي كلمة يوثق بها ويعول عليها، ولتنسوا أنفسكم ولتعملوا من أجل صالح الجميع."([24])



معرفة الإنسان نفسه



يدعو بهاءالله الإنسان دائمًا إلى معرفة الكمالات المودعة فيه وإلى إظهارها إظهارًا تامًّا، فإنّها هي نفسه الباطنيّة الحقيقيّة، التّي تختلف عن نفسه الظّاهريّة المحدودة التّي هي هيكله والتّي هي في الغالب سجن الإنسان الحقيقي. ففي الكلمات المكنونة يقول بالنّص:-



"يا ابن الوجود صنعتك بأيادي القوّة وخلقتك بأنامل القدرة وأودعت فيك جوهر نوري، فاستغن به عن كلّ شيء، لأنّ صنعي كامل وحكمي نافذ، لا تشك فيه ولا تكن في مريبًا."



"يا ابن الرّوح خلقتك غنيًّا كيف تفتقر، وصنعتك عزيزًا بم


تستذل، ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني، ومن طين الحبّ عجنتك، كيف تشتغل بغيري، فارجع البصر إليك لتجدني فيك قائمًا قادرًا مقتدرًا قيومًا".



"يا عبدي إنّما مثلك كمثل السّيف المرصّع بالجوهر أغمد في قِراب كَدِرٍ فظلّ قدره عن الجوهريين مستورًا، إذًا فاخرج من غلاف نفسك وهواك حتّى يبدو جوهرك للعالمين ويتجلّى."([25])



"يا حبيبي أنت شمس سماء قدسي فلا تلطّخ نفسك بكسوف الدّنيا. اخرق حجاب الغفلة حتّى تدلف من خلف السّحاب بلا تستّر ولا حجاب، وتخلع على جميع الموجودات خلعة الوجود."([26])



وخلاصة القول إنّ الحياة التّي يدعو بهاءالله أتباعه إليها هي من النّبل والسموّ بحيث لا يمكن وجود حياة أسمى وأجمل منها يمكن أن يطمح إليها الإنسان في جميع أفق الإمكانيّات البشريّة الوسيع. فعرفانًا للنّفس الباطنيّة الرّوحانيّة فينا يعني عرفاننا للحقيقة السّامية القائلة بأنّنا من الله وإنّنا سنعود إليه، وهذه العودة إلى الله هي الهدف الأسمى لدى البهائيّ. لكنّ الوصول إلى هذا الهدف لا يكون إلاّ بطريق واحد هو الطّاعة لرسل الله المختارين وبصورة خاصّة إلى رسوله الذّي أتى في زماننا الذّي نعيش فيه وهو بهاءالله رسول العصر الجديد.





([1]) من الكلمات الفردوسيّة – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 124


([2]) مترجم من الصّفحة 109 من كتاب عبدالبهاء في لندن.


([3]) متّى (16: 24 - 25).


(1) متّى (7: 13 - 14).


([5]) من لوح كلمات الحكمة بالنص.


(1) لوقا (12 : 27).


(1) مكاتيب عبدالبهاء التّرجمة الإنكليزية ج 1 ص 147.


(1) من التّرجمة العربيّة الصّفحة 74.


(1) يوحنّا (7: 16-17).


(1) (متّى 25: 40).


(2) الكلمات الفردوسيّة – الصّفحة 129.


(1) مترجم عن كتاب حكمة عبدالبهاء.


(1) ترجمة الكلمات الفردوسيّة الصّفحة 121.


(2) الكلمات المكنونة – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 70.


(1) الإشراقات – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 102.


(1) مترجم عن مجلّة نجمة الغرب ج 4 ص 192.


(1) مترجم عن مجلّة نجمة الغرب ج 4 ص 192.


(2) المصدر السابق.


(1) الكلمات المكنونة – التّرجمة العربيّة ص 91.


(2) مترجم عن يوميات ميرزا أحمد سهراب سنة 1914.


(1) لوح البشارات – التّرجمة العربيّة ص 113.


(2) لوح الطّرازات – التّرجمة العربيّة ص 153.


(1) مكاتيب عبدالبهاء التّرجمة الإنجليزيّة ج2 ص 459.


(2) مترجم عن رسالة عبدالبهاء إلى البهائيّين في لندن في اكتوبر (تشرين الأوّل) 1911.


(1) التّرجمة العربيّة ص 95 و ص 96.


(2) التّرجمة العربيّة ص 95 و ص 96.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب السّادس

الصّلوة والمناجاة



"الصّلاة معراج المؤمن به يصعد إلى السّماء".
(حديث نبوي شريف)




مخاطبة الله



يقول عبدالبهاء: "إنّ الصّلاة هي مخاطبة الله".



إنّ الله تعالى من أجل أن يعلن مشيئته للبشر ومن أجل أن يعرِّفهم بإرادته، لا بدّ أن يكلّمهم باللّغة التّي يفهمونها. وهذا ما يفعله على لسان رسله الكرام. فهم يكلّمون النّاس وجهًا لوجه عندما يكونون على الأرض أحياءً فينقلون إليهم رسالة الله، وبعد صعودهم تستمرّ رسالتهم على وصولها إلى عقول البشر عن طريق ما تدّون من أقوالهم وكتابتهم. لكن هذا ليس بالطّريق الوحيد الذّي يكلّم به الله النّاس بل هناك طريق آخر هو "لغة الرّوح" التّي هي في غنى عن الكلام أو الكتابة، وبها يخاطب الله الذّين تبحث قلوبهم عن الحقّ ويلهمهم سبيل الهدى أينما يكونون وأيًّا ما يكون جنسهم أو لغتهم. ويقول عبدالبهاء في إحدى المناسبات ما ترجمته:-



"علينا أن نتكلّم بلغة السّماء – بلغة الرّوح – لأنّ للرّوح والقلب لغةً تختلف عن لغاتنا، كما تختلف لغاتنا عن لغات الحيوانات التّي


تعبّر عن نفسها بأصواتها وبصياحها.



"إنّ لغة الرّوح هي التّي تتكلّم مع الله. وعندما نناجي الله نكون أحرارًا من جميع الشّؤون الدّنيويّة ونتوجّه إلى الله وحينذاك نكون وكأنّنا نسمع في قلوبنا صوت الله، فنتكلّم من غير كلمات ونناجي الله ونخاطبه ونسمع الجواب... وحينما نصل جميعًا إلى هذه الحال الرّوحانيّة الحقيقيّة، نستطيع أن نسمع صوت الله"([1]).



ويصرّح بهاءالله أنّ الحقائق الرّوحانيّة العليا لا يمكن إيصالها بغير هذه اللّغة الرّوحانيّة. فالكلمات الشّفويّة والتّحريريّة عاجزةً في هذا المضمار وقد وصف بهاءالله في كتاب صغير يدعى "الوديان السّبعة" سفرة المسافرين من مواطنهم الأرضيّة إلى الوطن الإلهيّ. فيقول في حديثه عن المراحل الرّاقية جدًا في هذه السّفرة:-



"إنّ اللّسان يعجز عن تفصيل هذه الوديان... وإنّ البيان قاصر تمامًا، والقلم لا يخطو في هذه السّاحة، والمداد لا يثمر غير السّواد... إنّ وصف حالات العرفاء لا يمكن أن يتمّ بواسطة رسول قاصد أو برسالة مكتوبة، بل يتمّ عن طريق ارتباط القلوب من قلب إلى قلب"([2]).



في حالة الانجذاب



ولكي يصل الإنسان إلى الحالة الرّوحانيّة التّي يمكنه فيها التكلّم مع الله، يرشدنا عبدالبهاء إلى ذلك بقوله:-


"علينا أن نسعى للوصول إلى هذه الحالة بالانقطاع عن جميع الأشياء وجميع الخلق والتوجّه إلى الله وحده. وإنّ الوصول إلى هذه الحال يتطلّب من الإنسان مجهودات يجب عليه أن يبذلها. فيجب أن يعمل من أجلها ويجهد لها. ويستطيع الوصول إليها بالتّأمّل وبتقليل الاهتمام بالأمور الماديّة والاهتمام أكثر من ذلك بالأمور الرّوحانيّة، وكلّما ابتعدنا عن أحدهما اقتربنا إلى الآخر، ولنا الخيار فيما نختار.



وعلينا أن نفتح بصيرتنا الدّاخليّة وإدراكنا الرّوحانيّ لنرى علامات روح الله وآثاره في كلّ مكان، وليعكس كلّ شيء نور الرّوح علينا"([3]).



وكتب بهاءالله في كتاب الإيقان:-



"وعلى السّالك... أن يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمّة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحبّ والذّكر"([4]).



وبنفس الإسلوب يصرّح عبدالبهاء:-



"عندما يسمح الإنسان للرّوح عن طريق العقل أن تنير إدراكه، فإنّه حينذاك يحيط بجميع المخلوقات. ولكنّه حينما لا يفتح عقله وقلبه لبركات الرّوح، بل يوجّه نفسه نحو النّاحية الماديّة ونحو الجزء الجسدي من طبيعته، فحينذاك يسقط من مقامه، ويصبح


شبيهًا بسكّان المملكة الحيوانيّة الواطئة"([5]).



وورد في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"والذّين يتلون آيات الرّحمن بأحسن الألحان أولئك يدركون منها ما لا يعادله ملكوت ملك السّموات والأرض ومنها يجدون عرف عوالمي التّي لا يعرفها اليوم إلاّ من أوتي البصر من هذا المنظر الكريم. قل إنّها تجذب القلوب الصّافية إلى العوالم الرّوحانيّة التّي لا تعبّر بالعبارة ولا تشار بالإشارة طوبى للسّامعين".



لزوم الوسيط



بناءً على ما يقوله عبدالبهاء:



"إنّ الواسطة بين الإنسان والخالق ضروريّة – وهذه الواسطة تتلقّى أنوار البهاء الإلهيّ بتمامها وتشعّها على العالم الإنسانيّ، كما يتلقّى جوّ الأرض حرارة أشعّة الشّمس ثمّ ينشرها ثانيةً على الأرض"([6]).



ويقول كذلك في إحدى محادثاته:-



"عندما نريد التأمّل والمناجاة يجب أن يكون لدينا هدف نركّز عليه، وعندما نتوجّه إلى الله يجب أن نوجّه قلوبنا إلى مركز معيّن، وإذا أراد إنسان أن يعبد الله عن غير طريق مظهره فعليه أوّلاً أن يكون صورةً لله وتلك الصّورة يخلقها عقله له. وبما أنّ المحدود لا يستطيع إدراك غير المحدود فكذلك لا يمكن لذاك الإنسان أن يدرك


الله بالصّورة التّي كوّنها. ويستطيع الإنسان فقط أن يدرك ما يتخيّله. وإنّ ما يستطيع فهمه ليس الله، لأنّ الفكرة التّي يكوّنها الإنسان لنفسه عن الله إنّما هي وهم وطيف خيال وصورة وتخيّل، ولا رابطة بين هذه الصّورة وبين الله العليّ، ومن أراد أن يعرف الله فعليه أن يجده في مرآته الكاملة أي في رسله أمثال المسيح ومحمّد وبهاءالله ففي مراياهم يجد شمس الحقيقة منعكسةً.



"وكما نعرف الشّمس الماديّة من بهائها ومن نورها ومن حرارتها فكذلك الله الذّي هو الشّمس الرّوحانيّة المشرقة من هيكل المظهر الإلهيّ نعرفه من صفات كمال المظهر ومن جمال نعوته ومن بهاء نوره"([7]).



وكتب عبدالبهاء أيضًا:-



"إن لم يتوسّط الرّوح القدس لا يصل الإنسان إلى المواهب الإلهيّة. فلا يجوز التّغاضي عن هذه الحقيقة الواضحة. إذ من المعلوم أنّ الطّفل لا تمكن تربيته بدون معلّم. والمعرفة إحدى هذه المواهب الإلهيّة فلا تُكسى الأرض بخضرة النّبات ونضرته ما لم تُروَ من أمطار السّحاب وحينئذ يكون السّحاب هو الوسيط بين المواهب الإلهيّة والأرض... ولكلّ نور مركز. وإذا أراد شخص أن يبحث عن النّور خارج مركزه فإنّه لن يصل إلى النّور أبدًا... فكّروا في أيّام السّيد المسيح. فقد تخيّل بعض النّاس أنّهم يستطيعون الوصول إلى الحقيقة بدون الفيوضات المسيحيّة، لكنّ


هذا التّخيّل ذاته صار سببًا في حرمانهم"([8]).



فالذّي يحاول عبادة الله من دون التّوجّه إلى مظهره، كمن هو في سجن مظلم ويحاول بخياله أن يمرح في بهاء نور الشّمس.



الصّلاة ضروريّة مفروضة



فرضت الصّلاة وتلاوة الآيات على البهائيّين فرضًا قطعيًا. فيقول بهاءالله في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"اتلوا آيات الله في كلّ صباح ومساء. إنّ الذّي لم يتل لم يوف بعهد الله وميثاقه. والذّي أعرض عنها اليوم إنّه ممّن أعرض عن الله في أزل الآزال. اتَّقُنَّ الله يا عبادي كلّكم أجمعون. لا تغرنّكم كثرة القراءة والأعمال في اللّيل والنّهار. لو يقرأ أحد آيةً من الآيات بالرّوْح والرّيحان خير له من أن يتلو بالكسالة صحف الله المهيمن القيّوم. اتلوا آيات الله على قدر لا تأخذكم الكسالة والأحزان. لا تحمِّلوا على الأرواح ما يكسلها ويثقلها بل ما يخفّها لتطير بأجنحة الآيات إلى مطلع البيّنات. هذا أقرب إلى الله لو أنتم تعقلون".



وكتب عبدالبهاء إلى أحد مراسلي الصّحف:-



"أيّها الحبيب الرّوحانيّ! اعلم أنّ الصّلاة ضروريّة مفروضة ولا عذر للإنسان بأيّ حال من الأحوال في عدم اجرائها، إلاّ إذا كان معتوهًا أو منعه عنها مانع طارئ قهري"([9]).



وسأله مراسل آخر قائلاً: "لماذا نصلّي؟ وما هي حكمة الصّلاة؟


وما هي حكمة التّضرّع والابتهال وبيان الإنسان لحاجاته والتماسه العون ما دام الله قد قدّر كلّ شيء ونفَّذ كلّ الشّؤون بأحسن نظام"؟ فكتب عبدالبهاء له:-



"إعلم أنّ الضّعيف يقتضي له أن يتضرّع إلى الله القويّ. وإنّ طالب الموهبة يليق به أن يبتهل إلى الله الوهّاب العظيم. وحينما يتضرّع الإنسان إلى ربّه فإنّه يتوجّه إليه ويلتمس الفضل من بحر رحمته. وهذا التّضرع بذاته يجلب النّور إلى قلبه فتتنوّر بصيرته وتنتعش روحه ويسمو وجوده. وخلال ابتهالك وتلاوتك: "يا إلهي اسمك شفائي"، تصوَّر أنت مبلغ ابتهاج قلبك وانشراح نفسك بروح محبّة الله وانجذاب عقلك إلى ملكوت الله! وبهذا الانجذاب تزداد قابليّة الإنسان ويزداد استعداده وكلّما اتسّع الإناء زاد الماء، وكلّما زاد العطش زادت موهبة السّحاب عذوبةً في مذاق الإنسان. هذا هو سرّ الابتهال وحكمة توسّلات الإنسان من أجل نيل أمانيه"([10]).



لقد فرض بهاءالله صلوات ثلاث يوميّة وترك المؤمنين أحرارًا في تلاوة أيّة واحدة من هذه الصّلوات الثّلاث ولكنّه جعل الصّلوة فرضًا محتومًا يجب القيام به بالإسلوب الذّي وصفه فيها.



صلوة الجماعة



إنّ الصلوة التّي فرض بهاءالله تلاوتها كلّ يوم يقوم البهائيّون بأداء فرضها فرادى. ولم يفرض بهاءالله صلوة الجماعة إلاّ في


صلوة الميّت، وهي تستوجب وقوف المؤمنين جميعًا حينما يتلوها أحدهم بصوت عال. وقد منع في الدين البهائيّ وقوف المؤمنين في صفوف خلف القارئ.



وهذا الحكم بإلغاء صلوة الجماعة يتّفق وإلغاء بهاءالله مهنة الكهنوت، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الدّين البهائيّ لا يعير أهميّة لاجتماعات الابتهال والمناجاة، فيقول عبدالبهاء فيما تلي ترجمته:-



"قد يقول إنسان إنّني أستطيع أن أناجي الله في أيّ مكان أريد عندما يكون قلبي منجذبًا إلى الله سواءً أكنت في البريّة أم في المدينة أم في أيّ مكان كان، فلماذا يجب أن أذهب إلى الأماكن التّي يجتمع فيها النّاس للابتهال والمناجاة بمناسبة يوم معيّن أو ساعة معيّنة وأشاركهم في ابتهالهم ومناجاتهم حين قد لا أكون في حالة فكريّة صالحة لتلك المناجاة؟



"إنّ مثل هذا التّفكير وهم باطل، لأنّه إذا اجتمع جمع كثير فإنّ قوتّهم تكون عظيمة، في حين أنّ الجنود الذّين يحاربون منفردين منعزلين ليست لهم قوّة الجيش المتّحد، أمّا إذا اجتمع جميع جنود الحرب الرّوحانيّة، فإنّ احساساتهم الرّوحانيّة الموحّدة يساعد بعضها بعضًا وتكون دعواتهم مقبولة"([11]).



المناجاة لغة المحبّة



وأجاب عبدالبهاء على سؤال سأله آخر في هل أنّ المناجاة


ضروريّة، ما دام الله يعرف رغائب جميع القلوب فقال:-



"إذا شعر إنسان بالمحبّة نحو إنسان آخر، فإنّه يرغب في أن يقول له أنّه يحبّه. وبالرّغم من أنّه يعلم أنّ صاحبه مطلّع على حبّه له، إلاّ أنّه يبقى على رغبته في أن يقول له أنّه يحبّه... وكذلك الله يعلم رغائب جميع القلوب، ولكنّ الدّافع إلى المناجاة دافع طبيعيّ ينبع من قلب الإنسان نحو الله... والمناجاة لا تحتاج إلى الكلمات بل إلى الفكر وإلى حالة الانجذاب. فإذا نقص الحبّ والرّغائب وجود حالة الانجذاب فيها فلا فائدة من محاولة إيجادها بالإكراه. والكلمات بدون المحبّة فارغةً لا معنى لها. وإذا تكلّم معك إنسان بكلام يراه فرضًا مكرهًا عليه دون وجود حبّ أو بهجة لديه إلى لقائك به، فهل ترغب التّحدث إليه؟"([12])



وقال عبدالبهاء في حديث آخر له:-



"إنّ أرقى نوع من المناجاة هو الذّي يقصد منه محبّة الله، لا خوفًا منه تعالى أو من ناره ولا أملاً بفضله أو بفردوسه... وإذا هام إنسان بحبّ حبيب، فمن المستحيل أن لا يلهج بذكر اسمه. فكيف بمن يشعر بمحبّة الله؟ ألا يصعب عليه السّكوت عن ذكر اسمه؟ والرّجل الرّوحانيّ لا يجد لذّة في شيء إلاّ في ذكر الله"([13]).


الخلاص من المصائب



تنتج الأمراض وأنواع المصائب الأخرى حسب تعاليم الرّسل من عدم إطاعة النّاس للأوامر الإلهيّة، حتّى أنّ أهوال الطّوفان والزّوابع والأعاصير والزّلازل ينسبها عبدالبهاء مباشرةً إلى هذا السّبب ذاته.



وإنّ المحن التّي تصيب النّاس بعد ذنوبهم ليست للانتقام منهم بل لتربيتهم ومعالجتهم. وهي صوت الله يعلن للإنسان أنّه قد انحرف عن الصّراط المستقيم. وإذا كانت المحن مريعةً فالسّبب في ذلك هو أنّ خطر الذّنوب أروع منها لأنّ "أجرة الخطيئة هي الموت".



وكما أنّ سبب المصائب يعود إلى العصيان، فالنّجاة من المصائب يكون نواله عن طريق الطّاعة. وليس هناك أدنى شك في الأمرين. فالغفلة عن الله تنتج عنها لا محالة المصائب، والتّوجه إلى الله ينتج عنه لا محالة البركات.



وحيث أنّ العالم الإنسانيّ كلّه بمثابة جسد واحد، فإنّ سعادة كلّ فرد فيه لا تتوقّف على سلوكه الخاص به بل على سلوك جيرانه. وإذا أخطأ الفرد قاسى الآخرون من ذنبه الآلام قلّت أم كثرت، في حين لو أحسن الفرد فإنّ الخير يصيب الجميع. وكلّ فرد يحمل وزر جاره إلى مدى محدود. وخير أفراد البشريّة هم الذّين يتحملّون أثقل الأوزار. وقد قاسى القدّيسون الآلام وقاسى الرّسل أكثر منهم، ويقول بهاءالله في كتاب الإيقان:-



"كما سمعت من قبيل ابتلاء كلّ نبي وأصحابه بالفقر والأمراض والذّلة حيث كانوا يرسلون رؤوس أصحابهم إلى المدائن


كهدايا".([14])



وليس السّبب أنّ القدّيسين والرّسل كانوا يستحقّون العقاب أكثر من غيرهم من النّاس، بل إنّهم قد تحمّلوا الآلام نتيجة ذنوب الآخرين و"اختاروا" الآلام من أجل نجاة الآخرين. وكان همّهم سعادة العالم لا سعادة أنفسهم. وإنّ مناجاة الفرد الذّي يحبّ الإنسانيّة ليست مناجاة فرديّة من أجل النّجاة من الفقر والمرض والمصائب، بل من أجل أن تنجو الإنسانيّة من الجهل والخطأ والمساوئ التّي تنجم لا محالة عنها. وإذا التمس الصّحة والثّروة لنفسه فذلك من أجل أن يخدم ملكوت الله، وإذا لم يستجب دعاؤه استقبل ذلك أيضًا "بمنتهى التّسليم والرّضاء" عالمًا أنّ هناك حكمة في كلّ ما يصيبه في سبيل الله. ويقول عبدالبهاء:-



"لا يصيبنا الحزن والغم بالصّدفة، بل إنّه مرسل من الله رحمةً منه لأجل كمالنا. فإذا أتى الحزن والهمّ فليتذكّر الإنسان أباه السّماوي الذّي يقدر أن يخلّصه من مصائبه. وكلّما زاد ألم الإنسان، كثرت فضائله الرّوحانيّة".([15])



وقد يبدو لأوّل وهلة أنّ من الظّلم أن يقاسي البريء الآلام من أجل المذنبين، ولكنّ عبدالبهاء يؤكّد لنا أنّ هذا الظّلم ظاهري فقط، وأنّ العدل يسود أخيرًا في خاتمة المطاف. فقد كتب ما ترجمته:-



"أمّا بخصوص الرضّع من الأطفال والصّغار والمظلومين الذّين


يبتلون بظلم الظّالمين، فإنّ لهم مكافأة مقرّرة مهيّأة في العالم الآخر، وإنّ بلواهم بالمصائب والمشقّات أعظم رحمة من المتعالي الجبّار، وتلك المشقّات هي الرّحمة الإلهيّة بعينها، وهي لهم خير من كلّ راحة في هذا العالم الأدنى، وأولى لهم من كلّ نموّ وتطوّر في هذا الموطن الفاني"([16]).



المناجاة وقانون الطّبيعة



يجد الكثيرون صعوبةً في الاعتقاد بتأثير المناجاة، لأنّهم يعتقدون أنّ إجابة الدّعاء تستلزم خرقًا لقوانين الطّبيعة، لكن مقايسة منطقيّة بسيطة قد تزيل هذه الصّعوبة عنهم. فلنضرب لذلك مثلاً يزيل اللّبس، فلو قرّبنا مغناطيسًا فوق برادة حديد فإنّا نرى البرادة تنجذب نحو الأعلى وتلتصق به. وليس في ذلك خرق لقانون الجاذبيّة الأرضيّة. فقوّة الجاذبيّة مستمرّة في تأثيرها على البرادة في جذبها نحو الأسفل. ولكنّ الذّي طرأ هو ظهور قوّة أخرى تجذب برادة الحديد إلى الأعلى، ولها عمل منتظم يمكن حسابه كعمل قوّة الجاذبيّة. ووجهة النّظر البهائيّة تقول أنّ المناجاة تأتي بقوى فعّالة أعلى لا يعرف قدرها إلاّ القليلون، وليس هناك سبب للاعتقاد بأنّ هذه القوى أقلّ تعقّلاً وحكمةً في فعلها من القوانين الطّبيعيّة، ولا فرق بينهما إلاّ بأنّ هذه القوى لم تُدرَس بعد دراسة وافية، ولم تفحص فحصًا تجربيًّا، ويبدو عملها غامضًا لا يمكن حسابه بسبب جهلنا.


وهناك صعوبة أخرى تبدو محيّرة للبعض الآخر من النّاس وهي أنّ الدّعاء والمناجاة قوّة أضعف من أن تأتي بالنّتائج العظيمة التّي تنسب إليها. والآن نوضّح هذه الصّعوبة أيضًا بمقايسة منطقيّة بسيطة. ولنضرب مثلاً يزيل هذا اللُّبس، وهو أنّ القوّة الصّغيرة لو استعملت للتّأثير على باب خزّان المياه العظيم فإنّها قد تطلق فيضًا من القوّة المائيّة، وكذلك لو استعملت القوّة الصّغيرة لتحريك دفّة الباخرة العظيمة من عابرات المحيطات فإنّ هذه القوّة الصّغيرة قد تؤثّر على سير هذه الباخرة العظيمة. وبمقتضى وجهة النّظر البهائيّة تكون قوّة إجابة الدّعاء هي قوّة الله تعالى التّي لا تنضب، ويكون الدّور الذّي يقوم به المبتهل بمناجاته هو استعماله قوّته الضّعيفة اللاّزمة لإطلاق فيض المواهب الإلهيّة أو توجيهها، وهي تلكم المواهب المستعدّة دائمًا لإجابة طلب من تعلّموا كيف يستمدّون العون والهداية منها.



المناجاة البهائيّة



نزلت من قلم بهاءالله وعبدالبهاء مناجاة وأدعية لا تحصى، يتلوها أحباؤها في أوقات متنوّعة وأغراض شتّى. وأن ما اشتملت عليه عباراتها من عظيم أفكارها وعميق روحانيّتها يبهر كلّ مفكّر لبيب، ويؤثّر في أعماقه. وإذا واظب الإنسان على تلاوتها وخصّص لها جزءًا هامًّا من حياته اليوميّة أمكنه حينذاك فهم أهميّتها وتقدير قوّة فعلها. ونأسف لضيق المجال عن تقديم أكثر من بضعة نماذج قصيرة من هذه المناجاة، ونحيل القارئ إلى المؤلّفات الأخرى للإطّلاع على نماذج غيرها. فمّما نزل من قلم بهاءالله:-


"أي ربّ فاجعل رزقي جمالك، وشرابي وصالك، وأملي رضاءك، وعملي ثناءك، وأنيسي ذكرك، ومعيني سلطانك، ومستقرّي مقرّك، ووطني مقام الذّي جعلته مقدّسًا عن حدودات المحتجبين، إنّك أنت العزيز المهيمن القيّوم".



"إلهي إلهي أنزل على عبادك ما يتّحد به قلوبهم في أمرك، ويتّبعوا أحكامك وشريعتك. أيّدهم يا إلهي على ما أرادوا، ووفّقهم على خدمتك. ربّ لا تدعهم بأنفسهم. زيّنهم بنور هدايتك ومعرفتك، وأنعش قلوبهم بمحبّتك إنّك أنت المعين المستعان".



"بسم الله الأقدس الأبهى يا من قربك رجائي، ووصلك أملي، وذكرك منائي، والورود في ساحة عزّك مقصدي، وشطرك مطلبي، واسمك شفائي، وحبّك نور صدري، والقيام في حضورك غاية مطلبي. أسألك باسمك الذّي به طيّرت العارفين في هواء عزّ عرفانك وعرّجت المقدّسين إلى بساط قدس إفضالك بأن تجعلني متوجّهًا إلى وجهك، وناظرًا إلى شطرك، وناطقًا بثنائك. أي ربّ أنا الذّي نسيت دونك وأقبلت إلى أفق فضلك، وتركت ما سواك رجاءً لقربك. إذًا أكون مقبلاً إلى مقرّ الذّي فيه استضاء أنوار وجهك. فأنزل يا محبوبي عليّ ما يثبّتني على أمرك، لئلاّ يمنعني شبهات المشركين عن التوّجه إليك. وإنّك أنت المقتدر المهيمن العزيز القدير".



"إلهي إلهي لا تبعد عنّي لأنّ الشّدائد بكلّها أحاطتني. إلهي إلهي لا تدعني بنفسي لأنّ المكاره بأسرها أخذتني. ومن زلال ثدي عنايتك فأشربني لأنّ الأعطاش بأتمّها أحرقتني. وفي ظلّ جناحيّ


رحمتك فأظللني لأنّ الأعداء بأجمعها أرادتني. وعند عرش العظمة تلقاء تَظَهُّر آيات عزّك فاحفظني لأنّ الذلّة بأكملها مسّتني. ومن أثمار شجرة أزليتّك فأطعمني لأنّ الضّعف بألطفها قربتني. ومن كؤوس السّرور من أيادي رأفتك فأرزقني لأنّ الهموم بأعظمها أخذتني. ومن سنادس سلطان ربوبيّتك فاخلعني لأنّ الافتقار بجوهرها عرّتني. وعند تغنّي ورقاء صمديّتك فأرقدني لأنّ البلايا بأكبرها وردتني. وفي عرش الأحديّة عند تشعشع طلعة الجمال فأسكنّي لأنّ الاضطراب بأقاومها أهلكتني. وفي أبحر الغفريّة تلقاء تهيّج حوت الجلال فأغمسني لأنّ الخطايا بأطودها أماتتني".



"قلبًا طاهرً فاخلق فيّ يا إلهي، سرًّا ساكنًا جدّد فيّ يا منائي، وبروح القوّة ثبّتني على أمرك يا محبوبي، وبنور العظمة فاشهدني على صراطك يا رجائي، وبسلطان الرّفعة إلى سماء قدسك عرّجني يا أوّلي، وبأرياح الصّمديّة فابهجني يا آخري، وبنغمات الأزليّة فاسترحني يا مؤنسي، وبغناء طلعتك القديمة نجنّي عن دونك يا سيّدي، وبظهور كينونتك الدّائمة بشّرني، يا ظاهر فوق ظاهري، والباطن دون باطني".



وممّا صدر من قلم عبدالبهاء:-



"اللّهم يا إلهي وخالقي وملجأي وملاذي، إنّي أستغفرك من الذّنوب يا ستّار العيوب، وأستعفي من الخطايا يا واهب العطايا، إلهي لا تعاملني بخطيئاتي بل عاملني بفضلك ورحمتك، وأنلني كأس عفوك ومغفرتك، ورنّحني من صهباء موهبتك، واجعل لي قدم صدق عندك، وبدّل سيّئاتي بالحسنات يا ربّ الآيات البيّنات،


إلهي إلهي لئن خيّبتني من يؤمّلني؟ وإن حرمتني من يدعوني؟ إنّي قصدت أبواب رحمتك وفناء أحديّتك. إلهي إلهي اجعلني آية الغفران، وطهّرني من وضر العصيان، وأنقذني من غمار الطّغيان، وسلّطني على النّفس والهوى حتّى أرّتل آيات مغفرتك في محافل الذّل والانكسار، بريئًا من الختل والاستكبار، إنّك أنت الكريم العزيز الوهّاب، وإنّك أنت الغفور الرؤوف المعين المختار".



"ربّ أنت تعلم بأنّ النّفوس محفوفة بالنوائب والآفات ومحاطة بالمصائب والرزيّات. كلّ بلاء يحوم حول الإنسان وكلّ داهية دهماء تصول صولة الثّعبان وليس لهم ملجأ ومناص إلاّ حفظك وحمايتك ووقايتك وكلائتك يا رحمن. ربّ اجعل حفظك درعي ووقايتك جنّتي وفناء باب أحديّتك حصني ومعاذي. واحفظني من شرّ نفسي وهوائي، واحرسني من كلّ بلاء وسقم ومحنة وعناء. إنّك أنت الحافظ الحارس الواقي الوافي وإنّك أنت الرّحمن الرّحيم".



"هو الله. ربّ ورجائي، هؤلاء عبيدك الأرقّاء، اجتبيتهم لحبّك وانتخبتهم لعرفانك وارتضيت لهم الوفاء على عهدك وأدخلتهم في زمرة أحبّائك وسقيتهم كأس الانجذاب الطّافحة بصهباء محبّتك وقدّرت لهم مقعد صدق في ملكوتك. أي ربّ افتح على وجوههم أبواب العلوم واملأ قلوبهم من حقائق الفنون واجعل خواتم دروسهم فواتح النّجاح والفلاح حتّى ينالوا كلّ سرور وانشراح ويزدادوا يومًا فيومًا إيمانًا وإيقانًا وسكينةً واطمئنانا ويخدموا عبادك في أرضك ويعبدوا عتبة قدسك إنّك أنت المعطي المقتدر الكريم الرّحيم الرّؤوف".


"هو الله إلهي إلهي هذا طير كليل الجناح بطيء الطّيران، أيّده بشديد القوى حتّى يطير إلى أوج الفلاح والنّجاح ويرفرف بكلّ سرور وانشراح في هذا الفضاء، ويرتفع هديره في كلّ الأرجاء باسمك الأعلى، وتتلّذذ الآذان من هذا النّداء، وتقرّ الأعين بمشاهدة آيات الهدى. ربّ إنّي فريد وحيد حقير ليس لي ظهير إلاّ أنت ولا نصير إلاّ أنت ولا مجير إلاّ أنت. وفّقني على خدمتك، وأيّدني بجنود ملائكتك، وانصرني في إعلاء كلمتك، وأنطقني بحكمتك بين بريّتك، إنّك معين الضّعفاء ونصير الصّغراء وإنّك أنت المقتدر العزيز المختار".



والمناجاة البهائيّة ليست مقصورةً على استعمال صيغ معيّنة مهما يكن لها من الأهميّة. فإنّ بهاءالله قد علّم بأنّ حياة الإنسان جميعها يجب أن تكون مناجاةً ودعاء، وإنّ العمل الذّي يقوم به بروح طاهرة هو عبادة، وإنّ كلّ فكرة أو كلمة أو فعل يخصّص لوجه الله وللصّالح العام هو دعاء ومناجاة بأكمل معاني الكلمة([17]).





(1) من محادثة مع أحد الزّائرين سنة 1904.


(2) مترجم عن الوديان السّبعة.


(1) من محادثة مع أحد الزّائرين سنة 1904.


(2) ترجمة الإيقان ص 153.


(1) مترجم عن كتاب حكمة عبدالبهاء.


(2) مترجم عن كتاب الفلسفة الإلهيّة الصّفحة 8.


(1) من محادثة عبدالبهاء مع المستر برسي ودكّوك في عكّا سنة 1909.


(1) مكاتيب عبدالبهاء – التّرجمة الإنجليزيّة ج3 الصّفحة 591.


(2) مكاتيب عبدالبهاء – التّرجمة الإنجليزيّة ج3 الصّفحة 683.


(1) ترجمة لوح إلى أحد الأحبّاء الأمريكيين سنة 1908.


(1) من مذّكرات أحد الزّائرين سنة 1904.


(1) من مقال بقلم المس إي. س. ستيفنس – حزيران – (يونيو) 1911 في المجلّة نصف الشّهريّة.


(2) من مذكرّات مجموعة من الزّائرين في عكّا في نوفمبر وديسمبر سنة 1900.


(1) الإيقان – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 57.


(2) مترجم عن كتاب "حكمة عبدالبهاء" الصّفحة 45.


(1) مكاتيب عبدالبهاء – التّرجمة الإنجليزيّة – ج2 ص 337.


(1) حول الشّفاعة ومناجاة طلب المغفرة للمتصاعدين إلى الله انظر الباب (11) من هذا الكتاب.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب السّابع

الشّفاء والعلاج



"إنّ التّوجّه للّه شفاء للجسد والعقل والرّوح"
(عبدالبهاء)




الجسد والرّوح



يخدم الجسد، طبقًا للتّعاليم البهائيّة، غرضًا وقتيًّا في ترقية الرّوح، حتّى إذا تمّ هذا الغرض يطرح الجسد جانبًا، كما يخدم قشر البيض غرضًا مؤقّتًا لنموّ الفرخ، فإذا تمّ ذلك الغرض ينكسر القشر ويطرح جانبًا. ويقول عبدالبهاء بأنَّ الجسد المادّي ليست له القدرة على دوام البقاء لأنَّه مركّب من عناصر مختلفة وذرّات مجتمعة ولا بدّ له من أنْ ينحلّ إلى عناصره الأوّليّة إذا حان وقته.



ويجب أنْ يكون الجسد خادمًا للرّوح لا أنْ يكون سيدّها، ويكون خادمًا مطيعًا قويًّا راغبًا في عمله، ويجب أنْ يعاملَ بالاحترام اللاّئق الذّي يستحقّه الخادم المطيع، فإذا لم يعامل المعاملة الّلائقة، فإنّ الأمراض والمصائب تحدث له، وتكون النّتيجة وخيمةً له ولسيدّه.


وحدة الحياة كلّها



إنّ أحد المبادئ الأساسيّة التّي أعلنها بهاءالله هو مبدأ وحدة عشرات الألوف من أشكال ومراحل الحياة على الأرض، فصحّة أجسادنا مرتبطة بصحّتنا العقليّة والخلقيّة والرّوحانيّة، وكذلك مرتبطة بصّحة أبناء جنسنا الاجتماعيّة والبدنيّة فرادى وجماعات، وحتّى أنّها مرتبطة بحياة الحيْوانات والنباتات بحيث أنّ كل واحد من الموجودات يتأثر بالآخر إلى حد أعظم ممّا يبدو لنا في الظاهر.



وعلى ذلك ليس هناك أمر من أوامر الرّسل يتعلّق بأيّ نوع من أنواع الحياة إلا وله صلة بحياتنا الجسديّة. ومن تعاليمهم ما ينصّب مباشرةً على الصحّة الجسديّة أكثر من غيرها. وهذه التّعاليم هي التّي نتقدّم الآن للاطّلاع عليها ودراستها.



حياة البساطة



يقول عبدالبهاء:-



"الاقتصاد أساس سعادة البشر، والشّخص المبذّر في عناء وضيق على الدّوام، والإسراف ذنب لا يغتفر. وعلينا أنْ لا نعيش على الآخرين كالطّفيلي من النّباتات. وكل فرد يجب أنْ تكون له حرفة سواءً أكانت يدويّة أم كتابيّة. ويجب عليه أنْ يعيش حياةً نظيفةً شهمةً أمينةً، وأنْ يكونَ مثالاً في العفّة والنّقاء يقتدي به الآخرون. وأشرف للمرء أنْ يكتفي بكسرة من الخبز من أنْ يتمتّع بفاخر الطّعام متعدّد الألوان من جيوب الآخرين. والمرء القنوع يتمتّع دائمًا براحة


واطمئنان قلبيّ"([1]).



وليس أكل اللحوم محرّمًا ولكنّ عبدالبهاء يقول:-



"إنّ طعام المستقبل سيكون الفواكه والحبوب، وسيأتي يوم لا تؤكل فيه اللّحوم. فعلم الطّب لا يزال في طفولته، ومع هذا فقد أثبت أنْ طعامنا الطّبيعي هو ما تنبته الأرض".([2])



الخمور والمخدّرات



يمنع بهاءالله منعًا باتًّا استعمال المخدّرات إلا في حالة المرض.



التّمتّع بالحياة



إنّ التّعاليم البهائيّة مبنيّة على الاعتدال لا على التقشّف. فالتّمتع بالأشياء الجميلة الطّيبة في الحياة سواء أكانت ماديّة أم روحانيّة أمر تشجّعه التّعاليم البهائيّة بل تدعو إليه، فيقول بهاءالله بالنّص:-



"لا تحرموا أنفسكم عما قدّر لها". ويقول كذلك ما ترجمته:-

"يجب أنْ تظهر على وجوهكم آثار البهجة والبِشر".



ويقول عبدالبهاء:-



"إنّ جميع ما خلق هو لأجل الإنسان فهو أشرف المخلوقات. وعليه أنْ يكون شاكرًا للنّعم الإلهيّة، فجميع الأشياء الماديّة مخلوقة لأجلنا لندرك أنَّنا عن طريق الشّكر نستطيع أنْ نرى الحياة نعمة إلهيّة، فإذا سئمنا الحياة كفرنا بهذه النّعمة الإلهيّة، لأنّ وجودنا الماديّ والرّوحانيّ هما علائم الموهبة الإلهيّة. فعلينا إذًا أنْ نكون


مبتهجين ونقضي أوقاتنا بشكر اللّه وتقدير كلّ الأشياء".([3])



ولما سُئل عبدالبهاء عمّا إذا كان تحريم الميسر واليانصيب يتناول جميع الألعاب بمختلف أشكالها أجاب:-



"لا، فإنّ بعض الألعاب بريئة ليس فيها ذنب إذا كان الغرض منها التّرفيه، ولكنْ هناك خطرًا في أنْ ينحطّ التّرفيه ويتحوّل إلى ضياع الوقت، وضياع الوقت غير مقبول في أمر اللّه. لكنّ التّسليّة التّي تؤدّي إلى نموّ القوى الجسمانيّة كالرّياضة البدنيّة شيء مقبول".([4])



النّظافة



يقول بهاءالله في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"تمسّكوا بحبل اللّطافة على شأن لا يرى من ثيابكم آثار الأوساخ... كونوا عنصر اللّطافة بين البرية... ادخلوا ماءً بكرًا والمستعمل منه لا يجوز الدّخول فيه. إنّا أردنا أنْ نراكم مظاهر الفردوس في الأرض ليتضوّع منكم ما تفرح به أفئدة المقرّبين".



وأشار أبو الفضائل في كتابه "الحجج البهيّة" إلى أهميّة هذه الأوامر، وخاصّة في بعض أنحاء الشّرق، حيث تستعمل المياه الملوّثة للأغراض المنزليّة والاستحمام والشّرب مما تنشأ عنه أوضاع غير صحيّة فظيعة وأنواع الأمراض السّارية والشّقاء المرير. وهذه الأوضاع التّي يظنّها البعض مؤيّدة برضاء اللّه وموافقة للدّين


يمكن تبديلها بين الشّرقيّين عن طريق واحد وهو طريق الأوامر التّي ينزلها من هو مؤيّد بسلطة إلهيّة. وفي كثير من أنحاء نصف الكرة الغربيّ هناك تحوّل مدهش سيحدث لو اعتبرت النّظافة ليست بعد التّديّن والتقوى في منزلتها فحسب بل جزءًا أساسيًّا من التّقوى والتّديّن.



أثر إطاعة الأوامر الإلهيّة



إنّ لأوامر النّظافة والبساطة في الحياة واتّباع القوانين الصّحيّة والامتناع عن تناول الكحول والأفيون وغيرها من المخدّرات أهميّة لا تحتاج إلى بيان أو تعليق رغمًا عن عدم تثمين الكثيرين لأهميّتها الحيويّة وعدم تقديرهم لها حقّ قدرها. ولو روعيت هذه الأوامر مراعاةً شاملةً لاختفت معظم الأمراض السّارية وكثير غيرها من الأمراض الأخرى. وإنّ عدد الأمراض التّي تنشأ عن إهمال الاحتياطات الصّحيّة البسيطة والانهماك في تعاطي الكحول والأفيون عدد هائل لا يدخل تحت حصر. ولا تقتصر إطاعة هذه الأوامر على التّأثير على الصّحة فقط بل إنّ لها تأثيرًا عظيمًا أيضًا في تهذيب الأخلاق والآداب. فالمشروبات الرّوحيّة والأفيون تؤثّر على ضمير الإنسان ووجدانه مدّة طويلة قبل أنْ تؤثّر على هيئته ومشيته أو تسبّب له أمراضًا واضحة جسمانيّة. حتّى أنّ الفائدةّ الخُلُقيّة والرّوحانيّة التّي يجنيها الإنسان من الامتناع عن تعاطيها أعظم من الفائدة الجسمانيّة. ويقول عبدالبهاء بخصوص النّظافة:- "إنّ النّظافة الظّاهريّة ولو أنّها أمر جسمانيّ لكنْ لها تأثيرًا شديدًا على الرّوحانيّات... والمقصود هو أنّ النّظافة والطّهارة الجسمانيّة


لهما تأثير على الأرواح الإنسانيّة أيضًا"([5]).



ولو أطاع النّاس أوامر الرّسل الخاصّة بالعفّة في العلاقات الجنسيّة لزال سبب من أقوى أسباب الأمراض ولأصبحت الأمراض الزّهرية البغيضة التّي تهدم صحّة الآلاف من النّاس الأبرياء والمذنبين والآباء وأطفالهم شيئًا لم يكن مذكورًا.



وكذلك لو أطاعوا أوامر الرّسل الخاصّة بالعدل والمواساة المتبادلة ومحبّة الإنسان لجاره كمحبّته لنفسه، لزال أثر الأعمال الشّاقّة المنهكة والفقر المدقع ولانعدم أثر البطالة والانغماس في التّرف الدنيء في هدمها العقلي والخُلُقي والجسماني.



ومجرّد الطّاعة لأوامر موسى وبوذا والمسيح ومحمد وبهاءالله الخاصّة بالصّحة والأخلاق كفيل في مقاومة الأمراض وتحقيق ما لا يستطيع تحقيقه جميع الأطباء وجميع القوانين الصّحيّة العامّة في أنحاء المعمورة. ولو كانت الطّاعة لهذه الأوامرعامّة، لتحسّنت الصّحة العامّة في الحقيقة تحسّنًا شاملاً، ولشاهدنا المعمّرين من النّاس يعيشون كما تعيش الفاكهة السّليمة التّي تنضج وتطيب قبل أنْ تسقط من الغصن الذّي يحملها، بدلاً مما نشاهده اليوم من حصاد الموت للأرواح في طفولتها وفي شبابها.



الرّسول كطبيب



نحن نعيش في دنيا تعّد فيها إطاعة أوامر الرّسل السّالفين من قبيل الاستثناء لا القاعدة، وتعتبر فيها محبّة الذّات أكثر نفوذًا من


محبّة اللّه، وتحتلّ فيها المصالح الحزبيّة الضيّقة مقام الأسبقيّة على مقام المصالح الإنسانيّة العامّة، وتفضّل فيها الممتلكات الماديّة والمباهج الشهوانيّة على السّعادة الرّوحانيّة للعالم الإنسانيّ. ومن هنا نشأت المنافسات والتّطاحن الشّرس والظّلم والاستبداد وأقصى نهايات الغنى المفرط والفقر المدقع وكلّ الأوضاع التّي تساعد على انتشار الأمراض العقليّة والجسمانيّة. ونشأ عن ذلك أنّ جميع شجرة الإنسانيّة بكاملها أصبحت مريضة، وشاركت في هذا المرض العام كلّ ورقة من أوراق هذه الشّجرة، حتّى بات المقدّسون والطّاهرون يقاسون الآلام نتيجة خطايا الآخرين. فاشتدّت الحاجة إلى العلاج – علاج الإنسانيّة جمعاء أممًا وأفرادًا. وهكذا نجد بهاءالله كأسلافه الملهمين لا يرينا سبيل المحافظة على الصّحة فحسب بل يرينا كيف نسترد الصّحة إذا فقدناها. فقد أتى كما يأتي الطّبيب العظيم الذّي يشفي أمراض العالم الجسمانيّة والعقليّة جميعها.



الشّفاء بالوسائل الماديّة



ظهر في عالم الغرب اليوم بعث مشهود للإيمان بكفاءة العلاج بالوسائل العقليّة والرّوحانيّة. وفي الحقيقة ذهب الكثيرون في ثورتهم على الأفكار الماديّة التّي سادت في القرن التّاسع عشر حول الأمراض ومعالجتها إلى التّطرف في إنكار فائدة العلاجات الماديّة أو فائدة الطّرق الصّحيّة مهما كان نوعها. لكنْ بهاءالله يرى فائدة كلا النّوعين من العلاجات الماديّة والرّوحانيّة، وهو يعلمنا أنّ فنّ الطّب يحتاج إلى التّطوير والتّشجيع والتّكميل حتّى يتم الانتفاع من جميع وسائل المعالجة انتفاعًا تامًّا، كلّ في دائرتها اللاّئقة بها.


وعندما كان يمرض أحد أفراد عائلة بهاءالله كان بهاءالله يستدعي طبيبًا اختصاصيًّا، وقد أوصى أتباعه باتّباع هذه الطّريقة ففي "الكتاب الأقدس" يقول بالنّص:-



"إذا مرضتم ارجعوا إلى الحُذّاق من الأطبّاء".



وهذا مطابق لموقف البهائيّة من العلوم والفنون على وجه العموم مطابقة تامّة. فجميع العلوم والفنون النّافعة لبني الإنسان ينبغي تقديرها وترويجها. ويستطيع الإنسان أنْ يصبح سيّدًا على جميع الأشياء الماديّة عن طريق العلم ولكنّه يبقى عبدًا أسيرًا لهذه الأشياء الماديّة ما دام جاهلاً.



وكتب بهاءالله في لوح إلى أحد الأطباء بالنّص:-



"لا تتركْ العلاج عند الاحتياج ودعه عند استقامة المزاج... عالج العلّة أوّلاً بالأغذية ولا تُجاوز إلى الأدوية. إنْ حصل لك ما أردت من المفردات لا تعدُل إلى المركّبات. دعْ الدّواء عند السّلامة وخذه عند الحاجة".



وكتب عبدالبهاء في أحد ألواحه ما ترجمته:-



"يا طالب الحقيقة! إنّ معالجة الأمراض على نوعين: نوع بواسطة الأدوية ونوع بالقوى المعنويّة. فالنّوع الأوّل يتم بالمعالجة الماديّة، والثّاني يتم بالمناجاة والتّوجّه إلى الله. وكلا النّوعين مقبول ... ولا تضارب بينهما. واعلمْ أنّ المعالجة الماديّة رحمة وموهبة إلهيّة، لأنّه تعالى كشف لعباده علم الطّب وأوضح سبله لهم حتّى ينتفعوا كذلك بهذا الّنوع من العلاج"([6]).


وهو يعلمنا بأنّ أذواقنا وغرائزنا، لو لم تكن قد لوثتها أساليب العيش الرّعناء غير الطّبيعيّة، لأصبحت خير مرشد لنا في انتخابنا الطّعام المناسب والفواكه والأعشاب الطّبيّة وغيرها من العلاجات، كما هي الحال في عالم الحيْوان. ففي حديث ممتع له عن الشّفاء مسجّل في كتاب المفاوضات الصّفحة 234 قال في ختامه:-



"إذا صار من المعلوم أنّه يمكن العلاج بالأطعمة والأغذية والفواكه. ولكنْ حيث أنّ الطّب لا يزال ناقصًا إلى الآن فلهذا لم يهتد الأطّباء إلى معرفة ذلك تمامًا. وحينما يصل الطّب إلى درجة الكمال، يكون العلاج بالأطعمة والأغذية والفواكه وبالنّباتات الطّيبة الرّائحة وبالمياه الّتي تختلف درجاتها في الحرارة والبرودة".



والقوّة الشّافية هي في الحقيقة قوّة إلهيّة، حتّى في وسائل العلاج المادّي. لأنّ خواص الأعشاب والمعادن هي من المواهب الإلهيّة، لأنّ "كلّ شيء يعتمد على الله. وإنّما الأدوية هي وسائل ظاهريّة نستطيع بها الوصول إلى الشّفاء الإلهيّ".



العلاج بغير الوسائل الماديّة



ويعلمنا بهاءالله أنّ هناك أيضًا طرق عديدة للشّفاء بغير الوسائل الماديّة، فهناك "عدوى الصّحة" كما أنّ هناك "عدوى المرض"، ولو أنّ الأولى بطيئة وذات مفعول ضئيل والثّانية سريعة وذات مفعول شديد.



وقد تؤثّر أحوال المريض العقليّة، "وإيحاءاته" الذّاتيّة تأثيرًا فعّالاً في تعيين هذه الحالات. فالخوف والغضب والقلق وغيرها لها ضررها البالغ على الصّحة، بينما الأمل والحب والبهجة لها أثرها


الطّيب. ولذلك يقول بهاءالله في لوحه إلى أحد الأطباء بالنّص:-



"الزم القناعة في كل الأحوال، بها تسلم النّفس من الكسالة وسوء الحال. أنْ اجتنب الهم والغم، بهما يحدث بلاء أدهم. قل الحسد يأكل الجسد، والغيظ يحرق الكبد. اجتنبوا منهما كما تجتنبون من الأسد".



ويقول عبدالبهاء:-



"يخلق السّرور لنا أجنحة، فنكون في أيّام السّرور أقوى جسمًا وأشد عقلاً... ولكنْ إذا ساورنا الغم، فإنّ قوّتنا تبعد عنّا"([7]).



وكتب عبدالبهاء عن طريق آخر من طرق الشّفاء العقلي:-



"بأنْ يتوجّه إنسان صحيح تمام التّوجّه نحو شخص مريض. وهذا الشّخص المريض يكون منتظرًا الشّفاء بلهفة أيضًا، ومعتقدًا تمام الاعتقاد بأنّه سيكتسب الصّحة من القوّة الرّوحيّة لهذا الإنسان الصحيح، بحيث يحصل ارتباط قلبيّ تام بين الصّحيح والمريض. فيوجّه الشّخص السّليم كلّ عنايته لشفاء المريض الّذي يكون على يقين أيضًا بحصول الشّفاء. فمن التّأثير والتّأثّرات النّفسانيّة تتهيّج الأعصاب، وتلك التّأثّرات وهياج الأعصاب تصير سببًا لشفاء المريض".([8])



لكنّ طرق الشّفاء هذه محدودة في أثرها، وربما لا تنجح في شفاء الأمراض المستعصية.


قوّة الرّوح القدس



إنّ أكبر قوّة شافية هي قوّة الرّوح القدس، فقد كتب عبدالبهاء:-



"أمّا القسم الرّابع فهو حصول الشّفاء بقوّة الرّوح القدس. وليس هذا مشروطًا بالتّماس ولا بالنّظر حتّى ولا بالحضور ولا بأي شرط من الشّروط سواء أكان المرض بسيطًا أم شديدًا وسواء أحصل تماس بين الجسمين أم لا وسواء أحضر المريض أم لم يحضر بل يتم ذلك بقوّة الرّوح القدس"([9]).



وفي محادثة مع أحد الزّائرين في عكّا في أكتوبر (تشرين الأوّل) 1904 يقول عبدالبهاء:-



"إنّ الشّفاء الّذي يحصل من قوّة الرّوح القدس لا يحتاج إلى تماس أو تركيز، بل يحصل بواسطة إرادة الشّخص المقدّس ودعائه. وربّما كان المريض في الشّرق وكان الشّافي في الغرب وكانا لا يعرفان بعضهما. ولكن بمجرّد توجّه الشّخص المقدّس بقلبه إلى الله وشروعه بالدّعاء يشفى المريض. وهذه موهبة اختصّت بها المظاهر المقدّسة والّذين هم في أعلى مقام".



ومن هذا القبيل كانت أعمال الشّفاء الّتي قام بها السّيد المسيح وتلاميذه، وأعمال الشّفاء المشابهة الأخرى الّتي نسبت إلى الرّجال المقدّسين في جميع العصور. وكان بهاءالله وعبدالبهاء قد اختصّا بهذه الموهبة، وقد وعدا أتباعهما المخلصين بحصولهم على مثل هذه القوّة.


حالة المريض النّفسيّة



ولكي تفعل قوّة الشّفاء الرّوحانيّ فعلها التّام هناك بعض الشّروط الضّروري توفّرها في المريض وفي الشّافي وفي أصدقاء المريض وفي الهيئة الاجتماعيّة بمقياس أكبر. فأوّل مستلزمات المريض هي أنْ يتوجّه بكل قلبه إلى الله، وتكون لديه ثقة تامّة وإيمان كامل بقدرته تعالى وإرادته لما يشاء. وقد تحدّث عبدالبهاء إلى سيّدة أمريكيّة في أغسطس (آب) 1912 بما ترجمته:-



"ستمضي جميع هذه الآلام وستنالين الصّحة التّامّة الجسمانيّة والرّوحانيّة... وليكنْ قلبك مطمئنًا واثقًا منْ أنّ كلّ خير سوف يتيسّر لك من موهبة بهاءالله ومن فضل بهاءالله... ولكنّك يجب أنْ تتوجّهي بوجهك توجّهًا تامًّا إلى الملكوت الأبهى مثل توجّه مريم المجدليّة نحو السّيد المسيح، وأؤكد لك أنّك ستنالين الصّحة الجسمانيّة والصّحة الرّوحانيّة. فإنّك لائقة. وأبشرّك بأنّك لائقة لأنّ قلبك طاهر.. فكوني مطمئنّة وكوني مسرورة كوني مبتهجة وكوني آملة".



ومع أنّ عبدالبهاء في هذه الحالة الخاصّة قد ضمن نوال الصّحة الجسمانيّة الكاملة، لكنّه لا يفعل ذلك في جميع الحالات، حتّى ولو كان هناك إيمان قويّ من جانب الفرد المريض. فقد تحدّث إلى أحد الزّائرين له في عكّا بما ترجمته:-



"إنّ المناجاة المنزلة لغرض الشّفاء إنّما هي للشّفاء الرّوحانيّ وللشّفاء المادي كليهما. فإذا كان الشّفاء في صالح المريض منح له


حتمًا. وقد يكون الشّفاء سببًا في حدوث أمراض أخرى، وفي هذه الحالة تقتضي الحكمة الإلهيّة عدم استجابة بعض الأدعية.



"يا أًمَة الله! إنّ قوّة الرّوح القدس تشفي العلل الماديّة والرّوحانيّة كليهما"([10]).



وكتب مرّة أخرى إلى شخص مريض ما ترجمته:-



"تقتضي أحيانًا إرادة الله أمرًا لا يفهم الخلق حكمته، ولكنّ الأسباب والعلل لذلك تظهر فيما بعد. فاعتمدْ على الله وتوكّلْ عليه وسلّم الأمور لإرادته إنّه رؤوف رحمن رحيم. وسيشملك الفضل والعناية"([11]).



ويعلمنا عبدالبهاء أنّ الصّحة الرّوحانيّة "تساعد على الوصول" إلى الصّحة الجسمانيّة، ولكن الصّحة الجسمانيّة تتوقّف عادة على عدّة عوامل بعضها خارج عن إرادة الفرد. وحتّى حينما تكون أحوال المريض أعلى نموذج للرّوحانيّة فإنّ ذلك "لا يضمن" نوال الصّحة الجسمانيّة في كلّ حالة، فأقدس الرّجال والنّساء قد يعانون الأمراض أحيانًا.



ومع ذلك فإنّ التّأثير الحميد الّذي ينتج من الاستقامة الرّوحانيّة على الصّحة الجسمانيّة أقوى بكثير مما يتصوّره الكثيرون في العادة، وهو وحده كاف لإزالة السّقم في نسبة عظيمة من الحالات. فقد كتب عبدالبهاء إلى سيّدة إنكليزيّة ما ترجمته:-



"قد كتبت بخصوص الضّعف الجسماني. أسأل من ألطاف


بهاءالله أنْ تصبح روحك قويّة، وبواسطة قوّة روحك يتم شفاء جسمك".



وتحدّث كذلك ما ترجمته:-



"إنّ الله قد وهب الإنسان قوى عجيبة ليكون دائمًا متوجّهًا إلى الله العلي ومستمدًّا فضله. والشّفاء أحد أفضاله العديدة. ولكنّ الإنسان وا أسفاه! لا يشكر هذه الألطاف العليا، بل ينام نوم الغفلة، ولا يعتني بالرّحمة العظمى التي ينعم الله عليه بها، بل يولّي وجهه عن النّور ويسير في سبيله في الظّلام"([12]).



الشّخص الشّافي



إنّ قوّة الشّفاء الرّوحانيّ ولا شك موجودة في جميع البشر قلّت أم كثرت، إلا أنّ هناك بعض أشخاص ذوو موهبة استثنائيّة في الشّفاء، كما أنّ هناك أشخاص ذوو موهبة خاصّة في علم الحساب أو الموسيقى. وهؤلاء ينبغي لهم أنْ يجعلوا الشّفاء فنًّا لهم في حياتهم. ولكنْ يا للأسف أصبح العالم في القرون الأخيرة ماديًّا إلى درجة كاد العلاج الرّوحانيّ يكون معدومًا.



إنّ موهبة الشّفاء كبقيّة المواهب يجب تشخيص وجودها والتّدرب عليها وتعلّمها حتّى تصل إلى أسمى تطوّرها وقوّتها. وربّما يوجد الآن في العالم الآلاف ممن وهِبوا بطبيعتهم قابليّة الشّفاء ولديهم هذه الموهبة الثّمينة ولكنّها في حالة كمون وخمول. وعندما تُعرف قدرات الشّفاء الرّوحانيّ والعقلي معرفة تامّة، فهنالك


سيتطوّر فنّ الشّفاء ويسمو قدره وتزداد كفاءته زيادة لا تحصى. وإذا اقترنت هذه القوّة والمعرفة الجديدة لدى الشّخص الشّافي مع إيمان المريض وأمله بالشّفاء، فحينذاك نتوقّع النّتائج الباهرة.



ويقول بهاءالله في لوح إلى طبيب بالنّص:-



"على الله التّكلان. لا إله إلا هو الشّافي العليم المستعان... ولا يفوت عن قبضته من في السّموات والأرض. يا طبيب اشف المرضى أوّلاً بذكر ربّك مالك يوم التّناد، ثمّ بما قدرّنا لصحة أمزجة العباد. لعمري الطّبيب الذي شرب خمر حبي لقاؤه شفاء، ونفسه رحمة ورجاء. قل تمسّكوا به لاستقامة المزاج، إنّه مؤيّد من الله للعلاج. قل هذا العلم أشرف العلوم كلّها. إنّه السّبب الأعظم من الله محيي الرّمم لحفظ أجساد الأمم، وقدّمه على العلوم والحكم. ولكنّ اليوم هو اليوم الّذي تقوم على نصرتي منقطعًا عن العالمين. قل يا إلهي اسمك شفائي وذكرك دوائي وقربك رجائي وحبك مؤنسي ورحمتك طبيبي ومعيني في الدّنيا والآخرة وإنّك أنت المعطي العليم الحكيم".



وكتب عبدالبهاء ما ترجمته:-



"إنّ القلب الّذي امتلأ بمحبة البهاء، وانقطع بكلِّه عمّا سواه، ينطق الرّوح القدس من شفتيه، وتطفح من روحه روح الحّياة، وتجري من لسانه كلمات كالدّرر والجواهر، ويحصل الشّفاء للمريض من بركة وضعه يده عليه"([13]).



وكتب عبدالبهاء في أحد ألواحه بالنّص:-


"يا أيّتها النّفس الزّكية الرّوحانيّة، توجّه إلى الله بقلب خافق بمحبته ناطقًا بثنائه ناظرًا إلى ملكوته مستعينًا من روح قدسه بكل انجذاب ووله ومحبّة واشتياق وروح وريحان إنّه يؤيّدك بروح من عنده لشفاء المرض والآلام. عليك بمعالجة القلوب والأجساد وطلب الشّفاء للمريض بالتوجه إلى الملكوت الأعلى وبقلب راسخ لحصول الشّفاء بقوة الاسم الأعظم وبروح محبّة الله"([14]).



كيف يستطيع الجميع مساعدة المرضى



إنّ شفاء المريض لا يتوقّف على المريض وحده ولا على الطّبيب وحده ولكن على الجميع. ويجب على الكلّ أنْ يساعدوا بعطفهم وبخدمتهم وباستقامة حياتهم وباستقامة تفكيرهم وبأدعيتهم ومناجاتهم، خاصّة لأنّ قوّة المناجاة أقوى من جميع الأدوية والعلاجات. ويقول عبدالبهاء: "إنّ الابتهال والمناجاة من أجل الآخرين لا شك مؤثر". إنّ أصدقاء المريض عليهم مسؤوليّة خاصّة لأنّ تأثيرهم عليه، نافعًا كان أم ضارًّا، مباشر وقوي. وكم من مرّة كان الشّفاء معلّقًا "بصورة أساسيّة" على خدمة الوالدين والأصدقاء والجيران لمريضهم البائس!



ولو توسّعنا لوجدنا أنّ لأفراد الهيئة الاجتماعيّة تأثيراً في كلّ إصابة بالمرض. وقد لا يظهر تأثير الأفراد ظهورًا كبيرًا إلا أنّ تأثير المجموع يظهر واضحًا وشديدًا. وكلّ شخص يتأثّر "بالجّو الاجتماعي" الّذي يعيش فيه بمقدار انتشار الإيمان والفضائل


والمباهج أو انتشار الماديّة والرّذائل والهموم. ولكلّ فرد نصيبه في تعيين حالة ذلك "الجّو الاجتماعي". وقد لا يستطيع كلّ إنسان في أحوال العالم الحاضرة أنْ ينال الصّحة التامّة، إلا أنّه من الممكن لكلّ فرد أنْ يكوّن "قناة طبيعيّة" تسير فيها قوّة الرّوح القدس الشّافية، فيكون لذلك تأثير ناجع على جسمه وعلى أجسام غيره ممّن يكون له بهم اتصال.



وقد نزل من قلم بهاءالله وعبدالبهاء العديد من مناجاة الشّفاء.



العصر الذّهبي



يطمئننا بهاءالله أنّه بالتّعاون بين المريض والشّافي والهيئة الاجتماعيّة عامّة وكذلك باستعمال الوسائط الصّحيّة المختلفة الماديّة والرّوحانيّة والعقليّة يتحقّق مجيء العصر الذّهبي حين "ستتبدّل بقوّة الله جميع الأحزان إلى أفراح وجميع الأمراض إلى صحّة". ويقول عبدالبهاء: "إنّ الرّسالة الإلهيّة حينما تُفهم حقّ فهمها، تزول جميع المتاعب" وكتب كذلك ما ترجمته:-



"عندما يأتلف العالم المادي مع العالم الإلهيّ، وعندما تصبح القلوب إلهيّة والآمال طاهرة، يحصل الارتباط التّام، وحينذاك تتجلّى هذه القدرة تجلّيًا كاملاً، وحينذاك يتم شفاء جميع الأمراض الماديّة والرّوحانيّة شفاءً تامًّا"([15]).



الانتفاع من الصّحة انتفاعًا لائقًا



ختامًا لهذا الفصل يحسن بنا أن نتذكّر نصائح عبدالبهاء الخاصّة


بالانتفاع من الصّحة الجسمانيّة انتفاعًا سليمًا. فقد كتب في أحد ألواحه إلى البهائيّين في واشنطن ما ترجمته:



"إذا صرف الإنسان صحّته وقوّته الجسمانيّة في سبيل الملكوت فذلك مقبول منه وممدوح، ولو صرفها في منفعة العالم الإنسانيّ على وجه العموم ولو منفعة ماديّة فذلك مقبول ما دامت وسيلة للخير، ولكنّه لو صرف صحّته وعافيته في المشتهيات النّفسانيّة وفي العيش عيشًا حيْوانيًّا وفي المقاصد الشّيطانيّة فلا شكّ أنّ مرضه خير من صّحته بل موته أفضل من حياته. وأنت إذا تمنّيت الصّحة فتمنّها من أجل خدمة الملكوت، وأرجو أنْ تنال بصيرة كاملة وعزمًا راسخًا وصحّةً تامّة وقوّة روحانيّة وجسمانيّة لتشرب من معين الحياة الأبديّة وتتوفّق بروح التّأييدات الإلهيّة".





(1) مترجم عن (كتاب الآثار المدّونة البهائيّة) الصفحة 453.


(2) مترجم عن (كتاب عشرة أيام في نور عكا) بقلم جوليا م. كروندي.


(1) مترجم عن (كتاب الفلسفة الإلهيّة) الصفحة 104.


(2) مترجم عن (كتاب مشهد سماوي) الصفحة 9.


(1) المكاتيب – طبعة القاهرة ج1 ص325 و 326.


(1)المكاتيب – الترجمة الانجليزية – ج3 ص587.


(1) مترجم عن كتاب حكمة عبدالبهاء الصفحة 100.


(2) كتاب المفاوضات – الترجمة العربية – ص 231.


(1) المصدر السابق ص 232.


(1) دروس في عكا الصفحة 95.


(2) مجلة نجمة الغرب المجلد الثامن الصفحة 232.


(1) من كتاب حكمة عبدالبهاء الصفحة 16.


(1) مجلة نجم الغرب ج8 ص232.


(1) المكاتيب – الترجمة الانكليزية ج3 ص628.


(1) المكاتيب – الطبعة الانكليزية – ج2 ص309.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الثّامن

الوحدة الدّينيّة



"يا أهل الأرض إنّ الفضل في هذا الظّهور الأعظم أنّا محونا من الكتاب كلّ ما هو سبب الاختلاف والفساد والنّفاق وأثبتنا فيه ما هو علّة الألفة والاتّحاد والاتّفاق نعيمًا للعاملين".
(بهاءالله- لوح الدّنيا مترجمًا)




تعدّد المذاهب وتشتّت الآراء في القرن التّاسع عشر



لم يكنْ العالم في يوم ما بعيدًا عن الوحدة الدّينيّة كبعده عنها في القّرن التّاسع عشر. نعم عاشت الجامعات البشريّة العظمى الإسلاميّة والمسيحيّة والكليميّة والبوذيّة والزردشتيّة جنبًا لجنب، ولكنّها بدلاً من أنْ ترتبط ببعضها بوفاق ووئام في مجموعة متّحدة كانت في عداء مستديم وكفاح مرير بعضها مع البعض الآخر، بل كان الأمر أدهى وأمرّ حينما انقسمت كلّ جامعة منها وانشطرت شطرًا بعد شطر وتحولّت إلى مذاهب عديدة يناصب بعضها بعضًا العداء المرير، مع أنّ السّيد المسيح قال:



"بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إنْ كان لكم حب بعضًا


لبعض".([1])



وكذلك جاء في القرآن الكريم:



"شَرَعَ لكم من الدّين ما وصّى به نوحًا والّذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه".([2])



وقد دعا مؤسّس كلّ دين من هذه الأديان العظيمة أتباعه إلى المحبّة والاتّحاد، ومع ذلك فقد أهمل الهدف الذي توخّاه مؤسّس كلّ دين وضاع في خِضَمْ من التّعصّبات والتقّاليد الشّكلية وعدم التّسامح والتّعصب الأعمى والرّياء والفساد والتّحريف والخصام والانقسام، وأصبح عدد الطّوائف والفرق المتباغضة في العالم في بداية العصر البهائيّ ربّما أكثر منه في أيّ عهد سابق في تاريخ البشر، وكأنّما الإنسانيّة في هذا الزّمان تجرّب كلّ نوع من أنواع العقيدة الدّينيّة وكلّ نوع من أنواع التّقاليد والرّسوم وكلّ نوع من أنواع القوانين الخلقيّة والاعتبارات الأدبيّة.



وفي الوقت نفسه ظهر الكثيرون ممّن كرّسوا جهودهم لتحرّي قوانين الطّبيعة وأصول المعتقدات وفحصها بالنّقد وسرعان ما اكتسبوا معارف علميّة جديدة ووجدوا حلولاً جديدة لكثير من مشاكل الحياة. وساعد ظهور المخترعات كالبخار والسّكك الحديديّة والصّحافة وأنظمة البريد على انتشار الأفكار وعلى امتزاج الأنواع المختلفة من الآراء وأساليب الحياة امتزاجًا واسعًا خصيبًا.


وأصبحت المعركة المسمّاة بـ "المعركة بين الدّين والعلم" معركة شديدة واجتمع في العالم المسيحي نقّاد الكتاب المقدّس مع علماء الطّبيعة على مخاصمة سلطان الكتاب المقدّس وعلى تفنيده إلى مدى معيّن – ذلك السّلطان الّذي ظلّ قرونًا عديدة الأساس الّذي بنيت عليه عموم العقائد السّائدة المقبولة، فازداد عدد المرتابين في صّحة التّعاليم الكنائسيّة زيادة سريعة، حتّى أعلن عدد كبير من القسس ورجال الدّين سرًّا وعلانية شكوكهم وتحفّظاتهم حول المعتقدات الّتي يتمسك بها أفراد مذاهبهم.



ولمْ يكنْ هذا الفيضان الفكري والاختمار العقلي الّذي رافق انتشار الاعتراف بفشل التّعصّبات القديمة والعقائد الماضية والّذي رافق الجهد من أجل الحصول على معارف أوسع ومعلومات أكمل – نعم لمْ يكنْ مقصورًا على الأقطار المسيحيّة بل كان واضحًا بين سكّان جميع الأقطار والأديان وظهر متباينًا هنا وهناك.



رسالة بهاءالله



ففي هذا الوقت الّذي بلغ فيه الخصام وبلغت فيه الفوضى أوجها، أعلن بهاءالله دعوته المدوية وكأنّها نفخة الصّور، داعيًا الإنسانيّة إلى:-



"أنْ يتّحد العالم على عقيدة واحدة وأنْ يكون الجميع إخوانًا وأنْ تستحكم روابط المحبّة والاتّحاد بين بني البشر وأنْ تزول الاختلافات الدّينيّة وتمحى الاختلافات العرقيّة... لا بدّ من زوال


هذه المشاحنات والبغضاء وهذا السّفك للدّماء وهذا الاختلاف حتّى يكون جميع النّاس جنسًا واحدًا وأسرةً واحدة"([3]).



حقًا إنّها لرسالة مجيدة، ولكنْ كيف يمكن تطبيق مطالبها؟ فكم دعا الرّسل النّاس ووعظوهم، وكم تغنّى الشّعراء، وكم ابتهل القدّيسون من أجل هذه الأشياء آلافًا من السّنين! ولكنّ الفوارق الدّينيّة لا زالت حتّى الآن قائمة لم تنته، ولا زال سفك الدّماء والانشقاق إلى هذا الحين سنّة جارية لمْ تُنسخ! فما الّذي سيظهر يا ترى فتتحقق به اليوم هذه المعجزة وتتم؟ وهل هناك من عوامل جديدة ظهرت في الميدان؟ وأليست الطّبيعة البشريّة هي ذاتها لم تتبدل، وسوف تبقى على ما هي عليه لن تتبدل ما دام العالم باقيًا؟ وإذا اختلف شخصان أو اختلفت أمّتان على شيء واحد في المستقبل أفلا تتحاربان من أجله كما فعلا في الماضي؟



وإذا انقسمت الأمم السّالفة إلى مذاهب عديدة أفلن يشاركها الدّين البهائيّ ذلك المصير ذاته؟ فلننتظر الجّواب على ذلك من التّعاليم البهائيّة.



هل يمكن أنْ تتبدّل الطّبيعة البشريّة؟



إنّ علم التّربية والدّين كليهما يقومان على القول بأنّ الطّبيعة البشريّة يمكن تبديلها. وفي الواقع إننا لا نحتاج إلا إلى القليل من التّحريات لنثبت أنّنا نستطيع القول بالتّأكيد بأنّ كلّ حيّ من الأحياء لا يمكن أنْ يكون في منجاة عن التّغيير أبدًا، وبدون التّغيير لن


تكون هناك حياة، حتّى أنّ المعادن لا تستطيع أنْ تصدّ التّغيير فيها، وكلّما صعدنا في سلم الخليقة ازدادت التّغييرات تنوّعًا وتعقيدًا وغرابة. وفضلاً عن هذا، فإنّ هناك في تطوّر المخلوقات ورقّيها على اختلاف أصنافها نوعان من التّغيير – أحدهما بطيء تدريجي يكاد يكون غير محسوس، والآخر سريع فجائي يحيّر العقول، وقد يحدث النّوع الأخير في الوقت الّذي يسمى بـ "المرحلة الحرجة". ففي المعادن نرى مثل هذه "المرحلة الحرجة" مثلاً في الذّوبان والغليان حينما تتبدّل المّادة الصّلبة فجأة إلى مادة سائلة أو يصبح السّائل غازًا. ونرى مثل هذه "المرحلة الحرجة" في عالم النّباتات أيضًا عندما تشرع البذرة في الإنبات والبراعم في الانفجار مكونةً الأوراق ونرى "المرحلة الحرجة" نفسها في عالم الحيوان عندما تتبدّل الدّودة الصّغيرة فجأة إلى فراشة أو تخرج فراخ الدّجاج من قشور البيض أو يخرج الطّفل من رحم أمّه. ونشاهد تحوّلاً مشابهًا لهذا في حالات النّفس البشريّة الرّفيعة حينما يولد المرء "ولادة جديدة" فيتبدّل جميع كيانه تبدّلاً جذريًا يتجلى في أهدافه وفي أخلاقه وفي أطواره وفي أفعاله. ومثل هذه "المراحل الحرجة" يؤثّر غالبًا في جميع النّوع الواحد من الأحياء أو في مجموعات الأنواع من الأحياء تأثيرًا ذاتيًّا كما يحدث حينما تنفجر البراعم في جميع النّباتات فجأة نحو حياة جديدة في زمن الرّبيع.



ويصرّح بهاءالله أنّ "مرحلةً جديدةً" وزمان "ولادة جديدة" للبشريّة على الأبواب كما أنّ للأحياء أزمنة انتقال إلى حياة جديدة أتمّ وأكمل. وعندئذ ستتبدّل أوضاع الحياة التّي استمرت قائمةً منذ


فجر التاريخ حتّى وقتنا الحاضر تبدّلاً قطعيًّا سريعًا وستدخل الإنسانيّة إلى صفحة جديدة من الحياة تختلف عن الصّفحة القديمة اختلاف الفراشة عن الدّودة التي تحوّلت عنها أو اختلاف الطّير عن البيضة الّتي نشأ منها، وستنال الإنسانيّة جمعاء تحت نور الظّهور الجديد بصيرة جديدة تبصر بها الحقيقة، وكما أنّ بلدًا كاملاً يتنوّر عند شروق الشّمس كذلك البشر جميعهم سيرون رؤية واضحة، ولا شكّ أنّ كلّ شيء يكون مظلمًا معتمًا قبل ساعة واحدة من الشّروق وبعد الشّروق يصبح كلّ شيء منيرًا.



ويقول عبدالبهاء ما ترجمته:-



"إنّ هذا دور جديد للقوّة البشريّة. فقد تنوّرت جميع الآفاق، وسيصبح العالم حقًّا حديقة أزهار وجنّة."



وما نراه في الطّبيعة من التّشابه والتّوافق يؤيّد هذا الرّأي، فالرّسل السّالفون قد تنبّأوا بالإجماع بمجيء يوم عظيم كهذا اليوم، كما أنّ علامات الأزمنة تدلّ دلالة واضحة على أنّ التّبدلات والتّغيرات الثّوريّة العميقة في الأفكار والمؤسّسات البشريّة مستمرة حتّى الآن في تقدّمها. فما أعقم الجدل والتّشاؤم بعد هذا كلّه، والقول بأنّ الطّبيعة البشريّة لنْ تتبدّل، مع أنّ جميع الأشياء الأخرى في تبدّل مستمر؟



الخطوة الأولى نحو الاتّحاد



ومن أجل ترويج الوحدة الدّينيّة يوصي بهاءالله بالأخذ بالتّسامح والإحسان إلى أقصى الحدود، ويدعو أتباعه إلى "المعاشرة مع الأديان بالرّوْح والرّيحان". وكتب في آخر وصيّة أوصاها في لوح


وصّيته المعروف بـ (كتاب عهدي) بالنّص:-



"قد نهيناكم عن النّزاع والجّدال نهيًا عظيمًا في الكتاب([4]). هذا أمر الله في هذا الظّهور الأعظم وعصمه من حكم المحو وزيّنه بطراز الإثبات..." إلى أنْ قال في هذه الوصيّة ذاتها ما ترجمته:-



"يا أهل الأرض إنّ مذهب الله هو من أجل المحبّة والاتّحاد فلا تجعلوه سبب العداوة والاختلاف. أرجو أنْ يتمسّك أهل البهاء بهذه الكلمة المباركة: (قلْ كلّ من عند الله) فإنّ هذه الكلمة العليا بمثابة الماء لإطفاء نار الضّغينة والبغضاء المخزونة المكنونة في القلوب والصّدور، وبهذه الكلمة الواحدة تفوز الأحزاب المختلفة بنور الاتّحاد الحقيقي. إنّه يقول الحقّ ويهدي السّبيل، وهو المقتدر العزيز الجّميل".



ويقول عبدالبهاء:-



"إنّ ترك التّعصّبات محتوم على الجميع، وعليهم جميعًا أنْ يذهبوا إلى كنائس ومعابد ومساجد بعضهم بعضًا، لأنّ ذكر الله يكون في جميع هذه المعابد، ففي الحين الّذي يجتمع فيه الجميع على عبادة الله ما الفرق يا ترى في اجتماعاتهم؟ إذ لا يعبد أحدهم الشّيطان! فعلى المسلمين أنْ يذهبوا إلى كنائس المسيحيّين وصوامع الكليميّين والعكس بالعكس: على الآخرين أنْ يذهبوا إلى مساجد المسلمين. ويتجنّب هؤلاء النّاس بعضهم بعضًا بسبب التّقاليد والتّعصّبات الّتي ما أنزل الله بها من سلطان. وفي أمريكا دخلت صوامع اليهود المشابهة لكنائس المسيحيّين ورأيتهم جميعًا منهمكين في عبادة الله.


"وفي كثير من هذه المجامع تحدّثت عن الأساس الأصلي الإلهيّ الّذي هو أساس الأديان جميعها، وأقمت الدّلائل والبراهين على حقيّة رسل الله ومظاهره المقدّسة، وشوّقت الجميع وحثثتهم على محو التّقاليد العمياء. فعلى جميع الرّؤساء الرّوحانيّين أنْ يذهب بعضهم إلى كنائس البعض الآخر، ويتحدّثوا عن أساس الأديان والتّعاليم الأصليّة الإلهيّة، ويعبدوا الله بكمال الاتّحاد والاتّفاق والألفة في معابد بعضهم، ويتركوا التّعصّبات العقيمة تركًا تامًّا"([5]).



فلو تمّت هذه الخطوات الأولى وتأسّست حالة وديّة متبادلة من التّسامح بين الطّوائف الدّينيّة المتنوّعة لرأيتم ما أعظم التّغيير الّذي يحدث في العالم! ومن أجل تحقيق هذه الوحدة يلزمنا في الحقيقة شيء أعظم من هذا. فالتّسامح من المسكّنات لمرض تعدّد المذاهب، ولكنّه ليس بالدّواء الناجع له، لأنّه لا يستأصل سبب المرض.



مرجع الهداية



لقد عجزت المجتمعات الدّينيّة المتنوّعة في الماضي عن خلق هذه الوحدة، لأنّ أتباع كلّ واحد منها اعتبروا مؤسّس مذهبهم مرجع الهداية الوحيد وأنّ قانونه الّذي جاء به قانون إلهيّ واعتبروا أيّ رسول آخر أعلن رسالة تباين رسالته عدوًّا للحق. ولأسباب مماثلة كثرت المذاهب المختلفة في كلّ مجتمع، واتبّع أتباع كلّ


منها مرجعًا أصغر، واعتبروا تفسيرًا معيّنًا من تفاسير رسالة المؤسّس كأنّه كلّ الدّين الحقيقي لذلك المؤسّس وما عداه باطلاً وضلالاً. ومن الواضح أنّه ما دام الحال على هذا المنوال، فإنّ الوحدة الحقيقيّة مستحيلة، ولنْ تتحقق. أمّا بهاءالله فيعلمنا أنّ جميع الرّسل كانوا حملة الرّسائل الحقّة من الله وأنّ كل واحد منهم أعطى النّاس في يومه أسمى التّعاليم الّتي كانوا يستطيعون تحمّلها وربّى البشر ليستعّدوا لقبول التّعاليم الّتي يأتيهم بها من سيأتي بعده. وبهاءالله يدعوا أتباع كلّ دين إلى أنْ لا ينكروا الإلهام الإلهيّ الّذي جاءت به الرّسل الآخرون. بل يعترفوا بالإلهام الإلهيّ الّذي جاءوا به جميعًا ويروا تعاليمهم متّفقة في أساسها وأنّها أجزاء في خطّة عظمى لتربية الإنسانيّة وتوحيدها. وهو يدعو جميع النّاس على اختلاف تسمياتهم إلى احترام رسلهم عن طريق وقف حياتهم من أجل تحقيق الوحدة الّتي جاهد في سبيلها جميع الرّسل وتحمّلوا العذاب. وفي رسالته إلى الملكة فكتوريا يشبّه العالم برجل مريض تفاقم مرضه لأنّه وقع في أيدي متطبّبين. ويخبرنا بهاءالله بكيفيّة شفائه فيتفضّل بالنّص:-



"وما جعله الله الدّرياق الأعظم والسّبب الأتّم لصّحته هو اتّحاد من على الأرض على أمر واحد وشريعة واحدة، وهذا لا يمكن أبدًا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيّد. لعمري هذا هو الحق وما بعده إلا الضّلال المبين. كلّما أتى ذلك السّبب الأعظم وأشرق ذاك النّور من مشرق القدم، منعه المتطبّبون وصاروا سحابًا بينه وبين العالم، لذا ما طاب مرضه، وبقي في سقمه إلى الحين".


تتابع الأديان وتطوّرها



يرى الكثيرون أنّ حجر العثرة العظيم في طريق الوحدة الدّينيّة هو الاختلاف الظّاهري بين الأديان الّتي جاءت بها الرّسل. فما أمر به أحدهم حرّمه الآخر فكيف إذن يكون الاثنان على صواب؟ وكيف يقال أنّهما يعلنان إرادة الله؟ نعم لا ينكر أنّ الحقيقة واحدة لا تتغيّر، وأنّ الحقيقة المطلقة واحدة لا يمكن أن تتغيّر، ولكنّ الحقيقة المطلقة هي بشكل غير محدود مستحيلة على الإدراك البشريّ الحاضر، وأنّ أفكارنا حولها يجب أنْ تتغيّر بصورة مستمرة. وبفضل من الله سوف تستبدل أفكارنا القديمة النّاقصة بمرور الزّمن بأفكار أنسب وأليق. ويقول بهاءالله في لوح إلى أحد البهائيّين الفرس ما ترجمته:-



"أيّها النّاس إنّ الكلمة تقال بمقدار معّين حتّى يصل النّاشئون إلى مرحلة البلوغ، ويجب أنْ يُعطَى اللّبن إلى أطفال العالم بمقدار معّين، حتّى يدخلوا العالم الأكبر ويستقّروا في خيمة الوحدة".



فاللبّن يقوّي الطّفل حتّى يستطيع أنْ يهضم فيما بعد طعامًا أصلب منه. وقولنا بأنّ أحد الرّسل كان على حق في إعطائه تعاليم في زمن من الأزمان وأنّ الرّسول الآخر لا بدّ أنْ يكون على خطأ وضلال في إعطائه تعاليم أخرى في زمن آخر كقولنا بأنّ اللّبن أحسن غذاء للطّفل منذ أوّل ولادته وهو وحده لا غيره يجب أنْ يُعْطى أيضًا للرجل البالغ وأنّ إعطاء أي غذاء غيره خطأ وضلال. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته ما ترجمته:



"إنّ كل دين من الأديان الإلهيّة ينقسم إلى قسمين (فالقسم


الأوّل) وهو الأساس والأصل ويختص بالعالم الباقي وبالأخلاق وبأساس التّعاليم الإلهيّة وببنيان الشّرائع الرّبانيّة، وهو عبارة عن محبّة الله الّتي لنْ تتغيّر ولنْ تتبدّل وهي هي لا غيرها، (والقسم الثّاني) وهو الفرع، ويختص بالجسمانيّات أي بالمعاملات، وهو يتغيّر ويتبدّل حسب رقيّ الإنسان وحسب مقتضى الزّمان والمكان. فمثلاً في زمان موسى لو سرق إنسان شيئًا مهما كان صغيرًا قطعت يداه، وكان قصاص العين بالعين والسّن بالسّن قصاصًا ساري المفعول، ولكنّ ذلك لم يعد ضروريًّا في زمان السّيد المسيح، فنسخ. وكذلك الطّلاق انتشر إلى درجة لم يبق فيها قانون صالح للزّواج لهذا نهى السّيد المسيح عن الطّلاق. وفي زمان موسى عليه السّلام كان الزّمان والمكان يقتضيان نزول أحكام القتل العشرة في التّوراة، وذلك لأنّ حفظ نظام الهيئة الاجتماعيّة لم يكن ممكنًا حينذاك، وكان يستحيل الأمن والاستقرار بدون تطبيق هذه الأحكام الشّديدة، لأنّ اليهود كانوا يعيشون في صحراء التّيه، ولم تكن هناك دار للحكومة ولا سجن أو زنزانة. لكنّ أمثال هذه الأحكام والقوانين لم يكن ضروريًّا في زمان السّيد المسيح. إذن اتّضح أنّ القسم الثّاني من الدّين لا أهمّية له لأنّه يختص بالمعاملات وبأساليب المعيشة. لكنّ أساس الدّين الإلهيّ واحد، وقد جدّد حضرة بهاءالله هذا الأساس الإلهيّ"([6]).



ومع أنّ دين الله دين واحد قام بتعليمه جميع الرّسل، إلا أنّه شيء حيّ ينمو على الدّوام، وليس بشيء ميّت لن يتغيّر ولن


يتطوّر. ففي تعاليم موسى نرى البذرة، وفي تعاليم عيسى نرى البرعم، وفي تعاليم محمد نرى الزّهرة وفي تعاليم بهاءالله نرى الثّمرة. ولا تضّر الزّهرة بالبرعم، ولا تضّر الثّمرة بالزّهرة، بل تحقق آمالها، ولا بدّ أنْ يتشقّق الكأس ويسقط لتتفتّح الزّهرة، ولا بدّ أنْ تتناثر أوراق الزّهرة لتظهر الثّمرة وتنضج، فهل كان الكأس أو كانت أوراق الزّهرة عديمة النّفع حتّى وجب رميها ونبذها؟ كلاّ، فإنّهما كانا في وقتيهما لازمين صحيحين، وبدونهما ما كانت الثّمرة لتظهر. وهكذا الحال مع تعاليم الرّسل المتنوّعة، فإنّ ظواهرها تتبدّل من عصر إلى عصر، ولكنّ كلّ دين فيها يكمل سالفه، وليس أحدها بمنفصل عن الآخر، ولا هو بمناقض له، وإنّما المراحل المختلفة في تاريخ حياة دين الله الواحد هي الّتي جعلت الدّين مرّة بمثابة بذرة ومرّة أخرى بمثابة البرعم ومرّة أخرى بمثابة الزّهرة وجعلته الآن يدخل مرحلة الثّمرة.



عصمة الرّسل



يعلمنا بهاءالله أنّ كل من يوهب مقام الرّسالة يُعطى البراهين الكافية على رسالته ويخوّل بمطالبة النّاس بطاعته ويمنح سلطة نسخ تعاليم من سبقه من الرّسل أو تغييرها أو زيادتها، ففي كتاب الإيقان يقول ما ترجمته:-



"لأنّه بعيد جدًا عن فيض الفيّاض وبعيد عن واسع رحمته أنْ يجتبي نفسًا من بين جميع العباد لهداية خلقه ولا يؤتيها الحجّة الكافية الوافية، ومع ذلك يعذّب الخلق لعدم إقبالهم إليها، بل لم يزل جود سلطان الوجود محيطًا على كلّ الممكنات بظهور مظاهر


نفسه، وما أتى على الإنسان حين من الدّهر انقطع فيه فيضه أومنع نزول أمطار الرّحمة عن غمام عنايته... والمقصود من كلّ ظهور حصول التّغيير والتّبديل في العالم سرًّا وعلنًا ظاهرًا وباطنًا لأنّ شؤونات العالم إذا لم تتبدّل يكون ظهور المظاهر الكليّة عبثًا لا ثمرة منه"([7]).



فالعصمة لله. أمّا الرّسل الإلهيّون فإنّهم معصومون لأنّهم حملة الرّسالة الإلهيّة إلى أهل العالم، وتبقى رسالة كلّ واحد منهم نافذة المفعول إلى أنْ تأتي رسالة أخرى تحلّ محلّها، يحملها إليهم نفس الرّسول أو رسول آخر غيره.



والله هو الطّبيب الأعظم الّذي يستطيع وحده أنْ يشخّص مرض العالم ويصف الدّواء المناسب له. وإذا ما وصف دواء في أحد العصور، فإنّ ذلك الدّواء لن يعود مناسبًا للعصر الّذي يليه حين تختلف أحوال المريض، وإنّ التّشبث بالدّواء القديم عندما يصف الطّبيب دواءً جديدًا عمل لا يكشف عن عدم الثّقة بالطّبيب وحسب بل يعتبر كفرًا به ونقضًا للعهد معه. وقد يضطرب اليهودي حين تقول له أنّ الأدوية الّتي وصفها موسى لعلاج مرض العالم قبل ثلاثة آلاف سنة قد أصبحت أدوية غير مناسبة وفات أوانها. وكذلك قد يضطرب المسيحي حين تقول له أنّ محمّدًا جاء بكلّ دواء لازم وثمين ليضيفه إلى ما وصفه السّيد المسيح وقد يضطرب المسلم إذا أوضحت إليه بأن الباب وبهاءالله كالرّسل السّابقين لهما الحقّ في تغيير الفروع الدّينيّة. إلا أنّ الإخلاص لله طبقًا لوجهة النّظر البهائيّة يتضمّن احترام جميع رسله والطّاعة إلى أحدث أوامره التي قدّمها


رسوله إلى عصرنا الحاضر، وبمثل هذا الإخلاص وحده نستطيع الوصول إلى الوحدة الحقيقيّّة.



المظهر الأعلى



وقد أوضح بهاءالله رسالته بعبارات جليّة لا يتطرّق إليها الشّك كجميع الرّسل السّابقين. ففي اللّوح الأقدس الّذي خاطب به المسيحييّن بصورة خاصّة يقول بالنّص:-



"قل قد جاء الأب وكمُل ما وعدتم به في ملكوت الله. هذه كلمة التّي سترها الابن إذْ قال لمن حوله أنتم اليوم لا تحملونها، فلمّا تمّ الميقات وأتى الوقت أشرقت الكلمة من أفق المشيئة. إيّاكم يا ملأ الابن أن تدعوها وراءكم. تمسّكوا بها، هذا خير لكم عمّا عندكم ... قد جاء روح الحق ليرشدكم إلى جميع الحق، إنّه لا يتكلّم من عند نفسه بل من لدن عليم حكيم. قل هذا لهو الّذي مجّد الابن ورفع أمره. ضعوا يا أهل الأرض ما عندكم وخذوا ما أمرتم به من لدن قويّ أمين".



وفي اللّوح الّذي أرسله إلى البابا من أدرنة سنة 1876 يقول بالنّص:-



"قل إيّاكم أن يمنعكم الذّكر عن المذكور والعبادة عن المعبود أنْ اخرقوا حجب الأوهام هذا ربّكم العزيز العلاّم قد أتى لحياة العالم واتّحاد من على الأرض كلّها، أنْ أقبلوا يا قوم إلى مطلع الوحي ولا توقّفوا أقل من آن. أتقرأون الإنجيل ولا تقرّون للرّب الجّليل؟ هذا لا ينبغي لكم يا ملأ الأحبار. قل إنْ تنكروا هذا الأمر بأيّ حجّة آمنتم بالله فأتوا بها...".


وكما أعلن بهاءالله في رسالته إلى المسيحييّن بتحقّق وعود الإنجيل، كذلك أعلن للمسلمين واليهود وللزردشتييّن ولأصحاب الأديان الأخرى عن تحقّق الوعود المكنونة في كتبهم السّماوية، وخاطب جميع البشر بأنّهم أغنام الله الّتي تفرّقت إلى قطعان مختلفة وآوت إلى حظائر مختلفة، وأنّ رسالته هي صوت الله وأنّه هو الرّاعي الصّالح الّذي جاء في "يوم المنتهى" ليجمع خرافه الّتي تفرّقت ويرفع الحواجز من بينها، "حتّى يكون هناك قطيع واحد وراع واحد".



موقف جديد



إنّ موقف بهاءالله من بين جميع الرّسل موقف فريد لم يسبقه به أحد، لأنّ حالة العالم وقت مجيئه كانت فريدة لم يسبق لها مثيل. وقد أصبح العالم اليوم ناضجًا مستعدًا لقبول مبدأ الوحدة نتيجة تطوّره الطّويل في آفاق الدّين والعلم والفن والحضارة البشريّة. وحينما ظهر بهاءالله أخذت الحواجز الّتي جعلت الوحدة العالميّة مستحيلة في القرون الماضية تبدأ بالانهيار. ومنذ ميلاده سنة 1817، وبصورة أخص منذ نشره تعاليمه، صارت هذه الحواجز تتكسّر الواحد تلو الآخر بشكل محيّر عجيب. ومهما يكن تفسير هذه الظّاهرة، فإنّها أصبحت حقيقة لا يتطرّق إليها الشّك.



وفي أيام الرّسل السّابقين كانت الحواجز الجّغرافيّة وحدها كافية تمامًا للحيلولة دون تحقق الوحدة العالميّة، والآن زال هذا الحاجز، لأنّ سكان الأرض استطاعوا لأوّل مرّة في تاريخ البشريّة أنْ يتحدّث بعضهم في أطراف الأرض إلى البعض الآخر في


الأطراف الأخرى بسرعة وسهولة، وصارت الأمور الّتي تحدث اليوم في أوروبا تطلع عليها جميع أقطار العالم في اليوم ذاته، والخطاب الّذي يلقى اليوم في أمريكا يقرأه غدًا النّاس في أوروبا وآسيا وإفريقيا.



والحاجز العظيم الثّاني دون الوحدة العالميّة كان اللّغة وصعوبة التّخاطب، ولكن ّهذا الحاجز قد تمّ التّغلب عليه إلى مدى كبير بفضل دراسة اللّغات الأجنبيّة. وهناك أكثر من سبب واحد يدعو للاعتقاد بأنّ لغة عالميّة سوف يتّم اختيارها وتقوم مدارس العالم بتدريسها، هنالك سيتم التّغلب على هذا الحاجز غلبة تامّة.



والحاجز العظيم الثّالث دون الوحدة العالميّة كان التّعصّبات الدّينيّة وعدم التّسامح الدينيّ، وهذا الحاجز أيضًا آيل إلى الزّوال. فقد تفتّحت عقول النّاس، وخرجت تربية الشّعوب وتعليمها من أيدي رجال الدّين، ولم يبق هناك ما يحول دون اقتحام الأفكار الحرّة أضيق الدّوائر وأكثرها محافظة.



وهكذا نجد بهاءالله أوّل رسول من الرّسل العظام اتّضحت رسالته في جميع أنحاء المعمورة في مدّة سنوات قليلة، فترجمت تعاليمه الأساسيّة في مدّة قصيرة من ألواحه الأصليّة، وصارت في متناول كلّ رجل وامرأة وطفل يقرأ ويكتب في العالم.



كمال الدّين البهائيّ



إنّ الدّين البهائيّ فريد لم يسبق له مثيل في أديان العالم بسبب كمال مدوّناته الأصليّة الأولى ودقّتها. فالكلمات المدوّنة الّتي يمكن إثبات نسبتها بكلّ اطمئنان إلى المسيح وموسى وزردشت


وبوذا وكرشنا قليلة جدًّا كما أنّها تترك كثيرًا من القضايا العصريّة ذات الأهميّة العمليّة دون معالجة. وكثير من التّعاليم الّتي شاعت نسبتها إلى مؤسّسي الأديان يشك في أصالتها، كما اتّضح أنّ بعضها تصريحات نسبت إليهم بعد حياتهم...



أمّا الباب وبهاءالله فقد كتبا آثارًا غزيرة بفصاحة وبلاغة تامّتين وبقوّة وجزالة عظيمة. وبما أنّهما كانا ممنوعين عن إلقاء الخطب على جموع النّاس وصرفا حياتهما في السّجن بعد إعلانهما دعوتيهما، لذا أوقفا معظم أوقاتهما على الكتابة. ونتج عن ذلك أنْ أصبح الدّين البهائيّ المسطور لا يدانيه أي دين جاءت به الرّسل السّابقون من ناحية غناه بمدوّناته الأصليّة. وقد أوضح في الدّين البهائيّ إيضاحًا كافيًا وتفسيرًا وافيًا العديد من الحقائق الّتي أشارت إليها الرّسالات السّابقة إشارات غامضة، كما وأنّ المبادئ الخالدة الحقيقيّة الّتي جاء بها الرّسل السّابقون قد جرى تطبيقها تطبيقًا عمليًّا على مشاكل العصر الحاضر، وهي مشاكل على شأنٍ من الحيرة والصّعوبة لم ينشأ لها مثيل في أيام الرّسل السّابقين. وواضح أنّ هذا السّجل الحافل من الآثار الإلهيّة المكتوبة الأصليّة لا بدّ وأنْ يكون له تأثير فعّال على منع حدوث سوء التّفاهم في المستقبل وعلى تصفية سوء التّفاهم الّذي حدث في الماضي فباعد بين المذاهب المختلفة بعادًا مريرًا.



العهد والميثاق البهائيّ



إنّ الدّين البهائيّ فريد لم يسبق له مثيل في شيء جديد آخر سنذكره الآن. فقد كتب بهاءالله قبل صعوده وبخط يده عهده


وميثاقه بتعيين ابنه الأكبر عبدالبهاء الذي يسمّيه في كتاباته باسم "الغصن" أو "الغصن الأعظم" مبيّنًا لتعاليمه وصرّح أنّ أيّ تبيين أو تفسير يقدّمه الغصن الأعظم مقبول ويعادل في صحّته كلمات بهاءالله نفسه ويقول في هذا العهد والميثاق بالنّص:-



"انظروا ما أنزلناه في كتابي الأقدس إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدأ في المآل توجّهوا إلى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم (وإنّ المقصود بهذه الآية المباركة هو الغصن الأعظم)([8])".



وفي (سورة الغصن) التي شرح فيها مقام عبدالبهاء يقول بالنّص:-



"قل يا قوم فاشكروا الله لظهوره "الغصن" لأنّه هو الفضل الأعظم عليكم ونعمته الأتّم لكم وبه يحيي كل عظم رميم. من توجّه إليه فقد توجّه إلى الله، ومن أعرض عنه فقد أعرض عن جمالي وكفر ببرهاني وكان من المسرفين".



وبعد صعود بهاءالله أتاحت الفرص لعبدالبهاء سواء في مسكنه أم في أسفاره الواسعة مقابلة النّاس من كلّ أطراف العالم ومن كلّ الأفكار والآراء، فسمع أسئلتهم ومشاكلهم واعتراضاتهم، وقدّم لهم تفسيرات وافية دوّنت تدوينًا. وفي سلسلة سنوات طويلة استمرّ عبدالبهاء على عمله في تلخيص المبادئ البهائيّة وفي توضيح كيفيّة تطبيقها لحل معظم مشاكل الحياة الحاضرة. وقد أحيلت إليه جميع اختلافات الرّأي الّتي نشأت بين المؤمنين، فقام بحلّها حسب السّلطة المخوّلة له، وهكذا تضاءلت أخطار سوء التّفاهم في المستقبل.


وفضلاً عن هذا فإنّ بهاءالله قد وضع التّرتيبات اللاّزمة لانتخاب "بيت العدل الأعظم" الّذي يمثّل جميع البهائيّين في أنحاء العالم والّذي يقوم بأعباء إدارة شؤون الأمر البهائيّ وتوجيه الجّهود المبذولة فيه وتوحيدها، ومنع حدوث الانقسامات والانشقاقات فيه، وتفسير الأمور المبهمة وحفظ التّعاليم من أيّ فساد وسوء عرض أو تفسير. ولم تنكر التّعاليم البهائيّة على هذه الهيئة الإداريّة العليا حق تشريع الأحكام الّتي لم يشرّعها بهاءالله بل خوّلتها كذلك حق تبديل الأحكام الّتي تشرّعها هي ذاتها حينما تستجدّ ظروف تتطلّب إجراءات جديدة، وبهذا مكّنت دين الله من الاتّساع ليلائم مقتضيات وحاجات الجامعة البشريّة المتطوّرة باعتبار دين الله حيًّا يتطوّر تطوّر الكائن الحي.



كما أنّ بهاءالله حرّم على كلّ إنسان تحريمًا قطعيًّا تفسير تعاليمه ما عدا المبيّن المنصوص، وقد عيّن عبدالبهاء شوقي أفندي في ألواح وصايا عهده وميثاقه وليّ أمر الله والمخوّل بتفسير الآيات الإلهيّة من بعده.



وبعد ألف سنة أو أكثر سوف يظهر مظهر إلهيّ جديد، تحت ظلّ بهاءالله، ببراهين قاطعة على رسالته. وحتّى يحين وقت ظهوره تبقى كلمات بهاءالله وعبدالبهاء وشوقي أفندي وقرارات بيت العدل الأعظم المرجع الّذي يهتدي المؤمنون بهداه. وليس لأيّ بهائيّ الحق في تأسيس مدرسة للرّأي أو فرقة مستندة إلى تفسير معيّن للتّعاليم البهائيّة أو لأيّ دين إلهيّ آخر معروف، وكلّ من


يخالف هذه الأوامر يعتبر ناقضًا للعهد والميثاق([9]).



ويقول عبدالبهاء ما ترجمته:



"إنّ عدوّ أمر الله هو من يفسّر بيانات حضرة بهاءالله وآثاره حسب زعمه وإدراكه ويجمع حوله جماعة ويشكّل حزبًا ويقوم على العمل لإعلاء مقامه ولمدح نفسه ويخلق تفرقة في أمر الله"([10]).



وكذلك يقول في لوح آخر:-



"إنّ هؤلاء النّاس، وأعني بهم مروّجي الاختلافات، إنّما هم بمثابة الزَّبَد الّذي يطفو فوق سطح البحر، فتقوم موجة من بحر الميثاق فتقذف به خارج البحر بقوّة الملكوت الأبهى. إنّ هذه الخيالات الفاسدة الّتي تنشأ عن الأنانيّة وسوء النيّة كلّها تذهب، أمّا العهد والميثاق الإلهيّ فإنّه يبقى دائمًا ثابتًا ومستقرًّا ومحفوظًا ومصونًا"([11]).



ولا يوجد شيء يجبر النّاس على التدّيّن إذا كانوا يريدون تركه فيقول عبدالبهاء:-



"إنّ الله نفسه لا يجبر إنسانًا على أنْ يكونَ روحانيًّا، وإنّ التّمتع بحريّة الإرادة أمر ضروري".



لكنّ الميثاق الإلهيّ يجعل الانقسامات المذهبيّة داخل الجامعة البهائيّة أمرًا مستحيلاً.


انعدام الرّهبانيّة البهائيّة



يجب التنويه هنا بشكل خاص بذكر ميزة أخرى من مزايا النّظام الإداريّ البهائيّ وهي انعدام الوظائف الرهبانيّة. فالتّبرعات الاختياريّة لمصاريف المبلّغين البهائيّيّن مسموح بها. ويفدي الكثيرون أوقات حياتهم لخدمة أمر الله، ولكنّ البهائيّيّن جميعًا مفروض فيهم المشاركة في التّبليغ وغيره حسب فرصهم وقابلياتهم وليست هناك طبقة معيّنة تمتاز عن سائر المؤمنين بقيامها وحدها بوظائف الرّهبانيّة أو بمناصب مقصورة عليهم.



لقد كانت الرّهبانيّة في العصور الماضية ضروريّة، لأنّ النّاس كانوا أمييّن غير مثقّفين يعتمدون على الرّهبان في تربيتهم الدينيّة وفي إدارة مراسيمهم وطقوسهم الدّينيّة وفي إقامة العدل وغير ذلك، ولكنّ الزّمان قد تبدّل الآن. فالتّربيّة والتّعليم قد تقدّمت وتكاد تكون عالميّة. وإذا ما طبّقت أوامر بهاءالله، فإنّ كلّ ولد وبنت في العالم سينال تربية سليمة، وحينذاك يستطيع كلّ فرد أنْ يدرس الكتب المقدّسة بنفسه، وأنْ يستقي ماء الحياة بنفسه مباشرة من الينبوع الإلهيّ. وليس هناك في الكيان البهائيّ مجال لمراسيم وطقوس مفصّلة تتطلّب خدمات فئة محترفة أو طبقة معيّنة من النّاس، كما وأنّ إدارة العدل قد أنيطت بسلطات اختصّت بذلك الغرض.



نعم يحتاج الطّفل إلى المعلم، ولكنّ الغرض الأساسي من المعلم الحقيقي هو إعداد الطّفل للاستغناء عن المعلم فيرى الأشياء


بعينه ويسمع بأذنه ويفهم بعقله. وكذلك الأمر في طفولة الجنس البشريّ، فقد كان الكاهن ضروريًّا، ولكنّ عمله الحقيقي كان في تمكين البشر من الاستغناء عنه، فيَرَون الأمور الرّوحانيّة بعيونهم ويسمعونها بآذانهم ويفهمونها بعقولهم. والآن قد تمّ وانتهى عمل الكاهن، وجاءت التّعاليم البهائيّة الّتي تهدف إلى إتمام ذلك العمل وإلى جعل النّاس مستغنين عمّا سوى الله ليتوجّهوا إلى الله مباشرة أي إلى مظهره الإلهيّ. وعندما يتوجّه الجميع إلى مركز واحد لن تبقى هناك نوايا متضاربة أو فوضى ضاربة، وكلّما اقتربوا من المركز ازدادوا قربًا بعضهم من بعض.




([1]) يوحنا 13: 35.


([2]) سورة الشورى 12.


([3]) من كلمات بهاءالله إلى البروفسور براون. انظر الصفحة 45.


([4]) يقصد الكتاب الأقدس.


([5]) مجلة نجمة الغرب ج9 العدد 3 الصفحة 37.


([6]) من كتاب الفلسفة الإلهيّة الصفحة 146.


([7]) الإيقان - الترجمة العربية - ص10 طبعة القاهرة 1934.


([8]) ما بين القوسين ( ) مترجم عن كتاب عهدي.


([9]) من أجل توضيحات أخرى عن ولاية الأمر البهائيّ وعن بيت العدل الأعظم راجعوا الباب الأخير والملحق من هذا الكتاب.


([10]) (من مجلة نجمة الغرب ج3 صCool.


([11]) مترجم عن مجلة نجمة الغرب ج10 ص95.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب التّاسع

المدنيّة الحقيقيّة



"يا حزب الله لا تحصروا أفكاركم في أموركم الخاصّة بل فكّروا في إصلاح العالم وتهذيب الأمم".
(بهاءالله)




الدّين أساس المدنيّة



إنّ مشاكل الحياة البشريّة، فرديّة كانت أم اجتماعيّة، قد أصبحت اليوم من وجهة النّظر البهائيّة على شأن من التّعقيد بحيث أضحى العقل البشريّ الاعتيادي عاجزًا عن حلّها حلاً مرضيًا. ولا شكّ أنّ الله تعالى وحده يعلم كلّ العلم الهدف من الخليقة ويعلم كيفيّة تحقق ذلك الهدف. وهو تعالى يكشف للبشريّة عن طريق رسله الهدف الحقيقي من الحياة البشريّة والسّبيل المستقيم الّذي يؤدّي إلى التّقدم والرّقي، وإنّ بناء المدنيّة الحقيقيّة يتوقف على التّمسك بالهدى الفائض من الأديان الإلهيّة تمسّكًا مخلصًا فيقول بهاءالله:-



"الدّين هو السّبب الأعظم لنظم العالم واطمئنان من في الإمكان، وإنّ ضعف أركان الدّين صار سببًا لقوّة الجّهال وجرأتهم وجسارتهم. حقًّا أقول أنّ ما يُنقِص من علوّ مقام الدّين يزيد في


غفلة الأشرار، ويؤول الأمر أخيرًا إلى الهرج والمرج (اسمعوا يا أولي الأبصار ثم اعتبروا يا أولي الأنظار)...



"انظروا إلى تمدّن أهل الغرب، كيف أصبح سببًا لاضطراب العالم ووحشتهم، حيث هيّئت آلات جهنّميّة وظهرت قساوة لقتل النّفوس بدرجة لم تر عين العالم شبهها ولم تسمع آذان الأمم نظيرها، وإنّ إصلاح هذه المفاسد القويّة القاهرة مستحيل إلا باتّحاد أحزاب العالم في الأمور أو مذهب من المذاهب...



"يا أهل البهاء إنّ كل أمر من الأوامر المنزلة حصن محكم لحفظ الوجود"([1]).



والوضع الحاضر في أوروبا وفي العالم أجمع يؤيّد تأييدًا بليغًا صحّة هذه الكلمات التي دوّنت منذ سنوات عديدة، وإنّ إهمال أوامر الرّسل وشيوع اللاّدينيّة قد رافق حدوث فوضى ودمار بمقياس رهيب في العالم. ويبدو أنّ إصلاح الهيئة الاجتماعيّة بات مستحيلاً إنْ لم تتبدّل القلوب وتتبدّل أهدافها، وهذا ما يصبو إليه الدّين الحقيقي في صميمه.



العدالة



يقدّم بهاءالله أول نصائحه في حياة الفرد ويقولها في الكتاب الصّغير المعروف بـ "الكلمات المكنونة" الّذي يتضمّن موجزًا لفحوى تعاليم جميع الرّسل وهذه نصيحته:-



"املك قلبًا جيّدًا حسنًا منيرًا لتملك ملكًا دائمًا باقيًا أزلا قديمًا".


والنّصيحة الثّانية الّتي يقدّمها تختص بالمبدأ الأساسي في الحياة الاجتماعيّة الحقيقيّة وهي في "الكلمات المكنونة" أيضًا بالنّص:-



"يا ابن الرّوح أحب الأشياء عندي الإنصاف لا ترغب عنه إنْ تكن إليّ راغبًا ولا تغفل منه لتكون لي أمينًا، وأنت توفّق بذلك إنْ تشاهد الأشياء بعينك لا بعين العباد وتعرفها بمعرفتك لا بمعرفة أحد في البلاد".



وأوّل مستلزمات الحياة الاجتماعيّة ومقوّماتها أنْ يكونَ الأفراد قادرين على تمييز الحق عن الباطل، وعلى رؤية الأشياء بأبعادها الحقيقيّة. وإنّ أعظم سبب من أسباب العمى الرّوحانيّ والاجتماعي، وأعظم عدو للتّقدم الاجتماعي، هو "الأنانيّة". فيقول بهاءالله في لوح إلى أحد الأحباء الزردشتيّين ما ترجمته:-



"يا أبناء النّهى! إنّ الجّفن بكلّ ما هو عليه من الرّقة يمنع العين عن مشاهدة العالم وما فيه، ففكّروا إذن في الحال الّتي فيها ينسدل ستار الجشع على بصيرة الفؤاد. أيّها النّاس إنّ ظلام الحسد والطّمع يجعل نور الرّوح ظلامًا دامسًا كما يفعل السّحاب بنور الشّمس".



وقد أقنعت التّجارب الطّويلة النّاس بصحّة تعاليم الرّسل القائلة بأنّ الأنانيّة فكرة أو فعلاً تؤدّي إلى كارثة اجتماعيّة. وإذا ما قدّر للبشريّة البقاء فعلى كلّ فرد فيها أنْ يعتبر جاره معادلاً له في أهميّته وأنْ يلحق مصالحه بمصالح البشريّة جمعاء. وبهذه الطّريقة يمكن في النّهاية خدمة مصالح الفرد والمجموع خدمة مثلى. ويقول بهاءالله في "الكلمات الفردوسيّة" بالنّص:-



"يا ابن الإنسان! لو تكون ناظرًا إلى الفضل ضع ما ينفعك وخذ ما ينتفع به العباد، وإنْ تكن ناظرًا إلى العدل اختر لدونك ما تختاره لنفسك".


أصول الحكم



تحتوي تعاليم بهاءالله على نوعين مختلفين من البيانات حول موضوع النّظام الاجتماعي الصّحيح، فالنّوع الأوّل يتجلّى في الألواح الّتي أنزلها إلى الملوك والّتي تعالج مشكلة الحكم القائمة في العالم في زمان وجود بهاءالله على الأرض، والنّوع الثّاني يتجلّى في بياناته حول النّظام الإداريّ الجديد الّذي يتطوّر داخل الجامعة البهائيّة ذاتها.



وهنا ينشأ التّباين الظّاهري بين أمثال العبارة التّالية: "يا أولياء الله وأمنائه إنّ الملوك هم مظاهر قدرة الله ومطالع عزّته وغناه فادعوا لهم. إنّ حكومة الأرض قد أعطيت لتلك النّفوس وأبقى تعالى قلوب الناّس ملكًا له"، وبين أمثال العبارة التّالية: "ينبغي لعموم الخلق في هذا اليوم أنْ يتمسكوا بالاسم الأعظم ويؤسّسوا الوحدة البشريّة، ولا مفر لأحد ولا ملاذ إلا بها"([2]).



لكنّ هذا التّباين الظّاهري وعدم التّطابق بين هذين الرّأيين يزول عندما نلاحظ الفرق والامتياز الذي يضعه بهاءالله بين "الصّلح الأصغر" و"الصّلح الأعظم". ففي ألواحه إلى الملوك دعاهم إلى الصّلح وإلى اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ السّلم السياسي وتخفيض الأسلحة ورفع الأعباء الثّقيلة والأخطار عن الفقراء. لكنّ كلماته إليهم توضح توضيحًا تامًا أنّ فشلهم في تلبية مطالب الزّمان


سيؤّدي إلى حروب وثورات بها ينهار النّظام القديم. ولهذا نراه حينًا يقول:- "إنّ ما تحتاج إليه البشريّة اليوم هو إطاعة أولي الأمر والسّلطة"، ونراه حينًا آخر يقول: "إنّ الّذين جمعوا زخارف الأرض وزينته وأعرضوا عن الله خسروا الدّنيا والآخرة وعن قريب سوف يسلبهم الله بِيَد قدرته ما يملكون ويحرمهم من رداء فضله... لقد عيّنا لكم ميقاتًا أيّها النّاس إنْ لم ترجعوا إلى الله في الوقت المعّين لكم فإنّه سوف يأخذكم وتأتيكم المصائب من جميع الجّهات... وإنّا لنرى علائم فوضى واضطراب محيق كلّما بدا نقص النّظام السّائد نقصًا يرثى له... ولقد آلينا على أنفسنا نصرتك على الأرض وإعلاء أمرك على النّاس وإنْ لم يتوجه إليك أحد من الملوك"([3]).



وكتب ما ترجمته:-



"إنّ جمال القدم أراد أنْ ينزل ما يلزم لصلح العالم واستقرار وتقدّم الأمم، فتفضل: سيأتي الوقت الّذي فيه يعترف الكلّ بضرورة عقد مجمع عام شامل من البشر يحضره حكّام الأرض وملوكها، ويتشاورون فيه حول كيفية تأسيس الصّلح الأعظم بين البشر. ومثل هذا الصّلح يستلزم عزم الدّول الكبرى على أنْ تصلحَ ذات بينها صلحًا كاملاً حبًّا لاستقرار الأمم، وإذا قام بعد ذلك أحد الملوك على الآخر يجب على الكلّ أنْ يهبّوا لصدّه بكل اتّحاد"([4]).



وفي أمثال هذه النّصائح، يكشف بهاءالله عن الأوضاع التّي فيها


يتحمّل المسؤولون أعباء المسؤوليّة في هذا اليوم الإلهيّ. وحينما نراه يدعو النّاس إلى تراص الصّفوف والوحدة الدّوليّة، نراه من جهة أخرى ينذر حكّام العالم إنذارًا واضحًا بأنّ استمرارهم على الحروب سوف يهدم سلطانهم. وما أبدع تأييد التّاريخ الحديث لصحّة هذا الإنذار وذلك بقيام حركات العنف الّتي بلغت في جميع الأمم المتمدّنة إلى درجة التدمير وبتطوّر وسائل الحرب إلى درجة أصبح فيها النّصر مستحيلاً نواله على أحد الطّرفين المتحاربين. وفي هذا يقول:-



"والآن بعد أنْ رفضتم "الصّلح الأعظم" تمسكوا "بالصّلح الأصغر" لعلّكم بذلك تحسّنون قليلاً أموركم وأمور رعاياكم... (وما جعله الله الدّرياق الأعظم والسّبب الأتم لصحّته [أي العالم] هو اتّحاد من على الأرض على أمر واحد وشريعة واحدة وهذا لا يمكن أبدًا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيّد)"([5]).



والمقصود بـ "الصّلح الأصغر" هو الوحدة السّياسية بين الدّول، في حين أنّ "الصّلح الأعظم" يشمل العوامل الرّوحانيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة للوحدة كلّها.



وقد عَنيت الحكومات في العصور السّابقة بالأمور الخارجيّة والشّؤون الماديّة، لكنّ عمل الحكومة اليوم يتطلّب القيادة الحكيمة والإخلاص للخدمة والعرفان الرّوحانيّ، وهي صفات يستحيل وجودها إلا في من توجّه إلى الله.


الحريّة السياسيّة



ومع أنّ بهاءالله يشترط شكلاً مثاليًّا من الحكومة التمثيليّة في الحكم المحلي والقطري والدّولي، لكنّه ينصح الكلّ بأنّ هذا يمكن إجراؤه عندما يبلغ البشر درجة سامية كافية من التّقدم الفردي والاجتماعي. وإذا ما منح الحكم الذّاتي فجأة إلى قوم ليست لديهم التّربية الكافية وتغلّب عليهم الدّوافع الأنانيّة وليست لديهم خبرة في إدارة الشّؤون العامّة فإنّ ذلك يؤدّي إلى الكوارث. وليس هناك خطر أكبر من الحريّة تمنح إلى قوم ليسوا أهلاً لاستعمالها بحكمة ورويّة وقد كتب بهاءالله في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"إنّا نرى بعض النّاس أرادوا الحريّة ويفتخرون بها أولئك في جهل مبين. إنّ الحريّة تنتهي عواقبها إلى الفتنة الّتي لا تخمد نارها كذلك يخبركم المحصي العليم. فاعلموا أنّ مطالع الحريّة ومظاهرها هي الحيْوان، والإنسان ينبغي أنْ يكونَ تحت سنن تحفّظه عن جهل نفسه وضرّ الماكرين.



"إنّ الحريّة تخرج الإنسان عن شؤون الأدب والوقار وتجعله من الأرذلين.



"فانظروا الخَلق كالأغنام لا بدّ لها من راعٍ ليحفظها. إنّ هذا لحقّ يقين. إنّا نصدقها في بعض المقامات دون الآخر إنّا كنّا عالمين. قل الحريّة في اتّباع أوامري لو أنتم من العارفين. لو اتّبع النّاس ما نزّلناه لهم من سماء الوحي ليجدنّ أنفسهم في حريّة بحتة...


"قل إنّ الحريّة الّتي تنفعكم إنّها في العبوديّة لله الحق، والّذي وجد حلاوتها لا يبدلّها بملكوت ملك السموات والأرضين".



والدّواء الأنجع لتحسين أحوال الشّعوب المتأخرة هو التّعاليم الإلهيّة. وعندما يتعلّم النّاس ورجال الحكم هذه التّعاليم ويتبنونها فحينذاك تنطلق الأمم من جميع قيودها.



الحكّام والرّعايا



يحرّم بهاءالله الظّلم والاسّتبداد بعبارات شديدة، فقد كتب في "الكلمات المكنونة":-



"يا ظَلَمَة الأرض كفّوا أيديكم عن الظّلم، لأنّي قد أقسمت أنْ لا أتجاوز عن ظلم أحد، وهذا عهد حتّمته في اللّوح المحفوظ وختمته بخاتم العزّة"([6]).



وأولئك الّذين ائتمنوا بصياغة القوانين والتّعليمات وبإدارتها يجب:-



"أنْ يتمسّكوا بحبل المشورة، ويشرّعوا ما هو سبب وعلّة أمن العباد ونعمتهم وثروتهم واطمئنانهم، ويقوموا على تنفيذ ما شرّعوه، لأنّه لو حدث غير هذا التّرتيب فإنّ ذلك يكون سببًا في حدوث الاختلافات والفوضى"([7]).



ومن جهة أخرى يجب على النّاس أنْ يكونوا مطيعين للقوانين ومخلصين للحكومة العادلة، وعلى الحكّام أنْ يعتمدوا على


طرق التّربية والتّعليم وعلى القدوة الحسنة لا على استعمال العنف والقوّة في تحسين شؤون النّاس، فيقول بهاءالله:-



"إنّ هذا الحزب([8]) إذا أقام في بلاد أيّ دولة يجب عليه أنْ يسلكَ مع تلك الدّولة بالأمانة والصّدق والصّفاء"([9]).



وفي لوح الإشراقات:-



"يا حزب الله زيّنوا هياكلكم بطراز الأمانة والدّيانة ثم انصروا ربّكم بجنود الأعمال والأخلاق. إنّا منعناكم عن الفساد والجدال في كتبي وصحفي وزبري وألواحي، وما أردنا بذلك إلا علوّكم وسموّكم".



التّعيين بالوظائف والتّرقية فيها



إنّ المقياس الوحيد في التّوظيف يجب أنْ يكونَ اللّياقة للوظيفة، وأمام هذا المقياس يجب أنْ تنهارَ جميع المقاييس الأخرى كالأقدميّة أو الحالة الاجتماعيّة أو الحالة الماليّة أو الاعتبارات العائليّة أو الصّداقات الفرديّة، فيقول بهاءالله في لوح الإشراقات:-



"الإشراق الخامس في معرفة الحكومات أحوال مأموريها وإعطائهم المناصب بالجّدارة والاسّتحقاق. يجب على كل رئيس وسلطان مراعاة هذا الأمر، حتّى لا يغتصب الخائن مقام الأمين ولا


النّاهب مكان الحارس"([10]).



ولا حاجة إلى القول بأنّ هذا المبدأ لو قبل قبولاً شاملاً وعمل به فإنّ تغيير حياتنا الاجتماعيّة يكون تغييرًا مذهلاً. وحينما يعطى كلّ فرد الوظيفة الّتي تؤهّله لها مواهبه وقابليته، فإنّه يبذل جهده وقلبه في عمله، ويصبح فنّانًا في مهنته، الأمر الّذي يعود عليه وعلى العالم بالنّفع الجزيل الّذي لا يحصى.



المشاكل الاقتصاديّة



إنّ التّعاليم البهائيّة تؤكّد بأقوى العبارات على ضرورة إصلاح العلاقات الاقتصاديّة بين الغني والفقير فيقول عبدالبهاء:-



"يجب أنْ يكون تعديل أمور معيشة الخَلق وترتيبها بشكل ينعدم فيه الفقر والفاقة حتّى يكون لكلّ فرد على قدر مقامه ودرجته نصيبًا من السّعة والرّفاهية. وهناك اليوم بعض النّاس في منتهى الثّراء والبعض الآخر في منتهى الفاقة يحتاجون إلى القوت اليومي. فإنسان يعيش في قصر عالٍ جدًّا وإنسان آخر لا يملك حفرة يأوي إليها. إنّ هذا الوضع وهذا التّرتيب ليس صحيحًا، ويجب إصلاحه وحلّ مشكلته ويجب إجراء ذلك بكمال الدّقة عن طريق استعمال القوانين لا عن طريق المساواة التّامة بين البشر، لأنّ المساواة التّامة غير ممكنة، بل هي على العكس من ذلك وَهْم من الأوهام لا يمكن تحققه أبدًا. وإذا ما طبّقت المساواة فإنّها لن تدوم ولن تبقى بل ترتبك من جديد، ولو أمكن إيجادها فإنّ نظام العالم يرتبك.


فنظام العالم يقتضي هذا الاختلاف، لأنّ البشر في خلقتهم مختلفون.



"والعالم الإنسانيّ أشبه بفرقة عسكريّة. فالفرقة تحتاج إلى قائد، كما تحتاج إلى الجندي البسيط. أفهل يمكن الاسّتغناء عن وجود القائد أو عن صاحب المنصب الكبير ويكون الجّميع جنودًا؟



"لا شكّ أنّ الرّتب المختلفة ضروريّة لانتظام الأمور، ولكنّ هناك اليوم البعض ممّن يعيشون في منتهى الغنى والبعض في منتهى الفقر فلا بدّ من إيجاد قانون ليقوم بالإصلاح والتّعديل. ومن الأمور الهامّة وضع حدود للثّروة ووضع حدود كذلك للفقر، ولا يجوز الإفراط في كليهما. فإذا ما لوحظ فقر وبؤس فمن اليقين وجود ظلم وإجحاف فكأنّ ظهور البؤس دائمًا نتيجة حتميّة لوجود الظّلم. ويجب قيام النّفوس بهذا الأمر الخطير، ولا يجوز أبدًا التّردد في تغيير وإصلاح الأمور الّتي سبّبت الفقر المدقع والجوع للجموع الغفيرة.



"وعلى الأغنياء أنفسهم أنْ ينفقوا على الفقراء من أموالهم، ويكسبوا محبّة الفقراء، ويجذبوا قلوبهم نحوهم، وعليهم أنْ يبذروا بذور الشّفقة والمحبّة في القلوب، وأنْ يفكّروا دائمًا في حال المحزونين واليائسين الّذين هم في حاجة إلى القوت الضّروري.



"ويجب تقنين قوانين خاصّة وحلّ مشكلة هذا الغنى الفاحش وهذا الفقر المدقع، ويجب أنْ تشتملَ قوانين البلاد وفق شريعة الله على كلّ ما يؤدّي إلى الرّفاه. وما لم يتم هذا فإنّ شريعة الله تبقى غير مطاعة"([11]).


وتحدّث عبدالبهاء حول العلاقات الاقتصاديّة بين الرّأسمالييّن والعمّال فقال:-



"إنّ هذه هي إحدى المبادئ الأساسيّة لحضرة بهاءالله، ولكنّها يجب أنْ تعالجَ بالاعتدال لا بالتّهور. وإنْ لم يفصل في هذه المسألة بطريق المحبّة فإنّ الأمر سيؤول أخيرًا إلى الحرب. وإنّ الاشتراك والتّساوي التّام غير ممكنين، لأنّ أمور العالم ونظامه يختلاّن. ولكنّ هناك طريق واحد معتدل وهو أنْ لا يبقى الفقراء على هذه الحال من الاحتياج ولا يبقى الأغنياء على هذه الحال من الغنى بل يعيش الفقراء ويعيش الأغنياء حسب درجاتهم براحة واطمئنان وسعادة..."



"لهذا فمسألة المساواة مستحيلة... فلا يكون ذلك جبرًا بل بالقانون حتّى يعرف كلّ واحد واجبه حسب القانون العمومي. فمثلاً شخص غني عنده حاصلات كثيرة وشخص فقير حاصلاته قليلة، أو نقول بصورة أوضح أنّ شخصًا غنيًّا له حاصلات تعادل عشرة آلاف كيلو وشخصًا فقيرًا حاصلاته عشرة كيلوات، فليس من الإنصاف أنْ تؤخذَ ضرائب متساويّة من الاثنين، بل يجب إعفاء هذا الفقير في هذه الحال عن الضّرائب، فلو أعطى الفقير ضريبة العشر وأعطى الغني ضريبة العشر فليس هذا إنصافًا، إذن يجب وضع قانون لإعفاء هذا الفقير الّذي عنده عشرة كيلوات فقط يحتاجها لمعيشته الضّرورية، ولكنّ الغني الّذي عنده عشرة آلاف كيلو لو أعطى عشرًا أو عشرين لن يصيبه ضرر. فلو أعطى الغني لبقيت عنده ثمانية آلاف أخرى. وإنسان آخر عنده خمسون ألف كيلو فإنّه لو أعطى عشرة آلاف كيلو لبقي لديه بعد ذلك أربعون


ألف كيلو، لهذا يجب وضع القوانين على هذا المنوال".



"أمّا قوانين الأجور الموجودة فيجب إلغاؤها تمامًا. فلو زاد أصحاب المعامل أجور العمّال اليوم فإنّهم بعد شهر أو سنة أخرى يتظاهرون أيضًا ويضربون ويطلبون المزيد. وليست لهذا نهاية".



وأخبركم الآن بشريّعة الله في هذا الباب. فبموجب شريعة الله لا تعطى أجور فقط لهؤلاء بل يكونون في الحقيقة شركاء في كلّ عمل. فمثلاً زارع في قرية يزرع ويجمع حاصلات زراعيّة فتؤخذ ضريبة العشر من الزّرّاع أغنياء وفقراء حسب حاصلاتهم.



"ويؤسّس في تلك القرية مخزن عمومي فيه تجمع جميع الضّرائب والحاصلات ثمّ ينظر أيّ النّاس فقير وأيّهم غني. فالزّرّاع الّذين يحصلون على حاصلات تساوي طعامهم ومصروفاتهم لا يؤخذ منهم شيء".



"وخلاصة القول أنّ جميع الضّرائب من الحاصلات تجمع في مخزن عموميّ. وإنْ وُجِدَ في القرية عاجز يعطى له بقدر معيشته الضّروريّة. وإذا وُجِدَ غنيّ يحتاج إلى خمسين ألف كيلو فقط، ولكنّ حاصلاته تزيد على مصروفاته بمقدار خمسمائة ألف كيلو، يؤخذ منه عشران".



"وكلّ ما يبقى في المخزن آخر السّنة ينفق على المصروفات العموميّة"([12]).


الماليّة العامّة



يقترح عبدالبهاء أنْ توكلَ إدارة الشّؤون الماليّة في كلّ مدينة أو قرية أو محافظة، كلّما أمكن ذلك، إلى تلك المدينة أو القرية أو المحافظة ذاتها، لتقوم بإجراء ذلك داخل حدودها، ولتقدم إلى الحكومة المركزيّة نصيبًا من المصروفات العامّة. ويجب أنْ تكونَ ضريبة الدّخل التّصاعديّة أحد المنابع الرّئيسيّة الماليّة. وإذا لم يزد دخل الإنسان على مصروفه الضّروري لن تؤخذ منه ضريبة، ولكنْ عندما يزداد الدّخل في جميع الأحوال على المصروفات الضّروريّة فهناك تفرض الضّريبة، وترتفع النّسبة المئويّة فيها كلّما ازداد فائض الدّخل على المصروفات الضّروريّة.



ومن جهة أخرى لو أنّ إنسانًا بسبب المرض أو بسبب قلّة المحصول أو بسبب آخر خارج عن نطاق قدرته لم يكسب الدّخل الضّروري لسد مصروفاته الضّروريّة في العام، فإنّ ما ينقصه لإعاشة نفسه وعائلته يؤخذ من الخزانة العامّة.



وهناك موارد أخرى للماليّة العامّة، مثال ذلك العقارات الّتي لا وارث لها والمناجم والكنوز الّتي يعثر عليها والتّبرعات الاختياريّة. أمّا المصروفات العامّة فمنها المنح الّتي تقدّم للعجزة والأيتام والمدارس والصّم والعميان ولإدامة الصّحة العامّة وبهذه الوسيلة تضمن راحة ورخاء جميع النّاس.



وقد كتب عبدالبهاء حول هذا الموضوع سنة 1912 ما يلي ترجمته:-



"... وحلّ المسألة الاقتصاديّة يجب أنْ يبدأَ بالفلاح ثم ينتهي


الأمر إلى المهن الأخرى، لأنّ عدد الفلاّحين يزيد أضعافًا على عدد المشتغلين بالحرف الأخرى، ولهذا ينبغي البدء بقضية الفلاّح الّذي هو العامل الأوّل في الهيئة الاجتماعيّة.



"فعلى عقلاء كلّ قرية أنْ يؤسّسوا جمعيّة تكون بيدها إدارة تلك القرية، وأنْ يؤسّسوا كذلك مخزنًا عامًّا يعيّنون له كاتبًا، وفي موسم الحصاد يؤخذ قسم معيّن من المحصولات العموميّة ويوضع في المخزن بإشراف الجمعيّة.



"وواردات هذا المخزن سبعة، وهي: واردات العشر، ورسوم على الحيوانات، والمال الّذي لا وارث له، واللّقائط الّتي لا يعرف أصحابها، وثلث الكنوز الّتي يتمّ العثور عليها، وثلث المعادن، والتّبرعات.



"ومصروفاته سبعة أيضًا: أولّها المصروفات المعتدلة العموميّة كمصاريف المخزن وإدارة مراكز الصّحة العامّة، وثانيها أداء العشر للحكومة، وثالثها أداء رسوم الحيْوانات للحكومة، ورابعها إدارة دور الأيتام، وخامسها مساعدة العجزة، وسادسها إدارة التّعليم، وسابعها إكمال المعيشة الضّروريّة للفقراء.



"فأوّلاً واردات العشر- وهذه يجب تحصيلها بالأسلوب التّالي: مثلاً إنسان تبلغ وارداته العموميّة خمسمائة دولار ومصروفاته خمسمائة دولار، فلا يستحصل منه العشر، والّذي مصروفاته خمسمائة دولار ووارداته ألف دولار يستحصل منه العشر، لأنّه يملك أكثر من حاجته، فإذا أعطى العشر لا تختلّ معيشته أبدًا. وإنسان آخر مصروفاته ألف دولار ووارداته خمسة آلاف فيستحصل


منه العشر ونصف العشر، لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وإنسان مصروفاته الضروريّة ألف دولار ووارداته عشرة آلاف دولار فيستحصل منه عشران، لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وغيره مصروفاته الضّروريّة أربعة آلاف أو خمسة آلاف دولار أمّا وارداته فمائة ألف دولار فيستحصل منه الرّبع. ومن ناحية أخرى إذا وجد إنسان حاصلاته مائتا دولار واحتياجاته الضّروريّة الّتي هي أدنى حدود القوت والطّعام الضّروري له تساوي خمسمائة دولار، ولم يقصّر في سعيه وجدِّه لكنّ زراعته لم تجد بركة، فتجب إعانته من المخزن العمومي، كي لا يبقى محتاجًا بل يعيش مرتاحًا.



"وجميع أيتام القرية يجب تأمين ما يحتاجونه من هذا المخزن، كما يجب أنْ يخصّص قسم من هذا المخزن للمحتاجين الّذين لا يستطيعون العمل، وقسم لإدارة التّعليم وقسم للأمور الصّحيّة".



"أمّا إذا بقي شيء من المال فيجب نقله إلى المخزن العمومي لينفق في المصروفات العموميّة.



"وعندما يوضع مثل هذا النّظام، يعيش كلّ فرد من أفراد الهيئة الاجتماعيّة بكمال الرّاحة والسّعادة.



"كذلك يجب الإبقاء على الرّتب فلا ينالها خلل أبدًا، لأنّ تفاوت المراتب من مستلزمات الهيئة الاجتماعيّة الضّروريّة. فالهيئة الاجتماعيّة أشبه بفرقة من فرق الجّيش، ففي فرقة الجّيش لا بدّ من وجود القائد الأعلى ووجود الزّعيم ووجود العقيد ووجود الضّابط ووجود الجندي. ولا يمكن أنْ يكونَ الجّميع في رتبة واحدة فالرّتب إذًا ضروريّة ولكنْ يجب أنْ يعيشَ كلّ فرد من أفراد الجّيش


في تمام الرّاحة والهناء، فلا بدّ أنْ يكونَ هناك والٍ وقاض وتاجر وغني وزارع وعامل، ولا شكّ أنّ هذه المراتب يجب المحافظة عليها وإبقاؤها وإلا اختلّ النّظام العمومي..."([13]).



المؤاساة المتبادلة



في رسالة كتبها عبدالبهاء إلى جمعية الصّلح الدّائم المركزيّة في سنة 1919 يقول ما ترجمته:-



"ومن جملة تعاليم بهاءالله إشراك الإنسان أخاه الإنسان إشراكًا اختياريًّا فيما يملكه، وهذا الإشراك أعظم من المساواة، وهو أنْ لا يرجّح الإنسان نفسه على غيره، بل يفديه بروحه وبماله، ولكنّ ذلك لا يكون بالعنف والقوّة، فيكون قانونًا يجبر الإنسان على عمله، بل يكون عن طيب خاطر، فيفدي ماله وروحه للآخرين، وينفق على الفقراء بحسب ميله ورضاه، كما يجري ذلك اليوم في إيران بين البهائيّيّن".



وجوب العمل على الجميع



من أهم أوامر بهاءالله الخاصّة بالمشكلة الاقتصاديّة أمره بوجوب اشتغال كلّ فرد بعمل نافع، فلا يبقى يعسوب في الخليّة الاجتماعيّة، ولا يبقى طُفيليّ يعيش عالّة على الهيئة الاجتماعيّة. فيقول في لوح البشارات بالنّص:-



"قد وجب على كلّ واحد منكم الاشتغال بأمر من الأمور من


الصّنائع والاقتراف وأمثالها وجعلنا اشتغالكم بها نفس العبادة لله الحقّ، تفكّروا يا قوم في رحمة الله وألطافه ثمّ اشكروه في العشيّ والإشراق".



"لا تضّيعوا أوقاتكم بالبطالة والكسالة، واشتغلوا بما تنتفع به أنفسكم وأنفس غيركم. كذلك قضي الأمر في هذا اللّوح الّذي لاحت من أفقه شمس الحكمة والبيان".



"أبغض النّاس عند الله من يقعد ويطلب، تمسّكوا بحبل الأسباب متوكّلين على الله مسبّب الأسباب"([14]).



فكم من المجهودات في عالم التّجارة تصرف اليوم على إفساد مجهودات الشّعوب الأخرى وإبطال أتعابها عن طرق المزاحمة الضّارة والحروب الوبيلة! وكم منها في طريق الضّياع بأساليب أشد خطرًا! ولو عمل جميع النّاس وكان عملهم الفكري أو اليدوي موجّهًا لنفع الإنسانيّة، كما يأمر بهاءالله، لكفّى ذلك مؤونة تجهيز احتياجات جميع البشر الضّروريّة لصّحتهم وراحتهم وحياتهم حياة نبيلة، ولما بقيت هناك أحياء قذرة تزدحم بالمساكن الوبيئة، ولما بقيت هناك مجاعات ولا فاقة ولا عبوديّة صناعيّة ولا كدح يستنزف صحّة الكادحين.



آداب الثّروة



إنّ الثّروات المكتسبة بطريقة شريفة والمستعملة لأغراض شريفة ممدوحة ومحترمة في نظر التّعاليم البهائيّة، وتجب مكافأة كلّ


من الخدمات مكافأة لائقة. فيقول بهاءالله في لوح الطّرازات:-



"يجب على أهل البهاء... أنْ لا ينكروا فضل أحد ويحترموا أرباب الفنون... ويجب على الجّميع أنْ يتكلّموا بالإنصاف ويقدّروا النّعمة قدرها"([15]).



أمّا بخصوص أرباح النّقود فقد كتب بهاءالله في لوح الإشراقات:-



"ويرى أكثر النّاس محتاجًا إلى هذه الفقرة، إذ لو لم يكن ربح متداول معمول به بين النّاس لتعطّلت الأمور وتأخّرت، وقلّما نجد من يوفّق بمراعاة بني جنسه وأبناء وطنه أو إخوانه ليقرضهم قرضًا حسنًا لذا فضلاً على العباد قرّرنا الرّبا كسائر المعاملات المتداولة بين النّاس أي ربح النّقود... وصار ربح النّقود حلالاً طيّبًا طاهرًا...".



"ولكنْ يجب أنْ يكون هذا الأمر بالاعتدال والإنصاف. وقد توقّف القلم الأعلى في تحديده حكمة من عنده ووسعة لعباده. ونوصي أولياء الله بالعدل والإنصاف وما يظهر به رحمة أحبائه وشفقتهم بينهم...".



"ولكنْ فوَّض إجراء هذه الأمور إلى رجال بيت العدل، حتّى يعملوا بمقتضيات الوقت والحكمة"([16]).




منع استعباد العمال



يحرّم بهاءالله في الكتاب الأقدس الرّق والاستعباد، ويشرح عبدالبهاء ذلك مؤكّدًا أنّ هذا التّحريم لا يشمل الرّق الشّخصي فحسب بل يشمل الرّق الصّناعي أيضًا، لأنّه يخالف أوامر الله. وحينما كان عبدالبهاء في الولايات المتّحدة سنة 1912 خاطب الأمريكان قائلاً:



"بين سنتي 1860 و1865 وفّقتم في الحقيقة إلى أمور عظيمة ممدوحة، وقد أصلحتم مشكلة الرّقيق والاستعباد الزّراعي. أمّا اليوم فيجب عليكم أنْ تقوموا بخدمات أعظم من ذلك وهي أنْ تمنعوا الرّق الصّناعي وعبوديّة العمّال.



"إنّ حلّ المشاكل الاقتصاديّة لا يتحقّق أبدًا عن طريق الكفاح والنّزاع بين الرّأسمالييّن وبين العمّال بل بحسن التّفاهم والتّسامح وبطيبة خاطر الطّرفين، فحينذاك تنتظم الأمور وتستمر العدالة الحقيقيّة.



"وليس بين البهائيّيّن أبدًا سلب واغتصاب وطمع وظلم وثورة على الحكومة القائمة في أيّ بلد أو مطالبة تؤدّي إلى الهياج.



"ولن يكون في استطاعة النّاس جمع ثروة عظيمة من أتعاب العمّال. وسوف يقسم الغني ثروته عن طيب خاطره، ويقوم على إنفاقها. وسوف يتحقّق هذا بصورة تدريجيّة وبرضاه وموافقة صاحب المال. وهذه المسألة لا يمكن تحقّقها بالحرب وبسفك الدّماء"([17]).


وسيكون بالإمكان خدمة مصالح رأس المال والعمل كليهما خدمة مثلى عن طريق المشاورات الوديّة والتّعاون وعن طريق الشّراكة الفعليّة بالمشاريع وعن طريق اقتسام الأرباح. فسلاح الإضراب وسلاح إغلاق المصانع لا تضرّ بالتّجارة مباشرة فحسْب، بل تضرّ بالهيئة الاجتماعيّة البشريّة جمعاء. ولهذا يجب أنْ تعملَ الحكومات على ابتكار الوسائل الّتي تَحُول دون اللّجوء إلى الأساليب البربريّة في حلّ النّزاعات. وقد خطب عبدالبهاء في مدينة دوبلين نيوهامشاير بأمريكا سنة 1912 قائلاً:-



"والآن أريد أنْ أبيّنَ لكم قانون الله. فبمقتضى القانون الإلهيّ يجب أنْ لا يعطى المستخدمون أجرًا معيّنًا فحسْب بل يجب إسهامهم في أرباح العمل. إنّ مسألة الاشتراكيّة مهمّة جدًّا، ولا تحلّ بإضراب العمال.



"ويجب أنْ تتّفقَ جميع الدّول، وفي مجلس يُنتخب أعضاؤه من برلمانات الأمم وأعيانها، يقرر هؤلاء الأعضاء في منتهى العقل والكفاءة قرارًا لا يتضرّر بموجبه الرّأسماليّون كثيرًا ولا يبقى العمّال محتاجين، ويضعون قانونًا بمنتهى الاعتدال ثم يعلنون أنّ حقوق العمّال مضمونة بضمان قويّ، وكذلك حقوق أصحاب رؤوس الأموال. وإذا تمّ تطبيق هذا القرار برضى الطّرفَين، فإنّ أيّ إضراب ينشأ فيما بعد يكون عرضة لمقاومة جميع الدّول له. وإلاّ انتهى الأمر إلى خراب أكثر وأكثر وخاصّة في أوروبا حيث يحدث فيها اضطراب عظيم.



"ومن بين أسباب الحرب العامّة في أوروبا هذه المسألة نفسها.


فمثلاً يملك أحد الرّأسمالييّن مَنْجمًا ويملك الآخر مصنعًا. فإذا أمكن أن يُشْرِكَ صاحب المنجم وصاحب المصنع عمّالهما في الأرباح وبصورة معتدلة بأنْ يعطيا العمّال نسبة مئويّة من الأرباح العامّة، فإنّ العمّال يبذلون الجهد بأرواحهم، وسوف لن تبقى في المستقبل احتكارات وسوف تلغى الاحتكارات بالكليّة.



"وكذلك يخصّص كلّ مصنع يملك عشرة آلاف سهم ألفيْ سهم منْ هذه الآلاف العشرة للعمّال وباسمهم، حتّى يكون ملكًا لهم، وما يبقى آخر الشّهر أو السّنة من الأرباح يقسمه أصحاب الأموال بعد دفع الأجور والمصروفات تقسيمًا متناسباّ مع الأسهم بين الطّرفين.



"وفي الحقيقة قد جرى حتّى الآن ظلم كبير بحقّ العوام، فيجب وضع قوانين، لأنّه لا يمكن أنْ يرضى العمّال بالأوضاع الحاضرة، فهم يضربون في كلّ شهر وفي كلّ سنة ويكون الضّرر آخر الأمر على الرّأسمالييّن..."([18]).



الوصيّة والميراث



قرّر بهاءالله أنْ تكونَ لكلّ شخص الحريّة في التّصرف في أملاكه أيّام حياته بأيّة طريقة يراها، وواجب على كلّ فرد كتابة وصيّته مبيّنًا فيها كيفيّة التّصرف بميراثه بعد موته. وإذا توفّي شخصٌ دونَ أنْ يتركَ وصيّة قُدِّرت ثروته وقسِّمت تقسيمًا متناسبًا وفق نسبة


معيّنة بين سبع طبقات من الورّاث هي: الذّريّة، الزّوجة أو الزّوج، الآباء، الأمهات، الإخوان، الأخوات والمعلّمون. ويُقسّم الميراث تقسيمًا تنازليًّا من الطّبقة الأولى إلى الأخيرة. وإذا لم تكن للمتوفي ذريّة ذَهَبَ سهمها إلى الخزانة العامّة وإذا كانت له ذريّة ولم تكن له إحدى الطّبقات السّت الأخرى أو كلّها ذَهَبَ ثلث سهمها إلى الخزانة العامّة ورجع الثّلثان إلى الذّريّة([19])



وليس هناك في شريعة بهاءالله نص يمنع الإنسان من التّوصية بميراثه إلى فرد واحد إذا شاء ذلك، ولكنّ البهائيّيّن طبعًا يتأثّرون في كتابة وصاياهم بالطّريقة الّتي وضعها بهاءالله للميراث الّذي لا وصيّة فيه، وهي الطّريقة الّتي تضمن تقسيم الميراث بين عدد كبير من الورّاث.



مساواة النّساء بالرّجال



إنّ أحد المبادئ الاجتماعيّة الّتي ينيط بهاءالله بها أهميّة عظمى هو أنّ النّساء يجب أنْ يُعتبرنَ مساويات للرّجال، فيتمتّعن بحقوق وامتيازات مساوية لما يتمتّع به الرّجال كما ينلن تعليمًا مساويًا لتعليم الرّجال وتتاح لهنّ ذات الفرص الّتي تتاح للرّجال. وإنّ


أعظم وسيلة يُعتمد عليها في الوصول إلى تحرير المرأة هي التّربية والتّعليم العام، فتنال البنات تعليمًا لا يقلّ جَوْدة عن تعليم البنين. وفي الحقيقة يجب اعتبار تعليم البنات أهم من تعليم البنين، لأنّ هؤلاء البنات سيصبحن أمّهات في المستقبل، وبصفتهن أمّهات فهنّ أوّل المعلّمات للجّيل القادم. إنّ الأطفال أشبه بالأغصان النّضيرة الغضّة، فإنْ كانت تربية الأطفال في السّنوات الأولى من حياتهم تربية صحيحة فإنّ أغصانهم ترتفع قويمة، وإنْ كانت تربيتهم مغلوطة اعوجّت أغصانهم وتعرّضت جميع أيّام حياتهم إلى نفوذ تربيتهم في سنواتهم الأولى، لهذا ما أهمّ تربية البنات تربية صحيحة حكيمة!



وخلال زيارة عبدالبهاء لبلاد الغرب وجد مناسبات عديدة أتاحت الفرصة له لتوضيح التّعاليم البهائيّة الخاصّة بهذا الموضوع. فقد قال في أحد اجتماعات "عصبة حريّة المرأة" في لندن في يناير (كانون الثّاني) سنة 1913 ما ترجمته:-



"إنّ العالم الإنسانيّ أشبه بطير له جناحان أحدهما الرّجال والآخر النّساء، وما لم يكن الجناحان قويين تؤيدهما قوّة واحدة فإنّ هذا الطّير لا يمكن أنْ يطير نحو السّماء. ويقتضي هذا العصر ارتقاء النّساء، فيقمن بوظائفهن كلّها في مدارج الحياة، ويكونن مثل الرّجال، ويجب أنْ يَصِلنَ إلى درجة الرّجال ويتساوين في الحقوق معهم. هذا هو أملي. وهذا هو أحد تعاليم حضرة بهاءالله الأساسيّة.



"ويرى بعض العلماء أنّ دماغ الرّجال أثقل من دماغ النّساء. وهم يقيمون الأدلة على رأيهم هذا، لكننا حينما نمعن النّظر نرى أنّ رؤوس


بعض الرّجال صغيرة ويجب أنْ تكون أدمغتهم خفيفة لكنّهم في منتهى الذّكاء ويمتلكون قوى إدراك عظيمة والبعض الآخر من الرّجال ذوو رؤوس كبيرة يجب أنْ تكونَ فيها أدمغة ثقيلة ومع ذلك فهم ضعاف العقول والذّكاء. إذن فمقاييس الذّكاء والإدراك لا تتعلّق بثقل الدماغ أو بخفّته، لكنّ الرجال يتشبّثون بأمثال هذه الأدلة لإثبات تفوّقهم على النّساء.



"ويقولون بأنّ النّساء لم تظهر منهن حتّى اليوم أمور عظيمة كالرّجال، لكنّ حجّتهم هذه ضعيفة واهية لا تتّفق وحوادث التّاريخ ولو كان لهم اطّلاع في التّاريخ لعلموا أنّ عظيمات النّساء في الأزمنة السّالفة قد قمن بحوادث عظيمة وكثيرات منهنّ في هذا العصر يقمن بأعمال عظيمة".



ثم شرع عبدالبهاء ببيان ما حقّقته الملكة زنوبيا من إنجازات، وأضاف إلى ذلك إنجازات غيرها من عظيمات النّساء في التّاريخ، خاتمًا حديثه بثناء عاطر على شجاعة مريم المجدليّة الّتي ظلّت راسخة في إيمانها بينما تزلزل إيمان الحواريّين، واستمر عبدالبهاء يقول:-



"وفي العصر الحاضر ظهرت من بين النّساء قرّة العين ابنة أحد علماء المسلمين. فقد ظهرت منها في بداية ظهور حضرة الباب آثار عجيبة وقدرة وشجاعة نادرة تحيّر منها كلّ من سمعها. فرفعت عن وجهها الحجاب على خلاف عادة الإيرانييّن القديمة وكشفت النّقاب عن محّياها. ومع أنّ التّحدث إلى الرّجال كان خروجًا على الآداب، لكنّ هذه المرأة كانت جريئة إلى حدّ كانت تتباحث مع


أعظم العلماء وكانت تتفوّق عليهم في كلّ مجالس البحث، لكنّ الحكومة الإيرانيّة سجنتها وقام النّاس برجمها في الشّوارع والمعابد وكفّروها ونفوها من مدينة إلى أخرى وهدّدوا بقتلها، لكنّها لم تفتر أبدًا في عزمها وفي مطالبتها بحريّة أخواتها النّساء. وقد تحمّلت كلّ بلاء وأذيّة بمنتهى الشّجاعة، حتّى أنّها قامت في سجنها بتبليغ الكثيرات من النّساء. وحينما كانت مسجونة في بيت أحد الوزراء خاطبته قائلة: "إنّكم تستطيعون بكلّ سهولة، ومتى شئتم، قتلي لكنّكم يجب أنْ تعلموا أنّكم لن تستطيعوا الوقوف أمام تحرّر المرأة ونجاتها". وخلاصة القول، لمّا اقتربت نهاية حياتها المحزنة، أخذوها إلى حديقة وشنقوها. وقد لبست في ذلك اليوم أبدع ألبستها كأنّها تذهب إلى حفلة عرس، وأنفقت روحها بكمال الشّجاعة والحشمة، وقد دهش الّذين رأوها. لقد كانت في الحقيقة جريئة جدًّا. وهناك اليوم في إيران بين البهائيّات من النّساء من يتكلّمن بين النّاس بمنتهى الفصاحة نثرًا وشعرًا ويلقين أفصح الخطب في المجالس والمحافل.



"يجب أنْ ترتقي النّساء يومًا فيومًا، ويحصلن على اطّلاعات واسعة في العلوم وفي التّاريخ حتّى تكمل كمالات العالم الإنسانيّ، وسوف ينلن عما قريب حقوقهن كاملة، وحينذاك سيشاهد الرّجال كيف أنّ النّساء يقمن بكلّ جدّ واجتهاد على اكتساب العلوم والآداب ليصبحن سببًا في عظمة البلاد ويصبحن أعداء للحروب ويتغنين بنغمات المساواة بالرّجال ويطالبن بتساوي حقوقهن


بالرّجال. وأملي وطيد بأنّهنّ سيرتقين في جميع شؤون الحياة ويلبسن على رؤوسهن تيجان العزة الأبديّة".



المرأة والعصر الجديد



وعندما تنال وجهة النّظر الخاصّة بالمرأة الاعتبار اللائق بها ويسمح للنّساء بالتّعبير عن إرادتهن في إدارة الشّؤون الاجتماعيّة، فحينذاك يمكننا أنْ نتوقّعَ حدوث تقدّم عظيم في الشّؤون الّتي أُهملت سابقًا إهمالاً مؤسفًا تحت حكم سلطنة الرّجال وهي: شؤون الصّحة وضبط النّفس، والسّلام، واحترام قيمة حياة الفرد. وستكون هناك آثار بعيدة المدى للتّحسينات الّتي تجري على هذه الشّؤون. ويقول عبدالبهاء:-



"كان العالم في العهود السّالفة أسير سطوة الرّجال تحكمه قسوتهم وتسلّطهم على النّساء بصلابة أجسامهم وقوة عقولهم وسيطرة شدّتهم، أمّا اليوم فقد اضطربت تلك الموازين وتغيّرت واتّجه العنف جهة الاضمحلال، لأنّ الذّكاء والمهارة الفطريّة والصّفات الرّوحانيّة من المحبّة والخدمة الّتي تتجلّى في النّساء تجليًّا عظيمًا صارت تزداد سموًّا يومًا فيومًا. إذن فهذا القرن البديع جعل شؤون الرّجال تمتزج امتزاجًا كاملاً بفضائل النّساء وكمالاتهنّ. وإذا أردنا التّعبير تعبيرًا صحيحًا قلنا أنّ هذا القرن سيكون قرنًا يتعادل فيه هذان العنصران: الرّجل والمرأة تعادلاً أكثر، ويحصل بينهما توافق أشدّ"([20]).


ترك أساليب العنف



ينصح بهاءالله بعدم استعمال وسائل العنف للوصول إلى تحرير المرأة وإلى غيرها من الأمور. وقد قدّم النّساء البهائيّات في إيران ومصر وسوريا أمثلة رائعة على وسائل الإصلاح الاجتماعي البهائيّ. فمن عادة النّساء المسلمات في هذه الأقطار حين خروجهن إلى الشّارع حجاب وجوههن، فأشار السّيد الباب في هذا الدّور الإلهيّ الجديد إلى إنقاذ المرأة من هذا القيد المنهك. أمّا بهاءالله فقد نصح أحباءه أنْ يحترموا العادات السائدة إنْ لم تكن مخالفة للأخلاق النبيلة، وبهذا يتجنّبون العداء والفضائح مع الّذين يعيشون بين ظهرانيهم إلى أنْ يحينَ الوقت الّذي فيه يتهذّب النّاس. ومع علم النّساء البهائيّات بأنّ عادة الحجاب القديمة البالية ليست ضروريّة ولا مريحة للمهذّبات من النّساء، فقد وطّدن أنفسهن على هذه العادة الثّقيلة خيرًا من إثارتهن عاصفة من التّعصب والبغضاء والضّغينة والتّصادم الّذي ينتج عن سفورهن بين الجّمهور. وليس هذا الانسجام مع العادات بناتج عن خوفهن بل عن ثقتهن التّامة بقوة التّربية والتّعليم وبثقتهن بنفوذ الدّين الحقيقي في تغيير النّفوس. ويكرّس البهائيّون جهودهم من أجل تربية وتعليم أطفالهم وبصورة خاصّة بناتهم وكذلك من أجل انتشار وترويج المثل البهائيّة، وهم يعلمون بأنّ الحياة الرّوحانيّة الجديدة تنمو وتنتشر بين النّاس، ويعلمون بأنّ العادات البالية والتّعصّبات الذّميمة سوف تتناثر لا محالة تناثر أوراق البراعم في الرّبيع حين تنمو الأوراق والأزهار تحت أشعة الشّمس.


في التّربية



إنّ التّربية باعتبارها أداة لهداية البشر ولتطويرهم ولتهذيب مَلَكاتهم الباطنيّة هي أسمى أهداف الرّسل العظام منذ بداية العالَم. وقد أعلنت التّعاليم البهائيّة بأفصح العبارات أهميّة الإمكانيّات التّربويّة غير المحدودة. فالمعلّم أقوى عامل في بناء المدنيّة، وإنّ عمله أسمى عمل قد يطمح إليه النّاس، وتبدأ التّربية من رحم الأم ثمّ تبقى ببقاء حياة الفرد، وهي من المستلزمات الدّائميّة للحياة الصّحيحة وأساس السّعادة الفرديّة والاجتماعيّة. وعندما تصبح التّربية الصّحيحة عامّة بين الجميع تتحوّل الإنسانيّة وتتغيّر ويصبح العالَم جنّة النّعيم.



والرّجل المهذّب تهذيبًا صحيحًا شيء نادر في الوقت الحاضر وظاهرة قليلة الوجود، لأنّ كلّ إنسان لديه تعصّبات باطلة ومُثُل عليا مغلوطة وإدراكات غير صحيحة وعادات ذميمة نشأ عليها منذ صباه. وما أندر الّذين تربّوا منذ طفولتهم على محبّة الله بكلّ قلوبهم وأوقفوا حياتهم له، فاعتبروا خدمة الإنسانيّة أسمى مقاصدهم في الحياة، وطوّروا مَلَكاتهم الفرديّة إلى ما ينتفع به المجموع خير انتفاع! حقًّا إنّ هذه هي العناصر الأساسيّة للتّربية الصّحيحة. وإنّ مجرد شحن الذّاكرة البشريّة بحقائق عن الرّياضيّات وقواعد اللّغات والجّغرافية والتّاريخ وغيرها أمر له تأثيره الضّعيف في خلق حياة نبيلة نافعة. ويوصي بهاءالله أنْ تكونَ التّربية تربية عموميّة ففي الكتاب الأقدس يقول بالنّص:-


"كتب على كلّ أب تربية ابنه وبنته بالعلم والخط ودونهما عمّا حدّد في اللوّح، والّذي ترك ما أمر به فللأمناء أنْ يأخذوا منه ما يكون لازمًا لتربيتهما إنْ كان غنيًّا وإلا يرجع إلى بيت العدل إنّا جعلناه مأوى الفقراء والمساكين".



"إنّ الذي ربّى ابنه أو ابنًا من الأبناء كأنّه ربّى أحد أبنائي. عليه بهائي وعنايتي ورحمتي الّتي سبقت العالمين".



ويقول في لوح الدّنيا ما ترجمته:-



"على جميع الرّجال والنّساء أنْ يُوْدِعوا قسمًا ممّا يحصلون عليه من المال من مهنهم وحرفهم وزراعتهم وغيرها من أعمالهم لدى من يأتمنونه من اجل تربية أطفالهم وتعليمهم حتّى يُصرف ذلك على تربيتهم تحت إشراف أمناء بيت العدل".



الفروق الفطريّة في طبيعة الكائنات



إنّ وجهة النّظر البهائيّة حول طبيعة الطّفل ترى أنّ الطّفل ليس شمعًا يصّب في قوالب مختلفة حسب الأشكال الّتي يريدها المعلّم، بل إنّ الطّفل منذ بدايته له خصائص أعطاها الله، وله شخصيّة فرديّة يمكنها أنْ تتطوّر إلى أحسن ما ينتفع به بأسلوب معيّن، وذلك الأسلوب فريد من نوعه في كلّ حالة من الحالات، ولا يتشابه إنسانان في القابليّات والمَلَكات. ولا يحاول المربي الصّحيح أنْ يصبّ طبيعتين متفاوتتين في قالب واحد. والواقع أنّه لا يحاول أنْ يصبّ أيّة طبيعة في أيّ قالب. بل يرمي بكلّ احترام إلى تطوير قدرات النّاشئين فيشجعهم ويحميهم ويمدّهم بالتّغذية والمعونة الّتي يحتاجونها، ويشبه عمله عمل البستاني الّذي يرعى النّباتات


المختلفة، فأحد النّباتات يحبّ أشعة الشّمس السّاطعة، والآخر يحبّ الظّل البارد الظّليل، وأحدها يحبّ أن ينمو فوق حافّة مجرى مائيّ، والآخر يحبّ تربة جافّة، وأحدها ينمو فوق تربة رمليّة شحيحة، والآخر ينمو فوق تربة صلصاليّة غنيّة، لكنّ كلّ واحد منها يجب أنْ ينالَ ما يحتاجه، وإلاّ فإنّ كمالاته لا يمكن أبدًا أنْ تظهرَ وتتجلّى. ويقول عبدالبهاء في "لوح التّربية" ما ترجمته:-



"إنّ الرّسل كذلك يؤيّدون الرّأي القائل بأنّ التّربية لها منتهى الأثر في البشر، ولكنّهم يقولون أنّ العقول والإدراكات متفاوتة في الأصل في فطرتها. وهذا أمر بديهي لا يقبل الإنكار، حيث نلاحظ أنّ أطفالاً من عمر واحد ومن وطن واحد ومن جنس واحد بل وحتّى من عائلة واحدة وتحت تربية شخص واحد ولكنّهم مع كلّ هذا لهم عقليّات متفاوتة وإدراكات متباينة، فأحدهم يرتقي رقيًّا سريعًا وثانيهم يكتسب نور العلم بصورة بطيئة وثالثهم يبقى في دركات الانحطاط، فالخزف مهما ربّيته لا يصبح لؤلؤًا برّاقًا، والصّخر الأسود لا يصبح جوهرة مشرقة، والحنظل والزقوم لن يصبح بالتّربية شجرة مباركة. وهذا يعني أنّ التّربية لا تبدّل جوهر الإنسان إلا أنّ لها تأثيرًا كلّيًا وتخرج إلى عالم الشهود بقوّتها النّافذة كلّ ما هو مكنون في حقيقة الإنسان من الكمالات والاستعدادات"([21]).


التّربية الأخلاقيّة



إنّ الأمر الهام جدًا في التّربية هو التّربية الأخلاقيّة. وهنا تكون القدوة أكثر نفوذًا من العقيدة. فحياة الآباء وأخلاقهم وكذا حياة المعلّمين والرّفاق المعاشرين عوامل مؤثّرة لها فعلها ولها أهميّتها ولها أثرها.



إنّ رسل الله هم عظماء المربين للعالم البشريّ، وإنّ نصائحهم وقصص حياتهم يجب أنْ ترسخَ في عقل الطّفل حالما يستطيع الطّفل إدراكها وبصورة خاصّة كلمات بهاءالله المربي الأعلى للإنسانيّة الّذي أنزل المبادئ الأساسيّة الّتي يجب أنْ تشاد عليها مدنيّة المستقبل فيتفضّل في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"علّموا ذرّياتكم ما نزل من سماء العظمة والاقتدار، ليقرأوا ألواح الرّحمن بأحسن الألحان في الغرف المبنيّة في مشارق الأذكار".



العلوم والفنون والصّنائع



إنّ تعلّم العلوم والفنون والصّنائع والحرف النّافعة ضروريّ وهام، فيقول بهاءالله في لوح التّجليات ما ترجمته:-



"إنّ العلم بمثابة الجناح لعالم الوجود، وبمثابة المرقاة لسموّه، وإنّ اكتساب العلم واجب على كلّ إنسان، ولكنّ المقصود بالعلوم هو العلوم الّتي ينتفع بها أهل الأرض لا العلوم الّتي تبدأ بالكلام وتنتهي بالكلام. وللعلماء وللمخترعين فضل عظيم على أهل العالَم... والعلم في الحقيقة كنز حقيقيّ للإنسان وسبب لعزّته ونعمته وفرحه ونشاطه وبهجته وانبساطه".

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
معاملة المجرمين



تحدّث عبدالبهاء حول أحسن السّبل في معاملة المجرمين فقال:-



"... ولكنّ الأصل وجوب تربية النّفوس بحيث لا ترتكب الجّرائم، لأنّه من الممكن تربية جمع بدرجة يجتنبون معها ارتكاب الجّرائم، ويستنكرون وقوعها لدرجة أنّهم يرون أنّ نفس الجرم أعظم عقوبة وأكبر قصاص وأشدّ عذاب، وبذلك لا يقع جرم فلا يكون قصاص. ويجب أنْ نتكلّم عن أشياء يمكن إجراؤها في عالم الإمكان، لأنّ هناك كثيرًا من النّظريّات والتّخيّلات السّامية، ولكنْ لا يمكن تحقيقها. فبناءً عليه يجب أنْ نتكلّم عمّا يمكن إجراؤه.



فمثلاً لو ظَلَمَ إنسان إنسانا آخر أو جار عليه أو اعتدى وقابل المعتدى عليه ذلك بالمثل فإنّ هذا يعدّ انتقامًا وهو مذموم، لأنّه لو قَتَلَ زيدٌ ابنًا لعمرو فليس لعمرو الحقّ في أنْ يقتلَ ابن زيد. ولو فعل هذا لكان انتقامًا وهو مذموم جدًّا. بل يجب أنْ يقابل الإساءة بالإحسان، فيعفو عنه بل يولي إليه الجّميل إذا أمكن. وهذا النّوع من المعاملة هو اللاّئق بالإنسان، لأنّه أيّ فائدة يجنيها المعتدى عليه من الانتقام، فكلا العملين واحد فإنْ كان أحدهما مذمومًا فكلاهما مذموم وغاية ما هنالك أنّ هذا سابق وذلك لاحق.



"أمّا الهيئة الاجتماعيّة فلها حقّ المحافظة والمدافعة لأنّها لا تحمل بغضًا ولا عداوة للقاتل، ولكنْ لمجرد حفظ الآخرين يحبس القاتل أو يقتصّ منه حتى يحفظ الآخرون، وليس غرضها الانتقام منه...


"إذًا فقول المسيح: "من لطمك على خدّك الأيمن، حوّل الآخر" يقصد منه تربية النّاس، وليس مقصود حضرته أنّه لو سطا ذئب على قطيع من الغنم ويريد أنْ يفترس كلّ القطيع أنْ تعاونوه على ذلك، بل لو أنّ حضرة المسيح رأى ذئبًا داخلاً في قطيع ليفتك به ويفترسه فلا بدّ أنّه كان يمنع ذلك الذّئب...



"إنّ قوام الهيئة الاجتماعيّة بالعدل لا بالعفو إذًا فليس مقصود حضرة المسيح من العفو والسّماح أنّه لو يهجم سائر الملل عليكم ويحرقون بيوتكم وينهبون أموالكم ويعتدون على أهلكم وعيالكم وأولادكم ويهتكون ناموسكم أنّكم تستسلمون لهؤلاء الجنود الظّالمين حتّى يقوموا بالظّلم والاعتداء، بل إنّ حضرة المسيح يريد بذلك المعاملة الخاصّة فيما بين شخصين. فلو اعتدى شخص على آخر فيجب على المُعْتَدَى عليه أنْ يعفوَ، أمّا الهيئة الاجتماعيّة فيجب عليها المحافظة على حقوق بني الإنسان...



"بقي شيء آخر وهو أنّ الهيئة الاجتماعيّة تدأب ليل نهار في سنّ القوانين الجزائيّة وإعداد القصاص وأدواته فتبني السّجون وتصنع الأغلال والأصفاد والسّلاسل وتُهيّئ الأماكن للنّفي والإبعاد إلى غير ذلك من طرق الزّجر والإيلام لتربيّ المجرمين بهذه الوسائل والحال أنّ هذه الوسائط تسبّب ضياع الأخلاق وتبديل الأحوال، بينما الواجب على الهيئة الاجتماعيّة أنْ تسعى ليلاً ونهارًا ببذل منتهى الهمّة في تربية النّفوس حتّى تترقّى يومًا فيومًا وتجد سعةً في العلوم والمعارف، فتكتسب الفضائل والآداب، وتجتنب الرّذائل فلا تحدث الجرائم. والحال الآن بعكس ذلك فإنّ الهيئة الاجتماعيّة تفكّر


دائمًا في سنّ قوانين العقوبات وأحكامها وتهيئة أسباب القصاص وإعداد آلات القتل والتّعذيب وأمكنة الحبس والنّفي ثمّ ترقّب وقوع الجرائم. وإنّ تأثير هذا سيء جدًّا أمّا لو سعت الهيئة الاجتماعيّة في تربية العموم فإنّ العلوم والمعارف تزداد كما تنمو المدارك يومًا فيومًا ويرتقي الشعور. فتجمل الأخلاق وتتحسّن العادات وخلاصة القول أنّه يحصل التّرقي في جميع مراتب الكمالات ويقلّ وقوع الجّرائم"([22]).



نفوذ الصّحافة



يعترف بهاءالله اعترافا تامًّا بأهمية الصحافة كوسيلة لنشر العلم ولتربية الأمم ويعتبر أثرها عاملاً فعّالاً في تمدين البشر إذا ما وجّهت توجيهًا صحيحًا فيقول:-



"قد انكشفت اليوم أسرار الأرض أمام الأبصار. وفي الحقيقة أنّ الصّحف السيّارة مرآة العالم تظهر أعمال الأحزاب المختلفة وترى أفعالها وتسمعها في آن واحد، فهي مرآة ذات سمع وبصر ولسان، وهي ظهور عجيب وأمر عظيم.



"ولكنْ ينبغي لمحرّرها أنْ يكونَ مقدّسًا عن أغراض النّفس والهوى ومزيّنًا بطراز العدل والإنصاف ويتحرّى الأمور بقدر مقدور، حتى يطّلع على حقائقها ثمّ ينشرها. وكان أكثر ما ذكروه في حقّ هذا المظلوم عاريًا عن الصواب. ولقول الصدق والكلم الطّيب منزلة عليا كالشّمس المشرقة من أفق سماء العرفان"([23]).





([1]) ترجمة الكلمات الفردوسية الصفحات 128 135.


([2]) ترجمت العبارة الأولى عن "كتاب عهدي" والثانية عن "مقتطفات من ألواح بهاءالله" الصفحة 206.


([3]) (مترجم من كتاب المقتطفات الصفحات 209، 214، 216، 248).


([4]) المصدر السابق الصفحة 249.


([5]) المصدر السابق الصفحتان 254 و255 وما بين القوسين ( ) عربي بالنص.


([6]) من الترجمة العربية، الصفحة 89.


([7]) (مترجم من لوح الدنيا).


([8]) كلمة الحزب لا يعني مدلولها السياسي الحاضر بل يعني البهائيّين كما ورد في آخر المقطوعة ذاتها.


([9]) لوح البشارات – الترجمة العربية، الصفحة 111.


([10]) الترجمة العربية الصفحة 99.


([11]) من الخطابات المباركة في باريس في كتاب "حكمة عبدالبهاء" الطبعة الانجليزية الصفحة 140.


([12]) نقلاً عن "كتاب خطابات عبدالبهاء" الصفحات 298-301 طبعة بيروت-دار الريحاني 1972.


([13]) اللوح مطبوع في "كتاب خطابات عبدالبهاء" الصفحات 41-43 طبعة بيروت دار الريحاني سنة 1972.


([14]) البشارات الصفحة 115.


([15]) الطرازات - الترجمة العربية - الصفحة 154.


([16]) الاشراقات -الترجمة العربية - الصفحة 106.


([17]) مترجم عن مجلة نجمة الغرب المجلد السّابع العدد 15 الصفحة 147.


([18]) نقلاً عن كتاب "خطابات عبدالبهاء" الصفحات 301 و302 - طبعة بيروت. دار الريحاني سنة 1972.


([19]) وفي الكتاب الأقدس بالنص: "والذي لم يكن له من يرثه وكان له ذو القربى من أبناء الأخ والأخت وبناتهما فلهم الثلثان وإلا للأعمام والأخوال والعمات والخالات ومن بعدهم وبعدهن لأبنائهم وأبنائهن وبناتهم وبناتهن والثلث يرجع إلى مقر العدل... ومن مات ولم يكن له أحد من الذين نزلت أسماؤهم من القلم الأعلى ترجع الأموال كلها إلى المقر المذكور لتصرف فيما أمر الله به...".


([20]) مترجم عن مجلة نجمة الغرب، المجلد الثامن - العدد الثالث- الصفحة4.


([21]) المكاتيب ج1 ص 332.


([22]) ترجمة المفاوضات الصفحة 240 -243.


([23]) ترجمة لوح الطرازات الصفحتان 155، 156.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب العاشر

السّبيل إلى السّلام



"قل قد جاء الغلام ليحيي العالم، ويتّحد من على الأرض كلّها. سوف يغلب ما أراد الله، وترى الأرض جنّة الأبهى"
(بهاءالله في لوح الرّئيس)




الخصام والوئام وجهًا لوجه



كرّس العلماء في القرن الماضي قسمًا عظيمًا من دراساتهم على موضوع التّنازع على البقاء في عالم الحيْوان والنّبات، ووضعوا مبادئ وطيدة نافذة في عالم الحيْوان الأدنى. وقد توجّه الكثيرون من النّاس إلى هذه المبادئ يلتمسون الهداية منها في حيرتهم ومشاكلها الاجتماعيّة الحاضرة، وتوصّلوا أخيرًا إلى اعتبار التّنازع والتّنافس من ضروريّات الحياة، واعتبروا قتل الضّعفاء في الهيئة الاجتماعيّة أمرًا حلالاً مشروعًا بل وضروريًّا لتحسين الجنس البشريّ. لكنّ بهاءالله يدعونا إنْ أردنا الصّعود في سلّم الارتقاء بدلاً من النّظر القهقرى إلى عالم الحيْوان، أنْ نوجّه أبصارنا نحو العلى، وأنْ نعتبرَ الرّسل الإلهيّين لا الحيْوانات هداة مرشدين لنا. ويؤكّد لنا أنّ مبادئ الوحدة والوئام والشّفقة، تناقض المبادئ


السّائدة في تنازع الحيْوانات من أجل الحفاظ على نفسها. وعلينا أنْ نختار أحد هذين المبدأين حيث لا يمكن الجّمع بينهما، ويقول عبدالبهاء:-



"إنّ التّنازع على البقاء معضلة من معضلات عالم الطّبيعة. ونتيجة هذا النّزاع هي بقاء الأنسب. وإنّ هذا القانون (أي بقاء الأنسب) هو أساس جميع المشاكل، فهو سبب الحروب والمنازعات، وهو سبب العداوة والبغضاء بين بني الإنسان. ففي عالم الطّبيعة نرى ظلمًا، ونرى أنانيّة، ونرى اعتداء، ونرى تسيطرًا، ونرى اغتصابًا لحقوق الآخرين، ونرى صفات ذميمة أخرى كثيرة، هي نقائص عالم الحيْوان. وما دامت هذه الخصائص الدّنيئة السّائدة في عالم الطّبيعة مستولية كذلك على أبناء الإنسان، فقد استحال عليهم النّجاح والفلاح. فالطّبيعة مُحبّة للحرب، والطّبيعة مُحبّة للدّماء، والطّبيعة غدّارة، لأنّ الطّبيعة لا علم لها ولا خبر لها عن الله تعالى. والسّبب في كلّ هذا هو أنّ هذه الصّفات الظّالمة من الخصائص الطّبيعيّة في عالم الحيْوان.



"ولهذا أرسل الله تعالى الرّسل، وأنزل الكتب رأفة منه وشفقة، حتّى تنجو النّفوس البشريّة عن طريق التّربية الإلهيّة من فساد الطّبيعة ومن ظلام الجهل، وحتّى تتّصف بالصّفات الرّوحانيّة، وتكون مشرق الألطاف الرّحمانيّة.



"ولكن يا للأسف وألف أسف، فقد صارت جهالة التّعصب والاختلافات الّتي لا أساس لها، والعداوات المذهبيّة، سببًا لفناء العالم وعلّة لتقهقره، ومانعًا لرقيّه. والسّبب في هذا التّدني والتّقهقر


هو تركهم تعاليم المدنيّة الإلهيّة تركًا تامًّا، ونسيانهم مبادئ الأنبياء"([1]).



الصّلح الأعظم



لقد سبق لرسل الله أنْ تنبّأوا على مدى العصور بمجيء عصر السّلام على الأرض والوئام بين البشر. وقد سبق لنا أنْ رأينا بهاءالله يؤيّد هذه النّبوات بعبارات أكيدة تتوهّج أملاً ورجاءً بقرب تحقّقها، وكذلك يقول عبدالبهاء:-



"في هذا الدّور البديع يصير العالَم عالمًا آخر، ويبدو العالَم الإنسانيّ في كمال الزّينة والرّاحة، ويتبدّل النّزاع والجّدال والقتال بالصّلح والصّدق والوداد، وتحلّ المحبّة والمودّة بين الطّوائف والأمم والشّعوب والدّول، وتستحكم روابط الألفة والوئام، وفي النّهاية تمنع الحروب بالكليّة... ويرتفع سرادق الصّلح العمومي في قطب الإمكان، وتنمو شجرة الحياة المباركة حتّى تظلّل الشّرق والغرب. فالأقوياء والضّعفاء والأغنياء والفقراء والطّوائف المتنازعة والملل المتعادية الّذين هم بمثابة الذّئب والحَمَل والنّمر والجدي والأسد والعجل يعامل بعضهم بعضًا بنهاية المحبّة والائتلاف والعدالة والإنصاف، ويمتلئ العالم بالعلوم والمعارف والحقائق وأسرار الكائنات ومعرفة الله"([2]).


التّعصّبات الدّينيّة



ومن أجل أنْ نفهم فهمًا واضحًا كيف سيتأسّس الصّلح الأعظم، لنقم بدراسة الأسباب الرّئيسيّة الّتي أدّت في الماضي إلى الحروب، ولنرى كيف يعالج بهاءالله كلّ سبب من هذه الأسباب.



فمن أعظم الأسباب الّتي أورثت الحروب قديمًا كانت التّعصّبات الدّينيّة. وتقول التّعاليم البهائيّة أنّ العداوة والصّراع بين أهل الأديان والمذاهب المختلفة لم يكن سببها الدّين الحقيقي بل سببها فقدان الدّين الحقيقي والاستعاضة عنه بالتّعصّبات وبالتّقاليد وبالتّفاسير الباطلة، فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس:-



"إنّ الدّين يجب أنْ يؤلّفَ بين القلوب والأرواح، ويؤدّي إلى زوال الحروب والمنازعات من وجه الأرض، ويجب أنْ يخلقَ الرّوحانيّة والحياة والنّورانيّة في كلّ إنسان. وإذا ما أصبح الدّين سببًا في العداوة والكراهية والاختلاف، فحينذاك تكون اللاّدينيّة خيرًا منه، ويكون ترك هذا الدّين هو التّديّن الحقيقي بذاته، إذ من الواضح أنّ المقصود بالدّواء هو الشّفاء، فإذا كان الدّواء سببًا في زيادة المرض فتركه أحسن وأولى. وكلّ دين لا يؤدّي إلى المحبّة والاتّحاد فهو ليس بدين".



ومرّة أخرى يقول عبدالبهاء:-



"منذ أوّل تاريخ البشريّة إلى يومنا هذا كفّر أتباع الأديان المختلفة في العالم بعضهم بعضًا ونسب بعضهم الباطل إلى البعض الآخر، وأخيرًا قام بعضهم بمعاداة البعض الآخر بكلّ وسائل الجّفاء والبعاد. لاحظوا تاريخ الحروب الدّينيّة تروا أنّ الحروب الصليبيّة


كانت إحدى هذه الحروب العظيمة، وقد دامت مائتي سنة، كان الصّليبيون خلالها يتغلّبون حينًا، فينهبون المسلمين ويأسرونهم، وحينًا كان المسلمون ينتصرون، فيقومون على سفك دماء الصّليبيّون المعتدين وإبادتهم.



"وكانت الحرب سجالاً مدّة قرنين بين شدّة وضعف، إلى أنْ رَحَلَ أصحاب تلك المذاهب الأوروبيّة عن الشّرق، وتركوا البلاد خرابًا يبابًا كما تترك النّيران أكوام الرّماد، ورجعوا إلى بلادهم، فشاهدوا أممهم في منتهى الفوضى والاضطراب والهياج. وخلاصة القول سمّيت هذه الحروب الصّليبيّة بالحروب المقدّسة، وكانت هناك حروب دينيّة كثيرة أخرى. فقد كان للمذهب البروتستانتي 900 ألف شهيد نتيجة النّزاع والاختلاف بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي، وكم من أرواح أزهقت في السّجون، وكم من الأسرى عوملوا بقسوة لا هوادة فيها ولا شفقة. وكان كلّ ذلك يجري باسم الدّين.



"واعتبر المسلمون والمسيحيّون اليهود شياطين أعداء الله ولعنوهم وآذوهم وقتلوا كثيرين منهم وأحرقوا بيوتهم أو نهبوها وأسروا أطفالهم، وكذلك اعتبر اليهود المسيحيّين كفّارًا والمسلمين أعداء هدموا شريعة موسى، فكانوا يتربّصون بهم الدّوائر انتقاما، وهم إلى يومنا هذا يسبّونهم ويلعنونهم.



"فعندما طلع حضرة بهاءالله من أفق الشّرق طلوع الشّمس المنيرة للآفاق أعلن بشارة وحدة العالم الإنسانيّ، وخاطب عموم البشر متفضّلاً: "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد".


فالشّجرة شجرة واحدة لا شجرتان رحمانيّة وشيطانيّة، لذا يجب أنْ يعامل بعضنا البعض الآخر بمنتهى المحبّة، فلا تعتبر طائفة طائفة أخرى شيطانًا، بل يجب علينا أنْ نؤمنَ أنّ جميع البشر عبيد الله وكلّ ما في الأمر أنّ بعضهم غافلون تجب تربيتهم، وبعضهم جهلاء يجب تعليمهم، وبعضهم أطفال تجب تربيتهم حتّى يصلوا مرحلة البلوغ. فهم مرضى فسدت أخلاقهم، ولا بُدّ من معالجتهم حتّى تتطهّر أخلاقهم. والمريض لا تجوز عداوته بسبب مرضه، وكذلك لا يجوز الابتعاد عن الطّفل بسبب طفولته، ولا يجوز احتقار الجّاهل بسبب جهله، بل تجب معالجته وتربيته وتنشئته بمنتهى المحبّة، ويجب أنْ نبذلَ الجّهد حتّى يرتاح البشر في ظلّ الله، ويعيشوا في منتهى الرّاحة والاطمئنان والسّرور الموفور"([3]).



التّعصّبات العنصريّة والوطنيّة



إنّ العقيدة البهائيّة القائلة بوحدة الجنس البشريّ تضرب بمعولها على جذور عامل آخر من عوامل الحروب وهو التّعصب العنصري، فقد اعتبر عنصر من العناصر البشريّة نفسه متفوّقا على العناصر الأخرى، وآمن جريًا على قانون "بقاء الأنسب" بأنّ تفوّقه هذا يمنحه حقّ استغلال الشّعوب الضّعيفة بل حقّ إبادتها. وقد اسودّت كثير من صفحات تاريخ العالم بشواهد وأمثلة تطبيق هذا المبدأ تطبيقًا قاسيًا لا مروءة فيه. أمّا وجهة النّظر البهائيّة فتقول أنّ النّاس من أي عنصر كانوا متساوون في قيمتهم أمام الله، وكلّهم يمتلكون


من المَلَكات الفطريّة البديعة ما يحتاج إلى تربية تتناسب وتطوّرهم، وإنّ كلّ عنصر يستطيع أنْ يلعب دورًا، فيزيد حياة الجّامعة البشريّة غنى وكمالاً فيقول عبدالبهاء:-



"أمّا التّعصب الجنسي فهذا وَهْمٌ من الأوهام. لأنّ الله خلق البشر جميعهم. وكلّنا جنس واحد. وليست في الوجود أبدًا من حدود، ولم تتعيّن بين الأراضي ثغور. ولا تتعلّق قطعة من الأرض بأمّة أكثر من تعلّقها بأمّة أخرى وجميع الأجناس البشريّة واحدة لدى الله، لا امتياز بينها. إذن فلماذا يجب أنْ يخترعَ الإنسان تعصّبًا كهذا التّعصب؟ أفهل يجوز لسبب وهميّ أنْ نتنازعَ ونتحاربَ؟ فلم يخلق الله البشر من أجل أنْ يهلك بعضهم بعضًا. وإنّ لجميع الأجناس والملل والطّوائف والقبائل نصيب من فيض عناية الأب السماوي.



"ويمتاز البشر بعضهم عن بعض في الأخلاق وفي الفضائل وفي الإيمان وفي إطاعة شريعة الله، فبعضهم كالمشاعل مشتعلون وبعضهم كالنّجوم الدرهرهة في سماء الإنسانيّة ساطعون.



"والنّفوس الّتي تحب العالم الإنسانيّ ممتازة سامية، سواء أكانت سوداء أم صفراء أم بيضاء أم من أيّة ملّة أو عنصر وهي مقرّبة إلى الله"([4]).



أمّا التّعصب السّياسي أو الوطني فلا يقلّ ضررًا ووبالاً عن التّعصب العنصري. وقد حان الوقت الّذي فيه تندمج الوطنيّة القوميّة في وطنيّة أوسع منها حين يكون العالم كلّه وطنًا لها.


ويقول بهاءالله في لوح الدّنيا ما ترجمته:-



"قد قيل في القرون السّابقة: "حبّ الوطن من الإيمان"، ولكنّ لسان العظمة في هذا اليوم، يوم الظّهور، يتفضّل: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحب العالم"، وبهذه الكلمات العاليات علّم طيور الأفئدة طيرانًا جديدًا، ومحا من الكتاب تحديد تقليديّ".



مطامع الدّول التّوسعيّة



لقد شُنّت حروب كثيرة من أجل أراضٍ تنافست على امتلاكها أُمّتان أو أكثر. وكان طمع الامتلاك سببًا قويًّا من أسباب النّزاع بين الأمم وبين الأفراد. وبمقتضى وجهة النّظر البهائيّة، لا تعود ملكيّة الأرض إلى الأفراد أو الأمّة بل إلى الإنسانيّة جمعاء، وتعود في الواقع إلى الله وحده، أمّا البشر فكلّهم سكّان على هذه الأرض. وقد قال عبدالبهاء بمناسبة معركة بنغازي:-



"إنّ قلبي حزين من حوادث حرب بنغازي([5]). تُرى إلى متى تبقى الوحشيّة البشريّة قائمة في العالم؟ وكيف يجوز أنْ يتحاربَ النّاس من الصّباح إلى المساء يسفك بعضهم دم البعض الآخر؟ ولأيّة غاية يا ترى؟ نعم من أجل امتلاك حفنة تراب. فالحيْوانات تتحارب، وهناك دافع لحربها تتذرّع به، أمّا المصيبة في الإنسان فإنّه مع كونه ممتاز عن جميع الكائنات، فهو يتدنّى ويسف إلى


الدّركات السّفلى، فيقطّع أخاه إربًا إربًا من أجل قطعة من الأرض، ويصبغ أديم الغبراء بدم البشر. فترى أشرف المخلوقات يحارب أخاه من أجل أحقر الأشياء، ألا وهو التّراب.



"فهذه الأرض لا تعود ملكيّتها إلى أحد بل هي ملك لجميع الخلق، وليس هذا التّراب بيتًا لأحد بل قبرًا له.



"ومهما أحرز الإنسان من فتوحات عظيمة واستولى على ممالك كثيرة، فالّذي يبقى له من هذه الأرض الخربة شبران من التّراب هما قبره الأبدي.



"ولو يكون الدّافع للاستيلاء على الأرض تحسين أحوال سكّانها وترقّيهم ونشر المدنيّة بينهم فذلك أمر ممكن عن طريق المحبّة والوداد، ولكنّ النّاس اتّخذوا الحرب ذريعةً لتنفيذ أهوائهم ورغباتهم وأغراضهم الشّخصيّة ومنافعهم الدّنيويّة عن طريق السّيطرة على عدد من البؤساء. فكم من بيوت تتخرّب! وكم من أكباد ألوف النّساء والرّجال تتقطّع إربًا إربًا!



"لهذا أرى لزامًا أنْ يوجّه كلّ واحد منكم أفكاره ومشاعره نحو المحبّة والاتّحاد، وكلّما خطر بقلبه خاطر من الحرب قاومه بخاطر أكبر منه من الصّلح والوئام. ويجب محو فكرة العداوة بفكرة أكثر مهابة وجلالاً منها ألا وهي فكرة المحبّة. وكلّما اشتدّت سيوف العالم ورماحه سفكًا للدماء، اشتدّ هتاف جنود الله وعناقهم بعضهم بعضًا بكلّ محبّة ووداد. إذن تجب إبادة هذا التّوحش البشريّ بفضل الله وعنايته. وهو تعالى يقلّب القلوب الطّاهرة والنّفوس المخلصة. ولا تظنّوا أنّ الصّلح العالميّ أمر مستحيل، إذ


لا مستحيل على الألطاف الإلهيّة. ولو انبعثت من أعماق قلوبكم أمنية محبّة كلّ جنس من الأجناس البشريّة، لسَرَت أفكاركم وانتشرت ماديًّا وروحانيًّا فخلقت نفس الأماني في الآخرين، وازدادت قوّتها حتّى أصبحت فكرة عامّة شاملة للعالمين"([6]).



اللّغة العالميّة



وبعد أنْ نظرنا سراعًا إلى الأسباب الرّئيسيّة للحروب وكيف يمكننا تجنّب تلك الأسباب، نستطيع أنْ نتقدّم الآن لدراسة الاقتراحات البنّاءة الّتي قدّمها بهاءالله من أجل الوصول إلى الصّلح الأعظم. فأوّل تلك الاقتراحات إيجاد لغة عالميّة بالإضافة إلى اللّغات القوميّة. ويشير بهاءالله في الكتاب الأقدس وفي ألواح أخرى إلى هذا الموضوع. ففي لوح الإشراقات يقول ما ترجمته:-



"الإشراق السّادس اتّحاد العباد واتّفاقهم، ولا يزال بالاتّفاق تتنوّر آفاق العالم بنور الأمر. والسّبب الأعظم لذلك معرفة بعضهم لغة بعض وخطّه. إنّا أمرنا أمناء بيت العدل من قبل في الألواح أنْ يختاروا لسانًا من الألسن الموجودة أو يبتدعوا لسانًا، ويختاروا أيضًا خطًّا من الخطوط. ويعلّموا الأطفال به في مدارس العالم، حتّى يُشاهد العالم وطنًا واحدًا وأقليماً واحداً"([7]).



وقد قال عبدالبهاء في باريس في شباط فبراير سنة 1913:-



"إنّ أحد الأسباب الرّئيسيّة للمنازعات في أوروبا هو اختلاف


اللّغات فيها، فنقول هذا إنسان ألمانيّ وهذا إيطاليّ، ثم نرى إنساناً انكليزيًا ثم نلتقي بإنسانٍ فرنسيّ، مع أنّ الجميع من عنصر واحد، ولكنّ الحائل الأعظم الّذي يحول بينهم هو اللّغة. فلو وجدت لغة عامّة فإنّهم يتّحدون.



"وقد كتب حضرة بهاءالله قبل أربعين سنة عن اللّغة العالميّة المساعدة وتفضّل قائلاً: بأنّه ما لم تتعيّن لغة عامّة واحدة لا يتمّ الاتّحاد التّام بين الشّعوب، لأنّنا نرى سوء التّفاهم يمنع النّاس عن الاختلاط والتآلف، ولن يزول سوء التّفاهم هذا إلاّ بلغة عالميّة مساعدة.



"ونحن نتكلّم الآن كلامًا عامًّا فنقول إنّ أهل الشّرق لا علم لهم تمامًا بحوادث الغرب، ولا استطاع أهل الغرب الاختلاط بالشّرقييّن، فجميعهم قد وضعوا أفكارهم في صندوق مغلق ومفتاحه هو اللّغة العالميّة، فهذا المفتاح يستطيع أنْ يفتحَ الصّندوق المغلق. ولو وجدت لغة عالميّة لأمكن بسهولة ترجمة كتب الغرب إليها، واطّلع أهل الشّرق على مضامينها، وكذلك كُتُب أهل الشّرق تترجم إلى تلك اللّغة، وينتفع منها أهل الغرب. إذن فقد علمتم أنّ أعظم وسائل التّرقي والاتّحاد بين الشّرق والغرب وسيلة اللّغة الواحدة، فهي الّتي تجعل العالم كلّه وطنًا واحدًا، وتكون دعامة لرقّي البشر، وتُرفع راية وحدة العالم الإنسانيّ خفّاقة، وتكون الباعث على راحة جميع ممالك العالم وسرورها وعلى محبّة بني آدم من جميع العناصر والأجناس محبّة ملؤها الوداد..."



ولكنّ الأمر يبقى لبيت العدل الأعظم حتّى يبتّ بمسألة اللّغة


العالميّة وفقًا لأوامر بهاءالله([8]). وليس الدّين البهائيّ بملزم بأيّة لغة حيّة أصليّة أو بأيّة لغة مخترعة حديثة.



عصبة الأمم



وهناك اقتراح ثانٍ كرّره بهاءالله وأكّد عليه وأوصى بالأخذ به بصورة مشدّدة هو تأسيس عصبة أمم عالميّة للحفاظ على السّلام


فقد كتب في لوحه إلى الملكة فكتوريا بينما كان سجينًا في عكا([9]) ما نصّه:-



"يا معشر الأمراء! أصلحوا ذات بينكم، إذًا لا تحتاجون إلى كثرة العساكر ومهمّاتهم إلا على قدر تحفظون به ممالككم وبلدانكم... اتّحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم، وتستريح الرّعيّة ومن حولكم... إنْ قامَ أحد منكم على الآخر، قوموا عليه، إنّ هذا إلا عدل مبين".



وفي سنة 1875 توقّع عبدالبهاء تأسيس عصبة أمم عالميّة، وتبدو أهميّتها في الوقت الحاضر([10]) من المحاولات الحماسيّة الّتي تبذل الآن من أجل تأسيس عصبة الأمم هذه. فكتب في "الرّسالة المدنيّة" ما ترجمته:-



"نعم إنّ راية المدنيّة الحقيقيّة لن ترفرف على قطب العالم إلا حينما يخطو عدد من الملوك العظام أولي العزم والهمّة والغيرة والحمية والحرص على خير البشريّة وسعادتها خطوات عزم ثابت ورأي راسخ، ويطرحون على بساط البحث مسألة الصّلح العام، ويتشبّثون بكلّ الوسائل، ويعقدون مؤتمرًا دوليًّا عالميًّا، ويؤسّسون معاهدة قويّة وميثاقًا وشروطًا محكمة ثابتة، ويعلنونها، ويشفعونها بمصادقة عموم الهيئة الاجتماعيّة البشريّة الّتي تؤكّد وتصادق على أنّ هذا الأمر الأتّم الأقوم الّذي هو في الحقيقة سبب راحة الخلائق وجميع سكّان الأرض أمر مقدّس وعلى جميع قوى العالم أنْ تنتبهَ


إلى بقاء هذا العهد الأعظم سالمًا ثابتًا، وفي هذه المعاهدة عليهم أن يعيّنوا حدود كلّ دولة وثغورها، ويوضعوا سلوك كلّ حكومة ومدى نفوذها، ويعينوا جميع المعاهدات والمناسبات الدّوليّة والرّوابط والضّوابط الّتي تربط الهيئات الحاكمة البشريّة، ويخصّصوا كذلك القوّة الحربيّة لكلّ حكومة بمقدار معلوم، لأنّ القدرة العسكريّة والمعدّات الحربيّة إذا ازدادت لدى دولة واحدة أدّى ذلك إلى ظنون الدّول الأخرى. وخلاصة القول أنّ أساس هذا الميثاق المتين يبنى على الأساس التّالي وهو:- أنّ أيّة دولة من الدّول تفسخ هذه الشّروط تقوم جميع دول العالم بل الهيئة الاجتماعيّة البشريّة متّحدة بكلّ قواها على تدمير تلك الحكومة. فلو يتوفّق جسم العالم المريض إلى استعمال هذا الدّواء الأعظم، فإنّه ينال الاعتدال الكلي، ويفوز بالشّفاء الأبدي الدّائم".



إنّ عصبة الأمم من وجهة النّظر البهائيّة لا تحقّق تعاليم بهاءالله الخاصّة بالسّلام العام. فالبهائيّون يرون نواقص عظيمة في تكوين عصبة الأمم، وهي بهذا تقصّر عن الوصول إلى مستوى المؤسّسة الّتي وصفها بهاءالله لتأسيس السّلام العالميّ([11]). فقد كتب عبدالبهاء في 17 كانون الأوّل (ديسمبر) سنة 1919، ما ترجمته:-



"إنّ السّلام العام في الوقت الحاضر قضيّة بالغة الأهميّة، ولكنّ وحدة الوجدان والضّمير أساسيّة لازمة حتّى يكون أساس هذه القضيّة أمينًا ويكون تشييدها ثابتًا ويكون صرحها متينًا... ولو أنّ عصبة الأمم قد جاءت إلى الوجود، ولكنّها عاجزة عن تأسيس السّلام العام. أمّا


المحكمة العليا الّتي وصفها حضرة بهاءالله فسوف تقوم وحدها بإتمام هذه المهمّة المقدّسة بكلّ عظمة واقتدار".



التّحكيم الدّولي



يوصي بهاءالله كذلك بتأسيس محكمة دوليّة للتّحكيم تفصل في المنازعات الّتي تنجم بين الأمم فصلاً عادلاً حكيمًا بدلاً من لجوئها إلى محن الحروب. وكتب عبدالبهاء في رسالة وجّهها إلى سكرتير مؤتمر الصّلح في موهونك في أغسطس (آب) 1911 ما ترجمته:-



"أمر حضرة بهاءالله الكلّ قبل خمسين سنة في الكتاب الأقدس بتشكيل مجلس صلح دوليّ عام، ودعا أمم العالم إلى المائدة الإلهيّة- مائدة المحكمة الدّوليّة الكبرى، حتّى تنحلّ على يد بيت العدل جميع مشاكل الحدود والثّغور وحقوق الملكيّة والسّيادة والشّرف القومي وغير ذلك من المشاكل العظيمة الّتي تنشأ بين الدّول والملل، فلا تجرأ أيّة أمّة على مخالفة قرار تلك المحكمة أو الانحراف عنه. ولو نشأ نزاع بين أمّتين، وجب الفصل فيه في هذه المحكمة الدّوليّة الكبرى فصلاً عادلاً. وكما يصدر الحاكم حكمه في النّزاع بين شخصين، كذلك تصدر هذه المحكمة حكمًا قاطعًا. وفي أيّ وقت تتردّد فيه أيّة دولة من الدّول أو تتراخى في تنفيذ حكم المحكمة الكبرى يجب على جميع ملل العالم أنْ تقومَ بتدمير هذا العصيان".



وقال كذلك في إحدى الخطابات الّتي ألقاها في باريس سنة 1911:-



"تتشكّل المحكمة الكبرى من أمم العالم ودوله، أي تشترك في


انتخاب أعضائها كلّ أمّة وكلّ حكومة في العالم. ويجتمع أعضاؤها في دار الشورى العظيمة هذه بكلّ اتّحاد واتّفاق، وتعرض على هذه المحكمة جميع المنازعات الدّوليّة، ومن وظائفها المشاورة في كلّ قضيّة، والفصل في كلّ أمر من الأمور، وإلاّ فإنّها تصبح بدون هذا سببًا في الحروب، والوظيفة الملقاة على عاتق هذه المحكمة هي منع الحروب".



وخلال ربع القرن الّذي سبق تأسيس عصبة الأمم، تأسّست في لاهاي سنة 1900 محكمة دائميّة للتّحكيم الدّولي، وفيها وقّعت كثير من معاهدات التّحكيم، ولكنّ معظمها عجِزَ عن الوصول إلى مستوى مقترحات بهاءالله الشّاملة. ولم تعقد بين دولتين عظيمتين أيّة معاهدة تحكيم تتضمّن الفصل في جميع الشّؤون، ولهذا كان المتوقّع أنْ تظهرَ بين الدّول اختلافات تؤثّرعلى "المصالح الحيويّة" و"الشّرف" و"الاستقلال" في كلّ واحدة منها. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، بل إنّ بنود هذه المعاهدات كان ينقصها وجود ضمانات فعّالة تلتزم بها الأمم. ووراء هذه المقترحات البهائيّة ستكون هناك في عصبة الأمم العالميّة ضمانات عليا حول قضايا الحدود والشّرف القومي والمصالح الحيويّة، ولنْ يبلغَ التّحكيم الدّولي قدراته الخيّرة إلاّ بعد أنْ توضعَ هذه المقترحات موضع التّنفيذ، وتنمحي لعنة الحروب من عالم الوجود.



تحديد التّسلح



يقول عبدالبهاء:-



"على جميع دول العالم أنْ تتّفقَ على نزع السّلاح. وإذا ما ألقت


دولة واحدة أسلحتها، ولم تلقها الدّول الأخرى، فلن تكون لذلك أيّة ثمرة، بل يجب أنْ تعقدَ أمم العالم متّحدة ميثاقًا غليظًا في هذا الأمر الخطير على أنْ تتركَ نهائيًّا آلات الحروب الّتي تهدم بنيان الإنسانيّة. وما دامت إحدى الأمم تزيد في قوّاتها العسكريّة والبحريّة، فإنّ الدّول الأخرى تضطر إلى المنافسة المشؤومة هذه، فتزيد من قوّاتها"([12]).



تحريم وسائل العنف والمقاومة



والبهائيّون باعتبارهم هيئة دينيّة، قد نبذوا طبقًا لأوامر بهاءالله الصّريحة استعمال القوّة المسلّحة لمصالحهم، حتّى ولو لأغراض دفاعيّة بحتة. ففي إيران قاست الألوف العديدة من البابيّين والبهائيّين صنوف الموت القاسية من أجل إيمانها بهذا الدّين. وفي أوائل أيّام هذا الدّين قام البابيّون في مناسبات مختلفة بالدّفاع عن أنفسهم وعن عوائلهم بسيوفهم. فأظهروا شجاعة وبسالة منقطعة النّظير، ولكنّ بهاءالله منع هذا الدّفاع أيضًا. وقد كتب عبدالبهاء العبارة التّالية ترجمتها:-



"حينما ظهر بهاءالله أعلن بأنّ نشر الحقيقة لا يجوز أبدًا بهذه الوسائل حتّى ولو كان استخدامها لغرض الدّفاع عن النفس، فنسخ آية السّيف... وتفضّل: "أنْ تُقتلوا خير لكم من أنْ تَقتلوا". فانتشار أمر الله وترويجه يتمّ عن طريق ثبات الأحباء وإيقانهم.


وحينما يقومون على إعلاء كلمة الله دون خوف واضطراب وبمنتهى الانقطاع ويغمضون أعينهم عن شؤونات العالم ويشغلون أوقاتهم في خدمة الله، فحينذاك تنتصر كلمة الحقّ. وتشهد هذه النّفوس المقدّسة بدمائها على حقيقة الأمر وعلى إخلاصها في إيمانها وعلى تضحيتها وعلى استقامتها. وهو سبحانه قادر على نشر أمره وخذلان أعدائه. ونحن لنْ نبتغيَ معينًا ولا ناصرًا إلاّ إيّاه. ونحن واقفون أمام المعتدين وأرواحنا فوق أكفّنا مرحّبين بالاستشهاد في سبيل الله لنبلغ به آمال قلوبنا وأمانينا".



وقد كتب بهاءالله إلى أحد الّذين قاموا على اضطهاد أمره ما ترجمته:-



"سبحان الله ما حاجة هذا الحزب إلى السّلاح بعد أنْ شمّر عن ساعد الجّد على العمل في إصلاح العالم!؟ فجنودهم الأعمال الطّيبة وسلاحهم الأخلاق المرضيّة وقائدهم تقوى الله طوبى لمن أنصف. لعمر الله إنّ هذا الحزب قد بلغ به صبره وسكونه إلى مقام مظاهر العدل في العالم، وبلغ به تسليمه ورضاؤه إلى مقام رضي بالقتل ولم يرض لنفسه أنْ يقتلَ أحدًا، مع أنّ ما أصاب المظلومين على الأرض في هذا اليوم شيء لم تر مثله عين التّاريخ ولا رأت شبهه عين الأمم. فما هو السّبب في قبولهم لهذه البلايا العظيمة، وعدم قيامهم على دفعها والرّد عليها؟ السّبب في ذلك هو القلم الأعلى الّذي منعهم عن ذلك صباحًا ومساءً، وأخذ مولى الورى أزِّمة الأمور بيد قدرته وكفّ اقتداره"([13]).


وقد ثبت بالبرهان سلامة السّياسة الّتي رسمها بهاءالله في تحريم وسائل العنف والمقاومة وذلك من نتائجها. فقد كسب الدّين البهائيّ مقابل كلّ شهيد واحد استشهد في إيران مئة من المؤمنين دخلوا صفوفه، وكانت الطّريقة الّتي فيها ألقى هؤلاء الشّهداء تيجان حياتهم تحت أقدام مولاهم العظيم قد قدّمت للعالم أنصع برهان على أنّهم كسبوا حياة جديدة كان الموت بعدها لا يرعبهم وهي حياة ملؤها البهجة الحقيقيّة الكاملة الّتي إذا ما قورنت بمباهج الأرض بدت هذه أمامها وكأنّها الغبار في الميزان. وكانت أقسى وأخبث أنواع التّعذيب الجسدي الّتي تعرّضوا لها أشبه في خفّتها وتفاهتها بالهواء وزنًا وأهميّة.



متى تجوز الحرب



ولو أنّ بهاءالله كالمسيح ينصح أتباعه فرادى وجماعات بالوقوف تجاه المعتدين موقف التّسامح وعدم العنف والمقاومة، ولكنّه يؤكّد واجب الهيئة الاجتماعيّة في منع الظّلم والعدوان. فإذا ما اضطهد الأفراد وأوذوا فمن حقّهم العفو والصّفح وعدم الأخذ بالثّأر، ولكنّ الهيئة الاجتماعيّة لا يصحّ أنْ تسمحَ بحوادث النّهب والسّلب والقتل تجري في أراضيها وهي مكتوفة الأيدي تجاهها. فمن أحد واجبات الحكومة الصّالحة منع الظّلم ومعاقبة المعتدين([14]). وكذلك الأمر في الهيئة الاجتماعيّة الدّوليّة، فإذا


ظلمت أمّةٌ أمّةً أو تجاوزت عليها فمن واجب الأمم الأخرى جميعها أنْ تتّحد على منع مثل هذا الظّلم. فقد كتب عبدالبهاء ما تلي ترجمته:-



"قد يجوز أن تهجم جموع وحشيّة متعطّشة للدّماء على الهيئة الاجتماعيّة وتقصد من هجومها القتل العام، ففي هذه الحال يكون الدّفاع لزامًا ضدّ المعتدين"([15]).



وقد جرت عادة البشر حتّى الآن على أنْ تبقى الأمم على حيادها إذا هاجمت أمّةٌ أمّةً أخرى، ولا تتحمّل بقية الأمم مسؤوليّة التّدخل بينهما إلاّ إذا تأثّرت مصالحها أو تعرّضت إلى الأخطار. وكانت أعباء الدّفاع تلقى على كاهل الأمّة الّتي تتعرّض إلى الهجوم مهما كانت ضعيفة لا حول لها ولا قوّة. لكنّ تعاليم بهاءالله قلبت هذا الموقف رأسًا على عقب، وألقت مسؤوليّة الدّفاع على عاتق جميع الأمم فرادى وجمعًا لا على عاتق الأمّة المعتدى عليها وحدها. وحيث أنّ الإنسانيّة جمعاء بمثابة هيئة اجتماعيّة واحدة، فإنّ أيّ هجوم تتعرّض له إحدى الأمم هو هجوم على الهيئة الاجتماعيّة. ويجب أنْ تقومَ كلّ الهيئة الاجتماعيّة على مجابهته. ولو اعترف النّاس بهذه النّظريّة اعترافا شاملاً وطبّقوها، لعلمت كلّ أمّة تنوي العدوان على غيرها أنّها ستجابه مقاومة جميع أمم العالم لا مقاومة الأمّة الّتي تهاجمها، وحينذاك يكفي العلم بهذا ردع أشجع الأمم وأشرسها. وعندما تتأسّس عصبة أمم قويّة من أمم محبة للسّلام، تصبح الحرب في خبر كان. وخلال فترة الانتقال من الفوضى


الدّوليّة إلى الوحدة الدّوليّة ستحدث حروب تعسّفيّة، وفي هذه الحال يكون لزامًا على الأمم اتّخاذ إجراءات قويّة في سبيل الحفاظ على العدل الدّولي والوحدة والسّلام. وقد كتب عبدالبهاء في الرّسالة المدنيّة ما ترجمته:-



"بل قد تكون الحرب أحيانًا أساسًا للصّلح الأعظم، كما قد يكون التّدمير سببًا للتّعمير... وتقوم الحرب على نوايا صالحة فيكون الغضب عين اللّطف والظّلم جوهر العدل والحرب بنيان الصّلح. ويليق بالملوك العظام اليوم أنْ يؤسّسوا الصّلح العمومي، لأنّ فيه ولا شك حريّة العالمين".



اتّحاد الشّرق والغرب



وهناك عامل آخر يساعد على توطيد السّلام وهو ارتباط الشّرق والغرب. فليس "الصّلح الأعظم" مجرّد هدنة بل توحيد قوى وتعاون وديّ مثمر بين أمم الأرض الّتي كانت حتّى الآن ممزّقة. وقد قال عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس:-



"منذ البداية حتّى اليوم كانت شمس الحقيقة تشرق من أفق الشّرق، فحضرة موسى ربّى الخلق وهداهم في الشّرق، وحضرة عيسى ظهر من أفق الشّرق، وحضرة محمد بُعث إلى أمّة في الشّرق، وحضرة الباب ظهر في إيران في بلاد الشّرق، وحضرة بهاءالله ظهر من الشّرق وتفضل بأنّ كوكب المسيح السّاطع ولو أنّه طلع من الشّرق لكنّه أرسل أشعته النّوراء إلى الغرب فانتشرت أنوار الملكوت في الغرب انتشارًا أكبر من الشّرق وراجت تعاليمه


المباركة في عالم الغرب أسرع من رواجها في موطن ولادة حضرته.



"ويحتاج الشّرق اليوم إلى ترقيات الغرب الماديّة، كما يحتاج الغرب إلى الكمالات والفضائل الرّوحانيّة. فيليق بالغرب أنْ يستفيضَ من أنوار الشّرق ويعطيه حظًّا ونصيبًا من علومه واختراعاته. نعم يجب تبادل هذه المواهب ويجب أنْ يكمّل الشّرق والغرب نقائص بعضهما البعض بكلّ اتّحاد. وسيكون هذا الاتّحاد سببًا في تحقيق المدنيّة الحقيقيّة وفي انضمام المدنيّة الماديّة إلى المدنيّة الرّوحانيّة. وحينما يجري هذا الأخذ والعطاء بين الطّرفين تحدث بينهما منتهى الألفة والوئام، فيتّحد الجّميع ويتجلّى أقصى كمال ويحدث امتزاج وامتشاج متين ويصبح العالم مرآة الصّفات الإلهيّة.



"إذن يجب علينا نحن أهل الشّرق والغرب أنْ نبذلَ الجهد ليلاً ونهارًا بأرواحنا وقلوبنا، ونحقّق هذا المقصد الجليل، ونقوّي الألفة والاتحاد بين ملل الأرض، حتّى تنشرح القلوب وتتنوّر العيون وتنهال التوفيقات العظيمةعلينا وتتحقّق سعادة النّوع البشريّ. وهذ هي الجّنّة الّتي يجب ظهورها على الأرض حينما تحشر البشريّة جمعاء في ظلّ خيمة الوحدة والاتّحاد في الملكوت الإلهيّ".





([1]) مترجم عن مجلة "نجمة الغرب" المجلد الثامن، الصفحة 15.


([2]) المفاوضات – الترجمة العربية – الصفحتان 57 – 58.


([3]) مترجم عن مجلة "نجمة الغرب" المجلد الثامن الصفحة 76.


([4]) مترجم من خطابات عبدالبهاء.


([5]) وهي الحرب الإيطاليّة التّركيّة التي اندلعت في طرابلس في 29 أيلول (سبتمبر) 1911.


([6]) مترجم من خطابات باريس.


([7]) الترجمة العربية الصفحة 100.


([8]) يحبذ بهاءالله انتخاب اللّغة العربيّة لغة عالميّة ولكنه لا يفرض أمرًا بذلك بل يترك الاختيار في ذلك لأهل العالم فقد كتب بالنص:-



"قد نزلنا في الكتاب الأقدس: يا أهل المجالس في البلدان أن اختاروا لغة من اللغات ليتكلم بها من على الأرض وكذلك من الخطوط. إنّ الله يبّين لكم ما ينفعكم ويغنيكم عن دونه إنه لهو الفضال العليم الخبير". إلى أن يقول ما ترجمته:-



"... كم من نفوس صرفت أعمارها في تعلم اللغات المختلفة! ومن الحيف أن يصرف الإنسان عمره الذي هو أغلى الأشياء في العالم على أمثال هذه الأمور فلو عمل هؤلاء بما أنزلناه لوفروا على أنفسهم كل ذلك العناء..."



وإن ما هو محبوب لدى العرش هو أن يتكلم جميع العالم باللغة العربية لأنها أعظم جميع اللغات بسطة ولو اطلع الناس على بسطة هذه اللغة الفصحى ووسعتها فلا شك أنهم سينتخبونها. واللغة الفارسية ولو أنها عذبة جدًا... لكنها لا تملك بسطة اللغة العربية بل إن جميع لغات الأرض محدودة إذا ما قورنت باللغة العربية وهذا هو مقام أفضليتها الذي من أجله ذكرناها.



"ومقصودنا هو أن يختار أهل الأرض لغة واحدة ليتكلم بها عموم الناس...



"فينتهي الأمر أخيرًا إلى لغة واحدة وخط واحد وترى قارات الأرض قارة واحدة إذن لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا".


([9]) بين سنتي 1868 – 1870.


([10]) يقصد المؤلف سنة كتابته لهذه الكلمات سنة 1919 1920.


([11]) وهذه الملاحظة تنطبق اليوم على هيئة الأمم المتحدة.


([12]) مترجم من يوميات ميرزا أحمد سهراب في مايو – أيار-11-14 سنة 1914.


([13]) من لوح إلى ابن الذئب.


([14]) انظر إلى موضوع "معاملة المجرمين" الصفحات 208-210 من هذا الكتاب.


([15]) كتاب حكمة عبدالبهاء – الصفحة 170.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الحادي عشر

بعض الأحكام والتّعاليم



"اعلم أنّ جميع الأحكام الإلهيّة تتغيّر وتتبدّل في كلّ دور حسب الزّمان إلاّ شريعة المحبّة فإنّها ثابتة لا يعتريها أيّ تغيير، وهي بمثابة ينبوع الحياة الجّاري على الدّوام".

(بهاءالله – مترجمًا)



حياةّ الرّهبنة:



"نهى بهاءالله أتباعه كما نهى محمّد أتباعه عن حياة الرّهبنة والانزواء، فنراه في اللّوح الّذي أرسله إلى نابليون الثّالث يقول بالنّص:-



"يا ملأ الرّهبان لا تعتكفوا في الكنائس والمعابد. اخرجوا بإذني ثمّ اشتغلوا بما تنتفع به أنفسكم وأنفس العباد... تزوّجوا ليقوم بعدكم أحد مقامكم. إنّا منعناكم عن الخيانة لا عمّا تظهر به الأمانة. أأخذتم أصول أنفسكم ونبذتم أصول الله وراءكم؟ اتّقوا الله ولا تكوننّ من الجّاهلين. لولا الإنسان من يذكرني في أرضي وكيف تظهر صفاتي وأسمائي؟ تفكّروا ولا تكونوا من الّذين احتجبوا وكانوا من الرّاقدين. إنّ الّذي ما تزوّج "المسيح" إنّه ما


وجد مقرًّا ليسكن فيه أو يضع رأسه عليه بما اكتسبت أيدي الخائنين. ليس تقديس نفسه بما عرفتم وعندكم من الأوهام بل بما عندنا. اسألوا لتعرفوا مقامه الّذي كان مقدّسًا عن ظنون من على الأرض كلّها، طوبى للعارفين".



أليس غريبًا أنْ تؤسّس المذاهب المسيحيّة الحياة الرّهبانيّة التّنسكيّة لقسّيسيها ورهبانها في الوقت الّذي اختار المسيح تلاميذه من بين الرّجال المتزوّجين وعاش هو وتلاميذه عيشة ارتزاق من كدّهم وجهدهم على مسمع ومشهد من النّاس؟ كما جاء في القرآن الكريم:



"وقفّينا بعيسى بن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الّذين اتّبعوه رأفة ورحمة، ورهبانيّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها"([1]).



ومهما كان للرّهبنة في الظّروف القديمة من مبرّرات، فإنّ بهاءالله يصرّح بأنّ مثل هذه المبرّرات لم يعد لها وجود الآن. ويبدو بكلّ وضوح حقًّا أنّ انسحاب عدد كبير من أنبل النّاس وأتقاهم وأشدّهم خوفًا من الله من وسط الهيئة الاجتماعيّة البشريّة وعدم اشتراكهم بالواجبات والمسؤوليّات الّتي تستلزمها حياة الأبوّة أمر يؤدّي حتمًا إلى فقر الجنس البشريّ فقرًا روحانيًّا عظيمًا.



الزّواج



تحرّم التّعاليم البهائيّة تعدّد الزّوجات ويشترط بهاءالله في الزّواج


قبول الطّرفين المتزوّجين ثمّ رضاء أبويهما بعد رضائهما فيقول في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"إنّه قد حدّد في البيان برضاء الطّرفين. إنّا لمّا أردنا المحبّة والوداد واتّحاد العباد لذا علّقناه بإذن الأبوين بعدهما لئلاّ تقع بينهما الضّغينة والبغضاء".



وقد كتب عبدالبهاء حول هذه النّقطة جوابًا على سؤال أحدهم ما ترجمته:-



"أمّا بخصوص الزّواج فعليك بموجب شريعة الله أنْ تختارَ واحدة، وبعد ذلك يناط الأمر برضاء الأبوين، ولكنّهما لا يحقّ لهما التّدخل في الزّواج قبل انتقائك"([2]).



ويقول عبدالبهاء بأنّ هذه التّدابير الاحتياطيّة الّتي اتّخذها بهاءالله دون حدوث حالات التّوتّرات والتّشنجات بين العوائل المتصاهرة تلك التّوتّرات الّتي شاعت في الأقطار المسيحيّة والإسلاميّة – هذه التّدابير الاحتياطيّة قد أدّت إلى ندرة حدوث التّوتّرات بين البهائيّين، كما أدّت إلى ندرة الطّلاق بينهم. وممّا كتبه عبدالبهاء بخصوص الزّواج ما تلي ترجمته:-



"إنّ الزّواج في الأمر المبارك اتّفاق تام ورضاء كامل بين الطّرفين، ويجب عليهما مراعاة الدّقة، وأنْ يطّلع أحدهما على أخلاق الآخر، ويتعاهدا على عهد متين قويّ بينهما، ويجب أنْ يكونَ ارتباطهما أبديًّا، ومقصودهما الألفة والمحبّة والاتّحاد والحياة الدّائميّة، ويجب على العريس أنْ يقولَ بحضور العروس


وحضور بعض الآخرين "إنّا كلّ لله راضون" وتقول العروس لقاء ذلك "إنّا كلّ لله راضيات".



"والزّواج عند البهائيّين هو اتّحاد المرأة والرّجل روحًا وجسمًا حتّى يكون اتّحادهما أبديًّا في جميع العوالم الإلهيّة، ويقوم أحدهما على ترقية الحياة الرّوحانيّة للآخر. هذا هو الاقتران البهائيّ"([3]).



"إنّ عقد الزّواج البهائيّ بسيط([4]) جدًّا وكلّ ما يلزم خلاله هو أنْ يقولَ العريس والعروس في حضور شاهدين اثنين على الأقل:- "إنّا كلّ لله راضون" و"إنّا كلّ لله راضيات".



الطّلاق



إنّ التّوصيات الّتي قدّمها رسل الله في قضيّة الطّلاق والزّواج قد اختلفت باختلاف الظّروف والأزمنة. ويبيّن عبدالبهاء التّعاليم البهائيّة حول الطّلاق بالكيفيّة التّالية:-



"يجب على الأحباء أنْ يجتنبوا الطّلاق إلاّ إذا حدثت حوادث سبّبت البرودة بين الزّوجين فأجبرتهما على الانفصال، ففي هذه الحال يستطيعان التّصميم حول الطّلاق باطّلاع المحفل الرّوحانيّ، وبعد ذلك يجب عليهما أنْ يصبرا سنة كاملة، فإذا لم تتضوّع خلال السّنة رائحة المحبّة وعرف المودّة، حصل الطّلاق... إنّ أساس


ملكوت الله مبنيّ على المودّة والمحبّة والوحدة والتّآلف والاتّفاق وليس على الاختلاف، وخاصّة بين الزّوج والزّوجة، فإنْ أصبحَ أحد الطّرفين سببًا في الطّلاق، فلا شكّ في أنّه سيقع في مشاكل عظيمة، ويبتلي ببلايا شديدة تنتهي بارتباك أموره وبندمه العميق"([5]).



ويرتبط البهائيّون بالطّبع في قضايا الطّلاق وغيرها بقوانين البلاد الّتي يسكنونها بالإضافة إلى ارتباطهم بالتّعاليم البهائيّة حولها.



التّقويم البهائيّ



لقد تبنّت الأمم المختلفة في أزمنة متنوّعة طرقًا عدّة لقياس الزّمن ولتثبيت تواريخ الحوادث. ولا تزال حتّى الآن عدّة تقاويم مختلفة موجودة، كالتّقويم الغريغوريّ في غربيّ أوروبا والتّقويم اليوليانيّ في كثير من أقطار شرقيّ أوروبا والتّقويم العبري بين اليهود والتّقويم الهجري في الأقطار الإسلاميّة.



وقد ميّز الباب أهميّة الدّور الإلهيّ الّذي جاء ليبشّر النّاس به وذلك بوضعه تقويمًا جديدًا لا يستند إلى الأشهر القمريّة بل إلى السّنة الشّمسيّة كالتّقويم الغريغوريّ.



وبموجب التّقويم البهائيّ تتألّف السنّة من 19 شهرًا وكلّ شهر من 19 يومًا فهذه 361 يومًا وتضاف إليها "الأيّام الزّائدة" (وعددها أربعة أيّام في السّنة البسيطة أو خمسة أيّام في السّنة الكبيسة) بين الشّهر الثّامن عشر والشّهر التّاسع عشر ليلائم التّقويم البهائيّ السّنة


الشّمسيّة. وقد سمّى الباب الأشهر على أسماء صفات الله. وتتثبّت السّنة البهائيّة تثبيتًا فلكيًّا وفقًا لتثبيت بداية السّنة الشّمسيّة... في يوم الاعتدال الرّبيعي (وذلك عادة في 21 آذار – مارس -).



وإنّ أسماء الأشهر في التّقويم البهائيّ كالآتي:-



التّسلسل

اسم الشّهر

بداية الشّهر

الأوّل

شهر البهاء

21 آذار (مارس)

الثّاني

شهر الجلال

9 نيسان (أبريل)

الثّالث

شهر الجمال

28 نيسان (أبريل)

الرّابع

شهر العظمة

17 أيّار (مايو)

الخامس

شهر النور

5 حزيران (يونيو)

السّادس

شهر الرحمة

24 حزيران (يونيو)

السّابع

شهر الكلمات

13 تموز (يونيو)

الثّامن

شهر الكمال

1 آب (أغسطس)

التّاسع

شهر الأسماء

20 آب (أغسطس)

العاشر

شهر العزة

8 أيلول (سبتمبر)

الحادي عشر

شهر المشيئة

27 أيلول (سبتمبر)

الثّاني عشر

شهر العلم

16 تشرين الأوّل (أكتوبر)

الثّالث عشر

شهر القدرة

4 تشرين الثّاني (نوفمبر)

الرّابع عشر

شهر القول

23 تشرين الثّاني (نوفمبر)

الخامس عشر

شهر المسائل

12 كانون الأول (ديسمبر)

السّادس عشر

شهر الشرف

31 كانون الأول (ديسمبر)

السّابع عشر

شهر السلطان

19 كانون الثاني (يناير)







الثّامن عشر

شهر المُلك

7 شباط (فبراير)

......

أيّام الهاء (الأيّام الزّائدة)

من 26 شباط (فبراير) إلى أوّل آذار (مارس)

التاسع عشر

شهر العلاء

2 آذار (مارس)




ويبتدئ العصر البهائيّ بسنة إعلان الباب دعوته (سنة 1844 الموافقة لسنة 1260 هجريّة).



وسوف يحتاج أهل العالم في المستقبل القريب إلى الاتّفاق على تقويم عموميّ، ولهذا السّبب يبدو من المناسب أنْ يكونَ لعصر الوحدة الجديد تقويم جديد خال من الاعتراضات والارتباطات الّتي جعلت التّقاويم القديمة غير مقبولة لدى قطاعات كبيرة من سكّان الأرض. ومن الصّعب أنْ يجدَ أهل العالم تقويمًا يفوق في بساطته وسهولته التّقويم الّذي وضعه السّيد الباب.



المحافل الرّوحانيّة



قبل أنْ يكملَ عبدالبهاء مهمّته على الأرض، وضع أسس تطوير النّظام الإداريّ الّذي أسّسه بهاءالله في آثاره الكتابيّة. ومن أجل أنْ يرينا عبدالبهاء أهميّة ومقام مؤسّسة المحفل الرّوحانيّ، أعلن في أحد ألواحه بأنّ ترجمة من التّرجمات يجب أنْ تعرضَ على المحفل الرّوحانيّ في القاهرة قبل نشرها، رغم أنّه راجع نصّها وصحّحها بنفسه.



والمحفل الرّوحانيّ هو هيئة إداريّة مكوّنة من تسعة أشخاص تنتخبهم الجامعة البهائيّة سنويًّا. وقد خوّلت هذه الهيئة سلطة


إصدار القرار في جميع قضايا العمل المشترك في الجامعة البهائيّة. وهذه التّسمية مؤقّتة لأنّ المحافل الرّوحانيّة سوف تسمّى باسم "بيوت العدل".



وهذه الهيئات الدّينيّة على خلاف المؤسّسات الكنسيّة هي مؤسّسات اجتماعيّة قبل أنْ تكونَ مؤسّسات دينيّة، وهذا يعني أنّها تطبّق مبدأ المشاورة في جميع القضايا ومنها المشاكل الّتي تنشأ بين البهائيّين... وهذه المحافل الرّوحانيّة تسعى إلى ترويج الوحدة والعدل في جامعتها. وليس هناك من تشابه بين المحفل الرّوحانيّ وبين القسّس والرّهبان بأيّ وجه من الوجوه، إلاّ أنّ المحفل مسؤول عن تطبيق التّعاليم البهائيّة وعن الحثّ على الخدمة وعن إدارة الاجتماعات وعن التّمسك بالوحدة وعن إدارة الممتلكات والأوقاف البهائيّة بالنّيابة عن الجامعة وعن تمثيلها في علاقاتها بالجّمهور وبالجّامعات البهائيّة الأخرى.



وفي الباب الأخير من هذا الكتاب في القسم الخاص منه بوصيّة عبدالبهاء قد أوضحنا إيضاحًا تامًّا طبيعة المحفل الرّوحانيّ محليًّا كان أم مركزيًّا. أمّا واجباته فقد وصفها شوقي أفندي وليّ الأمر البهائيّ بعبارته التّالية ترجمتها:-



"إنّ مسألة التّبليغ وإدارته وأساليبه ووسائله وانتشاره ودعمه بالإضافة إلى ما هي عليه من الأهميّة لمصالح الأمر المبارك، تؤلف من دون شكّ الواجب الوحيد الّذي يجب أنْ ينالَ اهتمام ورعاية هذه المحافل الرّوحانيّة.



"ويتجلّى من دراسة ألواح بهاءالله وعبدالبهاء دراسة دقيقة أنّ


هناك واجبات حيويّة أخرى لا تقلّ أهميّة عن التّبليغ واقعة على عاتق الممثّلين الّذين انتخبهم الأحباء في هذه المحافل في كلّ جامعة محليّة.



"فمِن واجباتهم أنْ يكونوا حذرين حصيفين ساهرين على محافظة هيكل أمر الله في كلّ الأحيان من هجمات الأعداء ومن نبال المفسدين.



"وعليهم أنْ يسعوا إلى ترويج المحبّة والوفاق بين الأحباء ومحو كلّ آثار الرّيبة والبرودة والنّفرة من قلوبهم وإحلال التّعاون القلبي على خدمة أمر الله محلّها.



"وعليهم انْ يبذلوا أقصى الجهود في كلّ الأحيان لمدّ يد المعونة إلى الفقراء والمرضى والعجزة والأيتام والأرامل، بغضّ النّظر عن ألوانهم وأجناسهم ومعتقداتهم.



"وعليهم أنْ يقوموا بكلّ الوسائل الّتي يملكونها على تهذيب الشّبان ماديًّا وروحانيًّا، وتهيئة وسائل تربية الأطفال، وتأسيس المؤسّسات التّربويّة البهائيّة كلّما أمكن ذلك، وتنظيمها والإشراف على عملها، وتجهيزها بأحسن الوسائل الّتي تؤدّي إلى رقيّها وتطوّرها...



"وعليهم القيام بالتّرتيبات اللازمة لاجتماعات الأحباء الاعتياديّة في الأعياد واحتفالات الذّكرى والاجتماعات الخاصّة الّتي تخصّص لخدمة المصالح الاجتماعيّة والفكريّة والرّوحانيّة لإخوانهم...



"وعليهم في هذه الأيّام الّتي لا يزال فيها الأمر الإلهيّ في مهد طفولته أنْ يقوموا بالإشراف على جميع المطبوعات البهائيّة وعلى


جميع التّرجمات ويقدّموا لجمهور النّاس عرضًا ساميًا مضبوطًا عن الآثار المدوّنة البهائيّة ويشرفوا على توزيعه بين الجمهور..."



ويمكننا أنْ نقدّر قيمة الإمكانيّات المكنونة في المؤسّسات البهائيّة هذه حينما نرى تفسّخ المدنيّة الحاضرة تفسّخًا سريعًا نظرًا لافتقارها إلى تلك القوّة الرّوحانيّة الّتي تستطيع وحدها أنْ تبعثَ الشّعور بالمسؤوليّة والتّواضع في نفوس القادة الإداريّين وتبعث الشّعور بالولاء اللاّزم في نفوس الأفراد من أعضاء الهيئة الاجتماعيّة.



الأعياد ومناسبات الذّكرى السّنويّة والصّيام



عيد الرّضوان (إعلان دعوة بهاءالله من 21 نيسان (أبريل) – 2 أيّار (مايو) سنة 1863.

عيد النّوروز (رأس السّنة البهائيّة) وذلك عادة في 21 آذار (مارس).

عيد بعثة الباب في 23 أيّار (مايو) سنة 1844 (5 جمادي الأولى 1260 هـ)([6]).

مولد بهاءالله في 12 تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة 1817 (2 محرّم 1233 هـ).

مولد الباب في 20 تشرين الأوّل (أكتوبر) سنة 1819 (1 محرّم 1235 هـ).

صعود بهاءالله في 29 ايّار (مايو) 1892.

استشهاد الباب في 9 تمّوز (يوليو) سنة 1850 (28 شعبان


1266 هـ).

صعود عبدالبهاء في 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة 1921.

شهر الصيام 19 يومًا من أوّل العلاء (2 آذار – مارس - ) إلى يوم:-

عيد النّوروز الّذي يحتفل به مباشرة بعد ختام الصّيام.

أيّام الهاء (من 26 شباط – فبراير –إلى أوّل آذار – مارس – (كما سيأتي شرحه).



الأعياد



إنّ الأفراح الرّئيسيّة تتجلّى في الدّين البهائيّ أيّام الأعياد والعطلات العديدة خلال العام. ففي الخطابة الّتي ألقاها عبدالبهاء في الاسكندريّة بمصر يوم عيد النّوروز سنة 1912 قال:-



"هناك في الشّرائع المقدّسة الإلهيّة في كلّ دَور وكور أيّام سرور وحبور وأعياد مباركة يحرّم فيها الاشتغال بالتّجارة والصّناعة وغيرها.



"وتعقد فيها اجتماعات بكلّ محبّة وسرور وابتهاج وتتزيّن فيها مجالس عامّة ويكون الجميع فيها زمرة واحدة، فتتجسّد في الأبصار وحدة الأمّة وألفتها واتّحادها.



"وحيث أنّ يوم العيد يوم مبارك، يجب أنْ لا يترك العيد يمرّ من دون ثمرة.



"ويجب أنْ لا يقتصر ذلك اليوم على الفرح والسّرور، بل يجب أنْ يتأسّس في ذلك اليوم المبارك مشروع تعود منافعه الدّائمة على الأمّة فيما بعد...


"وليست هناك في هذا اليوم نتيجة وثمرة أعظم من هداية النّاس، لأنّ النّاس مساكين محرومين من المواهب الإلهيّة...



"ويجب على الأحباء في مثل هذا اليوم أنْ يتركوا من بعدهم أثرًا خيريًّا ماديًّا أو معنويًّا. ويجب أنْ تشمل تلك الآثار الخيريّة جميع البشر، لأنّ كلّ عمل خيريّ مبرور في هذا الدّور البديع يجب أنْ يكونَ عموميًّا يشمل جميع البشر ولا يخصّ البهائيّين وحدهم، وحيث أنّ ظهور الرّحمن في هذا اليوم ظهور إلهيّ فأملي أنْ يكونَ كلّ واحد من الأحباء الإلهيّين رحمة إلهيّة لعموم البشر".



وأعياد النّوروز "رأس السّنة البهائيّة" والرّضوان واحتفالات ذكرى ميلاد الباب وميلاد بهاءالله وعيد بعثة الباب "وهو نفسه ذكرى مولد عبدالبهاء" هي أعظم أيّام الفرح عند البهائيّين خلال العام.



أمّا أيّام الهاء (الأيّام الزّائدة) الّتي تقع بين الشّهر الثّامن عشر والشّهر التّاسع عشر (من يوم 26 شباط (فبراير) إلى نهاية اليوم الأوّل من آذار (مارس) فإنّها خصّصت لعمل الضّيافات والولائم للأحباء ولتقديم الهدايا وللعناية بالفقراء والمرضى إلخ.



أمّا الاحتفالات بذكرى استشهاد الباب وصعود بهاءالله وعبدالبهاء فيُحتفل بها بكلّ وقار في اجتماعات لائقة وبخطابات وتلاوة من المناجاة والألواح.



الصّيام



إنّ الشّهر التّاسع عشر الّذي يلي ضيافات أيّام الهاء هو شهر الصّيام. وخلال الأيّام التّسع عشر يكون الصّيام بالامتناع عن الأكل


والشّرب من الشّروق حتّى الغروب. وحيث أنّ شهر الصّيام ينتهي بيوم الاعتدال الرّبيعي في آذار (مارس) فإنّ الصّيام يقع دائمًا في نفس الفصل وهو الرّبيع في نصف الكرة الشّمالي والخريف في نصف الكرة الجنوبي، فلا هو بواقع في حرارة الصّيف الشّديدة ولا في برودة الشّتاء القاسية ممّا يجعل الصّيام شاقًّا. وبالإضافة إلى هذا ففي هذا الفصل تكون الفترة بين الشّروق والغروب متساوية تقريبًا في جميع أنحاء المعمورة أي من السّاعة السّادسة صباحاً حتّى السّاعة السّادسة مساءً. وليس الصّيام مفروضًا على الأطفال والمرضى والمسافرين والشّيوخ والعجزة والحوامل والمرضعات.



وقد ثبت أنّ مثل هذا الصّيام السّنوي المفروض بموجب الأحكام البهائيّة نافع صحيًّا. وحيث أنّ حقيقة الصّيام البهائيّ ليست في الإمساك عن الطّعام المادي بل في ذكر الله الّذي هو الطّعام الرّوحانيّ لذا فحقيقة الصّيام البهائيّ لا تقتصر على الامتناع عن الطّعام المادي الّذي يساعد على تطهير الجسد ولكنّه يوجّه النفوس إلى الانقطاع عمّا سوى الله فيقول عبدالبهاء ما ترجمته:-



"الصّيام رمز. الصّيام يعني الامتناع عن الشّهوات. الصّيام المادي رمز عن ذلك الامتناع وشيء يذكّر الصّائم به. بمعنى أنّ الإنسان عندما يمتنع عن الشّهوات الماديّة عليه أنْ يمتنعَ عن الشّهوات النفسيّة والنّزوات، لكنْ مجرّد الامتناع عن الطّعام لا تأثير له على الرّوح بل إنّه مجرّد رمز وشيء يذكر. وبدون هذا لا أهميّة له. فالصّيام لهذا الهدف لا يعني الامتناع التّام عن الطّعام. بل القاعدة الذّهبيّة الخاصّة بالطّعام هي أنْ لا يأكل المرء كثيرًا ولا


يأكل قليلاً. فالاعتدال ضروريّ. وهناك في الهند طائفة تمسك عن الطّعام أقصى إمساك وتقلّل طعامها تدريجيًّا إلى أنْ تصلَ بالعيش على لا شيء تقريبًا، وهذا يؤثّر كثيرًا على ذكائها. ولنْ يكونَ المرء أهلاً لخدمة الله بعقل ضعيف وجسد ضعيف قد أضعفهما الامتناع عن الطّعام فصار لا يستطيع رؤية الأمور رؤية واضحة"([7]).



الاجتماعات البهائيّة



يعلّق عبدالبهاء أعظم الأهميّة على اجتماعات المؤمنين الدّوريّة المنتظمة من أجل العبادة ومن أجل دراسة التّعاليم وعرضها على بساط البحث ومن أجل المشاورة بخصوص تقدّم الدّعوة. فيقول في أحد ألواحه ما ترجمته:-



لقد شاءت الإرادة الإلهيّة أنْ يزداد الاتّحاد والوفاق بين الأحباء وإماء الرّحمن يومًا فيومًا، وما لم يتحقّق هذا لن يتقدّم أيّ عمل بأيّ شكل من الأشكال. وإنّ أعظم وسائل الاتّحاد والاتّفاق هي الاجتماعات الرّوحانيّة، وهذا أمر مهم جدًّا وهو مغناطيس التّأييدات الإلهيّة"([8]).



وفي اجتماعات البهائيّين الرّوحانيّة يجب تجنّب المجادلات الّتي تؤدّي إلى المنازعات وتجنّب البحث في الشّؤون السّياسيّة والماديّة فالهدف الوحيد للمؤمنين يجب أنْ يكونَ تعلّم الحقيقة الإلهيّة وتبليغها وامتلاء قلوبهم بمحبّة الله وانقيادهم التّام لإرادة الله


وإعزازهم مجيء ملكوت الله وترويجهم له. فيقول عبدالبهاء في خطاب ألقاه في نيويورك سنة 1912 ما ترجمته:-



"يجب أنْ يكونَ الاجتماع البهائيّ مثالاً لاجتماعات الملأ الأعلى ومستنيرًا من أنوار الملأ الأعلى. ويجب أنْ تكونَ القلوب صافية صفاء المرايا حتّى تسطع فيها أنوار شمس الحقيقة، ويكونَ كلّ قلب مركزًا للاتّصال التلغرافيّ فتكون نهاية السّلك في القلب ونهايته الأخرى في الملأ الأعلى، فيستمرّ الاتّصال بين الطّرفين، وبهذه الوسيلة تتموّج إلهامات الملكوت الإلهيّ تموّجًا شديدًا وتحصل الألفة في جميع المباحثات... وكلّما ازدادت الألفة والاتّحاد والمحبة بينكم ازدادت التّوفيقات الإلهيّة فيكم، ونصرتكم تأييدات الجمال المبارك وأعانتكم توفيقاته".



ويقول في أحد ألواحه ما ترجمته:-



"في هذه الاجتماعات يجب الابتعاد ابتعادًا تامًّا عن الأحاديث الخارجيّة، ويجب اقتصارها على تلاوة الآيات وترتيل المناجاة والمذاكرة في الشّؤون الّتي تختصّ بأمر الله – مثل إقامة البراهين والإتيان بالحجج والأدلّة الواضحة السّاطعة والتّمعن في ألواح محبوب العالمين. ويجب على الحاضرين في الاجتماع قبل دخولهم أنْ يتزيّنوا برداء التّقديس والتّنزيه ويتوجّهوا إلى الملكوت الأبهى، ثم يدخلوا الاجتماع بمنتهى التّواضع والخشوع. وحين تلاوة الألواح يكونون هادئين صامتين وإذا أرادوا الكلام فعليهم بيان ما يريدونه بمنتهى الأدب على أنْ يتمَّ ذلك أيضًا برضاء


الحاضرين وإذنهم، وبغاية الفصاحة والبلاغة".



الضّيافة التّسع عشريّة



بتطوّرالنّظام الإداريّ البهائيّ منذ صعود عبدالبهاء أصبحت الضّيافة التّسع عشريّة الّتي يُحتفل بها في اليوم الأوّل من كلّ شهر بهائيّ ذات أهميّة خاصّة جدًّا، فلم يقتصر الأمر فيها على ترتيل المناجاة وتلاوة الآيات من الكتب المقدّسة من قِبَلْ المجموع، بل تجري المشاورة العامّة من قِبَل الجامعة البهائيّة في الضّيافة التّسع عشريّة حول الشّؤون البهائيّة الجارية ويتجلّى تآلف المؤمنين وارتباطهم ببعضهم. وهذا العيد هو الفرصة المناسبة الّتي فيها يقدّم المحفل الرّوحانيّ إلى الجامعة البهائيّة في الضّيافة التّسع عشريّة تقاريره، ويدعوهم فيها إلى بحث المشاريع الّتي رسمها وإلى تقديم مقترحاتهم حول الأخذ بأساليب جديدة أنسب في خدمة الأمر.



مشرق الأذكار



ترك بهاءالله لأحبّائه إرشادات ينفّذونها من بعده ببنائهم هياكل للعبادة في كلّ قطر ومدينة سمّاها باسم "مشارق الأذكار" أيْ الهياكل الّتي فيها يتعالى ذكر الله وثناؤه. ويكون بناء مشرق الأذكار متّسع الأضلاع تعلوه قبّة، ويكون تصميمه جميلاً وبناؤه آية في الفن على قدر الإمكان، ويرتفع وسط حديقة واسعة تزدان بالأشجار الباسقة والأزهار البديعة والفوّارات المائيّة، محاطًا بعدد من الأبنية الملحقة به والمخصّصة لشؤون التّربية والخدمات الاجتماعيّة والأعمال الخيريّة، لتقترن عبادة الله دومًا في هذا الهيكل


بمباهج عالم الطّبيعة وبجمال الفن وبالعمل الجدي الفعّال من أجل تحسين الظّروف الاجتماعيّة البشريّة وإصلاحها([9]).



وقد مُنِع البهائيّون في إيران حتّى الوقت الحاضر عن بناء هياكل للعبادة العامّة لهم، فبنوا أوّل مشرق للأذكار في مدينة عشق آباد الرّوسيّة([10]).



وقد بارك عبدالبهاء خلال زيارته أمريكا سنة 1912 موقع مشرق الأذكار الثّاني في العالم على ضفاف بحيرة مشيغن الواقعة على بعد بضعة أميال شماليّ شيكاغو بوضعه الحجر الأساسي([11]).



ويشير عبدالبهاء إلى "أم معابد الغرب" هذا (مشرق أذكار شيكاغو) في لوحه التّالية ترجمته:-



"الحمد لله إذ ترسل في هذه الأيام تبرّعات من كلّ بلد في العالم


لصندوق مشرق الأذكار في أمريكا... ومنذ آدم إلى يومنا هذا لم يرَ العالم إعانات ترسل من بلاد آسيا البعيدة إلى أمريكا، وليس ذلك إلا من قدرة الميثاق الإلهيّ، فتعجّبوا من ذلك يا أولي الألباب. وأملي أنْ يُظهرَ أحبّاء الله قدرتهم ويتداركوا مبلغًا عظيمًا لهذا البناء... والأمر متروك للأشخاص فيما يتبرّعون. فلو أراد إنسان أنْ يصرفَ تبرّعاته على أمر آخر فهو مختار، والاعتراض عليه باطل. ولكنّكم اعلموا يقينًا أنّ أهم الأمور في الوقت الحاضر هو بناء مشرق الأذكار...



"إنّ سرّ هذا الصّرح سرّ عظيم لا يمكن الآن كشفه، لكنّ تشييده اليوم عمل في منتهى الأهميّة. وتُلحق بمشرق الأذكار أبنية فرعيّة مخصّصة له تعتبر متمّمات له وهي مدرسة أيتام ومستشفى فقراء وصيدليّة ودار عجزة وجامعة علوم وآداب ودار ضيافة. ويجب أنْ يؤسّسَ في كلّ مدينة مشرق للأذكار عظيم على هذا النّمط. وتتلى المناجاة في مشرق الأذكار صباح كلّ يوم، ولا يكون فيه أورغن. وتقام في الأبنية المجاورة لمشرق الأذكار الأعياد والاجتماعات الدّينيّة والمؤتمرات والاجتماعات العامّة والاحتفالات الرّوحانيّة. أمّا تلاوة المناجاة وترتيل الآيات بأبدع الألحان فيكون في مشرق الأذكار ذاته بدون مصاحبة آلات موسيقيّة. افتحوا أبواب هذا المعبد لجميع الخلق.



"وعندما يتمّ بناء هذه المؤسّسات الملحقة أيْ الكلّية والمستشفى ودار الضّيافة ودار العجزة وجامعة العلوم والفنون الّتي تتمّ فيها دراسات جامعيّة عليا وبقيّة أبنيتها الخيريّة الأخرى ستفتح أبوابها


لجميع الأمم والأديان فإنّها لا تختصّ بأمّة دون الأخرى وستكون هذه الأعمال الخيريّة للجميع دون أيّ اعتبار إلى الوطن أو اللّون أو العِرق وستكون أبوابها مفتوحة على مصاريعها لكافّة الجنس البشريّ فلا تعصّب تجاه أحد بل محبّة في محبّة نحو الجميع. وتكون العمارة الوسطى مكانًا مخصّصًا للمناجاة والعبادة. وهذه بداية اتّفاق توأميّ الدّين والعلم، وهذه بداية خدمة العلم للدّين، وبداية تجلّي الفيوضات الرّوحانيّة والجسمانيّة على النّوع الإنسانيّ".



الحياة بعد الموت



يخبرنا بهاءالله أنّ حياة الجسد هي المرحلة الأولى الجنينيّة من مراحل وجودنا وأنّ النّجاة من الجسد يشبه الولادة الجديدة الّتي بها تدخل الرّوح الإنسانيّة إلى حياة أتمّ كمالاً وأوسع حرّية، فيقول بالنّص:-



"اعلم أنّه (الرّوح) يصعد حين ارتقائه إلى أنْ يحضر بين يديّ الله في هيكل لا تغيّره القرون والإعصار ولا حوادث العالم وما يظهر فيه، ويكون باقيًا بدوام ملكوت الله وسلطانه وجبروته واقتداره، ومنه تظهر آثار الله وصفاته وعناية الله وألطافه... وتدخله يد الفضل إلى مقام لا يعرف بالبيان ولا يذكر بما في الإمكان. طوبى لروح خرج من البدن مقدّسًا عن شبهات الأمم، إنّه يتحرك في هواء إرادة ربّه، ويدخل في الجّنة العليا، وتطوف به طلعات الفردوس الأعلى، ويعاشر مع أنبياء الله وأوليائه، ويتكلّم معهم، ويقصّ لهم ما ورد عليه في سبيل الله ربّ العالمين. لو يطّلع أحد على ما قدّر له في عوالم الله ربّ العرش والثّرى، ليشتعل في الحين اشتياقًا


لذاك المقام الأمنع الأرفع الأقدس الأبهى" ثمّ يقول ما تلي ترجمته:-



"وأمّا ما سألت عن كيفيّة ذلك (يعني حالة الرّوح بعد الموت)، فاعلم أنّه لا يوصف ولا ينبغي أنْ يذكرَ إلاّ على قدر معلوم. ولقد جاء الأنبياء والمرسلون لمجرّد هداية الخلق إلى الصّراط المستقيم ومقصودهم من مجيئهم تربية العباد... لعمر الله إنّ إشراقات تلك الأرواح هي سبب ترقيات العالم وارتفاع مقامات الأمم،... وليس هناك شيء من الأشياء من دون أنْ تكونَ لوجوده علّة وسبب وبداية. ولقد كان السّبب الأعظم في وجود الأشياء هو تلك الأرواح المجرّدة وسيبقون السّبب لوجودها إلى الأبد. وإنّ الفرق بين هذا العالم والعالم الثّاني كالفرق بين عالم الجنين وعالمنا الحاضر"([12]).



وكتب عبدالبهاء ما يشابه ذلك فقال ما ترجمته:



"إنّ الأسرار والأمور الّتي لا يعلمها الإنسان في هذا العالم التّرابي تنكشف له في عالم الملكوت، ويطّلع على أسرار الحقيقة. ومن البديهيّ أنّه سيعرف هناك النّفوس الّتي كان يعاشرها ويأنس بها. ولا شك أنّ النّفوس المقدّسة بعيونها الطّاهرة وببصيرتها النّيرة هي بفضل العنايات الإلهيّة مكمن الأسرار في ملكوت الأنوار ولها نصيب وفيض من موهبة مشاهدة الحقيقة في كلّ نفس من الأخيار، وتحظى في ذلك العالم بالابتهاج بلقاء الله عيانًا واضحًا، وتجد جميع أحباء الله القدامى والجديدين حاضرين في ذلك المجمع


السماوي. ولا شكّ أنّ الفروق والميّزات بين الأشخاص تتجلّى بعد الصّعود من هذا العالم الفاني، وليست الميّزات هذه بالنّسبة للمكان بل بالنّسبة لعالم الرّوح والوجدان، لأنّ ملكوت الله مقدّس عن الزّمان والمكان، وهو عالم غير هذا العالم ودنيا غير هذه الدّنيا. واعلم يقينًا أنّ أحباء الله في العوالم الإلهيّة يعرف بعضهم بعضًا، ويأنس بعضهم إلى بعض، ولكنّ أنسهم هناك روحانيّ، وكذلك لو أحبّ إنسان إنساناً آخر في هذا العالم فإنّهما لن ينسيا بعضهما في عالم الملكوت وحتّى أيضًا لا ينسيان هناك الحياة الّتي كانت لهما في هذا العالم"([13]).

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الجّنة والنّار



يعتبر بهاءالله وعبدالبهاء أوصاف الجّنة والنّار الواردة في الكتب المقدّسة رموزًا وليست حرفيّة في معناها ومن ذلك قصّة الخليقة الواردة في التّوراة. وهما يريان أنّ الجّنة هي حال الكمالات وأنّ النّار هي حال النّقائص. ويريان أنّ الجّنة هي الوفاق مع إرادة الله ومع إرادة إخواننا وأنّ الجّحيم هي فقدان هذا الوفاق وأنّ الجّنة هي حال الحياة الرّوحانيّة والجّحيم هي حال الموت الرّوحانيّ. وقد يدخل الإنسان الجّنة أو يدخل النّار وهو لا يزال في هذا الجسد. وأنّ مباهج الجّنة مباهج روحانيّة. وتنشأ آلام الجّحيم عن الحرمان من هذه المباهج. فيقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات ما ترجمته:


"وعندما ينجون من ظلمات هذه الرّذائل بنور الإيمان ويتنوّرون بإشراق شمس الحقيقة عليهم ويتشرّفون بجميع الفضائل فإنّهم يعتبرون ذلك أعظم المكافآت ويرونه الجنّة الحقيقيّة. وكذلك المجازات المعنويّة أي العذاب والعقاب الوجودي فإنّه الابتلاء بعالم الطّبيعة والاحتجاب عن الحق والجهل والانحطاط والانهماك في الشّهوات النّفسانيّة والابتلاء بالرّذائل الحيوانيّة والاتّصاف بالصّفات الظّلمانيّة... وهم يرون هذا أعظم العقوبات وأشدّ العذاب...



"والمكافأة الأُخْرَوِيّة هي الكمالات والنّعم الّتي يحصل عليها الإنسان في العوالم الرّوحانيّة بعد العروج من هذا العالم... وهذه المكافأة الأُخْرَوِيّة هي نِعَمْ وألطاف روحانيّة وأنواع النّعم الرّوحانيّة في الملكوت الإلهيّ وهي الحصول على ما يتمنّاه القلب والرّوح والفوز بلقاء الرّحمن في العالم الأبدي وكذلك المجازاة الأُخْرَوِيّة أي عذاب الآخرة هو الحرمان من العنايات الإلهيّة الخاصّة والمواهب الحتميّة والسّقوط في أسفل دركات الوجود، وكلّ إنسان حُرم من هذه الألطاف الإلهيّة فهو محسوب لدى أهل الحقيقة في عِداد الأموات...



"أمّا الغنى والثّروة في ذلك العالم فهي التّقرب إلى الله وفي هذه الحالة لا شكّ أنّ المقرّبين لدى العتبة الإلهيّة تكون شفاعتهم مقبولة عند الحق...



"حتّى إنّ الّذين ماتوا مذنبين وغير مؤمنين ربّما يتغيّرون حين يشملهم العفو والغفران وذلك فضل إلهيّ لا عدل لأنّ الفضل هو


الإعطاء من دون استحقاق والعدل هو الإعطاء بالاستحقاق. ونحن في هذا العالم نملك القوّة على الدّعاء لهم بالخير وكذلك في العالم الثّاني سنملك نفس هذه القوّة ...



"إذن فالنّاس يستطيعون أنْ يرتقوا في العالم الثّاني أيضًا وكذلك يستطيعون في هذا العالم اقتباس الأنوار عن طريق التّضرع. كما يستطيعون هناك عن طريق التّضرع طلب الغفران ويلتمسون اقتباس الأنوار...



"إنّ الارتقاء في الكمالات لا الارتقاء في الرّتبة ممكن يسير قبل خلع هذا القالب العنصري وبعد خلعه... فترون أنّه ليس هناك كائن أعلى من الإنسان الكامل لكنّ الإنسان الّذي يبلغ رتبة الإنسانيّة له بعد هذا ارتقاء في الكمالات لا ارتقاء في الرّتبة، لأنّه لا وجود لرتبة أعلى من رتبة الإنسان الكامل حتّى ينتقل الإنسان إليها. فهو يرتقي في رتبة الإنسانيّة فقط لأنّ الكمالات الإنسانيّة غير متناهية. فمثلاً مهما كان الإنسان عالمًا فإنّه يمكننا أنْ نتصوّر وجود إنسان أعلى منه علمًا. وحيث أنّ الكمالات الإنسانيّة غير متناهية إذن فيمكن بعد الصّعود من هذا العالم الوصول إلى تَرقِّّيات أخرى في الكمالات".



الوَحْدَة بين عالم الدّنيا وعالم الآخرة



إنّ وَحْدَة العالم الإنسانيّ الّتي علّمنا إيّاها بهاءالله لا تشير إلى وحدة الأحياء الموجودين في الجّسد فحسب بل تشير إلى وحدة جميع الكائنات البشريّة الّتي في الجّسد والّتي خرجت عن الجّسد. فليس الأحياء الموجودين على الأرض وحدهم بمثابة أجزاء في




جسم واحد بل جميع الّذين في العالم الثّاني أجزاء في الجسم ذاته. وهذان الجزءان يعتمد أحدهما على الآخر اعتمادًا وثيقًا. وإنّ الاتّصال الرّوحانيّ بين الإثنين فضلاً عن كونه غير مستحيل فإنّه مستمر ولا مفرّ من وجوده.

"وأولئك الّذين لم تتطوّر ملَكَاتهم تطوّرًا كافيًا لا يشعرون بوجود هذا الارتباط الحيويّ، ولكنّ الّذين تطوّرت ملَكاتهم يشعرون بوضوح وبشكل ثابت محدّد بالارتباط الكائن بيننا وبين الّذين هم وراء السّتار. وهذا الاتّصال الرّوحانيّ مألوف وواقعيّ لدى الأنبياء والقدّيسين كما نجد الرّؤيا مألوفة لدى بقيّة البشر. ويقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-



[size=21] "فرؤيا الأنبياء ليست أحلام نوم بل اكتشافات روحانيّة لها حقيقة. مثلاً يقول: "رأيت شخصًا في صورة كذا وقلت له كذا فأجاب بكذا" فهذه الرّؤيا في عالم اليَقَظة لا النّوم، وهي اكتشافات روحانيّة... والإدراكات الرّوحانيّة والمكاشفات الوجدانيّة لدى الرّوحانيّين لها اتّحاد مقدّس عن الوهم والقياس... ولها أُلْفة منزّهة عن الزّمان والمكان. مثلاً مذكور في الإنجيل: "إنّ موسى وإيليا أتيا عند المسيح في جبل طابور" فمن الواضح أنّ هذه الألفة لم تكن جسمانيّة بل كانت كيفيّة روحانيّة عبّر عنها بالملاقاة... والرّؤيا المذكورة في الكتاب المقدّس كرؤيا يوحنا وأشعيا وكملاقاة المسيح مع موسى وإيليا فهذه لها حقيقة ولها آثار عجيبة في العقول والأفكار، وانجذابات عظيمة في القلوب"
([14]).




وبينما يعترف عبدالبهاء بوجود هذه المَلَكات من الحسّ الرّوحانيّ الخارقة للعادة، فإنّه ينَدّد بالمحاولات الّتي تهدف إلى تطويرها قبل أوانها. لأنّ هذه المَلَكات ستكشف عن نفسها بصورة اعتياديّة حين يأتي الوقت المناسب لكشفها، لو أنّنا سرنا في الطّريق الرّوحانيّ الّذي رسمه لنا الرّسل. فيقول عبدالبهاء ما ترجمته:-



"إنّ التّأثير على القوى الرّوحانيّة حين وجودها في هذا العالم يؤثّر على حالة الأرواح في العالم الثّاني. فهذه القوى حقيقة ولكنّها في الحالات الاعتياديّة غير فعّالة على سطح الكرة الأرضيّة. فللطّفل في رحم أمّه عيون وآذان وأيدي وأقدام... إلخ ولكنّها في حالة سكون لا فعاليّة لها والمقصد الكلّي من الحياة على هذا العالم المادي هو الدّخول إلى عالم الحقيقة حيث ستبدأ تلك القوى الرّوحانيّة فعاليّتها([15]) لأنّ هذه القوى مختصّة بذلك




العالم"([16]).



"أمّا الاتّصال بأرواح الّذين صعدوا من هذا العالم فينبغي أنْ لا نلتمسه من أجل مجرّد الاتّصال ولا من أجل إرضاء حب الاستطلاع والفضول في أنفسنا، لأنّ من واجب بل من دواعي فخر أولئك الّذين هم خلف السّتار الآن أنْ يساعدوا الّذين هم على الجانب الآخر منه في هذا العالم وأنْ يحبوهم وأنْ يتضرّعوا من أجلهم. والدّعاء لأرواح الموتى واجب على البهائيّين. فيقول عبدالبهاء لأحد الزّائرين سنة 1904 ما ترجمته:-



"إنّ موهبة الشّفاعة الفعّالة هي من الكمالات الّتي تختصّ بالأرواح العليا كما تختصّ بالمظاهر المقدّسة الإلهيّة أيضًا فالسّيد المسيح كانت له قوّة الشّفاعة لغفران أعدائه وهم على الأرض ولا يزال مالكًا لهذه القوّة حتّى الآن. ولم يذكر عبدالبهاء اسم أحد المتصاعدين دون أنْ يقولَ (رحمه الله!) أو ما يشابه ذلك من الكلمات. ويملك أتباع الرّسل قوّة لمساعدة الأرواح المتصاعدة لنيل الغفران عن طريق الدّعاء، ولهذا يجب أنْ لا نظن أنّ بعض الأرواح قد قضي عليها بالرّكود لعدم تحمّلها الآلام أو بالخسران النّاتج عن عدم عرفانها الله، لأنّها ما زالت تملك دائمًا قوّة الاتّصال




والارتباط الفعّال بعالم الأرواح...



"والأغنياء في العالم الثّاني يستطيعون أنْ يساعدوا الفقراء فيهم كما يستطيع الأغنياء في هذا العالم مساعدة الفقراء فيهم. فالكلّ عبيد الله وفي كلّ عالم من عوالمه، كلّهم فقراء إليه وليسوا أغنياء عنه ولا يستطيعون أنْ يكونوا عنه أغنياء. وحيث أنّهم فقراء إلى الله فكلّما ازدادوا ابتهالاً إليه ازدادوا غنى منه. فما هي بضاعتهم؟ وما هي ثروتهم؟ وما هي المساعدة والمعونة في العالم الثّاني؟ إنّها الشّفاعة لا غير. وعلى الأرواح القاصرة في تطوّرها أنْ تلتمس الرّقي عن طريق توسّلات الأغنياء روحانيًّا من أجلها وعن طريق ابتهالهم لرقيّها، وبعد ذلك تستطيع هي الارتقاء بنفسها عن طريق ابتهالاتها الذّاتيّة لنفسها".



ويقول عبدالبهاء مرّة أخرى:-



"أولئك الّذين صعدوا إلى العالم الآخر لهم صفات تختلف عن صفات الّذين لا يزالون على الأرض، إلاّ أنّها صفات لا علم لأهل هذا العالم بها. ومع ذلك فلا انفصال حقيقيًا بينهما. وتمتزج الحالتان عن طريق الدّعاء، فادعوا لهم كما يدعون لكم"([17]).



ولما سُئل عبدالبهاء عمّا إذا كان بإمكاننا عن طريق إيماننا ومحبّتنا أنْ نبلّغَ الّذين صعدوا قبل سماعهم بالظّهور الجديد، أجاب:-



"نَعَمْ، لا شكّ في ذلك، حيث أنّ الدّعاء المخلص له تأثيراته وله نفوذه في العالم الثّاني. ولسنا نحن بمقطوعين عن الّذين هم




هناك. هذا وإنّ النّفوذ الحقيقي الأساسي هو في ذلك العالم وليس في هذا العالم"([18]).



كما كتب بهاءالله في أحد ألواحه بالنّص:-



"والّذي عمل بما أمر به يُصليَنّ عليه الملأ الأعلى والجنّة العليا وأهل خباء العظمة بأمر الله العزيز الحميد".



ولمّا سُئل عبدالبهاء: "ماذا يحدث فيتوجّه القلب غالبًا تلبية لنداء باطنيّ فينا نحو حبيب لنا صعد إلى العالم الثّاني؟" أجاب:-



"يقضي قانون الخَلْق الإلهيّ أنْ يركنَ الضّعيف إلى القوي ويتّكئ عليه. وأولئك الّذين تتوجّهون إليهم قد يكونون الوسيط الّذي عن طريقه يأتيكم التّأييد الإلهيّ والقوّة الرّبانيّة، ويحدث هذا أيضًا حينما يكون أولئك على الأرض معكم، ولكنّ الّذي يهب القوّة لجميع الخَلْق هو الرّوح القدس وحده"([19]).



انعدام الشّر



طبقًا للفلسفة البهائيّة، ينحدر من قانون وحدانيّة الله أنّه ليس هناك شيء يسمّى الشّر، بل هناك واحد أحد هو الله تعالى. ولو كانت هناك أيّة قوّة أخرى في الكون تخالف قوّة الله فلن يعود تعالى ليوصف بالواحد الأحد. وكما أنّ الظّلام هو فقدان النّور أو قلّته فكذلك الشّر هو فقدان الخير أو قلّته. والرّجل الشّرير هو رجل لا يزال جانب كبير من طبيعته ناقصًا في نموّه. فإذا كان أنانيًّا فليس




الشّر في حبّه لِذَاته، لأنّ كلّ أنواع الحب خير ومن عند الله حتّى حبّ الذّات، ولكنّ الشّر يكمن في أنّ هذا الرّجل يمتلك نوعًا هزيلاً من الحب غير لائق وغير موجّه توجيهًا صحيحًا وينقصه حبّ الآخرين وحبّ الله، فهو يرى نفسه وكأنّه نوع ممتاز من أنواع الحَيْوانات، فيدلّل طبيعته المنحطّة دلالاً أرعن كما يدلّل كلبه، ولكنّ نتائج تدليله لطبيعته أسوأ من نتائج تدليله لكلبه.



وكتب عبدالبهاء في إحدى رسائله ما ترجمته:-



"لقد ذكرت أنّ عبدالبهاء قال إلى بعض الأحباء: "إنّ الشّر لا وجود له أبدًا". الواقع أنّني قلت هذا. ومقصودي أنّ الشّر عبارة عن العدم. هذا هو الحق. كما أنّه ليس هناك شر أعظم للإنسان من ضلالته واحتجابه عن الحق. فالضّلالة هي عدم الهداية، والظّلمة هي عدم النّور، والجّهل هو عدم العلم. والكذب هو عدم الصّدق، والعمى هو عدم الإبصار، والصّمم هو عدم السّمع. فالضّلالة والعمى والصّمم والجّهل كلّها أشياء معدومة".



وكذلك يقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-



"ليس في الفطرة شر بل كلّها خير، حتّى الصّفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتيّة البعض من النّوع الإنسانيّ فإنّها في الحقيقة ليست بمذمومة. مثلاً: يلاحظ في بداية حياة الطّفل الّذي يرضع من الثّدي أنّ آثار الحرص بادية منه، كما يشاهد منه أيضًا آثار الغضب والقهر. وإذا يقال: "إنّ الحُسن والقبح كليهما فطريّ في الحقيقة الإنسانيّة، وهذا مناف للخير المطلق الّذي هو في الخلقة والفطرة" فالجواب أنّ الحرص الّذي هو طلب الزّيادة صفة




ممدوحة لو استعملت في موضعها. فمثلاً: لو أنّ الإنسان يحرص على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أنْ يكونَ رحيمًا ذا مروءة وعدالة، فإنّ ذلك ممدوح جدًّا. ولو يغضب على الظّالمين والسّفّاكين للدماء الّذين هم كالسّباع الضّارية ويقهرهم، فذلك ممدوح جدًّا. ولكنّ هذه الصّفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة. إذًا صار من المعلوم أنّه لا يوجد في الفطرة شر أبدًا. أمّا لو تستعمل أخلاق الإنسان الفطريّة في المواقع غير المشروعة فذلك مذموم"([20]).



إنّ الشّر هو دومًا نقص في الحياة. فلو تطوّر الجانب المنحطّ من طبيعة الإنسان تطوّرًا غير متناسب فالعلاج لا يكون في إعطاء حياة أقل لذلك الجانب بل العلاج يكون بإعطاء حياة أكبر للجانب الأسمى الّذي لم يتطوّر من طبيعة الإنسان، فيتعادل التّوازن. وقد قال السّيد المسيح: "وأمّا أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل"([21]) وهذا ما نحتاجه جميعًا: إلى الحياة، حياة أفضل، إلى تلك الحياة الّتي هي الحياة الحقيقيّة! وتطابق رسالة بهاءالله في هذا الموضوع رسالة السّيد المسيح، فيقول في لوح الرّئيس:



"قل قد جاء الغلام ليحيي العالم"، ويقول مخاطبًا أحباءه في اللّوح الّذي أرسله إلى البابا: "تعالوا لنجعلكم علّة حياة العالم".







([1]) سورة الحديد: 26.


([2]) المكاتيب، الطبعة الانجليزية – ج3 ص 563.


([3]) المكاتيب – الطبعة الانجليزية ج2 ص 325.


([4]) تشرف على إجراء عقد الزواج البهائيّ هيئة المحفل الرّوحانيّ المحلي في الأمكنة التي تحت نطاق إدارتها ويقدم العريس إلى العروس المهر البهائيّ المعين في الكتاب الأقدس وتتلى بعض الألواح والمناجاة من دون تعيين ومن دون طقس خاص.


([5]) مترجم من لوح إلى أحد الأحباء في أمريكا.


([6]) يصادف مولد عبدالبهاء.


([7]) مترجم عما كتبته المس استيفينز في مجلة الأسبوعين حزيران (يونيو) 1911.


([8]) المكاتيب – الطبعة الانجليزية – ج1 ص 125.


([9]) يحضرني بمناسبة ذكر مشرق الأذكار قول الشاعر الإنجليزي "تينيسون" أبياته التّالية من قصيدة "رؤيا الأمير أكبر" التي كتبها سنة 1892 وترجمتها:-

"حلمت بأنني شيّدت معبدًا مقدسًا حجرًا على حجر – معبدًا لا هو بمسجد ولا هو بكنيسة ولا هو بمعبد هندي ولكنه أعظم سموًا وبساطة، ومفتوحة أبوابه دومًا لكل نسمة من نسمات السماء. وقد جاءت الحقيقة والسلام والحب والعدل إلى هذا المعبد وسكنت فيه".


([10]) إن أول مشارق الأذكار الذي بني في عشق آباد قد تصدع في زلزال عام 1948 ووجب هدمه في السنوات التالية لذلك.


([11]) لقد تم بناؤه سنة 1953 ومنذ تلك السنة حتى اليوم بنيت مشارق أذكار أخرى في كمبالا بأوغنده وفي سدني بأستراليا وفي فرنكفورت بألمانيا وفي بنما في جمهورية بنما. وقد اقتنى البهائيّون بقاعًا لتشاد عليها مشارق أذكار أخرى في أكثر من 50 قطرًا "انظر ملحق هذا الكتاب".


([12]) مجموعة الألواح المباركة – الصفحة 163 – طبعة القاهرة.


([13]) المكاتيب – الطبعة الانجليزية – ج1 ص 204.


([14]) المفاوضات، الترجمة العربية – الصفحات 227 – 229.


([15]) وقد تحدث عبدالبهاء في نيويورك في 6 يوليو- تموز 1912 بحديث فذ فريد من نوعه حول هذا الموضوع فقال: "والإنسان في بدء حياته كان في عالم الرحم. وفي عالم الرحم حصل على القوى التي يحتاج إليها في هذا العالم. ففي عالم الرحم حصل على العين التي يحتاج إليها في هذا العالم، وفي عالم الرحم حصل على الأذن التي يحتاج إليها في هذا العالم، وفي عالم الرحم حصل على جميع القوى التي يحتاج إليها في هذا العالم. إذن فكذلك يجب عليه أن يهيئ لنفسه في هذا العالم ما يحتاج إليه في العالم الآخر.

"فكما أنّه حصل في عالم الرحم على القوى التي يحتاج إليها في هذا العالم، فكذلك يجب عليه أن يحصل في هذا العالم على كل ما يحتاج إليه في عالم الملكوت أي على جميع القوى الملكوتية.

"ويجب عليه أن يكتسب هذه القوى الرحمانية بأعلى درجات كمالها وهي:- =


= أولاً معرفة الله وثانيًا محبة الله وثالثًا الإيمان ورابعًا الأعمال الخيريّة وخامسًا التّضحية وسادسًا الانقطاع وسابعًا العفّة والتّقديس. وما لم يحصل على هذه القوى وهذه الأمور فلا شك أنّه سيحرم من الحياة الأبدية (نقلا عن خطابات عبدالبهاء الصفحات 329 – 331) طبع بيروت 1972.

([16]) من مذكرات المس باكتون التي راجعها عبدالبهاء.


([17]) مترجم عن "كتاب عبدالبهاء في لندن" الصفحة 97.


([18]) مترجم من مذكرات ماري هانفورد فورد: باريس سنة 1911.


([19]) مترجم عن "كتاب عبدالبهاء في لندن" الصفحة 97.


([20]) المفاوضات – الترجمة العربية – الصفحة 193.


([21]) يوحنا (10 : 10).



[/size]

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الثّاني عشر

الدّين والعلم



"قال الإمام عليّ بن أبي طالب صهر رسول الله أنّ كلّ مسألة تتّفق مع العلم يجب أن تتّفق مع الدّين أيضًا، وكل ما لا يدركه العقل يجب أن لا يقبله الدّين. فالدّين والعلم توأمان، وإنّ كلّ دين يخالف العلم ليس بدينٍ صحيح".
(من خطابات عبدالبهاء فى باريس)




النزّاع بين العلم والدّين منشأه الخطأ في الفهم



إنّ أحد تعاليم بهاءالله الأساسيّة هو أنّ العلم الحقيقيّ والدّين الحقيقيّ يجب أن يكونا دائمًا على وفاق تامّ، فالحقيقة واحدة وكلّما ظهر نزاع فسببه الخطأ فى الفهم لا الحقيقة. ولطالما كان هناك نزاع بين ما يسمّى العلم وما يسمّى الدّين على مدى العصور. ولكنّنا إذا نظرنا إلى ذلك النّزاع تحت ضوء الحقيقة الكاملة استطعنا أن نقتفي الأثر الذى يدلّنا إلى أنّ سببه الجهل أو التعصّب أو التّظاهر أو الطّمع أو ضيق النّظر أو عدم التّسامح أو العناد أو ما شابه ذلك من الأسباب الّتي هي خارجة عن الرّوح الحقيقيّة للدّين والعلم كليهما، لأنّ روحيهما واحد. فيخبرنا العالم هكسلي: "إنّ


أعمال الفلاسفة هي ثمار توجيه دينيّ بارز فيهم قبل أن تكون ثمار عقولهم. وقد سلّمت الحقيقة قيادها إلى صبرهم وإلى حبّهم وإلى سلامة نواياهم وإلى نكرانهم ذواتهم قبل أن تسلّمه إلى براعة منطقهم" وكذلك يؤكّد العالم "بول" في الرّياضيّات: "إن الاستنتاج الهندسيّ في أساسه عمليّة مناجاة وابتهال من العقل المحدود إلى العقل اللاّمحدود التماسًا للنّور والهداية في مهامٍّ معيّنة".



ولم يندّد أحد من عظماء الرّسل بأحدٍ من عظماء العلماء والعكس بالعكس، لكن اتّباع هؤلاء المعلّمين ممّن لا يستحقّون الإحترام، بسبب تمسّكهم بحرفيّة تعاليمهم لا بروحها، قد اضّطهدوا الرسّل الحديثين، وقاوموا كلّ تقدمّ علميّ، وعادوه عداءً مرًّا، فقد درس هؤلاء الأتباع نور الدّين الذي اعتبروه مقدّسًا دراسةً دقيقةً جدًا، وحدّدوا خصائصه ومميّزاته كما تراءت لبصائرهم الضّيّقة، وتوصّلوا إلى أنّ ذلك هو النّور الحقيقيّ الوحيد. فإذا أرسل الله بفضله الّذي لا حدود له نورًا أكمل من أفق آخر واشتعل بذلك مشعل الديّن الإلهيّ فاشتعل اشتعالاً أشدّ سطوعًا من اشتعاله السّابق بيد حامل مشعل جديد، تراهم مذعورين حانقين بدلاً من أن يكونوا من المرحّبين بالنّور الجديد وبدلاً من تقديم شكرهم الجديد لذلك الأب السماويّ أب جميع الأنوار. ولمّا كان النّور الجديد لا يتّفق مع تحديداتهم، ولا يملك اللّون التّقليدي الّذي ألفوه، ولا يشرق من أفق تقليدي عرفوه، لهذا ينادون بإطفائه بأي ثمن كان لئلاّ يضّل النّاس فى فيافي البدع والضّلال حسب زعمهم. نعم إنّ الكثيرين من أعداء الرّسل هم على هذه الشّاكلة – قادة عمي


يقودون عميانًا ويقاومون الحقيقة الجديدة الكاملة في سبيل ما يعتقدونه الحقيقة الوحيدة. وهناك أتباع آخرون منحطّون تدفعهم أنانيّاتهم إلى محاربة الحقيقة وإلى قطع طريق التّقدم بسبب عماهم الرّوحانيّ وركودهم العقليّ.



اضطهاد الرسل



عند مجيء عظماء الرّسل كان النّاس يقاومونهم ويحتقرونهم. وكان الرّسل وأتباعهم الأوائل يولون ظهورهم إلى جلاّديهم ويضحّون بممتلكاتهم وبأرواحهم فى سبيل الله. ونجد في زماننا الّذي نعيش فيه مثل هذا. فمنذ سنة 1844 قتلت ألوف البابيّين والبهائيّين في إيران أبشع تقتيل من أجل تمسّكها بدينها، كما زجّ الكثيرون فى غياهب السّجون، وتعرّضوا إلى النّفي من موطنهم وإلى الإهانات وإلى الفقر. وهكذا كان تعميد أحدث الأديان العظيمة في حمّام من الدّم أكثر من تعميد أي دين سبقه، ولا يزال الاستشهاد مستمرًّا إلى يومنا هذا. وقد حدثت نفس هذه الأحداث لعظماء العلماء، فأحرق "جيرادو برونو" حيًّا سنة 1600 ميلاديّة بتهمة الكفر في تعليمه الناس أنّ الأرض تدور حول الشّمس. وبعد بضع سنين من ذلك أنكر العالم الشّهير الفيلسوف غاليلو نفس هذه النّظريّة جاثيًا على ركبتيه لينجو من ذلك المصير المحتوم. وفي أزمتنا الأخيرة تعرّض العالم دارون كما تعرّض روّاد علم الجيولوجيا الحديثة إلى هجمات لا ترحم، لأنهم تجرّؤوا على مخاصمة تعاليم الكتاب المقدّس في أنّ الخليقة تمّت في ستّة أيّام وقبل أقلّ من ستّة آلاف سنة! على أنّ مقاومة الحقائق العلميّة لم


تأت من جانب الكنيسة وحدها بل إنّ المتعصّبين في أفق العلم قاوموها كما قاومها المتعصّبون في أفق الدّين. فقد استهزأ العلماء الّذين عاصروا كولومبوس به وأثبتوا لأنفسهم في نشوة الفرح أنّ سفنه إذا نجحت في الوصول إلى نصف الكرة الأرضيّة المقابل لنصفنا يستحيل عليها أن تنتصب ولا تنقلب! والعالم كلفاني الرّائد في علم الكهرباء، قد سخر منه رفاقه العلماء وسمّوه "معلّم الرّقص للضّفادع". والعالم "هارفي" الذي اكتشف الدّورة الدّموية قد سخّفه إخوانه الأطبّاء، واضطهدوه من أجل كفره، وطردوه من كرسيّ التّدريس. وعندما اخترع ستيفنسين قاطرته البخاريّة، استمرّ العلماء الرّياضيّون فى أوروبا سنين عديدة إرضاءً لأنفسهم في إثبات أنّ القاطرة لا يمكنها أن تسحب أي حمل وهي فوق القضبان الحديديّة الملساء، لأنّ العجلات سوف تدور حول نفسها، ولا تتقدّم أيّة قاطرة في سيرها فوق القضبان. وكان الأجدر بهم أن يفتحوا عيونهم ويدرسوا الحقائق. وهناك أمثلة عديدة أخرى من التّاريخ القديم والحديث...



فجر الوفاق بين الدّين والعلم



حدث خلال نصف القرن الماضي تغيير على روح الأزمنة، وأشرق نور جديد من الحقيقة، فجعل مجادلات القرن الماضي شيئًا منسيًّا، فأين أولئك الّذين كانوا يتباهون بنظريّتهم المادّيّة وبعقائدهم الإلحاديّة، والذين كانوا قبل سنين قلائل يهدّدون بطرد الأديان في أنحاء العالم؟ وأين أولئك الواعظون الّذين كانوا يدينون من يخالف عقائدهم بنيران جهنم وعذاب الكافرين؟ فلا نزال نسمع


أصداء ضجيجهم، ولكن يومهم قد آل إلى الزّوال، وغدت عقائدهم من دون اعتبار، وصرنا نرى النّظريّات الّتي كان يدور حولها وطيس هذه المجادلات المريرة ليست من العلم الحقّ ولا من الدّين الحقّ في شيء. وأيّ واحد من العلماء في ضوء بحوث علم النّفس الحديث يستطيع أن يقول اليوم: "إنّ الدّماغ يفرز الأفكار كما يفرز الكبد الصّفراء؟" أو يقول بأن تفسّخ الجسد يقتضي أن يرافقه تفسّخ الرّوح؟ لقد صرنا اليوم نقول أنّ الفكر من أجل أن يكون في الواقع حرًّا طليقًا يجب أن يحوم في آفاق الظّواهر النّفسيّة والرّوحانيّة وأن لا يكون محدّدًا بحدود المادّة وحدها. وصرنا الآن ندرك أنّنا لا نعرف عن الطّبيعة إلاّ بقدر قطرة من محيط من المجاهيل الّتي يجب سبر غورها والإحاطة بها. وصرنا نعترف الآن اعترافا كاملاً بإمكان حدوث المعجزات وخوارق العادات لا بمعنى كسر قوانين الطّبيعة بل باعتبارها، حين حدوثها، مظاهر لقوى بارعة فعّالة لا تزال مجهولة لنا كما كانت القوّة الكهربائيّة والأشعّة السّينيّة مجهولة عند أسلافنا. ومن ذا الّذي يستطيع من المعلّمين الدّينيّين البارزين اليوم أن يصرّح بأنّ نجاتنا الرّوحانيّ يستلزم إيماننا بأنّ العالم قد خلق في ستة أيّام؟ أو أنّ وصف الطّاعون الّذي حلّ بمصر، كما جاء في سفر الخروج، وصف حرفيّ صحيح؟ أو أنّ الشّمس وقفت في السّماء (أي أنّ الأرض توقّفت عن الدّوران حول نفسها) لتسمح للنّبي هوشع بمطاردة أعدائه؟... إنّ أمثال هذه المعتقدات قد يجوز في المستقبل تكرّرها فى شكلها، ولكن من ذا الّذي يقبلها بدون تحفّظ باعتبارها حرفيّة في معناها؟ فقد زالت سيطرتها على


قلوب النّاس وعقولهم أو أنّها في طريق الزّوال. وإنّ عالم الدّين مدين بالشّكر إلى رجال العلم الّذين ساعدوا على تمزيق أمثال هذه العقائد البالية وسحق هذه المذاهب الباطلة والسّماح للحقيقة أن تخطو إلى عرصة الشّهود بكلّ حرّية وانطلاق. لكنّ عالم العلم مدين بأكثر من ذلك إلى الرّجال المقدّسين الحقيقيّين والأتقياء الطاّهرين الّذين تمسّكوا بالحقائق الحيويّة خلال محنهم الرّوحانيّة والّذين كشفوا للعالم الغارق في شكوكه أنّ الحياة أكثر من الجسد وأنّ الخفيّ المجهول أكثر من الظّاهر المعلوم. وقد غدا هؤلاء العلماء وهؤلاء القدّيسون أشبه بقمم الجبال الّتي تستقبل أولى أشعّة الشّمس الطّالعة وتعكسها على العالم الأدنى. ولكنّ الشّمس قد طلعت اليوم وها هي تنير بأشعّتها كلّ الآفاق. وإننا لنجد في تعاليم بهاءالله ظهورًا عظيمًا للحقيقة يرضي القلب والعقل وفيه يتّحد الدّين والعلم ويصبحان شيئًا واحدًا.



تحرّي الحقيقة



إنّ التّعاليم البهائيّة حول كيفيّة الوصول إلى الحقيقة تكشف عن وفاقها التّام مع العلم وتوصي بأن يحرّر الإنسان نفسه من جميع التّعصّبات لكي لا يحول بينه وبين الحقيقة حائل حين بحثه عنها. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس ما ترجمته:-



"إن أردنا نحن الوصول إلى الحقيقة وجب علينا ترك التّعصّبات ونبذ ما لا يسمن ولا يغني. وهنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى البصيرة النيّرة والعقل السّليم. فلو كان كأس وجودنا طافحًا بالأغراض الشّخصيّة لن يبقى فيه مجال لماء الحياة، وحينما نظنّ


أنّنا على حق وإنّ غيرنا على الباطل يصبح اعتقادنا هذا أعظم مانع في سبيل الإتّحاد. وإذا كنّا نبحث عن الحقيقة، وجب علينا الإتّحاد، لأن الإتّحاد هو أسّ الأساس، والسّبب في ذلك هو أنّ الحقيقة واحدة وليست هناك حقيقة تخالف حقيقة أخرى أو تعاكسها.



"إنّ النّور محبوبٌ من أيّة زجاجة سطع، والورد محبوبٌ من أيّ أرضٍ نبتت، والنّجم لامعٌ سواء أشرق من الشّرق أم من الغرب. فلا نتعصّب بل نكون عشّاقًا لشمس الحقيقة من أيّ أفقٍ طلعت. فنور الحقيقة الّذي أشرق من المسيح، سبق أن أشرق من موسى وبوذا. هذا هو مقصودنا من تحرّي الحقيقة.



"فنستنتج من هذا إنّنا جميعًا يجب أن نلقي بما سمعناه، ونترك جانبًا كلّ مانع يمنعنا عن الوصول إلى الحقيقة. ويجب أن لا يصعب الأمر علينا حتى ولو اقتضى الأمر أن نشرع بتربية أنفسنا من جديد. ويجب أن لا نحصر حبّنا في دين واحد أو في شخص واحد فيكون ذلك سببًا في احتجابنا، وأن لا نتقيّد بالتّقاليد، بل يجب أن نتحرّر من هذه القيود، ونتحرّى الحقيقة بفكرٍ حرٍّ، حتى تنجلي لبصائرنا ونصل إلى المقصود"([1]).



مذهب اللاّأدرية الصّحيح



تتّفق التّعاليم البهائيّة مع العلم ومع الفلسفة فى التّصريح بأنّ طبيعة الله فوق إدراك البشر بكل معنى الكلمة. وكما يؤكد العالم


توماس هكسلي والفيلسوف هربرت سبنسر بأنّ طبيعة العلّة الأولى العظمى مجهولة، يؤكّد بهاءالله قوله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"([2])، وبأنّ "السّبيل مسدود والطّلب مردود" لعرفان حقيقة الألوهيّة. إذ كيف يستطيع المحدود أن يدرك غير المحدود؟ وكيف تستطيع القطرة أن تستوعب البحور؟ أو كيف تستطيع ذرّة الهباء الرّاقصة فى حزمة الضّياء أن تحتضن الكون؟ ومع هذا فإنّ جميع الكون ناطق بوجود الله. وقد سُترت فى كلّ قطرة بحور من المعاني، وستر فى كلّ ذرّةٍ من الهباء عالم كامل من العظائم يفوق إدراك أعظم العلماء. فعلماء الكيمياء والفيزياء الّذين يتابعون بحوثهم حول طبيعة المادّة قد انتقلوا من الكتلة إلى الجزيء ومن الجزيء إلى الذرّة ومن الذرّة إلى الإلكترون ومن الإلكترون إلى الأثير، ولكنّهم فى كلّ خطوة شاهدوا أنّ مصاعب البحث تزداد إلى أن تصل إلى حدّ لا تستطيع اختراقه أرجح العقول، فتنحني إجلالاً في رهبة وصمت أمام غير المحدود المجهول الّذي يبقى ملتحفًا في سرّه الغامض المصون. وقد قال الشّاعر الانجليزي تينيسون:



"أيّتها الزّهرة المختبئة في شقّ الجدار! ها أنا اقتلعتك من مكمنك. وها أنت في قبضتي بكاملك جذرًا وزهرًا. أيّتها الزّهرة الصّغيرة! ليتني أعرف ما أنت: جذرًا وزهرًا، وأعرف كلّ شيء عنك! فلو عرفت ذلك، لعرفت حقيقة الله وحقيقة الإنسان".



فإذا كانت أعظم العقول البشريّة قد عجزت عن عرفان حقيقة الزّهرة وكينونتها وعن عرفان الذّرة وما تحتويه من الأسرار


المكنونة، فكيف يستطيع الإنسان أن يحيط بالكون! أو كيف يستطيع أن يدّعي بأنّه يحيط بالعلّة الأولى لجميع الأشياء أو يصفها؟ فجميع تصورات اللاّهوتيين حول طبيعة وجود الله هباء منثور لا معنى لها ولا ثمرة منها.



معرفة الله



وإذا كانت طبيعة ذات الله مجهولة، فإن مظاهر رحمته مشهودة في كلّ مكان. وإذا كان من المستحيل إدراك العلّة الأولى، فإن آثارها تسترعي انتباه كلّ جارحة من جوارحنا. وكما أنّ إحاطة الفنّان الخبير بلوحات رسّام تعطيه معرفة صحيحة عن كفاءة ذلك الرسّام، فكذلك معرفة الكون في كلّ مناحيه سواء أكانت معرفة الطّبيعة أو معرفة الطّبيعة البشريّة أو معرفة الأشياء المنظورة أو معرفة الأشياء غير المنظورة إنّما هي معرفة ما صنعته يد الله. وهذه المعرفة تعطي للباحث الإلهيّ معرفة حقيقيّة بعظمته واقتداره:-



"السّموات تُحدّث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلامًا وليل إلى ليل يبدي علمًا"([3]).



وقال تعالى: "يسبّح له ما في السّموات والأرض"([4]) وقال: "إنّ الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك بأمره، ويمسك السّماء أن تقع على الأرض"([5]).


المظاهر الإلهيّة



إنّ جميع الأشياء تعلن رحمة الله بوضوح قلّ أم كثر، كما تعكس جميع الأشياء الماديّة نور الشّمس إذا تعرّضت له قلّ أم كثر. فكومة السّخام (النيلج) تعكس نور الشّمس قليلاً، والصّخرة تعكس أكثر، وقطعة الطّباشير أكثر، ولكن لا يستطيع أيّ واحد من هذه الأشياء العاكسة أن يدلّنا على شكل الشّمس ولا على لون هذا الجرم السّماوي العظيم إلاّ المرآة، فإنّها تعكس شكل الشّمس ولونها بحيث يصبح النّظر إليها كالنّظر إلى الشّمس ذاتها تمامًا. وهكذا الأمر مع الطّريقة الّتى تتّبعها الأشياء في حديثها لنا عن الله: فالصّخر يستطيع أن يخبرنا قليلاً عن الصّفات الإلهيّة، والزّهرة تستطيع أن تخبرنا أكثر، والحيوان بحواسه الرّائعة وغرائزه العجيبة وقوة حركته المدهشة يخبرنا أكثر. ونستطيع أن نشاهد في أحطّ إخواننا البشر قابليّات عجيبة تخبرنا عن وجود خالق عظيم، ولكنّنا نجد فى الشّاعر والقدّيس والنّابغة تجلّيات أعلى. وليس الرّسل العظام ومؤسّسوا الأديان إلاّ مرايا كاملة ينعكس منها حبّ الله وحكمته انعكاسًا شديدًا على سائر البشر، وإنّ مرايا سائر البشر ملوّثة بلطخات الأنانيّة وغبار التعصّب لكن مرايا هؤلاء الرّسل نقيّة لا شائبة فيها، وهي خالصة لإرادة الله إخلاصا كاملاً تامًّا، ولهذا نراهم قد أصبحوا أعظم المربّين للجنس البشريّ، وأصبحت التّعاليم إلهيّة وقوّة الرّوح القدس الّتي تفيض منهم سببًا في تقدّم الإنسانيّة، لأنّ الله يساعد البشر عن طريق بشر آخرين. وكلّ إنسان


أسمى في مدارج الحياة يكون وسيلة لمساعدة من هم دونه. وإنّ أعلى النّاس يساعدون الإنسانيّة جمعاء. فكأنّ البشر جميعهم مرتبطون ببعضهم بحبال مطّاطيّة، فإذا ارتفع إنسان قليلاً فوق مستوى رفاقه البشر اشتدّت الحبال المطّاطيّة، وحاول رفاقه الأقدمون سحبه إلى الوراء، لكنّه يسحبهم إلى الأعلى بقوّةٍ تفوق قوّتهم، وكلّما ارتفع إلى الأعلى شعر بثقل جميع العالم يحاولون إعادته إلى الوراء، وازداد هو اعتمادًا على الاسناد الالهىّ الّذي يصله عن طريق القليلين ممّن هم أعلى منه. وفوق الجميع يقف الرّسل العظام والمنقذون والمظاهر الإلهيّة وهم البشر الكاملون، وكان كل واحد منهم في يومه لا مثيل له ولا قرين، وقد حمل ثقل العالم كلّه وحيدًا دون سند يسنده إلاّ الله. وقد صدق بحقّ كلّ منهم "إنّه كان يحمل ثقل ذنوبنا" وكان كلّ واحد منهم "الطّريق إلى الحقيقة وإلى الحياة" بالنّسبة لأتباعه. وكان كلّ واحد منهم قناة الرّحمة الإلهيّة لكلّ قلب أراد الحصول عليها. وقد لعب كلّ واحد دوره في الخطّة الإلهيّة العظمى المرسومة من أجل رفعة الإنسانيّة.



الخليقة



يعلّمنا بهاءالله أنّ الكون لا بداية له في الزّمان، وأنّه انبعاث أبديّ من العلّة الأولى العظمى. وقد كانت للخالق أبدًا مخلوقاته وسيبقى دائمًا وله مخلوقاته. وقد تأتي عوالم وأنظمة ثم تذهب، ولكنّ الكون باق. وكلّ شيء يناله التّركيب سوف يناله في وقته التّحليل، ولكنّ عناصر التّركيب باقية. فخلق العالم أو الزّهرة أو الجسم البشريّ ليس صنع شيء من لا شيء بل هو اجتماع للعناصر


الّتي كانت سابقًا متناثرة، فظهر شيء كان في السّابق مكنونًا. وسوف تتناثر العناصر شيئًا فشيئًا ويختفي الشّكل، ولكنّ شيئًا ما في الحقيقة لن يضيع ولن يفنى. ولطالما ظهرت تراكيب جديدة وأشكال جديدة من بقايا انقاض تراكيب قديمة وأشكال قديمة. ويؤيّد بهاءالله ما ذهب إليه العلماء الّذين ادّعوا أنّ تاريخ خلق الأرض لا يعود إلى ستة آلاف سنة بل إلى ملايين وألوف الملايين من السّنين. ولا تنكر "نظريّة النّشوء والارتقاء" قوّة الخالق بل تحاول فقط وصف طريقة ظهور مظاهر تلك القوّة الخالقة وأنّ قصّة الكون العجيبة الّتي يكتشفها الفلكيّون والجيولوجيّون والفيزيائيّون وعلماء الأحياء كشفًا تدريجيًّا أمام عيوننا قصّة لها قيمتها العظيمة وقصّة تثير احترامنا وعبادتنا أكثر ممّا تثيره القصّة السّاذجة الّتي وردت في أسفار العبرانيّين. فالقصّة القديمة عن الخليقة في سفر الخروج تفيدنا ولا شكّ في إشارتها إلى خطوط الرّموز القليلة البسيطة الّتي ترمز إلى المعاني الرّوحانيّة الأساسيّة للقصّة كما يستطيع الرسّام الماهر بخطوط قليلة من ريشته أن يحمل إلينا تعابير قد يعجز عن إبرازها رسّام مثابر آخر مع كلّ اهتمامه بالتّفاصيل عجزًا تامًّا. وإذا كانت التّفاصيل الماديّة تعمينا عن المعاني الرّوحانيّة فالأحسن لنا أن نستغني عنها، ولكنّنا إذا توصّلنا إلى المعنى الأساسيّ لجميع الخطّة الرّوحانيّة فعرفاننا بعد ذلك بالتّفاصيل يزيد إدراكنا ثروة وبهاء، ويكوّن لنا صورة رائعة بدلاً عن تخطيط موجز.



ويقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-


"اعلم أنّه لا يمكن أن يتصوّر مربّ بدون تلاميذ، ولا يتحقّق وجود ملك بلا رعيّة، ولا معلّم بغير متعلّم، ولا يمكن وجود خالق بدون مخلوق، ولا يخطر بالبال رازق من غير مرزوق، لأنّ جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة تستدعي وجود الكائنات. فلا نتصوّر أنّ الكائنات عامّة لم تكن موجودة وقتًا ما، فهذا التّصوّر إنكار لألوهيّة الله. وفضلاً عن هذا، فالعدم المطلق غير قابل للوجود. فلو كانت الكائنات عدمًا مطلقًا لما تحقّق الوجود. ولمّا كان وجود ذات الأحديّة – أي الوجود الإلهيّ – أزليًّا سرمديًّا، يعني لا أول له ولا آخر، فلا بدّ وأنّ عالم الوجود يعني هذا الكون الّذي لا يتناهى لم تكن ولن تكون له بداية. نعم قد يصحّ ويمكن أن يوجد جزء من أجزاء الممكنات أي جرم من الأجرام مثلاً أو أن يتلاشى بينما بقيّة الأجرام اللاّمتناهية تظلّ موجودة. فعالم الوجود أبديّ لا ينعدم. وحيث أنّ لكلّ جرم من هذه الأجرام بداية فلا بدّ له من نهاية، لأنّ كلّ تركيب سواء كان جزئيًّا أم كلّيًّا لا بدّ له من أن يتحلّل. وغاية ما هنالك هو أنّ بعض المركّبات سريع التّحليل وبعضها بطيء التّحليل، وإلاّ فلا يمكن أن يتركّب شيء ولا يتحلّل. إذًا يجب أن نعلم كيف كان كلّ موجود من الموجودات العظيمة في أوّل أمره"([6]).



تطوّر الإنسان



يؤيّد بهاءالله علماء الأحياء الّذين وجدوا أنّ جسم الإنسان يعود


في تطوّره إلى نوع عاش قبل ملايين السّنين. فالجسم البشريّ وقد بدأ بشكل بسيط تافه في ظاهره قد تطوّر في مراحل خلال أجيال لا تعدّ، وازداد تعقيدًا وتحسّنًا في تكوينه إلى أن بلغ إلى الإنسان الحاضر. ويتطوّر كلّ جسم بشريّ في بطن أمّه في سلسلة مراحل من مضغة أشبه بمادّة هلاميّة إلى رجل كامل. فإذا صحّ هذا على الفرد الإنسانيّ بما لا ينكره أحد، فلماذا نعتبر تطوّر النّوع الإنسانيّ على الأرض شيئًا مشينًا برفعة الإنسان وكرامته؟ وهذا موضوع يختلف تمامًا عن موضوع انحدار الإنسان من القرد. فقد يشبه جنين الإنسان يومًا ما سمكة ذات ذنب وخياشيم، ولكنّه ليس بسمكة بل هو جنين بشريّ. وكذلك النّوع البشريّ ربّما يشبه في تطوّره كما تراه أعيننا في الظّاهر نوعًا من الحيوانات الواطئة، لكنّه كان في ذاته نوعًا بشريّا يمتلك القوى الكامنة الخفيّة الكفيلة بتطوّره إلى الإنسان الحاضر الّذي نراه اليوم، بل ونحن واثقون من أنّه سيتطوّر في المستقبل إلى إنسان أعلى وأسمى من الإنسان الحاضر بكثير، ويقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-



"من الواضح إنّ هذه الكرة الأرضيّة تكوّنت في رحم العالم، ونشأت ونمت ومرّت بصور وحالات مختلفة حتى وصلت بالتّدريج إلى كمالها وتزيّنت بمكوّنات غير متناهية وتجلّت في نهاية الاتقان. إذًا اتّضح أنّ تلك المادّة الأصليّة الّتي هي بمنزلة النّطفة كانت عناصرها المركّبة ممتزجة امتزاجًا أوّليًّا، وهذا التّركيب نشأ ونما بالتّدريج في الأعصار والقرون، وانتقل من شكل وهيئة إلى شكل وهيئة أخرى حتّى بلغ هذا الكمال والنّظام والتّرتيب والإتقان


بحكمة الله البالغة. والآن فلنرجع إلى مسألة أنّ الإنسان في بدء الوجود نشأ ونما تدريجيًّا في رحم الكرة الأرضيّة كالنّطفة في رحم الأمّ وانتقل من صورة إلى صورة ومن هيئة إلى هيئة حتّى تجلّى بهذا الجمال والكمال وهذه القوى والأركان. ويقينًا أنّه ما كان في البداية بهذه اللّطافة والجمال والكمال، بل وصل بالتّدريج إلى هذه الهيئة والشّمائل والحسن والمَلاحة كنطفة الإنسان في رحم الأمّ. ولا شكّ أن النّطفة البشريّة ما أخذت هذه الصّورة دفعة واحدة وما كانت مظهر قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، لهذا أخذت حالات متنوّعة بالتّدريج وظهرت في هيئات مختلفة حتّى تجلّت بهذه الشّمائل وهذا الجمال والكمال والحسن واللّطافة. إذًا صار من الواضح المبرهن أنّ نشوء الإنسان ونموّه على الكرة الأرضيّة حتّى بلغ هذا الكمال كان مطابقًا لنشوء الإنسان ونموّه في رحم الأمّ بالتّدريج وانتقاله من حالٍ إلى حالٍ ومن هيئةٍ وصورةٍ إلى هيئةٍ وصورةٍ أخرى، حيث أنّ هذا بمقتضى النّظام العامّ والقانون الإلهيّ الكلّيّ. يعني تمرّ نطفة الإنسان بحالات مختلفة ودرجات متعدّدة حتّى ينطبق عليها قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، وتظهر فيها آثار الرّشد والبلوغ. وعلى هذا المنوال كان وجود الإنسان على هذه الكرة الأرضيّة من البدء حتّى وصل إلى هذه الحال من الهيئة وجمال الأخلاق بعد أن مضت عليه مدّة طويلة واجتاز درجات مختلفة، ولكنّه من بدء وجوده كان نوعًا ممتازًا. كذلك نطفة الإنسان في رحم الأمّ كانت في أوّل أمرها بهيئة عجيبة فانتقل هذا الهيكل من تركيب إلى تركيب ومن هيئةٍ إلى هيئةٍ ومن صورةٍ


إلى صورةٍ حتّى تجلّت النّطفة في نهاية الجمال والكمال. وحتّى لمّا أن كانت في رحم الأمّ وفي تلك الهيئة العجيبة الّتى تغاير تمامًا ما هي عليه الآن من الشّكل والشّمائل، فإنّها كانت نطفة نوع ممتاز لا نطفة حيوان، وما تغيّرت نوعيّتها وماهيّتها أبدًا. وعلى فرض تحقّق وجود أثر لأعضاء تلاشت، فإنّ هذا لا يكون دليلاً على عدم استقلال النّوع وأصالته. وغاية ما هنالك أنّ الهيئة والشّمائل والأعضاء الإنسانيّة قد ترقّت، ولكنّه كان نوعًا ممتازًا أيضًا. فقد كان إنسانا لا حيوانًا. مثلاً: لو انتقلت نطفة الإنسان في رحم الأمّ من هيئةٍ إلى هيئةٍ بحيث لا تشابه الهيئة الأولى بأي حال فهل يكون هذا دليلاً على أنّ النّوعيّة قد تغيّرت بأن كانت في البداية حيوانًا ثمّ نشأت أعضاؤها وترقّت حتّى صارت إنسانا؟ لا والله"([7]).



وأمّا بخصوص قصّة آدم وحوّاء، فيقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:



"لو أخذنا هذه الحكاية حسب المعنى الظاهريّ للعبارات وحسب المصطلح عليه بين العامّة، لكانت في نهاية الغرابة، ويستحيل على العقل أن يقبلها ويصدّقها ويتصوّرها، لأنّ ترتيبًا وتفصيلاً وخطابًا وعتابًا كهذا بعيد أن يصدر من شخص عاقل فكيف به من الحضرة الإلهيّة؟ الّتي رتّبت هذا الكون اللاّمتناهي على أكمل صورة وزيّنت هذه الكائنات الّتي لا عداد لها بمنتهى النّظم والإتقان وغاية الكمال... فحكاية آدم وحوّاء هذه وتناولهما من الشّجرة وخروجهما من الجنّة جميعها رموز ومن الأسرار الإلهيّة والمعاني


الكلّية، ولها تأويل بديع"([8]).



الجسد والرّوح



إنّ التّعاليم البهائيّة الخاصّة بالجسد والرّوح وبالحياة بعد الموت تتّفق ونتائج بحوث علم النّفس، فهي تعلّمنا، كما سبق، أنّ الموت ليس إلاّ ولادة جديدة وأنّه الهروب من سجن الجسد إلى حياة أوسع، كما تعلّمنا أنّ الارتقاء بعد الموت ارتقاء لا حدود له. وقد تراكمت لدينا شيئًا فشيئًا براهين علميّة على أيدي باحثين غير متحيّزين بل وناقدين متبحّرين وهي براهين تكفي تمامًا لتبرهن بما يتجاوز حدود الشّك استمرار الحياة بعد الموت واستمرار فعّالية ووعي الرّوح بعد انحلال الجسد العنصريّ. وكما يقول العالم (مايرز) في كتابه "الشّخصيّة البشريّة" وهو كتاب لخّص فيه تحرّيات عديدة قامت بها جمعيّة البحوث النّفسية:-



"هدت المشاهدة والتّجربة والاستنتاج العديدين من الباحثين -وأنا أحدهم- إلى الاعتقاد بوجود "اتّصال حسّي متبادل" بين عقول البشر الموجودين على سطح الأرض، بل وبين عقول البشر الكائنين على سطح الأرض الآن وأرواح البشر الّذين فارقوا هذا العالم. ومثل هذا الاكتشاف يفتح لنا الباب على مصراعيه إلى "الإلهام الالهيّ".



"ولقد أثبتنا أنّ كثيرًا من المظاهر الحقيقيّة تصلنا من وراء القبور وسط الكثير ممّا نعانيه من الانخداع الذّاتي والغش والتّوهم.


"وقد ثبتت لنا مبدئيًّا عن طريق الإيحاء والاكتشافات بعض المباحث الخاصّة بالأرواح الّتي رحلت، فاستطعنا مقابلتها. وأشاهد أنا قبل كلّ شيء مجالاً للاعتقاد بأنّ حالة تلك الأرواح حالة تطوّر لا نهاية له في حكمتها وفي محبتها، ولا يزال حبّها الأرضي باقيًا وبصورة خاصّة ذلك النّوع من حبّها الّذي يعبّر عنه بطريق العبادة وهو أسمى أنواع الحبّ... وقد صار الشّر يبدو لتلك الأرواح شيئًا حقيرًا أكثر من أن يكون شيئًا مرعبًا. ولا يتجسّد الشّر أيّ روح من الأرواح المقتدرة القويّة بل يؤلّف نوعًا من الجنون يعزل بعض النّاس عن إخوانهم، فتحاول الأرواح العليا أن تحرّر منه النّفس المصابة به والمشوّهة منه. ولا حاجة إلى العقاب بعذاب النّار، فمعرفة الإنسان نفسه هي عقاب المرء وجزاؤه، ومعرفة الإنسان نفسه وقربه أو بعده عن تلك الأرواح العليا هي عقاب المرء وجزاؤه لأنّ الحبّ في ذلك العالم هو في الواقع ملاذ وملجأ للذّات، وإنّ الاتّصال بالقدّيسين لا يعطي الحياة الأبديّة زينتها فحسب بل هو الّذي يكوّنها ويؤلّفها. وينحدر كذلك من قانون "الاتّصال الحسّي المتبادل" أنّ الاتصال بتلك الأرواح ممكن الآن على هذه الأرض، فننال الآن من محبّة الأرواح المتصاعدة الجواب على توسّلاتنا وتضرّعاتنا لها. وإنّ ذكرى حبّنا للأرواح المتصاعدة - والحبّ بذاته صلاة ومناجاة – يقوّي تلك الأرواح ويسندها وهي في طريق تساميها".



ومن المدهش حقًّا أن نرى الوفاق والتّشابه بين هذا الرّأي المبنيّ على البحث العلميّ الدّقيق وبين التّعاليم البهائيّة الخاصّة به.





([1]) كتاب "حكمة عبدالبهاء" الصّفحة 127.


([2]) سورة الأنعام 103.


([3]) المزمور 19.


([4]) سورة الحشر 59.


([5]) سورة الحج 64.


([6]) المفاوضات، التّرجمة العربيّة الصّفحة 159.


([7]) المفاوضات، التّرجمة العربيّة، الصّفحة 162-164.


([8]) المفاوضات، التّرجمة العربيّة، الصّفحة 108.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
وحدة العالم البشريّ



إنّ من أشهر الكلمات المأثورة عن بهاءالله، والّتي بها تميّزت رسالته وتفرّد ظهوره بين الظّهورات الإلهيّة السّالفة، هذه الكلمات "كلّكم أثمار شجرةٍ واحدةٍ وأوراق غصنٍ واحدٍ"([1])، ومثلها كلماته: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم"([2]). فالوحدة-وحدة الجنس البشريّ ووحدة جميع المخلوقات في الله- هي الموضوع الأساسيّ من بين مواضيع تعاليمه. وهنا يتجلّى مرّة أخرى الوفاق بين الدّين الحقيقيّ والعلم: فقد ثبت بكلّ برهان عن طريق التّقدّم العلميّ أنّ الكون وحدةً واحدةً وأنّ أجزاءه يعتمد بعضها على البعض الآخر. فحدود عمل الفلكيّ لا يمكن فصلها عن حدود عمل الفيزيائيّ، وحدود عمل الفيزيائيّ لا يمكن فصلها عن حدود عمل الكيميائيّ، وهذا عن حدود عمل عالم الأحياء، وعالم الأحياء عن العالم النّفسيّ، وهلمّ جرّا. وإنّ كلّ اكتشاف جديد في أيّ حقل من حقول البحث العلميّ يلقي نورًا جديدًا على الحقول الأخرى. وكما أثبت علم الفيزياء أنّ كلّ جزء من الكون يجذب الجزء الآخر ويؤثّر عليه مهما كان دقيقًا في حجمه أو بعيدًا، فكذلك يثبت علم النّفس أنّ كلّ روح في الكون تؤثّر في أيّ روح أخرى. ويكشف الأمير "كروبوتكين" في كتابه "العون المتبادل" عن وجود تعاون متبادل بين أحطّ الحيوانات ضروريّ


لاستمرارها في الحياة. أمّا بين بني الإنسان فإنّ تقدّمهم الحضاريّ يتوقّف على استعاضتهم العون المتبادل مكان العداوة المتبادلة استعاضة متزايدة. والمبدأ القائل: "الفرد يحيا من أجل المجموع والمجموع يحيا من أجل الفرد" هو المبدأ الوحيد الّذي تستطيع به الجامعة البشريّة أن ترقى وتتقدّم.



عصر الاتّحاد



تدلّ جميع "علامات الأزمنة" على أنّنا نعيش في فجر عصر جديد من تاريخ البشريّة. ولقد كان فرخ نسر البشريّة متعلّقًا حتّى زماننا الحاضر بوكره القديم فوق صخرة الأنانيّة الصّمّاء والماديّة المقيتة، وقد كانت جميع محاولاته في استعمال أجنحته يحفّ بها الخجل والتّردد. وما استقرّ له قرار أبدًا في شوقه للوصول إلى ما لم يبلغه. وطال عليه الأمد في سجن عقائده القديمة وتعصّباته. إلاّ أنّ عصر سجنه قد انتهى. ويستطيع الآن أن يحلّق بأجنحة الإيمان والعقل إلى آفاق عليا من الحقيقة والمحبّة الرّوحانيّة. ولن يطول ارتباطه بالأرض كما كان قبل نموّ أجنحته، بل سيحلّق كما شاء إلى أقاليم بعيدة المدى بأبهى حرّية وانطلاق. إلاّ أنّ هناك شيئًا واحدًا ضروريًّا يجب أن يتوفّر له إذا قُدّر له أن يطير طيرانًا ثابتًا وطيدًا، هو أنّ أجنحته لا يكفيها أن تكون قويّة بل يجب أن يكون عملها متوافقًا ومنسجمًا. ويقول عبدالبهاء:-



"لا يمكن الطّيران بجناحٍ واحدٍ، فلو طار بجناح الدّين فإنّه يحطّ في حقل الخرافات، ولو طار بجناح العلم فإنّه يغوص في مستنقع


الماديّة الوبيل"([3]).



هذا وإنّ الوفاق التّام بين الدّين والعلم شرط أساسيّ لحياة الإنسان حياة رفيعة. وعندما يتحقّق هذا الشّرط ويتربّى كلّ طفل لا على دراسة العلوم والفنون فحسب بل على حبّ جميع الإنسانيّة والطّاعة المطلقة لإرادة الله الّتي أوحت بها تعاليم الرّسل في مدارج التّطور الرّوحانيّ البشريّ فحينذاك وحينذاك فقط سيأتي ملكوت الله، وتكون إرادته على الأرض كما هي على السّماء. وحينذاك وحينذاك فقط تفيض بركات الصّلح الأعظم على العالم. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس ما تلي ترجمته:-



"عندما يتجرّد الدّين تجرّدًا تامًّا من جميع الخرافات والتّقاليد والمعتقدات البليدة، يلوح تطابقه ووئامه مع العلم، كما يلوح النّور المبين، وعندئذٍ تتجلّى قوّة موحدّة عظيمة تكتسح من أمامها كلّ الحروب والاختلافات والمنازعات والمشاحنات، وعندئذٍ يتّحد الجنس البشريّ بقوّة محبة الله"([4]).





(1) الاشراقات - التّرجمة العربيّة - الصّفحة 100.


(2) الاشراقات - التّرجمة العربيّة - الصّفحة 100.


([3]) مترجم عن كتاب حكمة عبدالبهاء – الصّفحة 132.


([4]) من "كتاب حكمة عبدالبهاء"، الصّفحة 135.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الثّالث عشر

نفوذ كلمة بهاءالله



"وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الّذي لم يتكلّم به الرّب؟ فما تكلّم به النّبي باسم الرّب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الّذي لم يتكلّم به الرّب بل بطغيان تكلّم به النّبيّ فلا تخف منه"([1]).



خلاّقية الكلمة الإلهيّة



إنّ لله وحده القدرة على أن يفعل ما يشاء، وإنّ أعظم برهان على صدق كلّ مظهر إلهيّ هو خلاّقيّة كلمته ونفوذها في تبديل جميع شؤون البشر([2]) وفي انتصارها فوق كلّ مقاومة بشريّة. فيعلن


الله إرادته عن طريق كلمات الرّسل، وفي تحقّق تلك الكلمات فورًا تحقّقًا كاملاً أسطع دليل على صحة دعوى الرّسول وحقيقة ظهوره.



وعندما جاء تلاميذ يوحنّا المعمدان إلى عيسى يسألونه:-



"هل أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" كان جواب عيسى بسيطًا وذلك فقط بإشارتهم إلى آثار كلمته ونفوذها، فقال لهم:-



"اذهبا وأخبرا يوحنّا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهّرون، والصّم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يعثر فيّ"([3]).



فلننظر الآن أيّ دليل يثبت لنا أنّ كلمات بهاءالله لها النّفوذ والقوّة الخلاّقة الّتي تميّز كلمة الله عن سواها:-



فقد أمر بهاءالله حكّام العالم بتأسيس السّلام العام فأدّى استمرارهم على خططهم الحربيّة منذ سنة 1869- 1870 إلى سقوط سلالات حاكمة قديمة في حين لم تنتج أيّة حرب شنّوها أيّة انتصارات كبرى([4]) حتى اندلعت الحرب الأوروبيّة 1914-1918


فأعلنت الحقيقة المرعبة بأنّ الحرب أصبحت مدمّرة للمنتصر والمغلوب كليهما([5]).



وأمر بهاءالله الحكّام أيضًا أن يكونوا أمناء على الّذين يحكمونهم ويستخدموا سلطتهم السياسيّة عليهم وسيلة لسعادتهم ورفاههم، فحدث تطوّر لم يسبق له مثيل في التّشريع الاجتماعيّ.



وأمر بهاءالله بوضع حدود لأقصى غايات الغنى وأقصى غايات الفقر، ومنذ ذلك الحين اشتدّ الاهتمام بالتّشريعات اللاّزمة لتعيين أدنى حدود لمستوى المعيشة والتّشريعات اللاّزمة للضّرائب المتصاعدة على الثّروات عن طريق ضريبة الدّخل وضريبة الميراث. وأمر بهاءالله بإلغاء العبوديّة والرّق الصّناعي، ومنذ ذلك الحين اشتدّ التّوجه نحو تحرير الإنسان في جميع أطراف الأرض من شتى ألوان العبوديّة والاستغلال.



وأعلن بهاءالله مساواة النّساء بالرّجال والتّعبير عن هذه المساواة بوضع مسؤوليات متساوية على كواهل النّساء والرّجال يقابلها حقوق وامتيازات متساوية، ومنذ تصريحه بذلك بدأت القيود الّتي كانت المرأة مقيّدة بها تتكسّر وصارت المرأة تأخذ سراعًا مكانتها اللاّئقة باعتبارها الشّريك المعادل للرّجال.


وأعلن بهاءالله وحدة الأديان في أسسها، فشاهدت السّنوات الّتي تلت هذا التّصريح جهودًا مركّزة تبذلها نفوس مخلصة في جميع أنحاء العالم لإيجاد درجة من التّسامح الدّينيّ والتّفاهم المتبادل، والتّعاون في الشّؤون العامّة، فتقوّضت أسس المواقف المذهبيّة في كلّ مكان وصارت دواعيها التّاريخيّة ضعيفة لا مؤيّد لها ولا يمكن الدّفاع عنها وتهدّمت قواعد ضيق النّظرة الدّينيّة عن طريق نفس القوى الّتي جعلت الرّوح القوميّة والاكتفاء الذّاتي القوميّ غير قابلة للبقاء.



وأمر بهاءالله بجعل التّربية والتّعليم عامًّا وجعل تحرّي الحقيقة تحريًّا حرًّا دليلاً على الحياة الرّوحانيّة الحيّة، فتحرّكت المدنيّة الحديثة من أعماقها بهذه الخميرة الجديدة وصار من سياسة الحكومات الأساسيّة الاهتمام بالتّعليم الإلزاميّ الابتدائيّ وبتوسيع وسائل تعليم الكبار. هذا وإنّ الأمم الّتي تهدف إلى تحديد حريّة الفكر والرّوح بين مواطنيها قد أثارت سياستها هذه ثورة داخل حدودها وشكوكًا ومخاوف خارج حدودها.



وأمر بهاءالله بإيجاد لغة عالميّة مساعدة فأطاع نداءه عدد كبير من العلماء وكرّسوا حياتهم ونبوغهم لهذه المهمّة العظمى والخدمة الفريدة.



وفوق كلّ ما سبق من الأدلّة فقد نفخ بهاءالله في العالم الإنسانيّ روحًا جديدًا وأثار شوقًا جديدًا في القلوب وكذلك ألهم العقول مُثُلاً عُليا جديدة. ولم يشهد العالم في كلّ تاريخه شيئًا مثيرًا يهزّ المشاعر كالأحداث الّتي حدثت منذ فجر العصر البهائيّ سنة


1844. وقد ضعفت قوّة الماضي المحتضر ضعفًا عظيمًا رغم ما بذلته بعض المؤسّسات القديمة وبعض الأفكار البالية من جهود في سبيل إطالة عمرها حتّى أدرك كلّ رجل وإمرأة أنّ البشريّة تمرّ في أزمات مريعة جدًّا. فمن جهة نرى خلقًا جديدًا ينشأ مع اختراق نور بهاءالله الظّلمات ليكشف سبيل التّطور الحقيقيّ، ومن جهة أخرى نرى الكوارث في جميع الأقطار الّتي تقاوم ذلك النّور وتتجاهله.



ومهما كانت الأدلّة السّالفة الّتي سقناها حول خلاّقيّة كلمة بهاءالله مؤثّرة فإنّ البهائيّ المخلص لا يزال عاجزًا عن بيان مقدار جلال بهاءالله وعظمته الرّوحانيّة. فحياته الجليلة على الأرض والقوى الهائلة الّتي بعثتها كلمته الملهمة هي الميزان الصّحيح لإرادة الله.



وإنّ دراسة مفصّلة لنبوّات بهاءالله وكيفيّة تحقّقها تعزّز قوّة برهاننا على ذلك. ونتقدّم الآن لنعرض بعض تلك النبوّات الّتي لاجدال حول أصالتها، فقد طُبعت واشتُهرت قبل حدوث تحقّقها، فرسائله الّتي أرسلها إلى الرّؤوس المتوّجة في العالم والّتي تضمّنت العديد من هذه النّبوّات كانت قد جمعت في كتاب سميّ بـ "سورة الهيكل" الّتي طبعت لأوّل مرّة في بومبي في أواخر القرن التّاسع عشر ثمّ نشرت بعدها مرّات عديدة، وسوف نعقبها ببعض نبوّات عبدالبهاء.



نابليون الثّالث



في سنة 1869 كتب بهاءالله إلى نابليون الثّالث لوحًا يوبّخه فيه على شهوته للحرب ومعاملته الحقيرة الّتي عامل بها اللّوح الأوّل الّذي أرسله إليه، ويستمرّ اللّوح في إنذاراته الصّارمة بالنّص:


"بما فعلت تختلف الأمور في مملكتك، ويخرج الملك من كفّك جزاء عملك، إذًا تجد نفسك في خسرانٍ مبينٍ. وتأخذ الزّلازل كلّ القبائل هناك إلاّ بأن تقوم على نصرة هذا الأمر وتتّبع الرّوح في هذا السبيل المستقيم. أعزّك غرّك؟ لعمري أنّه لا يدوم، وسوف يزول، إلاّ بأن تتمسّك بهذا الحبل المتين. قد نرى الذّلّة تسعى وراءك وأنت من الغافلين".



وغني عن البيان أنّ نابليون كان حينذاك في أوج عظمته ولم يعتن بهذا الإنذار، ودخل الحرب في السنّة التّالية ضد بروسيا واثقًا من أنّ جيوشه ستفتح برلين، ولكنّ الكارثة الّتي تنبّأ بهاءالله بحدوثها قد أحاطت به، فهزم في (ساربروك) وفي (ويزنبرغ) وفي (ميتز)، وكانت المصيبة السّاحقة له في (سيدان)، وأخذ بعدها أسيرًا إلى بروسيا ثمّ كانت نهايته الوبيلة في إنكلترا بعد سنتين.



ألمانيا



وبعد ذلك وجّه بهاءالله إنذارًا شديدًا إلى أولئك الّذين قهروا نابليون، إلاّ أنّ آذانهم الصّمّاء لم تعِ ونالت جزاءً مريعًا. ففي الكتاب الأقدس الّذي بدأ نزوله في أدرنه وانتهى في السّنوات الأولى من سجن بهاءالله في عكّا يخاطب امبراطور ألمانيا بالنّص:-



"يا ملك برلين... اذكر من كان أعظم منك شأنًا وأكبر منك مقامًا أين هو وما عنده؟ انتبه ولا تكن من الرّاقدين. إنّه نبذ لوح الله وراءه إذ أخبرناه بما ورد علينا من جنود الظّالمين، لذا أخذته الذّلّة من كلّ الجهات إلى أن رجع إلى التّراب بخسران عظيم. يا ملك


تفكّر فيه وفي أمثالك الّذين سخّروا البلاد وحكموا على العباد، قد أنزلهم الرّحمن من القصور إلى القبور اعتبر وكن من المتذكّرين...



"يا شواطئ نهر الرين، قد رأيناك مغطاة بالدّماء بما سلّ عليك سيوف الجزاء، ولك مرّة أخرى ونسمع حنين البرلين ولو أنّها اليوم على عزٍّ مبين".



وفي خلال الانتصارات الألمانيّة في الحرب العظمى سنة 1914-1918 وخاصّة في الهجوم الألمانيّ العظيم الأخير في ربيع 1918، كان أعداء الدّين البهائيّ في إيران يعلنون النبوّة السّالفة من أجل الحطّ من شأن بهاءالله ولكنّ التّقدّم الجارف الّذي أحرزه الألمان تحوّل فجأة إلى كارثة ساحقة محيقة، فعادت سهام هؤلاء الأعداء إلى نحورهم وصارت الإهانات الّتي ألصقوها بهذه النّبوّة سببًا في رفع مكانة بهاءالله ومقامه.



تركيا



وإلى سلطان تركيا ورئيس وزرائه حينذاك (سنة 1868) وجّه بهاءالله وهو سجين في قلعة عكاء التّركيّة إنذارًا من أخطر إنذاراته الّتي وجّهها للملوك في العالم، فكتب إلى السّلطان من قلعة عكاء بالنّص:-



"يا من يرى نفسه أعلى النّاس!.. سوف يقضي نحبك وتجد نفسك في خسرانٍ مبينٍ. لو كان محيي العالم ومصلح الأمم على زعمك مفسدًا فما هو ذنب الجمع من النّساء والأطفال والصّغار والرّضع ليكونوا مستحقّين لسياط القهر والغضب؟..."


إلى أن قال ما ترجمته:-



"وإنّ فئة قليلة لم يظهر منها أبدًا شيء يخالف الدّولة والملّة أو يغاير أصول المملكة وآداب أهلها ولم ينشغلوا ليلاً ونهارًا بغير ذكر الله بكمال التّسليم والرضاء قد نهبتم أموالهم نهبًا، وبلغ ظلمكم إلى مقامٍ ذهب من كفّهم كلّ ما كانوا يملكون".



ثمّ استمرّ على إنذاره وتقريعه بالنّص:-



"وإنّ كفًّا من الطّين عند الله أعظم من مملكتكم وسلطنتكم وعزّتكم ودولتكم. ولو يشاء يجعلكم هباءً منبثًّا. سوف يأخذكم بقهرٍ من عنده، ويظهر الفساد بينكم، وتتفرّق ممالككم، إذًا تبكون وتنوحون ولن تجدوا لأنفسكم من معينٍ ولا نصيرٍ. وإنّ غضب الله قريب. كذلك قُضي ما رقم من قلم الأمر".



وكتب كذلك إلى عالي باشا رئيس وزراء السّلطان حينذاك بالنّص:-



"أن يا رئيس قد ارتكبت ما ينوح به محمّد رسول الله في الجنّة العليا وغرّتك الدّنيا بحيث أعرضتّ عن الوجه الّذي بنوره استضاء الملأ الأعلى، سوف تجد نفسك في خسرانٍ مبينٍ. واتّحدتّ مع رئيس العجم في ضرّي بعد إذ جئتكم من مطلع العظمة والكبرياء بأمر قرّت منه عيون المقرّبين...



"هل ظننت أنّك تقدر أن تطفئ النّار الّتي أوقدها الله في الآفاق؟ لا ونفسه الحقّ لو كنت من العارفين. بل بما فعلت زاد لهيبها واشتعالها. سوف يحيط الأرض ومن عليها... سوف تبدّل أرض السّر (أدرنه) وما دونها وتخرج من يد الملك ويظهر الزّلزال


ويرتفع العويل ويظهر الفساد في الأقطار وتختلف الأمور بما ورد على هؤلاء الأسراء من جنود الظّالمين، ويتغيّر الحكم ويشتدّ الأمر بحيث ينوح الكثيب في الهضاب وتبكي الأشجار في الجبال ويجري الدّم من الأشياء وترى النّاس في اضطراب عظيم...



"كذلك أتى الحقّ وقضي الأمر من مدبّرٍ حكيمٍ. لا يقوم مع أمره جنود السّموات والأرضين ولا يمنعه عمّا أراد كلّ الملوك والسّلاطين. قل البلايا دُهنٌ لهذا المصباح وبها يزداد نوره إن كنتم من العارفين. قل إنّ الإعراض من كلّ معرضٍ منادٍ لهذا الأمر وبه انتشر أمر الله وظهوره بين العالمين".



وكتب مرّةً أخرى في الكتاب الأقدس بالنّص:-



"يا أيّتها النّقطة الواقعة في شاطئ البحرين([6]) قد استقرّ عليك كرسيّ الظّلم واشتعلت فيك نار البغضاء على شأنٍ ناح بها الملأ الأعلى والّذين يطوفون حول كرسيٍّ رفيعٍ. نرى فيك الجاهل يحكم على العاقل. والظّلام يفتخر على النّور وإنّك في غرورٍ مبينٍ. أغرّتك زينتك الظّاهرة؟ سوف تفنى وربّ البريّة وتنوح البنات والأرامل وما فيك من القبائل كذلك ينبئك العليم الخبير".



هذا وإنّ المصائب المتتالية الّتي حلّت بهذه الامبراطوريّة العظيمة حينذاك منذ نشر هذه الإنذارات كانت أبلغ بيان للنبوّة الّتي نطق بها بهاءالله في بيان المصائر العاجلة الّتي انتظرت أولئك المستبدّين.


الحرب العظمى 1914-1918



تنبأّ بهاءالله وعبدالبهاء كلاهما في مناسباتٍ عديدةٍ بدقّةٍ متناهيةٍ مدهشةٍ عن نشوب الحرب العظمى سنة 1914-1918، وقد خطب عبدالبهاء في مدينة (ساكرامانتو) في ولاية (كليفورنيا) في 26 تشرين الأوّل (أكتوبر) سنة 1912 ما ترجمته:-



"اليوم تشبه القارّة الأوربيّة مخزنًا للأسلحة والمتفجّرات، مستعدّةً لشرارةٍ واحدةٍ لتلهب جميع أوروبّا في هذا الوقت بالذّات حيث مسألة البلقان معروضة أمام العالم".



وقد وجّه نفس هذا الإنذار في كثيرٍ من خطبه في أمريكا وأوروبّا. وفي خطاب آخر له في (كليفورنيا) في تشرين الأوّل (أكتوبر) سنة 1912 قال:-



"إنّنا على أبواب معركة (هرمجدون) المشار إليها في رؤيا يوحنّا الفصل السّادس عشر، ولنا من الوقت سنتان إليها حين ستشعل شرارة واحدة كلّ أوروبّا. فالقلق الاجتماعيّ في جميع الأقطار مقرونًا بالشّكوك الدينيّة الّتي تسبق العصر الألفيّ السّعيد سوف تلهب جميع أوروبّا كما جاءت النبوّة في سفر دانيال ورؤيا يوحنّا اللاّهوتيّ. وفي سنة 1917 سوف تسقط ممالك وسوف تجتاح المصائب كلّ بلاد العالم"([7]).



وفي عشيّة المعركة العظمى قال:


"لقد اقتربت حرب تهجم فيها جميع الأمم المتمدّنة بعضها على بعض، وستقع عمّا قريب حربٌ هائلةٌ، وأمام العالم نزاعٌ محزنٌ وقتالٌ مريرٌ، إذ قد استعدّت جيوش لا عداد لها وتهيّأت ملايين الرّجال للحرب والنّزال واصطفّت على طول حدود بلادها مستعدّةً لسفكٍ رهيبٍ للدّماء. وإنّ اصطدامًا بسيطًا يقلب كلّ شيءٍ رأسًا على عقب، وسوف يصل اللّهيب إلى عنان السّماء بشكل لم يرَ العالم شبهه منذ بداية التّاريخ"([8]).



المتاعب الاجتماعيّة بعد الحرب



تنبّأ بهاءالله وعبدالبهاء كلاهما بفترة اضطراب اجتماعي عظيم وبمصائب ونكبات تسود العالم نتيجة حتميّة لتمسّك النّاس باللاّدينيّة وبالتّعصّبات وبالجهل وبالخرافات. وإنّ المعركة الحربيّة العالميّة لم تكن إلاّ صفحة من صفحات هذا الاضطراب وفي لوح مؤرّخ كانون الثّاني (يناير) سنة 1920 كتب عبدالبهاء ما ترجمته:-



"أيّها المحبّون للحقيقة! أيّها الخادمون للإنسانيّة! لقد هبّت نفحات أفكاركم العالية ومقاصدكم السّامية على روحي فجعلتني أتلهّف للكتابة إليكم لهفًا شديدًا فأقول: فكّروا في ذواتكم ما أعظم حزننا لهذا الاضطراب الّذي شمل العالم! وكيف تسربلت أمم الأرض بالدّماء بل تبدّلت تربتها إلى قطعة من الدّم! وقد أشعل لهيب الحرب نارًا لم يشاهد العالم شبهها لا في عصوره القديمة


ولا في عصوره الوسطى ولا في عصره الحاضر، وقد طحنت رحى الحرب رؤوسًا بشريّةً عديدةً، وكان مصير هذه الضّحايا أقسى من ذلك بكثير. وكم من بلادٍ عامرةٍ صارت يبابًا! وكم من مدنٍ سوّيت مع التّراب! وكم من قرى بهيجةٍ صارت خرائب كئيبة! وكم من آباءٍ فقدوا أبناءهم وكم من أبناءٍ أصبحوا يتامى وكم من أمّهاتٍ بكين دمًا في رثاء أبنائهنّ من الشّبّان، وتيتّم صغار الأطفال، وتُركت النّساء تائهات دون ملجأ أو ملاذٍ. وبكلمةٍ أخرى تدنّت البشريّة من كلّ الجهات فارتفع صراخ الأيتام، وكان نحيب الأمّهات مريرًا ردّدت صداه السّموات.



"والسّبب الرّئيسي لكلّ هذه الأحداث هو التّعصّبات العرقيّة أو الوطنيّة أو الدّينيّة أو السّياسيّة. وسبب جميع هذه التّعصّبات التّقاليد الرّاسخة القديمة دينيّة كانت أم قوميّة أم سياسيّة. وما دامت هذه التّقاليد البالية موجودة فإنّ أساس صرح الإنسانيّة في خطرٍ عظيمٍ دائمٍ.



"وفي هذا العصر النّورانيّ الّذي فيه تجلّت حقائق جميع الكائنات وانكشف السّر الخفيّ لجميع المخلوقات وانبلج صبح الحقيقة فصير ظلمات العالم إلى أنوار، هل يجوز أن نسمح للعنة الحرب أن تأتي بالدّمار الوبيل على العالم؟ لا والله لا يجوز.



"لقد دعا السّيد المسيح أمم الأرض إلى الصّلح والسّلام، وأمر بطرس الرّسول أن يعيد سيفه إلى غمده وكانت تلك أمنيته وأوامره، ومع ذلك فأولئك الّذين يحملون اسمه قد استلّوا السّيوف. فما أعظم الفرق بين هذه الأفعال وصريح نصوص الإنجيل!



"قبل ستّين سنة أشرق بهاءالله من أفق إيران كالشّمس المنيرة


وأعلن أنّ العالم محاط بالظّلام وأنّ هذا الظّلام مشحون بالكوارث وسوف يؤدّي إلى الكفاح الرّهيب. ومن مدينة سجنه عكّاء وجّه عبارات خطاب واضح إلى إمبراطور ألمانيا صرّح فيها أنّ حربًا رهيبةً ستندلع وأنّ برلين سوف تتمزّق وتنشطر من النّوح والحنين. وبنفس الطّريقة كتب إلى سلطان تركيا حينما كان مظلومًا سجينًا في قلعة عكاّء خطابًا واضحًا أكيدًا بأنّ القسطنطينيّة ستكون فريسة اضطرابٍ عظيمٍ بحيث تنوح فيها النّساء والأطفال. وخلاصة القول وجّه بهاءالله رسائل إلى جميع ملوك العالم وحكّامه وتمّ جميع ما تنبّأ به وجرت من قلمه الأبهى تعاليم في منع الحروب انتشرت في كلّ الآفاق:



"فأوّل تعاليمه هو تحرّي الحقيقة. وقد صرّح بأنّ التّقليد الأعمى يقتل روح الإنسان بينما يعمل تحرّي الحقيقة على تحرير العالم من ظلمة التّعصّبات.



"وثاني تعاليمه وحدة العالم الإنسانيّ فجميع البشر قطيع واحد والله هو الرّاعي الرؤوف يسبغ رحمته عليهم ويعتبرهم شيئًا واحدًا.



"لا ترى في خلق الرّحمن من تفاوت" فكلّهم عبيده وكلّهم يرجون رحمته.



"وثالث تعاليمه هو أنّ الدّين حصن حصين ويجب أن يكون سببًا في الوفاق لا باعثًا على الشّقاق والعدوان، لأنّ الدّين دواءٌ فإذا كان الدّواء سببًا في تفاقم المرض فترك الدّواء أفضل من استعماله".



"ومن تعاليمه أنّ التّعصّبات الدّينيّة والعرقيّة والقوميّة والسّياسيّة


كلّها هادمة لبنيان العالم الإنسانيّ وكلّها تؤدّي إلى سفك الدّماء وكلّها تطمر الإنسانيّة تحت الأنقاض. وما دامت هذه التّعصّبات باقية فإنّ خطر الحرب باقٍ والعلاج الوحيد هو السّلام العام وهذا لا يتمّ إلاّ بتأسيس محكمة عليا تمثّل جميع الحكومات وجميع الشّعوب، فتحال جميع المشاكل القوميّة والدّوليّة إلى هذه المحكمة العليا وكلّ ما تقرّره واجب تنفيذه على الجميع. وإذا امتنعت إحدى الحكومات أو الشّعوب عن تنفيذ قرارها قام عليها جميع العالم.



"ومن تعاليمه مساواة النّساء بالرّجال في الحقوق. وهناك تعاليم أخرى غير هذه نُِّزلت من قلمه الأعلى. وقد اتّضح وتجلّى في الوقت الحاضر أنّ هذه المبادئ هي حياة العالم وهي تجسيد لروحه الحقيقيّة.



"وأنتم أيّها الخادمون للإنسانيّة عليكم أن تبذلوا قصارى جهودكم لتحرّروا العالم من ظلام مذهب الماديّة والتّعصّبات البشريّة حتى يتنوّر بنور مدنيّة الله. وأنتم ولله الحمد على اتّصال بمختلف مدارس الرّأي والمؤسّسات والمبادئ العالميّة ولا شيء غير هذه التّعاليم اليوم يضمن الطّمأنينة والسّلام للعالم الإنسانيّ، وبدون هذه التّعاليم لن يتشتّت هذا الظّلام ولن تشفى هذه الأمراض المزمنة بل تزداد وطأتها يومًا فيومًا. وسيبقى البلقان ثائرًا وتتفاقم حاله ولن يستقرّ للمغلوب قرار بل ينتهز كلّ فرصةٍ لإشعال نار الحرب من جديد. وسوف تبذل الحركات الجديدة العالميّة أقصى جهودها في سبيل تنفيذ مقاصدها.


"لهذا فابذلوا الجهد بقلوبٍ نيّرةٍ وأرواحٍ سماويّةٍ وقوّةٍ إلهيّة تؤيّدكم ألطافه العليّة حتى تفيضوا بالموهبة الإلهيّة على العالم... موهبة الطّمأنينة والاستقرار لجميع البشر".



وفي خطاب ألقاه في تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة 1919 يقول ما ترجمته:-



"كان حضرة بهاءالله يقول دائمًا بأنّه سيأتي زمانٌ تسود فيه اللاّدينيّة وما ينتج عنها من الفوضى، وهذه الفوضى سببها إعطاء الحريّة الزّائدة لطوائف من النّاس لا تملك استعدادًا لها، ويجب في عاقبة الأمر الرّجوع إلى العنف واستعمال القوّة لتسكين هياج النّاس ووضع قانون للحدّ من الفوضى والاضطرابات. ومن الواضح أنّ كلّ أمّةٍ تتمنّى الاستقلال والحريّة لتفعل ما تشاء ولكنّ بعض الأمم لا يملك استعدادًا لها. هذا وإنّ العالم متّجهٌ نحو اللاّدينيّة وسوف تؤدّي إلى الهرج والمرج. ولقد قلت لكم مرارًا أنّ المسائل الخاصّة بشؤون الصّلح بعد الحرب إنّما هي الآن في الواقع بياض الفجر وليست بشروق الشّمس".



مجيء ملكوت الله



خلال هذه الأوقات العصيبة يترعرع أمر الله. فالنّكبات الّتي خلقتها أنانيّات الكفاح للبقاء الفرديّ أو للكسب الحزبيّ أو الطائفيّ أو القوميّ تؤدّي بالنّاس في غمرة يأسهم إلى الرّجوع إلى التماس الدّواء الّذي وصفته كلمة الله لهم. وكلّما ازدادت النّكبات ازداد توجّه النّاس إلى الدّواء الحقيقيّ. وقد كتب بهاءالله في لوحه إلى الشّاه:-


"قد جعل الله البلاء غاديةً لهذه الدّسكرة الخضراء وذبالة لمصباحه الّذي به أشرقت الأرض والسّماء.. لم يزل بالبلاء علا أمره وسنا ذكره هذا من سنّته قد خلت في القرون الخالية والأعصار الماضية".



وقد تنبّأ بهاءالله وعبدالبهاء كلاهما بعباراتٍ أكيدةٍ بقرب انتصار الرّوحانيّة على المادّية وتأسيس الصّلح الأعظم بالنّتيجة. وقد كتب عبدالبهاء سنة 1904 ما ترجمته:-



"اعلم أنّ الشّدائد والرّزايا سوف تزداد يومًا فيومًا وسوف يُبتلى النّاس بالبؤس والنّكبات وتغلق أبواب السّرور والرّاحة والاطمئنان من جميع الجهات وتقع حروبٌ مهيبةٌ ويحيط اليأس والقنوط بجميع الخلق إلى درجة يضطرّون فيها إلى التّوجه إلى الله وحينذاك تنير أنوار السّعادة جميع الآفاق وترتفع صيحات "يا بهاءالله" من جميع الأطراف والأكناف"([9]).



وعندما سُئل عبدالبهاء في شباط سنة 1914 عمّا إذا كانت أيّة دولة من الدّول العظمى ستؤمن وتدخل في ظلّ أمر الله، أجاب:-



"إنّ جميع أهل العالم سوف يؤمنون. ولو قارنتم بداية أمر الله بحاضره لشاهدتم سرعة انتشار كلمة الله. والآن أيضًا أحاط أمر الله العالم، ولاشكّ في أنّ الجميع سيدخلون في ظلّ أمر الله"([10]).



وقد صرّح عبدالبهاء بأنّ الوحدة العالميّة سوف تتأسّس خلال القرن الحاليّ، وكتب في أحد ألواحه ما ترجمته:-


"إنّ جميع أفراد العائلة البشريّة سواء شعوبها أم حكوماتها ومدنها أم قراها صار بعضها يعتمد على البعض الآخر اعتمادًا متزايدًا لأنّ الاكتفاء الذّاتيّ ما عاد بعد اليوم ممكنًا حيث صارت الرّوابط السّياسيّة توحّد بين الشّعوب والملل وصارت العلاقات التّجاريّة والصّناعيّة والزّراعيّة والتّربويّة تتقوّى يومًا فيومًا. وبناءً على ذلك صار بالإمكان في هذا اليوم تحقيق وحدة جميع الجنس البشريّ. وليس هذا الأمر في الواقع إلاّ إحدى عجائب هذا العصر العظيم وهذا القرن المجيد. وقد حُرمت العصور الماضية من هذه المعجزة لأنّ هذا القرن قرن النّور وقد وُهِب جلالاً فريدًا وقوّةً ونورانيّةً لم يسبق لهما مثيل. ولهذا صرنا نرى كلّ يوم عجائب جديدة تنكشف لناظرنا. وأخيرًا سوف يتجلّى للعالم كيف أنّ مصابيحه ستشتعل في المحافل الإنسانيّة اشتعالاً باهرًا منيرًا".





([1]) التّثنية 18: 21-22، ومثل هذا القول جاء في رسالة الرّسول زردشت الآية 50-53: "يسألونك كيف نعرف الرّسول الصّادق في أقواله وفي أفعاله؟ قل بالشيّء الّذي يعرفه هو والّذي لا يعرفه غيره، وكلّ ما يفعله لا يستطيع الآخرون الإتيان بمثله".


([2]) قال السّيد المسيح: "يشبه ملكوت السّموات حبّة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي أكبر البقول وتصير شجرة حتى أنّ طيور السّماء تأتي وتتآوى في أغصانها" (متّى 31:13). ومثل هذا المثل بذاته جاء في القرآن الكريم: "ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً: كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء، تؤتي أُكُلها كلّ حين بإذن ربّها، ويضرب الله الأمثال للنّاس لعلّهم يتذكّرون" (سورة إبراهيم24).


([3]) متّى 11: 4-6.


([4]) كتب بهاءالله في الكلمات الفردوسيّة ما ترجمته:-

"حقًّا أقول أنّ المحبوب في كل أمر من الأمور هو الاعتدال ومتى تجاوز صار سبب الأضرار. انظروا إلى تمدّن أهل الغرب كيف أصبح سببًا لاضطراب العالم ووحشتهم حيث هيّئت آلات جهنّميّة وظهرت قساوة لقتل النّفوس بدرجة لم تر عين العالم شبهها ولم تسمع آذان الأمم نظيرها. وإنّ إصلاح هذه المفاسد القويّة القاهرة يستحيل إلاّ باتّحاد أحزاب العالم في الأمور أو مذهب من المذاهب. اسمعوا نداء المظلوم وتمسّكوا بالصّلح الأكبر. إنّ في الأرض أسبابًا عجيبة غريبة ولكنّها مستورة عن الأفئدة والعقول، وتلك الأسباب قادرة على تبديل هواء الأرض كلّها وسمّيتها سبب للهلاك. سبحان الله قد شوهد أمر عجيب: وهو أنّ البرق أو ما يماثله مطيع للقائد ويتحرّك بأمره، تعالى القادر الّذي أظهر ما أراد بأمره المحكم المتين" (الكلمات الفردوسيّة – التّرجمة العربيّة – الصّفحة 134).


([5]) وتجلّت هذه الحقيقة مرّةً أخرى خلال الحرب العالميّة الثّانية.


([6]) اسطنبول.


([7]) نقلاً عمّا كتبته المسز كورين ترو في شيكاغو في مجلّة الشّاطئ الشّماليّ الأسبوعيّة في 26 أيلول (سبتمبر) سنة 1914.


([8]) من خطابه في حيفا يوم 3 آب (أغسطس) سنة 1914 في مجلّة نجمة الغرب ج5 ص163.


([9]) من لوح إلى ل. د. ب. في مجموعة الحرب والسّلم الصّفحة 187.


([10]) مترجم عن مجلّة نجمة الغرب ج9 ص31.

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
الباب الرّابع عشر

ماضي وحاضر ومستقبل الأمر البهائيّ



"إنّي أشهد يا أيّها الأحبّاء أنّ النّعمة قد تمّت والحجّة قد كملت، والبرهان قد ظهر والدّليل قد قام. فلننظر الآن ماذا تبديه همّتكم من مراتب الانقطاع، كذلك تمّت النّعمة عليكم وعلى من في السّموات والأرضين والحمد لله ربّ العالمين".
"بهاءالله"([1])




تقدّم الأمر البهائيّ



يستحيل علينا في هذا المجال المحدود أن نصف بالتّفصيل تقدّم الدّين البهائيّ في أنحاء العالم، إذ قد يحتاج شرح هذا الموضوع البديع الجذّاب إلى عدّة فصول. وهناك كثير من الأحداث الّتي تهزّ المشاعر والقلوب قد حدثت لشهداء هذا الأمر وروّاده الّذين نشروه في أطراف الأرض. لهذا نكتفي بذكر موجز قصير جدًّا حول هذا الموضوع.



ففي إيران لقي المؤمنون الأوّلون بهذا الظّهور أقصى أنواع المقاومة والاضطهاد والقسوة على أيدي أبناء وطنهم، ولكنّهم


قابلوا كلّ تلك المحن والمصائب ببطولةٍ فائقةٍ وبصبرٍ وثباتٍ. وكان تعميدهم بدمائهم حيث هلكت عدّة ألوف من الشّهداء بينما ضُربت الألوف الأخرى وسُجنت وجُرّدت من ممتلكاتها وطُردت من مواطنها وعُذّبت بطرقٍ أخرى. ومرّت ستّون سنة لم يتجاسر خلالها أحدٌ في إيران بالانتساب علنًا إلى الباب أو بهاءالله وإذا انتسب كان ذلك مخاطرة بأمواله وبحريّته وحتّى بحياته، لكنّ هذه المقاومة الوحشيّة المتعمّدة لم تستطع صدّ تقدّم الأمر البهائيّ أكثر من عاصفة غبار تمنع شروق الشّمس الأكيد.



ففي طول إيران وعرضها هناك بهائيّون في كلّ مدينةٍ وفي كلّ قصبةٍ وفي كلّ قريةٍ وحتّى بين العشائر الرّحل فيها. وفي بعض القرى يكوّن البهائيّون كلّ السّكّان وفي بعضها يكوّنون الأغلبيّة العظمى من السّكّان وقد انضم إلى صفوفها أبناء المذاهب المختلفة الّتي كانت في منتهى العداوة فيما بينها فدخلت الآن في أخوّة عظمى اعتُرفت بأهميّتها لا فيما بينها ٍفحسب بل مع جميع العاملين في توحيد البشريّة ورفعتها من أجل إزالة جميع التّعصّبات والخصومات ومن أجل تأسيس ملكوت الله على الأرض.



فأيّة معجزة هناك أعظم من هذه؟ هناك معجزة واحدة هي إنجاز المهمّة الّتي كرّس هؤلاء النّاس أرواحهم من أجلها في جميع أنحاء العالم، والدّلائل متوفّرة على أنّ هذه المعجزة العظمى تتقدّم الآن أيضًا في طريق تحقّقها. ويكشف الدّين البهائيّ يومًا فيومًا عن قوّةٍ حيويّةٍ مدهشةٍ في انتشاره انتشار الخميرة في جسم البشريّة الهائل


مقلّبًا أحوال الشّعوب والجامعات خلال انتشاره فيها([2]).



وقد يبدو عدد البهائيّين الصّغير غير ذي بالٍ إذا ما قورن بعدد أتباع الأديان القديمة، ولكنّ البهائيّين مطمئنّون إلى أنّ القوّة الإلهيّة قد باركتهم بمنحها إيّاهم امتياز خدمة نظام عالميّ جديد سوف تجتمع فيه الأفواج من الشّرق والغرب في يومٍ ليس ببعيد.



ومع أن الرّوح القدس قد انعكس في الحقيقة والواقع في جميع أقطار العالم من القلوب الطّاهرة الّتي لا تدري منبعه العظيم وبالرّغم من أنّ تقدّم الدّين البهائيّ يتجلّى في الجهود الكثيرة المبذولة خارج الجامعة البهائيّة لترويج تعاليم بهاءالله، لكنّ افتقار جميع الأنظمة القديمة إلى قواعد راسية برهان مقنع على أنّ المُثل العليا للملكوت لن تؤتي ثمارها إلاّ داخل إطار الجامعة البهائيّة.



براهين رسالة الباب وبهاءالله



كلّما درسنا حياة الباب وبهاءالله وتعاليمهما استحال علينا الوصول إلى تفسير عظمتهما عن أيّ طريق آخر غير طريق إلهامهما الإلهيّ. فقد نشأ كلاهما في جوٍّ من التّعصب والتّزمت فظيع، ونال كلاهما قسطًا ضئيلاً من التّعليم، ولم يكن لكليهما أي اتّصال بالثّقافة الغربيّة، وكلاهما لم تكن له قوّات سياسيّة أو ماليّة تسنده، ولم يسأل كلاهما النّاس إلاّ العدل والإنصاف ولم ينل كلاهما منهم إلاّ الظّلم والاعتساف، وقد تجاهلهما عظماء الأرض أو قاوموهما،


وكلاهما قد ضُرب وعُذّب وسُجن وتعرّض إلى أقصى المصائب في سبيل إتمام رسالته، وكلاهما وقف ضدّ العالم من دون مُعين إلاّ الله، ومع ذلك فقد انتصر كلاهما انتصارًا رائعًا مبينًا.



إنّ سموّ مبادئهما، ونبل حياتهما، وتضحياتهما، وشجاعتهما الّتي لا تهاب أحدًا، ورسوخ عقيدتهما الّتي لا تقهر، وحكمتهما المدهشة، ومعرفتهما المحيّرة، وإحاطتهما باحتياجات أهل الغرب وأهل الشّرق، ومدى شمول تعاليمهما الملائمة لمقتضيات العصر والزّمان، وقدرتهما في بعث الإخلاص وبثّ الحماس في اتباعهما، واختراق نفوذهما وقدرتهما جميع الآفاق – كلّ هذه براهين على رسالتهما، ولهذه البراهين في قوّة إقناعها ما لأيّة براهين أخرى تضمّنتها تواريخ الأديان.



مستقبل مجيد



إنّ البشرى الّتي تزفّها البهائيّة تكشف للنّاس عن مشاهد فضل الله العظيم ولطفه العميم في التّقدّم الباهر المقبل الّذي قُدّر للعالم الإنسانيّ. وهذا الفضل وتلك النّعمة ليست في الواقع إلاّ هذا الظّهور الأعظم الأبهى الّذي تجلّى للإنسانيّة فحقّق وعود جميع الظّهورات الإلهيّة السّالفة. وليس هدفه إلاّ بعث الإنسانيّة بعثًا جديدًا وتجديدها وخلق "سموات جديدة وأرض جديدة" وهذه نفس المهمّة الّتي من أجلها ضحّى السّيد المسيح وجميع الرّسل أرواحهم، ولا مشاحة بينهم وهم على ذلك متّفقون. ولن تتحقّق هذه المهمّة العظمى على يد هذا المظهر الإلهيّ وحده أو على يد ذاك المظهر الإلهيّ وحده بل على أيديهم جميعًا فيقول عبدالبهاء:-


"إذا أردنا تمجيد السّيد المسيح فلا حاجة لنا بذمّ حضرة إبراهيم، وإن أردنا الثّناء على حضرة بهاءالله فلا ضرورة تلجئنا إلى الحطّ من شأن السّيد المسيح. فعلينا أن نقبل حقيقة الألوهيّة في أيّ هيكل تجلّت. وخلاصة مقصودي هو أنّ جميع الأنبياء العظام قد ظهروا من أجل رفع راية الكمالات الإلهيّة، وكلّهم كالكواكب الدّرهرهة اللاّمعة. وقد أشرق كلّ واحد منهم من سماء مشيئة الله وأضاء فوهب العالم نورًا"([3]).



وهذه المهمّة العظمى هي مهمة الله. والله لا يدعو الرّسل وحدهم بل يدعو جميع الإنسانيّة لتشارك في تحقيق هذا التّدبير الإلهيّ الخلاّق. فإذا رفضنا دعوته لن نعيق عمله، لأنّ ما أراده الله يجري. ولكنّنا إذا فشلنا في أن نلعب دورنا فإنّه يختار آلات أخرى ويقيمها لإنجاز مقصوده، فيضيع من أيدينا الهدف الحقيقيّ والمقصود الأصليّ لحياتنا. فالفناء في الله، والتّحول إلى أن نكون عشّاقه وعبيده، وأن نكون قنوات طيِّعة، ووسطاء ممتازين لتنفيذ قوتّه الخلاّقة، لا نشعر بأيّة حياة في باطننا غير حياته الإلهيّة الفائضة – كلّ هذه وفقًا للتّعاليم البهائيّة هي النّهاية المجيدة الّتي تسمو فوق كلّ وصف والّتي قُدّر للكائنات البشريّة أن تنتهي إليها.



والبشريّة على كلّ حال سليمة في فطرتها لأنّها خُلقت على شِبه الله([4]). وحينما ترى الإنسانيّة الحقيقة فإنّها في النّهاية سوف لا تصّر على طرق الضّلال. ويطمئننا بهاءالله بأنّ نداء الله سوف يُستجاب


عمّا قريب في كلّ الجهات، وسوف تتوجّه الإنسانيّة بكاملها إلى إطاعة الحقّ "فتتبدّل كلّ الأحزان إلى سرور وكلّ الأمراض إلى صحّة وشفاء"، وسوف يصبح هذا العالم ملكوتًا "لربّنا ومسيحه فيملك إلى أبد الآبدين"([5]).



ولن يندمج أهل الأرض وحدهم في إرادة الله بل جميع أولئك الّذين هم في السّموات يندمجون في إرادة الله وسوف يبتهج الجميع إلى الأبد فيه.



تجديد الدين



إنّ حالة العالم في هذا اليوم تقدّم لنا الدّليل النّاصع على أنّ النّاس جميعًا – إلاّ ما شذّ وندر – في كلّ الأديان يحتاجون إلى يقظة ينتبهون فيها إلى المعاني الحقيقيّة المقصودة من أديانهم بالذّات. وكانت هذه اليقظة هي الجزء المهمّ من أعمال بهاءالله، فقد جاء ليجعل المسيحيّين مسيحيّين كاملين وليجعل المسلمين مسلمين كاملين وليجعل البشر عمومًا يسيرون طبقًا للرّوح الّتي أوحتها إليهم رسلهم. وهو ينفّذ الوعد الّذي وعدت به جميع الرّسل وذلك حتّى ظهور مظهر كلّي أعظم في "منتهى الأيّام"، يظهر ليتوّج جهود الرّسل ويوصلها إلى غايتها الّتي نشدتها، وليكشف عن الحقائق الرّوحانيّة كشفًا أوسع ممّا كشفه أسلافه، ويعلن إرادة الله حول كلّ مشكلة من مشاكل الحياة الفرديّة والاجتماعيّة الّتي تجابهنا في العالم اليوم، ويعطينا تعليمًا عامًّا يكون الأساس الرّاسخ الّذي


يمكن أن تبنى عليه حضارة أحسن من حضارتنا – تعليمًا عامًّا يوافق حاجات العالم في العصر الجديد الّذي بدأ الآن.



الحاجة إلى وحي سماويّ جديد



إنّ توحيد العالم الإنسانيّ، والتحام الأديان العالميّة التحامًا تامًّا، والتّوفيق بين العلم والدّين، وتأسيس السّلام العام، والتّحكيم لدى بيت عدل دوليّ، واللّغة العالميّة، وتحرير المرأة، والتّربية العالميّة وإلغاء العبوديّة والرّق الصّناعي، وتنظيم الإنسانيّة كوحدةٍ واحدةٍ مع مراعاة حقوق الأفراد وحرّيّاتهم – كلّ هذه تكوّن المشاكل الجسام الهائلة والواجبات العظمى الّتي لا يزال المسيحيّون والمسلمون وأهل الأديان الأخرى يأخذون بآراءٍ متناحرةٍ تجاهها. لكنّ بهاءالله أعلن بوضوح مبادئ محدّدة سوف يؤدّي الأخذ بها عمومًا إلى جعل العالم جنّة النّعيم.



جاء الحقّ للنّاس كافة



هناك كثيرٌ من الناّس يعتقدون أنّ تعاليم بهاءالله ممتازة وضروريّة لإيران وللشّرق، ويتصوّرون أنّها ليست ضروريّة لأمم الغرب وليست ملائمة لها. وقد أجاب عبدالبهاء شخصًا ذكر له مثل هذا الرّأي:-



"إنّ هدف دين بهاءالله هو أنّ كلّ أمر يؤدّي إلى خير الجميع أمرٌ ربّاني وكلّ أمر ربّانى يؤدّي إلى خير الجميع. فإذا كان حقًّا فهو حقٌّ للجميع وإذا لم يكن حقًّا فليس لأحد. لهذا فالأمر الإلهيّ الّذي فيه الخير للجميع لا يجوز اقتصاره على الشّرق أو على


الغرب لأنّ أشعّة شمس الحقيقة تنير الشّرق والغرب كليهما، وتؤثّر حرارتها في الشّمال والجنوب، ولا فرق بين قطبٍ وقطب. ففي زمان ظهور المسيح ظنّت الأمّتان الرّومانيّة واليونانيّة أنّ دين المسيح يختصّ باليهود وحدهم ورأت نفسها ذات مدنيّة لا تحتاج إلى اقتباس واستفاضة من تعاليم المسيح، فحرمت هاتان الأمّتان نفسيهما من فيوضات أمره. لهذا إعلم أنّ حقيقة تعاليم المسيح وحقيقة تعاليم بهاءالله واحدة وكلتاهما تسيران على نهجٍ واحدٍ وصراطٍ واحدٍ وترتقيان في كلّ عصرٍ حسب رقيّ ذلك العصر. ففي وقت من الأوقات كانت هذه التّأسيسات الإلهيّة في عالم الجنين ثمّ وُلدت فكانت لها فترة طفولة وبعدها بلغت سن الرّشد والشّباب ولكنّها اليوم في كمال الجمال والملاحة والنّورانيّة مشرقة بالأنوار.



"فطوبى لنفسٍ توصّلت إلى الأسرار ودخلت عالم الأنوار".



ألواح وصايا عبدالبهاء



دخل الدّين البهائيّ صفحةً جديدةً من صفحات تاريخه بصعود قائده المحبوب عبدالبهاء. وتُمثّل هذه الصّفحة وضعًا روحانيًّا أكثر سموًّا، وتعبيرًا عن الدّين أكثر نضوجًا وأكثر مسؤوليّة شعر بها أتباعه. وقد كرّس عبدالبهاء طاقاته فوق البشريّة لمهمّة نشر محبّته نحو بهاءالله في الشّرق والغرب وأشعل مصباح الدّين في أرواح لا عداد لها ودرّبها على صفات الحياة الرّوحانيّة الفرديّة وهداها إلى سجاياها، ونظرًا للخطورة البالغة الّتي عليها تِلكُم الوصيّة الأخيرة الّتي أوصاها عبدالبهاء في ألواح وصايا عهده وميثاقه، ونظرًا لخطورة النّتائج الّتي تترتّب عليها والحكمة البالغة المودعة في


نصوصها، نقدّم بضعة مقتطفات تصوّر تصويرًا حيًّا الرّوح الّتي أحيت عبدالبهاء والمبادئ الرّئيسيّة الّتي هدته والّتي نقلها إلى أحبّائه المخلصين ميراثًا فريدًا:-



"يا أحبّاء الله إنّ النّزاع والجدال في هذا الدّور المقدّس ممنوع وإنّ كلّ معتدٍ محروم. فيجب الأخذ بمنتهى المحبّة والصّدق والحقّ مع جميع المذاهب والأقوام قريبين كانوا أم غرباء ويجب إبداء اللّطف والشّفقة إليهم من أعماق القلب بل يجب أن تصل المحبّة واللّطف بهم إلى درجة يحسب الغريب نفسه قريبًا ويعتبر العدوّ نفسه بينهم صديقًا وأعني أن لا يفكّر أحدٌ في تفاوت المعاملة لأنّ الإطلاق أمرٌ إلهيّ والتّقييد من خواص الكائنات... إذن أيّها الأحبّاء الأودّاء عاملوا جميع الملل والطّوائف والأديان بمنتهى الصّدق والمحبّة والوفاء والشّفقة والمودّة وحبّ الخير للجميع حتّى يصبح عالم الوجود ثملاً من كأس البهاء وتزول من وجه الأرض ألوان الجهل والعداوة والبغضاء والحقد وتتبدّل ظلمة التّفرقة عن جميع الشّعوب والقبائل إلى أنوار الوحدة والوئام وإذا عاملتكم بقيّة الأمم بالجفاء فأنتم قابلوهم بالوفاء وإذا ظلموكم فعاملوهم بالعدل والإنصاف وإذا اجتنبوا عنكم فاجذبوهم وإذا ناصبوكم العداء بادلوهم الحبّ والوفاء وإذا أعطوكم سمًّا هبوهم شهدًا وإذا جرحوكم كونوا لجراحهم مرهمًا. هذه صفة المخلصين وسمة الصّادقين...



"يا أحبّاء الله يجب أن تخضعوا لسرير سلطنة كلّ ذي تاجٍ عادلٍ وتخشعوا لعتبة كلّ ملكٍ كاملٍ واخدموا الملوك بمنتهى الصّدق


والأمانة وكونوا مطيعين وراجين الخير لهم ولا تتدخّلوا في الأمور السّياسيّة من دون إذنهم وإجازتهم لأنّ خيانة كلّ سلطانٍ عادلٍ خيانة لله. هذه نصيحة منّي وفرض عليكم من عند الله فطوبى للعاملين...



"ترى يا إلهي يبكي على كلّ الأشياء ويفرح ببلائي ذوو القربى. فوعزّتك يا إلهي بعض الأعداء رثوا على ضرّي وبلائي وبكوا بعض الحسّاد على كربتي وغربتي وابتلائي لأنّهم لم يروا منّي إلاّ كلّ مودّة واعتناء ولم يشاهدوا من عبدك إلاّ الرّأفة والولاء فلمّا رأوني خائضًا في عباب المصائب والبلاء وهدفًا لسهام القضاء رقّوا لي وتدمّعت أعينهم بالبكاء وقالوا نشهد بالله بأنّنا ما رأينا منه إلاّ وفاءً وعطاءً والرأفة الكبرى ولكنّ النّاقضين النّاعقين زادوا في البغضاء واستبشروا بوقوعي في المحنة العظمى وشمّروا عن السّاق واهتزّوا طربًا من حصول حوادث محزنة للقلوب والأرواح. ربّ إنّي أدعوك بلساني وجناني أن لا تؤاخذهم بظلمهم واعتسافهم ونفاقهم وشقاقهم لأنّهم جهلاء بلهاء سفهاء لا يفرقّون بين الخير والشّر ولا يميّزون العدل والإنصاف عن الفحشاء والمنكر والاعتساف. يتّبعون شهوات أنفسهم ويقتدون بأنقصهم وأجهلهم. ربّ ارحمهم واحفظهم من البلاء بهذا الأثناء، واجعل جميع المحن والآلام لعبدك الواقع في هذه البئر الظّلماء، وخصّصني بكلّ بلاء واجعلني فداءً لجميع الأحبّاء فديتهم بروحي وذاتي ونفسي وكينونتي وهويّتي وحقيقتي يا ربّي الأعلى.



"إلهي إلهى إنّي أكبّ بوجهي على تراب الذّل والإنكسار


وأدعوك بكلّ تضرّعٍ وابتهال أن تغفر لكلّ من آذاني بسوء وأهانني وتبدّل سيّئات كلّ من ظلمني بالحسنات وترزقهم من الخيرات وتقدّر لهم كلّ المسرّات وتنقذهم من الحسرات وتقدّر لهم كلّ راحة ورخاء وتختصّهم بالعطاء والسّراء إنّك أنت العزيز المهيمن القيّوم.



"إنّ حوّاريي حضرة الرّوح (المسيح) نسوا أنفسهم وجميع شؤونهم نسيانًا تامًّا وتركوا راحتهم واستقرارهم وتقدّسوا عن الأهواء وتنزّهوا عن المشتهيات وتبرّؤوا عن كلّ التّعلقات وانتشروا في الممالك والدّيار وقاموا على هداية من على الأرض حتّى جعلوا العالم عالمًا آخر وحوّلوا عالم التّراب إلى عالم الأنوار وختموا حياتهم بفداء أرواحهم في سبيل ذلك المحبوب الرّحمانيّ واستشهد كلّ واحد منهم في إحدى الدّيار فبمثل هذا فليعمل العاملون.



"إلهي إلهي أشهدك وأنبياءك ورسلك وأولياءك وأصفياءك بأنّي أتممت الحجّة على أحبّائك وبيّنت لهم كل شيء حتّى يحافظوا على دينك والطّريقة المستقيمة وشريعتك النّوراء. إنّك أنت المطّلع العليم".



وبصعود عبدالبهاء حان الوقت لتأسيس النّظام الإداريّ الّذي سمّي بالنّموذج وبالنّواة "لنظام عالميّ" قدّر لدين بهاءالله أن يؤسّسه.



وإنّ عهد عبدالبهاء وميثاقه هو نقطة التّحول في التّاريخ البهائيّ الّتي تفصل عصر عدم النّضوج وعدم المسؤوليّة عن العصر الّذي قدّر للبهائيّين فيه أن يتمّموا ويحقّقوا روحانيّتهم عن طريق توسيع


مداها من منطقة الفرديّة الشّخصية إلى منطقة التّعاون والوحدة الاجتماعيّة. وإنّ العناصر الرّئيسيّة الثّلاثة في الخطّة الإداريّة الّتي تركها عبدالبهاء من بعده هي:-



1. وليّ أمر الله.

2. أيادي أمر الله.

3. المحافل الرّوحانيّة المحليّة والمركزيّة وبيت العدل العالميّ.



وليّ أمر الله



عيّن عبدالبهاء حفيده الأرشد شوقي أفندي ليشغل مقام وليّ أمر الله وهو مقام مسؤوليّات الأمر البهائيّ الجسام وشوقي أفندي هو الولد الأكبر لإبنة عبدالبهاء ضيائية خانم وإنّ والده الميرزا هادي أفنان كان من أقرباء الباب ولم يكن من نسله لأنّ ابن الباب الوحيد مات في طفولته. وفي زمن صعود عبدالبهاء كان عمر شوقي أفندي خمسًا وعشرين سنة وكان مشغولاً بالدّراسة في كليّة باليول في أكسفورد وقد أُعلن تعيينه وليًّا لأمر الله في وصيّة عبدالبهاء على النّحو التّالي بالنّص:-



"أيّها الأحباء الأودّاء! بعد فقدان هذا الملظلوم يجب على أغصان السّدرة المباركة وعلى أفنانها وعلى أيادي أمر الله وعلى أحبّاء الجمال الأبهى أن يتوجّهوا إلى فرع السّدرتين الّذي نبت من الشّجرتين المقدّستين المباركتين وجاء إلى الوجود من اقتران فرعيّ الدّوحتين الرّحمانيّتين أعني شوقي أفندي لأنّه آية الله والغصن الممتاز ووليّ أمر الله ومرجع جميع الأغصان والأفنان وأيادي أمر الله وأحبّاء الله ومبيّن آيات الله ومن بعده بكرًا بعد بكر أي في


سلالته. وإنّ الفرع المقدّس (أي وليّ أمر الله) وبيت العدل العمومي الّذي سوف يتأسّس ويتشكّل بانتخاب العموم هما تحت حفظ الجمال الأبهى وصيانته وفي ظلّ العصمة الفائضة من حضرة الأعلى وحراسته روحي لهما الفداء وكلّ ما يقرّره ويقرّرونه هو من عندالله...



"يا أحبّاء الله يجب على وليّ أمر الله أن يعيّن بنفسه من هو بعده في زمان حياته حتّى لا يحصل اختلاف بعد صعوده ويجب على الشّخص المعيّن أن يكون مظهر التّقديس والتّنزيه وتقوى الله والعقل والفضل والكمال ولهذا إذا لم يكن ابن وليّ أمر الله البكر مظهر "الولد سرّ أبيه" أعني لم يكن من عنصره الرّوحانيّ ولم يجتمع فيه شرف الأعراق بحسن الأخلاق يجب عليه انتخاب غصنٍ آخر وينتخب أيادي أمر الله من بين جمعيّتهم أنفسهم تسعة أشخاص يكونون مشغولين دائمًا بالخدمات الأمريّة الّتي ينيطها بهم وليّ أمر الله. ويتمّ انتخاب هؤلاء الأشخاص التّسعة إمّا بإجماع مجمع الأيادي أو بأكثريّة آرائهم. وهؤلاء الأشخاص التّسعة يجب أن يصادقوا على الغصن الّذي انتخبه وليّ أمر الله مصادقة تكون إجماعيّة أو بأكثريّة الآراء، ويجب أن تتمّ هذه المصادقة بطريقة لا يعرف منها المصادق من غير المصادق..."- مترجمًا.



أيادي أمر الله



عيّن بهاءالله في أيّام حياته بضعةً من أحبّائه الممتحنين المعتمدين ليقوموا بترويج أمر الله. وأعطاهم لقب "أيادي أمر الله" وكتب عبدالبهاء في ألواح وصاياه نصًّا بتأسيس هيئة دائميّة من بين


مجمع أيادي أمر الله تقوم بخدمة أمر الله وبمساعدة وليّ أمر الله وهذه ترجمة النّص:



"أيّها الأحبّاء! إنّ وليّ أمر الله يجب أن يعيّن أيادي أمر الله ويسمّيهم... وإنّ وظيفة أيادي أمر الله هي نشر نفحات الله وتربية النّفوس وتعليم العلوم وتحسين أخلاق الجميع والتّقديس والتّنزيه في جميع الشّؤون ويجب أن تظهر تقوى الله وتتجلّى من أطوارهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم. وإنّ مجمع أيادي أمر الله يكون تحت إدارة وليّ أمر الله وعليه أن يحثّهم دائمًا على السّعي والجدّ والإجتهاد في نشر نفحات الله وفي هداية من على الأرض لأنّ جميع العوالم إنّما تتنوّر بنور الهداية"([6]).



النّظام الإداريّ([7])



عرف عن الأديان أنّ أيّ تنظيم يحدث فيها يصير سببًا في منع سريان الرّوحانيّة الحقيقيّة في الأمّة وصد اندفاعها الأصلي عن الاستمرار في سيره في العالم. وقد أصبح كلّ تنظيم فيها بديلاً عن الدّين ذاته إلى الأبد بدلاً من أن يكون وسيلة وآداة تكشف عن تأثير


الدّين ونفوذه. وممّا أدّى إلى هذه النّتيجة المحتومة انقسام الأمم إلى مذاهب مختلفة انقسامًا لم ينتقص بأيّ اتّصال سلميّ بنّاء ولم يمكن تفاديه بأيّة وسيلة كانت. وفي الواقع لم ترد في أي دين من الأديان السّماويّة السّابقة مبادئ واضحة تهدي الجهاز الإداريّ الّذي أسّسه وتصون وحدة الأمّة في خلال دورته.



أمّا في الدّين البهائيّ فقد أوضح بهاءالله مبادئ الإدارة العالميّة ثم طوّر عبدالبهاء هذه المبادئ في آثاره الكتابية وبصورة خاصّة في ألواح وصايا عهده وميثاقه.



والغرض من هذا النّظام الإداريّ هو الوصول إلى وحدةٍ حقيقيّةٍ دائميّةٍ بين شعوبٍ بشريّةٍ من أجناسٍ مختلفةٍ ومن فئاتٍ متباينةٍ ومصالحٍ مختلفةٍ وعاداتٍ وأخلاقٍ متمايزةٍ وعقائدٍ مختلفةٍ متوارثةٍ فيهم. وبدراستنا لهذه النّاحية من الدّين البهائيّ دراسة دقيقة شاملة سنرى أنّ غاية الإدارة البهائيّة ووسيلتها قد وضعتا بشكلٍ يجعلهما يتّفقان والرّوح الأساسيّة الموجودة في الظّهور الجديد كما تتّفق الرّوح والجسد في الإنسان. فطبيعة المبادئ البهائيّة تمثّل علم التّعاون، وعند تطبيقها تتطلّب هذه المبادئ نوعًا جديدًا أسمى من الأخلاق يكون عالميًّا في نطاقه ومداه.



وتختلف كلّ جامعة بهائيّة عن أيّة تجمّعات أخرى تمّت دون إجبار في كون أساسها شامل يستطيع أن يضمّ كلّ إنسان مخلص. وبينما نجد المجامع الأخرى مقصورة في فعّاليّتها على جهة واحدة إن لم يكن هذا في هدفها المقصود، ومقصورة على جهة واحدة أخرى في طريقتها إن لم يكن ذلك في عقيدتها، نجد المجتمعات


البهائيّة ليست مقصورةً على جهةٍ واحدةٍ دون أخرى ولا تسدّ أبواب الأخوّة في وجه أيّ إنسان مخلص. وفي كلّ إجتماع تعقده أيّة جمعيّة من الجمعيّات المختلفة هناك يكمن أو يتطّور مبدأ واحد من مبادئ انتقاء أفرادها. وفي أفق الدّين نرى هذا المبدأ على شكل عقيدة تحدّدها طبيعة نشأتها التّاريخية وفي أفق السّياسة نرى هذا المبدأ على شكل حزب أو منبر معيّن، وفي أفق الاقتصاد نرى هذا المبدأ على شكل قوّة مشتركة أو على شكل محنة مشتركة، وفي أفق الفنون والعلوم نجد هذا المبدأ يتكوّن بتدريب خاص أو بفعاليّة خاصّة أو ميل خاص، وفي جميع هذه الأشياء كلّما كان أساس الإنتقاء محدودًا ومقتصرًا على فئة قليلة من المختارين كانت الحركة أقوى، وهذا موقف يخالف موقف الدّين البهائيّ مخالفةً تامّةً وهو وإيّاه على طرفي نقيض. ولهذا نرى الدّين البهائيّ، مع كلّ ما أوتي من روح النّمو والتّوسع، يتقدّم تقدّمًا بطيئًا في زيادة عدد أتباعه العاملين وذلك لأنّ النّاس قد اعتادوا على الانقسامات في جميع الشّؤون واعتادوا على انتقاء قلّة مختارة تكون فئة خاصّة، وقد صدرت أحكام هامّة عن تلك الفئات ولازالت تصدر لتبرير هذه الانقسامات.



وإذا أراد المرء الدّخول إلى الجامعة البهائيّة فعليه أن يترك وراءه هذه الانقسامات وهذه الأحكام، وتلك بداية تعرّض المرء إلى محنة قاسية وآلام جديدة، لأنّ الأنانيّة البشريّة تثور ضدّ قرار المحبّة العالميّة. وهنا يتحتّم على العلماء أن يتعاشروا مع الأفراد غير المتعلّمين ويتحتّم على الأغنياء أن يعاشروا الفقراء، ويتحتّم على


البيض أن يعاشروا السّود، ويتحتّم على المتصوّفة أن يعاشروا المتمسّكين بحرفية الكلمات، ويتحتّم على المسيحيّين أن يعاشروا المسلمين، ويتحتّم على المسلمين أن يعاشروا الزّردشتيّين، ويتمّ كلّ ذلك على أسس اكتساح الامتيازات والبديهيّات المعترف بها منذ عهدٍ بعيدٍ.



إلاّ أنّ هناك تعويضات عظيمة مقابل هذه المحنة القاسية. ولنتذكّر أنّ الفنون تصبح عقيمةً إذا ابتعدت عن الرّوح الإنسانيّة العامّة، وأنّ الفلسفة تفقد بصيرتها إذا نشأت في عزلة، وأنّ السّياسة والدّين لن يُكتب لهما النّجاح إذا ابتعدا عن الاحتياجات البشريّة العامّة. هذا وإنّ الطّبيعة البشريّة لم تستكشف ولم تسبر أغوارها بعد لأنّنا جميعًا عشنا في حالة دفاع عقليّ وخلقيّ وعاطفيّ واجتماعيّ وإنّ علم النّفس الخاص بالدّفاع إنّما هو علم النّفس الخاص بالرّدع، ولكنّ محبة الله تكتسح الخوف، ويؤدّي زوال الخوف إلى تأسيس القوى الكامنة تأسيسًا مكينًا، كما أنّ الاختلاط بالنّاس في جو المحبّة الرّوحانيّة يسمح لهذه القوى الكامنة أن تعبّر عن نفسها تعبيرًا إيجابيًّا حيًّا. والجامعة البهائيّة هي مجتمع تحدث فيه هذه العمليّة في هذا الزّمان ببطء في البداية، لأنّ الدّوافع الجديدة تستجمع قوّتها في البداية ثم تزداد سرعتها كلّما ازداد أفراد هذه الجامعة البهائيّة علمًا بالقوى الّتي تفتح أزهار الوحدة بين البشر.



وقد أنيطت مسؤوليّة إدارة الشّؤون البهائيّة والاشراف عليها بهيئة تسمّى بـ"المحفل الرّوحانيّ". وهذه الهيئة الّتي تتكوّن من تسعة


أعضاء تنتخب سنويًّا في 21 نيسان (أبريل) وهو اليوم الأوّل من عيد الرّضوان (ذكرى إعلان دعوة بهاءالله) ويقوم بانتخابهم البالغون من المؤمنين في الجامعة ويقوم المحفل الرّوحانيّ السّابق بوضع قائمة بأسماء المنتخِبين.



وقد كتب عبدالبهاء حول طبيعة هذه الهيئة وواجباتها ما ترجمته:



"يجب على كلّ مؤمن أن لا يخطو أيّة خطوة في الخدمات الأمريّة بدون استشارة المحفل الرّوحانيّ ويجب أن يطيع قراره بقلبه ويخضع له حتّى تنتظم الأمور وتترتّب ترتيبًا صحيحًا وإلاّ فإنّ كلّ شخص سوف يشتغل على انفراده ووفقًا لرأيه الخاص فيتّبع هواه ويضرّ أمر الله"([8]).



"أوّل فريضة على أصحاب الشّور هي النيّة الخالصة ونورانيّة الحقيقة والانقطاع عمّا سوى الله والانجذاب بنفحات الله والخضوع والخشوع بين الأحبّاء والصّبر والتّحمل في كلّ بلاء والعبوديّة للعتبة السّامية الإلهيّة. فإذا توفّقوا إلى هذه الصّفات أحاطتهم نصرة ملكوت الغيب الأبهى.



"ثاني فريضة عليهم هي إثبات وحدانيّة جمال الغيب الأبهى والمظهريّة الكاملة الربّانيّة لحضرة النّقطة الأولى والعبوديّة المحضة الصّرفة الذّاتية الكينونيّة الباطنيّة الحقيقيّة الصّريحة لعبدالبهاء بدون ذكر أدنى شائبة غير هذا...



"ثالث فريضة عليهم هي ترويج الأحكام الإلهيّة بين الأحبّاء من


صلاة وصيام وحج وحقوق وسائر الأحكام الإلهيّة بتمامها...



"رابع فريضة عليهم هي حفظ جميع الأحبّاء وصيانتهم في جميع المواقف والأوضاع وتمشية الأمور العامّة مثل تربية الأطفال وتهذيب الأخلاق وتعليم العلوم النّافعة من جميع الجهات وتأسيس الكلّيّات والمدارس للذّكور والإناث وضمان الفقراء والعجزة والأيتام والأرامل والأيامى وتدبير آلات الحرف والصّنائع والتّرفيه عن أحوال الجميع.



"خامس فريضة عليهم هي منع الجميع من كلّ ما هو سبب الفتنة والفساد وعدم المداخلة في الأمور السّياسيّة بصورة قطعيّة وعدم التّحدث بخصوصها ولو بشقّ شفة والإرشاد إلى الطّاعة والسّكون في جميع الأحوال ومحبّة الجميع ومودّتهم...



"إنّ أوّل شرط لأعضاء ذلك الاجتماع هو وجود المحبّة والألفة المطلقة بينهم، واجتناب البعد والنّفور، وإظهار الوحدة الإلهيّة، لأنّهم أمواج بحرٍ واحدٍ وقطرات نهرٍ واحدٍ ونجوم أفقٍ واحدٍ وأشعّة شمسٍ واحدةٍ، وأشجار بستانٍ واحدٍ، وأزهار حديقةٍ واحدةٍ، وإذا لم تكتمل لهم الوحدة المطلقة يتشتّت ذلك الجمع ويُمسي ذلك المحفل معدمًا، أمّا الشّرط الثّاني... فهو أنّه يجب عليهم أن يتوجّهوا إلى الملكوت الأعلى حين حضورهم إلى مكان الاجتماع ويسألوا العون من الأفق الأبهى وأن يباشروا أعمالهم بمنتهى الإخلاص والأدب والوقار والطّمأنينة ويخاطبوا المحفل معبّرين عن آرائهم بمحض الأدب والهدوء، وعليهم أن يتحرّوا الحقيقة في كلّ مسألة دون أن يتشبّثوا بآرائهم ذلك لأنّ التّشبث بالرّأي يؤدّي إلى


النّزاع والخصام فتبقى الحقيقة مستورة، على الأعضاء أن يعبّروا عن آرائهم بتمام الحريّة ولا يجوز أبدًا أن يحقّر أحد رأى الآخر، بل ينبغي له أن يوضّح حقيقة رأيه بمنتهى اللّطف وفي حالة وجود أي خلاف في الرّأي يكون الأمر للأغلبيّة حيث يجب على الجميع إطاعة أغلبيّة الآراء والانقياد لقراراتها ولا يجوز لأحد أن يعترض أبدًا أو ينتقد قرار الأغلبيّة أكان ذلك خارج المحفل أو في داخله حتّى ولو كان ذلك بقرار غير صائب لأنّ مثل هذا الانتقاد سيكون سببًا لعدم تنفيذ أيّ قرار. ومجمل القول أنّ كلّ عمل يتم بالألفة والمحبّة وصفاء النيّة نتيجته النّور، أمّا إذا حدث أدنى اغبرار فستكون نتيجته ظلام ليس دونه ظلام. إنّ اصطدام الآراء وتعارضها في مجلس الشّورى هما السّببان لبزوغ الحقيقة فلا ينبغي لأيّ فرد من الأعضاء أن يتكدّر من معارضة أيّ عضو آخر في آرائه بل يجب أن يُصغي إلى رأي زميله بمنتهى الأدب والإخلاص ولو كان ذلك معارضًا لوجهة نظره وأن يفعل ذلك دون أن يستاء أو يتكدّر، وهكذا يكون ذلك المحفل محفلاً إلهيًّا، وما عدا ذلك فإنّه سبب للبرودة والنّفور المنبعثين من العالم الشّيطاني"([9]). .

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
وشرحًا لهذا الموضوع، كتب وليّ أمر الله شوقي أفندي العبارات التّالية ترجمتها:-



"يجب أن لا يقدّم مؤمن شيئًا إلى جمهور النّاس ما لم يطّلع عليه المحفل الرّوحانيّ المحلّي الّذي يكون هذا المؤمن تحت إدارته ويصادق عليه. وإذا كان ما يقدّم لهم يخصّ مصالح الأمر


العامّة في ذلك البلد كما هي الحال عادة فيتحتّم حينذاك على المحفل المحلّي عرضه على المحفل الرّوحانيّ المركزيّ([10]) للنّظر فيه والمصادقة عليه، وهو الهيئة الّتي تمثّل المحافل المحليّة المختلفة وليس هذا مقتصرًا على المطبوعات بل إنّ كلّ شيء بدون استثناء يخصّ مصالح الأمر المبارك في ذلك المكان فرديًّا كان أو جمعيًّا يجب أن يعرض على المحفل الرّوحانيّ في تلك المنطقة الّذي سيتّخذ قرارًا بشأنه، وأمّا إذا كان الأمر يختصّ بالمصلحة العامّة فيحال في هذه الحال إلى المحفل الرّوحانيّ المركزيّ.



"وعلى كلّ حال فإنّ الوئام التّام والتّعاون بين المحافل الرّوحانيّة المحليّة المختلفة وبين أعضائها أنفسهم وخاصّةً بين كلّ محفل محلّي وهيئة المحفل المركزيّ أمرٌ بالغ الأهميّة، لأنّ وحدة أمر الله تتوقّف عليه كما يتوقّف عليه تضامن الأحبّاء والخدمات الرّوحانيّة الّتي يقدّمونها بمنتهى الكفاءة والسّرعة والكمال.



"وإنّ المحافل المحليّة والمركزيّة المختلفة تؤلف الصّخرة الّتي على صلابتها وقوّتها ومتانتها يشاد ويقوم صرح بيت العدل الأعظم قيامًا متينًا راسخًا. وما لم تقم هذه المحافل بواجباتها قيامًا فعّالاً قويًّا ملؤه الوئام فإنّها لن تحقق نهاية هذه الفترة من الانتقال... فلنتذكّر أنّ محور أمر الله ليس السّلطة الدّكتاتوريّة بل الألفة المتواضعة وليس استخدام القوّة الغاشمة بل (تطبيق) روح المشورة الصّريحة الودّية. فما من شيء سوى روح البهائيّ الحقيقيّ يمكنها أن تأمل في التّوفيق بين مبادئ الرّحمة والعدالة وبين الحريّة


والطّاعة، وبين قدسيّة حقّ الفرد كفرد وبين قدسيّة التّفاني، وبين اليقظة والحكمة والرّزانة من جهة والتّآلف والنّزاهة والشّجاعة من جهة أخرى..."



وترتبط المحافل الرّوحانيّة المحليّة في البلد ببعضها عن طريق المحفل الرّوحانيّ المركزيّ الّذي هو هيئة منتخبة أخرى أعضاؤها تسعة تقوم بتنسيق أعمال المحافل المحليّة. وتأتي هذه الهيئة إلى الوجود عن طريق انتخاب سنوي يقوم به مندوبون يمثّلون الجامعات المحليّة البهائيّة في المؤتمر السّنوي...



والمؤتمر السّنوي الّذي يجتمع فيه هؤلاء المندوبون هو بذاته هيئة انتخابيّة تستند على مبدأ التّمثيل النّسبيّ... فيعيّن عدد المندوبين عن كلّ جامعة محليّة بما يتناسب وعدد المؤمنين فيها. ويفضّل عقد هذه المؤتمرات السّنوية خلال فترة عيد الرّضوان وهي الإثنا عشر يومًا الّتي تبدأ من 21 نيسان (أبريل) يوم ذكرى إعلان دعوة بهاءالله في حديقة الرّضوان في ضواحي بغداد. وإنّ الاعتراف بمشروعيّة المندوبين حقٌّ من حقوق المحفل المركزيّ السّابق.



ثمّ أنّ هذا المؤتمر السّنويّ فرصة مناسبة يعمّق فيها الفرد فهمه وإحاطته بالفعاليّات البهائيّة الجارية وفرصة لتبادل التّقارير بين المحافل المركزيّة والمحافل المحليّة عن جهود فترة السّنة المنصرمة... ولا يقتصر عمل المندوب البهائيّ على الحضور إلى المؤتمر السّنويّ والمشاركة في انتخاب المحفل المركزيّ الجديد، بل أنّ المندوبين حينما يجتمعون إلى بعضهم يكوّنون هيئة استشاريّة


تقدّم المشورة والنّصح إلى المحفل المركزيّ الجديد الّذي عليه أن يقوم بدراسة توصياتها دراسة دقيقة.



وقد حُدّدت العلاقة بين المحفل الرّوحانيّ المركزيّ والمحافل الرّوحانيّة المحليّة وجمهور المؤمنين في البلد في رسالة وليّ أمر الله الّتي نقتطف منها ما يلى مترجمًا:



"أمّا بخصوص مؤسّسة المحفل المركزيّ فإنّها ذات أهميّة حيويّة لكلّ بلد أصبحت فيه الأوضاع ملائمة وأصبح فيه عدد المؤمنين كبيرًا وبلغ حجمًا يستحقّ الاعتبار... فيؤسسّ في الحال محفل روحانيّ مركزيّ يمثّل المؤمنين في أنحاء ذلك البلد.



"وإنّ أوّل هدف يجب أن يتوجّه إليه هو أن يستحثّ جهود الأحبّاء والمحافل الرّوحانيّة المحليّة ويوحّدها ويوفّق بينها عن طريق الاستشارات الشّخصيّة المتكرّرة... ويقوم على توجيه شؤون الأمر المبارك العامّة في ذلك البلد...



"وهذا المحفل المركزيّ الّذي يعاد انتخابه كلّ سنة مرّةً واحدةً... يحرس بكلّ حذرٍ مصالح أمر الله ويوجّه شؤون الجامعة البهائيّة ويشرف عليها إشرافًا عامًّا.



"ومن اختصاص المحفل الرّوحانيّ المركزيّ وحده النّظر في القضايا الحيويّة الّتي تخصّ مصالح الأمر المبارك في ذلك البلد أمثال التّرجمة والنّشر ومشرق الأذكار والتّبليغ والقضايا المشابهة الّتي تبدو متميّزة عن الشّؤون المحليّة البحتة.



"وعلى المحافل الرّوحانيّة المركزيّة (وكذلك على المحافل الرّوحانيّة المحليّة) أن تحيل كلّ قضيّة من هذه القضايا إلى لجنة


خاصّة ينتخبها أعضاء المحفل المركزيّ من بين جميع الأحبّاء في ذلك البلد. وترتبط هذه اللّجان بالمحفل المركزيّ بذات الرّوابط الّتي تربط اللّجان المحليّة بالمحافل المحليّة الّتي تنتسب إليها.



"وإلى المحفل المركزيّ وحده أيضًا يعود القرار في هل أنّ نقطة معيّنة تحت البحث هي نقطة محليّة في طبيعتها تجب إعادتها إلى المحفل المحلّي لينظر فيها ويقرّر قراره حولها أم أنّها تعود إلى دائرة اختصاصه وأنّها يجب أن تحظى برعايته الخاصّة...



"وحبًّا بصالح الأمر الّذي نعشقه جميعًا ونخدمه، يجب على أعضاء المحفل المركزيّ الجديد، بعد أن انتخبهم المندوبون، أن يحترموا فرادى وجمعًا في زمان اجتماع المؤتمر الآراء المدروسة الّتي قدّمها المندوبون المجتمعون وتوصياتهم ومشاعرهم الحقيقيّة وعليهم أن يكشفوا أمام عيون المندوبين الّذين انتخبوهم كشفًا واضحًا غزيرًا كلّ مشاريعهم وآمالهم ومشاغلهم نابذين كلّ أثر من آثار السّريّة أو الكتمان الّذي ليس في مكانه أو التّسامي الدّكتاتوري. ويجب عليهم أن يُطلعوا المندوبين على القضايا المتنوّعة الّتي يجب بحثها خلال العام القادم وأن يدرسوا بهدوء ووعي وجهات نظر المندوبين ويزنوا آراءهم الّتي أبدوها. ويجب على المحفل المركزيّ الجديد خلال جلسات المؤتمر السّنوي في أيّامه القليلة وبعد تفرّق المندوبين أن يبحث عن كلّ الوسائل والطّرق الممكنة في سبيل إيجاد التّفاهم وتسهيل تبادل وجهات النّظر وتعميق الثّقة وأن يُثبتوا بكلّ دليل ملموس رغبتهم الوحيدة في خدمتهم المصلحة العامّة وترويج النّفع العام.


"وبالنّظر للتّحديدات والموانع الّتي لا مناص منها على دعوة المؤتمر السّنوي للانعقاد مرارًا عديدةً وفي جلسات طويلة خلال العام يجب على المحفل الرّوحانيّ المركزيّ أن يحتفظ لنفسه بحقّ القرار النّهائي في جميع القضايا الّتي تؤثّر على مصالح الأمر المبارك... خذ مثلاً حقّ القرار في أنّ محفلاً محليًّا يعمل وفقًا للمبادئ الموضوعة لتقدّم الأمر المبارك أم لا".



أمّا بخصوص قضية تحضير قائمة بأسماء الأشخاص الّذين لهم حقّ الاشتراك في الانتخابات البهائيّة المحليّة السّنوية فإنّ مسؤولية هذه القضيّة تقع على عاتق المحفل الرّوحانيّ المحلّي نفسه. وقد كتب وليّ أمر الله ما ينير السّبيل في هذا الموضوع بعباراته التّالية ترجمتها:-



"... ولكي نقرّر بإيجاز وبشكل يناسب وما تسمح به الظّروف الحاضرة نقول أنّ العوامل الرّئيسيّة الّتي يجب أخذها بنظر الاعتبار قبل القرار بأنّ شخصًا ما هو مؤمن حقيقيّ أم لا هي: الاعتراف الكامل بمقام المبشّر وبمقام المؤسّس وبمقام المثل الأعلى للدّين البهائيّ حسب ما هو مدوّن في ألواح وصايا عبدالبهاء، وكذلك الخضوع لجميع ما نزل من أقلامهم وقبوله من دون تحفّظ أو كتمان قبولاً كاملاً وكذلك التّمسك والولاء لكلّ عبارة من عبارات ألواح وصايا عبدالبهاء، وكذلك الارتباط بروح وشكل النّظام الإداريّ البهائيّ الحاضر. كلّ هذه على ما أرى الاعتبارات الرّئيسيّة الأوّلية الّتي يجب التّأكيد عليها تأكيدًا ملؤه الإنصاف والفطنة والإدراك قبل إصدار قرار حيويّ فعّال حول هذا الموضوع".


وقد مهّدت ألواح وصايا عبدالبهاء السّبيل إلى تطوّر آخر في التّنظيم البهائيّ، في العبارات التّالية ترجمتها:-



"أمّا بيت العدل الّذي جعله الله مصدر كلّ خير ومصونًا من كلّ خطأ فيجب أن يتشكّل بالانتخاب العمومي أي بانتخاب جميع المؤمنين، ويجب أن يكون أعضاؤه مظاهر تقوى الله ومطالع العلم والعرفان ثابتين على دين الله محبّين لخير جميع نوع الإنسان. والمقصود بهذا بيت العدل العمومي فيتشكّل في كلّ قطرٍ بيت عدل خصوصي وتقوم بيوت العدل الخصوصيّة بانتخاب بيت العدل العمومي. وهذا المجمع هو المرجع في كلّ الأمور وهو المؤسّس للقوانين والأحكام الّتي ليست موجودة في النّصوص الإلهيّة. وفي هذا المجمع تحلّ جميع المشاكل... وبيت العدل هذا هو مصدر التّشريع والحكومة قوّة التّنفيذ ويجب أن يكون التّشريع مؤيّدًا للتّنفيذ كما يجب أن يكون التّنفيذ ظهيرًا ومعينًا للتّشريع حتّى يستحكم بنيان العدل والإنصاف نتيجة الارتباط والوئام بينهما وتصبح جميع الأقاليم جنّة النّعيم والفردوس الأعلى... إنّ الكتاب الأقدس هو المرجع للجميع وإنّ كلّ مسألة غير منصوصة ترجع إلى بيت العدل العمومي، وكلّ ما يقرّره بيت العدل العمومي بالإجماع أو بأكثريّة الآراء فإنّه الحق ومراد الله ومن تجاوز عنه فهو ممّن أحبّ الشّقاق وأظهر النّفاق وأعرض عن ربّ الميثاق".



والبهائيّون حتّى في زمانهم الحاضر مرتبطون في جميع أنحاء العالم ببعضهم بروابط ودّية عن طريق المراسلات المنتظمة المستمرّة والزّيارات الفرديّة، وإنّ ارتباط أفراد من أجناس متنوّعة


وقوميّات مختلفة وتقاليد دينيّة متباينة هو بذاته دليل ملموس على أنّ ثقل التّعصّبات وعوامل الانقسام التّاريخيّة يمكن التّغلب عليها بقوّة روح الوحدة الّتي أسّسها بهاءالله.



نظام بهاءالله العالميّ



ومنذ شباط (فبراير) سنة 1929 شرع شوقي أفندي في رسائله المتتالية الّتي خاطب بها الجامعة البهائيّة بشرح مضامين هذا النّظام الإداريّ الواسعة. ففي رسالته المؤرخة 21 آذار (مارس) سنة 1930 كتب ما ترجمته:



"لا أستطيع أن أحجم عن توجيه ندائي إلى أولئك الّذين ينتسبون إلى دين الله أن ينبذوا الأفكار السّائدة في هذا اليوم والأساليب الزّائلة سراعًا ويدركوا بما لم يسبق لهم إدراكه أنّ النّظريّات الّتي ثَبُت بطلانها والمؤسّسات المتداعية في حضارة اليوم لا بدّ أن يبدو تناقضها الأكيد مع جميع المؤسّسات الإلهيّة الّتي قدّر لها أن تقوم على أنقاضها...



"لأنّ بهاءالله... لم ينفخ فقط في البشريّة روحًا جديدًا لتجديدها ولم ينطق فقط ببضعة مبادئ عالميّة معيّنة أو يؤسّس فلسفة معينّة فحسب مهما كانت تلك الرّوح وتلك المبادئ وتلك الفلسفة قويّة وسليمة وعالميّة ولكنّه بالإضافة إلى هذا كلّه وضع بكلّ وضوح وتحديد بخلاف الدّورات الإلهيّة السّابقة مجموعة من القوانين كما أسّس مؤسّسات معيّنة، فقدّم بذلك ما يلزم من الأسس لإقامة الاقتصاد الإلهيّ. وقد قدّر لهذه المؤسّسات أن تكون النّموذج للهيئة الاجتماعيّة المقبلة والأداة العليا لتأسيس الصّلح


الأعظم والوكالة الوحيدة لتوحيد العالم وإعلان سيادة الحقّ والعدل على الأرض...



"وعلى خلاف جميع الدّورات الإلهيّة السّالفة... يجد حواريّو بهاءالله أمام أعينهم في أيّ أرض يعملون فيها ويجاهدون قوانين واضحة بلغة أكيدة لا غموض فيها، ومبادئ ومؤسّسات وهداية يحتاجون إليها في تنفيذ مهمّتهم... وهنا تكمن الميزة الّتي يتميّز بها الدّين البهائيّ عن الأديان السّابقة، وهنا تكمن قوّة وحدة دين الله وحقيّة ظهور إلهيّ لا يدّعي أنّه جاء ليهدم الظّهورات الإلهيّة السّالفة أو لينقّص من قدرها ومقامها بل ليربطها ويوحّدها ويحقّق وعودها...



"ومهما ظهر اليوم ديننا ضعيفًا في أعين النّاس الّذين يشينون اسمه... ويتجاهلون بكلّ احتقار وجوده باعتباره أحد المذاهب الغامضة العديدة في عالم الغرب، فإنّ هذه الجوهرة الفريدة بين الأديان الإلهيّة، وهي لا تزال اليوم في دور الجنين، سوف تتطوّر في صدف الشّريعة الإلهيّة وسوف تسير قدمًا دون انقسام أو انتقاص إلى أن تحتضن العالم البشريّ بأجمعه. أمّا الّذين عرفوا المقام الرّفيع الّذي يشغله بهاءالله والّذين مسّت محبّته قلوبهم، وألفوا قوّة روحه العظيمة، فهم وحدهم يستطيعون تثمين هذا الاقتصاد الإلهيّ الّذي هو المنحة الّتي منحها للبشريّة والّتي تتجاوز كلّ حدود التّثمين".



وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة 1931 ما ترجمته:-


"ونحو هذا الهدف – هدف نظام عالميّ جديد إلهيّ في منشئه وشامل في مداه ومنصف عادل في مبدئه وتتحدّى ملامحه كلّ ما عداها – يجب على البشريّة أن تستحثّ خطاها وتكدح إليه كدحًا...



"وما أشجى حقًّا تلك الجهود المضنية الّتي يبذلها قادة المؤسّسات البشريّة الّذين لا يأبهون أبدًا بروح العصر والّذين يجهدون في تكييف عمليّاتهم القوميّة الّتي كانت في العصور القديمة ملائمة لأممهم المنعزلة ليجعلوها تناسب عصرًا يجب عليه أن يختار بين أمرين: إمّا أن ينجز الوحدة العالميّة الّتي دلّنا إليها بهاءالله أو أن يفنى. وفي ساعة حرجة كهذه السّاعة في تاريخ الحضارة يليق بقادة أمم العالم كلّها كبيرة أم صغيرة، شرقيّة أم غربيّة، منتصرة أم مغلوبة أن يصغوا إلى نداء بهاءالله من صافوره العظيم وينهضوا بكلّ رجولة تدفعهم روح الوحدة العالميّة ويحدوهم الولاء التّام لأمره الإلهيّ لينفّذوا الخطّة العلاجيّة الوحيدة الّتي وصفها ذلكم الطّبيب الإلهيّ للبشريّة المتألّمة ولينبذوا نبذًا تامًّا وإلى الأبد كلّ فكرة سبق لهم أن تصوّروها وكلّ تعصّب قومي تمسّكوا به...



"إنّ شكلاً من أشكال الحكومة العالميّة يجب أن يتطوّر، فتتنازل من أجله جميع أمم العالم طوعًا عن جميع ادّعاءاتها في شنّ الحروب، ويكون له حقّ فرض الضّرائب وتحديد السّلاح واقتصاره على حفظ الأمن الدّاخليّ ضمن حدود سيادته. ومثل هذه الحكومة يجب أن تضمّ ضمن إطارها هيئة تنفيذيّة عالميّة تستطيع أن تفرض


سلطتها العليا الّتي لا ينازعها فيها أحد على كلّ عضو معاند من أعضاء الجامعة الدّوليّة. وإنّ برلمانًا عالميًّا يُنتخب أعضاؤه من بين شعوب الأقطار وتصادق على انتخابهم حكومات الأقطار ذاتها، وإنّ محكمة عليا تكون أحكامها ملزمة للفرقاء المعنيّين حتّى في الحالات الّتي يمتنع فيها أولئك الفرقاء عن عرض قضيّتهم عليها طوعًا، وإنّ جامعة عالميّة تُلغى فيها جميع الفوارق الاقتصاديّة إلغاءً أبديًّا وفيها يعترف اعترافا واضحًا باعتماد رأس المال والعمل أحدهما على الآخر، وفيها يهدأ إلى الأبد ضجيج الحروب والتّعصّبات الدّينيّة، وفيها تُطفأ جميع نيران التّعصّبات القوميّة إطفاءً نهائيًّا، وفيها يقوم قانون دوليّ واحد هو ثمرة أحكام الممثّلين العالميّين المتّحدين بالمصادقة على تلاحم جميع قوى الوحدات المتّحدة، وأخيرًا يتحوّل فيها هياج القوميّات المتحاربة المتقلّبة في أطوارها إلى وعي بالمواطنة العالميّة – هذه كلّها في الواقع كما يبدو هي الخطوط العريضة لنظام تنبّأ به بهاءالله، وهو نظام سوف يُعتبر أبدع ثمرة من ثمرات عصر ينضج نضوجًا بطيئًا...



"ولا يكوننّ هناك أدنى غموض أو إبهام حول الهدف الّذي تقوم عليه شريعة بهاءالله العالميّة. فهو مع بعده عن أن يهدف إلى تقويض أسس الهيئة الاجتماعيّة القائمة نراه يسعى إلى توسيع أسسها وصبّ مؤسّساتها في حال تناسب حاجات عالم مستمّر في التّبدل والتّغيير. وهذه الشّريعة لا يمكن أن تعارض أيّ إخلاص شرعي ولا أن تقوض أي ولاء أساسي كما أنّها لا تهدف إلى إطفاء شعلة الوطنيّة المستنيرة في قلوب النّاس ولا القضاء على نظام


الحكم الذّاتي القوميّ إذا أمكن تجنّب شرور الحكم المركزيّ المفرط كما أنّها لا تتجاهل وجود أصول السّلاّلات البشريّة المتنوّعة بسبب تنوّع المناخ والتّاريخ واللّغة والتّقاليد والأفكار والعادات – تلك الأصول الّتي تميّز النّاس والأمم عن بعضها في العالم ولا تحاول القضاء على تلك الأصول، بل هي تنادي النّاس إلى ولاء أكبر وإلى مطمح أوسع من أيّ ولاء ومطمح دفع الجنس البشريّ وأحياه حتّى الآن...



"إنّ نداء بهاءالله موجّه بصورة رئيسيّة ضد جميع أشكال الإقليميّة والانعزاليّة والتّعصب... لأنّ المعايير القانونيّة والنّظريّات السّياسية والاقتصادية إنّما وُضعت من أجل حماية مصالح البشريّة جمعاء لا من أجل التّضحية بالبشريّة لحفظ سلامة أيّة نظريّة أو أي قانون معيّن... ومبدأ وحدة العالم الإنسانيّ وهو المحور الّذي تدور حوله جميع تعاليم بهاءالله ليس مجرّد اندفاع من الاندفاعات العاطفيّة الرعناء أو تعبير عن آمال غامضة في الورع والتّقوى... بل إنّ مضامينه أعمق، وما يدعو إليه أعظم ممّا دعا إليه الرّسل السّابقون، ولا تنطبق رسالته على الفرد وحده بل يختصّ بصورة أساسيّة بطبيعة تلك العلاقات الأساسيّة الّتي يجب أن تربط الدّول والشّعوب ببعضها كما يرتبط افراد العائلة الواحدة ببعضهم...



"ومبدأ وحدة العالم الإنسانيّ يمثّل منتهى التّطوّر البشريّ...



"أمّا أنّ القوى المنطلقة من كارثة عالميّة تستطيع وحدها أن تعجّل بمجيء هذه الصّفحة الجديدة من الفكر البشريّ فتلك ويا للأسف حقيقة أخذت تزداد وضوحًا...


"ولا شيء غير نار محنة أليمة تخرج منها البشريّة مستعدّة مطهّرة يستطيع غرس ذلك الشّعور بالمسؤوليّة الّتي يجب أن يقوم قادة العصر الجديد على النّهوض بأعبائها...



"ثمّ ألم يؤكّد عبدالبهاء نفسه بلهجة لا غموض فيها: "إنّ حربًا أشدّ من الحرب الماضية ستنفجر بالتّأكيد؟"



وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 8 شباط (فبراير) سنة 1934:-



"إنّ هذا النّظام الإداريّ... حينما تبدأ أجزاؤه المكوّنة له ومؤسّساته الأصيلة فيه بعملها بقوّة وكفاءة سوف يؤكّد على مطالبيه ويعرض قدرته على أن لا يكون مجرّد نواة بل يكون نموذجًا للنّظام العالميّ الجديد الّذي قُدّر له أن يحتضن الإنسانيّة جمعاء عندما يحين الوقت لذلك...



"وهذا الدّين وحده من بين جميع الظّهورات الّتي سبقته... قد نجح في إقامة بناء يستطيع أتباع المذاهب المفلسة المتحطّمة أن يقتربوا منه في ذهولهم ويفحصوه بالنّقد ويرجوا قبل فوات الأوان الأمن باللّجوء إلى حصنه المنيع...



"وإلى أيّ جلال وقدرة تشير كلمات بهاءالله في قوله: "قد اضطرب النّظم من هذا النّظم الأعظم واختلف التّرتيب بهذا البديع الّذي ما شهدت عين الإبداع شبهه" إن لم تشر إلى القدرة والجلال اللّذين قدّر لهذا النّظام الإداريّ أن يكشف عنهما باعتباره بداية ظهور رابطة الشّعوب البهائيّة المقبلة؟...



"ورابطة الشّعوب البهائيّة المقبلة الّتي يكوّن هذا النّظام الإداريّ


الوسيع إطارها الوحيد هي نظريًّا وعمليًّا ليست فريدة في جميع تاريخ المؤسّسات السّياسيّة بل لا نظير لها كذلك في تواريخ أيّ نظام من الأنظمة الدّينيّة العالميّة المعترف بها. وليس هناك أيّ شكل من أشكال الحكومة الدّيمقراطية ولا أيّ نظام من أنظمة الحكم المطلق أو الحكم الدّكتاتوريّ سواء أكان ملكيًّا أم جمهوريًّا ولا أيّة خطّة وسط من النّظام الأرستقراطيّ البحت ولا أيّ نوع من أنواع الحكومات الدّينيّة (الثّيوقراطيّة) المعترف بها... – نعم ليس هناك منها ما يمكن تشبيهه أو مطابقته مع النّظام الإداريّ الّذي ابتدعته يد مهندسه الإلهيّ الكامل...



"ولا يقلّلن أحد من شأن هذا النّظم الإلهيّ الّذي لا يزال في عهد طفولته أو يشوّهن هدفه. فالصّخرة الّتي شيّد عليها ذلكم النّظام الإداريّ هي ما أراده الله للإنسانيّة في هذا اليوم إرادة محتومة. وإنّ المنبع الّذي يستقي منه إلهاماته هو بهاءالله نفسه لا غيره... والهدف المركزيّ والأساسيّ الّذي يقوم عليه ويحيّيه هو تأسيس النّظام العالميّ الجديد وفقًا لما أشار به بهاءالله. وإنّ الأساليب الّتي يتّبعها والمعيار الّذي يقرّره في الأذهان لا يجعله يميل إلى الغرب ولا إلى الشّرق ولا إلى الموحّدين ولا إلى الوثنيّين ولا إلى الأغنياء ولا إلى الفقراء ولا إلى البيض ولا إلى السّود. فشعاره توحيد الجنس البشريّ ورايته "الصّلح الأعظم الإلهيّ".



وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 11 آذار (مارس) سنة 1936 ما ترجمته:



"إنّ التّباين المشهود بين الأدلّة المتجمّعة على تراصّ دين الله تراصًّا


ثابتًا راسخًا مرافقًا لنشوء النّظام الإداريّ وبين قوى التّفسّخ الّتي تهدم بناء هيئة إجتماعيّة متعبة هو تباين واضح يستوقف الفاحصين ويأخذ بالألباب. ففي داخل وخارج العالم البهائيّ هناك علامات وإمارات متزايدة يومًا فيومًا تبشّر بطريقة غيبيّة بميلاد ذلكم النّظام العالميّ الإلهيّ الّذي يشير تأسيسه إلى مجيء العصر الذّهبي لدين الله...



"وتعلن ذلك كلمات بهاءالله بالنّص:



"سوف يطوى بساط الدّنيا ويبسط بساط آخر ويبقى العزّة والملك لله العليم الحكيم([11]).



"... يجب أن يعتبر الظّهور الّذي أفاض به بهاءالله بأنّه يشير إلى بلوغ الجنس البشريّ بلوغًا تامًّا، ويجب أن لا يُنظر إليه كمجرّد بعث روحانيّ جديد في سلسلة مصائر البشريّة المتغيّرة على الدّوام، ولا أن يعتبر مرحلة أخرى في سلسلة مراحل الإلهام الإلهيّ المتطوّر وحتّى أنّه لا يعتبر كذلك نهاية سلسلة الرّسالات الإلهيّة المتعاقبة بل يُعتبر آخر وأعلى مرحلة من مراحل التّطور الهائل الّذي تطوّرت إليه الحياة البشريّة بمجموعها على هذه الكرة الأرضيّة. وإنّ بروز هيئة اجتماعيّة عالميّة وكذلك ظهور الوعي بالمواطنة العالميّة وتأسيس حضارة وثقافة عالميّة كلّ هذه يجب أن تعتبر أقصى الحدود في تنظيم الهيئة الاجتماعيّة البشريّة بقدر ما يختصّ الموضوع بالحياة على سطح هذه الكرة الأرضية، بالرّغم من أنّ الإنسان كفرد سوف يستمرّ بل يجب أن يستمرّ على التّقدّم والتّطور استمرارًا لا حدود له وذلك نتيجة لوصول البشريّة إلى هذا الحدّ من الكمال في البلوغ...


"إنّ وحدة الجنس البشريّ كما رسمها بهاءالله تتضمّن في مدلولها تأسيس رابطة شعوب عالميّة تتّحد فيها جميع الأمم والأجناس والعقائد والطّبقات اتّحادًا وثيقًا متماديًا، وفيها يُصان الاستقلال الذّاتي للدّول الأعضاء كما تُصان حرّيات الأفراد المكوّنين لها وإبداعهم ومبادرتهم. ورابطة الشّعوب العالميّة هذه يجب أن تتألّف في حدود ما نستطيع أن نتصوّره في الوقت الحاضر من هيئة تشريع عالميّة يسيطر أعضاؤها على جميع منابع الأمم المكوّنة لها باعتبارهم أمناء على جميع الجنس البشريّ ويشرّعون القوانين اللاّزمة لتنظيم حياة جميع الأجناس والشّعوب وسدّ احتياجاتها وتنظيم ارتباطاتها. وإنّ هيئة تنفيذيّة عالميّة تسندها قوّة دوليّة سوف تنفّذ القرارات الّتي تصدرها هيئة التّشريع العالميّة وتطبّق القوانين الّتي تشرّعها وتحرس الوحدة الأساسيّة لرابطة الشّعوب العالميّة بمجموعها. وإنّ محكمة دوليّة سوف تقاضي وتصدر قرارها النّهائي الإلزاميّ في جميع المنازعات الّتي تنشب بين العناصر المختلفة المكوّنة لهذا النّظام العالميّ، وسوف تبتكر وسيلة للاتّصالات الدّولية تحتضن جميع الكرة الأرضية وتكون متحرّرة من العوائق والقيود القوميّة وتقوم بوظائفها بسرعة رائعة وبانتظام تام. وستكون عاصمة عالميّة المركز العصبيّ لحضارة عالميّة والنّقطة الّتي فيها تتجمّع جميع القوى الموحّدة للحياة ومنها يشعّ نشاط نفوذها الفعّال. وإنّ لغة عالميّة سوف تخترع أو تنتخب من بين اللّغات الموجودة في العالم وتدرّس في مدارس جميع الأمم المتّحدة باعتبارها لغة مساعدة إلى جانب لغة الأم، وإنّ خطًّا عالميًّا


وأدبًا عالميًّا ونظامًا عالميًّا موحّدًا للنّقد والموازين والمكاييل سوف يُسهّل اختلاط الأمم والأجناس ويجعله بسيطًا يسيرًا. وفي مثل هذه الجامعة العالميّة سوف يتّفق الدّين والعلم باعتبارهما القوّتين المؤثّرتين في الحياة البشريّة وسوف يتعاونان ويتطوّران بكلّ وفاق. وسوف لن تعود الصّحافة تحت نظام إداريّ مثل هذا النّظام لتكون أداة تستغلّ إستغلالاً سيّئًا مضرًّا لخدمة مصالح معيّنة شخصيّة أو عموميّة وسوف تتحرّر من نفوذ الحكومات المتناحرة والشّعوب المتعادية وتمنح أقصى المدى في حرّية التّعبير عن الآراء المتنوّعة والمعتقدات المتباينة. وسوف تنظّم المنابع الاقتصاديّة في العالم وتستثمر منابع المواد الخام استثمارًا كاملاً وترتّب وتطوّر أسواقها وينظّم توزيع منتجاتها تنظيمًا عادلاً.



"ولن تعود منافسات القوميّات وعداواتها ومؤامراتها بل تستبدل عداوة الأجناس وتعصّباتها بالمحبّة بين الأجناس وبالتّفاهم والتّعاون، وسوف تستأصل أسباب المشاحنات الدّينيّة نهائيًّا، وتمحى الحواجز والقيود الاقتصاديّة محوًا تامًّا وتطمس آثار التّمييز المتطرّف بين الطبقات وسوف يختفي الفقر المدقع الّذي يرى في جهة واحدة كما يختفي في الجهة المقابلة الأخرى تراكم الملكيّة المفرط. وتلك الطّاقات الهائلة الّتي تهدر وتبذر على الحروب سواء الحروب الاقتصاديّة أو السّياسيّة سوف تكرّس إلى غايات توسيع مدى الاختراعات البشريّة، وإلى تطوير التّكنولوجيا، وإلى زيادة القابليّات الإنتاجيّة البشريّة، وإلى استئصال المرض، وإلى توسيع البحوث العلميّة، وإلى رفع مستويات الصّحة البدنيّة، وإلى


شحذ العقول البشريّة وتنقيتها، وإلى استغلال منابع الكرة الأرضيّة الّتي لم تستغلّ أو الّتي لم تستكشف، وإلى إطالة الأعمار البشريّة، وإلى ترقية أيّة وكالات تستطيع إنعاش الحياة الفكريّة والخلقيّة والرّوحانيّة في عموم الجنس البشريّ.



"وإنّ نظامًا فيدراليًّا (اتّحاديًّا) عالميًّا يحكم جميع الأرض ويمارس سلطة لا يمكن تحدّيها على جميع منابعه الواسعة الّتي لا يمكن تصوّرها ويوحّد جميع المثل العليا للشّرق والغرب ويجسّدها ويكون متحرّرًا من لعنة الحرب وبلاياها ومنكبًّا على استثمار جميع الطّاقات الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة وفيه تكون القوّة عبدًا للعدل وتقوم حياته على الاعتراف الشّامل بالله الأحد وعلى الولاء لدين إلهيّ عام – نعم إنّ مثل هذا النّظام هو الهدف الّذي تتقدّم نحوه إنسانيّة تدفعها القوّة الموحّدة للحياة.



"إنّ جميع البشريّة متلهّفة إلى أن تقاد إلى الوحدة وإلى إنهاء عصر استشهادها الطّويل، ومع ذلك ترفض بعناد أن تحتضن النّور وتعترف بسلطنة القوّة الوحيدة الّتي تستطيع وحدها أن تستخلصها من ورطتها وتحوّل عنها الكارثة المريعة الّتي تهدّد بالإحاطة بها وبالتّحديق بكيانها...



"إنّ مبدأ توحيد البشريّة بكاملها هو سمة المرحلة الّتي تقترب منها الجامعة البشريّة الآن. ولقد نجحت محاولات تأسيس وحدة الأسرة، ووحدة القبيلة، ووحدة دولة المدينة، ووحدة الأمّة، وبقيت وحدة العالم هدفًا تسعى نحوه بشريّة قد أنهكت قواها.



"وها قد انتهى بناء الشّعوب وتتوجّه الفوضى الكامنة في سيادة


الدّولة إلى أوجها. وإنّ العالم وهو متوجّه نحو مرحلة البلوغ يجب عليه أن ينبذ هذا الوثن ويعترف بوحدة العلاقات البشريّة بكاملها ويؤسّس أخيرًا الأداة الّتي تستطيع أن تتجسّد هذا المبدأ الجوهري الضّروري لحياتها أحسن تجسّد".





([1]) الكلمات المكنونة- التّرجمة العربيّة- الصّفحة 105.


([2]) يزداد عدد البهائيّيّن سنويًّا زيادةً مدهشةً ففي شباط (فبراير) سنة 1972 بلغ عدد البقاع الّتي يسكنها البهائيّون في العالم 56645 بقعة (انظر خاتمة الكتاب).


([3]) (مترجم عن مجلّة "نجمة الغرب" ج3 العدد8 الصّفحةCool.


([4]) التّكوين 1:5.


([5]) رؤيا يوحنّا 15:11.


([6]) إنّ أيادي أمر الله الّذين عيّنهم شوقي أفندي خلال سنوات عهده البالغة 36 سنة كان عددهم وقت صعوده من هذا العالم "27" أيادي وقد أوجد سنة 1954 هيئات معاونين يعيّنهم الأيادي أنفسهم ليكونوا معاونين ومندوبين عنهم ومشاورين لهم.


([7]) اقتبسنا هذا الموضوع عن مقال عنوانه "النّظام الإداريّ اليوم في الدّين البهائيّ" بقلم هوريس هولي منشور في كتاب العالم البهائيّ المجلّد الخامس المطبوع سنة 1933 الصّفحة 191 وما تلاها.


([8]) معرّب من لوح لحضرة عبدالبهاء إلى أحد البهائيّين.


([9]) المكاتيب، ج3، الصّفحة 504-507.


([10]) في الصّفحة التّالية شرح أوفى عن هذه الهيئة.


([11]) كتاب آثار قلم أعلى ج1 ص310

Admain


رئيس مجلس الادارة
رئيس مجلس الادارة
من ملحق الكتاب



في ظلّ هداية وليّ أمر الله شوقي أفندي الملهمة، نما الأمر البهائيّ نموًّا وطيدًا راسخًا في سعته وفي تأسيس نظامه الإداريّ. فلمّا جاءت سنة 1951 كان هناك أحد عشر محفلاً مركزيًّا عاملاً. وفي هذه المرحلة توجّه شوقي أفندي نحو تطوير مؤسّسات الدّين البهائيّ في مستواها العالميّ، فعيّن مجلس الشّورى العالميّ الّذي كان بشيرًا لتأسيس بيت العدل الأعظم. وبعد مدّة قصيرة عيّن وليّ أمر الله أوّل رعيل من أيادي أمر الله. وكان شوقي أفندي قبل هذا قد رفع بضعة بهائيّين بارزين إلى مقام أيادي أمر الله بعد وفاتهم ومن بينهم الدّكتور جون أسلمنت، ولكنّه في سنة 1951 قرّر أنّ الوقت قد حان لكي يشرع بتطوير هذه المؤسّسة الهامّة. وبين سنتي 1951 و1957 عيّن إثنين وثلاثين نفرًا من أيادي أمر الله في أوقات متتالية سريعة، ووسّع مدى فعّاليّتهم، وقرّر تأسيس هيئة معاونين في كلّ قارة يقوم الأيادي بانتخاب أعضائها من بين المؤمنين ليكونوا مندوبين عنهم ومساعدين لهم ومشاورين لديهم. وكان عدد الأيادي حين صعود شوقي أفندي (27) نفرًا.



ولقد وجّه وليّ أمر الله سلسلة رسائل إلى البهائيّين في أنحاء العالم، كما وجّه رسائل أخرى إلى أفراد في أقطار معيّنة. وبهذه


الرّسائل عمّق عرفانهم بالتّعاليم البهائيّة، وبنى مؤسّسات الدّين البهائيّ الإداريّة، ودرّب المؤمنين على الانتفاع من هذه المؤسّسات انتفاعًا صحيحًا مؤثّرًا.



وفي سنة 1937 أخذ وليّ أمر الله بيد الجامعة البهائيّة في أمريكا الشّماليّة لتهتدي بألواح "الخطّة الإلهيّة" وهي ألواح كانت قد نزلت من قلم عبدالبهاء خلال سنوات الحرب العالميّة الأولى وهي تكوّن الوثيقة العظمى لنشر الدّين البهائيّ وبثّه وترويجه.



وفي ضمن إطار هذه الوثيقة وضعت خطط روحانيّة تبليغيّة عديدة ونفّذت ابتداءً بنصف الكرة الغربي فأوروبا، فآسيا، فأستراليا فإفريقيا حتّى جاءت سنة 1953 فأهاب شوقي أفندي بجميع البهائيّين في العالم أن يهبّوا لتنفيذ الواجبات الرّوحانيّة الّتي عيّنها لهم خلال السّنوات العشر القادمة إيذانًا بنقل الدّين البهائيّ إلى جميع الأقطار المستقلّة الباقية في العالم وإلى الأقطار التّابعة لها.



وفي سنة 1957 حين قاربت السّنوات العشر منتصفها صعد شوقي أفندي من هذا العالم بعد أن أنهكته جهود ستّ وثلاثين سنة من العمل المتواصل، وكان صعوده في لندن حيث كان في زيارة لها.



وحيث لم يكن لدى شوقي أفندي وريث فقد قام أيادي أمر الله السّبع والعشرون بإدارة شؤون الدّين البهائيّ بعد تشرين الثّاني (نوفمبر) 1957 وتنسيقها([1])، واستمرّوا على ذلك العمل حتّى يوم 21 نيسان (أبريل) 1963 حين قام (56) محفلاً مركزيًّا في أنحاء


العالم البهائيّ بانتخاب "أوّل بيت عدل أعظم".



ثمّ اجتمع البهائيّون حالاً من كلّ أطراف الكرة الأرضيّة في لندن في "أوّل مؤتمر بهائيّ عالميّ" ليحتفلوا بالذّكرى المئويّة لإعلان دعوة بهاءالله وليبتهجوا بانتشار دينه بين الخافقين...



والميزة الفريدة الّتي يمتاز بها الدّين البهائيّ هي عهد بهاءالله وميثاقه، وهو الصّخرة الّتي عليها تشاد جميع مؤسّساته، وعليها يؤسّس تطوّره وتقدّمه، وقد نشأت هذه الميزة الفريدة فيه عن أنّ مظهر الله لأوّل مرّة في تاريخ الأديان وضع كلّ ما يلزم لإمداد العالم بتفسير موثوق لكلمته المقدّسة، وضمن استمرار السّلطة المعيّنة تعيينًا إلهيًّا، وهي السّلطة الفائضة من منبع دين الله.



ولطالما كان تفسير الكتاب الإلهيّ في الأديان السّالفة منبعًا غزيرًا للشّقاق، ولهذا خصّ بهاءالله في كتاب عهده وميثاقه ابنه الأكبر عبدالبهاء بكامل الصّلاحيّات في تفسير آياته وقيادة أمره. ثمّ قام عبدالبهاء في ألواح وصايا عهده وميثاقه بتعيين شوقي أفندي وليًّا للدّين البهائيّ والمفسّر الوحيد للكتاب الإلهيّ. وليس في الدّين البهائيّ نظام كهنوت، ولا يمكن لفرد أن يدّعي مقامًا خاصًّا أو هداية خاصّة لديه. وقد منحت كلّ السّلطات إلى المؤسّسات الّتي خلقت في الآثار الكتابيّة البهائيّة.



وبفضل هذه التّدابير الاحتياطيّة الفريدة حفظ دين بهاءالله من الانشقاقات ومن تعسّفات الرّئاسة غير المفوّضة ومن تسلّل النّظريّات البشريّة ومذاهبها، تلك النّظريّات الّتي سبق لها في الماضي أن مزّقت وحدة الأديان الإلهيّة.


وسوف تبقى كلمات بهاءالله في طوال الدّور البهائيّ مع تفسيراتها المنيعة المخوّلة والطّاهرة من أيّة شائبة الّتي لم تمسسها الأيدي- سوف تبقى منبعًا طاهرًا للحياة الرّوحانيّة البشريّة لا يفسد ولا يناله التّحريف...



وفي الوقت الحاضر (سنة 1969) تأسّس الدّين البهائيّ في 139 قطرٍ مستقّلٍ و173 جزيرة هامّة وإقليم تابع. وهناك بهائيّون يقطنون ما يزيد على 33000 مركز في العالم([2]). وقد ترجمت الكتب البهائيّة إلى 421 لغة([3]) ويبنى الآن مشرق الأذكار الخامس في مدينة بنما([4])، كما أقتنيت بقاع في أنحاء العالم المختلفة لتشييد (50) مشرق أذكار، وهناك 83 محفلاً مركزيًّا روحانيًّا([5]).



وأعظم من كلّ ما سبق من الحقائق المدهشة هو استجابة
الجموع الغفيرة في إفريقيا والهند وجنوبي شرقي آسيا وأمريكا اللاّتينيّة... فنقلت الإدارة البهائيّة وخدماتها الاجتماعيّة إلى مرحلة جديدة من مراحل تطوّر الجامعة البهائيّة العالميّة





([1]) وذلك بانتخابهم تسعة ايادي من بينهم حسب وصيّة عبدالبهاء لإدارة شؤون الأمر البهائيّ.


([2]) في شباط (فبراير) 1972 بلغ عدد المراكز في العالم 56645 مركزًا.


([3]) لقد مرّت سنوات منذ كتب الدّكتور جون أسلمنت كتابه (بهاءالله والعصر الجديد) سنة 1919- 1920، وصرنا الآن نمتلك من آثار بهاءالله وعبدالبهاء باللّغتين العربيّة والفارسيّة مجلّدات مترجمة إلى الإنجليزيّة ترجمها شوقي أفندى وليّ الأمر ترجمة لا تدانيها أيّة تراجم سبقتها، كما وأصبح لدينا كذلك المجلّدات الواسعة ممّا كتبه شوقي أفندي بذاته حول تاريخ الدّين البهائيّ وحول أسسه ومضامينه وحول نشوء النّظام الإداريّ البهائيّ، ولهذا فقد أصبحت مهمّة المحقّق الحديثة سهلة وأيسر جدًّا ممّا كانت عليه أيّام الدّكتور جون أسلمنت.


([4]) جرى إفتتاحه في حفل مهيب في عيد الرّضوان نيسان 1972.


([5]) في نيسان (إبريل) 1972 بلغ عددها 113 محفلاً مركزيًّا روحانيًّا.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى