منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على شبهات المتناظرين 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
.من كتاب الفرائد لابى الفضائل

1 الشبهة في سؤاله عن مقام الداعي أنّه لو كان مقام المهديّة فلماذا لم يتغلّب بل إستشهد بالمظلوميّة؟

كتب جناب الشيخ ما يلي:
"من المحقّق أنّه لا شيئ موجود بغير ظهور تجلّي السلطان الحقيقي. وإن جميع الممكنات والمخلوقات تنطق بظهور ذلك النور المعنوي ويسمّون ذلك التجلّي العام. ولكنّ الثابت والمحقّق هو أن هناك من بين التجلّيات الأرضية تجلٍّ خاص للنوع الإنساني وهناك تجلٍّ أخصّ وأكمل لمظاهر شمس الحقيقة وهو ظهور الأنبياء والأولياء. ولكنّ مقام النبوّة فوق مرتبة الإمامة لأنّها مقام إشعاع الأنوار الأزليّة بدون واسطة بشريّة بينما تأخذ مرتبة الإمامة الفيض من المبدأ الفيّاض عن طريق الوسيط. إذن فالشخص الّذي يدّعي المظهريّة إما أن تكون لديه مرتبة النبوّة أو مرتبة الإمامة. وبناءً على هذا نسأل هذا السؤال بكمال التوقير والإحترام: أيّ هذين المقامين يختصّ بالمؤسّس الأوّل (السيّد الباب) وأيّهما يختصّ بالمكمّل أو المؤسّس الثاني (جناب البهاء)؟ فإن كان مقام السيّد الباب مقام المهدويّة فلماذا قُهر وغُلب في حين أنّه يجب أن تكون له الغلبة التامّة ظاهراً وباطناً وأن يطهّر سطح الأرض من ظلمة الظلم والكفر؟ أما ذكر أحوال فاجعة الأئمّة تجاه هذه الشبهة وهذا النقد فليس صحيحاً لأنّه ليس هناك أبداً وعد يخصّ بتغلّبهم وسيطرتهم بل العكس من ذلك هناك أخبار تخصّ مظلوميّة وإستشهاد كلّ واحد منهم كما سُمع مراراً من لسان خاتم الأنبياء في هذا الباب وذلك على العكس من الأخبار الكثيرة والأحاديث المتواترة بحقّه من غلبته التامّة وسيطرته الشاملة بخلاف حال الأئمّة الّذين سبقوه".

2. في بيان إختلاف الشيخ ومناظره في أنّ الداعي يجب أن يكون نبيّاً أم إماماً وجوابنا على ذلك:

لقد إرتفعت عاصفة المناظرة والمخاصمة لأوّل مرّة بين جناب الشيخ ومناظره حول هذه المسألة لأنّ الشيخ ظنّ وفقاً لمصطلحات عوام الشيعة أنّ رتبة الإمامة تتفرّع من النبوّة وهذا يعني أن النبيّ هو الشخص الّذي يكتسب الفيض من المبدأ الفيّاض بينما الإمام هو الشخص الّذي يكتسب هذه الفيوضات بواسطة النبيّ فإستنتج جنابه من هذه المقدّمة أنّ مظهر أمر الله يجب أن يوصف بأحد الوصفين إمّا النبوّة وإمّا الإمامة وتفرّع من هذه المسألة سؤاله: أيّ الرّتبتين بإعتقاد أهل البهاء تختصّ بالنقطة الأولى وأيّهما تختصّ بالجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكرهما وعزّ إسمهما وأيّ الرّتبتان يدّعيان؟ فكتب جناب مناظره حين الإجابة على سؤاله قائلاً: على أيّ أساسٍ بنيتم هذه المقدّمة بأنّ مدّعي المظهريّة أما أن يدّعي النبوّة أو أن يدّعي الإمامة في حين أنّ هذا الإستنتاج وهذه المقدّمة ليست مذكورة أبداً في أيّ كتاب من الكتب الإلهيّة ولا أُثِرت عن أيّ مظهر من المظاهر القدسيّة؟ وقال بأنّ سؤال جناب الشيخ هذا يشبه سؤال السيّد محمّد مهدي كلباسي الّذي سأله من حضرة الأعلى في مجلس معتمد الدولة حاكم أصفهان حين قال: "هل أنت مجتهد أم أنت مقلّد؟" فغضب حضرة الشيخ غضباً شديداً من هذا النّقد وإنحرف في رسالته الثانية عن مستلزمات الآداب الّتي راعاها في رسالته الأولى وبدلاّ من الإجابة وفق القاعدة العلميّة إكتفى بالكلمات الخشبيّة والكنايات الغليظة الّتي يصرف كاتب هذه الرسالة النظر عن ذكرها حفظاً لمقام الكتابة والخطابة، وبعد التطويل والتفصيل إكتفى بدلاً عن الدّليل والبرهان بكتابة هذه العبارة: "وهذه حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد من أتباع مذهبي".


3. في بيان ما إستند إليه الشيخ بقوله إنّ القائم يجب أن لا يظهر بالمظلوميّة:

وحيث أنّ مقصود هذا العبد ليس المجادلة والإنتقام في الكلام بل مقصودي بيان الحقيقة لهذا فإني أعود إلى مواطن هذه الألفاظ حتى تتّضح معاني هذه الألفاظ وأماكن إستعمالها وينكشف أساس صحّة وبطلان الطرفين وإعتدالهما أو طغيانهما. ومن الواضح لدى أولي العلم أنّ هذه المسألة ليست من المسائل الفلسفيّة أو الرياضيّة أو الفلكيّة الّتي يمكن الإستدلال عليها بالبراهين العقليّة وبالقياسات المنطقيّة أو بالأدلّة الحسيّة بل هي مباحث لفظيّة تُعرف صحّة إستعمالها أو سقم إستعمالها من الصحف السماويّة والكتب اللغويّة. وعندما ننظر إلى القرآن المجيد نجد بصورة صريحة أنّ الله جلّ جلاله أطلق كلمة (الإمام) على الأنبياء أولي العزم فقد أطلقها على إبراهيم عليه السلام في الآية الكريمة قوله تعالى: "‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " . بل وأطلقها على الكتب السماويّة في قوله تعالى "وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً " كما أطلقها على رؤساء الكفّار وعلى العلماء الّذين يضلّون الناس حيث قال تعالى شأنه: "‏وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" وقد ترجم علماء اللغة كلمة (الإمام) إلى معاني متعدّدة فقد قال البستاني في قاموسه (محيط المحيط): "الإمام من يؤتمّ به أي يُقتدى به من رئيسٍ أو غيره ذكراً كان أو أنثى ومنه: "قامت الإمام وسطهنّ" والإمام في كتب المعقول الفخرُ وفي كتب الأصول إمام الحرمين وعند المتكلّمين خليفة رسول الله في إقامة الدين وعند المحدّثين المحدّث أو الشيخ وعند القرّاء والمفسّرين وغيرهم مصحف من المصاحف الّتي نسخها الصحابة بأمر عثمان" إلى أن قال: "والإمام أيضاً الخيط يُمدّ على البناء فيُبنى والصقع من الأرض والطريق وقيّم الأمر المصلح له والقرآن والنبيّ والخليفة وقائد الجند ... إلى آخر قوله".

فيُفهم مما سبق أنّ كلمة (الإمام) قد أُطلقت على الأنبياء عليهم السلام وإنّ إطلاق هذه الكلمة بصورة خاصّة وفقاً لإصطلاح قومٍ من الناس بأنّه نائب الرسول وتقييد المناظر البهائي بهذا الإصطلاح أمر مبنيّ على بناءٍ فاسد وعلى أساس لا قواعد له ويشبه تماماً كما قال المناظر البهائي سؤال السيّد كلباسي من النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى "هل أنت مجتهد أم أنت مقلّد؟".

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ في عبارته: "فالشخص الّذي يدّعي المظهريّة إما أن تكون لديه مرتبة النبوّة أو مرتبة الإمامة وهذه حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد من أتباع مذهبي" فإنّه كلام عجيب جدّاً بحدّ ذاته. أفليست عقيدة كلّ قوم مثل هذه العقيدة فيما بين قومهم؟ وهل إذا سأل العالم اليهودي قومه قائلاً: "يا أيّها اليهود هل يمكن مجيئ صاحب شريعة جديدة بعد موسى عليه السلام؟" فأيّ جواب سوف يسمعه؟ ولا شكّ أنّه سوف يسمع جواباً يوافق مرامه وهو "كلا" ولو سأل السيّد محمّد مهدي كلباسي كذلك من جميع أهالي أصفهان قائلاً: "أيّها الناس أفلا يجب أن يكون الشخص مقلداً أو مجتهداً؟" فأيّ جواب سوف يسمعه؟ أفهلاّ يقولون بالإجماع "إنّ هذه المسألة من البديهيّات وإنّ ثبوتها وصحّتها من قبيل الأوّليّات؟" أما العاقل فإنّه يفهم مبلغ سخف هذا السؤال من شخص يدّعي مقام القائميّة والمهدويّة ويعرف مبلغ جهله. وإنّ هذا المثال الّذي عرضناه إنما هو من قبيل حلّ المسائل وفقاً للقواعد العلميّة ووفقاً لما يوافق أذواق أرباب الأفئدة المنيرة وأملي أن يكون حضرة الشيخ مطّلعاً على هذه الرتبة العليا وناظراً إلى هذا المنظر الأعلى وحيث أنّ عالم الدين في أيّام ظهور مظاهر أمر الله يلبس لباساً جديداً وتتجدّد وتتبدّل جميع الأشياء من شرائع وآداب وعوائد وسنن وألقاب، لهذا فإنّ الأسماء الحسنى والألقاب العليا الّتي يختص بها مظاهر أمر الله تتجدّد كذلك فمثلاً بنو إسرائيل الّذين كانوا موعودين بظهور المسيح والّذين لم يطلقوا على ذلك الموعود المحمود غير كلمة (المسيح) ولا ينسبون لحضرته أبداً مقام الشارعيّة والرسالة لما طلعت شمس جمال عيسى من أفق الأراضي المقدّسة لم تعتن أبداً بألقاب اليهود المزعومة ولم تطلق على حضرته بين النصارى تلك المصطلحات الّتي كانت متداولة بين بني إسرائيل كمصطلحات النبوّة والنيابة، بل إشتهر حضرته بالألقاب السماويّة "كلمة الله" و "روح الله" الّتي لم يعهدها اليهود أبداً. وكذلك الأمر في رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقد لُقّب بلقبه الكريم وإسمه العظيم "خاتم الأنبياء" أو "خاتم النبيّين" وهو لقب لم يخطر أبداً ببال اليهود والنصارى. وصار يُعرف بهذا الإسم وكذلك الأمر في ظهور النقطة الأولى ففي الحين الّذي لم يكن المسلمون يعرفون غير لقب "القائم" و "المهدي" إشتهر حضرته بأمر الله وبإذنه بالألقاب الفخمة "الباب" و "النقطة الأولى" و "الربّ الأعلى". وأتباع حضرته لا يسمون وجوده المقدّس بغير هذه الألقاب ولا يصفونه بأوصاف "الإمامة" و "النبوّة" ولا تزال هذه الألقاب الكريمة تشتهر في العالم يوماً بعد يوم وتنتشر ولا يستطيع أحد منعها أو دفعها "‏سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" .

وحيث إتّضح مما ذكرناه أنّ إدّعاء أهل البهاء في حقّ النقطة الأولى والجمال الأبهى عزّ إسمهما هو أنّ مقامهما مقام المهدويّة والقائميّة والشارعيّة فإنّي أشرع الآن بالإجابة على كلمات جناب الشيخ الّتي قال فيها: "فإن كان مقام السيّد الباب مقام المهدويّة فلماذا قُهر وغُلب في حين أنّه يجب أن يكون له الغلبة التّامة ظاهراً وباطناً وأن يطهّر سطح الأرض من ظلمة الظلم والكفر. أما ذكر أحوال فاجعة الأئمّة تجاه هذه الشبهة وهذا النقد فليس صحيحاً لأنّه ليس هناك أبداً وعد يخصّ بتغلبهم وسيطرتهم بل العكس من ذلك هناك أخبار تخصّ مظلوميّة وإستشهاد كلّ واحد منهم كما سُمع مراراً من لسان خاتم الأنبياء في هذا الباب وذلك على العكس من الأخبار الكثيرة والأحاديث المتواترة بحقّه من غلبته التامّة وسيطرته الشاملة بخلاف حال الأئمّة الّذين سبقوه". فمِمّا كتبه حضرة الشـّيخ يُفهم أنّ مستنده هو الأحاديث الشّريفة. وعندما ننظر إلى الأحاديث نشاهد الأمر على عكس ما كتبه الشّيخ وظنّه.


4. في بيان أنّ الأحاديث تدلّ على أنّ القائم الموعود سيظهر بالمظلوميّة الكبرى:

فهناك أحاديث كثيرة وردت صريحة في مظلوميّة القائم الموعود وقتل أصحابه وسفك دمائهم الطاهرة وإحراق أجسادهم الطيّبة وقد أخبر رسول الله وخاتم النبيّين وأئمّة الهدى عليهم الآف التحيّة والبهاء بظهور إمتحانات شديدة عند ظهور القائم وبورود مصاعب جسيمة ومصائب كثيرة على حضرته وعلى أوليائه وأنّ فقراء الأرض سوف يؤمنون به وسوف يعرض عن جماله المنير الأمراء والوجهاء ويشدّ الفقهاء والعلماء أواصر الهمّة في عدائه ويتّفق أرباب التجبّر والكبرياء على محاربة ذلك الموعود الموتور الفريد الوحيد فتصبغ الأرض بدماء أصحابه المسفوكة ويرتفع أنين عيالهم وحنين أطفالهم في أكثر الأقطار وخلاصة القول ففي أيّام ظهوره ترجع جميع الحوادث الّتي نزلت في الأيّام الماضية وتفوق المصاعب والشدائد النازلة على حضرته ما نزل من الشدائد على الأنبياء السابقين [فإستمع لنتلو عليك شطراً منها لعلّك تهتدي إلى الحقّ وتتّخذ إلى ربّك سبيلاً].


5. في ذكر الأحاديث الواردة حول مظلوميّة القائم وأصحاب حضرته:

منها ما رواه المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) عن فضيل بن يسار أنّه قال: " سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: " إنَّ قَائِمَنَا إذَا قَامَ إسْتُقِبَل مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ أشَدّ مِمَّا إسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ) مِنْ جُهَّالِ الْجَاهِلِيَّةِ"، قلت: وكيف ذاك؟ قال:" إنَّ رَسُولَ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ) أتَى النَّاسَ وَهُمْ يَعْبِدُونَ الحِجَارَةَ وَالصُّخُورَ وَالعِيدَانَ وَالخَشَبَ الْمَنْحُوتَةِ، وَإنَّ قَائِمَنَا إذَا قَامَ أتَى النَّاسَ وَكُلُّهُمْ يَتَأوَّلُ عَلَيْهِ كِتَابَ الله وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِهِ"، ثم قال: "أمَّا والله لَيَدْخُلُنَّ عَلَيْهِمْ عَدْلُهُ جَوْفَ بُيُوتِهِمْ كَمِا يَدْخُلُ الْحَرُّ وَالْقَرُّ". وهذا الحديث يعني أنّ أمره المبارك سوف ينفذ وسوف لن تمنعه الرسائل الرديّة والتمسّك بالشبهات العلميّة. ومن الواضح جدّاً أنّ علماء العصر وفقهاء الزمان الّذين يعتبرهم الناس واجبي الطاعة ويعتبرون إجراء أوامرهم على العمياء من الفروض الدينيّة لو قام هؤلاء العلماء والرؤساء على المعارضة فلا شكّ أنّ سيصدر منهم من الشرور والشراسة ما لم يصدر من كفّار الجاهليّة وسوف تتجلّى منهم قسوة قلب لم تظهر من المتوحّشين في أفريقيا خاصّة حينما يكون هؤلاء الرؤساء متّصفين بجميع الأوصاف الدنيئة الرذيلة ومشهورين بخصال الحسد والجهل وحبّ الرئاسة وقسوة القلب والتكبّر والعجرفة والدنائة كما تفضّل رسول الله وخاتم النبيّين عليه وآله أطيب التحيّة والثناء في الحديث التالي الّذي رواه المجلسي عليه الرحمة في وصف علماء هذا الزمان: "سَيَأتِي زَمَانٌ عَلَى أمَّتِي لا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إلاّ رَسْمُهُ وَلا مِنَ الإسْلامِ إلاّ إسْمُهُ يُسَمَّوْنَ بِهِ وَهُمْ أبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ. مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدى. فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ أشَرُّ الفُقَهَاءِ تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَرَجَتِ الفِتْنَةُ وَإلَيْهِمْ تَعُودُ".

ومنها ما ورد في كتاب الكافي في أوصاف القائم: "عَلَيْهِ كَمَالُ مُوسَى وَبَهَاءُ عِيسَى وَصَبْرُ أيّوبَ فَيُذَلُّ أوْلِيَاؤهُ في زَمَانِهِ تَتَهَادَى رُؤوسُهُمْ كَمَا تَتَهَادَى رُؤوسُ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ تُصْبَغُ الأرْضُ بِدِمَائِهِمْ وَيَفْشُوا الوَيْلُ وَالرَّنَّةُ في نِسَائِهِمْ أوْلَئِكَ حَقّاً أوْلِيَائِي أدْفَعُ بِهِمْ كَلَّ فِتْنَةٍ حِنْدِسٍ وَبِهِمْ أكْشِفُ الزَّلازِلُ وَأدْفَعُ الآصَارَ وَالأغْلالَ أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ الله مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون". وهذا الحديث هو (لوح فاطمة) ومن الأحاديث القدسيّة المعتبرة المقبولة فزيّن الشيخ الكليني عليه الرحمة كتابه (الكافي) بذكر هذا الحديث وقد نطق رسول الله بالبشارة الواردة فيه على لسان الله جلّ جلاله وقرنه بإسم فاطمة عليها السلام وحيث أنّ مضامين هذا الحديث الشريف الخاصّة بكيفيّة المصائب الواردة على القائم الموعود وأولياء تلك الطلعة، طلعة المعبود، قد تحقّقت بكمال الوضوح والتطبيق في هذا الظهور الأعظم بحيث أنّ رؤوس الشهداء قد أُرسلت في واقعة تبريز كهدايا وقُطعت أجساد المظلومين في مازندران وأصفهان ويزد وخراسان وسائر بلاد إيران إرباً إرباً وأُحرقت وإحمرّت الأرض بدمائهم وأرتفع حنين الأطفال وأنين العيال ولم يبق للأخيار والأبرار مكان أمين من شدّة هجوم الأشرار ومراقبتهم وقد سُجّلت جميع هذه الحوادث في كتب التاريخ داخل إيران وخارجها لتشهد على شراسة الأعداء ومظلوميّة وحقيّة الأولياء وصدق وعود أئمّة الهدى ولهذا فإنّ هذا العبد لا يذكر تفاصيل هذه الحوادث العجيبة المدهشة وإكتفى بهذا القدر رعاية للإختصار وأحيل القارئ لمزيد الإطّلاع إلى الكتب التاريخيّة.

ومنها ما رواه المجلسي في باب سِيَر القائم وأخلاقه في مجلّد الغيبة من مجلّدات (بحار الأنوار) عن بشير النبّال قال قلت لأبي جعفرعليه السلام إنّهم يقولون إنّ المهدي لو قام لإستقامت له الأمور عفواً ولا يُهرق مِحجمةُ دم فقال: "كَلّا وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ إسْتَقَامَتْ لِأحَدٍ عَفْواً لَاسْتَقَامَتْ لِرَسُولِ الله حِينَ اُدْمِيَتْ رُبَاعِيَّتُهُ وَشُجَّ في وَجْهِهِ كَلاّ وِالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ نَمْسَحُ نَحْنُ وَأنْتُمْ العَرَقَ وَالعَلَقَ" ثم مسح وجهه.

ومنها ما رواه المجلسي أيضاً في البحار عن مفضّل أنّه قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام إني أرجو أن يكون أمره في سهولة فقال: "لا يَكُونُ ذَلِكَ حَتّى تَمْسَحُوا العَرَقَ وَالعَلَقَ" وقال "إنَّ أهَلَ الْحَقِّ لَمْ يَزَالُوا مُنْذُ كَانُوا في شِدَّةٍ" وهذا الحديث يعني أنّ أمر القائم مثل أمر سائر الأنبياء والمرسلين والأولياء والمقرّبين سيكون قرين الشدّة والصعوبة وسوف يمسح أولياؤه مثل الشهداء السّابقين العرق والدّم من وجوههم.

ومنها ما رواه المجلسي عليه الرحمة في كتابه (بحار الأنوار) في باب التمحيص عن البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام أنّه قال "أمَّا والله لا يَكُونُ الّذِي تَمُدّونَ عَلَيْهِ أعْيُنَكُمْ حَتّى تَمَيَّزُوا وَتَمَحَّصُوا وَحَتّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ إلاّ الأنْدَرْ" ثم تلا "أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا وَلمَّا يَعْلَمِ اللهُ الّذِين جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ" . ومقصود الإمام من تلاوة الآية الكريمة هو تنبيه البزنطي إلى أنّ ظهور القائم الموعود سوف لا يكون وفقاً لميول الخلق الكاذبة وعقائدهم الباطلة فلن يظهر ليحكم كلّ شهواني مملكة وليملك كلّ طالب ثروة ناحية بل يكون ظهور حضرته سبباً في نزول المصائب والبلايا حتى يتبيّن الصادق من الكاذب ويمتاز الصبور من الجزوع وليظهر مصداق الآية الكريمة "وَمَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيِّزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبَ" . كما روى المجلسي عليه الرحمة في نفس الباب الحديث التالي عن الرضا عليه السلام أنّه قال للبزنطي هذا "إنّ هَذَا الأمْرَ لَيْسَ يَجِيئُ عَلَى مَا يُرِيدُ النَّاسُ إنَّمَا هُوَ أمْرُ اللهِ وَقَضَاؤهُ". لعمر الله إنّ كلام الإمام عليه السلام هذا يكفي الإنسان اللبيب المدرك وينبّه إلى عظمة الوعيد الشديد في قوله تعالى: "فَاعْفُوا وَأصْفِحُوا حَتّى يَأتِي اللهُ بِأمْرِهِ" ولكن هيهات له أن يؤثّر في القلوب القاسية أو يزيل الآمال الباطلة والشبهات الواهية لأهل الضلال.

ومنها ما رواه المجلسي أيضاً في باب التمحيص عن الحسن إبن علي عليهما السلام أنّه قال: "لا يَكُونُ الأمْرُ الّذِي تَنْتَظِرُونْ حَتّى يَتَبَرّأ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَتْفَلُ بَعْضُكُمْ في وُجُوهِ بَعْضٍ وَحَتّى يَلْعَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَحَتّى يُسَمِّي بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَذَّابِينَ". ومن الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار إنّ القائم لو كان يظهر وفقاً لمراد الخلق الجهلاء فإنّ سنّة التمحيص والإبتلاء الّتي هي من السّنن الحتميّة الإلهيّة لن تتحقّق ولن تظهر هذه الحوادث المميزة الّتي أشار الإمام إلى قليل منها ولهذا رُوي في نفس الكتاب وفي نفس هذا الباب عن جابر الجعقي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال قلت متى يكون فرَجُكُم؟ قال :"هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لا يَكُونُ فَرَجُنَا حَتّى تُغَرْبَلُوا ثَمَّ تُغَرْبَلُوا ثُمَّ تُغَرْبَلُوا حَتّى يَذْهَبَ الكَدَرُ وَيَبْقَى الصَّفْوُ". وكلمة (ثمّ) للتراخي وتدلّ على ثلاث إمتحانات في أمر الله وما أبدع ما تحقّقت به. فقد إمتُحن الخلق أوّل امتحان بظهور النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى ومن بعده إمتُحنوا مرّة ثانية بظهور الجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكره الأسمى حتى إمتاز الخبيث عن الطيب ولما سكت صرير القلم الأعلى بإرادة الحي القدير وركد نسيم اللقاء وغربت شمس الجمال الأبهى وأشرق نيّر الميثاق في قطب الآفاق ظهر الإمتحان الثالث والإفتتان الأخير ورفعت يد القدرة الستار عن المقاصد الفاسدة للجمع الحسود وظهرت مكنونات الصدور بإرادة الربّ الغيور فتبيّن الثابت من الزائل وإمتاز الحقّ من الباطل وإبتعد الراسخ عن المتزلزل وإنجلى وتحقّق تماماً مضمون ذلك الحديث الشريف.

ومنها ما رواه المجلسي أيضاً في البحار في باب خصائص القائم عليه السلام عن أبان بن تغلب أنّه قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: "إذاَ ظَهَرَتْ رَايَةُ الْحَقِّ لَعَنَهَا أهْلُ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ".

[ومنها ما ورد في هذا الكتاب وهذا الباب أيضاً] عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: " إذاَ ظَهَرَتْ رَايَةُ الْحَقِّ لَعَنَهَا أهْلُ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ". وهذا الحديث يدلّ بصورة صريحة أنّ ظهور حضرته يكون خلافاً لمعتقدات جميع أهل العالم وخلافاً لما يتوقّعون بحيث يكون موضع اللعنة ويتبرّأ منه جميع أهل العالم. وما أشبه هذا الحديث بما خاطب به عيسى عليه السلام أصحابه حين قال: "سَيَقُومُ أهْلُ العَالَمِ مِنْ بَعْدِي عَلَى مُعَادَاتِكُمْ لأنَّكُمْ لَسْتُمْ أبْنَاءَ هَذَا العَالَمْ". نعم لا نسبة بين طالب الرّاحة وطالب الشهادة ولا تشابه بين أهل الدنيا وطلاب الهوى إذ علامة هؤلاء التواضع والرحمة والرأفة وعلامة أولئك القسوة والعداوة والخشونة. برهان هؤلاء كلام الله وبرهان أولئك سيوف الأشقياء. حمرة وجنات هؤلاء مصبوغة بدمائهم ونار جبين أولئك ظلمهم المبين. بيان هؤلاء النصيحة والموعظة وكلام أولئك الإفتراء والكذب واللعن والسباب. أجلّ مقاصد هؤلاء بلوغ مرتبة الشهادة وأعظم آمال أولئك الوصول إلى المناصب والتقرّب إلى أولياء الدولة. أين الثرى من الثريا وأين الضلالة من الهدى ولو يرجع جناب الشيخ إلى العلامات الّتي ذكرها أئمّة الهدى عليهم أطيب التحيّة والثناء في أوصاف المؤمنين وأصحاب القائم الموعود ليشهد بصدق ما عرضناه وينجو بنفسه من جميع أوهام الغافلين المُضلّة للعقول، فمثلاً جاء في حديث علي إبن مهزيار الّذي سبق لنا أن أشرنا إليه في الأحاديث الواردة في تعيين محل الظهور في فصل كيفيّة الإستدلال بالأحاديث الشريفة في أوصاف أصحاب المهدي الموعود: "هُمْ مَعْشَرٌ يَطْلَعُونَ بِمَخَائِلِ الذِلَّةِ وَالإسْتِكَانَةِ وَهُمْ عِنْدَ اللهِ بَرَرَةٌ أعِزَّاءُ يَبْرِزُونَ بِأنْفُسٍ مُخْتَلَّةٍ وَهُمْ أهْلُ القَنَاعَةِ وَالإعْتِصَامِ. إسْتَنْبَطُوا الدِينَ فَوَازَرُوهُ عَلَى مُجَاهَدَةِ الأضْدَادِ خَصَّهُمْ اللهُ بِاحْتِمَالِ الضَّيْمِ في الدُنْيَا لِيَشْمَلَهُمْ إتِّسَاعُ العِزِّ في دَارِ القَرَارِ وَجَعَلَهُمْ عَلَى خَلائِقِ الصَبْرِ لِتَكُونَ لَهُمْ العَاقِبَةُ الْحُسْنى وَكَرَامَةُ حُسْنِ العُقْبَى".


6. في بيان أنّ الأحاديث الدالّة على مظلوميّة القائم تؤيّدها آيات القرآن:

والأحاديث الّتي ذكرناها يؤيّدها القرآن المجيد على عكس ما ظنّه الآخرون دون أن يستشهدوا أبداً بشاهد واحد من كتاب الله يؤيّد عقائدهم الموهومة. لأنّ الله سبحانه وتعالى قد صرّح في القرآن المجيد أنّ الرجع كالبدء وأنّ سنّة الله لن تتبدّل في إرسال الرسل وتشريع الشرائع كما ورد في سورة الأعراف: "كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ‏فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ " . وهذه الآية صريحة بأنّ الناس في أيّام الرجعة مثل أيّام ظهور رسول الله متمسّكون بعلمائهم الجهلاء ويعتبرون شياطين الأنس الّذين طالما كانوا قطّاع طريق وسبب ضلال العباد أحبّاءهم الّذين يرجون لهم الخير والسعادة وبهذه الواسطة يعرضون عن أمر الله ويحسبون أنفسهم في عين الضلالة مؤمنين ومهتدين.
وكذلك قال تعالى في سوة يونس: "‏فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ" . وهذه الآية صريحة في الدلالة على أننا يجب أن لا ننتظر حدوث شيئ على غير ما سارت عليه سنن الظهورات السابقة وسوف لن يظهر أبداً في أي وقت غير ما جرت التجربة عليه في الأيّام الماضية لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الآية هل ينتظر هؤلاء القوم شيئاً يظهر على خلاف أسلوب الأيّام الماضية؟ وهذا يعني أنّ السنّة الإلهيّة كانت على هذا المنوال في معارضة مظاهر أمر الله. ويتفضّل على سبيل التبكيت والإهانة " قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ" وهذا يعني إنّ آمالكم هذه لن تتحقّق أبداً في تغيير سنّته في إرسال الرسل وإمتحان الخلق أو يرسل مظاهر أمر الله حسب عقائد الخلق وآمالهم "‏سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" .
وكذلك الآية المباركة " ‏يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " صريحة في أنّه لم يحدث أن ظهر مظهر من مظاهر أمر الله وما إبتلى بإستهزاء الأشرار ومعارضتهم. ولا تظنّنّ إن هذا العبد مع صراحة المقاصد الإلهيّة في هذه الآيات يفسّرها بدون سند بأنّها تتعلّق بحوادث أيّام ظهور القائم الموعود ومعارضة الخلق لتلك الطلعة المحمودة بل لو رجعتم إلى مجلّد الغيبة من كتاب بحار الأنوار للاحظتم أنّ أئمّة الهدي عليهم السلام قد فسّروا هذه الآيات بظهور القائم الموعود. فقد رُوي في ذلك المجلّد أنّ أمير المؤمنين عليه وعلى أولاده الطاهرين صلوات الله قال على منبر الكوفة: "إعْلَمُوا أنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ للهِ وَلَكِنَّ اللهَ سَيَعْمِي خَلْقَهُ مِنْهَا بِظُلْمِهِمْ وَجُورِهِمْ وَإسْرَافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ خَلَتْ الأرْضُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُجَّةِ اللهِ لَسَاخَت بِأهْلِهَا وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ يَعْرِفُ النَّاسَ وَهُمْ لا يَعْرِفُونَهُ كَمَا كَانَ يُوسُفُ يَعْرِفُ النَّاسَ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ" ثم تلا: "يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ" .

وجاء في سورة الحجر ما يطابق الآية السابقة قوله تعالى: " ‏وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ‏لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ " . وهذه الآية الكريمة تعني أنّ الغطرسة والتكبّر ومعارضة مظاهر أمر الله الّتي هي من سنن الأوّلين وأخلاق السابقين سوف تجري في قلوب المجرمين وسوف يظهر من اللاحقين ما ظهر من السابقين من الشرور والإستهزاء والتهكّم.

وكذلك تدلّ الآية الكريمة على هذه القضيّة دلالة صريحة في قوله تعالى: "‏مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ" .

وحيث أنّ هذه الآيات الكريمة نزلت في القرآن المجيد لهذا فقد أخبر رسول الله وخاتم النبيّين بأنّ كلّ ما ظهر من الأمم السابقة سوف يظهر من الأمّة الإسلاميّة كذلك وإنّ دين الله سيُبتلى بقلّة الأهل وبالغربة عند الرجع كما إبتلى بهما عند بدء الإسلام كما روى المجلسي عليه الرحمة في باب سِيَر القائم وأخلاقه في مجلّد بحار الأنوار عن أبي بصير أنّه قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام أخبرني عن قول أمير المؤمنين: "إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأ فَطُوبَى لَلْغُرَبَاءِ" فقال "يَا أبَا مُحَمَّدْ إذَا قَامَ القَائِمُ عَلَيْهِ السَلامُ إسْأنَفَ دُعَاءً جَدِيداً كَمَا دَعَا رَسُولُ اللهِ".
هذا وإنّ الحديث: "إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأ فَطُوبَى لَلْغُرَبَاءِ" والحديث: " لَتَسْلُكُنَّ سنَنَ مَنْ قَبْلُكُمْ شِبْراً فَشِبْرٍ وَذِرَاعاً فَذِرَاع" حديثان إتّفق عليهما أهل السنّة وأهل الشيعة لأنّهما رُوِيا عن رسول الله مفسّرَيْن للآيات الكريمة السالفة وإنّ منـزلة هذين الحديثين في المنـزلة الأولى من الأحاديث النبويّة وهي موثوقة لدى أولي النهي.

7. في بيان التشابه بين أسباب إعتراض المسلمين عن القائم الموعود وبين أسباب إعراض اليهود عن المسيح وبيان تشابه العقائد الموهومة لدى هاتين الأمّتين:

لو يفكّر الإنسان البصير في سبب إعراض المسلمين عن القائم الموعود وفي شبهاتهم في ردّهم تلك الطلعة، طلعة المعبود، فإنّه يجدها مطابقة لشبهات اليهود ولأسباب رفضهم عيسى عليه السلام ويصل إلى بحر المعاني المودعة في كلمات الأبرار، لأنّه كما أنّ المسلمين ينتظرون القائم الموعود فكذلك اليهود كانوا ينتظرون حضرة المسيح ولا يزالون إلى يومنا هذا ينتظرون ظهوره وكما أنّ بشارات ظهور القائم مذكورة في القرآن وفي أحاديث آل البيت الطاهرين فكذلك بشارات المسيح مسطورة في وصريحة في التوراة وفي أسفار أنبياء بني إسرائيل وكما إمتُحن علماء الإسلام وإفتُتنوا بكلمة الغلبة التامّة الواردة بحقّ القائم الموعود فكذلك إمتُحن اليهود في ظهور عيسى عليه أطيب التحيّة والبهاء بكلمة الغلبة التامّة الّتي تدلّ عليها كلمة (المسيح). وقد غفل العلماء المسلمون عن المعنى الحقيقي لكلمة القدرة والغلبة كما نزل تفسيرها في كتاب الإيقان الشريف، وبهذا السبب إتّفقوا بكلّ جرأة على سفك الدم الأطهر لحضرة المسيح. لأنّ كلمة (المسيح) في اللغة العبريّة تعني ملك اليهود ووارث عرش داود، ولهذا فالبشارات الواردة في أسفار الأنبياء صريحة في دلالتها على أنّ المسيح الموعود يرث عرش داود ويملك صولجان سلطنة اليهود ويفتح الشرق والغرب ويطهّر الأرض من الظلم والشرور وينفّذ شريعة التوراة المقدّسة على جميع أهل العالم. فلمّا ظهر عيسى عليه أطيب التحيّة والثناء بمسحة المظلوميّة الكبرى والفقر والمسكنة العظمى ونسخ في أوّل وهلة شريعة السبت والطلاق الّتي كانت أعظم الأحكام الدينيّة اليهوديّة وشرّع محلها شريعة جديدة وآداب جديدة لهذا إتّفق اليهود على تكذيب حضرته معتمدين على عقائدهم ومطمئنّين إليها وأصابوه بظلم عظيم وبمنتهى الإهانة، كما ذُكر في الإنجيل أنّهم إعتبروا قتل أصحابه وسفك دمائهم سبب الأجر والثواب لدى الله تعالى وإمتدّت مظلوميّة أتباع حضرته وإبتلائهم بظلم الأعداء وشرورهم مدّة ثلاثمائة سنة وكانت دماؤهم خلال هذه المدّة المديدة عرضة للسفك وأموالهم عرضة للنهب وعيالهم عرضة للسبي حتى تشرّف قسطنطين الكبير قيصر الروم بشرف النصرانيّة عام (316) ميلاديّة وخرج من الديانة الوثنيّة ونالت الديانة المسيحيّة شيئاً من الحرّية والراحة والجلال.

وعندما يفكّر الشخص البصير في هذه الأمور فإنّه يفهم سرّ الآية الكريمة: "كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ" ويفهم الحديث: "لَتَسْلُكُنَّ سنَنَ مَنْ قَبْلُكُمْ" ويدرك حقيقة قيام روح الله بعد ظهور القائم ويطّلع على سبب إعراض المسلمين عن الأمر الإلهي. وما أشبه عقائد الشيعة الخاصّة بمدينة (جابلقا وجابرصا) بعقيدة اليهود بمدينة (بني موسى) ونقول بإيجاز عنها إنّه جاء في الآية العاشرة من الإصحاح التاسع والأربعين من سفر التكوين في التوراة المقدّسة إنّ عصا السلطنة سوف لا تسقط من سلالة اليهود حتى يأتي شيلون المسيح الموعود. وعندما زالت سلطنة اليهود بعد ظهور المسيح وفتح القيصر الروماني طيطوس مدينة القدس الشريفة وصار أتباع حضرته يستدلّون بهذه الآية من التوراة على صدق المسيحيّة لهذا قال علماء اليهود من أجل إسكات أمتّهم والردّ على أدلّة النصارى أنّ في أقصى أنحاء العالم مدينة كبيرة لم يرها أحد ويسكنها قوم عظيم من اليهود وملكهم أحد أبناء موسى عليه السلام وإسم تلك المدينة (مدينة بني موسى) وحولها نهر كبير من الرمل المتحرّك لا يستطيع أحد بسببه الدخول أو الخروج منها ويتحرّك هذا الرمل دائماً حتى ظهور المسيح الموعود فعند ذلك تسكن حركة الرمل وتخرج الأمّة اليهوديّة في ذلك اليوم لتنصر حضرة المسيح وتنفذ الشريعة الموسويّة في العالم بقوّة السيف وبهذه الخرافة إعتقد بنو إسرائيل وتقاعدوا عن الإيمان بحضرة المسيح وحُرموا مدّة الف وثمنمائة سنة من الشريعة الإلهيّة وكذلك قام علماء الشيعة بنشر مثل هذه الأوهام بين أفراد الأمّة البائسة قائلين إنّ حضرة الحجّة إبن الحسن العسكري عليهما السلام موجود الآن في مدينة (جابلقا) وله أولاد كثيرون وزوجات كثيرات في هذه المدينة الوهميّة وله فيها جيوش جرّارة لها معدّاتها الحربيّة الّتي لا تُعدّ ولا تُحصى، وقد دوّنوا في كتبهم أحاديث كثيرة وروايات عديدة بأنّ الشخص الفلاني وهو من ثقاة الملّة الشيعيّة قد تشرّف بحضور القائم في تلك المدينة وإنّ العالم الفلاني من أفاضل الشيعة الإثني عشريّة قد نال شرف رؤية حجّة الله في تلك المدينة وكانت هذه الأمّة البائسة مدّة ألف سنة تفرّح نفسها بهذه الأوهام والخرافات حتى أزال طلوع الشمس الربّانيّة هذه الأوهام الظلمانيّة وأثبت علم الجغرافيا الحديثة بطلان هذه الخرافة وهدم سيل تقدّم العلوم والمعارف بناء (مدينة جابلقا) و (مدينة بني موسى) [فاعتبروا يا أولي الأبصار].


8. في بيان أنّ التوفيق بين الأحاديث يقتضي تفسير الغلبة الواردة فيها وفقاً لتفسير الإيقان الشريف بأنّها غلبة معنويّة لا غلبة دنيويّة:

فلمّا تمّ الإطّلاع على أنّ هناك أحاديث كثيرة تؤيّدها آيات القرآن المجيد وتدلّ بصورة صريحة على أنّ القائم يظهر متّصفاً بالمظلومية الكبرى كما أنّ هناك أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ أمر حضرته يفتح العالم كلّه وبسببه يملأ الله تعالى العالم بالقسط والعدل بعد أن إمتلأ بالظلم والجور فلم يبق مفرّ لأهل العلم إلاّ أن يفسّروا ألفاظ الغلبة والسلطنة والهيمنة والسيطرة وأمثالها بما يطابق ما جاء في كتاب الله من أنّ الغلبة والسلطنة المذكورة هي غلبة وسلطنة روحانيّة وأنّ الهيمنة والسيطرة المذكورة هي هيمنة وسيطرة دينيّة لأنك لو فسّرت هذه القدرة والغلبة وأمثالها بالقدرة والغلبة الظاهريّة الّتي لم تكن أبداً محبوبة لدى الحقّ وأولياؤه فإنك تعترض بهذا على كثير من الأحاديث الصريحة بمظلوميّة القائم والمؤيَّدة بآيات القرآن المجيد بينما لو تفسّرها بالغلبة والسلطنة والسيطرة الروحانيّة والهيمنة الدينيّة الّتي هي من السنن الإلهيّة وفقاً لما جاء في الإيقان الشريف في أحسن قولٍ وأبلغ بيانٍ فإنك لا ترفض ولا تعترض على أيّ واحدٍ من هذه الأحاديث الشريفة بل تراعي القاعدة الّتي سار عليها أفاضل العلماء في التوفيق بين الأحاديث وجمعها والتوحيد بينها. وهذا الكلام الّذي نعرضه هو من باب المجاملة وتوسيع نطاق الأدلّة والتكلّم بلسان القوم حتى يفهم أهل الإدراك أنّ المعارضين لهذا الأمر الأعظم قد نسوا قواعدهم العلميّة وذهلوا عن قواعدهم الأصليّة. وإلاّ فإنّ أهل البهاء مستغنون عن هذه الأدلّة الواهية وبراء من هذه الحبال البالية بل يرون الحقّ جلّ جلاله غالباً بنفسه ويعرفون الكلمة الإلهيّة نافذة بذاتها ولا يرون ظهور الحقّ محتاجاً لغير الحقّ جلّ جلاله ولا يحسبون المؤيَّد بشديد القوى فقيراً إلى مصائد أهل الهوى. فمثلاً لو يلاحظ أرباب البصيرة أنّ كلمة حضرة عيسى المقدّسة فتحت أوروبّا بنفوذها الذاتي لا بشهادة التوراة لها وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فتح الجزيرة العربيّة وإيران وتركستان وأفريقيا بقوّة القرآن لا بشهادة التوراة والإنجيل فإنّهم يطلعون على قوّة الكلمة الإلهيّة وينتبهون إلى أنّ صاحب الظهور غنيّ عن كلّ شيئ. ولكن هيهات أن يرى كلّ أعمش هذه النقاط الدقيقة أو يشاهد كلّ أخفش هذه الحقائق الخفيّة.

ومن العجيب أن يكتب جناب الشيخ وبكلّ جرأة: "ليس هناك أبداً وعداً يختصّ بتغلّب الأئمّة عليهم السلام"، ولا أعلم بأيّ دليل لا تشمل الآية الكريمة "إنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الغَالِبُونَ" حال أئمّة الهدى؟ أليس في هذه الآية وعد صريح بغلبة الجند الإلهي غلبة تامّة؟ أو هل هناك حسب عقيدة جناب الشيخ جند في الإسلام أهدى وأقوى وأولى منهم؟ أو هل ظنّ جناب الشيخ أنّ الأحاديث أكثر إعتباراً من القرآن فرأى نفسه غير محتاج إلى الكتاب الإلهي؟ أو هل أجاز لنفسه على خلاف إجماع العلماء التمسّك بأحاديث تخالف صريح القرآن؟

ولا عجب من ذلك أنّ جناب الشيخ لم يذكر شيئاً عن هذه الآية المباركة مع أنّ الجمال الأقدس الأبهى عزّ إسمه الأعلى إستدلّ في كتاب الإيقان الشريف بنفس هذه الآية في بيان معنى الغلبة والسلطنة الحقيقيّة وأثبت أنّ هذه السلطنة والقوّة والغلبة تنطبق بأحسن وجه في حقّ سيّد الشهداء عليه آلاف التحيّة والثناء. وظنّ جناب الشيخ أنّ الغلبة هي الغلبة الظاهريّة الدنيويّة ولكنّه لم يبيّن سبب إنصراف هذه الآية عن أئمّة الهدى. أفليس الحقّ في هذه الحال مع المناظر البهائي أن يأمره بالرجوع لمطالعة الإيقان الشريف مرّة ثانية ويؤكّد عليه بإعادة النظر وإرجاع البصر كرّتين؟

وقد قال الله تعالى في مقام آخر ما يطابق الآية المذكورة: "‏إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" وهذه الآية المباركة صريحة في الدلالة على أنّ الأنبياء والمرسلين والأئمّة والمؤمنين كلّهم منصورون في هذه الدنيا بالنصرة الإلهيّة وغالبون بالغلبة الروحانيّة وفي هذه الحال ليس لجناب الشيخ مفرّ إمّا أن ُيخرج والعياذ بالله أئمّة الهدى من صفوف الجنديّة والإيمان أو يعتبر الوعود الإلهيّة الواردة في هذه الآية ناقصة مع أنّها مؤكّدة بأداة التوكيد (إنّا) أو يعتبر النصرة والغلبة وأمثالها الواردة بحقّ أئمّة الهدى نصرةًً وغلبةًً روحانيّةًً ونفوذاً لكلمة الله وفقاً للتفسير النازل في كتاب الإيقان الشريف.


9. في بيان معنى الحديث المتواتر وفي إثبات خطأ جناب الشيخ في إدّعائه بورود أحاديث متواترة كثيرة:

وأعجب من هذا كلّه أن يدّعي جناب الشيخ وجود أحاديث كثيرة متواترة وهذا العبد متحيّر ماذا يقول وماذا يكتب ليوضح حقيقة الحال ولا يكون سبباً في غضبه. لأنني لو أقول أنّه لم يفهم معنى الحديث المتواتر فأدّعى إدّعاءً لا أساس له مثل هذا الإدّعاء فإنّ ذلك يكون سبباً في إنزعاج خاطره وفي غضبه ولو أقول أنّه فهم معنى الحديث المتواتر ومع ذلك إدّعى مثل هذا الإدّعاء فإنّني أكون قد نسبت له المغالطة والكذب وهذا أيضاً يخالف شأن الكتابة وآداب الصحافة ولهذا فليس هناك من مفرّ إلاّ أن أوضح في هذا المجال معنى الحديث المتواتر وأترك الحكم على جناب الشيخ إلى أرباب العلم والإنصاف وأقول:

لا يخفى على مطالعي هذه الصفحات أنّ علماء الإسلام يعتبرون الخبر الّذي ينبئ بقول قاله رسول الله صلى الله عليه وسلّم أو فعل فعله أو تقرير قرّره حديثاً نبوياً شريفاً. وزاد على هذا علماء الشيعة فأضافوا إلى ذلك كلّ قولٍ قاله الأئمّة عليهم السلام وكلّ فعلٍ فعلوه وكلّ تقريرٍ قرّروه. إذن فالحديث بإصطلاح علماء الشيعة هو كلّ خبر يخبر بقول وفعل وتقرير من رسول الله ومن أئمّة الهدى عليهم السلام. ومن الواضح أنّ هذه الأخبار بعد إنقضاء أيّام رسول الله وأئمّة الهدى إنتقلت إلى الناس بطريق الرّواة. ففي هذه الحال قال العلماء إذا كان عدد الرواة لحديث كثيرون جدّاً بحيث يستحيل تواطؤهم وإتّفاقهم على الكذب فإنّ ذلك الحديث يسمّى حديثاً متواتراً. فمثلاً لو سُمع ألف إنسان يروون خبراً ولم ير أحدهم الآخر ولم يتّفقوا فيما بينهم على روايته فلا شكّ أنّ هذا الخبر يكون من الأدلّة القطعيّة. أما لو كان عدد رواة الحديث قليلاً إلى درجة لا يستحيل معها إتّفاقهم على الكذب فإنّ هذا الخبر يسمّى خبر آحاد. وخبر الآحاد يفيد الظنّ ويعتبر من الأدلّة الظنيّة ما لم تؤيّده قرينة قطعيّة خارجيّة. وقد إتّفق علماء الشيعة على أنّ خبر الآحاد ليس حجّة ً في المسائل الأصوليّة ولا يمكن الإستدلال به ما لم تؤيّده آية من آيات القرآن الّذي هو من الأدلّة القطعيّة. فلمّا إتّضح لكم الآن معنى الحديث المتواتر أعرض أنّ علماء الإسلام من السنّة والشيعة قد إتّفقوا على شرطين للتحقّق من صحّة الحديث المتواتر: (فالشرط الأوّل) هو أن يكون الأمر المُخبَر عنه أمراً محسوماً كأن يروي ألف إنسان أو خمسمائة إنسان أو مائة إنسان خبراً بأنّ رسول الله عليه الصّلاة والسلام قال هذا الكلام الّذي سمعناه أو إنّه عليه الصّلاة والسلام فعل هذا الفعل فيكون هذا الحديث متواتراً. أما لو روى مائة ألف إنسان خبراً عن أمرٍ غير محسوس بل أمرٍ عقلي كصفات الله عين ذاته أو غير ذاته أو أنّ رتبة النبوّة أعظم أم رتبة الرسالة أو أنّ الإمام واجب العصمة أو غير واجبها فإنّ هذا الخبر المروي يكون حديثاً متواتر وغير قطعي لأنّ تطرُّق الخطأ إلى الأمور العقليّة أكثر من تطرّقه إلى الأمور الحسّية، وهذا الشرط قد إتّفق عليه جميع العلماء وإعتبروا وجود هذا الشرط لازماً لتحقّق التواتر. (الشرط الثاني) هو أنْ يبلغ عدد الرواة في جميع الطبقات حدّ التواتر. إذ من المعلوم أنّ أهل هذا الزمان لم يتشرّفوا بالحضور بين يدي رسول الله ولم يسمعوا بآذانهم قوله ولا بدّ أن يكون الخبر قد وصل إليهم بطرقٍ عشرة أو أكثر ولا بدّ إذاً أن تبلغ هذه الطرق حدّ التواتر. مثال ذلك مائة إنسان لم ير أحدهم الآخر ولم يتفّقوا فيما بينهم على رواية حديثٍ رووه عن مائة إنسان آخر غير متواطئين كذلك رووه عن مائة إنسان غيرهم حتى تصل روايتهم إلى رسول الله أو إلى أئمّة الهدى ففي هذه الصورة يثبت التواتر ويكون الخبر قطعيّاً ولكن لو روى مائة إنسان خبراً عن خمسة أشخاص أو عشرة أشخاص رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا شكّ أنّ ذلك الخبر لا يكون حديثاً متواتراً ولا قطعياً لأنّه ليس من المستحيل أن يتّفق خمسة أشخاص أو عشرة أشخاص على الكذب أو يتواطئوا على رواية لا أساس لها من الصحّة. وخلاصة القول أنّ هذين هما الشرطان اللذان إتّفق جميع العلماء بالإجماع على وجوب تحقّقهما في الحديث المتواتر وقد راعوا فيهما منتهى الدقة.

إذاً لما تمّ الإطّلاع على معنى الحديث المتواتر يمكن أن نعلم أنّ جناب الشيخ يستطيع في إثبات مدعاه أنْ يأتي بحديث متواتر واحد بلغ جميع طبقات رواته رتبة التواتر حتى وصلوا بحديثهم إلى رسول الله وأئمّة الهدى عليهم السلام أو أنّه لا يستطيع ذلك. أقول أن يأتي بحديث متواتر واحدٍ فكيف بأحاديث كثيرة متواترة إدّعاها إلاّ اللهم أن يكون الحديث الّذي يتصوّره من أمثال مراثي الجوهري ومقبل وأمثالهما أو ما يتصوّره من كتب منشدي المراثي الّتي يظنّها حديثاً متواتراً. ونحن نصرف النظر عن جميع المطالب الدينيّة لو يستطيع جناب الشيخ أن يأتي بحديث واحد متواتر في إثبات مسألة واحدة من المسائل الأصوليّة لمذهب أهل السنّة والجماعة أو في إثبات مسألة واحدة من المسائل الأصوليّة لمذهب التشيّع مثل أنّ الحسن بن علي العسكري عليهما السلام كان له ولد. فلو يأتينا بحديث واحد عن ذلك فإنّنا نقبل جميع مطالبه ونعترف ونذعن بدقّة نظره.

ولو ينظر الإنسان البصير إلى الأحاديث الواردة حول ميلاد حضرة محمّد بن الحسن عليه السلام والّتي إليها يرجع بناء مذهب الشيعة لَيشاهد بكلّ وضوح أنّ جماعة الشيعة إكتفت في الإيمان بمثل هذا المبحث المهمّ بحديث روته إمرأة واحدة ورواه خادم مجهول الهوية ولَيشاهد أنّهم إعتمدوا على مثل هذا الحديث الضعيف الوحيد في مسألة الإمامة الّتي هي من المسائل الأصوليّة ومن المباحث الإعتقاديّة الّتي لا مجال لغير البراهين القطعيّة في إثباتها وقد فرّحوا قلوبهم بالعقائد الواهية من قبيل جابلقا وسرداب سامراء وبقاء الإمام فيه ألف سنة حتى شتّت إشراق شمس المعارف تلك الظلمات الحالكة. [ألم يأن لهم أن يستيقظوا من رقدتهم وينتبهوا من غفلتهم وينشطوا من عقالهم ويرجعوا إلى عقولهم ويتفكّروا في عواقبهم وقد مضت من قبلهم المثلات ونزلت في إنذارهم آيات باهرات؟]

10. في نقل عبارة الشيخ بأنّه لو كان المقصود من الغلبة هو الغلبة المعنويّة التدريجيّة فإنّنا نرى هذا النوع من الغلبة موجوداً أيضاً في المذاهب والأديان الباطلة:

كتب جناب الشيخ ما يلي في رسالته الأولى:
"لو كان المقصود من الغلبة كما أشار إليه كتاب الإيقان هو الغلبة الباطنية والمعنويّة الّتي تظهر حسب إستعداد الأكوان والأزمان وتجدّد الخلق ففي هذه الصورة إننا نشاهد هذا النوع من الغلبة في الأديان والمذاهب الباطلة الّتي بقيت سنين طويلة وإرتقت ووجدت رواجاً بتوالي الأيّام وتلاحق الأزمان بالرغم من أنّ مؤسّسيها كانوا في زمانهم حسب الظاهر مغلوبين ومقهورين كما يعرف هذا أرباب التاريخ والعلم. وكذلك تضحية أتباع السيّد الباب بأموالهم وأرواحهم في سبيله وصبر السيّد نفسه وإستقامته ليست دليلاً على حقيّته لأننا نشاهد بشهادة جميع التواريخ أنّ الإنسان الراسخ في عقيدته مهما كانت عقيدته باطلة وسخيفة يفدي ماله وأولاده وروحه لا في سبيل إنسان كامل بل في سبيل شجرة أو حجر صنعه بنفسه. وفضلاً عن هذا لو كان هذا الدليل صحيحاً ومقبولاً فأننا نستطيع أن نقول: أيها الناس لماذا لا تتفكّرون بفداء أتباع معاوية ويزيد بأموالهم وأرواحهم وأولادهم في سبيل حقّهم وحقيّة عقيدتهم؟ وهل من الممكن أن يكون كلّ أولئك الناس في طريق الجهالة والضلال؟ فلو قيل أنّ ذلك وقع لمجرّد الأهواء النفسيّة ومطامع المال والجاه والجلال فإنّا نقول كذلك كيف نعرف أنّ هذا أيضاً ليس عاديّاً أو بريئاً من هذه الدوافع؟
والأوضح من هذا أننا نقول لو نادانا إنسان من الوثنيّين بنداء عام قائلاً: أيتها الأمّة الإسلاميّة وأيتها الأمّة المسيحيّة وأيتها الأمّة اليهوديّة ويا أصحاب المذاهب المختلفة لماذا أنتم في طريق الضلال ولماذا لا تسيرون في سبيل الحقّ المستقيم؟ أفلا ترون قدرة أهل الأوثان اليوم على الأرض؟ أفلا تعلمون أنّه ليست هناك بينكم من أمّة على وجه الأرض تساوي في عدد نفوسها وفي قوتّها نفوسنا وقوتّنا؟ ففي الصين عندنا اليوم أربعمائة مليون نسمة وليس هذا إلاّ من الغلبة الباطنية الكاملة والسيطرة المعنويّة الشاملة الّتي كانت في مؤسّسنا النفيس والّذي أثّرت كلماته الحقّة يوماً فيوماً في القلوب ونفذت فيها حتى وصلنا إلى هذه الدرجة." فالآن لو كان المقصود بالغلبة والسلطنة هو الغلبة والسلطنة المعنويّة الّتي تتجلّى بمرور الأيّام وبتجدّد الخلق والأزمان فإننا نلزم بحقيّة الدين الوثني [والحال أنّ بطلان هذا الدين أظهر من الشمس وأبين من الأمس.] وفضلاً عن هذا فإنّ كثيرين في العصور السابقة إدّعوا مقام المهدويّة وآمن بكلّ واحد منهم في زمانه خلق كثير وفدوه بأرواحهم ولكنّ عاقبة كلّ واحد منهم كانت مثل عاقبة السيّد الباب وقد قُتلوا كما ورد تفصيل ذلك في تاريخ إبن خلدون وغيره. إذن فبأيّ دليل وبرهان يُعرف كذب إدّعائهم وصدق إدّعاء هذا؟"

ولما إنتهت كلمات جناب الشيخ في رسالته الأولى إلى هذا المقام أجاب عليه مناظره البهائي بكلام مختصر ومفيد قائلاً: إنّ عبادة الأوثان وسائر المذاهب الباطلة مذاهب سياسيّة ظهرت وتظهر في الأديان الإلهيّة ولا تنهدم الأديان الإلهيّة بظهور المذاهب السياسيّة فيها والفارق بين الحقّ والباطل هو بقاء الحقّ وثباته وزوال الباطل وفناؤه بحكم الآية المباركة: "‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ" . وجناب الشيخ الّذي لم يرضى بالآية الكريمة فارقاً بين الحقّ والباطل كان عليه على الأقل أن يبيّن الفارق الّذي يراه بين الحقّ والباطل ولكنّه بدون أن يفهم مقصود مناظره قام في رسالته الثانية بكتابة أربع أو خمس صفحات مملؤة بالكلمات الخشنة والإهانات الخارجة عن الآداب الإنسانيّة والّتي لن يلوّث هذا العبد قلمه بنقلها ثم أعاد ما كتبه في رسالته الأولى من الشبهات فكرّرها في رسالته الثانية وهذه هي كلماته في رسالته الثانية:

"وأنا أقول أنّ هناك في العالم أنواعاً وأشكالاً من العقائد الدينيّة والمذهبيّة وإنّ المعتقدين بها في كلّ زمان ومكان يقومون بمقتضيات العبادة فيها نظراً لرسوخ عقائدهم القلبيّة وإستحكامها وينفقون دون بخلٍ أموالهم وأرواحهم وأولادهم في سبيل الدفاع عن ذلك الدين أو المحافظة عليه أو التقرّب إلى المعبود الّذي إتّخذوه في دينهم. فإرجعوا مثلاً إلى التاريخ العام للعالم وإقرأوا الديانات والشرائع الوثنيّة تروا أنّهم بنوا تماثيل ومجسّمات إعتبروها شفعاء لهم في يوم الجزاء وهم علاوة على السجود والتعظيم وتقديم القرابين الحيوانيّة يقدّمون أطفالهم الأعزّاء قرباناً أمام تماثيلهم الصامتة الّتي صنعوها بأيديهم. وقد حدث أخيراً حينما كان ينقل الصنم من معبد إلى آخر في الصين بوقار وإجلال أن إنبرى بضعة أشخاص من المؤمنين به فناموا في طريق تلك العربة وتحت عجلاتها الحديديّة الثقيلة وفدوا بأرواحهم العزيزة معبودهم الباطل. إذاً لو كان فداء الروح دليلاً على حقيّة الدين فعندئذٍ يثبت بعلمهم حقيّة الدين الوثني. وخلاصة القول إنّ جميع الحروب الدينيّة والمذهبيّة الّتي حدثت في العالم نشأت من العقيدة الراسخة الّتي كان يتحلّى بها كلّ واحد من المؤمنين بتلك الأديان ويرى نفسه حقّاً والآخرين باطلاً ويبرهن إدّعاءه بصورة فعليّة بفداء المال والروح والأولاد ولكن لا تثبت بهذا الفداء حقيّة هذا أو ذاك أبداً لأنّ أعمال كلّ فرقة تماثل أعمال الفرقة الأخرى. فلو كان عملُ أحدهم دليل حقيّته فعملُ الآخر أيضاً يكون دليل حقيّته. إذاً فهناك قولٌ صحيح يثبت صحّة وبطلان تلك العقيدة الّتي بعثت على مثل هذا العمل وذلك القول وحده هو البرهان الباهر والدليل القاهر وليس أعمال المقلّدين والمعتقدين. ولم يفهم المناظر المسكين حتى الآن أنّ رؤساء بني أميّة كانوا يعتقدون بأنّ عدم بيعة حضرة سيّد الشهداء ليزيد بن معاوية هي مخالفة للدين وسبب لإختلاف كلمة الله وحتى أنّهم والعياذ بالله سمّوا حضرته عاصياً وخارجاً على القانون وبهذه العقيدة الباطلة حسبوا أنّ محاربة حضرته واجبة. ولا يخفى أنّ أغلب المخالفين والمجاهدين كانوا لا يعلمون حقيقة الأمر ولا يعرفون حقيّة هذا أو ذاك. ألم تسمعوا أن سيّد الشهداء في يوم عاشوراء لما كان قائماً يصلّي خاطبه أحد الرؤساء قائلاً "يا حسين لماذا تصلّي فإنّ ربّ العالمين لن يقبل أبداً صلاتك؟". أفلا ترون كيف كانت عقيدة هذا الرئيس؟ ألم يكن يعلم أنّ حيلة عمرو بن العاص في موقعة صفّين بتحكيم حكمين صارت سبباً لنكوص خلق كثير عن مولى الموالي وأمير المؤمنين وخروجهم عليه حتى إعتبروا والعياذ بالله حضرته كافراً وقامت في الحال معركة النهروان. وهناك آلاف الفجائع الدينيّة والمذهبيّة سواء في الإسلام أو في المسيحيّة أو في اليهوديّة إعتبر كلّ فريق فيها نفسه محقّاً ومصلحاً وإعتبر الفريق المقابل له باطلاً فاسداً. ففرقة الفرسان وفرقة الجزويت المسيحيّة الّتي نشأت بأمر البابا وبتحريضه نظراً لإعتقادهم بحقيّة مذهبهم وطريقتهم لم يتركوا ميداناً من الميادين الّتي سلكها المعذبون لتعذيب المرتدّين من اليهود والنصارى والمسلمين لم يسلكوه ولو كانوا يلقون ضحاياهم البائسين في النار مرّة واحدة لكان ذلك فضلاً وإحساناً منهم ولكنّهم كانوا يحرقونها بصورة تدريجية كاللحم المشوي. وبنظري إنّ كلَّ ظالم مهما كان قاسياً فظّاً فإنّه لا يرضى بهذا القدر من التعذيب ولكنّ الّذي بدّل قلوبَهم الرقيقة إلى قلوب من الحديد والفولاذ هو عقيدتهم بحقيّة مذهبهم وببطلان وخسران الطرف المقابل لهم، وهذه العقيدة قد رسخت في قلوبهم بأمر حضرة البابا وهو الجالس في مكان عيسى عليه السلام وهو الغفّار لكلّ الذنوب. وخلاصة القول إنّ من المقبول بل من البديهي لدى أرباب البصيرة أنّ شرحنا وتطويلنا إقتضاه خلطُ المناظر المزوِّر. والآن أسأل المناظر المزوِّر هذا السؤال: ما الفرق في الظاهر بين عمل الوثني الّذي يفدي بروحه وبأطفاله الأعزاء في سبيل التقرّب إلى معبوده الباطل ورجاء شفاعته وبين فداء سليمان خان والميرزا قربان أرواحهم في سبيل العقيدة الّتي إتّخذوها وبقوّة إيمانهم بها؟ فكلاهما صادق في قوله حسب الظاهر وكلاهما يستحقّ المدح والثناء لأنّ كلاً منهما يقول ديني حقّ وقد إعتقدتُ بحقيّته إلى درجة فديتُ بنفسي في سبيله. ولكنّ التحقيق في أيّهما كان في طريق الحقّ وأيّهما في طريق الضّلال هو الدليل القاهر والبرهان الباهر المميّز. ولهذا قلتُ إنّ فداء أتباع السيّد الباب لأرواحهم وأموالهم وصبر السيّد الباب نفسه وإستقامته ليست بدليل على حقيّته وكذلك بطلان عقيدته مهما كانت كيفيّة إعدامه معروفة بآلاف أنواع التعذيب فلا يمكن قبولها ما دامت بالدليل والبرهان "لِيَهْلِكَ مَنْ هلِكَ عَنْ بَيِّنَة" .

11. في الإجابة على جناب الشيخ وإثبات بطلان تمثيل الدين الإلهي بالمذاهب الباطلة وبيان معنى الدين ومعنى المذهب والفرق بينهما:

إنّ خلاصة تطويلات الشيخ المملّة هي مسألة ما هو الفارق بين الحقّ والباطل وقوله إنّ فداء المال والروح لا يكون دليلاً على حقيّة الحقّ وبطلان الباطل وإنّ الدين الحقّ يحتاج إلى برهانٍٍ كافٍٍ ودليلٍٍ وافٍ. وبدلاً من أنْ يقوم جناب الشيخ نفسه ببيان هذا الفارق وهذا البرهان ويريح جماعته أشغلَ نفسه بمسائل ليست موضع الإختلاف، وأطال الكلام فيها فجعلها بحثاً عقيماً. ولو أننا أوضحنا في المقالة الأولى برهان الحقّ والفارق بين الحقّ والباطل بصورة ظاهرة وباهرة ومكشوفة ومع ذلك سنقوم بحول الله وقوّته مرّة ثانية تكميلاً للحجّة وتوضيحاً للمسألة ببيان الفرق بين داعية الحقّ وداعية الباطل ونوضح بطلان قياسات الشيخ الّتي طالما رفعها المكذّبون على أكفّهم. وبعد إتمام الحجّة نذكر سبب إطالته في كلامه الّذي كان مثل ليالي الشتاء المظلمة الباردة الطويلة في الإمتداد. وقبل بيان الفارق نبيّن معنى الدين ومعنى المذهب ونبيّن الفرق بين الشرائع والأديان وبين الطُرُق والمذاهب ونوضح كيفيّة إنتشار المذاهب في الأديان حتى يكون طالبو الحقيقة على بيّنة من الأمر ويطّلعوا على القياسات الفاسدة وعلى تخليط وتزوير كلّ إنسان فنقول:
إعلم أيها الناظر إلى صفحات هذه الصحيفة إنّ الدين عبارة عن الشرائع والقوانين الّتي تنـزل على أحد أفراد البشر بوحي سماوي ووضع إلهي وتؤدّي إلى إنتظام الأمور الروحانيّة والدنيويّة في الأمّة مثل الديانة الموسويّة والديانة النصرانيّة والديانة الإسلاميّة وأمثالها. ومن خواص الديانة قوتّها وقدرة نفوذ كلمتها وجمعها وتأليفها بين الأمم المختلفة والعناصر المتعدّدة في ظل كلمة واحدة وربطهم برباط الأخوّة الدينيّة والجامعة الملّية. أما المذاهب فهي عبارة عن الطرق والشوارع الّتي إنشعبت من تلك الأديان بسبب الأغراض السياسيّة أو الإختلافات العلميّة وأساسها الّذي تقوم عليه هو المسائل العلميّة والآراء الإجتهاديّة لا إدّعاؤها نزول وحي سماوي وآيات إلهيّة وأمثال المذاهب الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والبروتستانيّة وغيرها في الديانة المسيحيّة وأمثال مذاهب القرّائين والربانيّين في الديانة الموسويّة وأمثال مذاهب الإماميّة والإسماعيليّة والزيديّة وأهل السنّة وغيرها في المذاهب الإسلاميّة. ومن خواص المذاهب التفريق والتشتيت للأمّة المتّحدة والضعف والإنحلال وإحداث الحروب الأهليّة ودخول البدع والأهواء والعبادات الباطلة غير الأساسيّة وإنا سنذكر فيما يلي من الصفحات كيفيّة تشريع الأديان الثلاثة وسبب إنشعاب المذاهب فيها حتى ينتبه كلّ طالب وتزول شبهات أرباب الإرتياب والتشكيك.

12. في بيان كيفيّة تفرّق الديانة الموسويّة إلى مذاهب مختلفة:

ومجمل ذلك أنّ بني إسرائيل لما نجوا من عبوديّة فراعنة مصر بسبب ظهور موسى عليه السلام ونزول التوراة وسكنوا الأراضي المقدّسة بالعزّة والإطمئنان إنتظمت أمورهم مدّة أربعمائة وخمسين سنة على يد رؤسائهم الّذين كانوا ينتخبونهم بأسم (القضاة) إلى أن جلس شاؤول من سبط بنيامين والّذي يسمّيه القرآن المجيد بإسم طالوت على سرير الملك، فتبدّل منصب القضاة المنتخبين إلى عرش الملكيّة الوراثيّة وبعد مقتل شاؤول كما جاء تفصيله في أسفار العهد القديم أصبح داود عليه السلام من سبط يهوذا ملكاً على بني إسرائيل بأمر الله تبارك وتعالى ثم إنتقل الملك إلى إبنه الأرشد سليمان عليه السلام. وكانت أمور بني إسرائيل في هذه المدّة على أحسن ما يكون من الإنتظام وفي منتهى القوّة وكانت الأيادي متّفقة في نصرة بعضها وكلمة الأمّة متّحدة وهيبتها مكينة راسخة في قلوب الملوك المجاورين أمثال موآب وأدوم ومصر. فلمّا توفّي سليمان عليه السلام إختلفت الأمّة فجعلت عشرةُ أسباط من بني إسرائيل (ياربعام بني نباط) من نسل يوسف عليه السلام ملكاً عليها بينما جعل سبطا يهوذا وبنيامين (رحبعام أبن سليمان) ملكاً عليهم، وكان هذا بدء إختلاف بني إسرائيل وإنقسمت الديانة اليهوديّة إلى مذهبين كبيرين وإشتعلت نار الحرب والقتال بين الطرفين وتبدّلت قوّتهم إلى ضعف وسطوتهم إلى إنحلال وتوحيدهم إلى شرك. فإنّ ياربعام مخافة ذهاب بني إسرائيل في كلّ سنة للحجّ ولتقديم القربان المقدّس إلى مدينة القدس الشريفة عاصمة ملوك آل داود ومخافة إنحراف قلوبهم إلى رحبعام إبن سليمان فتزول بذلك سلطنة آل أفرائيم، لهذا فقد بنى في عاصمته (السامرة) المسماة بالعبريّة (شومِرون) مذبحاً وأقام فيه عجلين من الذهب ومنع الناس من الحجّ إلى مدينة القدس الشريفة ومنع الذبح في مذبح سليمان فإعتاد بنو إسرائيل على تقديس العجلين الذهبيّين وإبتلوا باحترام التماثيل ورسخت شيئاً فشيئاً دواعي المنافرة والمخاصمة بين ملوك أفرائيم وملوك يهوذا حتى إنقطعت روابط الإلفة بين الطرفين ونشبت الحروب الأهليّة والمنازعات المذهبيّة بين الطرفين وفقاً لما تتحدّث به أسفار العهد القديم المقدّسة وتقرّب كلّ واحد من ملوك يهوذا وإسرائيل طلباً للقوّة والنصر على خصمه إلى ملوك الفينيقيّين والمصريّين الّذين كانوا مشهورين حينذاك بمدنيّتهم وقوّتهم وشوكتهم وغزارة علمهم ورقيّ صناعتهم وإقتبسوا عاداتهم المخالفة لشريعة التوراة. ومن أجل التقرّب لهذه الأمم وتغلّب بعضهم على البعض الآخر وضعوا في معابدهم أوثان عشتروت وبعل ومولك ولم ينتصحوا بنصائح أنبياء بني إسرائيل ومقدّسيهم ولا إتّعظوا بمواعظ المنقطعين والمقرّبين حتى تغلّب ملوك أشور على إفرائيم وشومرون بالغضب الإلهي وإنقرضت سلطنة هذه السلالة من بني إسرائيل ولا تزال إلى اليوم بقيّة من بقايا السامريّين ساكنة في بلاد نابلس الشام ولهم معبد في جبل (جزريم) للعبادة. والسامريّون يعتقدون بأسفار التوراة الخمسة ولكنّهم لا يعتقدون ببقيّة أسفار أنبياء بني إسرائيل. وبعد إنقراض بني أفرائيم بقيت السلطنة ضعيفة في بيت يهوذا حتى أنقرضوا أيضاً بعد مدّة على أيدي ملوك بابل وإبتلوا بعد العزّة والشوكة بالأسى والذلّة. وبعد سبعين سنة من الأسر في بابل نجوا بفضل ملوك إيران من أسر بابل ورجعوا مرّة أخرى إلى مدينة القدس الشريفة بالعزة والإطمئنان وفي هذه المرّة إنقسموا إلى شيع ومذاهب أخرى نتيجة إختلاطهم بأهل بابل ومصر الّتي كانت في تلك الأوقات مشهورة بمدنيّتها وسعة معارفها وظهرت شيع (الفرّيسيّين) و (الصدّوقيّين) و (الأسينيّون) و (الشيرابوتيّون) وقد وردت الإشارة في الإنجيل المقدّس إلى بعضهم وذُكرت أحوالهم بالتفصيل في تاريخ يوسيفوس العبري وفيلو. وقد ظنّت هذه الشيع والفرق نفسها حافظة لحقيقة شريعة التوراة وإعتبرت غيرها باطلة مبتدعة.

وفي هذه الأثناء ظهر عيسى عليه آلاف التحيّة والثناء ودعى أمّة اليهود إلى الشريعة الجديدة والسنن البديعة ولكنّ اليهود تمسّكوا بالضروريات الدينيّة وبأنّ المسيح يجب أن يظهر بسلطنة ظاهرة ويرث عرش داود وتاجه وشوكته وقوّته ففُتنوا بهذا وكذّبوا حضرته وإعتبروا ذلك الوجود الأقدس بجهلهم وضلالهم مفترياً ضالاًّ حتى نزلت فيهم كلمة العذاب وبعد أن سكنوا مدينة القدس الشريفة مدّة أربعمائة وثلاثين سنة تفرّقوا وتشتّتوا بتغلب القيصر الروماني طيطوس عليهم وإزداد هذا التشتّت بظهور الإسلام إلى أن أصبحوا حتى يومنا هذا مشتَّتين في الشرق والغرب ومنفورين. وقد بقي القليل من مذهب (القرّائين) ومذهب (الربّانيّين) عبرة للمتبصّرين. وطائفة القرّائين تؤمن بأسفار العهد القديم ولكنّها لا تعتقد بالتلمود وبالتقاليد والتفاسير بينما طائفة الربّانيّين بعد إذعانها لأسفار العهد القديم تدور عبادتها ومعارفها حول تفاسير التلمود وتعتمد على آراء علماء اليهود. ومن العجيب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد صرّح في إحدى خطبه البليغة في نهج البلاغة بحوادث بداية ونهاية بني إسرائيل وحذّر الأمّة الإسلاميّة من التفرقة والإختلاف والحزبيّة والمذاهب وتقليد اليهود ومعاندة حضرة الموعود. ولو وجدنا المقام مقتضياً في غضون هذا الكتاب فسوف ندرج تلك الخطبة الكريمة ونقوم بترجمتها ذكرى وموعظة للمتّقين حتى يعرف أهل البصيرة أنّ أئمّة الهدى قد أخبروا بهذه الحوادث وكشفوا عواقب الأمّة الإسلاميّة، ولكن هيهات أن تؤثّر هذه النصائح في القلوب القاسية أو تؤدّي إلى إنتباه وعبرة أرباب العتوّ والإنكار "فَإنَّكَ لا ُتسْمِعُ المَوْتَى وَلا ُتسْمِعُ الصُمَّ الدُّعَاءَ" .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى