منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 6

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 6 في 2010-11-02, 11:56

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل


في الجواب على الشبهة الثالثة من شبهات شيخ الإسلام

1. في بيان الشبهة الثالثة من شبهات جناب الشيخ الخاصّة بالتفاسير الواردة في الإيقان الشريف في بيان معاني الشمس والقمر والسماء وأمثالها:

كتب جناب الشيخ في رسالته الأولى أيضاً: "هناك شروط عديدة مهمّة عقلاً ولغةً في ترجمة وتفسير كلمات أيّ واحد من المظاهر القدسيّة من اللغة الّتي تكلّموا بها. (أوّلاً) يجب عدم التجاوز عن قانون اللغة (وثانياً) يجب إستعمال جميع الكلمات الواردة بمعناها الظاهري إلاّ إذا اُريد بتلك الكلمات معاني أخرى لوجود قرينةٍ مقاليّةٍ أو قرينةٍ حاليّةٍ ولا يجوز بدون قرينةٍ إستعمال كلمةٍ في غير ما وُضعت له (ثالثاً) في كل وقت يُراد بالكلمة معاني أخرى يجب الإستشهاد بنفس كلمات القائل ولغته ولغة غيره (رابعاً) أن يطابق التفسير لا محالة أحد تفاسير المفسّرين لا أن يخالفها جميعها، فمثلاً إذا قال أحد الأنبياء السابقين أمثال كليم الله أو روح الله شيئاً أو خبراً باللّغة العبريّة وظهر بعد ألف سنة شخص آخر إدّعى أنّ معنى هذا الخبر وهذه الألفاظ لم يفهمها أيّ واحد من علماء التفسير أو النصارى وإنّ معناه كذا وكذا وإنّ جميع المفسّرين والمترجمين قد أخطأوا ولم يستنشقوا رائحة من المعنى المقصود فلا شكّ أنّ هذا النوع من الإدّعاء لدى العقلاء إدّعاء كبير بل إنّه لن يُقبل ولن يُعترف به وعلى فرض تسليمهم يجب على المدّعي أن يستشهد لإثبات مدعاه بكلمات ذلك النبي وبلغته لا بكلمات ولغات الآخرين. وبناءً على هذا أعجبُ من تفسير وتوجيه صاحب الإيقان للآيات الّتي أخبر بها حضرة المسيح عن علامة رجوعه. وكانت تلك الأخبار قد قالها يوم أشار إلى تلاميذه عن موضوع مفارقته لهم فإلتمس أصحاب حضرته وسألوه ما هي علامة رجعته ومتى ستكون هذه الرجعة، فتفضّل حضرته "ولِلْوَقْتِ مِنْ بَعْدِ ضيقِ تِلْكَ الأيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لا يُعْطي ضَوْءَهُ، وَالكَواكِبُ تَتَساقَطُ مِنَ السَّماءِ، وَقُوّاتُ الأرْضِ تَرْتَجُّ، حينَئِذٍ يَظْهَرُ عَلاماتُ إبْنِ الإنْسان في السَّمَاءِ، وَيَنوحُ كُلُّ قَبَائِلِ الأرْضِ، وَيَرَوْنَ إبْنَ الإنْسانِ آتِياً عَلى سَحابِ السَّمَاءِ" والآية كما ترى تدلّ على الرجعة الخاصّة للمسيح فقط بقرينة الحاليّة والمقاليّة لا على الرجعة العامة لجميع المظاهر. ومع هذا فسّر صاحب الإيقان جميع الكلمات الواردة فيها بشكل لم تخطر تلك المعاني بذهن قائلها ولم يكتب في تأويلها أحد من مفسّرين الإنجيل الشريف من يوم ظهوره إلى يومنا هذا مدّة ما يقارب الألفيّ سنة. ويعتقد صاحب الإيقان أنّ كلّ الناس لم يفهموا مقصود عيسى عليه السلام وبقوا في تيهٍ وضلال، وبدلاً من أن يستشهد في إثبات مدعاه بنفس آيات عيسى عليه السلام وبنفس لغته الّتي تكلّم بها نراه يتمسّك بكلمات أحد أولياء الدين الإسلامي الّذين لم يسمع أهل الإنجيل أبداً بأسمه بل أنّهم يعتبرون أصل الدين الإسلامي وفرعه كذباً وباطلاً. فمثلاً يقول صاحب الإيقان إنّ المراد بالشمس والقمر في كلمات المسيح هو الشمس والقمر المعنوي بدليل ما ورد في دعاء الندبة: "أيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةُ وَأيْنَ الأقْمَارُ الزَّاهِرَةُ؟" ولنفرض أنّ فرقة الشيعة تسكت وتقتنع بهذا النوع من الإستدلال نظراً لإيمانها وقبولها لهذا الكلام الشريف أفهل يسكت أهل السنّة والجماعة؟ ولا سيما النصارى الّذين لا يؤمنون أصلاً بحقيقة الدين الإسلامي فكيف يؤثّر فيهم دعاء الندبة؟ مع أنّ كل مؤسّس ومقنّن يأتي بإدّعاء عامّ لأنّه يعتبر نفسه مظهراً أظهر وأسمى للوجود المطلق وللذات البحت ويجب أن تكون خطاباته وأدلّة حقيّته عامّة تامّة وكلامه موجهاً إلى الكلّ وشاملاً للكلّ لا أنّه يخاطب مِن بين جميع الملل الساكنة على الأرض ومن بين الفرَق المتعدّدة فرقةً صغيرةً ويسوق الكلام اليها نظراً لضيق معارف أغلب أفرادها وبدلَ أن يقول [يا أيّها الناس يا أيّها العرب ويا أيّها الفرس] يستدلّ ببضعة أحاديث يصعب إثبات صحّتها وسقمها حتى أنّ أكثر المسلمين لا يعتقدون بها" إنتهى كلام الشيخ.

2. في بيان مقدّمة تحتوي على أربعة مواضيع تمهيداً للجواب على شبهة جناب الشيخ وبيان أنّ فهم تفاسير الإيقان لمعاني الشمس والقمر وأمثالها من أهمّ المباحث الدينيّة:

لما كان هذا المبحث من أهم المباحث الدينيّة فإننا تسهيلاً لفهمه نعرض مقدّمةً تحتوي على أربعة مواضيع تمهيداً للجواب على شبهات وإنتقادات جناب الشيخ فقرة بعد أخرى.

3.الموضوع الأوّل: في أنّ هناك في الكتب المقدّسة بشارات لن يتسنّى لكلّ إنسان فهمها:
في جميع الكتب المقدّسة، التوراة والإنجيل والقرآن، هناك تصريحات ونصوص تدلّ على أنّ كلّ شخص لا يستطيع فهم الكلمات الإلهيّة وأنّ كلّ قلب لن يفوز بإدراك المعاني المودعة في آيات الكتاب. وبعبارة أخرى إنّ المعاني المقصودة في الكتاب الإلهي ليست سهلة المنال حتى يفوز بها كلّ إمرئٍ بفهمها وإدراكها. فمثلاً إنّ الله تعالى قال في الإصحاح السادس من سفر أشعيا: "إذْهَبْ وَقُلْ لِهَذا الشَّعْب إسْمَعوا سَمْعاً وَلا تَفْهَموا وَأبْصِروا إبْصاراً وَلا تَعْرِفوا. غَلِّظْ قَلْبَ هَذا الشَّعْبَ وَثَقِّلْ أذُنَيْهِ وَأطْمِسْ عَيْنَيْهِ لَئَلا يُبْصِرُ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعُ بِأذُنَيْهِ وَيَفْهَمُ بِقَلْبِهِ وَيَرْجَعُ فَيَشْقى. فَقُلْتُ إلى مَتى أيّها السَّيِّدُ فَقالَ إلى أنْ تَصيرَ المُدُنُ خُرْبَةً بِلا ساكِنٍ وَالبُيوتُ بِلا إنْسانٍ وَتَخْرَبُ الأرْضُ وتُقْفَرُ وَيَبْعُدُ الرَّبُّ الإنْسانُ وَيَكْثُرُ الخَرابُ في وَسَطِ الأرْضِ".

وقد نزلت هذه الآيات في وقتٍ كان فيه بنو إسرائيل ساكنين في الأراضي المقدّسة بالعزّة والسعادة وكانوا يرون كالمسلمين اليوم أنّ أيّام عزّة ملكهم وإستقلالهم أبديّة لا تزول ويعتبرون نصائح الناصحين وإنذارات المنذرين مُرّةَ المذاقِ ولغواً من الحديث لا ثمرة فيها حتى قضى الله عليهم وألحقهم بالهالكين وجعلهم عبرةً وذكرى للآخرين. وكذلك تفضّل في الإصحاح الثاني عشر من سفر دانيال: "وأمّا أنْتَ يا دانْيالَ فَاخْفِ الكَلامَ واخْتُمِ السِّفْرَ إلى النَّهايَة" فواضح أنّ المقصود بصدور هذا الأمر المبرم إلى النبي دانيال لم يكن إخفاء الألفاظ وصور آيات الكتاب بل المقصود إخفاء وختم المعاني الأصليّة والمقاصد الحقيقيّة الالهيّة حتى لا يفوز أحد من القوم حتى " وَقْتِ النِّهايَةِ " بفهم المعاني الحقيقيّة في الكتاب. وكذلك تفضّل في نفس الإصحاح: "فَقالَ إذْهَبْ يَا دَانْيَال لأنَّ الكَلِمَاتَ مَخْفِيَّةٌ وَمَخْتومَةٌ إلى وَقْتِ النِّهايَةِ كَثيرونَ يَتَطَهَّرونَ وَيَتَبَيَّضونَ وَيُمَحَّصُونَ أمّا الأشْرَار فَيَفْعَلونَ شَرَّاً وَلا يَفْهَمُ أحَدٌ الأشْرارَ لَكِنَّ الفَاهِمِينَ يَفْهَمُونَ".

وفي سنة (1306) هجريّة لمّا كان كاتب هذه الصفحات مارّاً بمدينة كاشان في إيران إنعقد مجلس بحث وتحقيق بناءً على رغبة بعض مشايخ وأفاضل بني إسرائيل وتزيّن المجلس بوجود جماعة من كبارالمسلمين واليهود وكان من بين الحاضرين ثلاثة من أشهر علماء بني إسرائيل وكانوا خلال البحث والمناظرة يفسّرون ألفاظ الشمس والقمر وصلح الذئب والغنم وإحياء الموتى وسائر البشارات تفسيراً ظاهريّاً ويصرّون إصراراً بليغاً على عدم تحقّق هذه البشارات في ظهور عيسى عليه السلام وفي ظهور مَنْ بعده. فوجّهت وجهي نحو مردخاي شيخ القوم وأعلمِ ذلك الشعب وقُلتُ له هل أنتم وحدكم تفسّرون عبارات ظلمة الشمس والقمر وإحياء الموتى ورعي الذئب و الغنم في مرعى واحد - تفسّرونها بمعانيها الظاهريّة - أم جميع بني إسرائيل من العلماء والعوام ومن الآسيويّين والأوروبيّين ويفهمونها كما تفهمونها؟ فقال إنّ الجميع بدون إختلاف يفسّرونها بمعانيها الظاهريّة ولهذا ينكرون تحقّقها في ظهور عيسى وفي ظهور محمّد. فقلت له "يا شيخ، في الوقت الّذي أمر الله فيه إثنين من أنبياء الله أن يختم أوّلهم على قلوبكم وأبصاركم وآذانكم وأن يختم الثاني كلمات الكتاب ويخفي معانيها كيف يعتمد العاقل بعد هذا على فهمكم وتفسيركم هذا؟ وبأيّ دليل تكون تفسيراتكم مقبولة عند أرباب البصيرة والرشاد؟ فحار في الجواب وإشتهرت في المدينة حوادث هذه المناظرة الّتي إمتدّت إلى أكثر من ثلاث ساعات روعيت فيها شروط الأدب والمحبّة وإستحسنها أرباب الفضل والإدراك من أهالي كاشان. هذا وهناك في الإنجيل المقدّس كذلك تصريحات كثيرة من هذا القبيل تفضّل فيها عيسى عليه السلام بذكر مواضيع وراء حجب الأستار والرموز. فتفضّل في الإصحاح الثالث عشر من إنجيل متّى: "هَذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بِأمْثالٍ وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبيِّ القائِلِ سَأفْتَحُ بِالأمْثالِ فَمِي وَأنْطُقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأسِيسِ العالَمِ"، وهذه العبارات تدلّ دلالة صريحة على غموض المعاني والمقاصد الأصليّة في العبارات النبويّة وتشهد على أنّ المقصود غير الظواهر حتى أنّ تلاميذ عيسى عليه السلام وهم نقباء الأمّة وهداة الملّة والّذين سمّاهم القرآن المجيد بالمرسلين وبأنصار الله لم يفهموا بعض بياناته المباركة وطلبوا من حضرته تفسيرها. وأصرح من كلّ نصّ تصريح شمعون الصفاء الملقّب ببطرس الرسول في رسالته الثانية العامّة حيث قال: "وَعِنْدَنا الكَلِمَةُ النَّبَوِيَّة وَهِي أثْبَتُ الّتي تَفْعَلُون حَسَناً إنْ إنْتَبَهْتُمْ إليها كَمَا إلى سِرَاجٍ مُنيرٍ في مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ إلى أنْ يَنْفَجِرَ النَّهارُ وَيَطْلَعُ كَوْكَبُ الصُّبْحِ في قُلوبِكُمْ عَالِمِينَ هَذَا أوَّلاً أنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسيرٍ خَاصٍّ لأنَّهُ لَمْ تَأتِ نُبُوَّةٌ قَطّ بِمَشِيئَةِ إنْسَانٍ بَلْ تَكَلَّمَ أُناسُ الله القَدّيسُون مَسُوقينَ مِنَ الرّوحِ القُدْسِ" وهذه العبارة الّتي يقول فيها أنّه ليس هناك شرح خاصّ لبشارات الكتاب وأنّه لم تأت نبوّة في كتاب وفقاً لميول الخلق وإرادتهم هي عبارة صريحة بأنّ فهم مقاصد الأنبياء عليهم السلام ليس في مقدور كلّ شخص ولا يمكن تفسير نبوّات الكتاب بالظواهر الّتي يظنّها الجاهلون. والقرآن المجيد أصرح الجميع في هذا الموضوع حيث قال تعالى: "وَمَا يَعْلَمُ تَأويلُهُ إلاّ اللهُ" وكذلك يتفضّل: "بَلْ كَذَّبوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأويلُهُ" وهذه الآية صريحة المعاني وأنّ المقاصد الأصليّة الحقيقيّة هي غير الظواهر وإنّها لم تُنـزلْ بعدُ كما لم تظهر معانيها الأصليّة بعدُ.


4. الموضوع الثاني: في أنّ الكتب المقدّسة تشتمل على ثلاثة أقسام والتأويل يختصّ بقسم واحد منها:
إنّ التأويل يختصّ بقسم واحد من الكتب المقدّسة لأنّ الصحف السماويّة والكتب المقدّسة الإلهيّة تشتمل على ثلاثة أقسام، قسم يختصّ بالأحكام والشرائع والسنن والآداب والفرائض، وهذا القسم تُفسَّر آياته تفسيراً ظاهرياً ولا تُؤوَّل أبداً في جميع الكتب من التوراة والإنجيل والقرآن ولو كان غير ذلك لإختلّت الديانة الإلهيّة ولتزلزلت الشريعة المقدّسة ولإضطرب أمر القضاء والعبادات الّذي يُناط به نظم الدنيا والآخرة. والقسم الثاني يختصّ بذكر الحوادث والوقائع الماضية وقصص الأنبياء والرسل في الأيّام الخالية وقد وردت في الكتب المقدّسة من أجل النصح والإنذار والعبرة حتى ينتفع الناس بإنذاراتها وينتبه أرباب البصائر والإستعداد. والقسم الثالث يختصّ بذكر الحوادث الآتية من قبيل البشارة بالظهور التالي وورود القيامة والحشر والنشر والموت والحياة وظلمة الشمس والقمر وسقوط الكواكب وإنفطار السماء وتبديل الأرض وأمثالها. وهذا القسم الثالث من الآيات يحتاج إلى نزول تأويله لأنّ الله جلّ جلاله يريد حسب مقتضيات التمحيص والإفتتان الإلهي، الّذي هو من السنن الحتميّة الإلهيّة في جميع الأديان، أن يميّز الخبيث عن الطيّب بواسطة هذه العبارات وبها يمتاز الغبيّ من الذكيّ والغاوي من المهتدي كما إمتُحن اليهود في ظهور عيسى عليه السلام بالبشارات الواردة في التوراة فإمتاز الخبيث عن الطيّب والموحّد عن المشرك وقد قال تعالى في القرآن المجيد: "يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفَاسِقِينَ" ، وقبل ظهور خاتم الأنبياء كان الفلاسفة الرواقيّون في مصر وكذلك فلاسفة اليونان والرومان وسوريّة المعروفون بسعة علمهم وفلسفتهم وتقدّمهم وتمدّنهم وكذلك علماء الهند وفلاسفة البرهميّة – كلّ طبقة من هذه الطبقات كانت تنكر البشارات الواردة في الكتاب من قبيل القيامة والحشر والنشر وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وأمثالها وتعتبر وقوع هذه الحوادث من قبيل الأوهام وأكاذيب الأحلام نظراً لإعتقادهم بتناسخ الأرواح في الدين ونظراً لإنحلالهم الصرف وفنائهم في المعتقدات الماديّة وكانوا يعتبرون تلك البشارات مستحيلة الحصول والإدراك وقد إنتشرت هذه العقائد الفاسدة بين العرب الوثنيّين بسبب مجاورتهم مع الهند بطريق البحر الأحمر ورسخت في أذهان سكان الجزيرة العربيّة. وبعد أن طلع فجر الهداية من أفق البطحاء ونزلت في القرآن المجيد الحقائق الواردة في الكتب المقدّسة من قبيل القيامة والحشر والنشر وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وتزلزل الأرض إستهزأ بها رؤساء العرب الّذين كانوا مثل أهل الهوى في زماننا، عشّاق المدنيّة اليونانيّة والرومانيّة والهنديّة، وسَخِروا بهذه المعتقدات وإعتبروا وقوعها مستحيلاً وإعتبروا والعياذ بالله تجويزها من قبيل التهويل والتضليل فنـزلت الآية المباركة: " بلْ كذَّبوا بِما لَمْ يُحيطوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأويلُهُ" . إذاً فقد إطّلع أهل البصائر والإدراك على أنّ المقاصد الحقيقيّة من البشارات الإلهيّة هي غير الظواهر اللفظيّة الّتي يظنّها الجاهلون.

5. الموضوع الثالث: في أنّ الآيات العظيمة من قبيل ظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وأمثالها قد وردت في جميع الكتب المقدّسة على نهج واحد:
إنّ الآيات العظيمة الّتي ذكرناها مراراً كثيرة من قبيل ظلمة الشمس والقمر وإنفطار السماء وتزلزل الأرض وتجدّد السماء وتبديل الأرض وسقوط الكواكب وغيرها قد نزلت في الكتب المقدّسة من التوراة والإنجيل والقرآن على نهج واحد وبعبارات واحدة وفي مناسبة واحدة. فمثلاً قد ورد من هذه الآيات العظيمة في القرآن المجيد في سورة الإنفطار: "إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإذا الكَواكِبُ إنْتَثَرَتْ" وفي سورة التموير: "إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإذا النُّجومُ إنْكَدَرَتْ" وفي سورة الإنشقاق: "إذا السَّماءُ إنْشَقَّتْ وَأذِنَتْ لِرَبِّها وَحَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ" وفي سورة الزلزال: "إذا زُلْزِلَتْ الأرْضُ زِلْزالَها" وفي موضع آخر "إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْئٌ عَظيمٌ" وفي موضع آخر ورد تبديل الأرض والسماء في الآية الكريمة: "يومَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّمَواتِ وَبَرَزوا للهِ الواحِدِ القَهَّارِ" كما ورد ظهور الغمام في الآية الكريمة: "يَوْمَ تَأتي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبينٍ" وجاء ذكر نزول الله في ظلل الغمام في الآية الكريمة: "هَلْ يَنْظِرونَ إلاّ أنْ يَأتيهُمُ اللهُ في ظِلَلٍ مِنَ الغَمامِ" إلى كثير من أمثالها ممّا هو معلوم عند أهل العلم. وكذلك ورد في إنجيل متّى في الإصحاح الثالث من رسالة بطرس الرسول الثانية عن إنعدام السماوات القديمة وظهور سماء جديدة وإنحلال العناصر كما ورد في الإصحاح (21) من مكاشفات يوحنّا إخبارٌ عن طيّ السماء وتبديل الأرض والسماء إلى أرض وسماء جديدتين، وكذلك ورد الإخبار بالآيات العظيمة هذه في التوراة المقدّسة وفي أسفار أنبياء بني إسرائيل مما يطابق الآيات السابقة فقد جاء في الآية (17) من الإصحاح (65) من سفر أشعيا إخبارٌ بتجديد السماء والأرض وبخلق أورشليم الجديدة وبإنقضاء آلام بني إسرائيل قوله تعالى: "لأنّي هَا أنَا خَالِقٌ سَمَواتٍ جَدِيدَةٍ وَأرْضاً جَدِيدَةً فَلا تُذْكرُ الأولى وَلا تَخْطُرُ عَلى بَالٍ. بَلْ إفْرَحوا وَإبْتَهِجوا إلى الأبَدِ فِيمَا أنَا خَالِقٌ لأنّي هَا أنَا ذَا خَالِقٌ أورْشَليمَ بَهْجَةً وَشَعْبَها فَرَحاً فأبْتَهِجْ بِأورْشَليم وَأفْرَحُ بِشَعْبي وَلا يُسْمَعُ فيها بَعْدُ صَوْتُ بُكَاءٍ وَلا صَوْتُ صُراخٍ" وكذلك ورد في الآية (22) من الإصحاح (66) من هذا السفر نفسه: "لأنّه كَما أنَّ السَّمَواتِ الجَدِيدَةَ والأرْضَ الجديدةَ الّتي أنا صانِعٌ تَثْبُتُ أمَامِي يَقُولُ الرَّبُّ هَكَذا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وإسْمُكُمْ" وكذلك ورد في سفر صفنيا النبي قوله تعالى: "قَرِيبٌ يَوْمُ الرَّبِّ العَظيم، قَرِيبٌ وَسَريعٌ جِدّاً صَوْتُ يَوْمِ الرَّبِّ، يَصْرُخُ حينَئِذٍ الجَبَّارُ مُرّاً، ذَلِكَ اليَوْم يَوْمُ سَخَطٍ، يَوْمُ ضيقٍ وَشِدَّةٍ، يَوْمُ خَرابٍ وَدَمَارٍ، يَوْمُ ظَلامٍ وَقِتامٍ، يَوْمُ سَحَابٍ وَضَبَابٍ" وكذلك ورد في الإصحاح الثاني من سفر يوئيل قوله تعالى: "قدّامُهُ تَرْتَعِدُ الأرْضُ وَتَرْجِفُ السَّمَاءُ. الشَّمْسُ والقَمَرُ يَظْلُمَانِ والنُّجُومُ تَحْجِزُ لَمَعانَها" وكذلك ورد في نفس هذا الإصحاح: "تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُُ إلى ظُلْمَةٍ وَالقَمَرُ إلى دَمٍ" وورد في الإصحاح الثالث من هذا السفر: "الشَّمْسُ والقَمَرُ تَظْلُمَان والنُّجومُ تَحْجِزُ لَمَعانَها" وفي الإصحاح الثاني من هذا السفر قال تعالى: "إنْفُخُوا الصّورَ في صَهْيونَ، صَوِّتوا في جَبَلِ قُدْسي لِيَرْتَعِدَ جَميعُ سُكَّانِ الأرْضِ لأنَّ يَوْمَ الرَّبِّ قادِمٌ قَريبٌ يَوْمُ ظَلامٍ وَقِتامٍ يَوْمُ غَيْمٍ وَضَباب" والمقصود بجبل القدس في هذه الآية جبل الكرمل المقدّس الّذي تقع حوله حيفا ويافا وأورشليم ومدينة عكّاء المنورة. وفي الإصحاح الثاني من سفر حجى قال تعالى: "لأنَّهُ هَكَذا قَالَ رَبُّ الجُنودِ هِيَ مَرَّةٌ بَعْدَ قَليل فَأزَلْزِلُ السّمَواتِ والأرْضَ وَالبَحْرَ وَاليابِسَةَ وَأزَلْزِلُ كُلَّ الأمَمِ وَيَأتي مُشْتَهى كُلِّ الأمَمِ فَأمْلأ هَذا البَيْتَ مَجْداّ".

وممّا ذكرناه يفهم الإنسان البصير العارف بمضامين الكتب السماويّة أنّ المقصود بالآيات العظيمة الّتي ذكرها الله جلّ جلاله في جميع الكتب إخبارٌ بحقيقة واحدة لا تتغيّر بتغيّر اللغات ولا تتبدّل بتبدّل الأديان ولا ينسى الله سبحانه وتعالى الوفاء بهذه الوعود بمرور الزمان خاصّة إذا تذكر الإنسان أنّ القران المجيد وهو بيان الصحف الأولى يتضمّن حقائق التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء كما قال تعالى: "وَقالوا لَوْلا يَأتينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أوَلَمْ تَأتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا في الصُحُفِ الأولى" . وقال تعالى في سورة الشعراء: "وَإنَّهُ لَتَنْزيلُ رَبِّ العَالَمين نَزِلَ بِهِ الرّوحُ الأمينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنْذِرينَ بِلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلينْ" . وواضح أنّ قوله تعالى بأنّ القران هو بيان الصحف الأولى وأنّه مسطور في زبر الأوّلين ليس المقصود به المناسك والأحكام والعبادات الإسلاميّة لأنّ هذه المناسك والأحكام والعبادات ليست أبدا موجودة بصورتها وخصوصيّاتها ومشخّصاتها في الشرائع السابقة ولم تُذكر في كتب السالفين. وليس المقصود به كذلك الحوادث التاريخيّة لأنّ الإطّلاع على تواريخ الأقدمين لا يعتبر من علامات النبوّة ولا من المعارف والعلوم اللدُنيّة ولا من إحاطة القوّة القدسيّة لأنّ الإنسان مهما كان أميّاً فإنّه يستطيع أن يسمع الحوادث الماضية من الآخرين ويدرجها في كلامه بل المقصود به بيان ورود يوم الله ومكان الظهور وزمانه والكشف عن آجال الأمم وإنقراض الملل ورموز الحشر والنشر والقيامة والرجعة وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم والكواكب وتجديد الأرض والفلك وغيرها من الحوادث القادمة ومن آيات صدق الدعوة النبويّة الّتي لا يحرم من عرفانها الأميّون والعوام وحدهم بل العلماء الأعلام والفلاسفة العظام ويعجزون عن بيانها قبل وقوعها وهم قاصرون عن فهمها ودرجها في كتبهم قبل بلوغ الأجل وورود الموعود كما جاء بعد هذه الآيات قوله تعالى في سورة الشعراء: "أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةُ أنْ يَعْلَمُهُ عُلَماءُ بَني إسرائيل" يعني ألا تكفي كفّار قريش هذه العلامة في أنّ علماء بني إسرائيل يعرفون أنّ الحقائق والمعارف النازلة في القرآن الشريف قد سبق أن نزلت في التوراة المقدّسة. لأنّ العلم بهذه الحقائق المستورة والمعارف المكنونة غير ممكن للأمّي غير المتعلّم إلاّ أن تنـزل عليه من الحضرة الأحديّة وتشرق عليه من شمس الحقيقة. وخلاصة القول لو ينظر الإنسان البصير إلى أنوار التنـزيل لَيَرى أنّ جميع ما نزل في القرآن المجيد من إخبار بالحقائق المستقبليّة قد نزل بعينه من دون تفاوت في الإنجيل والتوراة [ولكن لا يعلمه إلاّ أولو الألباب ومَنْ عنده علم الكتاب].

6. الموضوع الرابع: في أنّ الكتب المقدّسة كلها تصرّح بأنّ تأويل هذه الآيات سيظهر في يوم الله:
إنّ جميع الكتب السماويّة من التوراة والإنجيل بل وأحاديث أهل البيت الطاهرين تصرّح بأنّ المعاني الأصليّة لهذه الآيات ستظهر في يوم الله ويوم الربّ. وبعبارة أصرح إنّ القائم الموعود سوف يأتي بمعانيها المقصودة وينكشف تأويل الكتاب في ذلك اليوم المشهود. وقبل ظهور الموعود تبقى المعاني الأصليّة المقصودة لدى الأنبياء وأئمّة الهدى مكنونة ومكتومة ويبقى كتاب الله مخزوناً بختم مظاهر أمر الله وإخفائهم. وكلّ ما كتبه علماء الملل وفق إجتهاداتهم ومفاهيمهم إنما هو أوهام مضلّة بل في الحقيقة تحريف للكلمات الإلهيّة ولن يفوز كلّ إنسان بالرحيق المختوم في يوم الظهور. ولن يستطيع فهم معارف حضرة القيوم. بل إنّ الإخيار والإبرار ينالون نصيبهم منه ويُحرم المكابرون والأشرار منه كما كان الأمر في السابق "لا يَمَسَّهُ إلاّ الْمُطَهَّرون" .

لاحظوا الآية الكريمة في سورة القيامة قوله تعالى: "فَإذا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيَانَهُ" تروا أنّ الله جلّ جلاله قد أخذ على عهدته بيان القرآن المجيد. وواضح لدى أولي الأفئدة أنّ البيان الإلهي لن يكون بغير نزول الوحي ولا يتحقّق هذا إلاّ في ظهورٍ تالٍ. قال شيخ الإشراقيّين عمر السهروردي صاحب الهياكل (هياكل النور) قدّس الله روحه في آخر هذا الكتاب: "ويجب على المستبصر أن يعتقد صحّة النبوات وإنّ أمثالهم تُشير إلى الحقائق كما ورد في المصحف: "وَتِلْكَ الأمْثَالَ نَضْرِبُها لِلناسِ وَمَا يَعْقِلُها إلاّ العَالِمُون" وكما أنذر بعض النبوّات: "إنّي أرِيدُ أنْ أفْتَحَ فَمِي بِالأمْثال". فالتنـزيل موكول إلى الأنبياء والتأويل والبيان موكول إلى المظهر الأعظمي الأنوري الأريحي كما أنذر المسيح حيث قال: "إنّي ذَاهِبٌ إلى أبي وَأبِيكُمْ لِيَبْعَثَ لَكُمْ الفَارْقَليطَ الّذي يُنْبِئُكُمْ بِالتَّأويلِ" وقال: "أنَّ الفارْقَليطَ الّذي يُرْسِلُهَ أبي بِإسْمي يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْئ" وقد أشير اليه في المصحف: "ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" وثمّ للتراخي. ولا شكّ أنّ أنوار الملكوت نازلة لإغاثة الملهوفين وأنّ شعاع القدس ينبسط وإنّ طريق الحقّ ينفتح كما أخبرت الحفظة ذات البريق ليلة هبّت الهوجاء كما قال تعالى: "هُوَ الّذي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ" . وهذا البيان المتين صريح بأنّ التفسير الحقيقي للكلمات النبويّة سوف يظهر جميعه في يوم ظهور الموعود وسوف ينـزل تأويل التنـزيل في إنقضاء الدورة الإسلاميّة وقيام روح الله. ولا يخفى أنّ غصن وجود هذا العالم الفاضل صاحب الهياكل الّذي يسمّى الآن بشيخ الإشراقيّين وسيّد الفلاسفة والّذي تعتبر كتبه أنْفَس الكتب الإسلاميّة قد إنكسر في أيّام سلطنة صلاح الدين الأيوبي عند هيجان زوابع تعصّب أصحاب الفقه وهو في نضرة طراوته. وأُطفئت شعلة نورانيّة فضائله ومعارفه وهو في عنفوان شبابه من هبوب عواصف جهل أرباب الرئاسة، لفهموا أنّ أعداء العلم دائماً هم الفقهاء الجهلاء وأنّ خصماء الفضل هم رؤساء الباطل وهذه سنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّته تبديلاً. وأصرح من تلك الآية هذه الآية الكريمة في سورة يونس قوله تعالى: " بَلْ كَذَّبوا بِما لَمْ يُحيطوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأويلُهُ" . وهذه الآية المباركة صريحة بأنّ سبب تكذيب القرآن كان عدم فهم المعاني المقصودة فيه وحملها بأوهامهم الفاسدة على ظواهرها المستحيلة فبادروا بالإنكار مع أنّ تأويله لم ينـزل بعد ومعانيه الأصليّة المقصودة لم تعلن بعد وهذا وعد صريح بأنّ بيان القرآن سوف ينـزل وأنّ المقاصد الإلهيّة سوف تظهر وتنجلي وقد روى المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من بحار الأنوار في باب الرجعة عن زرارة بن أعين أنّه قال: "سألت أبا عبدالله عليه السلام عن هذه الأمور العظام من الرجعة وأشباهها فقال "إنَّ هَذا الّذي تَسْألونَ عَنْهُ لَمْ يَجِيئَ أوَانُهُ وَقَدْ قَال الله عَزَّ وَجَلَّ بَلْ كَذَّبوا بِمَا لَمْ يُحِيطوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأوِيلُهُ" وهذا الحديث صريح بأنّ تأويل القرآن وظهور معانيه الحقيقيّة سيكون في ظهور القائم وهذه الآية الكريمة نفسها صريحة جدّاً ولا تحتاج إلى حديث يثبت أنّ فهم القرآن يتوقّف على ظهور القائم والرجعة.

وأصرح من الآيتين السابقتين الآية الكريمة في سورة الأعراف قوله تعالى: "وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤمِنونْ. هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ تَأوِيلُهُ يَوْمَ يَأتي تَأوِيلُهُ يَقولُ الّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلُ غَيْرَ الّذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِروا أنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانوا يَفْتَرونْ" وهذه الآية المباركة صريحة جدّاً بأنّ تأويل القرآن سوف ينـزل في اليوم الموعود وسوف تظهر وتتجلّى المقاصد الإلهيّة في ذلك اليوم المشهود.

وفي إنجيل يوحنّا الآية (27) من الإصحاح السادس يتفضّل: "إعْمَلوا لا لِلطَعَامِ البائِدِ بَلْ لِلطَعامِ البَاقِي الحَيَوةِ الأبَدِيَّةِ الّتي يَعْطِيكُمْ إبْنُ الإنْسَانِ لأنَّ الله الأبْ قَدْ خَتَمَهُ" وهي آية صريحة في أنّ المعارف الإلهيّة الّتي تورث الحياة الأبديّة مختومة بأمر الله حتى وقت نزول روح الله الحقّ من السماء حيث سيُمنح أرباب الإستعداد والإستحقاق من تلك المائدة السماويّة وحينذاك سوف يتجلّى ويظهر السر المكنون في الآية الكريمة: "يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنَافِسُونْ" وكذلك ورد في الآية (12) من الإصحاح السادس عشر من هذا الإنجيل قوله تعالى: "إنَّ لِي أمُوراً كَثِيَرةً أيْضاً لِأقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تَسْتَطِيعونَ أنْ تَحْتَمِلوا الآن وَأمَّا مَتى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إلى جَمِيعِ الحَقِّ". ولو كان لإنسانٍ قلب نورانيّ وبصر منير فإنّه يستطيع أن يدرك من عبارة عيسى عليه السلام أنّه في الوقت الّذي يكون فيه أصحاب حضرته وهم نقباء الأرض ونجوم العالم الزاهرة وأنواره الظاهرة عاجزين قبل بلوغ الوقت وإنقضاء الأجل المسمّى عن إدراك حقائق البيانات الإلهيّة فكيف يستطيع عشّاق المناصب وهواة الزينة أن يفهموا المقاصد الإلهيّة ويدركوا الحقائق المختومة؟ [هيهات! هيهات! ما للتراب وربّ الأرباب! وأين الذباب من مطار العقاب!]

أمّا التوراة وأسفار العهد القديم فمع أنّ هذه النقطة واضحة جدّاً فيها لكنّ المنصف البصير تكفيه عبارة الإصحاح الثاني عشر من سفر دانيال الّتي نقلناها سابقاً لأنّه بعد الإخبار عن ورود يوم الموعود وحوادثه وعلاماته وآثاره تفضّل في الآية الرابعة: "أمَّا أنْتَ يَا دانْيالُ فَاخْفِ الكَلامَ وَاخْتمْ السِفْرَ إلى وَقْتِ النِّهَايَةِ" وفي الآية التاسعة تفضّل: "إذْهَبْ يَا دَانْيال لأنَّ الكَلِمات مَخْفِيَّةٌ وَمَخْتومَةٌ إلى وَقْتِ النِّهَايَةِ" وهاتان الآيتان صريحتان في بيان أنّ معاني الأسفار الإلهيّة والحقائق والبيانات النبويّة مخفيّة ومكتومة عن جميع الأنظار حتى ورود اليوم الموعود ومختومة بالختم الربّاني ومصونة بالصون الرحماني. وفي يوم ظهور الموعود كما صُرِّح في هذا السِفر سيفوز الأبرار والأخيار وحدهم بفهمها أما الفجّار والأشرار فسيُحرمون من فهمها وإدراكها كما كانت الحال سابقاً لأنّ طعام الفجّار من ضريع وزقّوم وشراب الأخيار من رحيق مختوم.

7. في بيان سبب نزول الإيقان الشريف في دار السلام وفي اثبات أنّ ختم جميع الأنبياء قد فُكّ بنـزول هذا الكتاب المجيد:

لمّا تمّ الإطّلاع على المواضيع الّتي هي بمنـزلة المقدّمات والأركان والأصول لفهم وإدراك المباحث والنتائج القادمة أعرض أنّه لما وصلت أفئدة أولي الإستعداد إلى مرحلة البلوغ بنتيجة تأثير الشرائع والأديان الإلهيّة وإستلزمت قوّة العالم نزول الظهور الأعظم وإقترب ميعاد الوفاء بالوعود الإلهيّة وقام الجمال الأقدس الأبهى عزّ إسمه الأعلى على أمر الله وصارت مدينة دار السلام مقرّه الأقدس كما هو مدوّن في التواريخ وإقتضت الإرادة الإلهّية بعد ذلك إنتقاله إلى الرومللي ومنه إلى بلاد الشام كان رؤساء الملل في غضون هذا الإنتقال وأثناء هذه الحوادث والتغييرات يتشرّفون بالحضور المبارك ويستفسرون عن معضلات المسائل وغوامض عقائدهم الدينيّة ويستفيض كل واحد منهم من رشحات البحر الأعظم الموّاج. وقد حدث خلال إقامته المباركة في دار السلام أن عزم أحد سادات فارس على زيارة العتبات المقدّسة في العراق وهو في نسبه وأصالة عائلته وسموه ورفعته مشهور وواضح وضوح الشمس في رابعة النهار لدى أهالي إيران. وتشرّف في الحضور الأقدس الأبهى في بغداد بواسطة السيّد الفاضل العالم الحاج السيّد جواد الطبطبائي الكربلائي. وبعد تشرّفه في الحضور سأل بضعة أسئلة عن علامات ظهور الموعود والتمس الجواب عليها. ومع أنّ أجوبة أسئلته المشابهة لشبهات الملل الأخرى قد نزلت سابقاً في الألواح العربيّة وإنكشقت معاني طلوع الشمس من مغربها وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وسلطنة الموعود وغلبته لكنّه نظراً لإلتماس ذلك السيّد الجليل نزل كتاب الإيقان الشريف باللغة الفارسيّة وإنكشفت غوامض هذه المسائل الّتي يناط بها إتّحاد الأمم واتفاقها وفُتِحَ ختم الرحيق المختوم بيد قدرة الحيّ القيّوم وتهلّلت وجوه الحوريّات المستورة في قصور الآيات بنتيجة كشف حجب الإشارات والإستعارات وزال أقوى مانع كان يحول دون إتّحاد الملل وإرتباط الأقوام وتهيّأت أهمّ الوسائل لإئتلاف الإنسانيّة وإتّفاقها لأنّه ثبت بالبرهان أنّ الّذي كان يمنع اليهود من تصديق عيسى عليه السلام هو عدم معرفتهم بهذه الآيات. وكذلك لم يمنع بقيّة الأمم عن الإيمان برسول الله وخاتم النبيّين إلاّ عدم فهمها لهذه العلامات بالذات. بل لو يمعن العاقل والبصير نظره لَيَرى أنّه لو لم ينـزل هذا الكتاب المجيد وبقيّة الألواح المقدّسة ولم تنكشف المعاني المعقولة والمقاصد الأصليّة لهذه العلامات والبشارات لَمَا أمكن أبداً دفع شبهات الفلاسفة الماديّين على الشرائع والأديان ولَمَا زالت إنتقاداتهم حول عدم إمكان تحقّق هذه الوعود والعلامات لأنّه لا يُعقل أبداً لدى الفلاسفة الماديّين أن تطلع الشمس الظاهريّة من المغرب أو أن تظلم الشمس والقمر في الظاهر أو تتناثر على سطح الأرض هذه الكواكب غير المتناهية في عددها والّتي أصغرها أكبر من الأرض بمرّات عديدة ويبقى الكون مع ذلك منتظماً ويبقى الجنس البشري موجوداً ويتحقّق العذاب والثواب. فقد كتبوا هذه الشبهات الباطلة في كتبهم وأردفوها بإنتقادات بأقبح العبارات وطبعوها ونشروها في أكثر عواصم أوروبّا وآسيا وإعتبروا الوعود الإلهيّة والعياذ بالله من قبيل الخرافات وظنّوا الإعتقاد بالله وبرسله وبالأديان غروراً وجهلاً وظنّوا أنّ التمسّك بأحكام الشرائع والأديان أقوى مانع دون إنتشار المدنيّة والحضارة. ولولا مراعاة الإختصار لكتبنا بعض المناظرات الّتي دارت بين كاتب هذه الكلمات وأكابر العلماء الماديّين حتى يتّضح سبب إنكار هؤلاء العلماء للشرائع الإلهيّة ممّا يؤدّي إلى إلتفات العقلاء إلى مبلغ الفضل الإلهي في تنـزيل كتاب الإيقان وسائر الألواح المقدّسة "فالْحَمْدُ للهِ الّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدَانَا اللهُ" .

8. في الرجوع إلى الجواب على جناب الشيخ في تفسير معاني الشمس والقمر والسماء وأمثالها:

فلمّا تمّ الإطّلاع على المواضيع الأربعة السالفة، أشرع الآن بالجواب على جناب الشيخ فأقول إنّ الجمال الأقدس الأبهى عزّ إسمه الأعلى قد فسّر في الإيقان الشريف معاني علامات ورود يوم القيامة وظهور القائم وقيام روح الله من قبيل إنفطار السماء وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم وأمثالها تفسيراً يدلّ على أنّها معاني عقليّة لا ماديّة فالمقصود من كلمة السماء في الكلمات النبويّة هو سماء الديانة وسماء أمر الله والمقصود من الشمس والقمر والنجوم في إحدى المقامات القائم بأمر الله وأولياؤه في ظهور الديانة الجديدة. وفي مقام آخر ذَكَرَ أنّ المقصود منها أركان وأحكام وعلماء وفقهاء الديانة السابقة. وهذا يعني أنّ ظهور القائم يكون في وقت تنفطر فيه سماء الديانة السابقة وتتزعزع أركانها وتظلم شمس سمائها وقمرها وهما عبارة عن الأركان والأحكام السابقة ولا تعود شرائعها وآدابها تؤثّر شيئاً، وتظلم نجوم سماء تلك الديانة بسبب إعراضها عن شمس الحقيقة يعني عن مظهر أمر ربّ العزة. وتهبط وتسقط من سماء عزّها ومجدها ويقع العالم بسبب ضيق المعارف الدينيّة في منتهى الضيق والمحن ويضطرب أهل الظنون والأوهام من تجدّد الشريعة والأحكام ويعرضون عن القائم الموعود وجمال المعبود بسبب عدم فهمهم للكلمات الإلهيّة وشدّة تمسّكهم بعقائدهم الوهميّة كما أعرضت الأمّة النصرانيّة عن رسول الله وخاتم النبيّين يوم ظهوره بسبب عدم فهمها آيات الإنجيل وحرّفوا البشارات الصريحة في إنطباقها على ظهور الموعود وأبعدوها عن الإنطباق على ذلك الجمال المعبود وكانت تلك البشارات قد وردت في إنجيل متّى الإصحاح (24) حيث يتفضّل: " وَلِلْوَقْتِ مِنْ بَعْدِ ضِيقِ تِلْكَ الأيّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لا يُعْطِي ضَوْءَهُ وَالكَواكِبُ تَتَسَاقَطُ مِنَ السَّماءِ وَقُوَّاتُ الأرْضِ تَرْتَجُّ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاماتَ إبْنِ الإنْسَانِ في السَّمَاءِ وَيَنُوحُ كُلُّ قَبَائِلِ الأرْضِ وَيَرَوْنَ إبْنَ الإنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ مَعْ قُوَّاةٍ وَمَجْدٍ كَبِيرٍ وَيَرْسِلُ مَلائِكَتَهُ مَعْ صَوْتِ السَّافُورِ العَظِيمِ" وبعد تطبيق هذه العبارات على ظهور خاتم الأنبياء عليه السلام وبقيّة الظهورات المقدّسة لمظاهر أمر الله بسبب إتّحاد أمرهم ووحدتهم الحقيقيّة تفضّل أنّ إطلاق هذه الألفاظ على المعاني المقصودة قد جاء أيضاً في بيانات أئمّة الهدى حيث تفضّل في دعاء الندبة: "أيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةِ أيْنَ الأقْمَارُ الْمُنِيرَةُ أيْنَ النُّجُومُ الزَّاهِرَةُ" فلمّا تمّ نزول شرح هذه الموضوعات في كتاب الإيقان من قلم الرحمن بكلّ تفصيل وتبسيط وبرهنة ووضوح وفي منتهى الرقّة واللطافة ظنّ جناب شيخ الإسلام، نظراً لجمود قريحته وعكوفه على ظواهر العبارات كما هي عادة أصحاب الفتوى والفقه، أنّ هذه التفسيرات منافية للأصول العلميّة ومخالفة للقواعد اللغويّة ولهذا قام بتوجيه هذا الإنتقاد: "(أوّلاً) يجب عدم التجاوز عن قانون اللغة (ثانياً) يجب إستعمال جميع الكلمات الواردة بمعناها الظاهري إلاّ إذا أُريد بتلك الكلمات معاني أخرى لوجود قرينة مقاليّة أو قرينة حاليّة ولا يجوز بدون قرينة إستعمال كلمة في غير ما وضعت له و (ثالثاً) في كل وقت يراد بالكلمة معاني أخرى يجب الإستشهاد بنفس كلمات القائل ولغته لا بكلمات ولغة غيره".

9. في بيان أنّ ألفاظ الشمس والقمر والنجوم وأمثالها قد أُطلقت في الكتب المقدّسة كثيراً على معاني غير ظاهريّة وفقاً لما جاء في الإيقان الشريف:

وجوابنا على هذا الإنتقاد: نعم إنّ أستعمال اللفظ في غير ما وضع له مستعمل في كل اللغات في العالم ومستعمل في بيانات جميع الأنبياء والمرسلين والفصحاء والبلغاء والخطباء والمتكلّمين لأنّ أبواب المجاز والإستعارة والتشبيه أبواب واسعة للفصحاء والخطباء في العالم وللبلغاء في جميع الأمم. وقد أُطلقت كلمة السماء إستعارة على كلّ شيئ رفيع في جميع اللغات وأُطلقت كلمات الشمس والقمر والنجوم على الشرائع والأنبياء والأئمّة والعلماء بل وأُطلقت على الملوك والخلفاء. وإذا كان جناب الشيخ غير مطلع على ذلك فسببه إنفطار سماء الديانة الإسلاميّة وسقوط علمائها الّذين هم نجوم هذه السماء الرفيعة من أوج معارفهم الدينيّة والظاهريّة وبعبارة أصرح إنّ جناب الشيخ ظنّ أنّ تفسير هذه الكلمات على هذا الوجه خروج على قانون اللغة. وسبب ذلك عدم إطّلاع جنابه على الكتب المقدّسة السماويّة بل على قواعد العلوم الظاهريّة. أمّا الدليل على عدم إطّلاع جناب الشيخ على الكتب المقدّسة السماويّة فهو أنّه قد أُطلقت في هذه الكتب في مواضع كثيرة كلمات السماء والشمس والقمر والنجوم على الأديان والشرائع ومظاهر أمر الله والأئمّة والعلماء بكل صراحة. فمثلاً خاطب الله تبارك وتعالى بني إسرائيل في الإصحاح (28) من سفر التثنية في التوراة بعد تشريع الشريعة المقدّسة وطمأنهم بنـزول البركات الوافرة عليهم عند إستقامتهم على دين الله. وأنذرهم عند مخالفتهم وتهاونهم في شريعة الله بنـزول اللعنات والنكبات الهائلة ومن ذلك ما ورد في الآية (23) حيث قال تعالى: "وَتَكُونَ سَمَاؤكَ الّتي فَوْقَ رَأسِكَ نُحَاساً وَالأرْضُ الّتي تَحْتَكَ حَدِيداً وَيَجْعَلُ الربُّ مَطَرَ أرْضِكَ غُباراً وَتُراباً يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ حَتّى تَهْلَكَ" وكل من له إلمام بمقدار صعوبة الديانة اليهوديّة الحاليّة وصلابة قلوبهم ورداءة معارفهم يفهم بلاغة هذه البيانات السماويّة وحسن الإستعارات النبويّة وكذلك قال تعالى في الإصحاح الرابع من سفر ملاخي في البشارة بورود الموعود: "فَهَا هُوَ ذا يَأتي اليَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَنُّورِ وَكُلُّ المُسْتَكْبِرينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشّاً وَيَحْرُقُهُمْ اليَوْمُ الآتي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ فَلا يَبْقَى لَهُمْ أصْلاً وَلا فِرْعاً وَلَكُمْ يَا أيُّهَا الْمُتَّقُونَ إسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ البِرِّ وَالشَّفَاءِ في أجْنِحَتِهَا فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأونَ كَعُجُولِ الصُّبْرَةِ وَتَدُوسُونَ الأشْرارَ لِيَكُونوا رَمَاداً تَحْتَ بُطونِ أقْدَامِكُمْ يَوْمَ أفْعَلُ هَذا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إذْكُروا شَرِيعَةَ مُوسَى عَبْدِي الّتي أمَرْتُ بِهَا في حُورِيبَ عَلى كُلِّ إسرائيل الفَرَائِضَ وَالأحْكامَ. هَا أنَا ذا اُرْسِلُ ألَيْكُمْ إيليّا النَبِيّ قَبْلَ مَجِيئِ يَوْمِ الرَّبِّ العَظيمِ وَالمَخُوفِ فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلى الأبْنَاءِ وَقَلْبَ الأبْنَاءِ عَلى آبَائِهِمْ لِئَلا آتي وَأضْرِبَ الأرْضَ بِلَعْنٍ". فانظروا في الآية الثانية من هذا الإصحاح قوله تعالى: "وَلَكُمْ يَا أيُّهَا الْمُتَّقُونَ إسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ البِرِّ وَالشَّفَاءِ في أجْنِحَتِهَا" تروا أنّه أطلق كلمة الشمس إستعارة على المسيح الموعود. وهذا الإصحاح من جملة البشارات الّتي إتّفق اليهود والنصارى على أنّها تبشر بظهور المسيح الموعود. وبسبب هذا الإصحاح بالذات لا يزال اليهود ينتظرون ظهور المسيح ويعتقدون أنّ النبي إيليّا ينـزل من السماء بشخصه قبل ظهور المسيح ويبشّر الخلائق بظهور الموعود. وهذا هو نفس الإصحاح الّذي بسببه سألوا حضرة المسيح إن كنت أنت المسيح فلماذا لم ينـزل النبي إيليّا من السماء فأجابهم حضرته نعم نزل وما عرفتموه وقتلتموه وهو يحيى بن زكريا عليه السلام. ودُهش اليهود من هذا الجواب كما دُهش جناب الشيخ من تفسير الآية " وَتَرَوْنَ إبْنَ الإنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ" بأنّها تدلّ على ظهور خاتم النبيّين ومن تفسير الآية: "ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمْ" أنّها تشير إلى كريم بن إبراهيم.

ولاحظوا كذلك الآيات (12-23) من الإصحاح الرابع من سفر النبي أرميا الّتي تخبر بخراب القدس الشريف وبالآلام الواردة على بني إسرائيل على يد نبوخذنصّر حيث يتفضّل: "هُمْ حُكَمَاءُ في عَمَلِ الشَّرِّ وَلِعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَفْهَمُون. نَظَرْتُ إلى الأرْضِ وَهِيَ خَرِبَةٌ وَإلى السَّمَوَاتِ فَلا نُورَ لَهَا. نَظَرْتُ إلى الجِبَالَ فَإذا هِيَ تَرْتَجِفُ". وتفضّل في الآية (28) من الإصحاح ذاته: "مِنْ أجْلِ ذَلِكَ تَنُوحَ الأرْضُ وَتُظْلِمُ السَّمَوات مِنْ فَوْقْ" ولا مفرّ ولا شكّ في دلالة كلمة (السموات) على الديانة والشريعة الموسويّة لأنّ السماء الظاهريّة لم تظلم في حادثة نبوخذنصّر بل أظلمت الشريعة المقدّسة وأظلمت الديانة الإلهيّة بسبب كفر الوثنيّين وجهلهم وظلمهم. وكذلك يتفضّل في الآية التاسعة من الإصحاح الخامس عشر من هذا السفر بالذات قوله تعالى: "غَرُبَتْ شَمْسُها إذْ بَعُدَ نَهَارٌ. خَزِيَتْ وَخَجِلَتْ. أمّا بَقِيَّتُهُمْ فَلِلسَيْفِ أدْفَعُهَا أمَامَ أعْدَائِهِمْ يَقُولُ الرَّبُّ". والمقصود بهذه الآية الإخبار بغروب شمس العزّة والسعادة يعني شمس الحقيقة من بين بني إسرائيل وطلوعها في الأمّة النصرانيّة.

10. في بيان أنّ إطلاق ألفاظ الشمس والقمر جاء في الكتب المقدّسة على مظهر أمر الله ومركز ميثاق الله وتبكيت الناقضين للعهد الإلهي وفي بيان أنّ المقصود بألفاظ الشمس والقمر هو ذكر مراتب شروق وغروب شموس الحقيقة:

وكذلك إنظروا في الإصحاح الثلاثين من سفر أشعيا النبي الّذي يخبر أوّلاً بحلول المصائب والآلام على بني إسرائيل وبعد ذلك يخبر بظهور الموعود. ففي الآية (26) منه يتفضّل: "وَيَكُونُ نُورُ القَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ وَنُورُ الشَّمْسِ يَكُونُ سَبْعَةَ أضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أيَّامٍ في يَوْمٍ يُجْبِرُ فِيهِ الرَّبُّ كَسْرَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رَضَّ ضَرْبِهِ". وهذه الآية تبشّر بأنّ الأنوار المشرقة من شمس الحقيقة سوف تكون سبع مرّات أكثر من الظهورات السابقة وستكون الأشعّة الساطعة من قمر الولاية المنشعب من الأصل القديم مثل أشعة شمس الحقيقة الساطعة. وهذه الآيات المذكورة في الأسفار المقدّسة لا يستطيع العاقل أبداً أن يحملها على الشمس والقمر الظاهريّين لأنّها تنتهي إلى الجمع بين النقيضين لأنّه لا يمكن أن تظلم الشمس والقمر ويكون نور القمر مثل نور الشمس ونور الشمس سبعة أضعاف نورها. ولذا فالواضح لدى أولي القلوب النابهة غير المظلمة أو المنحرفة أنّ شمس الديانة السابقة وقمرها سوف تظلم في يوم ظهور الموعود وسوف تنسخ. وسوف تشرق شمس الديانة الجديدة وقمرها بأشدّ إشراق وسطوع. وسوف تفوز بمشاهدة هذه الأنوار الباهرة كلّ نفس لا تنوح بمراثي الفقر وعدم القدرة والإستطاعة على السفر والهجرة إلى الله. وسوف ينشرح صدرها ويتنوّر من هذا النيّر المشرق "ذَلِكَ َفْضُل الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" . وهنا أرجو من أحبّاء الله أن يمعنوا النظر مليّاً في هذه النقطة وينظروا بنظر التحقيق أنّ النيّر المشرق البازغ الساطع النور الّذي أثنى الله تبارك وتعالى على وجوده في سفر أشعيا منذ أكثر من ألفين وخمسمائة سنة بعبارة: "وَيَكُونَ نُورُ القَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ" وأقسمَ في القرآن المجيد بوجوده المسعود في قوله جلّ وعلا: "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالقَمَرِ إذا تَلاهَا" وبيّن بهذه العبارات العظيمة الرهيبة عظمة مقامه المحمود ورفعة لوائه المعقود. يريد ناقضو عهد الله وناكثوا ميثاق الله بمساعيهم الباطلة ودسائسهم الدنيئة أن يمنعوا الخلق من التوجّه نحو وجهه المنير ويريدون أن يضلّوا العباد ويحوّلوا مركز الميثاق. وهم مثل طيور الليل طائرون في ظلمة الضلال. ويحاول كلّ واحد منهم أن يكون مفسّراً مطاع الرأي في تفسير الكتاب ويصبح مجتهداً نافذ الحكم في دين حضرة ربّ الأرباب. فسحقاً له من تصوّرٍ باطل وبُعداً له من خيال محال. وإذا إشتبهت على أمثال جناب الشيخ المعاني والمقاصد الأصليّة في هذه الآيات الكريمة والبيانات العظيمة فلن تشتبه على أهل البهاء وأصحاب السفينة الحمراء الّذين شربوا من المنبع العذب للإيقان ولم يخف عليهم تمويه الناقضين وتضليل الناكثين بعد إطّلاعهم على تفسير معاني الشمس والقمر في الإيقان الشريف وفي سائر الألواح المقدّسة. ولن يأفل النيّر البازغ بالكلام الواهي الفارغ: (وَهَبْنِي قُلْتُ هَذا الصُّبْحُ لَيْلٌ أيَعْمَى النَّاظِرُونَ عَنِ الضِّيَاءِ؟). ولكن لا يخفى على أحبّاء الله أنّ مقصود الله جلّ جلاله من ذكر الشمس والقمر هو بيان مراتب تجلّي الحقيقة المقدّسة في مراتب ظهور وبطون تلك الحقيقة الّتي هي حقيقة الحقائق من أجل تأسيس الشريعة وبقاء الديانة إلى أمدٍ معلوم وأجلٍ مسمّى. وإلاّ فإنّه لن تتجلّى في المرايا العديدة غير ذات واحدة ولن يكون تعدد المرايا سبباً في تعدد الحقيقة الواحدة كما نزلت بصورة مفصّلة في الإيقان الشريف الوحدة الحقيقيّة للذات الأقدس في بيان مقامات الجمع بين مظاهر أمر الله والتفصيل بينها. ومَنْ فهم هذه النقطة إتّضحت له مقامات مظاهر الأمر.

وخلاصة القول لقد فلت من يدينا عنان القلم وتوجّهنا بالكلام من الرد على المعترضين إلى تبكيت الناقضين لميثاق الله. فلنرجع إلى أصل الموضوع ونعرض مواضع إستعمال الشمس والقمر والنجوم.

فقد ورد في الإصحاح (32) من سفر حزقيال النبي الّذي سمّي في القرآن المجيد بذي الكفل عند ذكر مصر وغلبة الكلدانيّين عليها في الآية (7) قوله تعالى: "وَعِنْدَ إطْفَائِي إيَّاكَ أحْجُبُ السَّمَوَاتِ وَأظْلِمُ نُجُومَهَا وَأغْشِي الشَّمْسَ بِسَحَابٍ وَالقَمَرُ لا يُضِيئُ ضَوْءُهُ وَأظْلِمُ فَوْقَكَ كُلَّ أنْوَارِ السَّمَاءِ المُنِيرَةِ وَأجْعَلُ الظُّلْمَةَ عَلَى أرْضِكَ يَقُولُ السيِّدُ الرَّبّ". وكلّ من له إطّلاع على تاريخ غلبة البابليّين على مصر يعرف أنّه لم تظهر أمثال هذه الحوادث في تلك الأيّام ولكن بعد الإطّلاع على التفاسير السابقة لن يصبح فهمها مشكلاً صعباً على أهل الإدراك.

وسفر ميخا النبي الّذي كلّه يخبر بالمصائب الواردة على بني إسرائيل وظلمة دينهم وظهور الموعود يتفضّل في الآية السادسة من الإصحاح الثالث: "لِذَلِكَ تَكُونُ لَكُمْ لَيْلَةٌ بِلا رُؤيَا ظَلامٌ لَكُمْ بِدُونِ عرَافَةٍ وَتَغِيبُ الشَّمْسُ عَنِ الأنبياء وَيُظْلِمُ عَلَيْهِمْ النَّهِارُ فَيَخْزى الرَّاؤونَ وَيَخْجَلُ العَرَّافُونَ وَيَغِطّونَ كُلُّهُمْ شَوَارِبَهُمْ لأنّهُ لَيْسَ جَوَابٌ مِنَ الله". وقد عرضنا سابقاً أنّ النبي بإصطلاح بني إسرائيل والكتب المقدّسة هو إنسانٌ تنـزل عليه الإلهامات الإلهيّة في الرؤيا ولهذا يتفضّل هنا في هذا الوحي أنّ الأحكام الدينيّة في الشريعة الموسويّة سوف تنسخ ولن يبقى لها أثر وأنّها لن تؤدّي إلى نقاء القلوب ونورانيّة الصدور. ولذا سوف تزول النبوّة والإلهام والتفأّل والإستعلام زوالاً كليّاً. وفي سفر موسى النبي يتفضّل في الإصحاح الثامن: "قَدْ اقْسَمَ الرَّبُّ بِفَخْرِ يَعْقُوبَ أنّي لَنْ أنْسَى إلى الأبَدْ جَمِيعَ أعْمَالِهِمْ. ألَيْسَ مِنْ أجْلِ هَذا تَرْتَعِدُ الأرْضُ وَيَنُوحُ كُلُّ سَاكِنٍ فِيهَا وَتَطْمُو كُلُّهَا وَتَفِيضُ وَتَنْضَبُ كَنِيلِ مِصْرَ وَيَكُونُ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَقُولُ السَيِّدُ الرَّبُّ إنّي اُغَيِّبُ الشَّمْسَ في الظُّهْرِ وَأقْتُمُ الأرْضَ في يَوْمِ نُورٍ وَأحَوِّلُ أعْيَادَكُمْ نَوْحاً وَجَمِيعُ أغَانِيكُمْ مَرَاثِي وَأصْعَدُ عَلَى كُلِّ الأحْقَاءِ مُسُحاً وَعَلى كُلِّ رَأسٍ قُرْعَةً وَأجْعَلُهَا كَمَنَاحَةِ الوَحِيدِ وآخِرُهَا يَوْماً مُرّاً". ومن يمعن النظر في هذه الآيات يفهم بكل وضوح أنّ المقصود بغياب الشمس وظلام الأرض في هذه الكلمات غياب شمس السعادة وظلمة أرض المعرفة. ولن تغرب شمس السعادة أبداً عن قوم إلاّ بسبب تبدّل الديانة وزوال تأثير الشريعة وظلمة القلوب الّتي هي أرض المعرفة.

أمّا في الإنجيل وأسفار العهد الجديد فإنّ هذا القبيل من الإطلاقات والإستعارات الفصيحة اللطيفة فوق ما يستوعبه هذا الموجز. فمثلاً في الآية الخامسة من الإصحاح الثاني من رسالة بولس الرسول إلى أهالي أفسس أُطلقت كلمة الموت والحياة على الكفر والإيمان وأُطلقت الفلكيّات إستعارة على الأمور الدنيويّة فيتفضّل: "حَيْثُ قَالَ وَنَحْنُ أمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أحْيَاناً مَعِ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أنْتُمْ مُخَلَّصُونَ وَأقَامَنَا مَعَهُ وَأجْلَسَنَا مَعَهُ في السَّمَوِيَّاتِ في الْمَسِيحِ يَسُوع لِيُظْهِرَ في الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الفَائِقِ بِاللُّطْفِ عَلَيِنَا".

وكذلك تفضّل في الإصحاح (12) من مكاشفات يوحنّا: "وَظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ في السَّمَاءِ إمْرَاةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَتَحْتَ رِجْلَيْهَا وَعَلَى رَأسِهَا إكْلِيلٌ مِنْ إثْنَيْ عَشَرَ كَوْكَباً" وقد كتب هذا العبد تفسير هذا السفر بصورة مفصّلة في رسالة (شرح الآيات المؤرّخة) وليس فهمها صعب هنا على أرباب النباهة والبصيرة.

وكذلك تفضّل في الإصحاح (22) من هذا السفر بالذات: "أنَا يَسُوع أرْسَلْتُُ مَلاكِي لِأشْهَدَ لَكُمْ بِهَذِهِ الأمُورِ عَنْ الكَنَائِسِ: أنَا الأصْلُ وَذُرِّيَّةُ داوُدَ كَوْكَبِ الصُّبْحِ الْمُنِيرِ".

وخلاصة القول فقد ثبت مما ذكرناه أنّ ألفاظ الشمس والقمر والنجوم والسماء وأمثالها قد وردت كثيراً في الكتب المقدّسة من التوراة والإنجيل بشكلٍ يطابق تفسير كتاب الإيقان الشريف بل كان إطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني أكثر إستعمالاً وشيوعاً وليس السبب في تعجّب جناب الشيخ من تفاسير كتاب الإيقان الشريف إلاّ نتيجة عدم إطّلاع جنابه على الكتب المقدّسة السماويّة وإبتعاده عن البيانات القدسيّة النبويّة.

11. في بيان ضرورة وجود القرائن وفي أنّ فهم هذه القرائن يرجع إلى أهل الإيمان لا إلى غيرهم:

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ من ضرورة وجود القرائن فهذا أمرٌ صحيح وهو أنّ إستعمال الألفاظ للتشبيه والإستعارة يحتاج إلى قرائن حاليّة أو مقاليّة ولكنّ فهم هذه القرائن وإدراك هذه الشواهد منوط بأصحاب الأحلام الرزينة والصدور المنشرحة والقلوب المنوّرة والبصائر المنيرة لأنّه لو أمكن لكلّ إنسانّ فهم ذلك لما تحقّقت الآية الكريمة: "وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلُهُ إلاّ الله" لأنّه ليس المقصود بالتأويل إلاّ المعاني الأصليّة الّتي تفيدها ألفاظ الآيات. ومعلوم أنّ المراد بها هو المعاني غير الظاهريّة والدقائق والإستعارات النبويّة فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير الآية المباركة: "وَبِئْرٍ مُعَطَّلةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ" أنّه عليه السلام قال: "أنا الْبِئْرُ الْمُعَطَّلةُ"، ورُوي عن صادق آل محمّد عليه السلام أنّه قال في تفسير الآية الكريمة: "وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الّتي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيروا فِيهَا لَيَالِي وَأيَّاماً آمِنِين" أنّه عليه السلام قال: "نَحْنُ القُرَى الظَّاهِرَة" فيُفهم من هذا التفسير بصورة صريحة أنّ المقصود بهذه القرى الظاهرة وسائط إيصال الفيوضات الإلهيّة إلى المؤمنين أي الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين. ولولا تصريح أمير المؤمنين والصادق عليهما السلام لما عرف أهل الظاهر أبداً تلك المعاني المقصودة "بالبئر المعطّلة" و "القرى الظاهرة" ولرفعوا مثل إبن الآخوند راية المكابرة مرفرفة. هذا وإنّ تفاسير أئمّة أهل البيت هي من هذا القبيل [كما هو معلوم عند أولي الألباب ومَنْ عنده علم الكتاب].

12. في إثبات عدم إطّلاع الشيخ على القواعد المرعيّة بين العلماء:

أمّا دليل عدم إطّلاع جناب الشيخ على القواعد العلميّة فهو واضح وأظهر لدى أهل العلم لأنّ السائل الّذي نزل كتاب الإيقان الشريف في جواب أسئلته هو واحد من أشراف وسادات المسلمين وكانت أسئلته ثلاثة: (الأوّل) عن علامات ظهور القائم من قبيل نفخ الصور وقيام مَنْ في القبور وطلوع الشمس من مغربها وتكوير الشمس وإنفطار السماء وسقوط النجوم وتبدّل الأرض وأمثالها، (الثاني) عن رجعة الحجّة بن الحسن العسكري عليهما السلام ورجعة سائر أئمّة الهدى بأشخاصهم وغلبتهم وسلطنتهم، و(الثالث) عن عدم جواز تغيير وتبديل الشريعة الإسلاميّة. ومن المعلوم أنّه لما كان السائل مسلماً ويسأل عن معاني نفخ الصور وقيام الأموات وتكوير الشمس وسقوط النجوم وأمثالها ممّا ورد في القرآن الشريف والأحاديث الإسلاميّة فلا شكّ أنّ بيانات أئمّة الإسلام الّذين كان كلّ واحد منهم وارثاً لرسول الله ومبيّناً لكتاب الله وأفضل الناس في الأمّة وأعلمهم تكون حجّة عليه ومبرهنةً للمقصود ولهذا فإنّ الإستشهاد بعبارة دعاء الندبة: "أيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةِ أيْنَ الأقْمَارُ الْمُنِيرَةُ" إستشهاد في منتهى المتانة والإعتبار ومطابق كلّ المطابقة للقواعد المرعيّة عند العلماء الأخيار، ولم يكن السائل من النصارى أو اليهود أو البوذيّة أو الهنود حتى لا تكون كلمات أئمّة الإسلام حجّة عليه ولم يكن صاحب الكلام المستشهَد به والعياذ بالله من أصحاب العمائم في الإسلام ومن سَفَلَةِ الأنام حتى يكون الإستشهاد بكلامه ساقطاً من درجة الإعتبار عند أرباب الإستبصار. وسبب إستشهاد الإيقان الشريف بآيات الإنجيل المقدّس كان من أجل تنبيه السائل إلى أنّ التمسّك بنفس هذه العلامات سبب ضلال السابقين وتكذيبهم لخاتم النبيّين عليه الصلاة والسلام وأنّ عدم فهمهم وإستيعابهم المعاني الحقيقيّة لهذه الآيات بالذات قد أدّى إلى مجانبة السابقين وإبتعادهم عن اللاحقين. ومن القواعد المتينة المرعيّة بين العلماء أنّه لو أصبحت شُبهة سبباً في ضلال قوم وإنتهى تمسّكهم بها إلى تكذيب صادقٍ فإنّ العلماء ينبّهون المتمسّك بتلك الشبهة إلى حالات السابقين ليعتبر بهم فيحذّرونه ويخوّفونه من مسلكه المهلك بحكم الآية الكريمة: "كَذَلِكَ قَالَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" . إذاً فقد إتّضح مما كتبناه أنّ جناب الشيخ إشتبه عليه الأمر مرّتين (الأولى) أنّه ظنّ أنّ الإستدلال بعبارة دعاء الندبة في إثبات معاني الإنجيل كان من أجل النصارى مع أنّه كان من أجل الإسلام في إثبات معاني القرآن و(الثانية) أنّه لم ينتبه إلى أنّ المقصود بإتيان عبارات الإنجيل هو من أجل اثبات أنّ النصارى قد تمسّكوا في عدم قبولهم أمر خاتم النبيّين عليه السلام بظواهر هذه العلامات وحملوا رجعة عيسى عليه السلام على رجعة شخصه بالذات. ولو فُسّرت ألفاظ السماء والشمس والقمر والنجوم الواردة في الإنجيل بمعانيها الظاهرة وفُسّر المقصود بالرجعة برجعة شخص عيسى عليه السلام فلا شكّ أنّ الأمر ينتهي والعياذ بالله إلى تكذيب خاتم الأنبياء عليه السلام ويؤدّي إلى بطلان دين الإسلام. وسنـزيد هذه المسئلة بياناً وتوضيحاً بعناية ربّنا البهيّ الابهى وتأييد مليكنا العليّ الأعلى.

نعم كما أثبتنا في المواضيع الأربعة في هذا الباب أنّ القرآن الشريف هو بيّنة الصحف الأولى وجامع الحقائق المكنونة في التوراة والإنجيل وسائر كتب الأنبياء. وإتّضح أنّ المقصود الإلهي من هذه الألفاظ في جميع الصحف السماويّة هو الإخبار عن حقيقة واحدة وبيان حوادث مخصوصة تتّضح في يوم القيامة معانيها الحقيقيّة وينـزل تأويلها. لذا فبعد أن نزل كتاب الإيقان الشريف وفُكّ ختم الرحيق المختوم بأنامل الحيّ القيّوم وإتّضحت التفاسير الأصليّة لهذه الآيات بعناية مالك الأرضين والسموات صار ذلك سبباً في سهولة دفع الشبهات على أهل الإيمان وميسوراً عليهم كشف حجب أهالي سائر الأديان وسَهِلَ التوفيق فيما بين الملل والأحزاب بعناية حضرة ربّ الأرباب وبعبارة أوضح صار أهل الإيمان بسبب نزول الإيقان وسائر ألواح الرحمن وارثين لعلم القدرة على كشف الغوامض وفكّ أختام جميع الأنبياء من آدم إلى الخاتم، كما لاحظتم في هذا العبد. فمع أنّه أحقر عباد هذا الظهور الأعظم علماً وعملاً وفضلاً كيف يطابق بين الكتب الإلهيّة وكيف يبيّن ويوضح طريق الجمع والتوفيق بين نصوص الصحف السماويّة الّتي كان عدم فهمها طيلة القرون العديدة سبباً في خصام الأمم العظيمة ومنافرتها. ولو لم يكن مدح الذات نوعاً من الرعونة لإستشهدت هنا بما قاله وكتبه كبار القسس والفلاسفة في أوروبّا وأمريكا في الشهادة على علم هذا العبد وإحاطته بحقائق الكتب المقدّسة ليطلع أرباب البصيرة على مقدار فضل الحقّ جلّ جلاله في تنـزيل كتاب الإيقان الشريف وليعرفوا أنهار المعارف الّتي جرت من هذا القلم الأعظم. وعمّا قريب ستتّضح هذه المآثر الجليلة وسينكشف ما خفي وراء حجاب الظلم الغليظ:

"سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأتِيكَ بِالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ".

13. في بيان بطلان ما توهّمه جناب الشيخ في أنّ تفاسير صاحب الأمر يجب أن تطابق تفاسير السابقين:

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ بقوله: "(رابعاً) أنْ يطابق التفسير لا محالة أحد تفاسير المفسّرين لا أن يخالفها جميعها، فمثلاً إذا قال أحد الأنبياء السابقين أمثال كليم الله أو روح الله شيئاً أو خبراً باللّغة العبريّة وظهر بعد ألف سنة شخص آخر إدّعى أنّ معنى هذا الخبر وهذه الألفاظ لم يفهمها أيّ واحد من علماء التفسير أو النصارى وإنّ معناه كذا وكذا وإنّ جميع المفسّرين والمترجمين قد أخطأوا ولم يستنشقوا رائحة من المعنى المقصود فلا شكّ أنّ هذا النوع من الإدّعاء لدى العقلاء إدّعاء كبير بل إنّه لن يُقبل ولن يُعترف به" ومقصود جناب الشيخ أنّه مثلاً لو تفضّل موسى عليه السلام ببشارات فيجب أن تكون بيانات عيسى عليه السلام عند ظهوره مطابقة مع أحد تفاسير اليهود وإلاّ فلن يُقبل أدّعاء عيسى عليه السلام وهكذا لو تفضّل عيسى عليه السلام ببشارات فيجب أن تكون بيانات رسول الله وخاتم النبيّين عند ظهوره مطابقة مع أحد تفاسير الإنجيل وإلاّ فلن يكون إدّعاؤه عليه السلام مقبولاً، وهكذا يجب أن يكون الأمر في ظهور حضرة بهاءالله. وإنّ قاعدة جناب الشيخ هذه مغلوطة من عدّة وجوه بل مخرّبة لجميع الأديان ومؤدّية بالإنسانيّة إلى القهقرى والخسران (فالوجه الأوّل) إنّ قاعدة جناب الشيخ هذه تخالف نصوص الكتب السماويّة بالذات، لأنكم لاحظتم أنّ الله جلّ جلاله قد صرّح في أسفار العهد القديم أنّ الأسفار الإلهيّة مخفيّة ومختومة إلى يوم المنتهى فإذا كان مراد الله من اليوم المنتهى هو يوم ظهور عيسى عليه السلام فإنّ تفاسير حضرته لا بدّ أن تخالف جميع تفاسير اليهود وإذا قصد تعالى بيوم المنتهى يوم ظهور رسول الله عليه السلام فلا شكّ أنّ بياناته عليه السلام لن تتّفق مع بيانات اليهود والنصارى وإذا قصد تعالى بيوم المنتهى يوم ظهور القائم وقيام روح الله فلا شكّ أنّه سيفسّر الكتب الإلهيّة تفسيراً يخالف مفاهيم اليهود والنصارى والإسلام. وإنّ الآية الكريمة: "هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ تَأوِيلَهُ" والآية الكريمة: "بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتي تَأوِيلُهُ" صريحتان تماماً بأنّ التنـزيل سينـزل خلافاً لمفاهيم المؤوّلين والمفسّرين وستنكشف معانيه الحقيقيّة في اليوم المخصوص وأنّ ادراك هذه القضية المسطورة في الكتب الإلهيّة يثبت أنّ ما قاله جناب الشيخ بوجوب كذا ووجوب كذا إنما هو تحكّم بارد وجاف وعليل وإدّعاء واهٍ وبلا دليل. وكأنّه ظنّ أنّ ظهور مظاهر أمر الله الّذين قد ظهروا جميعاً بآراء تخالف آراء أهل الهوى بحكم الآية الكريمة: "أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوى أنْفُسُكُمْ إسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونْ" يجب أن يظهروا وفقاً لآراء جنابه الباطلة وأنّ القائم الموعود الّذي هو مظهر الآية الكريمة: "يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ" يجب أن يكون تابعاً لآراء الأقدمين الفاسدة. لأنّ الإنسان البصير لو يتأمّل في كلمات القوم ويتدبّر فيها لَيندهش حين يرى أنّ كلّ واحد منهم قد كتب قبل الظهور أحكاماً وقواعد عديدة للقائم الموعود يأمرون حضرته بموجبها بإطاعة أوامرهم الباطلة. ويتحيّر الإنسان من جرأتهم وغفلتهم لأنّ كلّ واحد من هؤلاء القوم لم يؤلّف كتاباً إلاّ وكتب فيه في مواضع عديدة أنّ القائم يجب أن يفعل كذا ويجب أن يقول كذا ويجب أن تكون سيرته كذا كأنّهم ظنّوا أنّ ذلك الوجود الأقدس قائم بأمر الملاّوات لا قائم بأمر الله أو كأنّهم حسبوا أنّ حضرته داعٍ إلى الفقهاء لا داعٍ إلى الله وأعجب من هذا كلّه لمّا نَبَّهَ المناظر البهائي جناب الشيخ إلى هذه القضية بأنّ مظاهر أمر الله هم مقنّنو القوانين وشارعو الشرائع وواضعو الحدود والأحكام ولا تسير عليهم أحكام هذه الأوهام لم يفهم جناب الشيخ مقصوده وظنّ أنّه يقصد تجويز خروجهم على القواعد اللغويّة وقام برسالته المطبوعة بكتابة كلّ ما تمليه عليه شراسة الطبائع الفقهيّة من الغرور والهذيان ولم يقصّر في هجر الكلام وبذئ المقال ولا غرو "فكلّ إناء بالّذي فيه ينضحُ".

(والوجه الثاني) إنّ قاعدة جناب الشيخ هذه لو كانت صحيحة فإنّها تنتهي بالمآل إلى بطلان الدين الأسلامي. لأنّكم قرأتم كلّكم في القرآن المجيد أنّه قال تعالى عن لسان عيسى عليه السلام: "وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأتي مِنْ بَعْدِي إسْمُهُ أحْمَدْ" وكذلك قال تعالى في مقام آخر: "الرَّسُولُ الأمِّيُّ الّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْراةِ وَالإنْجِيلِ" وقد كتب جميع مفسّري الإنجيل بالأجماع وقالوا ويقولون إلى يومنا هذا بأنّه لا يوجد في الإنجيل شيئ من هذا القبيل ولا جاء في الإنجيل ذكر لظهور نبيّ ولا إسم أحمد. وعندما ينظر الشخص المحقّق المجاهد إلى الأناجيل الأربعة لا يشاهد أكثر من موضعين جاء فيهما ذكر ظهور جديد وهذا يعني أنّه لا يوجد في بيانات عيسى عليه السلام أكثر من نوعين من الأخبار عن الظهورات الآتية: (النوع الأوّل) وهو الوارد في الإصحاح (24) من إنجيل متّى ومثله موجود في بقيّة الأناجيل: "ومِنْ بَعْدِ ضِيقِ تِلْكَ الأيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لا يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالكَوَاكِبُ تَتَسَاقَطُ مِنَ السَّمَاءِ إلى آخر الآية " وقد فسّر الجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكره هذه البشارة في كتاب الإيقان الشريف بأنّها تنطبق على ظهور رسول الله عليه السلام ولكنّ جناب الشيخ كما يعرف القارئ لم يقبل هذا التفسير بل أظهر إستغرابه وعجبه منه وحمله على رجعة عيسى عليه السلام بشخصه ولهذا فإنّ هذه البشارة لا تنطبق حسب عقيدة جناب الشيخ على ظهور رسول الله و(النوع الثاني) العبارات الواردة في الإنجيل عن مجيئ الفارقليط أو روح الحقّ أو المسلّي والمعزّي باختلاف تراجم الإنجيل فقد جاء في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنّا: "إنَّ لِي أمُوراً كَثِيرَةً أيْضاً وَلَكِنْ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأمَّا مَتى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إلى جَمِيعِ الْحَقِّ لِأنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأمُورٍ آتِيَةٍ". وقد أراد علماء الإسلام أن يحملوا هذه الآية على الإخبار بظهور رسول الله عليه السلام ولكنّ مفسّري الإنجيل رفضوا ذلك التفسير بالإجماع وفسّروها وفقاً لما ورد في الباب الثاني من كتاب أعمال الرسل بأنّها تشير إلى نزول روح القدس على الحواريّين. ولا يستطيع جناب الشيخ أن يستدلّ بهذه الآية على ظهور رسول الله عليه السلام لأنّ هذا يخالف رأي جميع مفسّري الإنجيل بل يخالف آراء جميع المؤمنين بذلك الكتاب المجيد. ووفقاً للقاعدة الّتي تجشّم جناب الشيخ الصعاب في وضعها لم يأت في الإنجيل خبر عن ظهور رسول الله عليه السلام بدليل أنّ ذلك لا يتّفق مع تفسير مفسّري الإنجيل ولا خطر ببال صاحب الإنجيل.

والان لما إطّلعتم على ما عرضناه تفهمون بكل وضوح كيف أنّ عبارة جناب الشيخ الّتي إشترط فيها أن تطابق تفاسيرُ الظهور الجديد على الأقلّ أحد تفاسير الظهور السابق وإلاّ فإنّها تسقط من منـزلة الإعتبار صارت تخالف قواعد الإسلام بل تكذّب حضرة سيّد الأنام. وفي هذا المقام أرجو بكل إحترام من علماء الإسلام الأعلام وأفاضلهم الأجلاّء أن يمعنوا النظر في عبارات شيخ الإسلام ليروا أنّه لم يستطع أي خصم لدود للإسلام أن يهدم الركن الأعظم من الدين الإسلامي كما هدمه جناب الشيخ ولم يسهّل أحد لأعداء الديانة الإسلاميّة تكذيب آيات القرآن كما سهّله جناب الشيخ من أجل مخاصمته للطائفة البابية. أفلم يكتب جناب الشيخ: "و(رابعاً) أنْ يطابق التفسير لا محالة أحد تفاسير المفسّرين لا أن يخالفها جميعها"؟ وألم يضرب مثلاً بعد ذلك بقوله: " فمثلاً إذا قال أحد الأنبياء السابقين أمثال كليم الله أو روح الله شيئاً أو خبراً باللّغة العبريّة وظهر بعد ألف سنة شخص آخر إدّعى أنّ معنى هذا الخبر وهذه الألفاظ لم يفهمها أيّ واحد من علماء التفسير أو النصارى وإنّ معناه كذا وكذا وإنّ جميع المفسّرين والمترجمين قد أخطأوا ولم يستنشقوا رائحة من المعنى المقصود فلا شكّ أنّ هذا النوع من الإدّعاء لدى العقلاء إدّعاء كبير بل إنّه لن يُقبل ولن يُعترف به"؟ أفلا يقول أفاضل علماء النصارى أن يا جناب الشيخ إنّ موسى وعيسى عليهما السلام تكلّما باللغة العبريّة وجاء محمّد بعد ألفي سنة من زمان موسى وبعد ستمائة سنة من زمان عيسى وهو يقول أنّ خبر ظهوري موجود في التوراة والإنجيل ولم يفهم ذلك أحد من علمائكم وحُرموا من إدراك المقصود بحكم الآية: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا" ؟ وبموجب قاعدتك هلاّ يسقط هذا الكلام من درجة الإعتبار؟ وكذلك ألا يقولون بخصوص الآية الكريمة: "يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" كيف أنّ هؤلاء العلماء والمفسّرين من اليهود مدّة ألفي سنة ومفسّري علماء الإنجيل مدّة ستمائة سنة لم يفهموا تحريف كتبهم المقدّسة الّتي أجمعوا على صحّتها ومحمّد فهم تفسيرها وحكم من دون سند موثوق بتحريفها؟ ووفقاً لقاعدة جناب الشيخ أيّ الطرفين المتناظرين سيكون على الحقّ وأيّهم يعتمد عليه أرباب الإستبصار؟ [كذلك يخرّبون بيوتهم بأيديهم ويُسقطون حجّتهم بأفواههم ولا يعرفون ما لهم مما عليهم ذلك مبلغهم من العلم فاعتبروا يا أولي الأبصار].

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى