منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 8

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 8 في 2010-11-03, 02:14

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل


في الجواب على الشبهة الرابعة من شبهات شيخ الإسلام

1. الشبهة الرابعة من شبهات الشيخ في بيان تفاسير آية "ربّ المشارق وربّ المغارب" وغيرها:

وكتب جناب الشيخ كذلك في رسالته الأولى: "ثم إنّ صاحب الكتاب يتفضّل في بيان معنى الآيات الشريف: "رَبّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ" و "إذا السَّمَاءُ إنْفَطَرَتْ" و "يَوْمَ تَبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ" : إنّ المقصود بالمشارق هم مظاهر الأنوار الإلهيّة وإنّ المراد بإنفطار السماء نسخ وبطلان الدين السابق حين ظهور الدين اللاحق وكذا يراد بتبديل الأرض تبديل أراضي القلوب إلى أراضي المعرفة والحكمة. فيجب عليه لإثبات إدّعائه أن يتفضّل ببيان أيّة كلمةٍ في اللغة وأيّ إستعمال وأيّ تفسير فيها وأيّة موارد من الإستعمال تشهد بأنّ السماء تعني الدين وأنّ الإنفطار يعني النسخ والبطلان حين يُستعمل بطريق الحقيقة والمجاز. وإلاّ فأنّ إستنباط المعاني لا يكون مقبولاً من دون إستشهاد ولن يُسْكِتَ أو يُقنع القارئين، في حين أنّ التجاوز على قانون اللغة في أيّ دين وكلام وفي أيّة ملّة من الملل غير جائز بل أنّ كلمات وخطابات كلّ مقنّن باللغة التي يتكلم فيها يجب أن تكون بمنتهى البلاغة والفصاحة ولذا قال عزّ مَنْ قال: "وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدَنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" .

2. الجواب وبيان معاني التشبيه والإستعارة وذكر الإستعارات الواردة في القرآن وسائر الكتب المقدّسة:

لا يخفىعلى أهل العلم أنّ باب الإستعارة والتشبيه من أبواب فصاحة الكلام الواسعة التي أفاض علماء العالم في جميع اللغات في بحوثهم فيها. وزَيّنَ فصحاء الأمم وخطباؤها من كافّة الأجناس بياناتهم بها في خطبهم ورسائلهم. ومع أنّ هذه المسألة واضحة لدى أهل العلم وأنّ ميدان توضيح وتفصيل مثل هذه المسائل هو الكتب البيانيّة لا الرسائل الإستدلاليّة، لكنّنا من أجل أن يطّلع عوام الناس في تلك النواحي على هذه الحقائق بقدر مقدور وينتبه أولو الإدراك إلى مقدار قلّة علم المجادلين وعدم أطّلاع المكابرين والمعترضين على الله نعرض في سبيل الإختصار أنّ علماء علم البيان تفضّلوا بأنّه إذا شبّه كاتب أم خطيبٌ شيئاً بشيئ آخر بسبب مناسبة موجودة فإنّ التشبيه هذا يتمّ بأداة تشبيه من قبيل "مثل" و "كاف" التشبيه في اللغة العربيّة ومن قبيل كلمة "ما نند" باللغة الفارسيّة ويسمّون ذلك "تشبيهاً" مثل: "زيدُ كالأسد" في اللغة العربيّة، فشُبِّهَ زيدٌ بالأسد لوجود مناسبة هي الشجاعة وبإستعمال أداة تشبيهٍ هي "الكاف". وإذا أراد كاتب أو خطيب إطلاق كلمةٍ على معنى بسبب مناسبةٍ وبدون أداة تشبيه فيسمّون ذلك "إستعارة" كأن يقول مثلاً (رأيت أسداً) ومقصوده رؤية شخص شجاع وفي الواقع شبّه الشخص بالأسد وإكتفى بذكر المشبّه به من دون ذكر الإسم المشبَّه ومن دون ذكر أداة التشبيه. وإذا ذكر كاتب أو خطيب قرينة التشبيه في كلامه سُمّي ذلك إستعارة تصريحيّة مثل "رأيت أسداً يرمي" وكلمة "يرمي" قرينة تدلّ على أنّ المقصود بالأسد رجل شجاع وإذا لم تذكر القرينة في الكلام سُمّي ذلك "إستعارة مكنية". قال صاحب (محيط المحيط): " الإستعارة مصدر "إستعار" وعند البيانيّين: "إدّعاء معنى الحقيقة في الشيئ للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبّه من البين كقولك: "رأيت أسداً" وأنت تعني به الرجل الشجاع. ثم إذا ذُكر المشبّه به مع ذكر القرينة يُسمّى إستعارة تصريحيّة وتحقيقيّة نحو: "لقيت أسداً في الحمّام". وإذا قلنا: "المنيّة أنشبت أظفارها بفلان" فقد شبهنا المنيّة بالسبع إستعارة بالكناية وإثبات الأظفار لها إستعارة تخيّليّة إلى آخر كلامه". وهذه قاعدة مطّردة في جميع لغات العالم ومرعيّة ومقبولة لدى فصحاء كلّ الأمم وبلغائها. ويحتوي القرآن المجيد على كثير من الإستعارات اللطيفة والتشبيهات الدقيقة مثال ذلك ما ورد في الآية الكريمة: "الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ الزُجَاجَةُ كَأنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٌ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الأمْثُالَ لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْئٍ عَلِيمْ" وقد شبّه تعالى في هذه الآية النور الإلهي بالمشكوة مع ذكر أداة التشبيه وإستعمل كلمة الشجرة المباركة إستعارة لمظاهر أمر الله الّذين هم مشارق هذا النور الباهر.


3. في بيان إطلاق ألفاظ الغصن وغصن الربّ في الكتب المقدّسة على "الفرع المنشعب من الأصل القديم" وفي ذكر أنّ غصن الربّ يبني هيكل الأمر:

والقاعدة المطّردة بين الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم أن يُشبَّهَ نفس مظهر أمر الله في كلّ ظهور بالشجرة المباركة و يُشبَّهَ الأولياء بالأغصان والمؤمنون بأوراق تلك الشجرة المباركة كما لاحظتم في حديث علي بن مهزيار الّذي أخبر عن ظهور أمر الله في حافّات بحيرة طبريّة الّذي ذكرناه في المبحث الأوّل في الباب الأوّل حيث تفضّل: "في ظِلالِ شَجَرَةٍ بَسَقَتْ أفْنَانَ غُصُونِهَا في حَافّاتِ البُحَيْرَةِ الطَّبَرَيَّة" وتفضّل عيسى عليه السلام في الإصحاح (15) من إنجيل يوحنّا: "أنَا الكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأبِي الكَرَّامُ" وتفضّل في نفس الإصحاح" "أنَا الكَرْمَةُ وَأنْتُمْ الأغْصَانُ" وتفضّل في سفر أشعيا في الإصحاح (12) في الإخبار عن ظهور المسيح: "وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّايْ وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالفَهْمِ رُوحُ الْمَشْوَرَةِ وَالقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ".

والمقصود بكلمة "جذع يساي" في هذا المقام أرض داود أي الأراضي المقدّسة التي هي مغرس الشجرة الطيّبة ومنبت الغصن الأعظم من السدرة المباركة وتفضّل كذلك: "وَكَلَّمَهُ قَائِلاً هَكَذا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ هُوَ ذَا الرَّجُلُ الغُصْنُ إسْمُهُ وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ" وتفضّل في الآية الأولى من الإصحاح الرابع من سفر أشعيا: "في ذَلِكَ اليَوْمِ يَكُونُ غُصْنُ الرَّبِّ بَهَاءً وَمَجْداً". وقد أُطلقت كلمة الغصن إستعارة على "الفرع المنشعب من الأصل القديم" ويعني أنّ الغصن الأعظم في اليوم الموعود يرتفع قدّه وقامته وهو ينبت من الشجرة الطيّبة وينمو من سدرة المنتهى وتشرق أنوار المجد والعزّة الإلهيّة من وجهه المنير ويشيّد هيكل الربّ أي بيت الديانة الإلهيّة ويعمّره حتى يشرق نور التوحيد الحقيقي من جميع الآفاق وتزول ظلمة الكفر والشرك زوالاً تامّاً ويبطل النقض والنكث ويبور بواراً. وكما اُطلقت عبارة "الكلمة الطيّبة" وعبارة "الشجرة المباركة" إستعارةً على مظاهر أمر الله كذلك أُطلقت عبارة "الكلمة الخبيثة" وعبارة "الشجرة الملعونة" عن طريق الإستعارة على أعداء الله والمعارضين والمعترضين على مظاهر أمر الله كما قال تعالى في سورة بني إسرائيل: "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا التي أرَيْنَاكَ إلاّ فِتْنَةً لِلنَاسِ وَالشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ في القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً" وسبب نزول هذه الآية المباركة هو أنّ خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام شاهد في رؤياه أشخاصاً كالقردة يرتقون منبره فلمّا إستيقظ ذلكم الوجود المبارك إضطربت نفسه من هذه الرؤيا لأنّ المطّلعين على تعبير الرؤيا وتأويل الأحلام يعرفون أنّ رؤية القردة في الرؤيا نذير بخطر عظيم وخاصّةً رؤيا الأنبياء عليهم السلام التي هي بمثابة وحي سماويّ فلمّا إضطربت نفسه المباركة وتكدّر خاطره الكريم نزلت هذه الآية المباركة وأعلمه الحقّ جلّ جلاله أنّ فتنة شديدة ستحيط بالأمّة الإسلاميّة وسوف تنتقل الخلافة النبويّة التي هي الوسيلة الأولى لتربية الأمّة وإصلاحها إلى أصل الشجرة الخبيثة أي بني أميّة وسوف يرقى المنابر الإسلاميّة أوراق هذه الشجرة الملعونة الّذين هم أتباع بني أميّة وسوف تُبتلى الأمّة بالضلال والهلاك. وقد ورد في الأحاديث النبويّة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في تأويل هذه الآية الكريمة والمدوّنة في كتب أهل التسنّن وأهل التشيّع أنّ الرئاسة الدينيّة والدنيويّة ستنتقل في يوم ظهور القائم الموعود الّذي هو يوم رجعة آل محمّد إلى السلالة السفيانيّة أيضاً وسوف يقوم على معارضة حضرته الرؤساء الّذين هم من أصل هذه الشجرة ومن فروعها مع من يتبعهم من أهل الغرور والشرور في جميع البلاد. وقد كتب الشيخ كمال الدين الدميري من أفاضل أهل السنّة والجماعة في كتابه (حيوة الحيوان) بعد ذكر تلك الرؤيا وذلك الحديث قائلاً : "فما رُؤِيَ النبي بعد ذلك ضاحكاً مستبشراً إلى أن مات". وقد ذكر عماد الدين أبو الفداء في ترجمة المعتضد بالله العباسي وشرح أمر الخلافة الّذي أصدره أنّه جاء في ذلك الأمر: "إنّ علماء التفسير قد أجمعوا على أنّ المقصود بالشجرة الملعونة هم بنو أميّة". فيُفهم من هذا أنّ القضيّة كانت موضع إجماع العلماء حتى ذلك الزمان.

ومن الإستعارات المعروفة إطلاق كلمة "يد الله" إستعارة عن القدرة الإلهيّة وهذه الإستعارة شائعة ومنتشرة كثيراً كما أُطلقت هذه الكلمة على يد رسول الله في قوله تعالى: "إنَّ الّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ" كما أُطلقت كلمة "وجه الله" إستعارة على وجه رسول الله في الآية الكريمة: "يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ" كما أُطلقت كلمة الأغلال في الآية الكريمة: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأغْلالَ التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" إستعارة على العقائد السخيفة والعبادات الشاقّة في الملل العتيقة.

4. في بيان إستعمال كلمة "السماء" للدلالة على الدين وكلمة "الإنفطار" للدلالة على نسخ الدين وأطلاق الشمس والقمر والنجوم في كتب فصحاء العرب على الأنبياء والأئمّة والعلماء:

هذا وقد كان مقصود هذا العبد من بيان هذه الإستعارات وإطالة البحث هو أن يأنس أهل تلك النواحي قليلاً بالإستعارات القرآنيّة والتشبيهات النبويّة بعد أن إبتعدوا إبتعاداَ كليّاً عن فهم القرآن المجيد لعلّ لا يتعجّبوا من إطلاق كلمة "الشمس" على مظاهر أمر الله لوجود مناسبة النورانيّة في كليهما ولا يندهشوا من إطلاق كلمة "السماء" على دين الله لوجود مناسبة الرفعة في كليهما وإنّ مواطن إستعمال هذه الكلمات في لغة العرب كثيرة. وليس سؤال جناب الشيخ عن مواطن إستعمال هذه الألفاظ دليلاً على عدم إطّلاعه بتفسير القرآن فحسب بل دليلاً على عدم معرفته اللغة العربيّة وقواعد فصاحتها وبلاغتها، لأنّ أوضح مثالٍ يقوله علماء البيان في مسألة الإستعارة والتشبيه هو تشبيه الإنسان بالشمس بمناسبة حسن الطلعة أو بمناسبة الرفعة في كليهما كما قال العلامة المحقّق التفتازاني في شرح تلخيص المفتاح بعد تقسيم التشبيه إلى حسّي وعقلي ومختلف: "والمختلف الّذي بعضه حسّي وبعضه عقلي كحسن الطلعة الّذي هو حسّي ونباهة الشأن الّذي هو عقلي في تشبيه إنسانٍ بالشمس".

لاحظوا الآية المباركة: "الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ" فإنّها بعد أن عبّرت عن الله تبارك وتعالى بالنور وتفضّلت بكل صراحة أنّ الله نور السموات والأرض فأيّ مجالٍ يبقى للشبهة في أنّ مشارق هذا النور الظاهر الباهر هم الأنبياء والمرسلون ومظاهر أمر حضرة ربّ العالمين؟ إلاّ أن ينكر الجاهل المكابر ويقول أنّ هذه الشمس الظاهريّة مثلاً هي مشرق الأنوار الإلهيّة أو يقول والعياذ بالله أنّ موسى وعيسى وخاتم الأنبياء عليهم من الصلاة أكملها وأبهاها لم يكونوا مشارق هذا النور الساطع ومطالع هذه الشمس اللامعة "قاتل الله الجهل والغباوة" أفيجوز أن يشبَّه الفصحاء والبلغاء السلاطين والأمراء بالشمس والقمر والنجوم وأمثالها ويطلقوا كلمة "السماء" على القصور والممالك إستعارةً كما مُلئت بذلك خطبهم ورسائلهم ودواوينهم بهذه الإستعارات والتشبيهات ثم لا يجوز التعبير عن الأنبياء عليهم السلام الّذين هم أفصح جميع البشر في مواطن البشارة بالظهور اللاحق بعد مظهر أمر الله بكلمة الشمس وعن الأئمّة بكلمة النجوم وعن الديانة بكلمة السماء أو وصفُ مظاهر النور الإلهي الساطع اللامع بكلمة "المشارق"؟ ولولا وجود حسن ترتيب الكلمات ولطائف الحسنات من إستعارات لطيفة وتشبيهات بديعة ونكات دقيقة وجمل رفيعة وحسن ترصيع ولطف تسجيع لماذا سُمّي القرآن المجيد بأفصح الكتب؟ وبأيّ دليل آخر يجب أن يكون أبلغ بيان؟ في حين أنّ القرينة الحاليّة لدى أولي النظر أقوى شاهد في إستعمال ألفاظ الشمس والقمر والمشارق والمغارب في مقام الإخبار بالحوادث الآتية للموجودات المقدّسة لمظاهر الأمر من حيث أنّ ظلمة الكفر والضلالة تزول من آفاق العالم بواسطة هذه الأنوار المشرقة وتبطل صولة الجهل والهمجيّة. أفلو فُسّرت آية: "وَالشَّمْسِ وَضُحَيهَا وَالقَمَرِ إذا تَلَيهَا" بإعتبار الشمس والقمر هما روح الله النازل من السماء وفرعه المنشعب من الدوحة العليا يكون ذلك أنسبَ بفصاحة القرآن أم لو فُسّرت تلك الآية بالشمس والقمر الظاهرين الّذين لا قيمة لهما في الأمور الدينيّة؟ وهل تفسير الآية المباركة: "ربُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" بشروق وغروب نورين ساطعين مثل يحيى وعيسى عليهما أفضل التحيّة والبهاء ألْيَقُ ببلاغة القرآن أم تفسيرها بالمشرق والمغرب الظاهرين الّذين لا محلّ لهما أبداً في هذا المقام؟ إنّ هؤلاء الجهلاء لا علم لهم بالفصاحة والبلاغة إلاّ بإسميهما فلو قرأوا شعر الوزير الكاتب الفقيه (أبي القاسم بن الجدّ) رحمه الله الّذي أنشده في كتاب (قلائد العقيان):

أبَا عَامِرٍ أنْصِفْ أخَاكَ فَإنَّهُ وَإيَاكَ في مَحْضِ الْهَوَى ألْمَاءُ وَالْخَمْرُ
أمِثْلُكَ يَبْغِي في سَمَائِي كَوْكَباً وَفي جَوِّكَ الشَّمْسُ المْنُيِرَةُ وَالْبَدْرُ؟
عَجِبْتُ لِمَنْ يَهْوَى مِنَ الصُّفْرِ تُوُمَةً وَقَدْ سَالَ في أرْجَاءِ مَعْدَنِهِ التَّبْرُ

لَمَا دُهشوا من إستعمال ألفاظ الشمس والبدر والتبر إستعارةً في الرسائل الفصيحة والخطب البليغة والأشعار الرقيقة والنثر الفائق للوصف بأسمى مدارج المجد والرفعة ولكنّهم يندهشون من إطلاق ألفاظ الشمس والقمر على مطالع أمر الله ومشارق نور الله ويستغربون من ذلك ويطلبون منّا البرهان ويلحّون في العناد والإحتجاج، مع أنّ هذه الأنوار اللامعة والشموس المشرقة الّذين يتنوّر العالم بأنوار وجوههم ويتعطّر العالم من روائحهم العطرة أقرب الناس إلى هذه النعوت وأنسبهم إلى هذه المحامد. ولو أردت أن ترى مقدار شيوع وإستحسان إطلاق كلمة السماء على الدين والشمس والقمر والنجوم على أئمّة الهدى والخلفاء فاسمع القصيدة المشهورة لدى فصحاء العرب التي أنشَدها الكميت بن زيد الأسدي وهذا مطلعها:

ألا حُيِّيتِ عَنَّا يَا مَدِينَا وَهَلْ نَاسٌ تَقُولُ مُسَلِّمِينَا

وقد نظم الكميت بن يزيد هذه القصيدة في أيّام الخلفاء الأمويّين في فضائل النـزاريّة الّذين هم أجداد رسول الله عليه السلام وسائر قريش وفي تفضيل القبائل النـزاريّة على القبائل القحطانيّة. ويكفي لبيان فصاحة هذه القصيدة وبلاغتها وقوّة تأثيرها أن ذكر المسعودي في تاريخه (مُروجُ الذهب ومعادن الجوهر) أنّ حروباً هائلةً وقعت بين القبائل القحطانيّة والنـزاريّة بسببها وإنتهت تلك الحروب أخيراً بزوال الخلافة الأمويّة الجائرة وتأسيس الخلافة العباسيّة وفيها:

لَنَا قَمَرُ السَّمَاءِ وَكُلُّ نَجْمٍ تُشِيرُ إلَيْهِ أيْدِي الْمُهْتَدِينَا
لَنَا جُعِلَ الْمَكَارِمُ خَالِصَاتٍ وَلِلنَّاسِ الْقَفَا وَلَنَا الْجَبِينَا

ومعلوم أنّه لا يقصد القمر والسماء والنجم الظاهري التي تتساوى فيها النـزاريّة والقحطانيّة بل يقصد قمر الوجود المبارك النبويّ في سماء الديانة الإسلاميّة ويقصد بالنجوم الخلفاء الراشدين والأئمّة الطاهرين الّذين جعل الله ظهورهم في القبائل النـزاريّة. وقد عظُمت مكانة السلالة العلويّة بهذه الدرر الكريمة المنيرة. وكتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) الّذي كُتبت فيه هذه القصيدة موجود منه في مصر طبعة المطبعة الأميريّة وموجود منه في مدينة عشق آباد نسختان إحداهما طبعة مصر والثانية خطّية قديمة. ومقصود هذا العبد من ذكر هذا هو أنّه لو يتعذّر السفر والهجرة على جناب الشيخ ويتلو مرثيّة المسكنة فإنّه يستطيع بسهولة أن يطلب هذا الكتاب ويقرأه ليرى كيف أنّ إطلاق كلمة السماء على الدين شائع ومتداول لدى الفصحاء العرب. وقد قال الشاعر همّام بن غالب المشهور بالفرزدق في قصيدته العينيّة المشهورة:

أخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ

ويقصد إنّا أخذنا على القحطانيّين سبيل السماء لأنّ شمس السماء وقمرها ونجومها هي لنا ومن الواضح أنّ مقصوده بالسماء في هذا البيت سماء الديانة الإسلاميّة ومقصوده من القمرين الشمس والقمر وهما كلمتان إستعملهما إستعارة لشمس النبوّة وقمر الولاية وقصد بالنجوم كواكب الإمامة ودرر الخلافة. وقد روى هذه القصيدة شهاب الدين أحمد بن عبد ربّه الأندلسي في كتاب (العقد الفريد) في المجلد الأوّل في باب النوادر. وهذه القصيدة من أشهر قصائد الفرزدق وقد إستشهد الشريف الرضي عليه الرحمة في ديباجة (نهج البلاغة) بهذا البيت منها:

أولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ إذا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ

وهذا العبد يتمثّل منها لإقتضاء المقام بهذا البيت:

فَوَا أسَفاً حَتَّى كُليْبٌ تَسُبُّنِي كَأنَّ أبَاهَا نَهْشَلٌ أو مُجاشِعُ

وقد كتب فضل الله الكاتب العراقي في حادثة سعد الدولة اليهودي في وزارة أرغون خان المغولي سنة (690) هجرية والتي ذكرناها سابقاً: "فإنفطرت سماؤهم وأظلمت أرجاؤهم وسَفِهَتْ أحلامهم وزلّت أقدامهم وطُمست نجومهم وبارت قلوبهم فلا ينبت فيها إلاّ شوك المكر وحسك الخبث بما زُرِعَ فيها من بُغض أولياء الدين وعداوة النبيّين فضُربت عليهم الذلّة والمسكنة وباؤا بغضبٍ من الله إلى آخر كلامه".

وقد لاحظتم خطبة أمير المؤمنين التي نقلناها لكم سابقاً حيث يتفضّل فيها: "وَلَوْ ذَابَ مَا في أيْدِيهِمْ لَقَدْ دَنَى التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَكُشِفَ الغِطَاءُ وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَاُزِفَّ الوَعْدُ وَبَدَا لَكُمْ النَّجْمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَأشْرَقَ لَكُمْ قَمَرُكُمْ كَامِلاً كَلَيْلَةِ تَمَّ. فَإذا إسْتَبَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَخَالِفُوا الْحَوبَةَ واعْلَمُوا أنَّكُمْ إنْ أطَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الصَّمَمِ وَاسْتَشْفَيْتُمْ مِنَ البُكْمِ وَنَبَذْتُمْ الثِّقَلَ الفَادِحَ عَنِ الأعْنَاقِ فَلا يُبْعِدُ الله إلاّ مَنْ أبَى الرَّحْمَةَ وَفَارَقَ العِصْمَةَ وَسَيَعْلَمُ الّذين ظَلَموا أيّ مُنْقَلِبٍ يَنْقَلِبون ". وقد عبّر أمير المؤمنين عن الموعود بالنجم والقمر وعيّنَ بلادَ الشرق وسماء الدين أفقاً لطلوعه ومدار سير ذلكم البدر المنير.

وقد أطلق الشيخ شرف الدين البوصيري صاحب القصيدة المشهورة بالبردة كلمة "السماء" إستعارةً على نفس رسول الله عليه السلام وذلك في مطلع قصيدته الهمزيّة:

كّيْفَ تَرْقَى رُقِيَّكَ الأنبياء يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سَمَاءُ

وهذه القصيدة مع شرحها المعروف ب(الفتوحات الأحمديّة) مطبوعة ومنتشرة كذلك في مصر وبلاد الشام بل وفي كافّة البلاد العربيّة.

وقد أطلق أبو الفضل بديع الزمان الهمداني صاحب المقامات والرسائل التي طبّقت شهرتها الآفاق –أطلق كلمة "الأرض" على "القلوب" فقال في إحدى رسائله التي كتبها للعميد: "وَقَوْلُ الأستاذِ نعمةٌ لو صادَفَتْ أرْضاً وصَنِيعَةٌ لو أصابَتْ مَوْضِعاً" وهذه الرسالة موجودة في الصحيفة (151) من كتاب رسائله المطبوع في مصر وخصّص بهذه الإستعارة اللطيفة أراضي القلوب محلاًّ لنـزول النِعم.

فممّا ذكرناه يتّضح أنّ إطلاق كلمة السماء على الدين والإنفطار على ضعفه وإطلاق كلمة الشمس والقمر والنجوم على الأنبياء والأئمّة والعلماء والأرض على القلوب شائع ومتداول وهو من الإستعارات اللطيفة الشائعة. وهو يجري إلى يومنا الحاضر على ألْسِنةِ جميع الفصحاء والكتّاب في جميع البلدان والممالك. وسبب إستنكار جناب الشيخ هو هبوط العلم في بلاده وضيق المعارف في تلك الأنحاء. ولولا ضيق الوقت لأوردت بعض خطب ومقالات أفاضل أوروبّا حتى يعرف أهل الإدراك أنّ هذه الإستعارات بالذات مستعملة ومعروفة في سائر اللغات وهي موصوفة باللطف والجمال.

وكذلك إتّضح من الآيات النازلة في أسفار بني إسرائيل والتي إستشهدنا بها في المبحث السابق أنّ إطلاق كلمة السماء على الدين وكلمة الأرض على القلوب وتزلزلها وإضطرابها وظلمتها وإهتزازها بل إنهدامها وإنفطارها شائع على ألْسِنَة الأنبياء السالفين.

هذا ولمّا إتّضح تماماً مقدار علم جناب الشيخ بكلمات الأنبياء وبالقواعد المرعيّة بين الفصحاء والبلغاء أنظروا قليلاً في بقيّة تحقيقاته وإنتبهوا إلى مقدار معارف القوم وتدبّروا في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي ناح بها مراراً بقوله عليه السلام: "لِيَبْكِ عَلى الأسْلامِ مَنْ كَانَ بَاكِياً".


*******************


في الجواب على الشبهة الخامسة من شبهات شيخ الإسلام

1. في ذكر شبهة جناب الشيخ حول فصاحة بيانات مظهر أمر الله ومقدّمة الجواب عليها:

كتب جناب الشيخ في رسالته الأولى: "في حين أنّ التجاوز على قانون اللغة في أيّ دين وكلام وفي أيّة ملّة من الملل غير جائز بل أنّ كلمات وخطابات كلّ مقنّن باللغة التي يتكلّم فيها يجب أن تكون بمنتهى البلاغة والفصاحة ولذا قال عزّ مَنْ قال: "وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدَنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" . فأعرض في الجواب أوّلاً إنّ بحث جناب الشيخ ومناقشته مسألة فصاحة كتاب الإيقان الشريف وبلاغته بعد وضوح مقدار إطّلاعه في هذا العلم من أقواله في رسالته المطبوعة أمرٌ يستوجب ألف إستغراب ويستوجب النوح والندبة على فقدان العلم والأدب "يا للعجب يا لضياع العلم والأدب". "لقد حنَّ قِدْحٌ ليس منها". وهذا العبد لا يقول أنّ جناب الشيخ لا نصيب له من المعارف ولا حظّ له فيها بل أقول أنّه لم يشمّ رائحة بلاغة البيان وفصاحة الكلام العربي والفارسي، وأرجو من أهل العلم والأدب ومن المطّلعين بدقائق فصاحة كلام العرب والفرس وأستحلفهم بحقّ الصدق والعدل والإنسانيّة أن ينظروا قليلاً وخالصاً لوجه الله في رسالة جناب الشيخ المطبوعة ويلاحظوا هل يحقّ لمؤلّف هذه الرسالة أن يتكلّم في الفصاحة والبلاغة ويبدي رأيه فيها أم لا يحقّ له؟ إذ من الواضح جدّاً إنّ إنساناً لا يعرف إطلاق كلمة السماء على الدين لوجود مناسبة الرفعة في كليهما ولا يعرف أنّ أحد الفصحاء قد عبّر عن الأنبياء والأئمّة بكلمات الشمس والقمر والنجوم مع شيوع هذه التعبيرات والإطلاقات في جميع اللغات فلا شكّ أنّ مقدار علمه بقواعد الفصاحة والبلاغة معلوم ومقدار رشاقة كلامه ومتانته معلوم أيضاً. والأحسن لجناب الشيخ أن يتكلّم في سائر القضايا العلميّة والتي يُعرف مقدار علمه ومهارته ونصيبه فيها ويترك مضمار الفصاحة والبلاغة لفرسان هذه المنازلة وشجعان هذه المبارزة. وثانياً حيث أنّ جناب الشيخ في هذه الرسالة وفي رسالته الثانية أيضاً لم يستطع أن يستشهد بعبارة واحدة من كتاب الإيقان الشريف فيها إخلالٌ بقواعد الفصاحة أو يستشهد بأمر يخالف قوانين اللغة فإنّ إنتقاده غير مقبول. إذ أنّ الإدّعاء بدون دليل والإنتقاد بدون إستشهاد لا يستحقّ الإعتناء وفقاً للقوانين المرعيّة بين العلماء. لأنّ العلماء الأعلام سمّوا الإنتقادات الوهميّة غير المؤيَّدة بشواهد كلاماً قارعاً، لذا فإنّ كلامه الذي ألقاه على عواهنه لا يليق بالمناقشة والإهتمام. ولكن حيث أنّ مسألة فصاحة الكتب الإلهيّة وبلاغتها لها أهميّتها بالذات فإنّ هذا العبد رأى من المناسب أن يبحث الموضوع بإسهاب لعلّ ينقشع من أفق أمر الله سحاب هذه الأوهام التي أدّت بسبب تفاوت الإدراكات والمفاهيم إلى مناقشات ومناظرات طويلة خلال قرون عديدة بين الأمّة النصرانيّة والأمّة الإسلاميّة وحتى تزول الإنتقادات الواهية التي إنتقلت من منكري القرآن إلى منكري البيان والإيقان بحكم الآية الكريمة: " ‏كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ " . وسوف نشرع ببيان هذه المسألة نظراً لأهمّيتها في بحثٍ خاصٍّ ونسأل الحقّ جلّ جلاله التوفيق والتأييد [إنّه خير موفّق ومعين].

2. بحث خاصّ في بيان فصاحة الآيات وبلاغتها وبيان سبب إختلاف علماء الإسلام في موضوع حجيّة القرآن ونشوء القول في أنّ إعجاز القرآن هو بسبب فصاحته وبلاغته:

لا يخفى على أولي الألباب والمستبصرين في علم الكتاب أنّ علماء الإسلام لما لاحظوا أنّ الحقّ جلّ جلاله قد إستدلّ في القرآن المجيد على حقيّة وإثبات رسالة خاتم النبيّين عليه السلام بنفس الكتاب وقرّر أنّ الإتيان بسورة من مثله هو ميزان تمييز الصدق عن الكذب لذا إختلفوا في بيان سبب حجيّة القرآن إذ من المعلوم أنّ تصنيف كتاب من دون مميّز قاطع وفارق ظاهر فيه لا يمكن أن يكون حجّة وبرهانا على سائر الكتب ولا يمكن أن يَحْسِمَ النـزاعَ والجدال بين المثبتين والمنكرين. فقد رأى بعض العلماء، كما ورد ذلك مفصّلا في الكتب الكلاميّة، أنّ نفس طريقة صياغة الآيات وأسلوب ترتيبها على النهج التى نزلت فيه هو السبب في إعجاز القرآن وإعتبروا الإتيان بكلام بمثل هذه الطريقة من الصياغة والترتيب ممتنعاً ومستحيلاً، بينما إعتبر البعض الآخر من العلماء إشتمال القرآن على الإخبار بالأمور الآتية الذي هو في الحقيقة إخبار بالغيب سبب حجيّته وإعجازه. وتصوّر البعض الآخر من العلماء إشتمال القرآن على الحكم الغالية والفوائد النافعة والتي يرون الإتيان بمثلها فوق طاقة البشر وقوتّهم سبباً في إعجاز الآيات الإلهيّة وحجيّتها. وحيث أنّ كلّ وجه من الوجوه المذكورة ليس كافياً لدى المحقّقين من علماء الإسلام لذا فإنّ أكثرهم قال بأنّ علوّ مقام آيات القرآن المجيد في مراتب الفصاحة والبلاغة هو سبب إعجاز هذا الكتاب الشريف إذ لا فرق بين معجزة إحياء الموتى وبين المعجزة التي أقرّها الله وبها تحدّى المخالفين وذلك بإتيان كلام في درجة من الفصاحة والبلاغة لا يستطيع أحد إتيان سورة من مثله وجَعَلَ ذلك حجّته ودليله عليهم. وفي كلتا الحالتين تتمّ الحجّة على الخلق لأنّ مناط كليهما هو إظهار عجز الخلق عن الإتيان بمثلهما. وهذا التحدّي حاصل في كليهما. وقد إشتهر هذا الوجه الأخير وأعتمد عليه أغلب علماء الإسلام وخاصّة المتأخرّون منهم وإعتبروا فصاحة القرآن سبب إعجازه. ومعلومٌ لدى المطلعين على حقائق العلوم أنّ هذا الرأي اُحدِثَ في القرون الوسطى ولم يكن بين الصحابة والتابعين بل وتابعي التابعين ذِكْرٌ في أنّ سبب حجّية القرآن هو فصاحة القرآن وبلاغته ولا كان ذلك شائعاً ومنتشراً في زمانهم. فلمّا إنتشرت علوم الجدل والكلام والمنطق في القرن الثالث والرابع والخامس الهجري وفُتح باب المجادلات العلميّة وبلغ العلماء في تلك القرون المنـزلة القصوى في صنوف الأدب وصياغة الإنشاء والترسيل وتقدّموا في فنون الفصاحة والبلاغة وتمكّنوا من تأليف كتبٍ نفيسةٍ فصيحةٍ ونال أكثرهم مناصب عالية ومراكز مهمّة في صفوف الكتّاب في دار الخلافة واُوكلت الوزارة والإمارة غالباً في ذلك الزمان إلى أرباب العلم والفضل وكان هؤلاء العلماء الأعلام غالباً في سعة من العيش والرفاهية واللذائذ الجسمانيّة ومتنعّمين بإستماع الأغاني والأنغام وقصص الهيام والغرام وكانوا بصيرين في دقائق الشعر والنثر. فلمّا شاهدوا أنّ فصاحة القرآن المجيد وبلاغة بيان الربّ الحميد تفوق حدود قابليّاتهم وإستغرقوا في لطائف إستعارات الآيات ودقائق صياغتها وترتيبها ولمّا كانوا محرومين من روح الفؤاد الذي هو من نصيب المنقطعين من العباد لذا ظنّوا أنّ سبب حجّية ودليل القرآن المجيد هو فصاحة آياته وبلاغتها وإنّ عجز الخلق عن الإتيان بمثله أو مجاراته يوجِب إعجازه عليهم. وقد إعتمدوا على هذا الوجه وقرّروا إجراء هذا البرهان بتطبيق القياس المنطقي على هذا الوجه قائلين بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم تحدّى المعارضين ولا شكّ بالقرآن المجيد وإعتبرَ الإتيان بسورة من مثله من دون إذن الله ممتنعاً ومحالاً وقرّر مجاراة القرآن أو عدم مجاراته الميزان الوحيد الصادق والكاذب وقد عجز رؤساء قريش وأمراء العرب عن الإتيان بسورة واحدة مثل القرآن وهم المعروفون بالفصاحة والبلاغة والمشهورون بالنخوة والصلابة والساعون بكل جهد وعناء لقطع حجّته وإبطال دعوته عليه السلام، لأنّهم لو لم يكونوا عاجزين لأتوا بمثله ولو أتوا بمثله لوصل ذلك إلى أيدينا وحيث أنّه لم يصل إلى أيدينا شيئ من ذلك فإنّهم لم يأتوا به. ونتيجةً لهذه المقدمات فإنّ الأمّة العربيّة عجزت عن الإتيان بمثل القرآن. ولما ثبت عجز العرب عن مجاراة القرآن فإنّ عجز بقيّة الأمم يثبت بطريقة أولى وتتمّ حجيّة القرآن على جميع أهل العالم.


3. في بيان أنّه لو كانت فصاحة القرآن وبلاغته هي سبب إعجازه فإنّ حجّته لن تكون بالغة على أكثر أهل العالم:

كانت تلك خلاصة إستدلال القوم في إثبات حجيّة القرآن ولكن لا يخفى على الذين تنوّرت أفئدتهم بنور العلم الحقيقي أنّ هذا الإستدلال ناقص من عدّة وجوه:

(الوجه الأوّل): لو أنّ سبب إعجاز القرآن هو فصاحته وبلاغته فإنّ حجيّته لن تكون بالغة على الأمم كلها ولن تنطبق عليه الصفة الواردة في الآية الكريمة من القرآن المجيد: "‏قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ " لأنّ فهم حجيّة الكتاب في هذه الحال يكون من نصيب فصحاء الأمّة وحدهم وفي متناول علماء هذا الفنّ وحدهم ويرجع الجزء الأعظم من أهل العالم الذين لا علم لهم بفصاحة كلمات العرب إلى الاعتماد على الأقليّة من العلماء بهذا الفنّ وتقليدهم وإتّباعهم في حين أنّ هذه المسألة واضحة جداً وهي أنّ التبعيّة والتقليد غير جائزة في المسائل الأصوليّة وخاصّة في مسألة معرفة المظاهر الإلهيّة وهذا أيضاً في حالة إتّفاق الفصحاء والبلغاء وعدم إختلافهم. في حين أنّ أكثر فصحاء العرب في زمان رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يذعنوا إلى إعجاز القرآن كما هو مصرّح في قوله تعالى: "لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا" وكانوا يرون شعرهم وخطبهم أفصح من الآيات كما قال تعالى: "أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ" وكانوا والعياذ بالله يسمّونه عليه السلام شاعراً وضيعاً موهوناً. ففي هذه الحال لو كان سبب إعجاز القرآن فصاحته فكيف تتمّ حجّته على جميع هؤلاء الناس من عرب وفرس وترك وصينيّين ورومان وأفريقيّين لا علم لهم بالفصاحة ولا يدركون الكلام الفصيح من غيره؟ وكيف تتحقّق الآية: "قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ" . وقد كتب مولانا الكاشفي في كتاب (المواهب العليّة) المعروف بالتفسير الحسيني أنّ النضر بن الحارث وهو من كبار كفّار قريش والمذكور إسمه في التواريخ والسيَر كان من المعارضين والمحاربين لرسول الله عليه الصلاة والسلام وكان يسافر في التجارة إلى إيران وقد جمع بعض القصص القديمة الإيرانيّة وكتبها بصياغة القرآن. وكان يقرؤها على قريش ويقول ها إنّني أتلو عليكم مثل هذا القرآن بل أحلى وأجمل منه ولهذا نزلت الآية في سورة الانفال: " ‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ " . وكبار نصارى العرب إلى يومنا هذا لا يعترفون بإعجاز القرآن من حيث الفصاحة بل أنّهم ينتقدون مواضع كثيرة من هذا الكتاب المجيد كما سنذكر في الصفحات التاليّة بعض مناقشاتهم مع أنّ كبار المصنّفين والفصحاء والبلغاء العرب في هذا القرن قد ظهروا من الأمّة النصرانيّة أمثال الشيخ ناصيف اليازجي صاحب كتاب (مجمع البحرين) وبطرس البستاني مؤلّف كتاب (محيط المحيط) ويعقوب أفندي صرّوف صاحب مجلّة (المقتطف) المشهورة والشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلّة (البيان) وخليل مطران مؤلّف كتاب (التاريخ العام) وجرجي زيدان مؤلّف كتاب (التاريخ الحديث في دول الفراعنة وملوك مصر) وصاحب مجلّة (الهلال) المشهورة وغيرهم من كبار الكتّاب والعلماء الذين تُدرَّس كتبهم في جميع المدارس العالية في الدولة العثمانيّة وإنتشر صيت معارفهم في أكثر الأقطار. ولو يريد هذا العبد ذكر أسماء المصنّفين وكبار علماء النصارى العرب الذين ظهروا في هذا القرن وكان أفق العلم مديناً لمؤلّفاتهم فإنّ هذا الكتاب لا يستوعب ذلك، ولكن ليس من البعيد أن لم يسمع جهلاء تلك الانحاء حتى الآن أنّ هناك من النصارى مؤلفاً مشهوراً أو أنّ أحدهم باقٍ في عداد الفصحاء والبلغاء. ويتّضح مما ذكرناه أنّ فصاحة القرآن لو كانت سبب إعجازه فإنّ ذلك لن يكون أبداً حجّة بالغة على جميع الأمم الموجودة في العالم ولن يحصل اليقين عن طريقها بنبوّة صاحب هذا القرآن المجيد.

(الوجه الثاني) هو أنّه لو كان سبب إعجاز القرآن وحجيّته هو بلاغته وفصاحته فأنّ تصديق نبوّة خاتم النبيّين عليه السلام يتوقّف على تعلّم ذلك العلم، لأنّ الإذعان لفصاحة القرآن قبل معرفة أصل الفصاحة كالإذعان إلى شيئ مجهول وهذا أمر غير معقول في حين أنّه لم يقل أحد من الناس أنّ تصديق الأنبياء ومظاهر أمر الله يتوقّف على تعلّم العلوم السائدة لأنّ هذا ينتهي إلى الإحراج وإلى تأخير أمر الله وإلى سقوط تكليف معرفة المظهر الإلهي وتصديقه قبل تكميل هذا الفنّ. فمثلاً كلّما يدعو جناب شيخ الإسلام أحداً من النصارى في تفليس إلى الإسلام فإنّه لا بدّ أن يطلب من جناب الشيخ حجّة في إثبات دعوته فلو يتمسّك جناب الشيخ بالمعجزات المقترحة فإنّه سوف ينكرها ويستدلّ بالآيات القرآنية على صريح ردّها للمعجزات بل نفيها الإستدلال بالمعجزات كما شوهد هذا المعنى كراراً. ولو يتمسّك جناب الشيخ بالكتاب الإلهي فإنّه لا شكّ سيسأله: "أيّة حجيّة موجودة فيه؟ وهل كلما صنّف إنسان كتاباً عربيّاً كان المصنّف نبيّاً؟ فلا شكّ أن يتكلم جناب الشيخ بنفس اللهجة التي كتبت بها رسالته ويقول له إنّ القرآن في منتهى درجات الفصاحة أي أنّه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، فيقول لجناب الشيخ: "حسناً تقول، ولكن أرجو أن تصبر بضع سنوات حتى أدرس العربيّة وأتمكّن من معرفة فصاحة العرب وبلاغتهم حتى أطّلع على صحّة أو سقم هذا الدليل وعلى صدق أو كذب هذا البرهان ولا يكوننّ إيماني بالإسلام إيماناً أعمى". ففي هذا الوقت يسقط إحتجاج الشيخ لأنّ الرجل كان منصفاً فيما قال. في حين أنّ كثيرين من النصارى وخاصّة في أوروبّا قد قرأوا العربيّة وأصبحوا علماء في العربيّة وألّفوا كتباً عديدة بهذه اللغة الشريفة ومع ذلك لم يذعنوا إلى مسألة إعجاز القرآن المجيد بسبب فصاحته وبلاغته. والسبب في ذلك أنّ الفنون، كالرسم والنحت والبيان والغناء وأمثالها، ليست لها حدود حتى يحكم عليها الإنسان ويقول أنّ الحدّ الفلاني هو حدّ القوّة البشريّة وأنّ فوق ذلك الحدّ هو القوّة الإلهيّة. وهذا يعني أنّ العلماء في الفنون لا يستطيعون تحديد هذا الحدّ فكيف بالجهلاء في الفنون. وبهذا لم يتّفق فصحاء العرب على إعجاز القرآن من حيث الفصاحة ولم يدرك الكثيرون إعجازه وقالوا " لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا" ولكنّ العوام من الناس غير الفصحاء أمثال أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبلال الحبشي قد أدركوا حقيقته وأذعنوا إلى أنّه كلام إلهي آمنوا به لأنّ إدراك الحقائق الروحانيّة منوط بتقديس الفطرة والفؤاد ولا يتعلّق بصناعة الإنشاء وبحسن الإنشاد.

نعم لا شكّ في أنّ مظاهر أمر الله أفضل الخلق وأكملهم في جميع الصفات لا في فصاحة الكلام وبلاغة البيان فحسب بل ليس لهم شبيه في جميع المحامد والأوصاف ومحاسن الأخلاق من العلم والفضل والجود والعطاء والجمال والبهاء والصبر والحلم والشجاعة والفصاحة وغيرها. ولكنْ هل يملك كلّ إنسان البصيرة الكاشفة والإدراكات السامية ليدرك هذه الأوصاف السامية وليميّز الحقّ عن الباطل عن طريق هذه الأوصاف والمحامد؟ حاشا وكلا ولو رأى علماء النصارى مراتب الفصاحة التي يراها فضلاء المسلمين في القرآن لما أصبحت فصاحة القرآن وبلوغها حدّ الإعجاز موضع الإختلاف بين الإمّتين مدّة ألف وثلثمائة سنة، ولما كان ذلك القيل والقال وميدان النـزال والجدال بين فصحاء الأمّتين العظيمتين. وما يراه اليوم هذا العبد وأمثاله في كتاب الإيقان الشريف وسائر الألواح المقدّسة من العظمة ويرون الإتيان بآية واحدة من مثله خارجاً عن قدرة البشر لا يراه أولئك المحرومون من البصيرة النورانيّة والمبتلون بالأغراض النفسانيّة الذين يرون الإتيان بمثله سهلاً يسيراً ويقولون مثلما قال السابقون: "لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا" ويتجاسرون بعبارة "سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ" .

(الوجه الثالث) لم يرد في آيات الكتاب عن حجيّة الفصاحة والبلاغة بل لا توجد آية إشارة لهذا الموضوع. فكأنّه سبحانه وتعالى في نظر المتأخّرين والعياذ بالله قد ترك الإحتجاج ناقصاً في القرآن المجيد ولم يكمّل الإستدلال فيه. وفي حين أنّ من الواضح لدى أولي البصر أنّ الله تبارك وتعالى لم يترك شيئاً لم يذكره في الكتاب ولم يفرّط في الإحتجاج وأوضح الحجج والبيّنات من جميع الوجوه. فلمّا لم يَرِد في كتاب الله ذكر حول فصاحته وبلاغته يتّضح إذاً إنّ إعجازه ليس في هذه الناحية وإلاّ لوجب ذكرها فيه، بل لو ينظر المرء في الأحاديث النبويّة وفي كلمات الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ليرى أنّ هذا لم يذكر أيضاً لديهم ولم يقولوا بإعجاز القرآن من ناحية الفصاحة والبلاغة. فيُفهم من هذه النقطة التي أشرنا إليها كذلك سابقاً أنّ هذا القول نتاج أفكار المتأخّرين ومولود البعيدين عن المنبع العذب للأنبياء والمرسلين.

وخلاصة القول فقد ثبت من هذه الأوجه الثلاث التي عرضناها أنّ سبب حجيّة الكتاب ليس فصاحته وبلاغته، إذ لو كان الأمر على هذا لما كانت حجيّته بالغة على عموم الخلق ولأصبح إيمان الجزء الأعظم من العالم تقليداً أعمى. وأعرض مرّة أخرى أنّه يجب أن لا يُفهم من عبارتي هذه أنّ القرآن الشريف وسائر الكتب السماويّة والألواح الإلهيّة لا تشمل والعياذ بالله على فصاحة وبلاغة سامية، ولكن ليس كلّ إنسان قادراً على فهم فصاحة الكلام وبلاغة البيان حتى تكون حجّة بالغة علىالجميع وسبيلاً واضحاً لمعرفة الناس الدين الإلهي، لأنّ الفصاحة والبلاغة من الأمور الدقيقة والأوصاف الخفيّة الغامضة بحيث أنّ أغلب الكتّاب والمؤلّفين محرومين منها فكيف الأمر بالعوام وعامّة الأنام وخاصّة في القرون الأخيرة والأجيال المتأخرة التي فيها إنحطّت آدابهم بالنسبة للمتقدّمين وإنحطّت مؤلّفاتهم إذا ما قيست بمؤلّفات السابقين. فيتّضح من هذا أنّه لا بدّ أن يكون للكلام الإلهي علامة يسهل عرفانه بها على الجميع وفيه حجيّة بالغة على العرب والعجم والعالِم والأمّي والشرقيّ والغربيّ على السواء فما هي؟ إليكم الجواب:

4. في بيان سبب إعجاز القرآن وسائر الألواح السماويّة حسب إعتقاد أهل البهاء والأدلّة على ذلك:

إنّ أهل البهاء الّذين نجوا من ورطة الأوهام والظنون بفضل تعليمات القلم الأعلى يرون أنّ غلبة أمر الله ونفوذه هو المميّز بين كلام الله وكلام الخلق ويعبرون عن هذا المعنى بكلمة الخلّاقيّة والقاهرية بإصطلاحهم. إذ من الواضح أنّ إرسال الرسل وبعثة مظاهر أمر الله هو من أجل تشريع الشرائع وهداية الخلق وحيث أنّ التأثير التامّ في إيجاد الشريعة الجديدة وهداية الخلق يأتي عن طريق كتاب الشارع الذي ينسبه إلى الله تعالى وتنفذ وتغلب تعليماته رغماً لأهواء وميول جميع الملل، فلا شكّ أن تنتهي تلك الغلبة والنفوذ إلى الإرادة الإلهيّة والقوّة القاهرة الغالبة الغيبيّة وترتبط بها، ولو يغمض إنسان عينيه عن هذا البرهان العقلي المتين ويتوسّل بسائر الوسائل فإنّه يتردّى في ظلمات الأوهام غير المتناهية ويُلزم بإضطرار العلّة وبإيجاب الفاعل وبتسلسل العلل التي هي أمور غير معقولة. وأقلّ مفاسد هذه الوسائل كما ذكرناه مفصلاً في الباب الأوّل هو أنّ إنكار هذا البرهان يؤدّي إلى إبطال جميع الأديان وتكذيب جميع الأنبياء. وقد كتبنا سابقاً بأنّ الحكمة الإلهيّة إقتضت دائماً أن تبعث مظاهر أمرها من بين الأميّين ومن غير المتعلّمين في المدارس وتبتليهم بالفقر والمسكنة وبمعاندة أرباب الجبروت وبعبارة أخرى ترفع الأمر الإلهي من دون عَمَدٍ من العلوم الظاهريّة أو الثروة والقدرة أو الشوكة والعزّة والسلطة وأمثالها حتى يفهم أهل الإدراك وحتى الفلاسفة ومتتبّعي العلل والفواعل أنّ هذه القدرة والقوّة والنفوذ والغلبة منوطة فقط بكلام الله ومرتبطة بالقوّة الغيبيّة غير المنسوبة إلى الأسباب الظاهريّة "وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" . ولو يتدبّر أولو العلم في آيات القرآن المجيد ليشاهدوا أنّ الحقّ جلّ جلاله قد إستدلّ في مواضع كثيرة على حقيّة هذا الكتاب بدليل أنّه سبّب هداية الخلق ولم يستدلّ أبداً ولو بموضع واحدٍ بدليل أنّه أفصح الكتب كما قال تعالى في سورة القصص: "‏فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ. ‏قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقد فسّر بعض المفسّرين كلمة (الحقّ) في هذه الآية برسول الله وفسّرها البعض الآخر بالقرآن وإعتبرها أهل التحقيق شاملة للمعنيّين وهما كتاب التكوين وكتاب التدوين الإلهيّين نظراً للبطون السبع في الآيات. لاحظوا أنّ الله تعالى قال فيها "قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا" ولم يقل تعالى " قل فأتوا بكتابٍ من عند الله هو أفصح منهما" وهكذا قال الله تعالى في أوّل سورة البقرة: "ألم ‏ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" ولم يقل تعالى " ذلك الكتاب لا ريب فيه أنّه أفصح كتب العالمين" وكذلك قال تعالى في سورة العنكبوت: "‏وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ‏أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ولم يقل "إنّ في ذلك فصاحةً وبلاغةً لقومٍ يؤمنون". وهكذا فهناك الكثير من الآيات الكريمة لا تحصى قرّر فيها تعالى حجيّة القرآن وإعجازه بنفوذ كلمة الله وبهداية الخلق وبنشر الدين وبإقامة الشرع المبين وقهر الكافرين وقطع دابر المنكرين وهذا أثرٌ واضح ظاهر باهر من القرآن المجيد يفهمه كلّ واحد من العرب والعجم والعالِم والعامّي بخلاف الفصاحة والبلاغة التي لا يفهمها إلاّ القليل من علماء هذا الفنّ الذين يعجزون عن إثباتها للقسم الأعظم من أهل العالم. لاحظوا مثلاً لو تقولون في سبيل الإستدلال لأيّ إنسان عالم أو عامّي أنّه بسبب الديانة الإسلاميّة والشريعة البيضاء التي أوجدها القرآن المجيد نجا ما يقارب نصف الكرة الارضيّة من حدود الصين في أقاصي الشرق إلى نهاية أفريقية في أقاصي الغرب من الشرك وعبادة الأوثان وفازوا بتوحيد الحقّ جلّ جلاله وبالإيمان بموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام وهذا هو الهداية التي من أجلها شُرّعت الشرائع وبدون ظهور هذا الأثر لا يسمّى النبي نبيّاً ولا الرسول رسولاً فإنّه لا يستطيع إنكار هذا ولكن لو تقولون له في سبيل الإستدلال أنّ القرآن المجيد هو على درجة من الفصاحة بحيث لا يستطيع أحد الإتيان بمثله فإنّه لا مفرّ له إمّا الإيمان بهذا الدليل إيماناً أعمى مثل علماء الشرق في أيّامنا هذه وإمّا الإنكار إنكاراً أعمى مثل علماء النصارى وإمّا أن يتذرّع بتعلّم فنّ الفصاحة والبلاغة حتى يدرك صدق هذا الإدّعاء أو كذبه. نعم لقد إدّعى بعض المنكرين للإسلام والمكابرين أنّ دين الإسلام قام بسيف رجال العرب لا بتأثير القرآن وهذا إنتقاد في منتهى الوهن لأنّ جمعاً كبيراً آمنوا قبل الهجرة التي صدر أمر الجهاد بعدها وأذعنوا إلى حجيّة القرآن وفي تلك اللحظة وجدت السيوف من أثر القرآن لأنّه لو لم ينـزل القرآن لاستُلّت تلك السيوف في نصرة الكفّار وتأييد الشرك بدل نصرة رسول الله وإثبات التوحيد ولكن لا يعلم ذلك إلاّ أولو الألباب.

5. في بيان أنّه لما جهل المسلمون سبب إعجاز القرآن صاروا سببا في إعتراضات النصارى على فصاحة القرآن وبلاغته (صاحب التذييل) التالية:

فلمّا عجز علماء الإسلام عن معرفة السبب الحقيقي في إعجاز القرآن وحجيّته وتمسّكوا بحبل الفصاحة والبلاغة وإشتهر هذا القول بين المتأخرين لهذا بذل علماء النصارى منتهى الهمّة في إبطال هذا الإستدلال وخاصّة علماء البروتستانتيّة في كتب ومصنّفات ألّفوها. وذكر كلّ واحد من كبار مصنّفيهم أوجها متعدّدة في مقام الردّ والإنتقاد. ويذكر هذا العبد إنتقادات واحد منهم في الصفحات التالية حتى يفهم أهل الإنصاف أنّ المعترضين على مظاهر أمر الله يتكلّمون دائماً بلهجة واحدة ويسير أعداء الله دائماً في طريق واحد "تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" .

ومجمل ذلك أنّ أحد علماء البروتستانتيّة المعروف ب(جرجس صال) الإنكليزي والذي توفّي في سنة (1736) ميلاديّة بعد أن صرف قسماً كبيراً من عمره في تعلّم العربيّة والدين الإسلامي وعلم الفقه، كتب كتاباً عنوانه (مقالة في الإسلام) ألّفها في سيرة رسول الله، وقد كتب أحد علماء النصارى في الشام وهو (هاشم الشامي) تذييلاً على ذلك الكتاب زاد فيه في الردّ على الدين الإسلامي وأظهر منتهى الوقاحة. وقد أقدمت الجمعية الدينيّة الأمريكيّة في القاهرة على نشر هذا الكتاب سنة (1891) وطبعته في مصر ونشرته. والآن بعد أن إطّلعتم على تأليفه أسمعوا قليلاً إلى هذيانه وأسمعوا نغمة المعترضين على الإيقان من دون بيّنة ولا برهان كيف ظهرت سابقاً على لسان المعترضين على القرآن بذكر البيّنة والبرهان.

قال صاحب التذييل في الصفحة الثانية والسبعين: "ثم إنّ للفصاحة في العربيّة قواعد وأصولاً وضعوها هم أنفسهم وعدّوا في جملتها سلامة الكلام من ضعف التأليف ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس. وسترى أنّ في القرآن من ذلك ما يخالف قواعدهم ونحن لا نذكر لك منه إلاّ ما كانت المخالفة فيه بيّنة لا تحتمل التأوّل على علم منّا أنّ المفسرين قد تمحّلوا لكلّ من غلطاته تأوّلاً وعَزُبَ عنهم أنّ مجرّد إحتياجه إلى ذلك هو حجّة عليه. ولو سلّمنا لهم بما حاولوه من الحذف والتقدير لِسَتْرِ غلطهِ تارة وكشف معناه أخرى لم يبق ثَمَّ من داعٍ لوضع ما وضعوه من القواعد ولأصبح كلّ لحنٍ وتأوّلُهُ بل عدُّهُ من أنواع البديع ممكناً على طريقتهم كما فعلوا في تأوّل غلطته إذ قال "قَابَ قَوْسَيْنِ" والوجه "قَابَيْ قَوْسٍ" لأنّ القوس له قابان فعدّوا هذه الغلطة من أنواع البديع وهو القلب الذي يُتعب القلب. وإذ تقرّر هذا، فلنشرع في تعقّب خطأه. قال في سورة البقرة (آية 176): " ‏لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" وكان الوجه أن يقول "والصابرون" لأنّه عطف على قوله والموفون لكنّ المفسّرين قالوا أنّه نصب الصابرين على المدح ولا أدري لماذا إستحقّ الصابرون هذا المدح ولم يستحقّه الموفون بعهدهم مع أنّهم مقدَّمون في النسق على أولئك ومع أنّ السورة نفسها متقدّمة النـزول على سورة براءة التي سُنَّ فيها نبذ العهد. وعلى سورة التحريم التي أُحلَّ فيها الحنث بالإيمان. ثمّ إنّ في هذه الآية خطأ آخر في التركيب لأنّه قال " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إلى آخرها" وكان الوجه أن يقول "ولكن البِرَّ أن تؤمنوا وتؤتوا وتقيموا إلى الآخر" لأنّ البِرَّ هو الإيمان لا المؤمن ولذلك لجأ المفسّرون إلى التقدير فقالوا "ولكنّ البِرَّ الذي ينبغي أن يُهتمَّ به بِرُّ مَنْ آمن بالله إلى الآخر" فلعلّ الكاتب أسقط ستّ كلمات وأذهَبَ بذلك بما في القرآن من وضوح الدلالة فقدّرها المفسّرون وإلاّ فالتركيب فاسد.

وقال في سورة النساء (آية 161) " ‏لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا" وكان الوجه أن يقول "والمقيمون الصلاة" كما قال "وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ". هذا ما تقتضيه القاعدة إلاّ أنّ المفسّرين زعموا أنّه نَصَبَ المقيمين الصلاة على المدح أيضاً فلِمَ إستحقّ هؤلاء المدح ولم يستحقّه المؤمنون بالله واليوم الآخر مع أنّهم أحقّ به وأولى. إذ كلّ مؤمن بالله واليوم الآخر مقيم للصلاة ولكن ليس كلّ مقيم للصلاة مؤمناً بالله واليوم الآخر، إذ يُحتمل أن تكون صلاته رياءً أو خوفاً أو طمعاً أو لعلّةٍ أخرى وهي أيضاً من الطاعات الظاهرة، ولهذا يحرص المراؤون أشدّ الحرص على قضاء هذا الفرض أمّا الإيمان بالله واليوم الآخر فأمر باطن لا يقدر الناس أن يعلموه أو يطّلعوا عليه. وقصارى ما يقدرون عليه هو أنّهم إذا رأوا واحداً منهم يخون وينهب ويقتل الأسرى حتى يثخن في الأرض ساغ لهم أن يرتابوا في صحّة إيمانه بالله واليوم الآخر.

وقال في سورة المائدة (آية 69): " ‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " وكان الوجه أن يقول "والصابئين" كما قاله في سورة البقرة (آية 59) وسورة الحج (آية 17).

وقال في سورة الأعراف (آية 160): " ‏وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا " فأنَّثَ العدد وجَمَعَ المعدود والوجه التذكير في الأوّل والإفراد في الثاني كما هو ظاهر.

وقال في سورة المنافقين (آية 10): " ‏وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ " بجزم أكنْ والوجه "وأكون" بالنصب.

وقال في سورة آل عمران (آية 58): " ‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " والوجه "فكانَ"، لكنّ هذا يخلّ بالرويّ فآثَرَ الإخلال بالمعنى ليستقيم له الرويّ وإلاّ فقد ساقه إليه ما ألّفه لسانه حتى قد كررّه في ستّة مواضع من كتابه وذلك بقوله "كُنْ فيكونُ" لكنّ المعنى في تلك المواضع يقتضي الجزء الثاني من الجملة بصيغة المضارع وفي هذا الموضع يقتضيه بصيغة الماضي.

ومما أخطأ فيه مراعاة للرويّ قوله "سَلامٌ عَلى أليَاسِينَ" والوجه "إلياسَ" وقوله "وَطُورِ سِينِينَ" والوجه "سيناءَ". وما كان من المحتمل لولا الرويّ أن يقول عن حملة العرش أنّهم ثمانية لا أكثر ولا أقلّ، وما كان لولاه وجه لقوله مراراً "جنّتان" و"زوجان".

ومن خطأه في الضمائر قوله في سورة الحج (آية 20): " ‏هَذَانِ خَصْمَانِ إخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ " والوجه "إختصما في ربهما"، وقوله في سورة الأنبياء (آية 3) " وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا " والوجه "واسرَّ النجوى"، وقوله في سورة الحجرات (آية 9): " ‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا " والوجه "إقتتلتا" أو "بينهم".

ومن إتيانه بجمع الكثرة حيث يتعيّن جمع القلّة وبالعكس قوله في سورة البقرة (آية 228): " مُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ" والوجه "أقْرُءٍ" او "أقْراءَ" وقوله فيها (آية 74): "لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً " والوجه "معدودات" لأنّهم أرادوا قلّة الأيام وقوله فيها (آية 179و 180): "‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ" والوجه هنا "معدودة" لأنّه أراد أيام الصيام وهي ثلاثون يوماً.

أما الكلام المبتور فهو في القرآن كثير جداً لكنّنا نقتصر من أمثلته على القليل. قال في سورة الحج (آية 25): "‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي" فهذه الآية تُعاب من وجهين أحدهما أنّه عطف فيها المضارع على الماضي فقال "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ" وكان الأقعد في هذا الموطن أن يقول "وصدّوا". والثاني أنّه لم يأت بخبر "إنّ" فلم يتمّ الكلام بل بقي سامعه منتظراً شيئاً ثم أردف هذه الآية بقوله: "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" فهنا أيضاً كلام ناقص لأنّه جاء فيه بفعلٍ متعدٍّ وهو "يُرِدْ" ولم يأت بمفعوله ثم قال "نُذقه من عذابٍ أليمٍ" وكان المقام يقتضي أن يقول "العذاب الأليم" أو "عاباً أليماً" بحذف "من" البعضيّة. اللهم إلاّ أن يكون المراد التبعيض فيصحّ حينئذٍ من الكلام مبناه ولكن يفسد مغزاه إذ تذهب النكتة المرادة به وهي الوعيد الشديد لمن يريد فيه بالحاد بظلم فيطمع في أنّه لا يصيبه إلاّ بعض العذاب الذي يستحقّه. وقال في سورة القصص (آية 46): "وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطّورِ إذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ" فهذا الكلام ناقص لا يفيد معنى ولذا قال المفسرون إنّ بين قوله (ولكن) وقوله (رحمةً) فعلاً محذوفاً تقديره (علّمناك) فما الذي إضطرّه إلى حذف هذا الفعل وليس فيما بقي من الكلام دليل عليه؟ إلاّ أن يُقال هذا من البيان الذي يعجز عنه البشر ويزيد معجزة القرآن وضوحاً! وقال في سورة البقرة: "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ" قال المفسّرون إنّ "الذي" بمعنى "الذين" وإستشهدوا لذلك بشاهد من كلام العرب بل بكلام القرآن نفسه إذ قال: "وَخُضْتُمْ كَالّذِي خَاضُوا" أي "كالذين خاضوا" وهذا إحتجاج ضعيف فضلاً عن أنّه لو أراد (بالذي) في هذا الموضوع معنى (الذين) لقال "الذي إستوقدوا" كما قال "الذي خاضوا" ولكنّه قال (إستوقد) بالإفراد فبقي الكلام بعد ذلك ناقصاً لا يفيد وذلك لسقوط جواب (لمّا). إلاّ أنّ المفسرين لا يعجزهم شيئ من التأويل قالوا: "إنّ الجواب محذوف للايجاز وأمْنِ اللَّبس" فأيّ إيجاز أشدّ إخلالاً بالبلاغة من هذا المحذوف لعدم الدلالة عليه فيما بقي من الكلام؟ وقد قرّر أئمّة البيان منهم أنّ ما لا يُفهم إلاّ بذكره لا يجوز حذفه ولا سيّما إذا كان هذا المحذوف ممّا يوقع في الكلام لَبْساً ويزيله عن معناه ويحيله إلى غير المراد منه فإن جاز تأوّل المفسرين لم يبق ركانة ولا سفسفة إلاّ ويمكن عدّها من الفصاحة.

وقال في سورة يوسف: "فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غيَابَةِ الجبِّ وَأوْحَيْنَا إلَيْهِ لِنُنْبِئُهُمْ بِأمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونْ" قال المفسّرون إنّ جواب (لما) في هذه الفقرة محذوف وتقديره (فعلوا به ما فعلوا) وعندي إنّ "الواو" العاطفة في قوله (وأوحينا) زائدة فإن حُذفت إستقام المعنى.
أما الكلام الزائد زيادة تخلّ بالبلاغة أو تحيل المعنى إلى غير مراد قائله فهو كثير جدّاً في القرآن لكنّنا نقتصر على القليل من أمثلته. فمن ذلك قوله في سورة القيامة: "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" قال المفسّرون إنّ حرف النفي في الجملتين زائد فهو إذاً لغوٌ في كتاب حقّه أن يكون منـزهاً عن اللغو ولكن يلزم من زيادته هنا أنّه أقسم ولم يأتي بجواب القسم فصارت الآية تُعاب بالزيادة في أوّلها وبالنقص في آخرها. ومن ذلك قوله في سورة الحديد: "يَا أيّهَا الذِينَ آمَنُوا إتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كَفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلُ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ لِئَلاّ يَعْلَمُ أهْلَ الكِتَابِ أنْ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْئْ" ف "لا" في قوله لئلاّ (والأصل لأنْ لا) زائدة لأنّ المفسّرين يزعمون أنّه أراد أن يقول "ليعلم أهل الكتاب إلى آخرها" إلاّ انّ الزيادة عكست معنى الكلام وأحالته إلى ضدّ مراد قائله. ثم إنّ في هذه الآية نكتة يعجز عن إدراك معناها من لم يكن من الراسخين في العلم وهي أمره الذين آمنوا أن يتّقوا الله ويؤمنوا برسوله فإنّهم إن كانوا حقيقة قد آمنوا كما دعاهم فقد إتّقوا الله وآمنوا برسوله وإلاّ فما هم بمؤمنين" [إلى آخر كلماته السخيفة].

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى