منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 10

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 10 في 2010-11-03, 02:22

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل

. في بيان سعة دائرة قدرة وإختيار مظاهر الحقّ جلّّ جلاله ومطالع إبداعه وإختياره وذكر مثال على تغيير اللغات كلمة (آغاي) التركيّة المغوليّة مع كلمة (خاوند) الفارسيّة قد مُسحت ثلاث مرّات وتغيّرت حتى أصبحت كلمة (آخوند) وتعني الفقيه:

في الوقت الذي يجوز فيه لعلماء اللغة وأدبائها تغيير القواعد القديمة ووضع قوانين في الكتابة والتدوين تلائم الرقّة والسلاسة لماذا يمتنع إجراء هذا على الأنبياء والمرسلين؟ ولماذا يُسلب هذا الإختيار من مظاهر أمر الله؟ بل إنّ الإنسان لو ينظر بنظر التحقيق ليرى أنّ الأنبياء والمرسلين هم مظاهر قدرة الحقّ جلّ جلاله ومطالع إبداعه وإختياره عزّ شأنه ومع ذلك فإنّ هذه النفوس الواهمة غير الفاهمة تضيّق دائرة إختيارهم وإقتدارهم عليهم السلام بحيث أنّ ما تراه ممكناً وفي حيّز قدرتها وإقتدارها تعتبره مستحيلاً وخارجاً عن حيّز قدرتهم عليهم السلام وإختيارهم. فمثلاً لو حكم مجلس تشريعي في أوروبّا بتحريم بيع الرقيق فإنّهم يستحسنون ذلك جميعاً ويرونه في منتهى الإحسان ومن عجائب الترقّيات البشريّة وتطوّرات المدنيّة، وكذلك مثلاً لو يحلّل الفقهاء أرباح النقود بإسم الهبة أو بإسم الإتّفاق الذي هو عين الربا ومخالف لصريح كلام الله فإنّ الجميع يستحسنونه ويعتبرونه من دقائق المدارك الفقهيّة وكذلك لو أحلّ علماء ما وراء النهر شرب الخمر بإسم المثلّث الشرعي ونسخوا آية التحريم وأشاعوا شرب المسكّرات فإنّهم يتقبّلون ذلك بكلّ رضاء وإرتياح وكذلك لو بدّلت المجالس الأكاديميّة جميع القواعد اللغويّة ووضعت قواعد جديدة في التدوين فإنّ الجميع يعتبرون ذلك إرتفاعاً إلى مستوى الذوق البشري وإلى منتهى الكمال الإنساني، ولكن لو غيّر أحد مظاهر أمر الله حكماً من الأحكام أو لو جاءت كلمة "الصابئون" في القرآن بدلاً من "الصابئين" أم لاحظوا عبارة تخالف أذواقهم السقيمة فإنّهم جميعاً يطلقون ألْسِنَةَ الإنتقاد ويصيحون "واديناه! واحرباه!" وبعبارة أخرى لا يعتبرون هذه النفوس المقدّسة مختارة في هذه الأمور فمثلاً نفس كلمة (آخوند زاده) التي هي لقب شرف جناب شيخ الإسلام، لاحظوا إنّ كلمة (آغاي) التركيّة وكلمة (خاوند) الفارسيّة قد طوتا ثلاث مراحل مدّة ستّة قرون حتى أصبحتا كلمة (آخوند) لأنّ عادة الكتّاب الفرس حتى القرنين السادس والسابع كانت جارية على تفخيم عظمائهم فيعظّمونهم بكلمة (خداوند) وهذه العادة باقية إلى يومنا هذا بين المسلمين في الهند ثم خفّفوها في القرنين الثامن والتاسع إلى كلمة (خاوند) وبعد مدّة بدّلوا كلمة (خاوند) إلى (خوند) وكانوا يدعون عظماءهم شفهيّاً وكتابيّاً بهذه الكلمة وبعد إستيلاء الأتراك المغول على إيران دخلت كلمة (آغا) إلى اللغة الفارسيّة ثم بُدِّل (الغين) إلى (قاف) وأُدمجت بكلمة (خوند) فنتج عنها كلمة (آخوند) التي تطلق اليوم على العلماء والفقهاء. ففي هذه الحال هلاّ يسأل أولو الإدراك من نفس هؤلاء الفقهاء أنّه بأيّ دليل جاز لأرباب الأقلام أن يمسخوا الكلمات هذا المسخ ويتصرّفوا باللغة هذا التصرّف بينما مظاهر أمر الله يجب أن يحكم عليهم بإتّباع كلّ أعمى أخفش وتقليد كل عَمِهٍ أعمش "ألِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمْ البَنُونْ" ؟ "سَاءَ مَا يَحْكُمُونْ" و"بَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونْ" . نعم إنّ عدداً من الأدمغة الجامدة القديمة والحديثة التي تتّصف بصفات اليهود تسعى بكل جهدٍ في حفظ العادات القديمة ولا ترضى بتغيير العادات والآداب والشرائع والأحكام ولكن حاشا للقدرة القاهرة والقوّة الباهرة مبدعة العالم ومنشئة الأمم جلّت قدرته وجلّت عظمته أن تعتني بميول أهل الهوى وهي القوّة التي ألبست العالم في كل قرنٍ لباساً جديداً وزينت الدنيا بدين بديع وحاشا لهذا أن تنصرف عن تجديد العالم كما وعدت بذلك في جميع الكتب المقدّسة أمام نعاق الناعقين وتشكيكات المرتابين. [فسوف ترى عوائد المستكبرين زائلة وقواعدهم ساقطة وأصواتهم خافتة وأبصارهم شاخصة وأعناقهم واقصة وترى الأرض بإذن الله بارزة بآثارها الجديدة زاهرة بالعوائد القويمة زاهية نامية بالطرائق المستقيمة] "‏لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا. وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا" .

وخلاصة القول فقد كان مقصودنا من إطالة البحث في هذه المسألة هو بيان هذه النكتة الدقيقة حتى يدرك أولو الألباب سبب إعجاز الكلام الإلهي وينظروا إلى أصل الدليل والبرهان وأن لا يحتجبوا بالعادات والقواعد الركيكة التي هي دوماً في تغيير وتبديل عن مقنن القوانين وشارع الشرائع ويضعوا هذه النقطة نصب أعينهم دائماً وهي أنّه ما دام المنكر والمكذب واقفاً موقفه من الإنكار والتكذيب فمن المستحيل أن ينظر إلى كلمات صاحب الأمر بغير نظرة الإنتقاد والإعتراض أو يتكلّم بلغة غير لغة الكلام الخشن البذئ كما لم تنقطع إنتقادات اليهود على الإنجيل المقدّس ولم تنقطع إنتقادات النصارى على القرآن المجيد وسوف لا تنقطع هذه الإنتقادات من لسان المكذّبين على هذا الأمر العظيم كذلك، بحكم الآية الكريمة: "كَذَلِكَ نُسْلِكُهُ في قُلُوبِ الْمُجْرمِينْ" وسوف لن يكون هلاك السابقين سبباً في إنتباه اللاحقين. ألم ينسب المكذّبون للقرآن الجنونَ إلى خاتم النبيّين؟ وألم يقولوا عن ذلك العقل الجامع: "أإنّا لَتَارِكُو آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونْ" ؟ ففي هذه الحال لا عجب أن يترنّم اليوم مكذّبو البيان والإيقان بنفس الأغنية ويتكلّموا بنفس اللهجة لأنّهم كلّهم إنطلقوا من ميدان واحد وإرتبطوا بعمود واحد، فذَرْهم يخوضوا ويلعبوا ويمرحوا ويرتعوا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

13. في بيان مدائح بعض كبار علماء الأمّة العربيّة وفصحائها وتصديقهم لعلوّ مقام صاحب الأمر:

فلمّا إتّضحت هذه المسألة المهمّة من جميع الوجوه وثبت وتبرهن فساد إنتقاد جناب الشيخ بالأدلّة الواضحة أرجو الآن من مطالعي هذه الصفحات أن يتأمّلوا قليلاً في النقطة التالية وهي أنّه في الوقت الذي فيه يقيم شارع هذا الأمر الأعظم في مركز الفصاحة والبلاغة العربيّة ويجالس كبار العلماء والفصحاء والبلغاء ومشاهير الكتّاب والمؤلّفين ولم ينتقد واحد منهم فصاحة وبلاغة بياناته المباركة ولم يطلقوا ألسنتهم إلاّ بالحمد والثناء عليه، ما أقبح أن يقوم على إنتقاد بياناته المباركة أعاجم سائر البلاد الذين لم يسافروا إلى البلاد العربيّة ولم يختلطوا بفصحائها وليس لهم حظّ ولا نصيب من مناحي الفصاحة والبلاغة! ثم إنّهم يقدّمون إنتقاداتهم على ألواحه المقدّسة من دون شواهد. وبلغ التهاون بالمكذّبين بيوم الله إلى درجةٍ أنّهم إذا شاهدوا سهواً من الناسخين نسبوه إلى صاحب الأمر. والأعجب من كلّ هذا ينتقدون من خضعت لفصاحته رقاب العجم والعرب بأوهام أطفال المدارس وينظرون إلى آيات حضرة ذي الجلال بنظر الأطفال. وأتذكّر أنّ أحد المدرّسين في مدينة سمرقند الذي يشغل منصباً في التدريس في مدرسة كَوركَان يشبه منصب قاضي القضاة في تفليس لما قرأ الآية المباركة في صدر أحد الألواح المقدّسة قوله تعالى: "سُبْحَانَ الّذِي نَزَّلَ الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونْ" قال بعد قراءتها بكلّ زهو وغرور: "إنّ هذه الآية خطأ" فقلت: لماذا؟ فقال: "لأنّ كلمة التسبيح تُقال عندما يشاهد الإنسان أمراً عجيباً أو يسمع بحادثة غريبة وإلاّ فإنّ قول هذه الكلمة بدون هذا السبب غير جائز وذكرها في غير هذه المناسبة خارج من قانون الفصاحة" وكان أثناء قراءة كلمة (سبحان الله) يغلظ صوته ويرفع يديه إلى محاذاة أذنه الشريفة حتى يوضح طريقة النطق بكلمة التسبيح ويزيدها فصاحة وبلاغة. وتجاه هذا الموقف لم ير هذا العبد أمراً أحسن من السكوت وتركه في عالمه الذي هو فيه. إذ من الواضح لدى أولي العلم أنّ من أصعب الأمور تفهيم أصحاب الجهل المركّب ومن أصعب الأمور معارضته المتخلّقين بأخلاق طلاب المدارس. ولولا وجوب إطاعة من له الأمر الذي ليست معارفي المعروضة إلاّ قطرة من بحر كرمه وليست هذه الأنوار الفائضة إلاّ من شمس عنايته فإنّ هذا العبد لن يفتح باب المناظرة مع إناس بعيدين عن مراتب الفصاحة والبلاغة ولا يكتب بقلمه في هذه المقامات. ولكنّ عنايته الواسعة ورحمته الشاملة إقتضت أن تزول أستار الشبهات الكثيفة وشكوك الأمم الماضية من جميع الجهات وأن تخرج من وراء الحجاب وجوه الحقائق الناضرة مبتسمة في جميع المواضيع. نعم إنّ الغافلين في تلك الأنحاء ينتبهون إلى ركّة أقوالهم عندما يسافرون إلى الأقطار العربيّة ويطّلعون على جهلهم باللغة العربيّة عندما يختلطون بفصحاء العرب ساعة واحدة بالرغم من أنّ العبارات العربيّة التي كتبوها في رسالتيهم تكفي أولي العلم والفضل شاهداً على مقدار علمهم بالعربيّة. ونفس الآيات الشريفة التي إستشهدوا بها في رسالتيهم المغلوطتين برهان قويم على مبلغ إرتباطهم بالقرآن الشريف.

وها إنني أدرج في هذه الصفحات بعض بيانات فصحاء هذا العصر وعلمائه وقصائد شعراء هذا العصر التي أنشدوها في مدح هذا الذات الأقدس وأطلقوا اللسان فيها بالثناء على محامد وجوده المقدّس حتى يدرك أولو الألباب أيّ مقام وجّه إليه جهّال تلك الأنحاء النقد والإعتراض وكيف فضحوا أنفسهم لدى أولي العلم. أليس من الغريب أن يخضع في هذا المحضر الأقدس قروم وصناديد الفصاحة والبلاغة وأعلام الأدب وأئمّة العلم ويثنون على وجوده المقدّس بجميع أوصاف الكمال وينتقد الجهال في العربيّة كلماته البليغة ويعترض المجرمون من الفصاحة والبلاغة على بياناته الرشيقة؟ ["ذلك من عجائب ذا الزمان"].

فقد نقل الشيخ مهدي الأزهري في العدد التاسع من أعداد مجلّة (الهداية) المؤرّخ في نمرة ذي القعدة سنة (1314) هجريّة مقالة كتبها جناب الفاضل المولوي وقال فيها: "طالما كان سمعي يتشوّق وفؤادي يتشوّف لرؤية رجل جوّاب للأقطار سوّاح في الأمضار أرتاحُ لمسامرته وأسرُّ بمسايرته كما يصفو لي الدهر في أرض مصر حتى ساعدتنا العناية بملاقاة رجل الفضل وأفضل الرجال وكمال العلم وعلم الكمال بحرٌ تتلاطم بالحكمة أمواجه ويفيض من تاريخ العصور عذبه لا أجاجه فرأيت إسمه طابق مسمّاه فسألته عمّن إبتسم به ثغر العلم وشُرِحّ صدرُ الأدب: بابُ العدل والفتوح والنصر لكلّ ذي روح مولانا (عباس) أطال الله بقاه: هل شاهد شمائله وحلاه؟ فقال هو أشهر من ذلك ولكنْ بلَّغني معارفه وعلاه، فقلت: لم أره غير مرّةٍ بها سَبَرْتُ بخده وغوره. أغنتني رؤيته عن رؤية سكان نصف الربع المسكون من هذه البسيطة. بحرٌ لا ساحل له، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكم والسياسة من نواحيه. إستفدت منه بالجلسة الواحدة ما لم أستفده من غيره بسنين، حتى دعاني وجداني أن أقول بمسمعٍ من حضرته حفظه الله أبياتٍ تُعرِب عن بعض أنموذج أوصافه، وها هي مقدّمةً بين يدي قرّاء مجلّتنا الكرام:

مِنَ الصِّبَا نَشَقَ الْمُشْتَاقُ أنْفَاسَا أنْسَاهُ طِيبُ شَذَاهَا الرَّنْدَ وَالآسَا
فَظَلَّ يَسْألُ عَنْهَا وَهُوَ في فَرَحٍ فُؤادَهُ إذْ أنَارَتْ مِنْهُ بَرّاسَا
فَأخْبَرَ القَلْبُ عَنْهَا أنَّهَا عَلِقَتْ بِطِيبِ عَكَّةَ حَتَّى جَلَتْ ألْبَاسَا
فَسَارَ مُمْتَطِياً مَتْنَ البِحَارِ لَهَا في سُفْنِ شَوْقٍ وَيَا للهِ مَا قَاسَا
عَلَى هَدْيٍ حِينَ أرْسَاهَا بِسَاحِلِهَا لَهَا اقْتَنَى مِنْ حِبَالِ الرَّأيِ أمْرَاسَا
فَأمَّهَا سَايِراً مِنْهَا أكَابِرُهَا قَوْمٌ لِجِسْمِ الْمَعَالِي أصْبَحُوا رَاسَا
فَكَمْ قَضَى لَيْلَ أفْرَاحٍ بِسَاحَتِهِمْ تَرَشَّفَ مِنْ أذْوَاقِهِمْ كَاسَا
وَكَمْ جَلا خُطَبَ عُسْرٍ في مَرَابِعِهِمْ وَاسْتَبْدَلَ الْهَمَّ بِالتَوْفِيقِ أعْرَاسَا
وَبَيْنَهُمْ شَامُ ثَغْرِ الفَجْرِ مُبْتَسِماً مُطَأطَأ الرَّأسِ يَنْحُو الشَّهْمُ عَبَّاسَا
مَوْلىً حَسِيبٍ نَسِيبٍ ثَابِتٍ حَذِرٍ لَمْ يَبْتَدِئ بِسَدِيدِ الرَّأيِ جَلاّسَا
كَمْ مُشْكِلٍ حَلَّهُ وَقَادَ فِطْنَتَهُ وَبِالْهِدَايَةِ أصْنَافُ الوَرَى سَاسَا
كَمْ رَوَّحَ القَلْبَ بِالبُرْهَانِ مَشْهَدُهُ مَحَا الضَّلالَ وَأمْسَى يُرْشِدُ النَّاسَا
عَلَيْهِ ثَوْبُ وِقَارٍ لا يُفَارِقُهُ إذْ لَمْ يُخَاطِرْ بِهِ فَحْشاً وَأدْنَاسَا
فَرْعُ البَهَاءِ مَصْدَرُ العِرْفَانِ مَوْرِدُهُ قُطْبُ الجَلالِ بِهِ قَدُّ العَلا مَاسَا
أطَالَ مِنْهُ بِبَابِ العَدْلِ مَوْقِفُهُ فَظَلَّ يَرْشِفُ مِنْ آرَائِهِ كَاسَا
مَوْلايَ خُذْ مِدَحاً مَا شَابَهَ غَرَضٌ بَلْ قُلْتُ حَقّاً بِمَا فِيكُمْ فَلا آسَا
أجْرَيْت عَنّي نِظَامِي في مَدَائِحِكُمْ فَكُلُّ قَلْبٍ لَهَا قَدْ بَاتَ قُرْطَاسَا
لا زِلْتُمُو ذَخْرَنَا في كُلِّ نَائِبَةٍ وَفي مَنِيعِ ذُرَاكُمُ تُدْفَعُ البَاسَا

فلاحظوا أنّ جناب الفاضل المولوي وهو من مشاهير فصحاء هذا العصر تشرّف بالحضور المبارك في مجلس واحد ومع ذلك فإنّه قال: "أغنتني رؤيته عن رؤية سكان نصف الربع المسكون من هذه البسيطة. بحرٌ لا ساحل له يتفجّر من جوانبه ... وإستفدت منه بالجلسة الواحدة ما لم أستفده من غيره بسنين حتى قال دعاني وجداني أن اقول بمسمعٍ من حضرته هذه الأبيات" وهي كما رأيت تدلّ على مقدار ناسج بردها وناظم عقدها.

وأنشد الفاضل البليغ كاتب السريرة القصيدة التالية:

بِمَدْحِ ذَاتِكَ أضْحَتْ تَزْدَهِي الكَلِمُ وَلا يَفِي حَقَّ مَا تَسْتَوْجِبُ القَلَمُ
أنْتَ الّذِي في نُهَاكَ العِلْمُ مُدَخَرٌ وَبَحْرُ فَضْلِكَ فِيهِ الْمَوْجُ يَلْتَطِمُ
لَمَّا تَسَرْبَلْتَ بُرُدَ العِزِّ مُزْدَهِياً أضْحَى بِرَبْعِكَ شَمْلُ الْمَجْدِ يَلْتَئِمُ
سَمَوْتَ يَا بْنَ بَهَاءَ اللهِ مَنْـزِلَةً عَقْلاً وَنَقْلاً وَفُقْتَ النَّاسَ كُلُّهُمُ
أنْتَ البَهَا وَابْنُهُ يَا حُسْنَ تَسْمِيَةٍ مِنْهَا غَدَتْ ظُلُمَاتُ الْجَهْلِ تَنْهَزِمُ
يَا طَيِّبَ الأصْلِ مَحْمُودَ الْخِصَالِ وَمَنْ أجْدَادَهُ الْمَجْدُ وَالأعْظَامُ وَالكَرَمُ
إنَّ الَّذِينَ لِفَضْلٍ مِنْكَ قَدْ جَحَدُوا في أُذْنِ كُلُّ فَقِيهٍ مِنْهُمُ صَمَمُ
هُمْ يَجْهَلُونَ مَقَاماً أنْتَ حَائِزُهُ أنْتَ ابْنُ صَاحِبِ هَذا الوَقْت لَوْ عَلِمُوا
لَمَّا رَأيْتُكَ يَا عَبَّاسَ مُتَّشِحاً ثَوْبَ الكَمَالِ وَبِالإجْلالِ تَتَّسِمُ
وَبَابُ فَضْلِكَ مَفْتُوحٌ لِقَاصِدِهِ وَجُودُ كَفَّيْكَ مِنْهُ تَخْجَلُ الدِّيَمُ
وَعِنْدَكَ الدِّينُ وَالدُّنْيَا قَدِ اجْتَمَعَا وَفي جِوَارِكَ يُرْعَى العَهْدُ وَالذِّمَمُ
أيْقَنْتُ أنَّكَ خَيْرُ الخَلْقِ قَاطِبَةً وَخَيْرُ مَنْ أصْبَحَتْ تَسْعَى لَهُ قَدَمُ
وَقُلْتُ مَا بَشَرٌ هَذا وَلا رَجُلٌ لَكِنَّهُ مَلِكٌ تَاهَتْ بِهِ الأمَمُ
مَوْلىً أعَادَ فِخَارَ الأوَّلِينَ وَقَدْ أقَامَ لِلْمَجْدِ صَرْحاً لَيْسَ يَنْهَدِمُ
قَدْ كَانَ لِلْعُرْبِ حَقُّ الفَخْرِ في قِدَمٍ وَاليَوْمَ بَاهَتْ بِهِ أعْرَابَنَا العَجَمُ
أعْظِمْ بِهِ بِطِلاً أكْرِمْ بِهِ رِجُلاً أفْعَالُهُ غرَرٌ أقْوَالُهُ حِكَمُ
فَاقَتْ مَعَارِفُهُ عَمَّتْ عَوَارِفُهُ لاحَتْ لِطَائِفَةٍ تَزْهُو وَتَبْتَسِمُ
شُمُوسُهُ سَطَعَتْ أقْمَارُهُ طَلَعَتْ آيَاتُهُ لَمَعَتْ فَانْجَابَتِ الظُّلُمُ
يُزَيِّنُهُ كَرَمٌ لاذَتْ بِهِ أُمَمٌ في كَفِّهِ نَغَمٌ في سَيْفِهِ نِقَمُ
إنِّي قَرَأتُ التُّقَى في وَجْهِهِ سُوَراً آيَاتُ حَقٍّ بِصُحُفِ الْمَجْدِ تَرْتَسِمُ
مَنْ رَامَ قَرْناً لَهُ هَيْهَاتَ يُدْرِكُهِ مَا كُلُّ مَا طَارَ في جَوِّ العُلا رَخمُ
يَا كَوْكَباً تَخْجَلُ القِمَارُ طَلْعَتَهُ وَيَا سَحَاباً عَطَايَا كَفُّهُ نِعَمُ
قَدْ شَرَّفَ اللهُ قَوْماً أنْتَ سَيِّدُهُمْ يَا مَنْ بِهِ امْتَازَتْ الأقْدَارُ وَالقِيَمُ
أُهْدِيكَهَا كَلِمَاتٍ فِيكَ صَادِقَةً وَلَسْتُ أنْشُدُهَا مِنْ شَحْمِهِ وَرَمُ
قَصِيدَةٌ بِنْتُ لَيْلٍ قَدْ حَوَتْ دُرَراً فَرَائِداً بِسُلُوكِ الفَخْرِ تَنْتَظِمُ
رَفَّتْ إلَيْكَ قُرُومُ الْمهْرِ عَنْ ثِقَةٍ مُهْرُ الْتِفَاتٍ وَعَطْفٍ أيُّهَا العَلَمُ
مَوْلايَ لا أبْتَغِي إلاّ رِضَاكَ جزاً وَعُرْوَةُ الرِّقِّ عِنْدِي لَيْسَ تَنْفَصِمُ
إنِّي فَتىً مَدْحُ أهْلِ الفَضْلَ شِيمَتُهُ وَلَيْسَ يَدْرِكُنِي في مَدْحِهِمْ هَرَمُ
أقُولُ ذَا وَبِعَجْزِي جِئْتُ مُعْتَرِفاً أرْجُوكَ عَفْواً أيَا مَنْ طَبْعُهُ الْحُلُمُ
لا زِلْتَ في ذُرْوَةِ العَلْيَاءِ مُرْتَقِياً بِالعَزْمِ وَالْحَزْمِ في الأرْضِينِ تَحْتَكِمُ
وَدُمْتَ تَرْفُلُ في ثَوْبِ الْهَنَا عَجَباً مَا رَنَّحَتْ في رَوَابِي رَوْضِكَ النَّسَمُ

وأنشد الفاضل البليغ أمين فارس مدرّس المدرسة الإنجيليّة في سوريّة القصيدة التالية في التهنئة بعيد الصيام في حضور مولى الأنام سمّاها (بهاء الثناء):

أفْدَى مُهَاةً رَأيْنَا مِنْ مَعَانِيهَا بَدْراً وَشَمْساً سَمَتْ تَاهُ النُّهَى فِيهَا
لَمْيَاءُ مِنْ آل قَحْطَانَ لَقَدْ خَلَبَتْ لُبَى مَحَاسِنِهَا بَالرُّوحِ أفْدِيهَا
هَيْفَاءُ تَزْرِي بِغَضِّ البَانِ قَامَتَهَا تَكَادُ رِيحُ الصِّبَا كَالغُصْنِ تُثْنِيهَا
حَسْنَاءُ لَوْ نَاجَتِ النُّسَّاكَ لاحْتَرَمُوا طِيبَ الكَرى وَنَسُوا تَسْبِيحَ بَارِيهَا
وَأصْبَحُوا هِيَماً في حُسْنِهَا أبَداً يَتْلُونَ آيَاتَ حُسْنٍ مِنْ مَثَانِيهَا
نَجْلاءُ فَاتْرَةَ الأجْفَانِ إنْ نَظَرَتْ تُعْمَي قُلُوبَ الوَرَى طُرّاً وَتُغْرِيهَا
الله أكْبَرُ قَدْ جَاءَتْ كَبَيِّنَةٍ لِلْكَافِرِينَ عَلَى أوْصَافِ مُبْدِيهَا
فَإنَّهَا آيَةٌ في الْحُسْنِ أبْدَعَهَا الْ مَوْلَى فَكَبِّرْ وَقُلْ سُبْحَانَ مُعْطِيهَا

(إلى أن قال)

قَدْ زُرْتُهَا وَالقَنَا غَابٌ تُحِيطُ بِهَا وَاللَيْلُ وَاجٍ وَأُسْدُ الغَابِ تَحْمِيهَا
فَحِينَ زَحْزَحْتُ سُجْفَ الْخَيْمَةِ انْكَشَفَتْ شَمْسٌ تُنِيرُ الدُّجَى مَا الشَّمْسُ تَحْكِيهَا
فَعَانَقت أسَداً مِنِّي وَمُلْتُ عَلَى غَزَالَةٍ مَلأتْ أبْصَارَ رَائِيهَا
ثُمَّ انْثَنَيْتُ عَفِيف َالعُرْضِ مَا جَنَحَتْ نَفْسِي إلى مُنْكِرٍ بِاللؤْمِ يَرْمِيهَا
وَخِلْتُ أشْهَدُ أنَّ الْحُسْنَ أجْمَعَهُ لَهُ العُلَى بِعُلُوٍّ في أعَالِيهَا
شَهْمٌ أبُوهُ بَهَاءُاللهِ فِيهِ بِهَا مَنَاقِبُ نُورِ شَمْسٍ لا يُضَاهِيهَا
ذُو رِفْعَةٍ مِنْ بَنِي الأعْجَامِ مَا رُفِعَتْ مَنَازِلُ الْمَجْدِ إلاّ وَهُوَ بَانِيهَا
حَبْرُ الفَضَائِلِ بَحْرُ الفَضْلِ لَوْ عَقِلَتْ بِحَارُنَا لِجَنَّتِهِ الدُّرُّ أيَدِيهَا
تَاجُ الكِرَامِ فَريدُ العَصْرِ مَا حَظِيَتْ بِمِثْلِهِ الْخَلْقُ دَانِيهَا وَقَاصِيهَا
قَدْ شَادَ في صَدْرِهِ لِلْفَضْلِ أبْنِيَةً شَمُّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي لا تُسَاوِيهَا
لَهُ مَنَاراتِ عِلْمٍ في الجُحى سَطَعَتْ تَمْحُو الْجَهَالَةَ مِنْ أذْهَانِ أهْلِيهَا
ألْعَالِمُ العَامِلُ الْمُبْدِي لَنَا دُرَراً في النَّظْمِ وَالنَّثْرِ قَدْ جَلتْ كَمُنْشِيهَا
أقْوَالُهُ حِكَمٌ أفْعَالُهُ نِعَمٌ آرَاؤُهُ أنْجُمٌ ضَاءَتْ لِرَائِيهَا
أقْلامُهُ مَاثَلَتْ أسْيَافَهُ فَكِلا هُمَا يُبِيدُ صُعُوبَاتٍ وَيَفْنِيهَا
في شَخْصِهِ الدِّينُ وَالدُنْيَا قَدِ اجْتَمَعَا أوْصَافُ ألطَافِهِ رَاقَتْ كَحَاوِيهَا
لِعَكَّةَ اليَوْمَ حَقُّ التِّيهِ مِنْ طَرَبٍٍ لأنَّهُ قَدْ ثَوى أسْمَى مَثَاوِيهَا
لَوْلا الذي تَرْهَبُ الأفْلاكُ سَطْوَتَهُ لَقُلْتُ ذَا ابْنُ إلَهٍ جَلَّ تَشْبِيهَا
فَاسْعِدْ بِعِيدٍ حَبَاكَ الله بَهْجَتَهُ وَاقْبَلْ مُعَايَدَةً بِالشِّعْرِ أهْدِيهَا
وَارْتَعْ بِجَنَّاتِ سَعْدٍ في أجَارِعِهَا تَجْرِي نُهُورٌ صَفَتْ دَامَتْ مَجَارِيهَا
وَجَدِّدِ الْمَجْدَ مَا الأعْيادُ عَائِدَةٌ وَاقْطِفْ ثِمَارَ الْهَنَا رَاقَتْ مَجَانِيهَا
فَالعِيدُ لَوْلاكَ لَمْ تَحْسُنْ مَحَاضِرُهُ وَالنَّاسُ لَوْلاكَ لَمْ تَشْرُفْ أرَاضِيهَا
خُذْهَا عَرُوسَ قَرِيضٍ لَمْ تُلاقِ كَفى إلاّ عُلاكَ عَلَيْكَ الفِكْرُ جَالِيهَا
مَا زِلْتُ أمْنَعُهَا عَمَّنْ يُصَاهِرُنِي فَأهْدَأ بِعَذْرَاءٍ فِكْرِي جَاءَ يَهْدِيهَا
فَاسْلَمْ وَدُمْ في الوَرَى كَالشَّمَسِ مَا قَلِيَتْ آيَاتُ حَقٍّ بَهِيجِ الْحُسْنِ تَالِيهَا

وفي سنة (1309) هجريّة عندما سكت صرير القلم الأعلى بتقدير الحيّ القدير وركد نسيم الجنّة العليا وصعد إلى المقرّ الأقدس في الأفق الأعلى مُنـزل الكتب وشارع الشرائع، أنشدَ أحدأ المسلمين وصلحائه المعروف بإلحاج محمّد أبو الحلق القصيدة الغرّاء في مناسبة المصيبة العظمى وأوفدها إلى الحضور الأقدس حضرة مولى الورى أضاء الله بضياء غرّته آفاق الأرض والسماء، ومن المعروف لدى المسلمين في بلاد الشام أنّ هذا الفاضل في منـزلة رفيعة من الزهد والورع بحيث لم يمدح أحداً من أولي الجاه واليسار طمعاً بماله أو خوفاً منه وهذه هي قصيدة تعزيته الغراء:

يّا مَنْ تَسَامَى بِالْمَعَارِفِ وَالنُّهَى وَاسْتَأسَرَ العُقَلاءُ بِحِكْمَةِ عَقْلِهِ
لا يَخْفَ عَلْيَاكَ التي سَمَتِ الْمَلا فِهْماً تُقْرُّ الكَائِنَاتُ بِفَضْلِهِ
إنَّ الوَرَى جَذَعَتْ عَلَى فَقْدِ (البَهَآ) جَزْعاً تَزَعْزَعَتِ القُلُوبُ لِهَوْلِهِ
قُطُبٌ تَبَرْزَخَ فَاسْتَوَى فَوْقَ السَّمَآ لاهُوتُهُ كَيْمَا يُعَادُ لِأصْلِهِ
وَلِذَا بَكِيتُ دَماً عَلى العِلْمِ الذي مَا عَادَ يَأتِينَا الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ
وَأتَيْتُ في نَظْمِ الرِّثَاءِ مُعَزِّياً وَمُذَكِّراً إنِّي أقُولُ لِأهْلِهِ
صَبْراً عَلَى هَذا الْمُصَابِ وَإنْ يَكُنْ شَمُّ الرَّوَاسِي لا تَقُومُ بِحَمْلِهِ
فَالصَّبْرُ أجْدَرُ بِالْخُطُوبِ مَكَانَةً حَتّى وَألْيَقُ بِالْفَقِيدِ وَنَسْلِهِ
وَلَرُبَّ يَوْمٍ فِيهِ قَدْ عَظُمَ البَلا وَرَمَى قُلُوبَ بَنِي الكِرَامِ بِنُبْلِهِ
فَليُكْثِرُونَ مِنَ التَّأسِّي دَائِماً بِمُصَابِ مَنْ خُلِقَ الوُجُودُ لِأجْلِهِ

وفي تلك الأيام التي طَوَت فيها أنامل القضاء دفتر اللقاء وتلت أمّ الكتاب آية الأياب إلى مقرّ الغيبة والإغتراب نظم أمين زيدان أحد فصحاء الأمّة النصرانيّة هذه القصيدة الغرّاء في هذه المصيبة العظمى والرزيّة الكبرى وعرضها في الحضور الأقدس الأعلى وهذه هي قصيدته الغراء:

يَا إمَامَ الْهُدى وَنُورَ البَهَاءِ أيُّ لَفْظٍ يَفِيكَ حَقَّ العَزَاءِ
لَيْتَ شِعْرِي مَنْ لِي بِلَفْظِ نَبِيٍّ فِيهِ تُرْثَى عَلامَةُ الأنْبِيَاءِ
سَيِّدٌ كَانَ بَعْثُهُ لِلْبَرَايَا خَيْرَ غَوْثٍ مِنْ وَاسِعِ الآلاءِ
بَثَّ رُوحَ الرَّشَادِ بِالْخَلْقِ طُرّاً هَادِياً لِلْحَقِيقَةِ الغَرَّاءِ
وَمُذْ اسْتَكْمَلَ الرِّسَالَةَ فِيهِمْ صَعَدَتْ رُوحُهُ لِأعْلَى السَّمِاءِ
ظَهَرَتْ مُعْجِزَاتُهُ تَتَلألأُ بَيِّنَاتٍ كَالْبَدْرِ في الظُلَمَاءِ
فَاهْتَدَى كُلُّ عَاقِلٍ بِسَنَاهَا وَأحَاطَ الضَّلالُ بِالْجُهَلاءِ
هَكَذَا الشَّمْسُ لا يَفُوتُ ضِيَاهَا غَيْرُ وَغْدٍ ذِي مُقْلَةٍ عَمْيِاءِ
عَرَفَتْ فَضْلَهُ الْمُلُوكُ وَخَرَّتْ نَحْوَهُ سُجَّداً بِدُونِ رِيَاء
وَاعْتَرَى الأرْضَ هَزَّةٌ يَوْمَ أوْدَى فَهَوَتْ حُزْناً أنْجُمُ الْجَوْزَاءِ
وَبَكَى الفَضْلُ فَقْدَ أعْظَمِ رُكْنٍ مِنْ ذَوِيهِ الكِرَامِ وَالفُضَلاءِ
وَعُيُونُ السَّخَاءِ سَحَتْ عَلَيهِ أدْمُعاً مِثْلَ فَضْلِهِ بِالسَّخَاءِ
مَنْ يُرَى بَعَدَهُ لِرَفْدِ اليَتَامَى وَغياثِ الفَقِيرِ وَالضُّعَفَاءِ
وَإذَا مَا الشَّمْسُ النَيِّرَةُ غَابَتْ مَنْ لَنَا بَعَدَهُ بِنَشْرِ الضِّيَاءِ
هَانَ وَاللهِ بَعْدَهُ كُلُّ خَطْبٍ وَتَخَيَّرْنَا الْمَوْتَ فَوْقَ البَقَاءِ
يَا عُيُونَ القَرِيضِ سُحِّي عَلَيهِ بَدَلَ الْحِبْرِ أدْمُعاً كَالدِّمَاءِ
غَابَ مَنْ كَانَ لِلنُّبُوَّةِ أهْلاً غَابَ مَنْ كَانَ (كَعْبَةُ الفُصَحَاءِ)
فَاكْتَسَى العِلْمُ بَعْدَهُ بِحِدَادٍ وَارْتَدَى بِالسَّوَادِ خَيْرَ رِدَاء
مَا تَأخَّرْتُ عَنْ رِثَاهُ لِعُذْرٍ غَيْرَ دَاعِي الآسَى وَفَرْطِ البُكَاءِ

(إلى أن قال)

أنْتَ مِنْهُمْ وَفَوْقَهُمْ يَا مَلاذِي بِعُلُومٍ وَحِكْمَةٍ وَذَكَاء
وَلِهَذَا فَلا يَلِيقُ بِمِثْلِي أنْ يُعَزِّيكَ في مَقَامِ الرِّثَاءِ
أنْتَ أدْرَى مِنَّا وَأوْسَعُ عِلْماً في حَيَاةٍ مَصِيرُهَا لِلْفَنَاءِ
مَا مُثُولِي أمَامَ عَرْشِكَ إلاّ لِأدَاءِ الفُرُوضِ بَعْضَ الأدَاءِ
فَإذَا مَا سَلِمْتَ لِلدَّهْرِ ذُخْراً سَلِمَ الدَّهْرُ مِنْ خُطُوبِ الَبلاءِ

وكذلك في أيام افول شمس الهدى وسكون حفيف سدرة المنتهى أنشد الأديب المجيد (جاد عيد) من خيرة شباب الملّة الفخمة المسيحيّة في المحضر المبارك بحضور قاضي عكّاء والمرحوم على أفندي المفتي الأزهري وجماعة من أعيان البلدة كلمة في الرثاء هي من عيون النثر الفاخر ثمّ قدّم إلى الحضور الأقدس الأعلى نسخة منها وهذه هي كلمته:

"تنازل يا مولاي يا فخر الندى وأمير المكرمات وتقبّل من مفتون آدابكم عباراتٍ يبعُدُ نُطقها عن رقيق معانيكم كبُعد الأرض عن نور السماء. حاول أن يأتي على ذكر صفة من صفات مولاكم الجليل وسيّدكم النبيل وبدركم الساطع وكوكبكم اللامع. حاول أن يصف خطباً ذهلت لديه بصائر أولي الحكمة وحارت عقول أصحاب العلم والفهم:

خَطْبٌ ألَمَّ بِكُلِّ قَطْرٍ نَعْيَهُ كَادَتْ لَهُ شِيَمُ الْجِبَالِ تَزُولُ

حاول أن يصف مصيبة كسفت لها شمس الضحى وأفل بدر المكرمات وكبا زناد المجد وإنفصمت عُرى العلياء وشُوّه وجه الحزم والعزم وغاضت ينابيع المعارف وتنكّرت سبلها وإقفرّت ربوع المسرّة ودُرست معاهدها. حاول أن يصف خطب فقيد تقوّضت لمنعاه الأضالع وإرتجّت لوقعه القلوب وأُستكت المسامع فشاهدنا الكرامة تندب حظّها والسيادة تبكي حامي ذمارها والعلى يؤبّن إبن بَجْدَته والجود يرثي راعي حرمته.

حَتّى خِلْنَا مِنَ الأسَى كُلَّ طِفْلٍ نَائِحاً قَبْلَ أنْ يُتِمّ الرِّضَاعَا

وقام مفتونو بهائه يبكونه عدد إنعامه وعدله وهبّت قلوب أبنائهم تنتحب عليه بمقدار ما زرع فيها من حبّه وفضله. كيف لا وهو الراحل الذي تولّت المكرمات برحيله والواعظ المرشد الذي هداهم بواسع علمه وجزيل فضله. فأيّ آثاره لا يندبون بعده وهم لا يطلبون محمدةً وعدلاً إلاّ وجدوهما عنده. أآثار علمه التي خزنها في صدورهم؟ أم واسع فضله الذي شمل به كبيرهم وصغيرهم؟ أم أثيل مجده وجزيل حكمته؟ أم عظم نبله وشريف كرامته؟ ولسنا بعد رياسته عنّا وعلوّ مقامه ورفعة شأنه لنستطيع الإتيان بجزءٍ من الواجب في تعداد صفاته وحسناته ولو جمعنا في رثائه جميعَ ما قيل في الدنيا من رثاء الملوك والأمراء وأفاضل الناس فلا محاسن فضله تدرك ولا مآثر عدله تُعدّ ولا فيوض مراحمه توصف ولا غزارة مكارمه تُحصر ولا كرم أعراقه ككرم أعراق الناس. فإنّ كلّ هذه الصفات التي كان فيها آية الله في خلقه لم تكف بوصف بعثته الشريفة فهو الإمام المنفرد بصفاته والحبر المتناهي بحسناته ومبرّاته، بل هو فوق ما يصف الواصفون وينعت الناعتون، الراحل الذي لم يترك للناس زاداً غير أكباد ملتهبة ودمعٍ مصبوب فكيف يسوغ وصفَ من جلّت صفاته عن التغيير بل كيف يليق أن يُحزن الدمعُ بعد فَقْدِ هذا السيّد الخطير ولقد:

جَمُدَ الْمَاءُ رُعْبَةً وَارْتِيَاعاً وَجَرَى الصَّخَرُ أنَّةً وَالْتِيَاعَا
وَضِيَاءُ ألَهَنَا اسْتَحَالَ ظَلاماً وَإلى الْمَحْوِ مُطْلَقاً قَدْ تَدَاعَا
مُذْ هَوَى مِنْ أعَالِي الفَضْلِ طودٌ رَاسِخٌ جَاوَزَ السِّمَاكَ ارْتِفَاعَا

وإنا لنجلّ هذا البدر عن أن يغور في القبور وهذا النجم أن يبيت تحت الثرى. إنما هو نجمُ بهاءٍ لم يكن لينتقل إلاّ في بروج سعده ويقترن بمنازل عزّه ومجده.

حَاشَا عُلاهُ مِنَ الْمَمَاتِ وَإنَّمَا هِيَ نَقْلَةٌ فِيهَا الْمُنَى وَالسُّؤَّلُ

ولقد ناداه من أحبّه فأجاب بعد أن ترك آثاراً تُذكر متمّما بعثته الشريفة وبعد أن أوجد في هذا الوجود معادن لطفٍ وجودٍ كفى بوجودهم عزّاً وشرفاً. فسيادتكم مولاي وأشباله الكرام أصحاب المآثر الحميدة تجدّدون بنور حكمتكم وعلمكم ما سنّه نجم بهائكم المتنقّل في بروج مجده وإنْ أحزنَكُمْ وأحزنَ الجميع بنقلته فقد سَرَّ ملائكَ دارِ النعيم حيث مقرّه السعيد.

فتقبّل أيها السيّد السند من عاجزٍ عن إدراك سرّ معجزاتك ومقصّر عن إداء حقّ الواجب نحو كرامة عنصرك أنت يا من زرعت في قلوبنا بذور المحبّة واستملتنا بكلّيتنا إلى عشق صفاتك: مراسيم التعزية التي نجهل والله كيف يليق الإتيان بها. فباهرُ علمك وواسعُ حلمك يدركان سرّ قصورنا وتقصيرنا. أدام الله بقاءكم وحضرات إخوتكم الكرام بالعزّ والإسعاد" (الفقير جاد عيد سنة 1892).

وفي سنة (1313) هجريّة لما كان كاتب هذه الكلمات مقيماً في بلاد سوريّة نظم يعقوب بن بطرس اللبناني من بني غانم وهو قسّيس فاضل لغويّ في الأمّة النصرانيّة ومقيم في مدينة عكّاء الأبيات التالية التي قدمها إلى الحضور المبارك وتفضّل بنسخة منها إلى هذا العبد للذكرى:

مَا بَيْنَ لُبْنَانٍ وَكَرْمِلَ بَهْجَةٌ فِيهَا مَقَامُ بَهَاءٍ ذِي الألاءِ
السَّيِّدُ الْمُخْتَارُ مُصْبَاحُ الْهُدَى وَبَهَاءُ شَمْسِ حَقِيقَةِ الأسْمَاءِ
فِيهَا ابْتِهَاجُ قُلُوبِ أتْبَاعٍ لَهُ وَجَلاءُ أبْصَارٍ وَنَيْلُ رَجَاءِ
بِوُجُوهٍ طَابَتْ مِيَاهُ وُرُودِهَا وَزَكَا هَوَا عَكَّاءَ وَالأرْجَاءِ

وفي هذه الأبيات إشارة إلى ظاهرة تأثير الوجود الأقدس الأبهى في مدينة عكّاء لأنّ هذه البلدة كانت معروفة برداءة مائها وهوائها وملوحة مياه آبارها ونتانة هوائها الموبوء حتى أصبحت سجناً للعصاة على الدولة ومنفى للمحكومين بالسجن المؤبّد في الحكومة. وكان الأهالي فيها دائماً مبتلين بأمراض مزمنة وهم صفر الوجوه نحاف الجسوم من أثر الهواء الفاسد فيها. وعندما أصبحت هذه المدينة مكان إقامة الوجود الأقدس غدت مياهها المالحة حلوة وتحوّل هواؤها الموبوء نقيّاً بحيث صار هذا القسّيس النصراني الذي لا تقلّ رئاسته في الأمّة النصرانيّة عن رئاسة جناب الشيخ في الأمّة الإسلاميّة يذكر هذه الألطاف والمواهب المبارطة بدافع الإنصاف ولم يرض بكتمان هذه الكرامة وإنكار هذه المحمدة مثل أكثريّة المتعصّبين.

[وفي العام الماضي لما إنتشر نعي الملك المرحوم ناصر الدين شاه طيّب الله مثواه وبلغ خبر هذه الحادثة الهائلة إلى القاصرة المعزيّة حاضرة الممالك المصريّة قابلتُ يوماً من تلك الأيام حضرة الفاضل خليل أفندي مطران كاتب جريدة (الأهرام) وصاحب التصانيف المشهورة والرسائل المأثورة وتجاذبنا أطراف الحديث وتغلغل بنا الكلام في تاريخ حياة هذا الملك الهمّام حتى إنتهى إلى حوادث ظهور البابيّة وكيفيّة نفي بهاء الله من مدينة دار السلام إلى مدينة عكّاء من ثغور الشام فلمّا إطّلع بخفايا هذه الحوادث ودخائل هذه الكوارث بدت على وجهه آثار الإندهاش وظهرت على جبينه إمارات الإنذهال فبقي برهة من الزمان ناكس الرأس متغرّقاً في بحار الفكر ثم رفع رأسه وقال: "يا أبا الفضل ما أنا من السذاجة والغباوة بدرجةٍ أعتقد إنّ إنساناً يصعد إلى السماء أو هبط منها ولكنّي أرى فضل الرجال في محامد الصفات وعظائم الأعمال وأنا تربّيت في الممالك الأوروبيّة ورضعت لبان المعارف في مدارسها الكليّة ورأيت فيها من أعاظم الفلاسفة وكبار الرجال من تُضرب به الأمثال وتُشدّ اليه الرحال. وقبل أن يساعدني الدهر بالمثول بين يدي هذا السيّد العظيم والوفود على جنابه الكريم كنت معتقداً بأنّ أفضل رجال العالم علماً وفضلاً وكرامةً هم فلاسفة أوروبّا ونخبة هذه القطعة المنوّرة الذين بهم تحرّرت الأمم وإنقشعت غيوم الجهالة والإستعباد عن أفق العالم. ولكن بعد أن سُعدت بلقاء بهاءالله ورأيت فيه من العلم والفضل والوقار والمهابة وجمال الصورة وفصاحة اللسان وحبّ الخير لنوع الإنسان على إختلاف أديانهم ومذاهبهم ما لا يفي اللسان حقّ وصفه، فلا فلاسفة أوروبّا وعلماء أمريكا بل ولا أحد السابقين وأولي العزم من الأنبياء والمرسلين بلغ هذا المبلغ من جميل الصفات وكريم الأخلاق وجليل الخلال وطيب الأعراق. ولقد دار بيننا من الحديث ما لو أفصحنا عن بعضه لتنصدع منه قلوب المكابرين وتنشقّ مرائر المتعصّبين وتندكّ جبال أوهام المتوهّمين، وقد أُدرج في تلك الأيام طرفٌ منها في أعداد (الأهرام) وثارت به عواصف الأحقاد الكامنة في صدور اللئام].

وخلاصة القول فقد ثبت مما أوردناه من أقلام كبار العلماء والفصحاء والمؤلّفين من أفاضل المسلمين والنصارى بل من بعض الفلاسفة والحكماء الذين تشرّفوا بالحضور المبارك وشاهد كل واحد بعينه أمواج بحر معارف ذلك الوجود الأقدس أنّ أولي الإنصاف يستطيعون أن يدركوا كيف أنّ أقوال أولئك البلهاء الذين لا نصيب لهم من الفصاحة ولا حظّ لهم من العربيّة ولا تشرّفوا بالحضور المبارك بعيدة عن الحقيقة وينقصها ميدان العدل والنصفة. وإلى يومنا هذا ما شوهد في الظهورات السابقة إنسانٌ يشهد بفضل مدّعي مقام شارعيّة دين جديد لا يعتقد هو بصحّته، أو يذكر إسم ناسخ دينه من دون إهانةٍ وإستخفاف. لاحظوا مثلاً أنّه مرّت ألف وثمنمائة سنة على ظهور الديانة المسيحيّة وما ذكر أحد علماء اليهود إسم عيسى عليه السلام بشيئ من التفخيم والتعظيم في كتابه. وكذلك إنقضت ألف وثلثمائة سنة على ظهور الإسلام وما ذكر أحد من علماء النصارى إسم خاتم النبيّين عليه السلام بالإجلال والإحترام لا قولاً ولا كتابةً. ولكنّ إحدى مميّزات هذا الظهور الأعظم أن شهدت الأجانب على جلالة قدره وإعترفت بسعة بحار فضله. ولو يذكر هذا العبد في هذه الصفحات جميع ما أنشده تروم الأدباء والفصحاء في حمد نيّر السعادة وما كتبه صناديد العلم والفلسفة في الثناء على ذلكم الوجود الأعظم فإنّه لا شكّ يبتعد أوّلاً عن مقصوده وينتهي الأمر أخيراً بتأليف كتب كبيرة ومجلّدات عديدة. ومن الواضح جدّاً إنّ إعتراف هذه النفوس الفاضلة بعلوّ مقام صاحب الأمر لم يكن في دوافعه الخوف أو الرهبة أو الطمع والرغبة، لأنّ هذه الوسائل مفقودة في هذا المقام وكانت الأخطار العظيمة ماثلة أمام من يقترب من حضرته بل كان الدافع فيها هو أنّ أدباء هذه البلاد فهموا معنى الفصاحة وعرفوا المقصود من البلاغة ولم يكونوا محرومين من العلم والمعرفة وحريّة الضمير والنصفة إلى هذه الدرجة بحيث ينتقدون دون أن يفهموا وينتقدون من دون ذكر شاهدٍ وينكرون الفضائل الباهرة من دون تعصّب ويُظهرون أنفسهم بمظهر الإعتساف أمام أولي الإنصاف.

14. في بيان بعض اغلاط جناب الشيخ في رسالته المطبوعة:

ولو كان مقصود هذا العبد المناقشات اللفظيّة لا القضايا العلميّة وكشف سبل الأدلّة العقليّة والنقليّة لذكرت في هذا المبحث بعض أغلاط جناب الشيخ وهفواته الإنشائيّة حتى يطّلع أولو الإدراك على مقدار علمه ويعرفوا مقدار فصاحته وبلاغته في صناعة الإنشاء. ولكنّ مقصود هذا العبد من تأليف هذا الكتاب كشف غوامض القضايا العلميّة لا بيان المباحث اللغويّة. ومع ذلك فإنني أذكر بعض عباراته العربيّة ليكون ذلك سبباً في إنتباه الناس لأنّ أغلاط الفارسيّة تفوق حدود الإستشهاد ويجلّ عنها مقام الإنتقاد بل لو رفعتَ من رسالتيه عبارات الإيقان الشريف التي إقتبسها لم يبق منها غير العبارات الركيكة والجمل الفاسدة كما نقلنا بالأصل في الأبواب السابقة لتكون برهاناً على قوتّه في الإنشاء وترسيل البرهان وشاهداً على مقدار علمه في الفصاحة والبلاغة. فمثلاً بعد أن أوضح بزعمه تحقيقاته الدقيقة في قوانين الألفاظ كتب العبارة التالية إظهاراً لقدرته في اللغة العربيّة وبها ختم كلمته: "فافهم هذه النكتة التي قد كنتم عنها غافلين وأغررتم بجهلها جاهلين". وهذه العبارة بغض النظر عن ركّة كتابتها وقبح أسلوبها مغلوطة بصورة واضحة لأنّ كلمة (أغررتم) ليست موجودة في اللغة العربيّة والفعل (غرَّ) الثلاثي لا يتعدّى على وزن (إفعللّ) المزيد ويجب أن تكون العبارة: "وغرّرتم لجهلكم بها الجاهلين" حتى لا يصبح الكلام الركيك في عبارته والقبيح في أسلوبه مغلوطاً أيضاً.

وكذلك ورد في كتاب جناب شيخ الإسلام العبارة التالية: "بعث الأنبياء لهداية العباد وإرشادها إلى طريق الحقّ والرشاد وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة والبيّنات الباهرة فبلّغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده الخلق سيّما بعث نبينا في آخر الزمان" فلا يأتي الفعل في اللغة العربيّة بعد (سيما ولا سيما) من دون ضرورة بل يليها مصدر لإسمٍ من الأسماء ويكون آخر ذلك الإسم محرّكاً بحركات ثلاثة كما ورد في كتب اللغة.

وكذلك ورد في نفس هذه الخطبة: "وكمّل إيماننا بتصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة وتوقين ما نص به من إمامة الائمّة الطاهرين". وليس في اللغة العربيّة كلمة (توقين) ولم يرد من مادة (يقين) الوزن تفعيل. وهذا القدر القليل من البحث يكفي لبيان مبلغ علم جناب الشيخ باللغة العربيّة ولا نحتاج إلى أن نعلّق على كلماته في هذه الخطبة أيضاً في عباراته التي كتبها في تمجيد الله بقوله: "مستجمعٌ لجميع الصفات الكماليّة الجماليّة ومنـزّه عن الأوصاف النقيصة والجلاليّة" فكأن آية "ذي الجَلالِ والإكْرَامِ" لا يعتبرها جناب الشيخ من الأسماء والصفات الإلهيّة وأخشى أن يكون جناب الشيخ قد وجد وجوهاً من التمدّن جديدة يصف بها الحقّ جلّ جلاله وينـزّهه عن صفة الجلال. ولكنّنا لا بدّ أن نعفي جناب الشيخ من هذا الإنتقاد لأنّ الشخص الذي في رسالته عند إستشهاده بالآية المباركة: "فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" يسمّي الآية مصحفاً وينـزّه الحقّ جلّ جلاله من الصفات التي نطق بها القرآن فلا عتب عليه لو يمسح اللغة العربيّة أو يقوم بهذه اللغة الركيكة والبضاعة المزجاة من علمه على إنتقاد "مَنْ خَضَعَتْ لَهُ أعْنَاقُ الفُصَحَاءِ". هذا وإنّ أهل البهاء لو يشكرون الحقّ جلّ جلاله بدوام الأرض والسماء فإنّهم لا يفون حقّ موهبته هذه التي جعل بها المعترضين على ربّ العالمين والمكذّبين بيوم الدين يدوّنون للذكرى في مدوّناتهم وكتبهم شبهاتهم الواهية وإنتقاداتهم الباردة وعباراتهم الركيكة لعلّ عندما يزول بقدرة الحيّ القدير سحاب الجهل والغباوة الكثيف من أفق العالم وتتنوّر القلوب والأبصار في جميع الأقطار والأمصار بأشعّة أنوار المعارف لا يقول أهل الإرتياب إنّهم كانوا متمسّكين في إعتراضهم وإعراضهم بحبل متين ومتشبّثين بركنٍ مكين وليرى الجميع ماذا قال المعترضون على الحقّ وماذا كتبوا وكيف أنّ أهل الإيمان إبتلوا بمعارضة أشخاصٍ كهؤلاء إذ إنّ أصعب الأشياء وأشقّ الأمور مناظرة أولي العلم القليل ومعارضة الأشخاص المحرومين من الشعور ولقد أجاد من قال:

(وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَدْلُ مَنْ لا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابِ مَنْ لا يَفْهَم)

هذا وقد إنتهى هذا المبحث البديع بعد بحث طويل والأمل أن يعذرنا أولو الإدراك لأنّ مسألة فصاحة الكتب السماويّة وبلاغة الكلمات الإلهيّة لم يجر بحثها بين علماء الإسلام والأمّة البهائيّة فحسب بل إنّ هذه المسألة كما ظهر لكم من "التذييل" على كتاب "مقالة في الإسلام" كانت موضع مناظرات مدّة مديدة بين الأمّة الإسلاميّة وأمّة النصارى وكانت ميداناً للجدال والنـزال بين كبار الأمتين ولهذا فقد قام هذا العبد بكتابة جميع وجوه هذه المسألة بصورة مفصّلة ومشروحة حتى يطّلع أولو البصيرة على السبب الأصلي في حجيّة الكلام الإلهي وليقفوا على أساس إيرادات وإنتقادات أرباب الشبهات سواءً أكان المنتقد (جرجيس صال) الإنكليزي أو (إبن الآخوند) التفليسي.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى