منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مع كتاب الإيقان لحضرة بهاء الله 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
والآن أيّها الأخ، انظر وتفكّر لو كانت تظهر أمثال هذه الأمور في هذا العهد، وتَذِيعُ أمثال هذه الحكايات فماذا كانوا يفعلون؟ قسمًا بمربيّ الوجود ومنزل الكلمات، إنّهم كانوا يحكمون بالكفر في الحال، ويأمرون بالقتل بلا سؤال. فكيف يستمعون إلى القول بأنّ عيسى قد ظهر من نفخة روح القدس؟ أو أنّ موسى قد أُمر بالأمر المبرم؟ إنّك لو تصيح بذلك مائة ألف مرّة، فإنّه لا يدخل في أذن أحد أنّ من لا أب له قد بعث بالرّسالة، أو أنّ قاتلاً قد سمع النّداء

من شجرة نار - أنّي أنا الله«

ولو نُظِرَ بعين الإنصاف، لَيُشاهدُ من جميع هذه البيانات أنّ مظهر هذه الأمور كلّها هو اليوم ظاهر كما أنّ نتائجها أيضًا ظاهرة. ومع أنّه لم يقع في هذا الظّهور أمثال هذه الأمور، فإنّهم مع ذلك متمسّكون بظنونات الأنفس المردودة. ولكَمْ افترَوْا عليه من افتراءات، ولكَمْ ارتكبوا في حقّه من بلايا لم يظهر لها شبه في الإبداع«

الله أكبر، لمَّا بلغ البيان هذا المقام، مَرّ الشّذى الرّوحاني من الصّبح الصّمداني، وهبَّ نسيم الصّباح من مدينة سبأ البقاء، وبمروره بشّر النّفس ببشارة جديدة، وفتح للرّوح فتوحًا غير محدود، وبسط أمامها بساطًا جديدًا. وأتى بهدايا ثمينة لا عداد لها من قِبَلِ المحبوب الّذي جلّ عن الوصف، فَخِلْعَة الذّكر قاصرة عن أن تتناسب مع قَدِّه اللطيف، ورداء البيان ناقص لا يفي بقامته المنيرة، يكشف رمز المعاني من غير لفظ، وينطق بأسرار التّبيان من دون لسان. يلقّن بلابل أغصان الهجر والفراق النّوح والأنين، ويعلّمهم قواعد العشق وسلوك العاشقين، ويُبيِّنُ لهم سِرَّ

الخضوع للمحبوب، ويلقِّن الورود البديعة في رضوان القرب والوصال كيف يكون جذب القلوب وسحر الدّلال. ويفيض بأسرار الحقائق على شقائق بستان العشق، ويستودع في صدور العشاق دقائق الرموز، ولطائف الأسرار. ولقد تدفَّقت حياض عنايته في هذه السّاعة على شأن يغتبط له روح القدس غاية الغبطة، إذ وهب للقطرة أمواج البحر، وللذرَّة طراز الشّمس. وبلغت الألطاف إلى مقام: قصد الجُعل مكمن المسك، واستقرّ الخفّاش في مقابل الشّمس، وبعثت الأموات من قبور الأجساد بنفخة الحياة، وأجلسَ الجهّالَ على سرير العلم، وأقام الظّالمين على أريكة العدل«

إنّ عالم الوجود حامل بجميع هذه العنايات. ينتظر السّاعة الّتي فيها تظهر آثار هذه العناية الغيبيّة في العوالم التّرابيّة، وبها يبلغ العطاش الّذين سقطوا من شدّة الظّمأ إلى كوثر زلال المحبوب، ويفوز الضّالون في فيافي البعد والعدم بسرادق القرب والحياة في جوار المعشوق. ومن هم الّذين تنبت في أرض قلوبهم هذه الحبوب القدسيّة؟ وتنفتح في رياض نفوسهم شقائق الحقائق الغيبيّة؟ وحقيقةً إنّ سدرة العشق مشتعلة في سيناء الحبّ بأشدّ اشتعال،بحيث لا

تخمدها ولا تقضي عليها مياه البيان، وإنّ عَطَشَ هذا الحوت لا ترويه البحور، وإنّ هذا السّمندر النَّاريَّ لا يستقرّ إلا في وهج سناء طلعة المحبوب. فأوقد إذًا يا أخي سراج الرّوح في مشكاة قلبك، وأشعله بدهن الحكمة، واحفظه بزجاج العقل، كي لا يطفئه نَفَس الأنفس المشركةِ، ويمنعه عن الإنارة. كذلك نوّرنا أفق سماء البيان من أنوار شموس الحكمة والعرفان، ليطمئنَّ بها قلبك وتكون من الّذين طاروا بأجنحة الإيقان في هواء محبّة ربّهم الرّحمن

أمّا قوله: حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء، فمعناه أنّه من بعد كسوف شمس المعارف الإلهيّة، وسقوط نجوم الأحكام الثّابتة، وخسوف قمر العلم المربّي للعباد، وانعدام أعلام الهداية والفلاح، وإظلام صُبْح الصّدق والصّلاح، تظهر علامة ابن الإنسان في السّماء. والمقصود من السّماء هنا هو السّماء الظّاهرة. إذ عند قرب ظهور فَلك سموات العدل، وجريان فُلك الهداية على بحر العظمة، يظهر في السّماء نجم بحسب الظّاهر يكون مبشّرًا لخلق السّموات بظهور ذاك النّير الأعظم، كما يظهر في سماء المعاني نجم يكون مبشّرًا لأهل الأرض بذاك الفجر الأقوم الأكرم.

وهاتان العلامتان تظهران في السّماء الظّاهرة، وفي السّماء الباطنة، قبل ظهور كلّ نبيّ كما هو المعروف والمشهور

من جملة ذلك خليل الرّحمن، حيث قُبيل ظهور حضرته رأى النّمرودُ منامًا، فاستطلع فيه رأيَ الكهنة، فأخبروه عن طلوع نجمٍ في السّماء. كما أنّه ظهر في الأرض شخص أخذ يبشِّرُ النّاسَ بظهور حضرته

ومن بعده كانت حكاية كليم الله الّتي أخبر عنها كهنةُ ذاك الزّمان فرعون بأنّ كوكبًا قد طلع في السّماء، وهو دليل على انعقاد نطفة على يدها يكون هلاكك أنت وقومك. وكذلك قد ظهر عالمٌ كان يبشِّر بني إسرائيل في اللّيالي، يُسلِّيهم ويطمئنهم كما هو مسطور في الكتب. ولو توخّينا تفصيل تلك الأمور لأصبحت هذه الرّسالة كتابًا مفصّلاً. كما أنّنا لا نحبّ أن نذكر حكايات الأيّام الخالية، ويشهد الله بأنّ هذا البيان الّذي ذكرناه الآن لم يكن إلاّ من فرط الحبِّ لجنابكم، لعلّ يصل جمع من فقراء الأرض إلى شاطئ الغِنى، أو تَرِد فئة من الجهّال إلى بحر العلم، أو يصل طلاب العلم المتعطّشون للمعرفة إلى سلسبيل الحكمة. وإلاّ فإنّ هذا

العبد يَعُدّ الاشتغال بهذه المقالات ذنبًا عظيمًا، ويحسبه عصيانًا كبيرًا

وكذلك أيضًا، عند قرب ظهور عيسى اطّلع نفر من المجوس على ظهور نجم عيسى في السّماء. واقتفوا أثَر ذلك النّجم إلى أن دخلوا المدينة الّتي كانت مقرَّ سلطنة هيريدوس، وهو الّذي كانت سلطنة تلك الممالك في قبضة تصرّفه في تلك الأيام. وجاء هؤلاء المجوس قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ لأنّنا قد رأينا نجمه في المشرق ووافينا لنسجد له. وبعد البحث والفحص علموا بأنّ ذاك الطّفل قد ولد في بيت لحم بأرض يهوذا. فهذه هي العلامة في السّماء الظّاهرة. وأمّا العلامة في السّماء الباطنة، الّتي هي سماء العلم والمعاني فكانت ظهور يحيى بن زكريّا، الّذي كان يبشّر النّاس بظهور عيسى، كما قال عزَّ من قائل﴿أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾( ) فالمقصود من الكلمة هنا، هو حضرة عيسى الّذي كان يحيى مبشّرًا بظهوره. ومسطورٌ أيضًا في الألواح السّماوية هذه العبارة:

كان يوحنا يكرز في برّيّة يهوذا قائلاً: "توبوا فقد اقترب ملكوت السّماوات"، والمقصود من يوحنّا هو يحيى

كذلك كان قبل ظهور الجمال المحمّدي قد ظهر آثار في السّماء الظّاهرة. وأمّا الآثار الباطنة فقد كانوا أربعة رجال واحدًا بعد الآخر يبشّرون النّاس على الأرض بظهور شمس الهويّة. وقد تشرّف بشرف خدمتهم "رُوزبَهْ" الّذي سُمِّي بسلمان، وكان كلّما حضرت الوفاةُ أحدًا منهم يُرسل "رُوزبَهْ" إلى الشّخص الآخر إلى أن أتت نوبة الرّابع الّذي قال له في حين وفاته: يا روزبه اذهب من بعد تكفيني ودفني إلى الحجاز حيث تشرق هناك الشّمس المحمّديّة ويا بشراك بلقاء حضرته

ولمّا بلغت الأيّام إلى هذا الأمر البديع المنيع، أخبر أكثر المنجّمين عن ظهور نجم في السّماء الظّاهرة. كما أنّه قد كان على الأرض النّوران النّيّران أحمد وكاظم قدّس الله تربتهما

إذاً قد ثبت من هذه المعاني بأنّ قبل ظهور أيّ أحد من المرايا الأحديّة، تظهر علامات ذلك الظّهور في السّماء

الظّاهرة، وفي السّماء الباطنة، الّتي هي محلّ شمس العلم، وقمر الحكمة وأنجم المعاني والبيان، وتلك عبارة عن ظهور إنسان كامل قبل كلّ ظهور لتربية العباد وإعدادهم لملاقاة شمس الهويّة، وقمر الأحديّة

أمَّا قوله: وحينئذٍ ينوح كلّ قبائل الأرض ويرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السّماء بقوَّةٍ ومجدٍ كبير. فالتّلميح في هذا البيان الإلهيّ يقصد به أنّه في ذاك الوقت ينوح العباد من فقدان شمس الجمال الإلهيّ، وقمر العلم، وأنجم الحكمة اللّدنّيّة، ويشاهد في تلك الأثناء طلعة الموعود، وجمال المعبود نازلاً من السّماء، وراكبًا على السّحاب. يعني أنّ ذاك الجمال الإلهيّ يظهر من سماوات المشيئة الربّانيّة في هيكل بشري، ولم يقصد من السّماء هنا إلاّ جهة العلوّ والسموّ، الّتي هي محلُّ ظهور تلك المشارق القدسيّة والمطالع القدميّة. ولو أنّ هذه الكينونات القديمة قد ظهرت من بطون الأمّهات بحسب الظّاهر إلاّ أنّهم في الحقيقة نازلون من سماوات الأمر، وإن يكونوا ساكنين على الأرض، إلاّ أنّهم متّكئون على رفرف المعاني. وحيثما يمشون بين العباد فإنّهم يكونون طائرين في هواء القرب. يمشون على

أرض الرّوح بغير حركة الرّجل، ويطيرون إلى معارج الأحديّة بغير جناح. وفي كلّ نَفَس يطوون عالم الإبداع من مشرقه إلى مغربه، وفي كلّ آن يمرّون على ملكوت الغيب والشّهادة، مستقرّون على عرش لا يشغله شأن عن شأن. وجالسون على كرسي: كلّ يوم هو في شأن. مبعوثون من علوّ قدرة سلطان القدم، وسموّ مشيئة المليك الأعظم. وهذا معنى قوله إنّهم ينزلون من السّماء

واعلم أنّه يطلق لفظ السّماء في بيانات شموس المعاني على مراتب كثيرة: فمثلاً منها سماء الأمر، وسماء المشيئة، وسماء الإرادة، وسماء العرفان، وسماء الإيقان، وسماء التّبيان، وسماء الظّهور، وسماء البطون، وأمثالها. ففي كلّ مقام أراد من لفظ السّماء معنى مخصوصًا لا يدركه أحد غير الواقفين على أسرار الأحديّة، والشّاربين من كؤوس الأزليّة. فمثلاً يقول﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾( ) والحال أنّ الرّزق ينبت من الأرض. وكذلك قوله: "الأسماء تنزل من السّماء" مع أنّها تظهر من لسان العباد.

فإن أنت نظّفت ولو قليلاً مرآة قلبك وطهَّرتها من غبار الغرض، فإنّك تدرك جميع التّلميحات في كلمات الكلمة الجامعة الإلهيّة، وتقف على أسرار العلم في كلّ ظهور. وما لم تحرق الحجبات العلميّة المصطلح عليها بين العباد بنار الانقطاع، فإنّك لا تفوز بصبح العلم الحقيقيّ النورانيّ

والعلم علمان: علم إلهيّ، وعلم شيطانيّ، أوّلهما يظهر من إلهامات السّلطان الحقيقيّ، وثانيهما يبدو من تخيّلات الأنفس الظّلمانيّة. فمعلّم ذاك حضرة الباري، ومعلّم هذا الوساوس النّفسانيّة. بيان الأوّل: اتّقوا الله ويعلّمكم الله. وبيان الثاني: العلم هو الحجاب الأكبر. أثمار ذاك الشّجرِ الصَّبرُ والشّوق والعرفان والمحبّة، وأثمار هذا الشّجر الكبرُ والغرور والنّخوة. ومن بيانات أصحاب البيان الّتي ذكروها في معنى العلم، أنّه لا يستشمّ منه أيّة رائحة من روائح هذه العلوم الظّلمانيّة الّتي أحاطت ظلمتُها كلّ البلاد. لا يثمر هذا الشّجر إلا البغي والفحشاء، ولا يأتي إلاّ بالغلّ والبغضاء، ثمره سمّ قاتل، وظلّه نار مهلكة، فنعم ما قال:
تمسّك بأذيال الهوى فأخلع الحيا وخلِّ سبيل النّاسكين وإن جلّوا

فيجب إذًا أن تُنزِّه الصّدر عن كلّ ما سمعته، وتقدّس القلب عن جميع التّعلّقات كي تكون محلّ إدراك الإلهامات الغيبيَّة، ومستودع أسرار العلوم الربّانّيّة. ولهذا يقول "السّالك في النّهج البيضاء والرّكن الحمراء لن يصل إلى مقام وطنه إلا بالكفِّ الصِّفر عمّا في أيدي الناس" هذا شرط السّالك. فكِّر فيه مليًّا وتعقّله، حتّى تقف على مقصود الكتاب من غير ستر ولا حجاب

وبالاختصار قد بعدنا عن المقصد، ولو أنّ كلّ ما ذكر هو في المطلب، قسمًا بالله كلّما أردت الاختصار والاكتفاء بالأقلّ من القليل، أرى زمام القلم يفلت من اليد، ومع ذلك فكم من لآلئ عصماء لا عداد لها، لم تزل مودعة في صدف القلب، وكم من حوريّات المعاني لم تزل مستورةً في غرفات الحكمة، لم يمسسهنّ أحد، كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾( ) ومع كلّ هذه البيانات، كأنّي لم أذكر حرفًا عن المقصود، ولم آت برمز عن المطلوب. فمتى يوجد محرم أمين للسّرّ مستعدّ للإحرام في حرم

المحبوب، والوصول إلى كعبة المقصود، كي يرى ويسمع أسرار البيان من دون سمع ولا لسان. إذًا أصبح المقصود من السّماء في الآية المنزلة معلومًا ومفهومًا من هذه البيانات المحكمة الواضحة اللاّئحة

أمّا قوله: إنّه يأتي على السّحاب والغمامِ، فالمراد من الغمام هنا - هو تلك الأمور المخالفة لأهواء النّاس وميولهم، كما ورد في الآية﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾( ) وذلك من قبيل تغيير الأحكام وتبديل الشّرائع وارتفاع القواعد والرّسوم العاديّة وتقدُّم المؤمنين من العوام على المعرضين من العلماء. وكذلك يقصد به ظهور ذلك الجمال الأزليّ خاضعًا للحدودات البشريّة، مثل الأكل والشرب، والفقر والغنى، والعزَّة والذّلّة، والنّوم واليقظة، وأمثال ذلك، ممّا يثير الشّبهة عند النّاس ويحجبهم. فكلّ هذه الحجبات قد عبّر عنها بالغمام

وهذا هو الغمام الّذي به تتشقّق سماوات العلم

والعرفان لكلّ من على الأرض. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾( ) وكما أنّ الغمام يمنع أبصار النّاس عن مشاهدة الشّمس الظّاهرة، كذلك هذه الشّؤونات المذكورة تمنع العباد عن إدراك شمس الحقيقة. يشهد بذلك ما جاء في الكتاب عن لسان الكفّار. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾( ) حيث قد لوحظ على الأنبياء فقر وابتلاء ظاهريّ، كما لوحظ أيضًا فيهم مستلزمات الجسد العنصريّة من قبيل الجوع والأمراض والحوادث الإمكانيّة. ولمّا كانت تظهر هذه الشّؤون من تلك الهياكل القدسيّة كان النّاس يتيهون في فيافي الشّكّ والرّيب، ويهيمون في بوادي الوهم والحيرة مستغربين: كيف أنّ نفسًا تأتي من جانب الله وتدّعي إظهار الغلبة على كلّ من على الأرض، وتنسب إلى نفسها أنّها علَّة خلق الموجودات كما قال (لَوْلاكَ لَمَا خَلَقْتُ الأَفْلاكَ)، ومع ذلك تكون مبتلية بهذه الأمور الجزئيّة بتلك الكيفيّة، كما قد سمعت من قبيل ابتلاء كلّ نبيّ وأصحابه

بالفقر والأمراض والذّلَّة، حيث كانوا يرسلون رؤوس أصحابهم إلى المدائن كهدايا. ويمنعونهم عن إظهار ما أُمروا به. وكلّ واحد منهم كان مبتلي تحت أيدي أعداء الدّين، بدرجة أنّهم صنعوا بهم كلّ ما أرادوا أن يصنعوه

ومن المعلوم أنّ التّغييرات والتّبديلات الّتي تقع في كلّ ظهور هي عبارة عن ذاك الغمام المظلم الّذي يحول بين بصر عرفان العباد ومعرفتهم تلك الشّمس الإلهيّة الّتي أشرقت من مشرق الهويّة، وذلك لأنّ العباد باقون على تقليد آبائهم وأجدادهم هذه السّنين الطّويلة، ومتربّون على الآداب والطّرائق الّتي كانت مقرَّرة في الشّريعة القديمة. ثمَّ دفعة واحدة يسمعون أو يرون شخصًا مماثلاً لهم في جميع الحدودات البشريّة، يقوم من بينهم وينسخ تلك الحدودات الشّرعيّة الّتي تربوا عليها قرونًا متواترة، وكانوا يعدّون المخالف والمنكر لها، كافرًا وفاسقًا وفاجرًا. فلا بدَّ أنّ هذه الأمور تكون حجابًا وغمامًا للّذين لم تذق قلوبهم سلسبيل الانقطاع، ولم تشرب من كوثر المعرفة. ويحتجبون عن عرفان تلك الشّمس بمجرّد استماعهم لهذه الأمور. وبدون سؤال ولا جواب يحكمون بكفره، ويفتون بقتله. كما قد عرفت

وسمعت ممّا وقع في القرون الأولى، وممّا هو واقع في هذا الزّمان أيضا ً ممّا شاهدته، إذًا ينبغي لنا أن نبذل الجهد حتّى أنّنا بفضل التأييدات الغيبيَّة لا نُحرَم بهذه الحجبات الظّلمانيّة، وغمام الامتحانات الربّانيّة، عن مشاهدة ذاك الجمال النّورانيّ، ونعرفه هو بنفسه لا بشيء آخر. وإذا ما أردنا حجّة، فنكتفي بحجّة واحدة وبرهان واحد حتّى نفوز بمنبع الفيض اللاّمتناهي، الّذي في ساحته تنعدم جميع الفيوضات الأخرى. لا أنّنا في كلّ يوم نعترض باعتراض من خيالنا، أو نتمسّك برأي على حسب أهواء أنفسنا

سبحان الله، رغمًا من كلّ هذه الإنذارات الّتي أخبروا عنها من قبلُ، بتلويحات عجيبة، وإشارات غريبة، كي يطَّلع عليها كلّ الناس، ولا يحرمون أنفسهم في هذا اليوم عن بحر بحور الفيوضات، مع ذلك فقد وقع في الأمر ما وقع ممَّا هو مشهور، ونزلت بمضامينه الآيات الفرقانيّة كما قال تعالى :﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾( ). وبعض علماء أهل الظاهر جعلوا هذه الآية من

علامة القيامة الموهومة الّتي يتصورونها. والحال إنّ مضمونها موجود في أكثر الكتب السّماويّة، ومذكور في كلّ الأماكن الّتي فيها ذِكر علامات الظّهور الّذي يأتي بعده كما ذكرنا من قبل

وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ) يريد بها أنّ ربَّ العزَّة قد جعل الأمورات المضادّة للأنفس الخبيثة، والمخالفة لأهواء النّاس محكًّا وميزانًا لامتحان عباده، وتمييزًا للسّعيد من الشّقي، والمعرض من المقبل، كما قد ذُكر. وقد عبّر بالدُّخان في هذه الآية المذكورة عن الاختلافات في الرّسوم العاديّة، وعن نسخها وهدمها وانعدام أعلامها المحدودة. فأيّ دخان أعظم من هذا الدّخان الّذي غشى كلّ النّاس، وأصبح عذابًا لهم، لا يستطيعون منه خلاصًا مهما حاولوا بل إنّهم في كلّ حين يعذّبون بعذاب جديد من نار أنفسهم.إذ أنّهم كلّما يسمعون بأنّ هذا الأمر البديع الإلهيّ، والحكم المنيع الصّمدانيّ قد أصبح ظاهرًا في أطراف الأرض. وهو

كلّ يوم في علوٍّ وازدياد تشتعل في قلوبهم نار جديدة، وكلّما يلاحظون من قدرة أصحابه وانقطاعهم وثبوتهم الّذي يزداد كلّ يوم بفضل العناية الإلهيّة استحكامًا ورسوخًا يظهر على نفوس المعرضين اضطراب جديد. والحمد لله، قد بلغت السّطوة الإلهيّة في هذه الأيام شأنًا لا يجرؤون معه على الكلام. وإذا ما لقوا أحدًا من أصحاب الحقّ من الّذين لو كان لهم مائة ألف روح لأنفقوها في سبيل المحبوب بكلّ روح وريحان، يظهرون أمامه الإيمان من الخوف. وإذا ما خلوا لأنفسهم يشتغلون بالسَّبِّ واللّعن كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾( ) وعمّا قليل سوف ترى أعلام القدرة الإلهيّة مرتفعة في كلّ البلاد، وتشاهد آثار غلبته وسلطنته ظاهرة في جميع الدّيار

وخلاصة الكلام أنّه لمّا لم يدرك أكثر العلماء هذه الآيات ولم يقفوا على المقصود من القيامة فسّروها بقيامة موهومة من حيث لا يشعرون. والله الأحد شهيد بأنّه لو كان

لديهم شيء من البصيرة، لأدركوا من تلويح هاتين الآيتين جميع المطالب الّتي هي عين المقصود. ولوصلوا بعناية الرّحمن إلى صبح الإيقان المنير، كذلك تغنّ عليك حمامة البقاء على أفنان سدرة البهاء لعلَّ تكوننَّ في مناهج العلم والحكمة بإذن الله سالكًا

وقوله يرسل ملائكته إلى آخر القول، فالمقصود بهؤلاء الملائكة هم أولئك النّفوس الّذين هم بقوّة روحانيّة حرقوا الصّفات البشريّة بنار محبّة الله، واتّصفوا بصفات أهل العليّين والكروبيّين كما يقول حضرة الصادق( ) في وصف الكروبيّين "إنّهم قوم من شيعتنا خلف العرش" ولو أنّ ذكر عبارة خلف العرش يقصد بها معان شتَّى، حسب الظّاهر وحسب الباطن أيضا،ً إلاّ أنّها في إحدى المقامات في المرتبة الأولى تدل على عدم وجود الشّيعة كما يقول في مقام آخر (المؤمن كالكبريت الأحمر) وبعدها يخاطب المستمع قائلاً له (هل رأيت الكبريت الأحمر) فالتفت إلى هذا التّلويح الّذي هو أبلغ من التّصريح وأدلّ على عدم وجود المؤمن،

هذا قول حضرته، والآن أنظر كم من هؤلاء الخلق المجرّدين عن الإنصاف، والّذين لم يستنشقوا رائحة الإيمان كيف أنّهم ينسبون الكفر للّذين بقولهم يتحقّق الإيمان

وبالاختصار لمّا أن صارت هذه الوجودات القدسيّة منزّهة ومقدّسة عن العوارض البشريَّة، ومتخلِّقة بأخلاق الرّوحانيّين، ومتَّصفة بأوصاف المقدَّسين، لهذا أطلق اسم الملائكة على هذه النّفوس المقدَّسة. هذا هو معنى تلك الكلمات الّتي قد اتَّضحت كلّ فقرة منها بالآيات الواضحة والدّلائل المتقنة، والبراهين اللاّئحة.

ولمَّا لم تصل أمم عيسى إلى هذه المعاني، ولم تظهر هذه العلامات بحسب الظّاهر كما أدركوها هم وعلمائهم، لهذا لم يُقبلوا إلى المظاهر القدسيّة من ذلك اليوم إلى الآن، وصاروا محرومين من جميع الفيوضات القدسيَّة، ومحجوبين عن بدائع الكلمات الصّمدانيّة. هذا شأن هؤلاء العباد في يوم الميعاد حيث عجزوا عن أن يدركوا بأنّه لو كانت أشراط الظّهور في أيّ عصر تظهر في عالم الظّاهر مطابقة لما ورد في الأخبار، فمن الّذي كان يستطيع الإنكار

والإعراض، وكيف كان يفصل بين السّعيد والشّقيّ، والمجرم والتّقيّ، احكم بالإنصاف. مثلا ً لو تظهر بحسب الظّاهر هذه العبارات المسطورة في الإنجيل، وتنزل الملائكة مع عيسى ابن مريم من السّماء الظّاهرة على السّحاب، فمن ذا الّذي يقدر على التّكذيب أو يستطيع الإنكار ويستكبر عن الإيمان؟ بل إنّ الاضطراب يأخذ أهل الأرض قاطبة على الفور بدرجة لا يقدرون على التّكلّم والتّفوُّه بحرف واحد، فكيف يصل الحال إلى الرّدِّ أو القبول؟ ونظرا ً لعدم إدراكهم هذه المعاني فقد عارض جمع من علماء النّصارى محمّدا ً قائلين له إذا كنت أنت النّبيّ الموعود، فلماذا ليس معك هؤلاء الملائكة المذكورون في كتبنا والّذين يجب أن يأتوا مع جمال الموعود ويكونوا عونًا له في أمره ونذيرًا للعباد؟ كما أخبر ربِّ العزّة عن لسانهم بقوله: ﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾( ) إنّ أمثال هذه الاعتراضات كانت موجودة بين النّاس في كلّ الأزمان والأعصار. وكانوا في كلّ الأيّام مشتغلين بزخارف القول، بحجّة أنّ العلامة الفلانيّة لم تظهر، والبرهان الفلاني لم

يتحقّق وما انتابتهم هذه الأمراض إلاّ من تمسُّكهم بعلماء عصرهم في تصديق وتكذيب هذه الجواهر المجرَّدة، والهياكل الإلهيّة. ونظرًا لاستغراقهم في الشّؤونات النّفسيّة، واشتغالهم بالأمورات الدّنيّة الفانية، لهذا كانوا يرون في هذه الشّموس الباقية، أنّها مخالفة لعلمهم وإدراكهم، ومعارضة لجهدهم واجتهادهم. وكانوا يفسّرون معاني الكلمات الإلهيّة، ويبيِّنون أحاديث الحروفات الأحديّة وأخبارها، تفسيرًا لفظيًّا بحسب مداركهم القاصرة. لهذا حَرَموا أنفسهم وجميع النّاس من أمطار ربيع الفضل، وابتعدوا عن رحمة حضرة الأحديّة، مع أنّهم مقرّون ومذعنون بالحديث المشهور القائل (حديثُنا صعبٌ مستصعبٌ). وبالحديث الّذي يقول في موضع آخر (إنّ أمرَنا صعبٌ مستصعبٌ لا يحتمله إلاّ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أو نبيٌّ مُرسَلٌ أو عبدٌ امتحنَ اللهُ قلبَهُ للإيمانِ). ومن المسلَّم لديهم أنّه لم يصدق في حقِّهم أحد هذه الأحوال الثّلاثة. فالحالان الأوّلان أمرهما واضح، وأمّا في الحالة الثّالثة فإنّهم لم يسْلَموا أبدًا من الامتحانات الإلهيّة وعند ظهور المحكِّ الإلهيّ لم يظهر منهم شيء إلاّ الغشّ

سبحان الله مع إقرارهم بهذا الحديث فإنّ العلماء الّذين

لا يزالون إلى الآن في ظنّ وشكّ في المسائل الشّرعيّة كيف يدّعون العلم في غوامض مسائل الأصـول الإلهيّة، وجواهر أسرار الكلمات القدسيّة، ويقولون بأنّ الحديث الفلاني الّذي هو من علائم ظهور القائم (المهدي) لم يظهر إلى الآن مع أنّهم لم يدركوا أبدًا رائحة معاني الأحاديث وغفلوا عن أنّ جميع العلامات قد ظهرت وصراط الأمر قد امتدّ، والمؤمنون كالبرق عليه يمرّون. وهم لظهور العلامة ينتظرون قل يا ملأ الجهّال فانتظروا كما كان الّذين من قبلكم لمن المنتظرين

وإذا ما سئلوا عن شرائط ظهور الأنبياء الّذين يأتون من بعد حسب ما هو المسطور في الكتب من قبل والّتي من جملتها علامات ظهور الشّمس المحمّديّة وإشراقها كما قد أشرنا إليه من قبل والّتي بحسب الظّاهر لم تظهر منها علامة واحدة. فمع هذا إذا سئلوا بأيّ دليل وبرهان تردّون النّصارى وأمثالهم وتحكمون عليهم بالكفر، فحين عجزهم عن الجواب يتمسّكون بقولهم إنّ هذه الكتب قد حرّفت وإنّها ليست من عند الله، وإنّها لم تكن من عنده أبدًا. والحال أنّ نفس عبارات الآية تشهد بأنّها من عند الله. ومضمون

نفس هذه الآية أيضًا موجود في القرآن لو أنتم تعرفون: الحقّ أقول لكم أنّهم لم يدركوا في تلك المدّة ما هو المقصود من التّحريف

أجل قد ورد في الآيات المنزلة، وكلمات المرايا الأحمديّة ذكر تحريف العالين وتبديل المستكبرين ولكنّ ذلك في مواضع مخصوصة: ومن جملتها حكاية ابن صوريّا حينما سأل أهل خيبر من نقطة الفرقان محمّد عليه السلام عن حكم قصاص زنا المحصن والمحصنة فأجابهم حضرته "بأنّ حكم الله هو الرجم" وهم أنكروا قائلين بأنّ مثل هذا الحكم غير موجود في التّوراة فسألهم حضرته "أيّ عالم من علمائكم تسلِّمون به وتصدقون كلامه؟" فاختاروا ابن صوريّا فأحضره رسول الله  وقال له "أقسمك بالله الّذي فلَق لكم البَحْرَ، وأَنْزَلَ عليكم المَنَّ، وظلَّلَ لكم الغمامَ، ونجَّاكم من فرعون وملئه، وفضَّلَكم على النّاس بأن تذكر لنا ما حكم به موسى في قصاص الزّاني المُحْصَن والزّانية المُحْصَنَة) أي أنّ حضرته استحلف ابن صوريّا بهذه الإيمان المؤكّدة عمّا نُزِّل في التّوراة من حكم قصاص الزّاني المحصن فأجاب: أن يا محمّد إنّه الرّجم، فقال حضرته

لماذا نسخ هذا الحكم من بين اليهود وتعطَّل حكمه. فأجاب بأنّه "لمّا حَرَقَ بختنصّر بيت المقدس وأعمل القتل في جميع اليهود لم يبقَ أحدٌ منهم في الأرض إلاّ عدد يسير. فعلماء ذاك العصر بالنظر لقلَّة اليهود وكثرة العمالقة اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم بأنّهم لو عملوا وفق حكم التّوراة لقُتِل الّذين نجوا من يد بختنصّر بحكم التّوراة، ولهذه المصلحة رفعوا حكم القتل من بينهم بالمرة" وفي هذه الأثناء نزل جبريل على قلبه المنير وعرض عليه هذه الآية ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾( ) هذا موضع من المواضع الّتي أشير إليها، وفي هذا المقام ليس المقصود من التّحريف ما فهمه هؤلاء الهمج الرّعاع كما يقول بعضهم إنّ علماء اليهود والنّصارى محوا من الكتاب الآيات الّتي كانت في وصف الطّلعة المحمّديّة، وأثبتوا فيه ما يخالفها، وهذا القول لا أصل له ولا معنى أبدًا: فهل يمكن أنَّ أحدًا يكون معتقدًا بكتاب ويعتبره بأنّه من عند الله ثمَّ يمحوه؟ وفضلاً عن ذلك فإنّ التّوراة كانت موجودة في كلّ البلاد ولم تكن محصورة بمكّة والمدينة حتّى يستطيعوا أنّ يغيّروا أو يبدّلوا فيها. بل

إنّ المقصود من التّحريف هو ما يشتغل به اليوم جميع علماء الفرقان ألا وهو تفسير الكتاب وتأويله بحسب ميولهم وأهوائهم: ولمّا كان اليهود في عصر حضرة الرّسول يفسِّرون آيات التّوراة الدّالة على ظهور حضرته بحسب أهوائهم وما كانوا يرضون ببيان محمّد عليه السّلام لذا صدر في حقِّهم حكم التّحريف. كما هو مشهود اليوم عن أمَّة الفرقان كيف أنّها حرَّفت آيات الكتاب الدَّالة على علامات الظّهور، ويفسِّرونها بحسب ميولهم وأهوائهم كما هو معروف

وفي موضع آخر يقول: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾( ) وهذه الآية دالّة أيضًا على تحريف معاني الكلام الإلهيّ لا على محو الكلمات الظّاهريّة كما هو مستفاد من الآية، وتدركه أيضًا العقول المستقيمة

وفي موضع آخر يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ

بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾( ) إلى آخر الآية. وهذه الآية قد نزلت في شأن علماء اليهود وأكابرهم حيث كانوا يكتبون ألواحًا عديدة في ردِّ حضرة الرّسول لأجل استرضاء خاطر الأغنياء، واستجلاب زخارف الدّنيا، وإظهار الغلّ والكفر. وكانوا يستدلُّون على ذلك بدلائل عديدة لا يجوز ذكرها، وينسبون إلى أدلَّتهم هذه أنّها مستفادة من أسفار التوراة كما يشاهد اليوم مثل ذلك: فكم من الرّدود على هذا الأمر البديع كتبها علماء العصر الجاهلون، وزعموا بأنّ مفترياتهم هذه مطابقةٌ لآيات الكتاب، وموافقة لكلمات أولي الألباب

وقصارى القول إنّ المقصود من هذه الأذكار هو أنّه إذا كانوا يقولون بأنّ هذه العلائم المذكورة المشار إليها في الإنجيل قد حرِّفت، ويردّونها ويتمسّكون بآيات وأخبار، فاعرف بأنّه كذب محض، وافتراء صرف: نعم إنّ ذكر التّحريف بهذا المعنى الّذي أشير إليه موجود في مواضع معيّنة. ولقد ذكرنا بعضًا منها حتّى يكون معلومًا ومثبوتًا

لكلّ ذي بصر بأنّ الإحاطة بالعلوم الظّاهرة أيضًا موجودة لدى بعض من الأمّيّين الإلهيّين كيلا يقع المعارضون في هذا الوهم ويتشبّثون بالمعارضة مدَّعين بأنّ الآية الفلانيّة دليل على التّحريف. وإنّ هؤلاء الأصحاب قد ذكروا هذه المراتب والمطالب فقط بسبب عدم اطّلاعهم: وعلاوة على ما ذكر فإنّ أكثر الآيات المشعرة بالتّحريف قد نزِّلت في حقّ اليهود "لو أنتم في جزائر علم الفرقان تحبرون".

ولو أنّه قد سمع من بعض حمقى أهل الأرض أنّهم يقولون بأنّ الإنجيل السّماوي ليس في يد النّصارى بل قد رفع إلى السّماء غافلين عن أنّهم بهذا القول يثبتون نسبة الظّلم والاعتساف بأكمله لحضرة الباري جلَّ وعلا. لأنّه إذا كان بعد غياب شمس جمال عيسى عن وسط القوم وارتقائها إلى الفلك الرّابع ورفع كتاب الله جلَّ ذكره أيضًا من بين خلقه الّذي هو أعظم حجّة بينهم فبأيّ شيء يتمسّك به أولئك العباد من زمن عيسى إلى زمن إشراق الشّمس المحمّديّة؟ وبأيّ أمر كانوا به مأمورين؟ وكيف يصيرون مورد انتقام المنتقم الحقيقيّ، ومحلَّ نزول عذاب وسياط السّلطان المعنويّ: وبصرف النّظر عمّا ذكر يترتَّب على ذلك انقطاع

فيض الفيَّاض وانسداد باب رحمة سلطان الإيجاد "فَنَعُوذُ بِاللّهِ عَمّا يَظُنُّ العبادُ فی حَقِّه، فَتَعالی عَمّا هُم يَعرفُونَ".

فيا عزيزي إنّه في هذا الصبح الأزلي الّذي فيه أحاط العالم أنوار﴿الهُ نُورُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ﴾( ) وارتفع سرادق العصمة والحفظ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾( ) وفيه انبسطت وقامت يد القدرة بقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾( ) ينبغي لنا أن نشدَّ أزر الهمَّة لعلَّ نصلُ بعناية من الله وكرم منه إلى المدينة القدسيّة ﴿إِنَّا للهِ﴾ ونستقرّ في مواقع عزّ ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ويجب عليك إن شاء الله أن تنزِّه عيني فؤادك عن الشّؤون الدّنيويّة حتّى تدرك ما لا نهاية له من مراتب العرفان، وترى الحقّ أظهر من أن يحتاج في إثبات وجوده إلى دليل أو يتطلّب التّمسُّك بحجّة في معرفته

أيّها السّائل المحبّ، لو أنّك تكون طائرًا في هواء الرّوح الرّوحانيّ لترى الحقّ ظاهرًا فوق كلّ شيء بدرجة لا ترى في

الوجود شيئًا غيره "كان اللهُ ولم يكن معه مِن شيء" وهذا المقام مقدَّس عن أن يستدلّ عليه بدليل أو يحتاج إلى برهان. ولو تكون سائرًا في فضاء قدس الحقيقة لتجد كلّ الأشياء معروفة بعرفانه وهو ما زال ولا يزال معروفًا بنفسه. ولو تكون ساكنًا في أرض الدّليل فاكف نفسك بما قاله بنفسه ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾( ) هذه هي الحجّة الّتي قرّرها بنفسه ولم يكن أعظم منها حجّة ولن يكون "دليله آياته ووجوده إثباته".

إنّني في هذا الوقت أُذَكِّر أهل البيان وأطلب من عرفائهم وحكمائهم وعلمائهم وشهدائهم بأن لا ينسوا الوصايا الإلهيّة الّتي أنزلها في الكتاب ويكون دائمًا ناظرين إلى أصل الأمر كيلا يتمسّكوا ببعض عبارات الكتاب حين ظهور ذلك الجوهر الّذي هو جوهر الجواهر وحقيقة الحقائق ونور الأنوار. وأن لا يرد عليه منهم ما ورد في كور الفرقان لأنّ ذاك السّلطان -سلطان الهويّة- قادر على أن يقبض الرّوح من كلّ البيان، وخلقه بحرف واحد من بدائع كلماته. أو

يهب عليهم الحياة البديعة القدميَّة بحرف واحد منه ويحشرهم ويبعثهم من قبور النّفس والهوى: وأنت فالتفت وارتقب وأيقن في ذاتك بأنَّ الكلَّ سوف ينتهي أمرهم إلى الإيمان به وإدراك أيَّامه ولقائه ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾( ) "اسمعوا يا أهل البيان ما وصَّيناكم بالحقّ لعلَّ تسكننَّ في ظلِّ كان في أيام الله ممدودًا"

"الباب المذكور في بيان أنَّ شمس الحقيقة ومظهر نفس الله ليكوننَّ سلطانًا على من في السّموات والأرض وإن لن يطيعه أحد من أهل الأرض، وغنيًّا عن كلِّ من في الملك وإن لم يكن عنده دينار – كذلك نظهر لك من أسرار الأمر، ونلقي عليك من جواهر الحكمة لتطيرنّ بجناحيّ الانقطاع في الهواء الّذي كان عن الأبصار مستورًا"

إنّ لطائف هذا الباب وجواهره توضِّح وتثبت لدى أصحاب النّفوس الزّكيّة والمرايا القدسيّة، أنَّ شموس الحقيقة

ومرايا الأحديَّة الّتي تظهر في كلِّ عصرٍ وزمان من خيام غيب الهويّة إلى عالم الشّهادة لتربية الممكنات، وإبلاغ الفيض إلى كلّ الموجودات – هذه الشّموس تظهر بسلطنة قاهرة، وسطوة غالبة، لأنّ هذه الجواهر المخزونة والكنوز الغيبيّة المكنونة هم محل ظهور "يفعلُ اللهُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ"

ومن الواضح لدى أولي العلم والأفئدة المنيرة، أنَّ غيب الهويَّة وذات الأحديَّة كان مقدَّسًا عن البروز والظّهور، والصّعود والنّزول والدّخول والخروج، ومتعاليًا عن وصف كلّ واصف وإدراك كلِّ مدرك، لم يزل كان غنيًّا في ذاته، ولا يزال يكون مستورًا عن الأبصار والأنظار بكينونته ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾( ) لأنَّه لا يمكن أن يكون بينه وبين الممكنات بأيِّ وجه من الوجوه نسبة وربط وفصل ووصل أو قرب وبعد وجهة وإشارة. لأنَّ جميع من في السّموات والأرض قد وُجِدوا بكلمة أمره، وبُعِثوا من العدم البحت والفناء الصّرف إلى عرصة الشّهود والحياة بإرادته الّتي هي نفس المشيئة

سبحان الله! إنَّه ما كان ولن يكون بين الممكنات وبين كلمته أيضًا نسبة ولا ربط: والبرهان الواضح على هذا المطلب قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾( ) والدّليل اللاّئح عليه "كان الله ولم يكن معه من شيء". إذ أنَّ جميع الأنبياء والأوصياء والعلماء والعرفاء والحكماء قد أقرّوا بعدم بلوغ معرفة ذلك الجوهر الّذي هو جوهر الجواهر. وأذعنوا بالعجز عن العرفان والوصول إلى تلك الحقيقة الّتي هي حقيقة الحقائق

ولما أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودةً على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله "سبقتْ رحْمَتُه كلَّ شيءٍ ووسعَتْ رحمتي كلَّ شيءٍ" قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نورانيّة، من عوالم الرّوح الرّوحانيّ على هياكل العزِّ الإنسانيّ، كي تحكي عن ذات الأزليَّة وساذج القدميّة – وهذه المرايا القدسيّة ومطالع الهويّة تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود. فمثلاً علمهم من علمه، وقدرتهم من قدرته، وسلطنتهم من

سلطنته، وجمالهم من جماله، وظهورهم من ظهوره، وهم مخازن العلوم الربّانيّة، ومواقع الحكمة الصّمدانيّة، ومظاهر الفيض اللاّمتناهي، ومطالع الشّمس السّرمديّة كما قال "لا فرق بينك وبينهم إلاّ بأنّهم عبادك وخلقك" وهذا مقام "أنا هو وهو أنا" حسب المذكور في الحديث. والأحاديث والأخبار الدّالة على هذا المطلب عديدة لم يتعرَّض هذا العبد إلى ذكرها حبًّا للاختصار. بل إنّ كلَّ ما في السّموات والأرض مواقع لبروز الصِّفات والأسماء الإلهيّة، كما هو ظاهر في كلِّ ذرَّة آثار تجلِّي تلك الشّمس الحقيقيّة، بل إنَّه من غير ظهور هذا التّجلِّي في عالم الملك لا يكون لأيّ شيء شرف الفخر بخلعة الحياة أو شرف الوجود. فكم في الذّرة مستور من شموس المعارف، وكم في القطرة مخزون من بحور الحكمة، ولا سيّما الإنسان الّذي اختصّ من بين الموجودات بهذه الخلع، وامتاز بهذا الشرف. لأنَّ جميع الأسماء والصِّفات الإلهيّة تظهر من المظاهر الإنسانيّة بنحوٍ أكمل وأشرف. وكلّ هذه الأسماء والصِّفات راجعة إليه حيث قال: "الإنسان سرّي وأنا سرّه" والآيات المتواترة المشعرة والدّالة على هذا المطلب الرّقيق اللّطيف مسطورة في جميع الكتب السماويّة، ومذكورة في

الصّحف الإلهيّة، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِم﴾( ) وفي مقام آخر ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾(2) وفي مقام آخر يقول أيضًا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالّذينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾(3) وكما يقول سلطان البقاء روح من في سرادق العماء فداه "مَنْ عرفَ نَفسَهُ فقد عَرفَ ربَّه" قسمًا بالله يا حبيبي الجليل لو تفكّر قليلاً في هذه العبارات لتجدن أبواب الحكمة الإلهيّة ومصاريع العلم غير المتناهي مفتوحة أمام وجهك

والخلاصة أنَّه صار معلومًا من هذه البيانات أنَّ جميع الأشياء حاكية عن الأسماء والصّفات الإلهيّة، وعلى كلّ قدر استعداده مدلّ ومشعر بالمعرفة الإلهيّة على شأن أحاطت ظهوراته الصّفاتيّة والأسمائيّة كلّ الغيب والشّهود – ولهذا يقول: "أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك عميت عين لا تراك" وكما يقول أيضًا سلطان البقاء: "ما رأيت شيئًا إلا وقد رأيت الله فيه أو قبله أو بعده". وفي رواية

كميل "نور أشرق من صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره" والإنسان الّذي هو أشرف المخلوقات وأكملها لأشدّ دلالة وأعظم حكاية من سائر المعلومات، وأكمل إنسان وأفضله وألطفه هم مظاهر شمس الحقيقة. بل إنَّ ما سواهم موجودون بإرادتهم ومتحرّكون بإفاضتهم. لولاك لما خلقتُ الأفلاك. بل الكلّ في ساحة قدسهم عدمٌ صرف وفناءٌ بحت. بل إنَّ ذكرهم منزّه عن ذكر غيرهم، ووصفهم مقدّس عن وصف ما سواهم. وهؤلاء الهياكل القدسيّة هم المرايا الأوّليّة الأزليّة الّتي تحكي عن غيب الغيوب وعن كلّ أسمائه وصفاته من علم وقدرة وسلطنة وعظمة ورحمة وحكمة وعزّة وجود وكرم. فكلّ تلك الصّفات ظاهرة ساطعة من ظهور هذه الجواهر الأحديّة. إنَّ هذه الصّفات ليست مختصّة ببعض دون بعض ولم تكن كذلك فيما مضى بل إنَّ جميع الأنبياء المقرّبين والأصفياء المقدّسين موصوفون بهذه الصّفات وموسومون بتلك الأسماء. نهاية الأمر أنَّ بعضهم يظهر في بعض المراتب أشدّ ظهورًا، وأعظم نورًا كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾( ). إذًا صار من المعلوم والمحقّق أنَّ

محلّ ظهور جميع هذه الصّفات العالية وبروز الأسماء غير المتناهية هم أنبياء الله وأولياؤه. سواء أتظهر بحسب الظّاهر بعض هذه الصّفات في تلك الهياكل النّورانيّة أو لا تظهر: وليس معنى ذلك أنَّه إذا لم تظهر من تلك الأرواح المجرّدة صفة بحسب الظّاهر يكون نصيبها نفي تلك الصّفة عن أولئك المظاهر للصّفات الإلهيّة ومعادن أسماء الرّبوبيّة. لهذا يجري على كلّ هؤلاء الوجودات المنيرة والطّلعات البديعة حكم جميع صفات الله من السّلطنة والعظمة وأمثالها حتّى وإن لم يظهروا بحسب الظّاهر بسلطنة ظاهرة أو غيرها. وهذه الفقرة ثابتة ومحقّقة لكلّ ذي بصر فلا تحتاج إلى دليل آخر

أجل إنَّ هؤلاء العباد لمّا لم يأخذوا تفاسير الكلمات القدسيّة من العيون الصّافية المنيرة عيون العلوم الإلهيّة، فهم لهذا سائرون في وادي الظّنون والغفلة، وقد أنهكهم الظّمأ، وأدركهم الإعياء معرضون عن البحر العذب الفرات، وطائفون حول الملح الأجاج كما قال ورقاء الهويّة في وصفهم، ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا

وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾( ) أي أنَّه إنَّ يروا سبيل الصّلاح والفلاح لا يتّخذوه سبيلاً ولا يقبلوا عليه. وأمّا إن يروا طريق الباطل والطّغيان والضّلالة فهذا يعدّونه بزعمهم طريق الوصول إلى الحقّ. ولم يظهر منهم هذا الإقبال إلى الباطل والإعراض عن الحقّ يعني أنّهم لم يبتلوا بالضّلالة والغيّ إلاّ جزاءً بما كانوا يكذّبون بآياتنا، وكانوا عن نزولها وظهورها غافلين. كما شوهد في هذا الظّهور البديع المنيع من مئات الآلاف من الآيات الإلهيّة الّتي نزّلت من سماء القدرة والرّحمة – ومع ذلك قد أعرض عنها كلّ الخلق وتمسّكوا بأقوال العباد الّذين ما أدركوا حرفًا منها – فلهذا السّبب اشتبهوا في أمثال هذه المسائل الواضحة وحرموا أنفسهم عن رضوان علم الأحديّة ورياض الحكمة الصّمديّة

ولنرجع أخيرًا إلى المبحث الخاصّ بالسّؤال عن سلطنة القائم من حيث كونها قد وردت في الأحاديث المأثورة عن الأنجم المضيئة. ومع ذلك لم يظهر أثر من تلك السّلطنة بل قد تحقّق خلافه. إذ أنَّ أصحابه وأولياءه كانوا ولا زالوا

محصورين ومبتلين تحت أيدي النّاس، وظاهرين في عالم الملك بمنتهى الذّلّ والعجز. نعم إنَّ السّلطنة المذكورة في الكتب في حقّ القائم لهي حقّ ولا ريب فيها، ولكنّها ليست بتلك السّلطنة والحكومة الّتي تدركها كلّ نفس، فضلاً عن أنّ جميع الأنبياء السّابقين الّذين بشّروا النّاس بالظّهور الّذي يأتي بعدهم، قد ذكر كلّ أولئك المظاهر السّابقين سلطنة الظّهور التّالي كما هو مسطور في كتب القبل، وإنّها لم تتخصّص بالقائم وحده بل إنّ حكم السّلطنة وجميع الصّفات والأسماء متحقّق وثابت في حقّ كلّ أولئك المظاهر من السّابقين واللاّحقين، لأنّهم مظاهر الصّفات الغيبيّة، ومطالع الأسرار الإلهيّة كما سبقت الإشارة إليه

وفضلاً عن ذلك فإنّ المقصود من السّلطنة هو إحاطة حضرته وقدرته على كلّ الممكنات – سواء أيظهر في عالم الظّاهر بالاستيلاء الظّاهريّ أو لا يظهر به – وهذا أمر منوط بإرادة حضرته ومشيئته، وليكن في علم جنابك أنَّ المقصود من السّلطنة والغنى، والحياة والموت، والحشر والنّشر، المذكور في الصّحف الأولى ليس هو ما يدركه الآن هؤلاء القوم ويفهمونه. بل إنَّ المراد من السّلطنة هي السّلطنة الّتي

تظهر في أيّام ظهور كلّ واحد من شموس الحقيقة من نفس المظهر لنفسه، وهي الإحاطة الباطنيّة الّتي بها يحيطون بكلّ من في السّموات والأرض. ثمَّ تظهر بعدئذ في عالم الظّاهر بحسب استعداد الكون والزّمان والخلق. فمثلاً سلطنة حضرة الرّسول هي الآن ظاهرة واضحة بين النّاس، ولكن في أوّل أمر حضرته كانت كما سمعت وعرفت. بحيث ورد على ذلك الجوهر جوهر الفطرة وساذج الهويّة ما ورد من أهل الكفر والضّلال، الّذين هم علماء ذلك العصر وأتباعهم. فكم كانوا يلقون من الأقذار والأشواك في محلّ عبور حضرته: ومن المعلوم أنَّ أولئك الأشخاص كانوا يعتقدون بظنونهم الخبيثة الشّيطانيّة، أنَّ أذيتهم لذلك الهيكل الأزليّ، تكون سببًا لفوزهم وفلاحهم لأنّ جميع علماء العصر، مثل عبد الله بن أُبَيّ، وأبو عامر الرّاهب، وكعب بن أشرف، ونضر بن الحارث جميعهم قاموا على تكذيب حضرته ونسبوا إليه الجنون والافتراء، ورموه بمفتريات نعوذ بالله من أن يجري به المداد، أو يتحرّك عليه القلم أو تحمله الألواح. نعم إنَّ هذه المفتريات الّتي نسبوها إلى حضرته كانت سببًا في إيذاء النّاس له. ومن المعلوم والواضح أنّه إذا كان علماء العصر يُكفّرون شخصًا

ويحكمون بردّته ويطردونه من بينهم ولا يعتبرونه من أهل الإيمان فكم يرد على هذه النّفس من البلايا كما قد ورد على هذا العبد ممّا كان مشهودًا للجميع

لهذا قال حضرة الرّسول: "ما أوذِي نبيٌّ بمثل ما أوذيت" فهذه المفتريات الّتي ألصقوها بحضرته، وذلك الإيذاء الّذي حلّ به منهم، كلّ ذلك مذكور في الفرقان. فارجعوا إليه لعلّكم بمواقع الأمر تطّلعون واشتدّت عليه الأمور من كلّ الجهات بدرجة أنّه ما كان يعاشره أحد، ولا يعاشرون أصحابه مدّة من الزّمان. و كلّ من كان يتشرّف بحضرته ويتّصل به كانوا يؤذونه غاية الأذى

إنّا نذكر في هذا المقام آية من الكتاب بحيث لو نظرت إليها بعين البصيرة لَنُحتَ وندبت على مظلوميّة حضرته ما دمت حيًّا – وهذه الآية قد نزلت في وقت كان حضرته في شدّة الضّيق والكدر من شدّة البلايا وإعراض النّاس عنه. فنزل عليه جبريل من سدرة منتهى القرب، وتلا عليه هذه الآية ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا

فِي السَّمَاء﴾( ) أي يقول له إنّه إن كان قد كبر عليك إعراض المعرضين واشتدّ عليك إدبار المنافقين وإيذاؤهم، فإن استطعت وقدرتَ فاطلب نفقًا تحت الأرض أو سلّمًا في السّماء. ويفهم من التّلويح في هذا البيان أنّه لا مفرّ لك من ذلك ولا قدرة لك عليه، إلاّ إذا كنت تختفي تحت الأرض أو ترقى إلى السّماء

والآن انظر وتأمّل كم من السّلاطين يخضعون لاسم حضرته ويعظّمونه، وكم من البلاد وأهلها يستظلّون في ظلّه ويفتخرون بالانتساب إليه، كما أنّهم يذكرون على المنابر والمآذن هذا الاسم المبارك بكمال التّعظيم والتّكريم – وكذا السّلاطين الّذين لم يدخلوا في ظلّ حضرته، ولم يخلعوا عن أنفسهم قميص الكفر، هم أيضًا مقرّون ومعترفون بالعظمة والجلال لهذه الشّمس – شمس العناية – فهذه هي السّلطنة الظّاهرة الّتي تشاهدها. وهي لا بدّ من ظهورها وثبوتها لجميع الأنبياء، إمّا في الحياة أو بعد عروجهم إلى الموطن الحقيقيّ كما هو مشهود اليوم. ولكن تلك السّلطنة

المقصودة لم تزل ولا تزال طائفة حولهم، ودائمًا معهم، وما انفكّت عنهم آنًا من الزّمان. وهي السّلطنة الباطنيّة الّتي أحاطت كلّ من في السّموات والأرض.

ومن جملة ذلك السّلطنة الّتي ظهرت عن شمس الأحديّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام. أما سمعت كيف أنّه بآية واحدة قد فصل بين النّور والظّلمة، والسّعيد والشّقي، والمؤمن والكافر، وظهرت جميع الإشارات والدّلالات الخاصّة بالقيامة الّتي سمعت عنها، من حشر ونشر، وحساب وكتاب وغيره. كلّ ذلك قد ظهر وتحقّق في عالم الشّهود بتنزيل تلك الآية الواحدة – وهكذا كانت تلك الآية المنزلة رحمة للأبرار، أي للنّفوس الّذين قالوا حين الاستماع: ربّنا سمعنا وأطعنا. ونقمة للفجّار أي للّذين قالوا بعد الاستماع: سمعنا وعصينا. وكانت سيف الله الفاصل بين المؤمن والكافر، وبين الأب والابن. كما شاهدت كيف أنَّ أولئك الّذين أقرّوا بالإيمان والّذين أنكروا، قد قاموا ضدّ بعضهم بعضًا لإبادة الأنفس وإتلاف الأموال. فكم من أب قد أعرض عن أبنائه، وكم من عشّاق ابتعدوا عن معشوقيهم، واحترزوا منهم. وكم كان هذا

السّيف البديع حادًّا وقاطعًا بحيث قطع من بينهم كلّ نسبة وصلة. كما تلاحظ أيضًا أنّه من جهة أخرى قد وصل وألّف بينهم، إذ قد شوهد أنَّ جمعًا من النّاس كان شيطان النّفس والهوى قد بذر فيما بينهم في سنين عديدة بذور العداوة والبغضاء، وبسبب الإيمان بهذا الأمر البديع المنيع صاروا متّحدين ومتّفقين بدرجة كأنّهم أتوا من صلب واحد. كذلك يؤلّف الله بين قلوب الّذين هم انقطعوا إليه وآمنوا بآياته وكانوا من كوثر الفضل بأيادي العزّ من الشّاربين. وعلاوة على ذلك، كم من أناس مختلفين في العقائد، ومتباينين في المذاهب، ومتفاوتين في المزاج، قد لبسوا قميص التّوحيد الجديد من هذا النّسيم – نسيم الرّضوان الإلهيّ وربيع القدس المعنويّ. وشربوا من كأس التّفريد

هذا هو معنى الحديث المشهور القائل بأنّ "الذّئب والغنم يأكلان ويشربان من محلّ واحد". والآن انظر إلى عدم عرفان هؤلاء الجهلاء، كيف أنّهم لا زالوا ينتظرون مثل الأمم السّابقة متى تجتمع هذه الحيوانات على خوان واحد – هذه درجة عرفان أولئك النّاس، كأنّهم ما شربوا من كأس الإنصاف أبدًا وما مشوا في سبيل العدل خطوة. وبصرف

النّظر عن ذلك، فأيّ حسنٍ يحدثه وقوع هذا الأمر في العالم. فنِعْمَ ما نُزِّل في شأنهم ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾( )

وانظر أيضًا كيف أنَّه بتنزيل تلك الآية الواحدة من سماء المشيئة قد فصّل في حساب الخلائق، بحيث أنَّ كلّ من أقبل وأقرّ زادت حسناته على سيّئاته وعفي عنه وغفرت له جميع الخطايا. كذلك يصدق في شأنه بأنَّه سريع الحساب. وكذلك يبدّل الله السّيّئات بالحسنات، لو أنتم في آفاق العلم وأنفس الحكمة تتفرّسون – وكذلك كلّ من أخذ نصيبه من كأس الحبّ فقد فاز بالحياة الإيمانيّة الباقية الأبديّة من بحر الفيوضات السّرمديّة، وغمام الرّحمة الأبديّة. وكلّ من لم يفز بهذه الكأس ابتلي بالموت الدّائميّ. والمقصود من الموت والحياة المذكورين في الكتب هو الموت الإيمانيّ والحياة الإيمانيّة. وبسبب عدم إدراك هذا المعنى اعترضت عامّة النّاس في كلّ ظهور، ولم يهتدوا إلى شمس الهداية، ولم يقتدوا بالجمال الأزليّ

ولمّا أضاء السّراج المحمّديّ في المشكاة الأحمديّة، أطلق على النّاس حكم البعث والحشر والحياة والموت. وبذا ارتفعت أعلام المخالفة، وانفتحت أبواب الاستهزاء، كما أخبر الرّوح الأمين عن لسان المشركين بقوله: ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الّذينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾( ) وفي مقام آخر ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾( ). ولهذا قال في مقام آخر قهرًا لهم: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾( ) ومضمونه هل كنّا عاجزين عن الخلق الأوّل، بل إنَّ هؤلاء المشركين في شكّ وشبهة من خلق جديد

إنّ علماء التّفسير وأهلَ الظّاهر لمّا لم يدركوا معاني الكلمات الإلهيّة، واحتجبوا عن المقصود الأصليّ، لهذا استدلّوا بقاعدة النّحو على أنَّ كلمة (إذا) الّتي تدخل على الماضي تفيد معنى المستقبل. وبعدها تحيّروا في تفسير

الكلمات الّتي لم تنزل فيها كلمة (إذا) مثل قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾( ) الّذي معناه الظّاهر بأنَّه نفخ في الصّور فعلاً، وإنّه ليوم الوعيد، الّذي كان بحسب نظرهم بعيدًا جدًا. وجاءت كلّ نفس لأجل الحساب ومعها سائق وشهيد. وفي مثل هذه المواقع إمّا قدَّروا كلمة (إذا) أو استدلّوا عليها، بأنَّه لمّا كانت القيامة محقّقة الوقوع، لهذا أتى به بلفظ الفعل الماضي كأنَّه شيء مضى: فانظروا إلى قلّة إدراكهم وعدم تمييزهم. إذ إنَّهم لم يدركوا النّفخة المحمّديّة الّتي عبّر عنها بهذه الصّراحة، ويحرمون أنفسهم عن فيض هذه النّقرة الإلهيّة، وينتظرون صور إسرافيل، الّذي هو واحد من عباده. مع أنَّ وجود إسرافيل وأمثاله قد تحقّق ببيان حضرته: قل أتستبدلون الّذي هو خير لكم فبئس ما استبدلتم بغير حقّ وكنتم قوم سوء أخسرين بل المقصود من الصّور هو الصّور المحمّدي الّذي نفخ على كلّ الممكنات. والمقصود من القيامة قيام حضرته على الأمر الإلهيّ. وإنَّه قد خلع على الغافلين الّذين كانوا

أمواتًا في قبور أجسادهم خلع الإيمان الجديدة، وأحياهم بحياة جديدة بديعة – لهذا لمّا أراد جمال الأحديّة إظهار رمزٍ من أسرار البعث والحشر والجنّة والنّار والقيامة، أوحى إليه جبريل بهذه الآية ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾( ). ومعناه إنَّ أولئك الضّالين التّائهين في وادي الضّلالة، سوف يهزّون رؤوسهم على سبيل الاستهزاء، ويقولون: في أيّ زمان ستظهر هذه الأمور؟ فقل لهم في الجواب عسى أن يكون ذلك قريبًا: إنَّ التّلويح في هذه الآية الواحدة ليكفي النّاس لو كانوا بالنّظر الدّقيق ينظرون

سبحان الله، ما أبعد هؤلاء القوم عن سبيل الحقّ، إذ إنَّ القيامة كانت قائمة بقيام حضرته، وعلاماته وأنواره كانت محيطة بكلّ الأرض، مع ذلك كانوا يسخرون. وكانوا عاكفين على التّماثيل الّتي أقامها علماء العصر بأفكارهم الباطلة العاطلة. وكانوا غافلين عن شمس العناية الرّبّانيّة، وأمطار الرّحمة السّبحانيّة. بلى إنَّ الجُعل لمحروم عن

روائح القدس الأزليّة، والخفّاش ليهرب من مواجهة أنوار الشّمس المضيئة

إنّ هذا المطلب وتلك الأحوال كانت في كلّ الأعصار في أيام ظهور مظاهر الحقّ. كما قال عيسى عليه السّلام "لا بدّ لكم بأن تولدوا مرّة أخرى". وكما قال في مقام آخر: "من لم يولد من الماء والرّوح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الرّوح هو روح" أي أنَّ النّفس الّتي لم تحيَ من ماء المعرفة الإلهيّة وروح القدس العيسويّ، فإنّها غير لائقة للدّخول والورود في الملكوت الرّبّانيّ. لأنَّ الّذي ظهر من الجسد وتولّد منه فهو جسد، والمولود من الرّوح الّتي هي نفس عيسى فهو روح. وخلاصة المعنى هو أنَّ العباد الّذين ولدوا من روح المظاهر القدسيّة، وحَيُوا من نفحتهم في أيّ ظهور يصدق عليهم حكم الحياة والبعث والورود في جنّة المحبّة الإلهيّة. وما عداهم من العباد يصدق عليهم حكم آخر، هو الموت والغفلة، والورود في نار الكفر والغضب الإلهيّ. ولقد أطلق في الكتب والألواح والصّحائف حكم الموت والنّار، وعدم البصر والقلب والسّمع على الّذين لم يشربوا من

كؤوس المعارف اللّطيفة ولم تفز قلوبهم بفيض روح القدس إبّان ظهوره في كلّ عصر كما أشير إليه من قبل ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾( ).

وفي مقام آخر في الإنجيل مسطور بأنَّه في ذات يوم توفّي والد أحد أصحاب عيسى. فعرض الأمر على حضرته وطلب منه إجازة ليذهب ليكفّنه ويدفنه ثمَّ يرجع. فأجابه جوهر الانقطاع "دع الموتى يدفنون موتاهم"

وكذلك قد حضر لدى حضرة الإمام عليّ كرم الله وجهه نفران من أهل الكوفة، أحدهما له بيت يريد بيعه، والآخر كان مشتريًا له، وكان قد قرّ قرارهما على أن تقع المبايعة باطّلاع حضرته، وتحرّر وثيقة المبايعة أمامه. فخاطب مظهر الأمر الإلهيّ الكاتب وقال له أن اكتب "قد اشترى ميت عن ميت بيتًا محدودًا بحدود أربعة، حدّ إلى القبر وحدّ إلى اللّحد وحدّ إلى الصّراط وحد إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار". فالآن لو كان هذان النّفران قد حُييت

روحهما من نفخة صور عليّ ولو كانا قد بعثا من قبر الغفلة بمحبّة حضرته لما أطلق عليهما البتّة حكم الموت

لم يكن مقصود الأنبياء والأولياء في أيّ عهد وعصر من ذكر الحياة والبعث والحشر إلاّ الحياة والبعث والحشر الحقيقيّ. فإذا ما تأمّل الإنسان قليلاً في هذا البيان الّذي قاله عليّ لانكشفت له جميع الأمور، وعرف ما هو المقصود من اللّحد والقبر، والصّراط والجنّة والنّار. ولكن ما الحيلة وجميع النّاس محجوبون في لحد النّفس ، ومدفونون في قبر الهوى. والخلاصة أنَّك لو رزقت قليلاً من زلال المعرفة الإلهيّة لعرفت بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة القلب لا حياةُ الجسد، لأنَّ في حياة الجسد يشترك جميع النّاس والحيوانات. أمّا هذه الحياة فهي مختصّة بأصحاب الأفئدة المنيرة، الّذين شربوا من بحر الإيمان، ورزقوا من ثمرة الإيقان. وهذه الحياة لا يعقبها موت، وهذا البقاء لا يلحقه فناء، كما قال "المؤمن حيٌّ في الدّارين". أمّا إذا كان المقصود بتلك الحياة، هي الحياة الجسديّة الظّاهرة المشهودة، فإنّ هذه يعقبها الموت

وكذلك البيانات الأخرى المذكورة في الكتب والمثبوتة فيها تدلّ على هذا المطلب العالي وتلك الكلمة المتعالية. وكذلك الآية المباركة الّتي نزّلت في حقّ حمزة سيّد الشّهداء، وفي حقّ أبي جهل إنّها لبرهان واضح على ذلك، وحجّة لائحة حيث تقول ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾( )، وهذه الآية قد نزّلت من سماء المشيئة عندما ارتدى حمزة رداء الإيمان المقدّس وكان أبو جهل ثابتًا على الكفر وراسخًا في الإعراض. فصدر من مصدر الألوهيّة الكبرى ومكمن الرّبوبيّة العظمى حكم الحياة بعد الموت في حقّ حمزة، وعلى نقيض ذلك في حقّ أبي جهل، ممّا أشعل نائرة الكفر في قلوب المشركين، وحرّك فيهم هوى الإعراض. وعلى هذا صرخوا وصاحوا قائلين: في أيّ زمان مات حمزة ومتى قام من الموت؟ وفي أيّ وقت جاءته هذه الحياة؟ ولمّا لم يدركوا هذه البيانات الشّريفة، ولم يسألوا أيضًا أهل الذّكر حتّى يبذلوا لهم رشحًا من كوثر المعاني، لهذا شاع في العالم أمثالُ هذا النّوع من الفساد

إنّك لترى اليوم أنَّه مع وجود شمس المعاني فإنّ جميع النّاس من الأعالي والأداني متمسّكون بالجُعل الظّلمانيّة والمظاهر الشّيطانيّة، وعلى الدّوام يستفسرون منهم عن مشكلات مسائلهم. وهؤلاء نظرًا لعدم عرفانهم يجيبون بجواب لا يترتّب منه ضرر على أسباب معاشهم، ولا على مكانتهم بين النّاس. ومن الواضح المعلوم أنَّ الجُعل نفسه ما فاز بنصيب من نسيم مسك البقاء، وما دخل في رضوان الرّياحين المعنويّة، فكيف مع هذا يمكنه أن يعطّر مشامّ الآخرين؟ ولم يزل كان هذا شأن هؤلاء العباد ولا يزال يكون كذلك. ولن يفوز بآثار الله إلا الّذين هم أقبلوا إليه وأعرضوا عن مظاهر الشّيطان. وكذلك أثبتَ الله حكم اليوم من قلم العزّة على لوح كان خلف سرادق العزّ مكنونًا. ولو التفتَّ إلى هذه البيانات وتفكَّرْتَ في ظاهرها وباطنها لعَرفتَ جميعَ المسائل المعضلة الّتي هي اليوم سدّ بين العباد وبين معرفتهم يوم التّناد. وما احتجت بعد ذلك إلى سؤال ولا إلى جواب. ونرجو إن شاء الله ألاّ ترجعَ من شاطئ البحر الإلهيّ ظمآنًا محرومًا، وألاّ تؤوب من حرم المقصود الأزليّ بدون قسمة ولا نصيب. وهذا متوقفٌ على همّتكم ومسعاكم

وخلاصة المقال أنَّ المقصود من هذه البيانات الواضحة هو لإثبات سلطنة سلطان السّلاطين. فأنصفوا الآن أيُّ السّلطنتين أكبرُ وأعظم، أتلك السّلطنة الّتي بحرف واحد وبيان واحد، صار لها كلّ هذا التّصرف والغلبة والهيمنة، أم سلطنة أولئك السّلاطين الّذين بحسب الظّاهر يخضع النّاس لهم أيّامًا معدودات بفضل إعانة الرّعايا ومعاونة الفقراء لهم؟ بينما هم في الحقيقة معرِضون ومدبرون عنهم بالقلوب. وهذه السّلطنة قد سخّرت العالم بحرف واحد ومنحته الحياة وأفاضت عليه الوجود – ما للتّراب وربّ الأرباب! بل كيف يمكن أن تذكر هناك نسبة مع أنَّ كلّ النّسب مقطوعة لدى ساحة قدس سلطنته؟ وإذا ما أمعنت النّظر لشاهدت أنَّ خدام عتبته لهم سلطنة على كلّ المخلوقات والموجودات كما ظهر ويظهر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى