منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مع كتاب الإيقان لحضرة بهاء الله 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
وبالاختصار هذا هو معنىً من معاني السّلطنة الباطنيّة الّتي أشرنا إليها بحسب استعداد النّاس وقابليّتهم، وإلاّ فلنقطة الوجود وطلعة المحمود سلطنات أخرى، هذا المظلوم غير قادر على إظهار مراتبها ومقاماتها، والخلق غير لائق لإدراكها – فسبحان الله عمّا يصف العباد في سلطنته

وتعالى عمّا هم يذكرون

إنّي أسأل جنابك عمّا إذا كان المقصود من السّلطنة هو الحكم الظّاهريّ والغلبة والاقتدار الدّنيويّ الظّاهريّ، الّذي يقهر كلّ النّاس ويخضعهم، ويجعلهم طائعين له في الظّاهر، ومنقادين إليه حتّى بذلك يكون الأحباء مستريحين ومعزّزين، والأعداء مخذولين ومنكوبين – فإنّ هذا النّوع من السّلطنة لا يصدق في حقّ ربّ العزّة، الّذي من المسلّم أنَّ السّلطنة تكون باسمه، والجميع يعترف بعظمته وشوكته. إذ أنَّك تشاهد الآن أنَّ أكثر الأرض تحت تصرف أعدائه. والجميع يسيرون على خلاف رضائه. وكلّهم كافر ومعرض ومدبر عما أُمر به. ومقبل وفاعل لما نهي عنه. وأحباؤه دائمًا مقهورون ومُبتلون تحت يد الأعداء. وكلّ هذا واضح وأظهر من الشّمس

إذًا فاعلم أيّها السّائل الطّالب، إنَّ السّلطنة الظّاهرة ما كانت أبدًا ولن تكون يومًا ما معتبرة لدى الحقّ وأوليائه. وعلاوة على ذلك فإنّه إذا كان المقصود من الغلبة والقدرة هو القدرة والغلبة الظّاهريّة فإنّ الأمر يكون في غاية

الصّعوبة والإشكال على جنابك، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾( ). ويقول في مقام آخر ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾( ) وقوله في مقام آخر (هو الغالِب فوقَ كُلِّ شيء). كما أنَّ أكثر آياتِ الفرقان صريحة في هذا المطلب

وأمّا إذا كان المقصود من هذا هو ما يقول به هؤلاء الهمجُ الرّعاعُ فلا مفرّ لهم من إنكار جميع هذه الكلمات القدسيّة، والإشارات الأزليّة، لأنَّه لم يكن هناك مُجاهد من جند الله على وجه الأرض أعلى ولا أقرب إلى الله من الحسين بن علي. إذ لم يكن لحضرته مثلٌ ولا شبهٌ على وجه الأرض. لولاه لم يكن مثلهُ في الملك. ومع هذا فقد سمعت ما وقع له – ألا لعنة الله على القوم الظّالمين

والآن لو تفسّر هذه الآية حسب الظّاهر فإنّها لا تصدق بحال من الأحوال في أولياء الله وجنوده، لأنَّ حضرته قد

ذاق كأس الشّهادة بنهاية المغلوبيّة والمظلوميّة في كربلاء في أرض الطّفّ، مع أنَّ بسالته وجنديّته كانت لائحة وواضحة كالشّمس وكذلك قوله في الآية المباركة ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾( ). لو كانت تُفسّر تفسيرًا حرفيًّا بالسّلطنة الظّاهريّة، فإنّها لا تتّفق أبدًا، لأنَّهم كانوا دائمًا يطفئون الأنوار الإلهيّة بحسب الظّاهر ويخمدون السّرج الصّمدانيّة فمن أين مع هذا كانت تظهر الغلبة؟ ثمَّ انظر إلى المنع الوارد في الآية الشّريفة قوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾( ) فأيّ معنى لنوره هُنا؟ إذ قد لوحظ أنَّ جميع الأنوار لم يجدوا محلّ أمنٍ ليستريحوا فيه من ظلم المشركين ولم يذوقوا طعم الرّاحة. وكانت مظلوميّة هذه الأنوار على شأن أنَّ أيّ إنسان كان يستطيع أن يفعل بجواهر الوجود هؤلاء كلّ ما كان يريده. كما عَرَف النّاس كلّ ذلك وأدركوه وأحصوه. وكيف مع هذا يستطيع هؤلاء النّاس أن يفهموا ويفسّروا معنى وبيان هذه الكلمات الإلهيّة وآيات العزّ الصّمدانيّة؟

والخلاصة أنَّ المقصود ليس كما تصوّره بل إنَّ المقصود من الغلبة والقدرة والإحاطة هو مقام آخر وأمر آخر. مثلاً انظروا إلى غلبة قطرات دم حضرة الحسين الّذي سفك على التّراب وكيف كان لهذا التّراب من تأثير في أجساد النّاس، وغلبة ونفوذ على أرواحهم بسبب شرافة هذا الدّم وغلبة نفوذه، بحيث وصل الأمر إلى حد أنَّ كلّ من أراد الاستشفاء من أسقامه، كان يشفى إن رزق بذرّة منه. وكلّ من أراد حفظ ماله ووضع في بيته مقدارًا من هذا التّراب المقدّس بيقين كامل، ومعرفة ثابتة راسخة حفظت جميع أمواله. وهذه مراتب تأثيراته في الظّاهر. ولو أنَّني أذكر تأثيراته الباطنيّة فلا بدّ أن يقال إنّه اعتبر التّراب ربّ الأرباب، وخرج بالكلّيّة عن دين الله

وكذلك فانظر إلى شهادة الحسين وكيف كانت بنهاية الذّلّة. وتفكّر كيف لم يكن معه أحد لينصره في الظّاهر أو يغسله ويكفّنه. مع ذلك ترى اليوم كم من النّاس يشدّون الرّحال من أطراف البلاد وأكنافها ليحضروا في تلك الأرض، ويضعوا رؤوسهم على تلك العتبة. هذه هي الغلبة والقدرة الإلهيّة، والشّوكة والعظمة الرّبّانيّة

إيّاك أن تتصوّر أنَّ تلك الأمور حدثت بعد شهادة الحسين وأنَّ ليس لها فائدة أو ثمرة بالنّسبة لحضرته. ذلك لأنَّ حضرته حيّ أبدًا بالحياة الإلهيّة، وساكن في رفرف امتناع القرب، ومقيم في سدرة ارتفاع الوصل. فجواهر الوجود هؤلاء قائمون في مقام الإنفاق بكلّ ما عندهم، بمعنى أنَّهم أنفقوا وينفقون أرواحهم وأموالهم وأنفسهم كلّها في سبيل المحبوب. وليس لديهم مرتبة أحبّ من هذا المقام، إذ ليس للعاشقين مطلب إلا رضاء المعشوق، ولا مقصد إلا لقاء المحبوب

وإنّي لو أريد أن أذكر لك رشحًا من أسرار شهادة الحسين ونتائجها، فإنّ هذه الألواح لا تكفيها ولا تصل إلى نهايتها، وإنّي آمل إن شاء الله أن يهبّ نسيم الرحمة، وتلبس شجرة الوجود خلعة جديدة من الرّبيع الإلهي، حتّى نهتدي إلى أسرار الحكمة الرّبّانيّة، ونستغني بعنايته عن عرفان كلّ شيء. وإلى الآن لم نشاهد أحدًا فائزًا بهذا المقام إلاّ عددًا قليلًا ليسوا معروفين بين النّاس. فلننتظر ما يقضي به قضاء الله، وما يظهر من خلف سرادق الإمضاء كذلك لكم من بدائع أمر الله ونلقي عليكم من نغمات الفردوس لعلّكم

بمواقع العلم تصلون، ومن ثمرات العلم ترزقون

إذًا فاعلم علم اليقين بأنَّ شموس العظمة هؤلاء، إن يكونوا جالسين على التّراب، فإنّهم في الحقيقة مستقرّون على العرش الأعظم وإن لم يكن لديهم فلس واحد فإنّهم يكونون طائرين في أعلى مدارج الغنى. وإن يكونوا مبتلين تحت يد الأعداء فإنّهم يكونون ساكنين على يمين القدرة والغلبة. وإن يكونوا في كمال الذّلّة الظّاهرة، فإنّهم يكونون جالسين ومتّكئين على عرش العزّة الصّمدانيّة. وإن يكونوا في نهاية العجز الظّاهريّ، فإنّهم يكونون قائمين على كرسيّ السّلطنة والاقتدار

بناءً على هذا جلس عيسى ابن مريم يومًا من الأيّام على كرسيّ، ونطق ببيانات من نغمات روح القدس، مضمونها: أيّها النّاس، إنّ غذائي هو من نبات الأرض أَسُدُّ به الجوع، وفراشي سطح الغبراء وسراجي في اللّيالي ضياء القمر، وركوبتي أقدامي، فمن أغنى مني على وجه البسيطة؟ قسمًا بالله إنَّ مائة ألف نوع من الثّروة والغنى طائف حول هذا الفقر، وإنّ مائة ألف من ملكوت العزّة طالب لهذه الذّلّة.

ولو تفوز برشح من بحر هذه المعاني لتنقطع عن عالم الملك والوجود، وتفدى بروحك كالفراش حول السّراج الوهّاج

ومثل هذا قد روى عن حضرة الصّادق من أنَّ شخصًا من الأصحاب اشتكى من الفقر لدى حضرته ذات يوم، فقال له ذاك الجمال الأبديّ – إنّك غنيّ وشربت من شراب الغِنَى. فتحيّر ذاك الفقير من بيان ذاك الوجه المنير. وقال كيف أكون غنيًّا وأنا محتاج إلى درهم؟ فقال له حضرته – أو ليست محبّتنا في قلبك؟ فأجاب بلى يا ابن رسول الله. فقال له هل تبيعها بألف دينار؟ فأجاب، أنَّي لا أستبدلها بالدّنيا وما خلق فيها- فقال حضرته: كيف يكون فقيرًا من عنده مثل هذا الكنز الّذي لا يرضى عنه بالعالم بديلاً

هذا الفقر والغِنَى وهذه الذّلّة والعزّة، والسّلطنة والقدرة، وما دونها ممّا هو معتبر عند هؤلاء الهمج الرّعاع، إنّه ليس شيئًا مذكورًا لدى تلك السّاحة، كما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النّاس أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾( ) إذًا

فالمقصود من الغِنَى هو الغِنَى عمّا سوى الله، ومن الفقر هو الفقر إلى الله

وكذلك انظر وتأمل، كيف أنَّ اليهود قد أحاطوا بعيسى ابن مريم ذات يوم، وطلبوا منه الإقرار بما أدّعى به من أنَّه هو المسيح والنّبيّ، ليحكموا عليه بالكفر وينفذّوا فيه حد القتل، حتّى أحضروا شمس سماء المعاني في مجلس بيلاطس بحضور قيافا الّذي كان أعظم علماء ذاك العصر. وأحضروا في ذلك المجلس أيضًا جميع العلماء، واجتمع كذلك جمع كبير بقصد التّفرّج عليه والاستهزاء به وإيذاء حضرته. وحدث أنَّه كلّما استفسروا من حضرته لعلّهم يسمعون منه إقرارًا، كان حضرته يختار السّكوت، وما تعرّض للجواب عليهم أبدًا إلى أن قام ملعون وجاء في مقابل وجهه وحلّفه قائلاً: أو لم تقل إنّي مسيح الله؟ وإنّي ملك اليهود؟ وإنّي صاحب كتاب وإنّي مخرّب يوم السّبت؟ فرفع حضرته رأسه المبارك وأجاب: أما ترى بأنَّ ابن الإنسان قد جلس عن يمين القدرة والقوّة، يعني أما ترى ابن الإنسان جالسًا عن يمين القدرة والقوّة الإلهيّة. والحال أنَّه بحسب الظّاهر لم يكن موجودًا لدى حضرته

شيء أبدًا من أسباب القدرة إلاّ القدرة الباطنيّة الّتي قد أحاطت بكلّ من في السّموات والأرض. ولا أدري ماذا أذكر بعد هذا القول، ممّا ورد على حضرته، وماذا صنعوا معه إلى أن تصدّوا أخيرًا لإيذاء حضرته وقتله حتّى فرّ إلى الفلك الرابع؟

وكذلك مذكور في انجيل لوقا بأنَّ حضرته مرّ في يوم آخر على أحد من اليهود كان مبتلى بمرض الفالج، وراقدًا على السّرير. فلما رأى اليهوديّ حضرته عرفه بالقرائن واستغاث به. فأجاب عيسى قائلاً – قم عن سريرك فإنّك مغفورة خطاياك – فاعترض بعض اليهود الّذين كانوا حاضرين في ذاك المكان قائلين هل يمكن لأحد أن يغفر الخطايا إلاّ الله؟ فالتفت المسيح إليهم وقال: أيّما أسهل أن أقول له قم فاحمل سريرك أم أقول له مغفورة خطاياك لتعلموا بأنَّ لابن الإنسان سلطانًا على الأرض لمغفرة الخطايا–. أي أنَّ حضرته لما أن قال لذلك العاجز المسكين قم حقًّا قد غفرت خطاياك، اعترض جمع من اليهود قائلين هل يقدر أحد أن يغفر للعباد غير الله الغالب القادر؟ فالتفت حضرته إليهم وقال: أيما أسهل عندكم أأقول لهذا المفلوج

العاجز قم وامشِ أم أقول له مغفورة خطاياك لتعلموا أنَّ لابن الإنسان سلطانًا على الأرض لغفران ذنوب المذنبين. هذه هي السّلطنة الحقيقيّة وهذا هو اقتدار أولياء الله

إنّ المقصود من كلّ هذه التّفاصيل الّتي تكرّر ذكرها في كلّ مقام ومكان، هو لتطّلع على تلويحات كلمات أصفياء الله. لعلَّ القدم لا يزلّ، والقلب لا يضطرب من بعض العبارات، ونسير على صراط حقّ يقين بقدم اليقين، لعلَّ يهب علينا نسيمُ الرّضا من رياض القَبُول الإلهيّ. ويوصلنا نحن الفانين إلى الملكوت الأبديّ ولتكون عارفًا بمعاني السّلطنة وأمثالها، ممّا ورد ذكره في الأخبار والآيات

وزيادة على ذلك، فليكن من المعلوم المحقّق لجنابك أنَّ ما تمسّك به اليهود والنّصارى وكانوا يعترضون به على الجمال الأحمديّ هو بعينه ما قد تشبّث به أصحاب الفرقان في هذا الزّمان، ويعترضون به على نقطة البيان روح من في ملكوت الأمر فداه. فانظر إلى هؤلاء الغافلين الّذين يقولون اليوم ما قاله اليهود وهم لا يشعرون. فنعمَ ما نزّل من قبلُ

في شأنهم ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾( ). وأيضًا ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾( ).

ولمّا أشرق غيب الأزل وساذج الهويّة، الشّمس المحمّديّة من أفق العلم والمعاني كان من جملة اعتراضات علماء اليهود أنَّه لن يبعث نبيّ بعد موسى: نعم، إنّه مذكور في الكتاب بأنَّه لا بدّ أن تظهر طلعة لتروّج ملّته ومذهبه، حتّى يحيط بكلّ الأرض شرعة شريعته المذكورة في التّوراة. لذلك ينطق سلطان الأحديّة عن لسان أولئك السّاكنين في وادي البعد والضّلالة بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾( ) أي أنَّ اليهود قالت أنَّ يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما افتروا بل إنَّ أيادي قدرته مبسوطتان ومهيمنتان دائمًا أبدًا ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾( )

ولو أنَّ علماء التّفسير قد اختلفوا في شرح أسباب نزول هذه الآية، إلاّ أنَّه يجب أن تنظر إلى المقصود الّذي تنصّ عليه الآية لا إلى ما تخيّله اليهود من أنَّ السّلطان الحقيقيّ قد خلق الطّلعة الموسويّة، وخلع عليه ثوب الرّسالة، وبعدها أصبحت يداه مغلولتين وغير قادر على إرسال رسول بعد موسى. والتفت إلى هذا القول الّذي لا معنى له، وكم هو بعيد عن شريعة العلم والمعرفة. وانظر اليوم كيف أنَّ جميع هؤلاء النّاس يشتغلون بأمثال هذه الأقوال المزخرفة، وقد مضى عليهم أكثر من ألف سنة وهم يردّدون تلاوتها، ويعترضون على اليهود من حيث لا يشعرون. وما التفتوا وما أدركوا بأنَّ ما يقولونه سرًّا وجهرًا هو عين ما يعتقد به اليهود. كما سمعت كيف أنَّهم يقولون إنَّ جميع الظّهورات قد انتهت، وأبواب الرّحمة الإلهيّة قد انسدّت. فلا تطلع بعد ذلك شمس من مشارق القدس المعنويّة، ولا تظهر أمواج من بحر القدم الصّمداني، ولا يأتي هيكل مشهود من خيام الغيب الربّانيّ. هذا هو مبلغ إدراك هؤلاء الهمج الرّعاع الّذين اعتقدوا بجواز انقطاع الفيض الكلّيّ والرّحمة المنبسطة الأمر الّذي لا يجوز لأيّ عقل أو إدراك أنَّ يسلّم بانقطاعه. وقد قاموا على الظّلم من كلّ النّواحي

والأطراف. وبذلوا الهمّة لإخماد نار السّدرة بأجاج ماء الظّنون، وغفلوا عن أنَّ زجاج القدرة يحفظ سراج الأحديّة في حصن حفظه. فيكفي هؤلاء القوم ذلّة أن بقوا محرومين عن أصل المقصود. محجوبين عن لطيفة الأمر وجوهره. لأنَّ منتهى الفيض الإلهيّ الّذي قُدّر للعباد، هو لقاء الله وعرفانه الّذي به وعد الكلّ وهذا هو نهاية فيض فيّاض القدم على عباده، وكمال الفضل المطلق على خلقه، ممّا لم يرزق به أحد من هؤلاء العباد، ولا تشرّف بهاته الشّرافة الكبرى. ومع ذلك أنكروها وفسّروها حسب أهوائهم كما يقول: ﴿وَالّذينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ). وكذلك يقول: ﴿الّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾( ). وكذلك يقول في موضع آخر: ﴿قَالَ الّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾( ). وفي موضع آخر: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحا﴾( ) وفي موضع آخر

﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾( ) فجميع هذه الآيات دالّة على اللّقاء، بحيث ما لوحظ في الكتب السّماويّة حكم أحكم منها مع ذلك أنكروها وجعلوا أنفسهم محرومين من هذه الرّتبة السّامية العليا والمقام الأعزّ الأبهى

وقد ذكر بعضهم أنَّ المقصود من اللّقاء هو تجلّي الله في يوم القيامة. والحال أنَّهم لو يقولون إنَّ المقصود هو التّجلّي العامّ، فإنّ هذا التّجلّي موجود في كلّ الأشياء كما قد ثبت من قبل أنَّ كلّ الأشياء هي مَحلٌّ ومظهرٌ لتجلّي ذاك السّلطان الحقيقيّ. وأنَّ آثار إشراق شمس المجّلّي موجودة ولائحة في مرايا الموجودات. بل لو ينظر الإنسان بالبصر المعنويّ الإلهيّ ليشاهد بأنَّه لا يمكن أن يوجد شيء في الوجود بغير ظهور تجلّي السّلطان الحقيقيّ. حيث تلاحظون أنَّ كلّ الممكنات والمخلوقات حاكية عن ظهور ذاك النّور المعنويّ وبروزه، وتشاهدون أنَّ أبواب الرّضوان الإلهيّ مفتوحة في كلّ الأشياء لورود الطّالبين في مدائن المعرفة

والحكمة، ودخول الواصلين في حدائق العلم والقدرة، كي يشاهدوا في كلّ حديقة عرائس المعاني جالسة في غرفات الكلمات بنهاية الزّينة واللّطافة. إذ أنَّ أكثر آيات الفرقان دالّ على هذا المطلب الرّوحاني ومشعِر به. فقوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾( )، شاهدٌ ناطقٌ بذلك. وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابا﴾( ) هو برهان صادق عليه. فالآن لو يكون المقصود من لقاء الله هذه التّجلّيات لكان جميع النّاس إذًا مشرّفين بلقاء طلعة من لا يزال ذاك السّلطان عديم المثال ولا يكون هناك داع إذًا للتّخصيص بالقيامة

ولو يقولون إنَّ المقصود هو التّجلّي الخاصّ كما عبّر جمع من الصّوفيّة عن هذا المقام بالفيض الأقدس، فإنّ هذا التّجلّي أيضًا إن يكن في نفس الذّات فإنّه في حضرة العلم من الأزل. وعلى فرض التّصديق بهذه الرّتبة، فإنّ صدق اللّقاء في هذا المقام لا يصدق على أحد لأنَّ هذه الرّتبة محقّقة في غيب الذّات ولم يفز بها أحدالسّبيل مسدود والطّلب مردود – لأنَّ هذا المقام لا تطير إليه أفئدة المقرّبين

فكيف تصل إليه عقول ذوي الحدود والحجبات؟

ولو يقولون إنّه هو التّجلّي الثّاني المُعبّر عنه بالفيض المقدّس فهذا مُسَلّم به في عالم الخلق أعني في عالم ظهور الأوّليّة وبروز البدعيّة. وهذا المقام مختصّ بأنبيائه وأوليائه، إذ لم يكن موجودًا في عوالم الوجود من هو أعظم منهم وأكبر كما يقرّ الجميع بهذا المطلب ويذعنون له. وهؤلاء هم مواقع جميع الصّفات الأزليّة ومظاهر الأسماء الإلهيّة. وهم المرايا الّتي تحكي عنه تمامًا. وكلّ ما هو راجع إليهم في الحقيقة، فهو راجع إلى حضرة الظّاهر المستور. ولا يمكن أن تحصل معرفة المبدأ الأوّل والوصول إليه إلاّ بمعرفة هذه الكينونات المشرقة من شمس الحقيقة والوصول إليها. وإذًا من لقاء هذه الأنوار المقدّسة يحصل لقاء الله. ومن علمهم يظهر علم الله. ومن وجههم يلوح وجه الله. ومن أوّليّة هذه الجواهر المجرّدة وآخريّتها وظاهريّتها وباطنيّتها يثبت على من هو شمس الحقيقة بأنَّه ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾( ). وكذلك تثبت سائر الأسماء العالية والصّفات

المتعالية. لهذا فكلّ نفس صارت في أيّ ظهور موفّقةً وفائزةً بهذه الأنوار المضيئة الممتنعة، والشّموس المشرقة اللاّئحة، فهي فائزة بلقاء الله وواردةٌ في مدينة الحياة الأبديّة الباقية. وهذا اللّقاء لا يتيسّر لأحد إلاّ في القيامة، الّتي هي نفس الله بمظهره الكلّيّ

وهذا هو معنى القيامة المذكورة والمسطورة في كلّ الكتب والّتي بها وُعد جميع النّاس وبُشِّروا بذلك اليوم. فانظر الآن هل يُتَصوّر يوم أعزّ من هذا اليوم وأكبر منه وأعظم، حتّى يسمح الإنسان لنفسه بأن يفلت من يده مثل هذا اليوم، ويحرم نفسه من فيوضات هذا اليوم الجارية من قبل الرّحمن كأمطار الرّبيع؟ وبعد أن قام الدّليل بتمامه على أنَّه لا يوجد يوم أعظم من هذا اليوم، ولا أعزّ من هذا الأمر، كيف يجوز لإنسان أن يحرم نفسه من فضل كهذا الفضل الأكبر بكلمات المتوهّمين والظّانّين. وفضلاً عن كلّ هذه الدّلائل المحكمة المتقنة الّتي لا مفرّ لأيّ عاقل منها، ولا مهرب لأيّ عارف عنها، أما سمعوا الرّواية المشهورة الّتي تقول: "إذا قام القائم قامت القيامة". وكذلك فسّر أئمة الهدى والأنوار الّتي لا تطفى الآية الكريمة: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ

إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾( ) بأنَّها تشير إلى حضرة القائم وظهوره مع أنَّ القوم يعتبرونها من الأمورات المحدثة في يوم القيامة والمسلّم بها عندهم

فيا أيّها الأخ أدرك إذًا معنى القيامة واعرفه، وطهِّر السّمع عن كلمات هؤلاء المردودين. فإنّك لو تسير قليلاً في عوالم الانقطاع لتشهد بأنَّه لا يُتصوّر يومٌ أعظم من هذا اليوم، ولا قيامة أكبر من هذه القيامة. وإنّ عملاً واحدًا في هذا اليوم يعادل بأعمال مائة ألف سنة. بل أستغفر الله عن هذا التّحديد، لأنَّ عمل هذا اليوم مقدّس عن الجزاء المحدود. وحيث أنَّ هؤلاء الهمجَ الرعاعَ ما أدركوا وما عَرَفوا معنى القيامة ولا لقاء الله، لهذا غدوا محجوبين عن فيضه بالمرّة، مع أنَّ المقصود من العلم وتحمّل مشقّاته هو الوصول إلى هذا المقام ومعرفته. مع ذلك فجميعهم مشغولون بالعلوم الظّاهرة بحيث لا ينفكّون عنها لحظة. وغضّوا الطّرف عن جوهر العلم والمعلوم، كأنَّهم ما تجرّعوا رشحًا من يمّ العلم الإلهيّ، وما فازوا بقطرة من سحاب

الفيض الرّحماني

فانظر الآن، هل إذا لم يدرك أحد فيض اللّقاء في يوم ظهور الحقّ، ولا يعرف مظاهر الحقّ، هل يصدق عليه صفة العالِم حتّى ولو كان له ألف سنة في التّحصيل، وأحاط بجميع العلوم المحدودة الظّاهرة؟ كلاّ – لأنَّه معلوم بالبداهة أنَّه لا يصدق في حقّه صفة العلم. ولكن إذا لم تطّلع نفسٌ على حرف واحد من العلم، وفازت بهذه الشّرافة الكبرى، فلا بد أنَّها محسوبة من العلماء الربّانيّين، لأنَّها قد فازت بالغاية القصوى من العلم، وبلغت نهاية منتهاه

وهذه الرّتبة أيضًا هي من علائم الظّهور كما يتفضّل ويقول: "يجعل أعلاكم أسفلكم". وكما قال في الفرقان: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾( ). وقد شوهد اليوم، كم من العلماء نظرًا لإعراضهم قد استقرّوا في أسفل أراضي الجهل، وانمحت أسماؤهم من دفتر العالين والعلماء، وكم

من الجهّال نظرًا لإقبالهم قد ارتقوا إلى أعلى أفق العلم، وأثبتت أسماؤهم في ألواح العلم بقلم القدرة كذلك ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾( ) ولهذا قالوا: (طلب الدّليل عند حصول المدلول قبيح. والاشتغال بالعلم بعد الوصول إلى المعلوم مذموم) قل يا أهل الأرض هذا فتى ناريّ، يركض في برّيّة الرّوح، ويبشّركم بسراج الله ويذكّركم بالأمر الّذي كان عن أفق القدس في شطر العراق تحت حجبات النّور بالسّتر مشهودًا

فيا حبيبي إنّك لو تطير قليلاً في سماوات معاني الفرقان، وتتفرّج على أرض المعرفة المبسوطة فيه، لينفتح على وجهك كثير من أبواب العلوم، وتوقن بأنّ جميع هذه الأمور الّتي تمنع العبادَ في هذا اليوم عن الورود إلى شاطئ البحر الأزليّ، هي الّتي بعينها في ظهور نقطة الفرقان: قد منعت أيضًا أهلَ ذلك العصر عن الإقرار بتلك الشّمس، والإذعان لها. وكذلك تطّلع على أسرار الرّجعة والبعث، وتستقرّ في أعلى غرف اليقين والاطمئنان

فانظر من جملة ذلك أنَّ جمعًا من الجاحدين لذلك الجمال عديم المثال، والمحرومين من الكعبة الباقية، قد عرضوا على محمّد ذات يوم على سبيل الاستهزاء قائلين: ﴿إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾( ) يعني أنَّ الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول ما لم يظهر معجزة هابيل وقابيل، أي يقدم قربانًا تنزل عليه النّار من السّماء فتحرقه، كما سمعتم عن حكاية هابيل، وممّا هو مذكور في الكتب. فأجابهم حضرته ﴿قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾( ). ومضمونها أنَّ حضرته قال لهم لقد جاءكم من قبلي رسل من عند الله بالبيّنات الظّاهرات وبالّذي تطلبونه، فلِمَ قتلتم رسل الله هؤلاء إن كنتم صادقين. فأنصفوا الآن: متى كان هؤلاء العباد الّذين كانوا في عصر محمّد وعهده بحسب الظّاهر موجودين في عهد آدم أو الأنبياء الآخرين، مع أنَّه كان هناك فاصلة آلاف السّنين بين عهد آدم وذاك الزّمان؟ فمع ذلك لِمَ نسب جوهر الصّدق محمّد إلى أهل زمانه قتل هابيل أو الأنبياء الآخرين؟ إنّه لا

مفرّ من أن تنسب إلى حضرته والعياذ بالله الكذب، أو الكلام اللّغو، أو تقول بأنَّ هؤلاء الأشقياء كانوا هم نفس أولئك الأشقياء الّذين كانوا يعارضون الأنبياء والمرسلين في كلّ عصر إلى أن قتلوهم أخيرًا واستشهدوا جميعًا

تفكّر وتمعّن في هذا البيان، كي يمرّ عليك طيب نسيم العرفان الهابّ من مصر الرّحمن، وتبلغ الرّوح بمليح بيان المحبوب إلى حديقة العرفان. إذ إنَّ الغافلين من النّاس لمّا لم يدركوا معاني هذه البيانات البالغة الكاملة، ولم يجدوا الجواب مطابقًا للسّؤال حسب زعمهم، كانوا ينسبون إلى تلك الجواهر جواهر العلم والعقل – الجهل والجنون.

وكذلك يقول حضرة الرسول في آية أخرى، في مقام التّعريض بأهل زمانه ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ﴾( ) أي أنَّ هؤلاء القوم كانوا يقاتلون الكفّار ويحاربونهم في سبيل الله، ويطلبون الفتح عليهم لنصرة أمر

الله، فلما جاءهم الّذي عرفوه كفروا به فلعنة الله على الكافرين. فانظر الآن كيف أنَّ هذه الآية تتضمّن هذا المعنى: وهو أنَّ النّاس الّذين كانوا في زمان حضرته، هم عين النّاس الّذين كانوا في عهد الأنبياء السّابقين، يحاربون ويجادلون لترويج تلك الشّريعة، وتبليغ أمر الله. والحال أنَّ النّاس الّذين كانوا في عهد عيسى وموسى، هم غير الّذين كانوا في عهد محمّد. وفضلاً عن ذلك فإنّ الشّخصين اللّذين عرفوهما من قبل، كانا موسى صاحب التّوراة، وعيسى صاحب الإنجيل. مع ذلك لِمَ يقول حضرة محمّد لمّا أن جاءهم ما عرفوه أي الّذي هو عيسى أو موسى كفروا به؟ والحل أنَّ محمّدًا كان موسومًا بحسب الظّاهر باسم آخر هو محمّد، وظهر من مدينة أخرى، وجاء بلغة أخرى، وشرع آخر، فمع ذلك كيف يمكن إثبات حكم هذه الآية وإدراك معناها؟

إذن فإدراك الآن حكم الرّجوع الّذي نزّل في نفس الفرقان بتلك الدّرجة من الصّراحة، والّذي ما فهمه أحد إلى اليوم. والآن فماذا تقول؟ لو تقول إنَّ محمّدًا كان رجعة الأنبياء الأوّلين كما هو مستفاد من الآية، فكذلك أصحابه

أيضًا هم رجعة أصحاب الأنبياء الأوّلين، حيث إنَّ رجعة عباد القبل واضحة ولائحة أيضًا من الآيات المذكورة. ولو ينكرون ذلك يكونون قائلين بخلاف حكم الكتاب الّذي هو الحجّة الكبرى. إذًا فأدرك أنت على هذا المنوال حكم الرّجع والبعث والحشر الّذي كان في أيّام ظهور مظاهر الهويّة، حتّى ترى بعينيّ رأسك رجوع الأرواح المقدّسة في الأجساد الصّافية المنيرة، وتزيل غبار الجهل، وتُطهِرّ النّفس الظّلمانيّة بماء الرّحمة المتدفّق من العلم الرّحماني، لعلَّ تميّز سبيل صبح الهداية من ليل الضّلالة بسراجه النّورانيّ، وتفرّق بينهما بقوّة الرّحمن وهداية السّبحان

وليكن في علم جنابك علاوة على ما ذكر أنَّ الحاملين لأمانة حضرة الأحديّة الّذين يظهرون في العوالم الملكيّة بحكم جديد وأمر بديع، لمّا كانت هذه الأطيار – أطيار العرش الباقي – ينزلون من سماء المشيئة الإلهيّة، ويقومون جميعًا على الأمر المبرم الرّبّانيّ، لهذا هم في حكم نفس واحدة، وذات واحدة. إذ إنَّ الجميع يشربون من كأس المحبّة الإلهيّة، ويُرزقون من أثمار شجرة التّوحيد. ولمظاهر الحقّ هؤلاء مقامان مقرّران، أوّلهما مقام صرف

التّجريد وجوهر التّفريد، وفي هذا المقام لو تدعو الكلّ باسم واحد وتصفهم بوصف واحد فلا بأس في ذلك، كما يقول: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾( ) لأنَّهم جميعًا يدعون النّاس إلى توحيد الله، ويبشّرونهم بكوثر الفيض والفضل الّذي لا يتناهى، وكلّهم فائزون بخلعة النّبوة، ومفتخرون برداء المكرمة. ولهذا يقول محمّد نقطة الفرقان: "أمّا النّبيون فأنا" وكذلك يقول: "إنّي آدم الأوّل ونوح وموسى وعيسى". وكما نطقت الطّلعة العلويّة بهذا المضمون، وظهرت من مجاري البيانات الأزليّة، ومخازن اللآليء العلميّة، أمثالُ هذه البيانات المشعرة بتوحيد مواقع التّجريد ممّا هو مدوّن في الكتب. وهذه الطّلعات هم مواقع الحكم ومطالع الأمر. وهذا الأمر مقدّس عن حجبات الكثرة وعوارض التّعدّد ولهذا يقول: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ﴾( ) ولمّا كان الأمر واحدًا فلا بدّ أن يكون مظاهر الأمر أيضًا واحدًا. وكذلك نطق أئمة الدّين، وسرج اليقين في الدّين الإسلاميّ – قالوا: أوّلنا محمّد، وآخرنا محمّد، وأوسطنا محمّد

وخلاصة القول إنَّ من المعلوم والمحقّق لجنابك، أنَّ جميع الأنبياء هم هياكل أمر الله الّذين ظهروا في أقمصة مختلفة. وإذا ما نظرت إليهم بنظر لطيف لتراهم جميعًا ساكنين في رضوان واحد، وطائرين في هواء واحد، وجالسين على بساط واحد، وناطقين بكلام واحد، وآمرين بأمر واحد. وهذا هو اتّحاد جواهر الوجود والشّموس غير المحدودة والمعدودة. فإذًا لو يقول أحد من هذه المظاهر القدسيّة، إنّي رجعة كلّ الأنبياء فهو صادق. وكذلك يثبت في كلّ ظهور لاحق صدق رجوع الظّهور السّابق. وإذا كان قد ثبت رجوع الأنبياء وفقًا للآيات وطبقًا للأخبار، كذلك يثبت ويتحقّق رجوع الأولياء أيضًا. وهذا الرّجوع أظهر من أن يحتاج إلى أي دليل أو برهان. فانظروا مثلاً إنَّ من جملة الأنبياء نوحًا عليه السّلام، وإنّه لما أن بعث بالنّبوة وقام على الأمر بقيام إلهيّ، أصبح كلّ من آمن به وأذعن لأمره في الحقيقة مشرّفًا بحياة جديدة. ويصدق في حقّه أنّه قد منح حياة جديدة وروحًا جديدة، إذ إنَّه قبل الإيمان بالله والإذعان لمظهر نفسه، كان عنده كمال التّعلّق بالأموال والأسباب المتعلّقة بالدّنيا من قبيل الأزواج والأولاد والطّعام والشّراب وأمثالها بدرجة أنَّه كان يقضي اللّيل والنّهار في الحصول

على الزّخارف الدّنيويّة، واستجماع اللّهو والتّرف، ويبذل الهمّة في اقتناء الأشياء الفانية. وعلاوة على ما ذكر فإنّه قبل الورود على لجّة الإيمان، كان راسخًا في حدود الآباء والأجداد، وثابتًا في اتّباع آدابهم وشرائعهم، على شأن لو كان يحكم عليه بالقتل، ربّما كان يرضى به، ولا يقبل تغيير حرف من الأمور التّقليديّة الّتي كانت موجودة بين قومه. وذلك كما صاح القوم كلّهم بنداء ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾( ).

على أنَّ هؤلاء القوم مع تقيّدهم بهذه الحجبات المحدودة، والحدودات المذكورة، فإنّهم بمجرّد ما كانوا يتجرّعون صهباء الإيمان من كأس الإيقان من أيادي مظاهر السّبحان، كانوا ينقلبون بالمرّة بحيث أنَّهم كانوا ينقطعون عن الأزواج، والأولاد والأموال، والمتاع، والأرواح والإيمان. بل عن كلّ ما سوى الله. وتأخذهم غلبات الشّوق الإلهيّ، وجذبات الذّوق الصّمداني على شأن ما كانوا يقيمون للدّنيا وما فيها وزنًا. فهل لا ينطبق على هؤلاء

حكم خلق جديد ورجوع جديد؟ ألم يشاهد أنَّ هذه النّفوس قبل الفوز بالعناية البديعة الجديدة الإلهيّة، كانت تحافظ على روحها ونفسها من موارد الهلاك بمائة ألف حيلة وتدبير؟ بحيث أنَّهم كانوا يحترزون من الإصابة بشوكة، ويفرّون في المثل خوفًا من ثعلب؟ ولكن بعد أن نالوا شرف الفوز الأكبر، والعناية العظمى، كانوا ينفقون في سبيل المحبوب أرواحهم بكلّ ارتياح، حتّى ولو يكون للواحد منهم مائة ألف روح، لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. بل إنَّ نفوسهم المقدّسة كانت تتمنّى الخلاص من قفص الجسد، وكان الفرد الواحد من هؤلاء الجنود يواجه قومًا ويقاتلهم، مع ذلك لو تكون هذه النّفوس هي عين النّفوس الأولى، كيف يظهر منها أمثال هذه الأمورات، المخالفة للعادات البشريّة، والمنافية للأهواء الجسمانيّة؟

والخلاصة إنَّ هذا المطلب واضح. إذ بدون حصول التّغيير والتّبديل الإلهيّ، يكون من المحال ظهور مثل هذه الآثار والأفعال منهم، وبروزها في عالم الكون ممّا ليس له شبيه بأيّ وجه من الوجوه بآثارهم وأفعالهم الأولى، حيث كان يتبدّل اضطرابهم بالاطمئنان، ويتغيّر ظنُّهم باليقين،

وينقلب خوفهم إلى جرأه وشجاعة. هذا هو شأن الإكسير الإلهيّ، الّذي يُقلِّب العباد في لحظة واحدة

مثلاً انظروا إلى مادة النّحاس، إنّها لو تحفظ في منجمها مدة سبعين سنة من غير أن تتجمّد فإنّها تصل إلى رتبة الذّهب، ولو أنَّ البعض يعتقد أنَّ نفس النّحاس هو ذهب استولى عليه المرض من تأثير الجمودة عليه فلم يبلغ إلى رتبته الذّاتيّة

والخلاصة إنّه على أيّ حال يستطيع الإكسير الكامل تحويل مادة النّحاس إلى ذهب في آن واحد، ويقدر على طيّ منازل السّبعين سنة في لحظة واحدة. فهل يمكن أن يقال بعدئذ أنَّ ذاك الذّهب ما زال بعدُ نحاسًا؟ وأنَّه لم يبلغ رتبة الذّهب مع أنَّ هناك مِحكًّا موجودًا يمكنه أن يعّين ويوضّح الصّفات الذّهبيّة من الصّفات النّحاسيّة؟

وهكذا حال هؤلاء النّفوس، فإنّهم بفضل الإكسير الإلهيّ يطوون العالم التّرابي في آن واحد ويدخلون في العوالم القدسيّة. وبخطوة واحدة ينتقلون من المكان

المحدود، ويصلون إلى العالم الإلهيّ المنزّه عن المكان والحدود. فيجب بذل الجهد حتّى تفوز بهذا الإكسير الّذي في لحظة واحدة يُوَصّل مغرب الجهل إلى مشرق العلم، ويبدّل ظلمة اللّيل الظّلمانيّ بالصّبح النّورانيّ، ويهدي الهائمين في بيداء الظّنّ إلى معين القرب واليقين، ويدخل الهياكل الفانية في الجنّة الباقية. فالآن لو يصدق في حقّ هذا الذّهب حكم النّحاس ليصدق أيضًا في حقّ هؤلاء العباد ويتحقّق فيهم حكم أنَّهم هم هم نفس أولئك العباد قبل الفوز بالإيمان

فانظر يا أخي كيف أنَّ أسرار الخلق الجديد والرّجوع والبعث هي ظاهرة بغير حجاب، ولائحة بلا نقاب من هذه البيانات الشّافية الكافية الوافية. وإن شاء الله بفضل التّأييدات الغيبيّة تخلع عن جسمك ونفسك الثّياب الرّثيثة، وتفتخر بارتدائك الخلع الجديدة الباقية

لهذا فكلّ الّذين سبقوا بالإيمان كلّ من على الأرض في أيّ ظهور لاحق، وشربوا زلال المعرفة من جمال الأحديّة، وارتقوا إلى أعلى معارج الإيمان والإيقان

والانقطاع، فهؤلاء يكون لهم حكم رجوع الأنفس الّذين فازوا بهذه المراتب في الظهور السّابق، وينطبق على هؤلاء الأصحاب في الظّهور اللاّحق حكم رجعة أصحاب الظّهور السّابق اسمًا ورسمًا وفعلاً وقولاً وأمرًا، لأنَّ ما ظهر من أولئك العباد في العهد السّابق هو بعينه قد ظهر ولاح من هؤلاء العباد في العهد اللاّحق. خذوا مثلاً الورد، لو أنَّه يطلع من شجرة في شرق الأرض، ويطلع أيضًا من شجرة أخرى في مغربها فإنّه يكون وردًا في الحالَين، لأنَّ الاعتبار في هذه الحالة لا يكون موجّهًا إلى حدودات غصن الشّجرة وهيئته، بل يكون موجّهًا إلى الرّائحة والعطر الظّاهرين من كليهما

إذًا طهِّر النّظر ونزِّهه عن الحدودات الظّاهرة حتّى ترى الجميع باسم واحد ورسم واحد وذات واحدة وحقيقة واحدة. وتدرك أيضًا أسرار رجوع الكلمات في الحروفات النّازلة. تأمّل قليلاً في الأصحاب الّذين كانوا في عهد نقطة الفرقان، وكيف أنَّهم بالنّفحات القدسيّة من الحضرة المحمّديّة صاروا منزّهين ومقدّسين ومنقطعين عن جميع الشّؤونات البشريّة والمشتهيات النّفسيّة، وفائزين قبل كلّ

أهل الأرض جميعًا بشرف اللّقاء، الّذي هو عين لقاء الله، ومنقطعين عن كلّ ما سواه. وكيف أنَّهم كانوا ينفقون أرواحهم بين يديّ ذلك المظهر – مظهر ذي الجلال كما عرفت وسمعت. والآن فاشهد نفس ذاك الثّبوت والرّسوخ والانقطاع، فإنّه بعينه قد رجع في أصحاب نقطة البيان، كما شاهدت كيف أنَّ هؤلاء الأصحاب قد رفعوا علم الانقطاع على رفرف الامتناع ببدائع وجود ربّ الأرباب.

وخلاصة القول إنَّ هذه الأنوار قد ظهرت من مصباح واحد، وهذه الأثمار قد أتت من شجرة واحدة، فلا فرق ملحوظ بينهم في الحقيقة ولا تغيير مشهود كلّ ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء من خلقه ولنحترز إن شاء الله عن أرض النّفي، ونتقدم إلى بحر الإثبات ، حتّى نشاهد ببصرٍ مقدّس عن العناصر والأضداد العوالم الإلهيّة، من عوالم الجمع والفرق، والتّوحيد والتّفريق، والتّحديد والتّجريد، ونطير إلى أعلى أفق القرب والقدس لمعاني كلمات الحضرة الإلهيّة

إذًا قد أصبح معلومًا من هذه البيانات بأنَّه لو تظهر

طلعة من الطّلعات الإلهيّة، في الآخر الّذي لا آخر له، وتقوم على أمر قام به طلعة في الأوّل الّذي لا أول له، فإنّه في هذا الحين يصدق على طلعة الآخر حكم طلعة الأوّل. لأنَّ طلعة الآخر الّذي لا آخر له قد قامت بنفس الأمر الّذي قام به طلعة الأوّل الّذي لا أوّل له. ولهذا فإن نقطة البيان روح ما سواه فداه قد شبّه شموس الأحديّة بالشّمس، ولو أنّها تطلع من الأوّل الّذي لا أوّل له إلى الآخر الّذي لا آخر له، فإنّما هي هي تلك الشّمس. والآن لو يقال بأنَّ هذه الشّمس هي هي الشّمس الأوليّة فهو صحيح. ولو يقال عنها بأنَّها رجوع تلك الشّمس فهو صحيح أيضًا. وكذلك يصدق من هذا البيان ذكر صيغة الختميّة على طلعة البدء وذكر صيغة البدئيّة على طلعة الختم، لأنَّ ما يقوم به طلعة الختم هو هو بعينه ما قام به جمال البدء

وبالرّغم من وضوح هذا المطلب لدى الشّاربين من صهباء العلم والإيقان، فإنّه مع ذلك، كم من النّفوس بسبب عدم البلوغ إلى معناه، قد احتجبوا بذكر خاتم النّبييّن، وصاروا محجوبين وممنوعين عن جميع الفيوضات. مع أنَّ الحضرة المحمّديّة قد قالت: "أمّا النّبيون فأنا". وكذلك

قالت: "إنّني آدم ونوح وموسى وعيسى" كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ومع هذا لم يتفكّروا كيف أنَّه بعد أن جاز لذلك الجمال الأزليّ أن يقول عن نفسه، إنّي آدم الأوّل، كيف لا يجوز له كذلك أن يقول إنّي آدم الآخر. وكما أطلق على نفسه أنَّه بدء الأنبياء أي آدم، كذلك بمثل هذه الكيفيّة يطلق على ذلك الجمال الإلهيّ أنَّه ختم الأنبياء أيضًا. وهذا الأمر واضح جدًّا لأنَّه بعد أن صحّ على حضرته أنَّه بدء النّبيّين، كذلك يصحّ عليه بنفس هذه الكيفيّة أنَّه ختم النّبيّين

ولقد امتُحن جميع أهل الأرض في هذا الظّهور بهذا المطلب حيث أنَّ الأكثرين منهم قد تمسّكوا بنفس هذا القول وأعرضوا عن صاحبه. وإنّني لا أدري ماذا أدرك هؤلاء القوم من الأوّليّة والآخريّة للحقّ جلَّ ذكره. إن يكن المقصود من الأوّليّة والآخريّة هي الأوّليّة والآخريّة في العالم الملكيّ، فإنّ عالم الملك لم يصل بعدُ إلى المنتهى، فكيف تصدق إذًا الآخريّة على تلك الذّات الأحديّة؟ بل إنّه في هذا المقام تكون الأوّليّة نفس الآخريّة والآخريّة عين الأوّليّة

وخلاصة القول إنَّه كما تصدق الآخريّة على ذاك المربّي للغيب والشّهود في الأوّل الّذي لا أوّل له، كذلك تصدق أيضًا على مظاهره بنفس هذه الكيفيّة في الحين الّذي يصدق فيه عليهم اسم الأوّليّة يصدق فيه عليها أيضًا اسم الآخريّة. وفي الحين الّذي يكونون فيه جالسين على سرير البدئيّة يكونون في نفس الحين مستقرّين على عرش الختميّة. ولو يكون لأحد بصر حديد، فإنّه يشاهد بأنَّ مظهر الأوّليّة والآخريّة والظّاهريّة والباطنيّة والبدئيّة والختميّة، هم هؤلاء الذّوات المقدّسة والأرواح المجرّدة والأنفس الإلهيّة. ولو تكون طائرًا في هواء قدس – كان الله ولم يكن معه من شيء – لترى أنَّ جميع هذه الأسماء لدى تلك السّاحة معدومة عدمًا صرفًا ومفقودة فقدًا بحتًا. وما كنت تحتجب أبدًا بعدها بهذه الحجبات والإشارات والكلمات. فما أعلى وألطف هذا المقام الّذي فيه لا يهتدي جبرائيل إلى السّبيل بغير دليل ولا يستطيع الطّير القدسيّ أن يطير فيه بغير إعانة غيبيّة

والآن فافهم قول عليّ أمير المؤمنين حيث قال: كشف سبحات الجلال من غير إشارة. ومن جملة السّبحات

المجلّلة هم علماء العصر وفقهاء زمان الظّهور الّذين هم جميعًا نظرًا لعدم إدراكهم، واشتغالهم بالدّنيا، وحبّهم للرّياسة الظّاهريّة، لم يذعنوا لأمر الله. بل أنَّهم كانوا لا يمدون آذانهم لاستماع النّغمة الإلهيّة، بل يجعلون أصابعهم في آذانهم. ولمّا كان العباد قد اتّخذوهم أيضًا أولياء من دون الله لذا هم منتظرون لرفض تلك الخُشبُ المسنّدة وقبولهم. لأنَّه ليس لهم بصر ولا سمع ولا قلب ليميّزوا به ويفرّقوا من تلقاء أنفسهم بين الحقّ والباطل. مع أنَّ جميع الأنبياء والأولياء والأصفياء قد أمروا العباد من قِبَل الله بأن يسمع كلٌّ بإذنه ويرى بعينه، مع ذلك ما اعتنوا بنصح الأنبياء بل صاروا تابعين لعلمائهم ولا زالوا لهم تابعين

ولو أنَّ مسكينًا أو فقيرًا عاريًا عن لباس أهل العلم يقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾( ) ليقولن في جوابه: إنّ هؤلاء العلماء والفضلاء مع ما لهم من الرّياسة الظّاهرة، والألبسة الأنيقة اللّطيفة، لم يفهموا ولم يدركوا الحقّ من الباطل، وأنت وأمثالك قد أدركته؟ ويتعجّبون غاية العجب

من مثل هذا القول، بالرّغم من أنَّ أمم السّلف هم أكثر عددًا منهم وأعظم قوّة وأكبر شأنًا. ولو تكون الكثرة ولباس العلم دليلاً وشاهدًا على العلم والصّدق، لكانت الأمم السّابقة البتّة أولى بذلك منهم وأسبق

وفضلاً عن وجود هذه الفقرة فإنّه من المعلوم الواضح أنَّه في جميع أحيان ظهور المظاهر القدسيّة، كان علماء عصرهم يصدّون الخلق عن سبيل الحقّ، يشهد بذلك ما دُوِّنَ في جميع الكتب والصّحف السّماويّة. فإنّه ما بعث أحد من الأنبياء إلا وكان مَعرض البغض والإنكار والرّدّ والسّبّ من العلماء، قاتلهم الله بما فعلوا من قبلُ، ومن بعدُ كانوا يفعلون. والآن أيّ سبحات الجلال أعظم من هياكل الضّلال هذه؟ واللهِ إِنَّ كشفها أعظم الأمور وخرقها أكبر أعمال وفقنا الله وإيّاكم يا معشر الرّوح، لعلّكم بذلك في زمن المستغاث توفّقون، ومن لقاء الله في أيّامه لا تحتجبون

وكذلك فإنّ من السّبحات المجلّلة أيضًا ذكر خاتم النّبيّين وأمثال تلك الإطلاقات، الّتي يعدّ كشفها من أعظم

الأمور لدى هؤلاء الهمج الرّعاع، الّذين ظلّ جميعهم محتجبين بهذه الحجبات المحدودة والسّبحات المجلّلة العظيمة، أما سمعوا نغمة طير الهويّة القائل: إنّي تزوّجت بألف فاطمة، كلّ واحدة منهنّ كانت بنت محمّد بن عبد الله خاتم النّبيّين. فانظروا الآن كم من الأسرار مستورة في سرادق العلم الإلهيّ، وكم من جواهر علمه مكنونة في خزائن العصمة، حتّى توقن بأنَّ صنعه لم يكن له بداية ولن يكون له نهاية. وبأنَّ فضاء قضائة أعظم من أن يحدّد بالبيان، أو تطويه طيور الأفئدة. وأنَّ تقديراته القدريّة أكبر من أن تنتهي بإدراك نفس خلقه موجود من الأوّل الّذي لا أوّل له إلى الآخر الّذي لا آخر له. ومظاهر جماله لم يعرف لها من بداية، وستستمرّ إلى نهاية ما لا نهاية له. ففكّر الآن في هذا البيان وتأمّل كيف يصدق حكمه على جميع هاته الطّلعات

وكذلك فأدرك نغمة الجمال الأزليّ حسين بن عليّ حيث يقول لسلمان ما مضمونه: إنّي كنت مع ألف آدم، والمدّة الفاصلة بين كلّ آدم وآدم خمسون ألف سنة. وقد عرضت على كلّ منهم ولاية أبي. ثمَّ يذكر من التّفاصيل

حتّى يقول: إنّي خضت ألف موقعة في سبيل الله بحيث أنَّ أصغر موقعة وأقلّها كانت مثل غزوة خيبر الّتي حارب فيها أبي وجاهد ضدّ الكفار فَكِدَّ نفسك الآن وأجهدها حتّى تفهم من هاتين الرّوايتين أسرار كلّ من الختم والرّجع والصّنع الّذي لا أوّليّة له ولا آخريّة

فالخلاصة يا حبيبي أنَّ نغمة اللاّهوت مقدسة عن أن تحدّ بحدود سمع أهل النّاسوت وإدراكاتهم وأنَّى لنملة الوجود أن تطرق بقدمها في ساحة المعبود. مع ذلك فالنّفوس الضّعيفة بسبب عدم الإدراك تنكر هذه البيانات المعضلة وتنفي أمثال هذه الأحاديث بلى لا يعرف ذلك إلا أولو الألباب. قل هو الختم الّذي ليس له ختم في الإبداع، ولا بدء له في الاختراع. إذًا يا ملأ الأرض في ظهورات البدء تجلّيات الختم تشهدون

يا للعجب الشّديد من أنَّ هؤلاء القوم يتمسّكون في بعض المراتب الّتي تطابق ميولهم وأهواءهم بأيّة منزلة في الفرقان، أو حديث من أحاديث أولي الإيقان. وفي بعض المراتب الّتي تغاير أهواءهم يعرضون بالمرّة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ

بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾( ) ما لكم كيف تحكمون ما لا تشعرون. مثل ذلك ما أنزله ربّ العالمين في الكتاب المبين بعد أن ذكر الختميّة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾( ) وعد جميع النّاس بلقائه، كما تشهد بذلك آيات الكتاب الدّالّة على لقاء مليك البقاء، ممّا قد ذكرنا بعضًا منها. والله الأحد شاهد على هذا القول بأنّه لم يذكر في الفرقان أمر أعظم من اللّقاء، ولا أصرح منه. فهنيئًا لمن فاز به في يوم أعرض عنه أكثر النّاس كما أنتم تشهدون

ومع ذلك صاروا معرضين بالحكم الأول عن الأمر الثّاني بالرّغم من أنَّ حكم اللّقاء في يوم القيامة منصوص في الكتاب. ولقد ثبت وتحقّق بالدّلائل الواضحة أنَّ المقصود من القيامة هو قيام مظهره على أمره. وكذلك المقصود من اللّقاء لقاء جماله في هيكل ظهوره. إذ أنّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. وبالرّغم من جميع هذه المطالب الثّابتة والبيانات الواضحة قد تمسّكوا بذكر الختم من حيث لا

يشعرون. وظلّوا محتجبين بالمرّة عن موجد الختم والبدء في يوم لقائه. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾( ) وبصرف النّظر عن هذه المراتب، لو كان هؤلاء القوم قد ذاقوا قطرة من العين اللّطيفة عين يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لما كانوا يعترضون أبدًا على محلّ الأمر بمثل هذه الاعتراضات غير المرضية - الأمر والقول والفعل في قبضة قدرته. كلّ شيء في قبضة قدرته أسير. وإنّ ذلك عليه سهل يسير. فاعل لما يريد وعامل بما يشاء. من قال لِمَ وبِمَ فقد كفر ولو أنّ هؤلاء العباد يشعرون قليلاً بما ارتكبوا ليَهلكُنَّ في الحين وليَقذفُنَّ أنفسهم بأيديهم إلى النّار الّتي هي مقرّهم ومرجعهم. أما سمعوا قوله تعالى: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾( ) ومع وجود هذه البيانات كيف يقدر المرء أن يتجاسر ويسأله ويشتغل بزخارف القول

سبحان الله قد بلغ جهل العباد وعدم عرفانهم إلى حدّ ومقام أصبحوا فيه مقبلين إلى علمهم وإرادتهم، ومعرضين

عن علم الحقّ وإرادته جلَّ وعزّ. فأنصفوا الآن لو يكون هؤلاء العباد موقنين بهذه الكلمات الدّرّيّة، والإشارات القدسيّة، ويعتقدون أنَّ الحقّ يفعل ما يشاء كيف بعدئذ يتشبّثون بهذه الزّخارف من القول ويتمسّكون بها بل إنّهم كانوا يقرّون بأرواحهم كلّ ما يقوله ويذعنون له. قسمًا بالله لو لم تسبق التّقديرات المقدّرة والحكم القدريّة لأهلكت الأرضُ جميع هؤلاء العباد ولكن يؤخّر ذلك إلى ميقات يوم معلوم

الخلاصة قد انقضى ألف سنة ومايتان وثمانون من السّنين من ظهور نقطة الفرقان، وجميع هؤلاء الهمج الرّعاع يتلون الفرقان في كلّ صباح، وما فازوا للآن بحرف من المقصود منه، وهم يقرأون ويكرّرون بعض الآيات الصّريحة في الدّلالة على المطالب القدسيّة، وعلى مظاهر العزّ الصّمدانيّة. ومع ذلك لم يدركوا شيئًا منها بل إنّهم عجزوا عن أن يدركوا في كلّ تلك المدّة، أنَّ المقصود من تلاوة الكتب وقراءة الصّحف في كلّ عصر، هو لإدراك معانيها والبلوغ إلى معارج أسرارها. وإلا فالتّلاوة بلا معرفة ليس منها البتّة فائدة كلّيّة

ولقد حدث أن حضر شخص ذات يوم عند هذا الفقير إلى بحر المعاني، وجاء في سياق الحديث معه ذكر علائم القيامة والحشر والنّشر والحساب. فأصرّ وألحّ على الاستفهام منّا كيف تم حساب الخلائق في الظّهور البديع مع أنّه لم يطّلع عليه أحد. فألقينا عليه حينئذ بعضًا من الصّور العلميّة والشّؤونات الحكميّة على قدر إدراك السّامع وفهمه. ثمَّ قلنا له بعد ذلك، أفي كلّ تلك المدّة لَمْ تتل القرآن؟ وألَم تر الآية المباركة الّتي تقول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾( )؟ وألم تلتفت إلى أنَّ المقصود من معنى السّؤال ليس كما أدركتموه؟ بل إنَّ السّؤال ليس باللّسان ولا بالبيان كما تشعر به وتدلّ عليه هذه الآية. لأنّه يقول بعدها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾( )

إذن بهذا يكون حساب الخلائق من سيماهم، وظهور كفر الجميع وإيمانهم وعصيانهم من وجوههم، مثل ما هو مشهود اليوم من معرفة أهل الضّلالة بسيماهم، وتمييزهم

بها عن أصحاب الهداية. فلو أنَّ هؤلاء العباد يمعنون النّظر في آيات الكتاب خالصًا لوجه الله وطلبًا لرضائه لِيُدْرِكون منها البتّة جميع ما يطلبونه بدرجة أنّهم يدركون من آياته ظاهرًا مكشوفًا كلّ الأمور الواقعة في هذا الظّهور من الكلّيّ والجزئيّ، حتّى خروج مظاهر الأسماء والصّفات من الأوطان، وإعراض الملّة وإغماض الدّولة، وسكون مظهر الكلّيّة واستقراره في الأرض المعلومة المخصوصة. ولكن لا يعرف ذلك إلاّ أولو الألباب. أختِم القول بما نزّل على محمّد من قبلُ ليكون ختامه المسك الّذي يهدي النّاس إلى رضوان قدس منير. قال وقوله الحقّ: ﴿واللهُ يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ ويَهدي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقيمٍ﴾( ). ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾( ). ليسبق هذا الفضل على العالم، والحمد لله ربّ العالمين

لقد كرّرنا البيان في كلّ مطلب لعلَّ يأخذ كلّ امرئ من الشّريف والوضيع حظّه ونصيبه من هذه البيانات على

قدره واستعداده. وإذا ما عجز إنسان عن إدراك بيانٍ، فإنّه يدرك مقصوده من بيان آخر ليعلم كلّ أناس مشربهم

قسمًا بالله إنَّ لهذه الحمامة التّرابيّة نغمات غير هاته النّغمات، ولها رموز غير هذه البيانات، كلّ نكتة منها مقدّسة عمّا سبق بيانه وجرى به القلم. فلتحدّد المشيئة الإلهيّة الوقت الّذي فيه تبرز عرائس المعاني من القصر الرّوحانيّ بغير حجاب، وتخطو بقدم الظّهور في ساحة القدم وما من أمر إلاّ بعد إذنه، وما من قدرة إلاّ بحوله وقوّته، وما من إله إلا هو له الخلق والأمر، وكلّ بأمره ينطقون ومن أسرار الرّوح يتكلّمون

لقد سبق أن بيّنّا من قبل أنَّ للشّموس المشرقة من المشارق الإلهيّة مقامين، أحدهما مقام التّوحيد ورتبة التّفريد كما سبقت الإشارة إليه من قبل ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾( ). وثانيهما مقام التّفضيل ومقام عالم الخلق ورتبة الحدودات البشريّة، ففي هذا المقام لكلّ واحد منهم هيكل

معيّن، وأمر مقرّر، وظهور مقدّر، وحدود مخصوصة. بمثل ما إنَّ كلّ واحد منهم موسوم باسم، وموصوف بوصف، ومأمور بأمر بديع، وشرع جديد، كما يقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾( )  وبالنّظر لاختلاف هذه المراتب والمقامات تظهر بياناتٌ وكلماتٌ مختلفةٌ من تلك الينابيع للعلوم السّبحانيّة. وإلاّ في الحقيقة تعتبر جميعها لدى العارفين بمعضلات المسائل الإلهيّة في حكم كلمة واحدة. ولما لَمْ يطّلعْ أكثر النّاس على المقامات المذكورة، لهذا يضطربون، ويتزلزلون من الكلمات المختلفة الصّادرة من تلك الهياكل المتّحدة

إذن أصبح معلومًا أزلاً وأبدًا، أنَّ جميع هذه الاختلافات في الكلمات هي من اختلافات المقامات. ولهذا أُطْلِقت ولا تزال تطلق على جواهر الوجود هؤلاء في مقام التّوحيد وعلو التّجريد، صفات الرّبوبيّة، والألوهيّة،

والأحديّة الصّرفة، والهويّة البحتة، لأنّ جميعهم ساكنون على عرش ظهور الله، وواقفون على كرسيّ بطون الله، أعني أنَّ ظهور الله ظاهرٌ بظهورهم، وجمالَ الله مشرقٌ من وجوههم. لهذا قد ظهرت نغمات الرّبوبيّة من هذه الهياكل الأحديّة

ولكن في المقام الثّاني الّذي هو مقام التّمييز والتّفضيل والتّحديد ومقام الإشارات والدّلالات الملكيّة، تظهر منهم العبوديّة الصّرفة، والفقر البحت، والفناء الباتّ كما يقول: إنّي عبد الله، وما أنا إلاّ بشر مثلكم

فأدرك من هذه البيانات المثبوتة المحقّقة مسائلك الّتي قد سألت عنها، حتّى تكون راسخًا في دين الله غير متزلزل من اختلافات بيانات الأنبياء والأصفياء

وإذا ما سمع من المظاهر الجامعة: أنّي أنا الله، فهو حقّ ولا ريب فيه. إذ قد ثبت مرارًا أنَّ بظهورهم وبصفاتهم وبأسمائهم، يظهر في الأرض ظهور الله واسم الله وصفة الله. ولهذا يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ

رَمَى﴾( ) وكذلك يقول: ﴿إِنَّ الّذينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّهَ﴾( )  وإذا ما تغنّوا بنغمة: إنّي رسول الله، فإنّه أيضًا صحيح ولا شكّ فيه كما يقول: ﴿مَّا كَانَ محمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللّهِ﴾( ). وفي هذا المقام هم جميعًا مرسلون من لدن ذاك السّلطان الحقيقيّ والكينونة الأزليّة

وإذا ما نادى كلّ واحد منهم بنداء: أنا خاتم النّبيّين، فهو أيضًا حقّ ولا سبيل إلى الرّيب فيه ولا طريق إلى الشّبهة. لأنّ الجميع حكمهم حكم ذات واحدة، ونفس واحدة، وروح واحدة، وجسد واحد، وأمر واحد. وكلّهم مظهر البدئيّة والختميّة، والأوليّة والآخريّة والظّاهريّة والباطنيّة لروح الأرواح الحقيقيّ وساذج السّواذج الأزليّ

ولو يقولون: نحن عباد الله، فإنّ هذا أيضًا ثابت وظاهر، حيث قد ظهروا في الظّاهر بمنتهى رتبة العبوديّة. تلك العبوديّة الّتي لا يستطيع أحد في الإمكان أن يظهر بنحوٍ

منها. لذلك قد ظهرت أذكار الرّبوبيّة والألوهيّة من جواهر الوجود هؤلاء في حين استغراقهم في بحار القدس الصّمديّ، وارتقائهم إلى معارج المعاني للسّلطان الحقيقيّ. وإذا ما نظر بعين التّدقيق، يرى أنّهم في هذه الرّتبة قد اعتبروا أنفسهم في منتهى العدم والفناء أمام الوجود المطلق، والبقاء الصّرف حتّى كأنّهم عدّوا أنفسهم عدمًا صرفًا، وجعلوا ذكرهم في تلك السّاحة شِركًا. لأنّ مطلق الذّكر في هذا المقام دليل على الوجود والبقاء. وإنّ هذا لَخطأ كبير عند الواصلين، فكيف بِذكر الغير أو اشتغال القلب واللّسان والفؤاد والرّوح بغير ذكر المحبوب، أو ملاحظة العين غير جماله، أو إصغاء الأذن لغير نغمته، أو مشي الرّجل في غير سبيله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى