منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

ختام كتاب الإيقان لحضرة بهاء الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
ولقد هبّت نسمة الله في هذا الزّمان وأحاطت روح الله من في الإمكان، فامتنع القلم عن الحركة، وتوقّف اللّسان عن البيان

والخلاصة أنّه بالنّظر إلى هذا المقام قد ظهر منهم ذكر الرّبوبيّة وأمثالها. وفي مقام الرّسالة أظهروا الرّسالة، وهكذا

في كلّ مقام جاءوا بذكر حسب اقتضائه، ونسبوا كلّ هذه الأذكار إلى أنفسهم، فهي أذكار من عالم الأمر إلى عالم الخلق، ومن عوالم الرّبوبيّة إلى العوالم الملكيّة، لهذا فمهما يقولون، ومهما يذكرون، من الألوهيّة والرّبوبيّة، والنّبوّة والرّسالة، أو الولاية والإمامة، والعبوديّة، كلّه حقّ ولا شبهة فيه. إذن يجب التّفكّر في هذه البيانات الّتي استدللنا بها حتّى لا يضطرب أحد بعدها، ولا يتزلزل من الاختلافات في أقوال المظاهر الغيبيّة، والمطالع القدسيّة

والمقصود أنّه يجب التّفكّر في كلمات شموس الحقيقة حتّى إذا لم تدرك وتعرف يحب الاستفهام والسّؤال عنها من الواقفين على مخازن العلم حتّى يبيّنوها ويوضّحوها، ويرفعوا الإشكال عنها. لأنّهم يفسّرون الكلمات القدسيّة بعقولهم القاصرة، وإذا لم يجدوها مطابقة لأهوائهم وما في أنفسهم، يقومون على الرّدّ والاعتراض. وهكذا حال علماء العصر وفقهائه في هذا اليوم. من أولئك الّذين يجلسون على مسند العلم والفضل، ويَعتَبرون الجهل علمًا، ويسمّون الظّلم عدلاً، فإنّهم لو يسألون شمس الحقيقة عن مجعولات أفكارهم، ولو إنّهم يسمعون منها جوابًا غير مطابق لما

فهموه، أو لما أدركوه من الكتاب بأنفسهم، فإنّهم البتّة ينفون العلم عن معدن العلم ومنبعه، كما وقع هذا في كلّ الأزمان

مثلاً مذكور في السّؤال عن الأهِلَّة لمّا سئلوا محمّدًا سيّد الوجود وأجابهم حضرته حسب الأمر الإلهيّ بقوله: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾( ) فإنّهم بعد الاستماع نفوا عن حضرته صفة العلم

ومثل ذلك حدث في آية الرّوح الّتي تقول ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾( )، فإنّه لمّا ذكر لهم هذا الجواب صاحوا جميعًا محتجّين قائلين: وا ويلاه من جاهل لا يعرف ما هي الرّوح، ويعدّ نفسه عالمًا بالعلم اللّدنيّ. واليوم حيث أنَّ علماء العصر يفتخرون باسم حضرته وقد رأوا آباءهم مذعنين له أيضًا، فلذلك هم قابلون لحكمه بالتّقليد. وأنصفوا لو أنّهم يسمعون اليوم مثل هذا الجواب في الإجابة عن أمثال هذه المسائل. فإنّهم لا بدّ يَرُدُّون

ويعترضون ويُعيدون نفس كلمات السّابقين كما فعلوا. مع أنَّ جواهر الوجود هؤلاء مقدّسون عن كلّ هذه العلوم المجعولة، ومنزّهون عن جميع هذه الكلمات المحدودة، ومتعالون عن إدراك كلّ مدرك. كلّ هذه العلوم تلقاء ذاك العلم كذب صرف، وجميع هذه الإدراكات إفك محض. بل إنَّ كلّ ما يظهر من معادن الحكمة الإلهيّة ومخازن العلم الصّمداني فهو عين العلم. وحديث (العلم نقطة كثّرها الجاهلون) دليلٌ عليه، وحديث (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) مثبّت لهذا البيان

وخلاصة القول أنّه لمّا لم يدركوا معنى العلم، وسَمّوا أفكارهم الوهميّة النّاشئة من مظاهر الجهل علمًا لذا قد ورد منهم على مبدأ العلوم ما قد رأيت وسمعت

فمثلاً، إنَّ أحدًا من العباد( ) المشهور بالعلم والفضل، والّذي يعدّ نفسه من صناديد القوم، قد ردّ وسبّ جميع العلماء الرّاشدين في كتابه، كما هو مشهود في كلّ مَوْقع

منه تلويحًا وتصريحًا. ولما كان هذا العبد قد سمع كثيرًا عن ذكره، أردت أن أتصفّح قليلاً في رسائله، رغم أنَّ هذا العبد ما كان له ميل للإقبال على النّظر في كلمات الغير ولن يكون. إلا أنّه لما سأل جمعٌ عن أحواله واستفسروا عنه، لهذا صار لزامًا علينا أن ننظر قليلاً في كتبه، ونجيب السّائلين بعد الاطّلاع والمعرفة

والخلاصة أنَّ مؤلفاته باللّغة العربيّة لم يتّفق وقوعها في يدنا حتّى أخبرنا شخص ذات يوم بأنّه يوجد في هذا البلد كتاب له يسمّى بإرشاد العوامّ. ولو أنّه يُشْتَمُّ من هذا الاسم رائحة الكبر والغرور، حيث فرض نفسه عالمًا والنّاس جهلاء. وفي الحقيقة قد عُرِفت جميع مراتبه من اسم هذا الكتاب، وثبت بأنّه سالك سبيل النّفس والهوى، وساكن في تيه الجهل والعمى، كأنّه نسي الحديث المشهور القائل: (العلم تمام المعلوم، والقدرة والعزّة تمام الخلق). فمع هذا طلبنا الكتاب، ومكث عند هذا العبد أيّامًا معدودات، وكأنّنا نظرنا فيه مرّتين، وتصادف في المرّة الثّانية أن وقع نظرنا على موضع فيه حكاية معراج سيّد (لولاك)، إشارة إلى الحديث (لولاك لما خلقت الأفلاك). فلاحظنا أنّه دوّن

نحوًا من عشرين علْمًا أو يزيد، وجعلها شرطًا لمعرفة المعراج. وكذلك عرفنا منه بأنّه لو كانت نفس لا تدرك هذه العلوم حقّ إدراكها، فإنّها لا تفوز بمعرفة هذا الأمر العالي المتعالي. ومن جملة العلوم الّتي ذكرها، علم الفلسفة، وعلم الكيميا، وعلم السّيميا. وجعل إدراك هذه العلوم الفانية المردودة شرطًا لإدراك العلوم الباقية القدسيّة

سبحان الله مع هذا الإدراك، كم من الاعتراضات والتّهم قد وردت منه على هياكل العلم الإلهيّ غير المتناهي؟ فنعم ما قال: "أتتهمُ الّذين جعلهم الله أمناءَ على خزائن السّبع الطّباق"( )؟ ولم يلتفت إلى هذه المزخرفات من الأقوال أحدٌ من أهل البصيرة. إنَّ أمثال هذه العلوم لم تزل ولا تزال مردودة عند الحقّ. وكيف يكون إدراك العلوم المردودة عند العلماء الحقيقيّين شرطًا من شروط إدراك معارج المعراج، مع أنَّ صاحب المعراج ما حمل حرفًا من هذه العلوم المحدودة المحجوبة! والقلب المنير، قلب سيّد لولاك كان

مقدّسًا ومنزّهًا عن جميع هذه الإشارات فنعم ما قال: كلّ الإدراكات محمولة على الحمر العرجاء. بينما الحقّ راكب على الرّيح ومنطلق كالسّهم( ). فوالله لو يريد إنسان إدراك سرّ المعراج أو تناول قطرة من عرفان هذا البحر، ويكون لديه أيضًا هذه العلوم، بمعنى أنَّ مرآة قلبه تكون مغبرّة من نقوش هذه العلوم، يجب عليه حتمًا أن يُنظِّفها ويُطهِّرها، حتّى يتجلّى سرّ هذا الأمر في مرآة قلبه

واليوم ينهى النّاسَ عن تحصيل هذه العلوم المنغمسون في بحر العلوم الصّمدانيّة، والسّاكنون في فُلك الحكمة الرّبّانيّة. فصدورهم المنيرة بحمد الله منزّهة عن هذه الإشارات، ومقدّسة عن تلك الحجبات. ولقد حرقنا الحجاب الأكبر بنار محبّة المحجوب، ذاك الحجاب الّذي قيل فيه – العلم حجاب الأكبر – وأقمنا مكانه سرادقًا آخر. وبهذا نفتخر ولله الحمد بأنّنا أحرقنا سبحات الجلال بنار جمال المحبوب، ولم نترك في القلب والفؤاد محلاًّ لغير المقصود، وما كنّا متمسّكين بعلم غير علمه، ولا متشبّثين

بمعلوم غير تجلّي أنواره

والخلاصة إنّي تعجّبت كثيرًا، حيث لم أرَ في أقواله هذه إلاّ أنّه يريد أن يعرف النّاس بأنّ لديه جميع هذه العلوم ومع ذلك أقسم بالله بأنّه ما مرّ عليه نسيم من رياض العلم الإلهيّ، وما اطّلع على حرف من أسرار الحكمة الرّبّانيّة، بل لو يقال له معنى العلم ليضطرب حتمًا، وليندكّ جبل وجوده. ومع هذه الأقوال السّخيفة الّتي لا معنى لها، كم ادّعى من الادّعاءآت الزّائدة عن الحدّ

سبحان الله كم أتعجّب من أناس ملتفّين حوله، وتابعين لمثل هذا الشّخص، حيث قنعوا بالتّراب وأقبلوا إليه، وأعرضوا عن ربّ الأرباب، واكتفوا بنعيق الغراب عن نغمة البلبل، وقنعوا بمنظر غراب البين عن جمال الورد. وعلاوة على ذلك، كم لاحظنا من أشياء أخرى من الكلمات المجعولة في هذا الكتاب. في الحقيقة إنّه لَمِن الظّلم أن ينشغل القلم بتحرير ذكر تلك المطالب أو يُصرف الوقت فيها، ولكن إذا وُجد المحكّ يُعرف الحقّ من الباطل، والنّور من الظّلمة، والشّمس من الظّلّ

ومن جملة العلوم الّتي يدّعيها هذا الشّخص صنعة الكيميا. وإنّني لأتوق أن يطلب منه سلطان أو شخص مقتدرٌ ظهورَ هذا العلم من عالم اللّفظ إلى عالم الشّهود، ومن حيّز القول إلى حيّز الفعل. وهذا العاري عن العلم الفاني، مع كونه ما ادّعى أمثال هذه العلوم، ولا اعتبر وجودها دليلاً على العلم، أو فُقْدَانَها علّة للجهل، فإنّي أتحدّى هذا الرّجل في هذه الفقرة، حتّى يتّضح الصّدق من الكذب. ولكن ما الفائدة وأنا لم أرَ من أناس هذا الزّمان إلاّ جرح السّنان، ولم أذق شيئًا منهم غير السّمّ القاتل. وإلى الآن لا يزال أثر الحديد باقيًا في عنقي، وعلائم التّعذيب ظاهرةً في كلّ بدني

وأمّا عن مراتب علمه وجهله، وعرفانه وإيقانه، فقد ورد ذكرها في الكتاب الّذي ما فرّط فيه من شيء، ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ﴾( ) ثمَّ يتفضل بذكر آية أخرى حتّى ينتهي بهذه الآية ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾( ) فانظر كيف أنّ وصفه مذكور في محكم الكتاب

بغاية الوضوح والصّراحة. ومن عجب هذا الشّخص أيضًا أنّه يدعو نفسه في كتابه من باب خفض الجناح، بأنّه العبد الأثيم أثيم في الكتاب، وعزيز بين الأنعام، وكريم في الاسم

تفكّر في الآية المباركة، حتّى يثبت بوجه صحيح على لوح قلبك معنى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾( ). ومع وجود هذا فقد اعتقد به جمعٌ، وأعرضوا عن موسى العلم والعدل وتمسّكوا بسامريّ الجهل. وأدبروا عن شمس المعاني المشرقة في السّماء الأزليّة الإلهيّة، واعتبروها على زعمهم كأنّها لم تكن

وقصارى القول يا أخي، إنَّ لآلئ العلم الرّبّانيّ لا تتناولها يد إلاّ من المعدن الإلهيّ. ورائحة الرّيحان المعنويّ لا تستنشق إلاّ من حديقة الأزهار الحقيقيّة. وأوراد علوم الأحديّة لا تنبت إلاّ في مدينة القلوب الصّافية. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالّذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ

إِلاَّ نَكِدًا﴾( )

ولمّا كان من المفهوم أنَّ تغنّيات ورقاء الهويّة لا يدركها أحد إلاّ من أهلها، لهذا يجب ويلزم على كلّ نفس أن تعرض مشكلات المسائل الإلهيّة، ومعضلات إشارات المطالع القدسيّة على أصحاب الأفئدة المنيرة، وحملة أسرار الأحديّة، حتّى تحلّ المسائل بالتّأييدات الرّبّانيّة، والفيوضات الإلهيّة. لا بتأييدات العلوم الاكتسابيّة ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾( )

ولكن يا أخي، إنَّ الشّخص المجاهد الّذي أراد أن يخطو بقدم الطّلب والسّلوك في سبيل معرفة سلطان القدم، يجب عليه في بداية الأمر، أن يجعل القلب الّذي هو محلّ ظهور تجلّي الأسرار الغيبيّة الإلهيّة، مطهّرًا ومنزّهًا عن كلّ غبرة مظلمة من غبار العلوم الاكتسابيّة، وإشارات المظاهر الشّيطانيّة. ويجعل الصّدر الّذي هو سرير ورود وجلوس محبّة المحبوب الأزليّ لطيفًا ونظيفًا. وكذلك يقدّس القلب

عن كلّ ما يتعلّق بالماء والطّين. يعني أن يجعله مقدّسًا عن جميع النّقوش الشّبحيّة والصّور الظّلّيّة، بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحبّ والبغض، كيلا يميل به الحبّ عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل. وذلك كما منع اليوم أكثر النّاس لهذين الوجهين عن الوجه الباقي، وعن حضرة صاحب المعاني، وأصبحوا يرتعون بلا راع في صحارى الضّلالة والنّسيان. ويجب على السّالك في كلّ حين أن يتوكّل على الحقّ، وأن يعرض عن الخلق وينقطع عن عالم التّراب، ويتمسّك بربّ الأرباب. ولا يرجّح نفسه على أحد، ويمحو عن لوح قلبه الافتخار والاستكبار، ويأخذ نفسه بالصّبر والاصطبار، ويتّخذ الصّمت له شعارًا. ويحترز عن التّكلّم بما لا فائدة فيه، لأنّ اللّسان نار خامدة وكثرة البيان سمّ قاتل. فالنّار الظّاهرة تحرق الأجساد، ونار اللّسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النّار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النّار يبقى قرنًا من الزّمان

وعلى السّالك أن يعدّ الغيبة ضلالة، وأن لا يخطو بقدمه أبدًا في تلك السّاحة، لأنّ الغيبة تطفئ سراج القلب المنير، وتميت الحياة من الفؤاد. يقنع بالقليل، ويزهد عن

طلب الكثير. يعدّ مصاحبة المنقطعين غنيمة، والعزلة عن المتمسّكين بالدّنيا والمتكبّرين نعمة. يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمّة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحبّ والذّكر. يفرّ كالبرق عمّا سوى الله. يجود بنصيب على البائسين، ولا يتوقّف عن العطاء والإحسان للمحرومين. ينظر بعين الرّعاية للحيوان، فكيف بالإنسان، وأهل البيان؟ لا يبخل بالرّوح عن المحبوب. ولا يحترز عن الحقّ خشية شماتة الخلق. وما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره، ولا يقول بما لا يفي به، ويعفو عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم، ويطلب لهم المغفرة ويصفح عن العاصين ولا ينظر إليهم بعين الحقارة، لأنّ حسن الخاتمة مجهول. إذ كم من عاص يتوفّق حينَ الموت إلى جوهر الإيمان ويذوق خمرة البقاء ويسرع إلى الملأ الأعلى. وكم من مطيع ومؤمن ينقلب حين ارتقاء الرّوح، ويستقرّ في أسفل دركات النّيران

والخلاصة أنَّ المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة هو أنّه يجب على السّالك والطّالب أن يعلم ويعتقد بأنّ ما سوى الله فانٍ، وما دون المعبود معدوم

وهذه الشّرائط هي من صفات العالين، وسجايا الرّوحانيّين، ذكرت في شرائط المجاهدين،وسير السّالكين في مناهج علم اليقين. وبعد أن تتحقّق هذه المقامات في السّالك المنقطع، والطّالب الصّادق يصدق في حقّه لفظ المجاهد. وإذا ما صار مؤيّدًا بعمل: ﴿وَالّذينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾( ) فلا بدّ أن يستبشر ببشارة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾( )

وإذا ما أُوقد في القلب سراج الطّلب والمجاهدة، والذّوق والشّوق، والعشق والوَلَه، والجذب والحبّ، وهبَّ نسيم المحبّة من شطر الأحديّة، تزول ظلمة ضلالة الشّكّ والرّيب، وتحيط أنوار العلم واليقين بكلّ أركان الوجود. ففي ذلك الحين يطلع البشير المعنوي كالصّبح الصّادق، من المدينة الإلهيّة بالبشارة الرّوحانيّة، ويستيقظ القلب والنّفس والرّوح من نوم الغفلة بصورِ المعرفة، ويُمنح حياة جديدة بديعة بتأييدات وعنايات من روح القدس الصّمدانيّ، بحيث يرى نفسه صاحب بصر جديد، وسمع بديع، وقلب وفؤاد جديد. ويرى الآيات الواضحة في الآفاق، والحقائق

المستورة في الأنفس. ويشاهد بعين الله البديعة في كلّ ذرّة بابًا مفتوحًا للوصول إلى مراتب عين اليقين، وحقّ اليقين ونور اليقين. ويلاحظ في جميع الأشياء أسرار تجلّي الوحدانيّة، وآثار الظّهور الصّمدانيّة

قسمًا بالله لو وصل السّالك في سبيل الهدى، والطّالب لمعارج التّقى، إلى هذا المقام الأرفع الأعلى، لاستنشق رائحة الحقّ من مسافات بعيدة، ولأدرك صبح الهداية النّورانيّ من مشرق كلّ شيء، ولدَلَّه كلّ ذرّة على المحبوب. وهداه كلّ شيء إلى المطلوب، ولاستطاع أن يميّز الحقّ من الباطل، ويفرّق بينهما، كما يفرّق بين الظّلّ والشّمس. فمثلاً لو هبَّ نسيمُ الحقّ عن مشرق الإبداع وهو في مغرب الاختراع، لاستنشق حتمًا شذى عبيره. وكذلك يميّز جميع آثار الحقّ من كلمات بديعة، وأعمال منيعة، وأفعال باهرة، عن أفعال وأعمال وآثار ما سواه، كما يميّز أهلُ اللّؤلؤِ اللّؤلؤةَ من الحجر، وكما يميز الإنسان الرّبيعَ من الخريف، والحرارة من البرودة. وإذا ما تطهّر مشام الرّوح من زكام الكون والإمكان، لوجد السّالك حتمًا رائحة المحبوب من منازل بعيدة، ولوَرَدَ من أثر تلك الرّائحة إلى

مصر الإيقان لحضرة المنّان وَليشاهد بدائع حكمة الحضرة السّبحانيّة في تلك المدينة الرّوحانيّة. ولسمع جميع العلوم المكنونة من أطوار ورقة الشّجرة لتلك المدينة. وليسمع من تراب تلك المدينة بسمعه الظّاهر والباطن، التّسبيح والتّقديس لربّ الأرباب. وليشاهد بعين رأسه أسرار الرّجوع والإياب. فماذا أذكر من الآثار والعلامات، والظّهورات والتّجلّيات، المقدّرة في تلك المدينة بأمر سلطان الأسماء والصّفات؟ فيها يزول العطش بغير ماء. وتزداد حرارة محبّة الله بدون نار. وفي كلّ نبت مستور حكمة بالغة معنويّة. وعلى أغصان كلّ دوحةِ ورد ألفُ بلبل ناطق بالجذب والوله. ومن أورادها البديعة يظهر سرّ النّار الموسويّة. ومن نغماتها القدسيّة تبدو نغمة روح القدس العيسويّة تَهِب الغناء بغير ذهب، وتمنح البقاء بلا فناء. مكنون في كلّ ورقة منها نعيم، ومخزون في كلّ غرفة منها مئة ألف حكمة

والمجاهدون في الله بعد الانقطاع عمّا سواه يأنسون بتلك المدينة بحيث لا ينفكّون آنًا عنها يسمعون الدّلائل القطعيّة من سنابل ذاك المحفل، ويأخذون البراهين

الواضحة من جمال الورود ونغمات البلبل. وهذه المدينة تتجدّد وتتزيّن في رأس كلّ ألف سنة، أو ما يقلّ عن ذلك أو يزيد

فيا حبيبي، يجب بذل الجهد حتّى نصل إلى تلك المدينة، ونكشف سبحات الجلال بالعناية الإلهيّة والألطاف الرّبّانيّة، حتّى نفدي أرواحنا الخامدة بتمام الاستقامة في سبيل المحبوب الجديد. ونعترف بكلّ عجز وانكسار لنفوز بهذا الفوز وأمّا تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كلّ عهد. فمثلاً في عهد موسى كانت التّوراة، وفي زمن عيسى كان الإنجيل، وفي عهد محمّد رسول الله كان الفرقان. وفي هذا العصر البيان. وفي عهد من يبعثه الله كتابه الّذي هو مرجع كلّ الكتب والمهيمن على جميعها. وفي هذه المدائن أرزاق مقدرة، ونعم باقية مقرّرة، تهب الغذاء الرّوحانيّ، وتطعم النّعمة القدميّة، وتمنح نعمة التّوحيد لأهل التّجريد، وتجود على من لا نصيب لهم بنصيب، وتبذل كأس العلم للهائمين في صحراء الجهل. وفي هذه المدائن مخزون ومكنون الهداية والعناية، والعلم والمعرفة، والإيمان والإيقان لكلّ من في السّموات والأرض

فمثلاً كان الفرقان حصنًا حصينًا لأمّة الرّسول، بحيث أنَّ كلّ من آوى إليه في زمانه بقي محفوظًا من رمي الشّياطين، ورمح المخالفين، والظّنونات المجتثّة، والإشارات الشّركيّة. ورزق كذلك بالفواكه الطّيّبة الأحديّة، وبأثمار علم الشّجرة الإلهيّة، وشرب من أنهار ماء المعرفة غيرِ الآسِن، وتذوّق خمر أسرار التّوحيد والتّفريد. حيث أنَّ جميع ما تحتاج إليه تلك الأمّة من أحكام الدّين، وشريعة سيّد المرسلين، موجودٌ ومعَيَّنٌ في ذاك الرّضوان المبين. وإنّه لهو الحجّة الباقية لأهله من بعد نقطة الفرقان. إذ أنَّ حكمه مسلّم، وأمره محقّق الوقوع، والجميع كانوا مأمورين باتّباعه إلى حين الظّهور البديع في سنة السّتّين. وبه يصل الطّالبون إلى رضوان الوصال، ويفوز المجاهدون والمهاجرون بسرادق القرب. وإنّه لدليل محكم وحجّة عظمى. وما عداه من الرّوايات والكتب والأحاديث ليس لها ذلك الفخر، لأنّ الحديث وأصحاب الحديث، وجودهم وقولهم مثبوت بحكم الكتاب ومحقّق به. وعلاوة على ما ذكر فإنّ في الأحاديث اختلافات كثيرة وشبهًا جمّة كما قال نقطة الفرقان في أواخر أيّامه: (إنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي).

ومع أنَّ هناك أحاديث كثيرة قد نزلت من منبع الرّسالة، ومعدن الهداية، فإنّه لم يذكر شيئًا غير الكتاب. وقد جعله السّبب الأعظم، والدّليل الأقوم للطّالبين، حتّى يكون هاديًا للعباد إلى يوم الميعاد

فانظر الآن بعين منصفة، وقلب طاهر، ونفس زكيّة. ولاحظ ما قرّره الله في كتابة المسلّم به بين الطّرفين، من العامّة والخاصّة، وجعله حجّة لمعرفة العباد. فينبغي لهذا العبد ولجنابك ولكلّ من على الأرض أن نتمسّك بنوره، ونميّز الحقّ من الباطل ونفرّق بين الضّلالة والهداية. لأنّ الحجّة انحصرت بأمرين أحدهما الكتاب وثانيهما عترته. ولمّا انقطعت العترة من بينهم انحصرت الحجّة حينئذٍ في الكتاب

وفي أوّل الكتاب يقول: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾( ) ففي الحروف المقطّعة من الفرقان مستورة أسرار الهويّة، وفي صدف هذه الحروف مخزونة

لآلئ الأحديّة، وليس هذا مجال ذكرها. ولكن بحسب الظّاهر مقصود حضرته ممّا خاطبه به هو أن يا محمّد، إنّ هذا الكتاب المنزّل من سماء الأحديّة لا ريب ولا شكّ فيه، وهو هدى للمتّقين، فلاحظوا بأنّ هذا الفرقان قد قرّره وقدّره لهداية كلّ من في السّموات والأرض، وشهد ذات الأحديّة، وغيب الهويّة بنفسه على أنّه لا شكّ ولا شبهة فيه، وأنّه هاد للعباد إلى يوم الميعاد، فهل من الإنصاف أن يشكّ هؤلاء العباد، ويشتبهوا في الثّقل الأعظم الّذي شهد الله بأحقّيّته وحكم بها؟ أو يعرضوا عن الأمر الّذي جعله سببًا للهداية، والوصول إلى معارج العرفان؟ ويطلبون أمرًا آخر ويتشكّكون بزخرف أقوال النّاس قائلين: إنَّ فلانًا قال كذا وكذا، وأنّ الأمر الفلاني ما ظهر. والحال لو أنَّ هناك أمرًا أو شيئًا غير كتاب الله يكون علّة وسببًا لهداية الخلق، لذكر حتمًا في الآية المذكورة

والخلاصة أنّه يجب علينا ألاّ نتجاوز عن الأمر المبرم الإلهيّ، ولا عن التّقدير المقدّر الصّمدانيّ المذكور في الآية، ونصدّق بالكتب البديعة، لأنّنا إذا لم نصدّق بهذه الكتب، فلا يتحقّق التّصديق بهذه الآية المباركة، كما هو

واضح من أنَّ أيّ إنسان لم يصدّق بالفرقان فإنّه في الحقيقة لم يصدّق أيضًا بالكتب المنزّلة من قبل. وهذه هي المعاني المستفادة من ظاهر الآية. ولو نذكر معانيها المستورة ونبيّن أسرارها المكنونة، فلا شكّ أنَّ الزّمان لا يكفي لذلك والكون لا يحتمله، وكان الله على ما أقول شهيدًا

وكذلك يقول في مقام آخر: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾( ) 

ممّا ترجمته الظّاهرة، أنّه لو كنتم في شكّ وشبهة ممّا نزّلنا على عبدنا محمّد، فأتوا بسورة من مثل هذه السّورة المنزلة، وادعوا شهداءكم أي علماءكم حتّى يعينوكم على إنزال سورة إن كنتم صادقين. فانظر الآن كم هو عظيم شأن الآيات وكبير قدرها، حيث قد ختم بها الحجّة البالغة والبرهان الكامل والقدرة القاهرة والمشيئة النّافذة. وما

أشرك سلطان الأحديّة في إظهار حجّته أيّ شيء معها، لأنّ الآيات بين الحجج والدّلائل هي بمنزلة الشّمس، وما سواها بمنزلة النّجوم. وإنّها لهي الحجّة الباقية، والبرهان الثّابت، والنّور المضيء بين العباد من لدن السّلطان الحقيقيّ. لا يبلغ فضلها فضل، ولا يسبقها أيّ أمر وهي كنز اللآلئ الإلهيّة، ومخزن الأسرار الأحديّة، وإنّها لهي الخيط المحكم، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والنّور الّذي لا يطفى. تجري منها شريعة المعارف الإلهيّة، وتفور منها نار الحكمة البالغة الصّمدانية، وهي نار لها أثران ظاهران في آن واحد: في المقبلين تحدث حرارة الحبّ، وفي المبغضين برودة الغفلة

أيّها الرّفيق، ينبغي لنا ألاّ نتجاوز عن أمر الله، ونرضى بما جعله حجّته ونخضع له. والخلاصة أنَّ حجّة هذه الآية المنزلة وبرهانها، لأعظم من أن يستطيع هذا العليل إقامة الدّليل عليها والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل، وهو القاهر فوق عباده وهو العزيز الجميل

وكذلك يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ

بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾( ). أي يقول هذه آيات منزلة من سماء الهويّة نتلوها عليك، فبأيّ حديث بعد ظهور الحقّ ونزول آياته يؤمنون؟ ولو تلتفت إلى تلويح هذه الآية لتفقه أنّه لم يكن هناك أبدًا مظهر أكبر من الأنبياء ولم تظهر أيضًا في الأرض حجّة أكبر ولا أعظم من الآيات المنزلة، بل إنّه لم يكن في الإمكان حجّة أعظم من هذه الحجّة إلاّ ما شاء ربّك

وكذلك يقول في مقام آخر: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾( ) يعني ويل لكلّ أفّاك أثيم، يسمع الآيات النّازلة من سماء المشيئة الإلهيّة تتلى عليه، ثمَّ يستكبر كأن لم يسمعها، فبشّره بعذاب أليم. وإنّ الإشارة في هذه الآية لتكفي كلّ من في السّموات والأرض لو كان النّاس في آيات ربهم يتفرّسون. وإنّك لَتَسمع اليوم كيف أنّه إذا تليت الآيات الإلهيّة لا يعتني بها أحد، كأنّ أحقر الأمور عندهم هي الآيات الإلهيّة والحال أنّه ما كان ولن يكون هناك

أمر أعظم من الآيات. قل لهم أيّها الغافلون إنّكم تقولون ما قاله آباؤكم من قبل، فلو أنّهم جنوا ثمرًا من شجرة إعراضهم فسوف تجنونه أنتم أيضًا. وعن قريب سوف تستقرّون في النّار مع آبائكم فالنّار مثواهم فبئس مثوى الظّالمين

ويقول تعالى في مقام آخر: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾( ) يعني إذا علم من آياتنا شيئًا اتّخذها على سبيل الاستهزاء، فلهم عذاب مهين. ومن جملة الاستهزاء أنّهم كانوا يقولون أظهر لنا معجزة أخرى وائتنا ببرهان آخر، فكان يقول أحدهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء﴾( ) والآخر كان يذكر: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾( ). وبمثل ما استبدل اليهود في عهد موسى المائدة السّماويّة بالأشياء الخبيثة من قبيل الثّوم والبصل، كذلك طلب هؤلاء القوم أيضًا تبديل الآيات المنزّلة بالظّنونات النّجسة الكثيفة. كما تشاهد اليوم، أنَّ المائدة المعنويّة نازلة من سماء الرّحمة

الإلهيّة وغمام المكرمة السّبحانيّة. وأنّ بحور الحيوان في موج وجريان، في رضوان الجنان، بأمر خالق كن فكان. والجميع مجتمعون كالكلاب على الأجساد الميتة، وقانعون بالبركة المالحة الّتي هي ملح أجاج. سبحان الله! إنّنا لفي غاية الحيرة من عباد يطلبون الدّليل بعد ارتفاع أعلام المدلول. ويتمسّكون بإشارات العلم بعد ظهور شمس المعلوم. مثلهم كمن يطلب من الشّمس حجّة لإثبات نورها، أو يطلب من أمطار الرّبيع برهانًا لإثبات فيضها. فحجّة الشّمس نورها الّذي أشرق وأحاط العالم، وبرهان الرّبيع جوده الّذي جدّد العالم برداء جديد. على أنَّ الأعمى لا يعرف للشّمس أثرًا غير حرارتها. والأرض الجرز ليس لها نصيب من رحمة الرّبيع (فلا عجب إن لم يكن لهم نصيب من القرآن غير النّقش، كما أنّه ليس للأعمى نصيب من الشّمس إلا الحرارة( )

وفي مقام آخر يقول: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ

صَادِقِينَ﴾( ) فانظر أيّ حجج كانوا يحتجّون بها على مظاهر الرّحمة الكاملة الواسعة. إنّهم كانوا يستهزؤن بالآيات، الّتي كلّ حرف منها أعظم من خلق السّموات والأرض، وبها يحيا أموات وادي النّفس والهوى بروح الإيمان. وكانوا يقولون أخرِج لنا آباءنا من القبور. فبمثل هذا كان إعراض القوم واستكبارهم، مع أنَّ كلّ واحدة من هذه الآيات حجّة مُحكمة لكلّ من على الأرض، وبرهان أعظم يكفي كلّ من عليها لو أنتم في آيات الله تتفكّرون. وإنّ في هذه الآية المذكورة لمكنون لآلئ الأسرار. ومن طلب وجدّ وجد

إيّاك والإصغاء إلى زخرف أقوال العباد الّذين يدّعون بأنّ الكتاب والآيات ليس بحجّة للعوامّ لأنّهم لا يفهمونها ولا يدركونها مع أنَّ هذا القرآن حجّة لأهل المشرق والمغرب. وإن لم يكن في مقدور النّاس إدراكه كيف يكون حجّة على الجميع؟ ولو صحّ ما يدّعون لما كان هناك تكليف على نفس، أو إلزام لها بعرفان الله لأنّ عرفانه أعظم من

عرفان كتابه. والعوامّ ليس عندهم استعداد لإدراكه

والخلاصة أنَّ هذا القول في منتهى اللّغو والسّخافة. وكلّه يقال من باب الكبر والغرور، كي ما يبعدون النّاس عن رياض رضاء الله، ويقبضون على زمامهم في أيديهم قبضًا محكمًا. مع أنَّ هؤلاء العوامّ أكثر قبولاً ورضاء لدى الحقّ من علمائهم الّذين أعرضوا عنه. والحال أنَّ فهم الكلمات الإلهيّة، وإدراك بيانات الحمامات المعنويّة، ليس له أيّ دخل بالعلم الظّاهريّ. بل هو منوط بصفاء القلب، وتزكية النّفوس، وتجرّد الرّوح. كما هو مشهود الآن في فئة من العباد الّذي ما عرفوا حرفًا من رسوم العلم، لكنّهم جالسون على رفرف العلم، ورياض قلوبهم مزيّنة بأوراد الحكمة وأنهار المعرفة، من سحاب الفيض الإلهيّ فطوبى للمخلصين من أنوار يوم عظيم

وكذلك يقول: ﴿وَالّذينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ). وكذا يقول:

﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾( ). ومضمون هذه الآية واضح. فانظر ماذا كانوا يقولون بعد تنزيل الآيات، أئنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون. فكانوا يسمّون حضرته شاعرًا ويسخرون من الآيات الإلهيّة. ويقولون إنَّ هذه الكلمات، إن هي إلاّ أساطير الأوّلين. يعنون بذلك الكلمات الّتي قيلت من قبل، وأنّ محمّدًا جمعها ثمَّ يقول إنّها من عند الله

كذلك قد سمعت اليوم بأمثال هذه الأقوال، ممّا ينسبونه إلى هذا الأمر، ويقولون إنَّ هذه الكلمات قد جمعها من الكلمات الّتي نزلت من قبلُ، أو هي كلمات مغلوطة قد كبر قولهم وصغر شأنهم وحدُّهم

لهذا قالوا بعد هذه الإنكارات والاعتراضات المذكورة، إنّه بحسب ما في الكتب، لا يجوز أن يبعث نبيّ مستقلّ من بعد موسى وعيسى يكون ناسخًا للشّريعة. بل يجب أن يأتي شخص يكمل الشّريعة السّابقة. فنزلت هذه

الآية المباركة المشعرة بجميع المطالب الإلهيّة والدَّالة على عدم انقطاع الفيوضات الرّحمانيّة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حتّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾( ) أي مرتاب في ربّه. فأدركوا من هذه الآية، وتيقّنوا أنّه في كلّ عصر، كان يتمسّك أمم ذلك العهد بآية من الكتاب، وينطقون بمثل هذه الأقوال المزخرفة، من أنّه لا يجوز أن يأتي نبيٌّ آخر في عالم الإبداع، مثل ما استدلّ علماء الإنجيل بالآية المذكورة فيه بأنّه لا يرفع حكم الإنجيل أبدًا. ولا يبعث نبيّ مستقلّ إلاّ لإثبات شريعة الإنجيل

وأكثر الملل مبتلون بهذا المرض الرّوحيّ. كما ترى، كيف أنَّ أهل الفرقان قد احتجبوا بذكر خاتم النّبيّين، على مثال الأمم السّابقة. مع أنّهم مقرّون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾( ) ولما يُبيّن الرّاسخُ في العلوم وأمِّها ونفسها وذاتها وجوهرِها بيانًا فيه مخالفة

قليلة لأهوائهم، فإنّك تسمع ماذا يقولون وماذا يفعلون. وما هذا إلاّ من رؤساء النّاس في الدّين، يعني من أولئك الّذين ما اتّخذوا لهم إلهًا إلاّ الهوى، ولا عرفوا لهم مذهبًا غير الذّهب، واحتجبوا بحجبات العلم، وتاهوا في ضلالة كما يقول ربّ الأنام بتصريح تامّ، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾( ) يعني أما رأيت ذاك الغافل الّذي اتّخذ إلهه أهواء نفسه، وأضلّه الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون

أمّا معنىوأضلّه الله على علمفإنّه وإن كان في الظّاهر كما ذكر، ولكن عند هذا الفاني، المقصود من هذه الآية، هم علماء العصر الّذين أعرضوا عن جمال الحقّ وتمسّكوا بعلومهم المنبعثة من النّفس والهوى واحتجُّوا على نبأ الله وأمره ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾( ). وكذلك يقول ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاّ

رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُّفْتَرًى﴾( ) والحقّ يقول: وإذا تتلى الآيات القدسيّة الأحديّة عليهم، يعني أولئك الكفرة الفجرة، يقول أولئك المشركون الغافلون عن الحقّ ما هذا رسول من عند الله، إنّما هو رجل يريد أن يمنعكم عمّا كان يعبده آباؤكم، وقالوا ما هذا إلا كذب مفترى

فاسمع النّداء القدسيّ الإلهيّ، واللّحن المليح الصّمدانيّ، كيف أنّه بالتّلويح قد أنذر المكذّبين بالآيات وتبرّأ عن المنكرين للكلمات القدسيّة. ولاحظ بُعد النّاس عن كوثر القرب وإعراض أولئك المحرومين واستكبارهم على ذلك الجمال القدسيّ، مع أنَّ ذاك الجوهر، جوهر اللّطف والكرم، قد كان يهدي هياكل العدم إلى ساحة القدم، ويدلّ اولئك الفقراء الحقيقيّين إلى شريعة الغنى القدسيّة. ومع ذلك كان يقول بعضهم هذا رجل مفترٍ على ربّ العالمين. وبعضهم يقول هذا يمنع النّاس عن شريعة الدّين والإيمان، والآخرون ينسبون إليه الجنون وأمثال ذلك

كذلك نشاهد اليوم كم من لغو القول قد قالوه على ذاك الجوهر، جوهر البقاء، وكم من مفتريات وذنوب نسبوها إلى منبع العِصْمَة ومعدنها. مع أنّه في كتاب الله ولوح القدس الصّمدانيّ وفي جميع أوراقه وكلماته قد أنذر المكذّبين بالآيات المنزلة والمعرضين عنها وبشّر المقبلين إليها. ومع هذا كم من الاعتراضات قد اعترضوا بها على الآيات المنزلة من السّموات القدسيّة البديعة. والحال أنَّ عين الإمكان ما رأت مثل هذا الفضل، وقوّة سمع الأكوان ما سمعت بمثل هذه العناية. إذ أنَّ الآيات كانت جارية ونازلة من غمام الرّحمة الرّحمانيّة بمثابة غيث الرّبيع. لأنّ الأنبياء من أولي العزم، الّذين عَظَمَةُ قدرهم ورِفْعَةُ مَقامِهم واضحة ولائحة كالشّمس، يفتخر كلّ واحد منهم بكتاب مشهود، متداول بين الأيدي، آياته محصيّة. بينما قد نزّلت الآيات من هذا الغمام الرّحمانيّة على قدر لم يحصها أحد للآن. حيث أنَّ المتداول منها في اليد إلى الآن نحو عشرين مجلّدًا، وكم منها لم تصل إليه الأيدي، وكم منها أيضًا قد نُهِبَ وسُلِبَ ووقع بأيدي المشركين، ولا يُعلَم ما فعلوا به

فيا أخي ينبغي التّأمّل والتّفكّر والالتجاء إلى المظاهر

الإلهيّة لعلَّ نتّعظ من المواعظ الواضحة في الكتاب، ونتنبّه من النّصائح المذكورة في الألواح، ولا نعترض على مُنزل الآيات، ونستسلم لأمره بالرّوح. ونقبل حكمه بكلّ روح وريحان، ونذعن له، لعلَّ نرد في فضاء الرّحمة، ونسكن في شاطئ الفضل، (وإنّه بعباده لغفور رحيم)

وكذلك يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾؟( ) فما أوضح المقصود في هذه الآية، وما أظهر برهان حجيّة الآيات المنزلة. ولقد نزلت هذه الآية في وقت كان فيه الكفار يؤذون المسلمين، وينسبون إليهم الكفر، كما كانوا ينسبون لأصحاب حضرته بأنّهم صاروا كافرين بالله، ومؤمنين وموقنين بساحرٍ كذّاب. وفي صدر الإسلام لمّا كان الأمر بحسب الظّاهر لم تكن له قوة، فإنّهم كانوا كلّما لقوا أصحاب تلك الحضرة في أيّ مقام ومكان، كانوا يعملون على نهاية الأذيّة والزّجر، والرّجم والسّبّ لأولئك المقبلين إلى الله. فنزلت في هذا الحين هذه الآية المباركة

من سماء الأحديّة، وعلّمت أصحاب تلك الحضرة ببرهان واضح، ودليل لائح، أن يقولوا للكافرين والمشركين: هل تؤذوننا وتظلموننا وما صدر منّا عمل، إلاّ أن آمنّا بالله وآياته النّازلة علينا من لسان محمّد؟ وكذلك آمنّا بالآيات النّازلة على أنبيائه من قبل بحيث يكون المقصود أنَّ ما علينا تقصير إلاّ أنّنا اعتبرنا الآيات الجديدة البديعة الإلهيّة النّازلة على محمّد، والآيات النّازلة من قبل على الأنبياء، بأنّها جميعها من عند الله، وصدّقنا بها، وأذعنّا لها

هذا هو الدّليل الّذي علّمه سلطان الأحديّة لعباده، مع ذلك هل من الجائز أن يعرضوا عن هذه الآيات البديعة الّتي أحاطت الشّرق والغرب، ويعدّوا أنفسهم من أهل الإيمان؟ أو أنّهم يؤمنون بأنّ منزل الآيات لا يحسب المقرّين بها من أهل الإيمان بناء عن هذا الاستدلال الّذي قرّره؟ حاشا ثمَّ حاشا أن يطرد المقبلين إلى آيات الأحديّة، والمقرّين بها عن أبواب رحمته، أو يهدّد المتمسّكين بالحجّة المثبتة إذ أنّه مثبّت الحقّ بآياته ومحقّق الأمر بكلماته، وإنّه لهو المقتدر المهيمن القدير

وكذلك يقول عزّ من قال ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الّذينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾( ). وإنّ أكثر الآيات الفرقانيّة لدالّة على هذا المطلب ومشعرة به. وهذا العبد قد اقتصر على هذه الآيات المذكورة. فانظر الآن هل ذُكِرَ في الكتاب بأجمعه أمرٌ آخر غير الآيات الّتي جعلها حجّة لمعرفة مظاهر جماله حتّى يعترضوا ويتمسّكوا به؟ بل إنّه في كلّ المواقع قد جعل النّار موعدًا ومقرًّا للمنكرين بالآيات والمستهزئين بها كما هو معلوم

والآن لو يأتي إنسان بالآلاف المؤلّفة من الآيات، والخطب والصّحايف والمناجاة، دون أن يكون قد تعلّمها من أحد بالعلوم الاكتسابيّة، فبأيّ دليل يستدلّ به الّذين يعرضون عنها، ويحرمون أنفسهم من هذا الفيض الأكبر؟ وماذا يقولون في الجواب من بعد عروج الرّوح من الجسد الظّلماني؟ أيتمسّكون بقولهم إنّا تمسّكنا بالحديث الفلاني، ولمّا لم نجد تحقّق معناه بحسب الظّاهر لذا اعترضنا على

مظاهر الأمر، وابتعدنا عن شرائع الحقّ؟ أما سمعتَ بأنّ من جملة البراهين والأدلّة على أحقّيّة بعض الأنبياء من أولي العزم، كان نزول الكتاب عليهم. وإنّ هذا لدليل مسلّم به. وهل يجوز مع هذا أن يعترضوا على من ظهر منه مجلّدات عدّة؟ وأن يتّبعوا في حقّه أقوال شخص أحمق جمع بعض أقوال عن طريق الجهل لإلقاء الشّبهة في القلوب؟ وأصبح شيطان العصر وسبب الغفلة للعباد وإضلال من في البلاد؟ وبذا يحرمون أنفسهم من شمس الفيض الإلهيّ. وبصرف النّظر عن هذه المراتب، إذا هم احترزوا من هذه النّفس القدسيّة، وأدبروا عن هذا النّفس الرّحمانيّ، فإنّي لا أدري بمن يتمسّكون، وإلى أيّ وجه يقبلون. بلى ولكلّ وجهة هو موليها، فقد هديناك السّبيلين في هذين المنهجين. ثمَّ أمش على ما تختار لنفسك، وهذا قول الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال

ومن جملة الأدلّة على إثبات هذا الأمر، هو أنّه في كلّ عهد وعصر كان يظهر فيه غيب الهويّة في هيكل البشريّة، كان يستضيء بضياء شمس النّبوّة، ويهتدي بأنوار قمر الهداية، ويفوز بلقاء الله بعضٌ من الّذين لا يعرفهم أحدٌ،

وليس لهم شأن بين القوم، ولا علاقة لهم بالدّنيا وما فيها. لهذا كان يستهزئ بهم علماء العصر وأغنياء الوقت، كما يقول عن لسان أولئك الضّالين (فقال الملأ الّذين كفروا من قومِه ما نراكَ إلا بشرًا مِثلَنا وما نراكَ اتّبَعَكَ إلاّ الّذينَ هُم أراذِلْنا باديَ الرّأيِ وما نرى لكم علينا من فضلٍ بل نظنّكُم كاذبينَ) فكانوا يعترضون ويقولون لأولئكم المظاهر القدسيّة، إنّه ما اتبعكم إلاّ أراذلنا الّذين لا يُعتَنَى بشأنهم. ومقصودهم من هذا أنّه لم يؤمن بكم علماء القوم، ولا أغنياؤهم ولا ذوو الشّأن منهم. وكانوا يستدلّون بهذا الدّليل وأمثاله على بطلان من له الحقّ

وأمّا في هذا الظّهور الأظهر، والسّلطنة العظمى، فإنّ جمعًا من العلماء الرّاشدين، والفضلاء الكاملين، والفقهاء البالغين، قد رزقوا من كأس القرب والوصال، وفازوا بالعناية العظمى، وانقطعوا عن الكون والإمكان في سبيل المحبوب. ولنذكر بعضًا من أسمائهم، عسى أن يكون ذلك سببًا لاستقامة الأنفس المضطربة والنّفوس غير المطمئنّة

فمن جملتهم جناب مُلا حسين الّذي أصبح محلاًّ

لإشراق شمس الظّهور لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيّته وما استقرّ على كرسيِّ صمدانيّته وجناب آقا سيّد يحيى الّذي كان وحيد عصره وفريد زمانه، ومُلا محمّد علي الزّنجاني، ومُلا علي البسطامي، ومُلا سعيد البارفروشي، ومُلا نعمة الله المازندراني، ومُلا يوسف الأردبيلي، ومُلا مهدي الخوئي، والسّيّد حسين التّرشيزي، ومُلا مهدي الكندي، وأخوه مُلا باقر، ومُلا عبد الخالق اليزدي ومُلا علي البَرقَاني، وأمثالهم ممّن يبلغ عددهم قريبًا من أربعماية نفس، أسماؤهم جميعًا مثبوتة في اللّوح المحفوظ الإلهيّ وهؤلاء كلّهم قد اهتدوا بشمس الظّهور وأقرّوا وأذعنوا لها على شأن انقطع أكثرهم عن أموالهم وأهليهم، وأقبلوا إلى رضى ذي الجلال، وقاموا بتضحية الأرواح في سبيل المحبوب. وأنفقوا جميع ما رزقوا به على شأن كانت صدروهم هدفًا لسهام المخالفين، ورؤوسهم زينة لسنان المشركين. ولم تبق أرض إلاّ وقد شربت من دم هذه الأرواح المجرّدة، ولم يبق سيف إلاّ وقد مَرَّ على رقابهم. دليلُ صدق قولهم فعلُهم. فهل شهادة هذه النّفوس القدسيّة الّذين أنفقوا أرواحهم في سبيل المحبوب على هذه الكيفيّة، والّذين تحيّر العالم كافّة من بذلهم أرواحهم ونفوسهم، هل

شهادتهم لا تكفي لهؤلاء العباد من أهل هذا العصر؟ وأمّا إنكار بعض العباد الّذين يبيعون دينهم بدرهم، ويُبدِّلون البقاء بالفناء، ويستبدلون كوثر القرب بالعيون المالحة، وليس لهم مراد إلاّ أخذ أموال النّاس، كما تشاهد أنَّ كلّ واحد منهم مشغول بزخارف الدّنيا وبعيد عن الرّبّ الأعلى

فأنصف الآن، أيّ الشّهادتين مقبولة ومسموعة؟ أشهادة الّذين وافق قولُهم فعلَهم، وطابق ظاهرهم باطنهم على نحو تاهت العقول في أفعالهم، وتحيّرت النّفوس في اصطبارهم، وبما حملت أجسادهم؟ أم شهادة هؤلاء المعرضين؟ الّذين لا يتنفّسون إلا بأهواء أنفسهم، والّذين ليس لهم نجاة من قفص الظّنونات الباطلة، والّذين لا يرفعون رأسهم عن الفراش نهارًا إلا للسّعي في طلب الدّنيا الفانية، كالخفّاش الظّلمانيّ، والّذين لا يستريحون ليلاً إلا للسّعي في تدبيرات الأمورات الدّنيئة. مشغولون بالتّدبير النّفسانيّ وغافلون عن التّقدير الإلهيّ. بالنّهار يشتغلون في طلب المعاش بأرواحهم. وفي اللّيل يأخذون في تزيين أسباب الفراش. ففي أيّ شرع وملّة يجوز التّمسّك بإعراض هذه النّفوس المحدودة؟ وغضّ الطّرف عن إقبال وتصديق

النّفوس الّذين انقطعوا في رضاء الحقّ عن النّفس والمال والاسم والرّسم والصّيت والشّهرة؟

ألم يكونوا يعتبرون من قبل أنَّ أمر سيّد الشّهداء الحسين بن عليّ، كان أعظم الأمور وأكبر الأدلّة على أحقّيّة حضرته؟ وكانوا يقولون بأنّه ما حدث في العالم أمر مثله. وما ظهر حقّ بهذه الاستقامة وبهذا الظّهور. مع أنَّ أمر حضرته لم يمتدّ لأكثر من الصّبح إلى الظّهر. ولكن هذه الأنوار المقدّسة قد قضت ثمانية عشر عامًا، والبلايا نازلة عليهم كالمطر من جميع الجهات. وهم ينفقون الرّوح بكلّ ارتياح في سبيل السّبحان، بمنتهى العشق والذّوق والحبّ والمحبّة كما هو واضح ومثبوت للجميع، فكيف مع هذا يعدّون هذا الأمر سهلاً؟ هل ظهر في أيّ عصر مثل هذا الأمر الخطير؟ وإذا لم يكن هؤلاء الأصحاب مجاهدين في الله، فمن غيرهم يكون مجاهدًا؟ وهل هؤلاء كانوا طلاّب عزّة ومكانة وثروة؟ وهل كان لديهم مقصد غير رضاء الله؟ وإذا كان كلّ هؤلاء الأصحاب، مع ما لهم من هذه الآثار العجيبة والأفعال الغريبة على الباطل، فمن غيرهم يكون لائقًا لدعوى الحقّ؟ قسمًا بالله إنَّ فعلهم هذا لحجّة كافية ودليل وافٍ لجميع من

على الأرض، لو كان النّاس في أسرار الأمر يتفكّرون ﴿وَسَيَعْلَمُ الّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾( )

وعلاوة على ذلك، فإنّ علامة الصّدق والكذب معلومة ومقرّرة في الكتاب. فيجب أن يمتحن إدّعاء ودعاوي كلّ العباد بهذا المحكّ الإلهيّ، حتّى يميّز الصّادق من الكاذب. ولهذا يقول: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾( ). فانظروا الآن كيف أنّه مع وجود هؤلاء الشّهداء الصّادقين، الّذين نَصُّ الكتاب شاهدٌ لهم على صدق قولهم، كما رأيت أنّهم جميعًا أنفقوا أرواحهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم وكلّ ما يملكون، وعرجوا إلى أعلى غرف الرّضوان، فهل شهادة هذه الطّلعات العالية والأنفس المنقطعة في تصديق هذا الأمر العالي المتعالي تكون غير مقبولة؟ وهؤلاء القوم الّذين يتركون المذهب لأجل الذّهب، ويحترزون عن أوّل ما صدر من جانب الله لأجل الجلوس في الصّدر، تكون شهادتهم على بطلان هذا النّور اللاّئح جائزة ومقبولة؟ مع أنَّ جميع النّاس قد عرفوهم، وعلموا من أطوارهم أنّهم لا يتجاوزون

عن الاعتبار الظّاهري الملكيّ بمقدار ذرّة واحدة في سبيل الدّين الإلهيّ. فكيف إذا بلغ التّجاوز إلى النّفس والمال وغيره؟ فانظر الآن كيف أنَّ المحكّ الإلهيّ قد فرّق بنصّ الكتاب وميّز الخالص من المغشوش. ومع ذلك هم إلى الآن غير مستشعرين، وفي نوم الغفلة مشغولون بكسب الدّنيا الفانية والرّياسة الظّاهريّة يا ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ مَضى عَلَيْكَ أَيَّامٌ، وَاشْتَغَلْتَ فِيها بِمَا تَهْوى بِهِ نَفْسُكَ مِنَ الظُّنُونِ وَالأَوْهَامِ. إِلى مَتى تَكُونُ راقِدًا عَلَى بِساطِكَ. فارْفَعْ رَأْسَكَ عَنِ النَّوْمِ؛ فإِنَّ الشَّمْسَ ارْتَفَعَتْ فِي وَسَطِ الزَّوالِ، لَعَلَّ تُشْرِقُ عَلَيْكَ بِأَنْوارِ الْجَمالِ. والسّلام

ولكن فليُعلَم بأنّ هؤلاء العلماء والفقهاء الّذين ذُكِروا لم يكن أحد منهم من ذوي الرّياسة الظّاهرة، لأنّ من المحال أن يتّبع الحقَّ علماء العصر المقتدرون والمعروفون والجالسون على صدر الحكم والمستقرّون على سرير الأمر إلاّ من شاء ربّك. فإنّ مثل هذا الأمر لم يظهر في العالم إلاّ قليلا ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾( ) كما أنّه لم يقبل في

هذا العهد أحد من العلماء المشهورين الّذين كان في قبضة حكمهم زمام النّاس، بل سعوا في دفع هذا الأمر وردّه بتمام البغض والإنكار، على نحو لم تسمع به أُذن، ولم تره عين

ولقد أصدر حضرة الباب الرّبّ الأعلى، روح ما سواه فداه، توقيعًا مخصوصًا لجميع علماء كلّ بلد، ذكر في توقيع كلّ منهم مراتب إعراضه وإغماضه بالتّفصيل، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾( ) ومقصوده من هذا الذّكر هو لكيلا يعترض أهل البيان حين ظهور المستغاث في القيامة الأخرى بأنّه في ظهور البيان قد آمن جمع من العلماء، فلماذا لم يحصل مثله في هذا الظّهور؟ ويتمسّكون والعياذ بالله بأمثال هذه الزّخارف، ويحرمون أنفسهم من الجمال الإلهيّ؟ نعم إنَّ هؤلاء العلماء المذكورين لم يكن أكثرهم من المعروفين، وبفضل الله كانوا جميعًا مقدّسين عن الرّياسة الظّاهرة ومنزّهين عن الزّخارف الفانيةذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء

وهناك برهان آخر ودليل لائح كالشّمس بين الدّلائل ألا

وهو - استقامة ذلك الجمال الأزليّ على الأمر الإلهيّ. فإنّه مع كونه كان في سنّ الشّباب فإنّه قد قام مع هذا بأمر مخالفٍ لكلّ أهل الأرض من الوضيع والشّريف، والغنيّ والفقير، والعزيز والذّليل، والسّلطان والرّعيّة، كما سمع بذلك الكلّ، ولم يخَفْ من أحد، ولم يعتَنِ بأيّ نفس. فهل يكون هذا بغير أمر إلهيّ، ومشيئة مثبتة ربّانيّة؟ قسمًا بالله لو يتطرّق في فكر أحد أمرٌ كهذا، ويتخيّله في نفسه لينعدم في الحين، ولو يجتمع في قلبه كلّ القلوب، فإنّه لا يتجاسر أيضًا على مثل هذا الأمر المهمّ، إلاّ بإذن من الله، وأن يكون قلبه متّصلاً بالفيوضات الرّحمانيّة، ونفسه مطمئنّة بالعنايات الرّبّانيّة. فيا هل تُرى عَلامَ يحملون هذا! أينسبونه للجنون كما نسبوه للأنبياء من قبل؟ أم يقولون بأنّه تعرّض لهذه الأمور من أجل الرّياسة الظّاهرة، وجمع زخارف الدّنيا الفانية؟

سبحان الله إنّه في أوّل كتاب من كتبه الّذي سماه قيّوم الأسماء، وهو أوّل جميع كتبه، وأعظمها وأكبرها، قد أخبر عن شهادته. وفي مقام منه ذكر هذه الآية قائلاً "يا بقيّة الله قد فديت بكلّي لك، ورضيتُ السَّبَّ في سبيلك، وما تمنّيت

إلاّ القتل في محبّتك وكفى بالله العليّ معتصمًا قديمًا"

وكذلك في تفسير حرف الهاء تمنّى لنفسه الشّهادة قائلاً "كأنّي سمعت مناديًا ينادي في سرّي افْدِ أحبّ الأشياء إليك في سبيل الله كما فدى الحسين عليه السّلام في سبيلي. ولولا كنت ناظرًا بذلك السّرّ الواقع، فوالّذي نفسي بيده، لو اجتمع ملوك الأرض، لن يقدروا أن يأخذوا منّي حرفًا، فكيف عبيد الّذي ليس لهم شأن بذلك، وإنّهم مطرودون!" إلى أن قال "ليعلم الكلّ مقام صبري ورضائي وفدائي في سبيل الله"، فهل يمكن أن يُنسب إلى صاحب هذا البيان بأنّه يمشي على غير الصّراط الإلهيّ أو أنَّه طلب أمرًا بغير رضائه؟ إنَّ في هذه الآية لمكنون نسيم انقطاع، بحيث إذا هبّ لينفق جميع هياكل الوجود أرواحهم، وينقطعون عن أنفسهم. فانظروا الآن إلى النّاس كيف أنّهم كالنّسناس في أفعالهم الدّنيئة، وجاحدون للحقّ غاية الجحود، بحيث يغضّون الطّرف عن كلّ هذا، ويركضون خلف جيف عديدة، يرتفع من بطونها ضجيج أموال المسلمين. ومع هذا كم من مفتريات غير لائقة ينسبونها إلى المطالع القدسيّة كذلك نذكر لك ما اكتسبت أيدي الّذين هم

كفروا، وأعرضوا عن لقاء الله في يوم القيامة، وعذّبهم بنار شركهم، وأعدّ لهم في الآخرة عذابًا تحترق به أجسادهم وأرواحهم ذلك بأنّهم قالوا إنَّ الله لم يكن قادرًا على شيء وكانت يده عن الفضل مغلولة

هذا وإنّ الاستقامة على الأمر حجّة كبيرة وبرهان عظيم كما قال خاتم الأنبياء "شيّبتني الآيتان" . الّتي كلّ واحدة منها مشعرة بالاستقامة على أمر الله كما قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾( )

فانظر الآن كيف قد بلَّغت هذه السّدرة الرّضوانيّة السّبحانيّة أمر الله في أوّل شبابها، وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحديّة، بحيث أنّه قام كلّ من على الأرض على منعه، ولم يأتِ ذلك بثمر أو فائدة بل كلّما كان يَرِد منهم من الإيذاء على تلك السّدرة، سدرة طوبى، كلّما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكلّ هذا واضح لا ينكره أحد إلى أن فدى أخيرًا بروحه وصعد إلى الرّفيق الأعلى

ومن جملة الدّلائل على أحقّيّة ظهوره ظهور الغلبة والقدرة والإحاطة الّتي أظهرها من نفسه بنفسه مُظهِر الوجود، ومظهر المعبود في أكناف العالم وأقطاره. فحينما ظهر في شيراز ذاك الجمال الأزليّ في سنة السّتّين وكشف الغطاء، فإنّه في قليل من الزّمان قد ظهرت في جميع البلاد آثار الغلبة والقدرة، والسّلطنة والاقتدار من ذاك الجوهر، جوهر الجواهر، وبحر البحور، بحيث أنّه قد ظهرت من كلّ بلد آثار وإشارات ودلالات وعلامات من تلك الشّمس اللاّهوتيّة. وكم من رشحات علميّة من ذلك البحر، بحر العلم اللّدنّي، قد أحاطت جميع الممكنات، مع أنَّ جميع العلماء وأعزّة القوم في كلّ بلد ومدينة قد قاموا على ردّهم ومنعهم، وشدّوا أزر الغلّ والحسد والظّلم على دفعهم. وكم من نفوس قدسيّة قتلوها بتهمة الظّلم، مع أنّها كانت جواهر العدل. وكم من هياكل الرّوح قد أهلكوها بأشدّ العذاب، وما بدا منها إلاّ خالص العلم والعمل. ومع كلّ هذا كان كلّ واحد من أولئك الوجودات ذاكرًا ومشغولاً بذكر الله إلى النّفس الأخير، وطائرًا في هواء التّسليم والرّضا. وقد أثّر في هذه الوجودات وتصرف فيها على نحو لم يكن لهم مراد غير إرادته، ولم يبغوا أمرًا غير أمره. رضوا

برضائه، وهامت قلوبهم بذكره

ففكّر الآن قليلاً. هل ظهر من أحد في الإمكان مثل هذه القدرة والإحاطة؟ فإنّ جميع هذه القلوب المنزّهة، والنّفوس المقدّسة، قد أسرع إلى موارد القضاء بكمال الرّضا. وما ظهر منها في مواقع الشّكاية إلاّ الشّكران، وما شوهد منها في مواطن البلاء إلاّ الرّضاء. وليس بخافٍ على أحد مقدار الغلّ والبغض والعداوة الّذي كان يظهره كلّ أهل الأرض نحو هؤلاء الأصحاب بدرجة أنّهم كانوا يعدّون الأذيّة والأذى لتلك الطّلعات القدسيّة المعنويّة علّة الفوز والنّجاة، وسببًا للفلاح والنّجاح الأبديّ. وهل وقع في البلاد في أيّ تاريخ من عهد آدم إلى الآن مثل هذه الغوغاء؟ وهل ظهر بين العباد مثل هذه الضّوضاء؟ ومع كلّ هذه الأذيّة والإيذاء فإنّهم كانوا عرضة للَّعن من جميع النّاس، وهدفًا لملامة كلّ العباد. كأنّ الصّبر قد ظهر في عالم الكون من اصطبارهم، والوفاء قد وجد في أركان العالم من أفعالهم

وخلاصة الكلام عليك بأن تفكّر في جميع هذه الوقائع

الحادثة والحكايات الواردة، حتّى تطّلع على عظمة الأمر وسموّه، كي ينفخ في وجودك روح الاطمئنان بعناية الرّحمن، وتجلس وتستريح على سرير الإيقان. وعلاوة على كلّ هذه المطالب المقرّرة، والدّلائل المذكورة، فالله الأحد لشاهد بأنّك لو تفكّر مليًّا لترى أنَّ إنكار أهل الأرض وسبَّهم هذا، ولعنهم لهؤلاء الفوارس، فوارس ميدان التّسليم والانقطاع، لهو أعظم دليل وأكبر حجّة على أحقّيّتهم. وإنّك في أيّة لحظة تتفكّر في اعتراضات جميع النّاس من العلماء والفضلاء والجهّال تزداد ثبوتًا ورسوخًا وتمكينًا في هذا الأمر. لأنّ كلّ ما قد وقع قد أخبر به من قبل معادن العلم اللّدنيّ، ومهابط الأحكام الأزليّة

ولو أنَّ هذا العبد لا يريد أن يذكر الأحاديث الّتي وردت من قبل، ولكن نظرًا لمحبّة ذاك الجناب نتلو عليك بضعة من الرّوايات الّتي تناسب هذا المقام مع أنّه في الحقيقة لا حاجة لذكرها لأنّ كلّ ما قد ذكر يكفي الأرض ومن عليها. وفي الحقيقة قد ذكرت جميع الكتب وأسرارها في هذا المختصر بحيث لو يتأمّل أحد قليلاً ليدرك ممّا ذكر أسرار الكلمات الإلهيّة والأمور الظّاهرة من ذاك السّلطان

الحقيقيّ. ولكن لمّا لم يكن كلّ النّاس على شأن واحد، ولا من رتبة واحدة، لهذا نذكر بضعة من الأحاديث حتّى يكون سببًا لاستقامة الأنفس المتزلزلة واطمئنان العقول المضطربة، وكذلك لتكون الحجّة الإلهيّة تامّة وبالغة على العباد من الأعالي والأداني

فمن جملة الأحاديث الواردة هذا الحديث حيث يقول (إذا ظهرت راية الحقّ لعنها أهل الشّرق والغرب). فالآن ينبغي أن ترتشف قليلاً من صهباء الانقطاع والاستقرار على رفرف الامتناع وأن يكون نصب العين (تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) لكي يتبيّن لك ما هو سبب هذا الأمر الشّنيع، في أنَّ كلّ النّاس مع إظهارهم الحبّ والطّلب للحقّ يلعنون أهل الحقّ بعد ظهوره كما يستفاد من الحديث وهذا واضح. إذ أنَّ السّبب هو نسخ القواعد والرّسوم والعادات والآداب الّتي تقيّد بها كلّ النّاس. وإلاّ لو أنَّ جمال الرّحمن يسير حسب تلك الرّسوم والآداب الّتي كان عليها النّاس، ويصدقهم فيما هم عليه، فلا يكون هناك داع لظهور كلّ هذا الاختلاف والفساد في الممالك وممّا يثبت هذا الحديث الشّريف ويصدقه قوله

تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾( )

وخلاصة القول إنّه لمّا يدعو النّاس منادي الأحديّة، من وراء الحجبات القدسيّة إلى الانقطاع التّام عمّا في أيديهم وحيث أنَّ هذا النّداء الإلهيّ مخالف لأهوائهم لذلك يظهر كلّ هذا الافتتان والامتحان. والآن انظر إلى النّاس كيف أنّهم لا يذكرون أبدًا هذه الأحاديث المحكمة الّتي ظهرت جميعها، ولكنهم يتمسّكون بالأحاديث الّتي لا يعلم صحّتها من سقمها، ويقولون عنها لماذا لم تظهر؟ والحال إنَّ ما لم يتعقّلوه أيضًا قد ظهر وبهر، ولاحت آثار الحقّ وعلاماته كالشّمس في وسط السّماء. مع ذلك بقي العباد هائمين في تيه الجهل والعمى. وبالرّغم من الآيات الفرقانيّة العديدة، والرّوايات المحقّقة الّتي تدلّ جميعها على شرع جديد وحكم جديد، وأمر بديع، فإنّهم مع ذلك ينتظرون بأنّ طلعة الموعود يحكم على وفق شريعة الفرقان، كما يقول اليهود والنّصارى بمثل هذا المقال

ومن جملة الكلمات الدّالّة على الشّرع الجديد والأمر البديع، فقرات دعاء النّدبة للإمام علي الّتي تقول: (أين المدّخر لتجديد الفرائض والسّنن وأين المتخيّر لإعادة الملّة والشّريعة) ويقول أيضًا في الزّيارة (السّلام على الحقّ الجديد).

سُئِل أبو عبد الله عن سيرة المهدي كيف سيرته قال:  (يصنع ما صنع رسول الله، ويهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله أمر الجاهليّة)

فانظر الآن كيف أنّه مع وجود أمثال هذه الرّوايات، كم من استدلالات يستدلّون بها على عدم تغيير الأحكام. مع أنَّ المقصود من كلّ ظهور التّغيير والتّبديل في أركان العالم سرًّا وجهرًا، وظاهرًا وباطنًا. إذ أنّه لو لم يتغيّر أمورات الأرض بأيّ وجه من الوجوه فإنّ ظهور المظاهر الكلّيّة يكون لغوًا وباطلاً. ومع أنّه يقول في كتاب العوالم الّذي هو من الكتب المشهورة المعتبرة  (يظهر من بني هاشم صبيّ ذو كتاب وأحكام جديد) إلى أن قال: (وأكثر أعدائه العلماء). وفي مقام آخر يذكر عن الصّادق بن محمّد

أنّه قال: (ولقد يظهر صبيّ من بني هاشم، ويأمر النّاس ببيعته. وهو ذو كتاب جديد، يبايع النّاس بكتاب جديد على العرب شديد. فإن سمعتم منه شيئًا فأسرعوا إليه). فما أحسن اتّباعهم لوصيّة أئمة الدّين وسرج اليقين مع أنّه يقول: (إذا سمعتم بأنّ شابًّا من بني هاشم قد ظهر ويدعو النّاس إلى كتاب إلهيّ جديد وأحكام بديعة ربّانيّة، فأسرعوا إليه). مع ذلك قد حكم الجميع على ذاك السّيّد، سيّد الإمكان، بالكفر والخروج من الإيمان. وما ذهبوا إلى ذاك النّور الهاشميّ والظّهور السّبحانيّ، إلاّ بسيوف مسلولة، وقلوب طافحة بالبغضاء. ثمَّ لاحظوا أيضًا كيف أنَّ عداوة العلماء مذكورة في الكتب بمنتهى الصّراحة. ومع وجود هذه الأحاديث الظّاهرة المدلّة، والإشارات الواضحة المحقّقة، فإنّ جميع النّاس قد أعرضوا عن الجوهر الصّافي للمعرفة والبيان، وأقبلوا إلى مظاهر الضّلالة والطّغيان. ومع هذه الرّوايات الواردة والكلمات النّازلة، فإنّهم يتكلّمون بما تهوى أنفسهم.  ولو ينطق جوهر الحقّ ببيان يكون مخالفًا لأهواء هذه الفئة، وما في أنفسهم، فإنّهم يكفِّرونه في الحال ويقولون بأنّ هذا مخالف لقول أئمّة الدّين، وذوي النّور المبين. وإنّه ما صدر في الشّرع المتين أمر وحكم كهذا،

كما ظهر ويظهر اليوم من هذه الهياكل الفانية أمثال هذه الأقوال الّتي لا فائدة فيها

وانظر الآن في هذه الرّواية الأخرى كيف أنّهم قد أخبروا عن جميع هذه الأمور قبل وقوعها، فقد ذكر في كتاب الأربعين (يظهر من بني هاشم صبيّ، ذو أحكام جديدة فيدعو النّاس ولم يجبه أحد. وأكثر أعدائة العلماء. فإذا حكم بشيء لم يطيعوه. فيقولون هذا خلاف ما عندنا من أئمّة الدّين). إلى آخر الحديث. كما يعيد الجميع اليوم هذه الكلمات وهم لا يشعرون بأنّ حضرته جالس على عرش يفعل ما يشاء، ومستقرّ على كرسيّ يحكم ما يريد

إنّ كيفيّة ظهوره لا يسبقها إدراك أيّ مدرك وقدر أمره لا يحيط به عرفان أيّ عارف، وجميع الأقوال منوطة بتصديقه، وكلّ الأمور محتاج لأمره، وما سواه مخلوق بأمره، وموجود بحكمه. وهو مظهر الأسرار الإلهيّة، ومبيّن الحكم الغيبيّة الصّمدانيّة كما ورد في كتاب بحار الأنوار، وفي العوالم، وفي الينبوع عن الصّادق بن محمّد أنّه قال: (العلم سبعة وعشرون حرفًا، فجميع ما جاءت به الرّسل

حرفان ولم يعرف النّاس حتّى اليوم غير الحرفين. فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفًا). فانظر الآن كيف أنّه جعل العلم سبعة وعشرين حرفًا. وأنّ جميع الأنبياء من آدم إلى الخاتم قد بيّنوا حرفين منه، وبعثوا بهذين الحرفين. ويقول بأنّ القائم يظهر جميع هذه الخمسة والعشرين حرفًا. فاعرف من هذا البيان مقام حضرته وقدره، وكيف أنَّ قدره أعظم من كلّ الأنبياء، وأمره أعلى وأرفع من عرفان وإدراك كلّ الأولياء. وأنّ الأمر الّذي ما اطّلع عليه الأنبياء والأولياء والأصفياء، أو ما أظهروه بأمر مبرم إلهيّ، مثل هذا الأمر. يزنه هؤلاء الهمج الرّعاع بعقولهم وعلومهم ومداركهم القاصرة. فإذا لم يطابق موازينهم يرفضونه. ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾( )

فعلى أيّ وجه يحملون هذا الحديث المذكور الصّريح في الدّلالة على ظهور المطالب الغيبيّة، والأمورات البديعة الجديدة في أيّام حضرته. وأنّ هذه الأمورات البديعة تصبح

سببًا في اختلاف النّاس بدرجة يحكم جميع العلماء والفقهاء بقتل حضرته، وقتل أصحابه. ويقوم كلّ أهل الأرض على مخالفته ومعارضته، كما يقول في كتاب الكافي، في حديث جابر في لوح فاطمة في وصف القائم  (عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب فيذلّ أولياؤه في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويفشو الويل والرّنّة في نسائهم. أولئك أوليائي حقًّا). فانظر الآن كيف أنّه لم يبق حرف من هذا الحديث إلاّ وقد ظهر بحيث أنَّ دمهم الشّريف قد سفك في أكثر الأماكن وأسروهم في كلّ بلد، وأداروا بهم في الولايات والمدن والبلدان وأحرقوا بعضًا منهم بالنّار. ومع ذلك لم يفكّر أحد منهم بأنّه لو كان القائم الموعود يظهر بالشّريعة السّابقة، ويبعث بأحكامها، فلِمَ ذُكرَت هذه الأحاديث؟ ولماذا تظهر كلّ هذه الاختلافات، حتّى يجعلوا قتل هؤلاء الأصحاب واجبًا، ويعدّون أذيّة هذه الأرواح المقدّسة سببًا للوصول إلى معارج القرب؟

وفضلاً عن هذا، فانظر كيف أنَّ جميع هذه الأمور

الواردة والأفعال النّازلة قد ذكرت من قبل في الأحاديث كما يقول في روضة الكافي في بيان الزّوراء: وفي روضة الكافي عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله قال: (أتعرف الزّوراء؟ قلت: جعلت فداك، يقولون إنّها بغداد. قال: لا ثمَّ قال: دخلت الرّيّ( )؟ قلت: نعم. قال: أتيت سوق الدّوابّ؟ قلت: نعم. قال: رأيت الجبل الأسود عن يمين الطّريق؟ تلك الزّوراء يقتل فيها ثمانون رجلاً من ولد فلان كلّهم يصلح للخلافة. قلت: من يقتلهم؟ قال: يقتلهم أولاد العجم).

هذا حكم أصحاب حضرته وأمرهم الّذي بيّنوه من قبل. والآن لاحظوا أنَّ الزّوراء الموافقة لهذه الرّواية هي أرض الرّيّ. وفي ذلك المكان قد قتل هؤلاء الأصحاب بأشدّ أنواع العذاب. وقد قتل العجم جميع هذه الوجودات القدسيّة كما هو مذكور في الحديث، وكما سمعتم وعرفتم، وكما هو واضح ومثبوت لكلّ العالم والآن لم لا يتفكر هؤلاء الخرّاطين، خرّاطين الأرض، في هذه الأحاديث الّتي تحقّقت جميعها، وظهرت كالشّمس في وسط السّماء، ولم لا

يُقبلون إلى الحقّ ويتمسّكون ببعض الأحاديث الّتي لم يفهموا معناها؟ وبذا أعرضوا عن ظهور الحقّ وجمال الله واستقرّوا في سقر: إنَّ هذه الأمور ليست إلاّ من إعراض فقهاء العصر وعلماء العهد، ولهذا يقول الصّادق بن محمّد (فقهاء ذلك الزّمان شرّ فقهاء تحت ظلّ السّماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود).

وإنّي لأرجو من فقهاء البيان وعلمائهم، أن لا يقتفوا أثرهم في هذا الطّريق، وأن لا يرد منهم في زمن المستغاث على الجوهر الإلهيّ، والنّور الرّبّانيّ، والجمال الأزليّ، ومبدأ المظاهر الغيبيّة ومنتهاها، ما ورد في هذا الكور. وأن لا يعتمدوا على عقولهم وعلومهم ومداركهم. وأن لا يتخاصموا مع مظهر العلوم الرّبّانيّة الّتي لا تتناهى. وبالرّغم من كلّ هذه الوصايا فإنّا نرى أعورًا من رؤساء القوم يقوم على معارضتنا بمنتهاها. وكذلك نرى أنّهم في كلّ بلد سيقومون على نفي ذاك الجمال القدسيّ، وإنّ أصحاب ذاك السّلطان، سلطان الوجود وجوهر المقصود، يفرّون في الجبال وفي الصّحاري، ويختفون من أيدي الظّالمين، والبعض منهم يتوكّلون على الله، وينفقون أرواحهم بكمال

الانقطاع. وكأنّي أشاهد أنَّ من هو موصوف ومعروف بكمال الزّهد والتّقوى، على شأن يعدّ جميع النّاس إطاعته فرضًا والتّسليم لأمره واجبًا يقوم على المحاربة مع أصل تلك الشّجرة الإلهيّة، ويسعى لمعارضتها بكمال الجدّ والاجتهاد. هذا هو شأن النّاس

أمّا أهل البيان، فلي أمل أنّهم يتربّون ويطيرون في هوآء الرّوح ويسكنون في فضائه، ويميّزون الحقّ عن غيره، ويدركون غشّ الباطل بالبصيرة النّيّرة. ولو أنّه في هذه الأيّام قد هبّت رائحة حسد، فإنّي أقسم بمربّي الوجود من الغيب والشّهود، بأنّه من أوّل بداية وجود العالم، مع كونه لا بداية له، إلى هذا الحين، ما ظهر مثل هذا الغلّ والحسد والبغضاء، ولن يظهر شبهه أبدًا. حيث أنَّ جمعًا من الّذين لم يستنشقوا رائحة الإنصاف قد رفعوا رايات النّفاق، واتّفقوا على مخالفة هذا العبد. فبرز من كلّ جهة رمح، وطار من كلّ سمت سهم مع أنّي ما افتخرت على أحدٍ في أمر، وما استعليت على نفس. وكنت مع كلّ إنسان صديقًا بمنتهى المحبّة، ورفيقًا بغاية الرّأفة والشّفقة، كنت مع الفقراء مثل الفقراء، ومع العلماء والعظماء بكمال التّسليم والرّضاء. مع

ذلك، فوالله الّذي لا إله إلاّ هو مع كلّ هذا الابتلاء والبأساء والضّرّاء الّتي وردت علينا من الأعداء وأولي الكتاب، إنّها كانت كالعدم الصّرف، والفقد البحت، بالنّسبة لما ورد علينا من الأحبّاء.

وبالاختصار، ماذا نقول من البيان بعد هذا ممّا لا طاقة للإمكان أن يحتمله، إن كان هناك إنصاف؟ إنَّ هذا العبد في أوائل أيّام وروده في هذه الأرض، لمّا رأى علائم الحوادث المقبلة، اختار المهاجرة قبل وقوعها، وهام في فيافي الفراق. وقضيت اثنين من السّنين وحيدًا في براري الهجر فجرت العبرات من عيوني كالعيون، وسالت بحور الدّم من قلبي. فكم من ليال لم أجد قوتًا، وكم من أيّام لم أجد للجسد راحة. ومع كلّ هذه البلايا النّازلة، والرّزايا المتواترة، فوالّذي نفسي بيده كان كمال السّرور موجودًا، ونهاية الفرح مشهودًا. حيث لم يكن عندي خبر من ضرّ أحد أو نفعه، وصحّته أو سقمه. كنت مشغولاً بنفسي، نابذًا ورائي العالم وما فيه. وما كنت أدري أنَّ شرك قضاء الله أوسع من ميدان الخيال، وسهم تقديره مقدّس عن التّدبير. فلا نجاة لأحد من شرك قضائه، ولا مفرّ له إلا بالرّضاء في إرادته.

قسمًا بالله لم يكن عندي نيّة الرّجوع من هذه المهاجرة، ولا أمل في العودة من هذا السّفر. وكان مقصودي من ذلك أن لا أكون علّة اختلاف الأحباب، ولا مصدر انقلاب الأصحاب. وأن لا أكون سببًا في ضرّ أحد، ولا علّة لحزن قلب. فلم يكن في فكري قصد آخر غير ما ذكرت، ولا أمام نظري أمر سواه. ولو أنَّ كلّ إنسان قد حمله على غير محمله، وفسّره على حسب أهوائه وأمياله. وأخيرًا صبرنا إلى أن صدر حكم الرّجوع من مصدر الأمر، ولا بدّ من التّسليم له.

فرجعنا ولاحظنا بعد الرّجوع ما يعجز القلم عن ذكره. وها قد مضى الآن سنتان، والأعداء قائمون بنهاية الجدّ والاهتمام على إهلاك هذا العبد الفاني، كما هو معلوم عند الجميع. مع ذلك ما قام أحد من الأحباب لنصرتنا، وما أعاننا بأيّ وجه من الوجوه. بل عوضًا عن النّصر كان يرد علينا من الأحزان المتوالية والمتواترة، من قولهم وفعلهم ما هو كالغيث الهاطل. وهذا العبد قائم أمام الوجوه وواضع روحه على كفّه بكمال التّسليم والرّضاء، عسى بالعناية الإلهيّة والفضل السّبحانيّ ينفق هذا الحرف المذكور المشهور روحه، ويفدي بها في سبيل النّقطة الأولى،

والكلمة العليا. ولو لم يكن عندي هذه النّيّة، فوالّذي نطق الرّوح بأمره، إنّي ما كنت أتوقّف في هذا البلد لحظة واحدة، وكفى بالله شهيدًا أختم القول بلا حول ولا قوّة إلا بالله، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون

إنّ أصحاب الأفئدة المنيرة الّذين شربوا من صهباء الحبّ، وما اتّبعوا النّفس والهوى بمقدار خطوة واحدة، يشهدون ويرون أنَّ الدّلائل والبراهين والحجج الّتي تدلّ جميعها على هذا الأمر البديع والظّهور الإلهيّ المنيع، لَهي أظهر من الشّمس في الفلك الرّابع. فانظر الآن إلى إعراض الخلق عن الجمال الإلهيّ، وإقبالهم إلى أهوائهم النّفسانيّة. ومع هذه الآيات المتقنة والإشارات المحكمة الموجودة في الثّقل الأكبر، الّذي هو الوديعة الرّبّانيّة بين العباد. ومع هذه الأحاديث الواضحة الّتي هي أصرح من البيان والتّبيان، فقد صاروا عنها جميعًا غافلين، ومعرضين متمسّكين بظاهر بضعة أحاديث، لم يجدوها مطابقة لمداركهم، ولم يفهموا معانيها. وبذا صاروا محرومين من سلسال خمر ذي الجلال، ومأيوسين من الزّلال الباقي للجمال السّرمدي

انظر أيضًا أنَّ سنة ظهور تلك الهويّة النّوراء، قد ذكرها أئمّة الهدى أيضًا في الأخبار والأحاديث، مع ذلك ما استشعروا وما انقطعوا، ولو في لحظة واحدة، عن أهواء أنفسهم فقد ورد في حديث المفضَّل أنّه سأل الصّادق: فكيف يا مولاي في ظهوره. فقال: (في سنة السّتّين يظهر أمره ويعلو ذكره) هذا وإنّي لفي حيرة من هؤلاء العباد، كيف أنّهم احترزوا عن الحقّ مع هذه الإشارات الواضحة اللاّئحة، حتّى أنّه مثلاً قد ورد في الأخبار والأحاديث السّابقة، ذكر الحزن والسّجن والابتلاء الّذي ورد على خلاصة تلك الفطرة الإلهيّة. ففي كتاب البحار  (إنّ في قائمنا أربع علامات من أربعة أنبياء، موسى وعيسى ويوسف ومحمّد. أمّا العلامة من موسى فالخوف والانتظار. وأمّا العلامة من عيسى فما قالوا في حقّه والعلامة من يوسف السّجن والتّقيّة. والعلامة من محمّد يظهر بآثار مثل القرآن) ومع أنّهم ذكروا هذا الحديث المحكم بهذه الدّرجة، الّتي جاءت كلّ الأمورات الواردة فيه مطابقة لما وقع، فإنّه مع ذلك لم ينتبه أحد ولا يخيّل إليَّ أنّهم سيتنبهون فيما بعد أيضًا، إلاّ من شاء ربّك إنَّ الله مسمع من يشاء، وما أنا بمسمع من في القبور

وليكن من المعلوم لجنابك، أنَّ لأطيار الهويّة وحمامات الأزليّة بيانان. بيان بحسب الظّاهر قالوه ويقولونه من غير رمز وستر، ولا نقاب ولا حجاب، حتّى يكون سراجًا يهدي السّالكين إلى معارج القدس، ونورًا مبينًا يجذب الطّالبين إلى بساط الأنس كما هو مذكور في الرّوايات الصّريحة والآيات الواضحة. ولهم بيانات أخرى، قالوها ويقولونها تحت الرّمز والسّتر والحجاب كيما يظهر من المغلّين مكنونات قلوبهم وتنكشف حقائقهم. ولهذا يقول الصّادق بن محمّد: (والله ليمحّصنّ والله ليغربلنّ) وهذا هو الميزان الإلهيّ والمحكّ الصّمدانيّ، الّذي به يمتحن عباده. فلم يهتد أحد إلى معاني هذه البيانات إلا ذوو القلوب المطمئنّة، والنّفوس المرضيّة والأفئدة المجرّدة. ومن أمثال هذه البيانات ما كان ولم يكن مقصودهم منها معانيها الظّاهرة الّتي يدركها النّاس لذلك يقول: (لكلّ علم سبعون وجهًا وليس بين النّاس إلاّ وجه واحد وإذا قام القائم يبث باقي الوجوه بين النّاس) وأيضًا قال: (نحن نتكلّم بكلمة، ونريد منها إحدى وسبعين وجهًا، ولنا لكلّ منها المخرج).

والخلاصة إنّا قد ذكرنا هذه المراتب لكيلا يضطرب

العباد من بعض الرّوايات والبيانات، الّتي لم تظهر آثارها في عالم الملك، ولكي يحملوها على عدم إدراكهم لها، لا على عدم ظهور معاني الحديث. لأنّه غير معلوم عند أولئك العباد، ماذا كان مقصود أئمّة الدّين منها، كما يستفاد من الحديث. إذاً ينبغي للعباد أن لا يجعلوا أنفسهم ممنوعين من الفيوضات بأمثال هذه العبارات، وعليهم أن يسألوا من أهلها، حتّى تتّضح الأسرار المستورة، وتظهر من دون ستر وحجاب

ولكنّا لم نشاهد أحدًا من أهل الأرض يكون طالبًا للحقّ ليرجع في المسائل الغامضة إلى مظاهر الأحديّة. بل الكلّ في أرض النّسيان ساكنون ولأهل الغيّ والطّغيان تابعون ولكنّ الله يفعل بهم كما هم يعملون وينساهم كما نسوا لقاءه في أيّامه، وكذلك قضى على الّذين كفروا، ويقضي على الّذين هم كانوا بآياته يجحدون

وأختم القول بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾( ) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾( ) وكذلك نزّل من قبل لو أنتم

تعقلون المنزول من الباء والهآء والسّلام على من سمع نغمة الورقاء في سدرة المنتهى فسبحان ربّنا الأعلى.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى