منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مع كتاب المفاوضات لحضرة عبد البهاء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
هو الله
الطّبيعة خاضعة لقانون عام

الطّبيعة هي كيفيّة أو حقيقة ينسب إليها بحسب الظّاهر الحياة أو الموت أو بعبارة أخرى يرجع إليها تركيب جميع الأشياء وتحليلها، وهي خاضعة لنظم صحيحة وقوانين ثابتة وترتيبات كاملة وهندسة بالغة لا تتجاوزها أبداً إلى درجة أنّك لو تلاحظ بنظر دقيق وبصر حديد تجد أنّ الكائنات في عالم الوجود من الذّرّات غير المرئيّة إلى أعظم الكرات الجسيمة ككرة الشّمس وسائر النّجوم العظيمة والأجسام النّورانيّة في نهاية درجة من الانتظام سواء من حيث التّرتيب أو التّركيب أو من حيث الهيئة أو الحركة، وتراها جميعاً تحت قانون كلّيّ واحد لا تتجاوزه أبداً، وإذا نظرت إلى الطّبيعة ذاتها، تجدها بلا شعور ولا إرادة، فمثلاً النّار طبيعتها الإحراق وتحرق بلا إرادة ولا شعور، والماء طبيعته الجريان ويسيل بلا إرادة ولا شعور، والشّمس طبيعتها الضّياء وتضيء بلا إرادة ولا شعور، والبخار طبيعته الصّعود ويصعد بلا إرادة ولا شعور، ويتّضح من هذا أنّ الحركات الطّبيعيّة لجميع الكائنات جبريّة، ليست لكائن ما حركة إراديّة سوى الحيوان ولا سيّما الإنسان، فالإنسان يقدر على مخالفة الطّبيعة ومقاومتها، لأنّه كشف طبائع الأشياء، وبذلك يحكم على الطّبيعة وأنّ ما وصل إليه من الاختراعات والصّنائع كانت نتيجة كشفه النّقاب عن طبائع الأشياء

كاختراعه البرق (التّلغراف) الّذي اتّصل به الشّرق والغرب، ومن هذا نعلم أنّ للإنسان سلطاناً وحكماً على الطّبيعة.

فهل يمكن أن يقال أنّ تلك النّظم والتّرتيبات والقوانين الّتي تشاهدها في الوجود هي من تأثيرات الطّبيعة، مع أنّها لا إدراك لها ولا شعور؟ إذاً فالطّبيعة ليس لها إدراك ولا شعور وهي في قبضة الحقّ القدير، المدبّر لعالم الطّبيعة ويظهر منها ما يشاء.

يقولون إنّ من جملة الأمور الّتي تحدث في عالم الوجود من مقتضيات الطّبيعة هو وجود الإنسان، إن صحّ ذلك يكون الإنسان فرعاً والطّبيعة أصلاً، وهل من الممكن أن توجد إرادة وشعور وكمالات في الفرع ولا يوجد لها في الأصل؟ فتبيّن من هذا أنّ الطّبيعة من حيث ذاتها في قبضة الحقّ الحيّ القدير الّذي حكمها وأخضعها لقوانين ونظم ثابتة.

(2)
دلائل الألوهيّة وبراهينها

ومن جملة دلائل الألوهيّة وبراهينها أنّ الإنسان لم يخلق نفسه بل الخالق والمصوّر له غيره، ومن اليقين الّذي لا مرية فيه أنّ خالق الإنسان ليس مثل الإنسان لأنّ الكائن الضّعيف ليس في مقدوره أن يخلق كائناً آخر مثله، والخالق الفاعل يجب أن يكون حائزاً لجميع الكمالات حتّى يمكنه أن يخلق ويصنع، فهل من الممكن أن يكون الصّنع في نهاية الكمال والصّانع ناقص؟ وهل يمكن أن يكون النّقش في نهاية الإتقان والنّقّاش غير ماهر في صنعه؟ مع أنّ النّقش من عمله وصنعه، والنّقش لن يكون

مثل صانعه وإلاّ لنقش نفسه. ومهما كان النّقش في نهاية الكمال فإنّه إذا قورن بالنّقّاش يبدو في نهاية النّقص، وعليه فالإمكان معدن النّقائص والله تبارك وتعالى مصدر الكمال، وإنّ وجود النّقائص في عالم الإمكان لدليل على كمالات الله، فمثلاً إذا نظرت إلى الإنسان ترى أنّه عاجز فعجز الخلق دليل على قدرة الحيّ القدير، فإن لم تكن القدرة لما أمكن تصوّر العجز، إذاً فعجز الخلق دليل على قدرة الحقّ ولو لم تكن القدرة لما تحقّق العجز ومن هذا العجز ندرك أنّ في العالم قدرة.

مثلاً في عالم الإمكان فقر، فلا بدّ من وجود الغنى الّذي يتحقّق به الفقر، وفي العالم جهل فلا بدّ من وجود العلم الّذي يتحقّق به الجهل، لأنّه لو لم يكن العلم لما تحقّق الجهل، لأنّ الجهل عدم العلم، ولو لم يكن الوجود لما تحقّق العدم.

ومن المسلّم به أنّ عالم الوجود خاضع لأحكام ونظم لا يتجاوزها أبداً، وحتّى الإنسان مجبر على الموت والنّوم وغيرهما، أي أنّه محكوم في بعض المراتب، ولا بدّ لهذا المحكوم من حاكم، وما دام الاحتياج صفة الممكنات ومن لوازمها الذّاتيّة، فلا بدّ من وجود غنيّ بذاته، مثلاً يعلم من وجود المريض أنّ هناك صحيحاً ولو لم يكن هناك الصّحيح لما ثبت وجود المريض، وعليه صار من المعلوم أنّه يوجد حيّ قدير حائز لجميع الكمالات لأنّه إن لم يكن متّصفاً بالكمالات بأسرها لكان كالخلق أيضاً، كما وأنّ أدنى صنعة من الصّنائع في عالم الوجود تدلّ على صانع لها، فهذا الخبز مثلاً يدلّ على أنّ له صانعاً، سبحان الله ألا يدلّ تغيير هيئة الكائنات الجزئيّة على صانع؟ وهذا الكون العظيم اللاّمتناهي أوجد من تلقاء نفسه وتحقّق من تفاعل المواد والعناصر! فما أوضح بطلان هذه

الفكرة! هذه أدلّة نظريّة للنّفوس الضّعيفة، ولو فتحت عين البصيرة لشاهدت مائة ألف دليل من الدّلائل الباهرة، مثال هذا لو كان للإنسان إحساس روحيّ لاستغنى عن دليل لإثبات وجود الرّوح، أمّا النّفوس المحرومة من الفيض الرّوحيّ فتحتاج لإقامة الدّلائل الخارجة عن عالم الرّوح.

(3)
إثبات لزوم المربّي

لو نمعن النّظر في عالم الوجود نلاحظ أنّ عالم الجماد والنّبات والحيوان والإنسان كلاًّ وطرّاً في حاجة إلى مربٍّ، فإذا لم يكن للأرض مربٍّ يتعهّدها تصير غابة وتخرج نباتاً لا فائدة فيه، أمّا إذا وجد لها من يتعهّدها ويرعاها فإنّها تؤتي أكُلاً يقتات به ذوو الأرواح، إذاً صار من المعلوم أنّ الأرض تحتاج إلى عناية الزّارع ورعايته لها، انظروا إلى الأشجار إنّها لو تركت بدون مربٍّ فإنّها لا تأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة، أمّا إذا تربّت وتعهّدت فذلك الشّجر غير المثمر يصبح مثمراً، وبالتّربية والتّلقيح والتّطعيم تعطي الأشجار ذات الأثمار المرّة فواكه شهيّة، وهذه أدلّة عقليّة وأهل العالم اليوم في حاجة إلى الدّلائل العقليّة.

وكذلك انظر إلى الحيوان تجده بالتّربية يصبح أليفاً، وإذا ترك إنسان بلا تربية يصير حيواناً بل لو ترك والطّبيعة صار أحطّ من الحيوان أمّا إذا ربّيته ألفيته ملاكاً، لأنّ أكثر الحيوان لا يأكل أبناء نوعه، أمّا الإنسان في السّودان بأواسط أفريقيا فإنّه يفتك بأبناء نوعه ويأكلهم،

ومن هذا ترون أنّ التّربية هي الّتي تجمع الشّرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، والتّربية هي الّتي تظهر كلّ هذه الصّنائع العجيبة، والتّربية هي الّتي تروّج هذه الفنون والعلوم العظيمة، والتّربية هي الّتي تظهر هذه المكتشفات، فولا المربّي لما تهيّأت بأيّ وجه من الوجوه أسباب الرّاحة والمدنيّة هذه كما ترى، ولو ترك إنسان في صحراء بحيث لا يرى أحداً من أبناء نوعه فلا مرية في أنّه يصبح حيواناً محضاً.

يعلم من هذا أنّه لا بدّ من المربّي، ولكنّ التّربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية روحانيّة، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية الّتي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأمّا التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة الّتي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الإلهيّة فهي تربية ملكوتيّة، هي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مركز السّنوحات الرّحمانيّة ومظهر (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا)، وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنساني.

فنحن الآن نريد مربّياً يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً نافذ الحكم في جميع الشّؤون.

ولو يقول أحد إنّني كامل العقل والإدراك وغير محتاج لذلك المربّي إنّه منكر للبديهيّات ومثله كمثل طفل يقول إنّني لست محتاجاً للتّربية وأعمل حسب ما يوحيه إليّ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على

كمالات الوجود، أو كمثل أعمى يقول إنّني في غنى عن البصر لأنّ هناك عميان كثيرين وهم عائشون، إذاً صار من الواضح المشهود أنّ الإنسان محتاج إلى المربّي ولا شكّ أنّ هذا المربّي يجب أن يكون كاملاً في جميع المراتب وممتازاً عن جميع البشر في كلّ الشّؤون لأنّه لو كان كسائر البشر لا يكون مربّياً، خصوصاً وأنّه يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً، أي ينظّم ويدبّر الأمور الجسمانيّة ويشكّل الهيئة الاجتماعيّة حتّى يحصل التّعاون والتّعاضد في المعيشة وتنظّم وترتّب الأمور المادّيّة في كلّ الأحوال.

وكذلك يؤسّس التّربية الإنسانيّة، أي يجب أن يربّي العقول والأذهان بحيث تصبح قابلة للتّرقّيات الكلّيّة، فتتّسع دائرة العلوم والمعارف وتكشف حقائق الأشياء وأسرار الكائنات وخاصّيّات الموجودات، وتزداد يوماً بعد يوم التّعاليم والاكتشافات، ويستدلّ من المحسوسات على المعقولات، وكذلك يربّي تربية روحانيّة حتّى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ما وراء الطّبيعة وتستفيض من نفحات روح القدس وترتبط بالملأ الأعلى وتصبح الحقائق الإنسانيّة مظاهر السّنوحات الرّحمانيّة حتّى تتجلّى جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة في مرآة حقيقة الإنسان وتتحقّق الآية المباركة (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا).

ومن المعلوم أنّ القوى البشريّة لا تستطيع القيام بأمر عظيم كهذا، ولا يمكن أن تكفل النّتائج الفكريّة أمثال هذه المواهب، فكيف يمكن لشخص واحد بدون ناصر أو معين أن يؤسّس هذا البنيان الرّفيع، إذاً

لا بدّ له أن تؤيّده القوّة المعنويّة الرّبّانيّة ليتسنّى له القيام بهذا العمل الجليل.

إنّ ذاتاً واحدة مقدّسة تحيي العالم الإنساني وتغيّر هيئة الكرة الأرضيّة وترقّي العقول وتحيي النّفوس وتؤسّس حياة جديدة وتضع أسساً بديعة وتنظّم العالم وتدخل الأمم والملل في ظلّ راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النّقائص والرّذائل وتحثّهم وتشوّقهم إلى الكمالات الفطريّة والاكتسابيّة، فلا بدّ وأن تكون هذه القوّة قوّة إلهيّة ليتسنّى لها القيام بهذا العمل العظيم، ويجب أن ينظر بعين الإنصاف لأنّ هنا مقام الإنصاف، إنّ الأمر الذي لا يمكن لجميع دول العالم وملله إجراؤه وترويجه بكلّ القوى والجنود أجرته نفس مقدّسة بدون ناصر أو معين، فهل يمكن إجراء هذا بالقوّة البشريّة؟ لا والله، فحضرة المسيح مثلاً رفع علم الصّلح والصّلاح وهو وحيد فريد بينما جميع الدّول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.

فانظر كم من الدّول والملل المختلفة مثل الرّوم وفرنسا وألمانيا والرّوس والإنكليز وغيرهم استظلّوا تحت خيمة واحدة، فظهور حضرة المسيح كان سبب الألفة بين تلك الأقوام المختلفة حتّى أنّ بعضهم من الّذين آمنوا بحضرته ائتلفوا لدرجة أن فدوا بأموالهم وأرواحهم بعضهم بعضاً واستمرّ ذلك إلى زمن قسطنطين الّذي كان سبب إعلاء أمر حضرة المسيح ثمّ دبّ الخلاف فيما بينهم لأغراض مختلفة، وخلاصة ما تقدّم أنّ حضرة المسيح جمع هذه الأمم ولكن بعد مدّة مديدة أصبحت الدّول سبب الاختلاف مرّة أخرى.

والمقصود من هذا هو أنّ حضرة المسيح وفّق إلى أمور عجز عنها جميع ملوك الأرض لأنّه وحّد الملل المختلفة، وغيّر العادات القديمة.

انظروا إلى الرّومان واليونان والسّريان والمصريّين والفينيقيّين والإسرائيليّين وسائر الملل الأوروبيّة، كم كان بينها من الاختلافات فقضى عليها وأزالها السّيّد المسيح وكان سبباً لإيجاد المحبّة بين جميع هذه القبائل، نعم ولو أنّ الدّول بعد مدّة غير قصيرة أخلّت بهذا الاتّحاد إلاّ أنّ المسيح كان قد قام بعمله.

والخلاصة إنّ المربّي الكلّيّ يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً مؤهّلاً بقوّة أخرى فوق عالم الطّبيعة حتّى يحوز مقام المعلّم الإلهي، فإن لم يظهر مثل تلك القوّة القدسيّة لا يقدر على التّربية لأنّه في ذاته ناقص فكيف يستطيع أن يربّي تربية كاملة، مثلاً إذا كان المربّي جاهلاً فكيف يستطيع أن يعلّم غيره، وإذا كان ظالماً فكيف يجعل غيره عادلاً، أو ناسوتيّاً فكيف يجعل غيره إلهيّاً، إذاً يجب علينا أن ننظر بعين الإنصاف، هل المظاهر الإلهيّة الّذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصّفات أم لا؟ فإن لم يكونوا حائزين لهذه الصّفات وهذه الكمالات لما كانوا مربّين حقيقيّين، بناءً على ذلك يجب أن نثبت للمفكّرين بالدّلائل العقليّة نبوّة حضرة موسى ونبوّة حضرة المسيح وسائر المظاهر الإلهيّة، وهذه الدّلائل والبراهين الّتي نذكرها هي دلائل معقولة لا منقولة، وقد ثبت بالدّلائل العقليّة أنّ العالم في حاجة قصوى إلى المربّي وتلك التّربية يجب أن تحصل بالقوّة القدسيّة ولا شبهة في أنّ تلك القوّة القدسيّة هي الوحي وبهذه القوّة الّتي هي فوق البشر يلزم تربية الخلق.

(4)
حضرة إبراهيم

وممّن أوتي هذه القوّة وأيّد بها حضرة إبراهيم، والبرهان على ذلك أنّ حضرته ولد في ما بين النّهرين من أسرة غافلة عن وحدانيّة الله فخالف ملّته ودولته حتّى عائلته وأنكر جميع آلهتهم وقاوم وحيداً فريداً قوماً قويّاً، وما كانت هذه المخالفة بالسّهل الهيّن، فهو كمن يعترض اليوم على حضرة المسيح عند الملل المسيحيّة المتمسّكة بالتّوراة والإنجيل، أو كمثل من يسبّ المسيح (أستغفر الله) في مركز البابا (الفاتيكان) ويقاوم الملّة بأسرها ببالغ القدرة والمهابة، وما كان لهؤلاء إله واحد بل كانوا يعتقدون بآلهة متعدّدة، ويروون عنها المعجزات، ولذا قام الكلّ على حضرة إبراهيم، ولم يتبعه أحد سوى ابن أخيه لوط وواحد أو اثنان ممّن لا شأن لهم، ثمّ خرج حضرته من وطنه مظلوماً مضطهداً من شدّة ما لقيه من مقاومة الأعداء، وفي الحقيقة أنّهم أخرجوا حضرته من وطنه كي يهلك وينعدم ولا يبقى له أثر، فجاء حضرته إلى هذه الجهات أي الأراضي المقدّسة، وخلاصة القول أنّ أعداءه اعتبروا أنّ هذه الهجرة ستؤدّي إلى انعدامه واضمحلاله، وحقيقة الواقع أنّ من يطرد من وطنه المألوف ويحرم من حقوقه ويحيق به الظّلم من جميع الجهات لينعدم ولو كان سلطاناً، ولكنّ حضرة إبراهيم ظلّ ثابت القدم وأظهر استقامة خارقة للعادة، وجعل الله هذه الغربة له عزّة أبديّة حتّى أسّس الوحدانيّة الإلهيّة، لأنّ جميع البشر كانوا عبدة أوثان، فكانت هذه الهجرة سبباً

لترقّي سلالة إبراهيم، كانت هذه الهجرة سبباً في إعطاء الأرض المقدّسة لسلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً في انتشار تعاليم إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور يعقوب ويوسف الّذي صار عزيز مصر وهما من سلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور مثل حضرة موسى من سلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور مثل حضرة عيسى من سلالة إبراهيم، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور هاجر الّتي ولدت إسماعيل فظهر من سلالته حضرة محمّد، وكانت هذه الهجرة سبباً في ظهور حضرة الأعلى من سلالته، وكانت هذه الهجرة سبباً لظهور أنبياء بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، وكذلك يستمرّ إلى أبد الآباد، وكانت هذه الهجرة سبباً لدخول أوروبّا وأكثر أمم آسيا في ظلّ إله إسرائيل، فانظر ما أعجب هذه القدرة الّتي تجعل شخصاً مهاجراً يكوّن أسرة كهذه ثمّ ملّة كهذه ثمّ يروّج تعاليم كهذه!

فهل يمكن الآن لأحد أن يقول بأنّ كلّ ذلك يحدث عن طريق الصّدفة؟ إذاً يلزم الإنصاف، هل كان هذا الشّخص مربّياً أم لا؟ ويجب التّأمّل قليلاً في أنّ هجرة إبراهيم كانت من أرفة بحلب إلى سوريّة، وكانت تلك نتائجها، فماذا تكون نتيجة هجرة حضرة بهاء الله من طهران إلى بغداد ومن هناك إلى إسلامبول ومنها إلى الرّوملِّي (أدرنة) ومنها إلى الأرض المقدّسة؟

إذاً فانظر كيف أنّ حضرة إبراهيم كان مربّياً ماهراً.

(5)
حضرة موسى

أمّا حضرة موسى فقد لبث يرعى الأغنام في البادية مدّة مديدة، وفي الظّاهر تربّى في بيت الظّلم واشتهر بين النّاس بأنّه ارتكب جريمة القتل، ثمّ صار راعياً، وأصبح مكروهاً مبغوضاً لدى فرعون وقومه، فشخص كهذا أنقذ من قيد الأسر ملّة عظيمة، وأقنعها ثمّ أخرجها من مصر وأوصلها إلى الأرض المقدّسة، وكانت تلك الملّة (أي بني إسرائيل) في نهاية الذّلّة، فوصلت إلى أوج العزّة، كانوا أسرى فأصبحوا أحراراً، وكانوا أجهل الأقوام فأصبحوا أعلمها، وبفضل تعاليمه وصلوا إلى درجة أكسبتهم الفخار بين جميع الملل، وطبّق صيتهم الآفاق إلى درجة أنّ الأمم المجاورة إذا ما أرادت مدح شخص قالت لا ريب هذا إسرائيليّ، وقد أحيا ملّة إسرائيل بفضل تشريعه وقوانينه، فوصلت بذلك إلى أعلى درجة في المدنيّة في ذلك العصر، ووصل الأمر إلى أنّ حكماء اليونان كانوا يأتون إلى بني إسرائيل لكسب الكمالات من أفاضلهم، كسقراط الّذي أتى إلى سوريّة وتلقّى عن بني إسرائيل علم التّوحيد وخلود الأرواح بعد الممات، وبعد رجوعه إلى اليونان نشر هذه التّعاليم فخالفه قومه ثمّ حكموا بقتله وأحضروه إلى مجلس الحكم وسقوه السّمّ.

فشخص كموسى بلسانه لكنة نما وترعرع في بيت فرعون، واشتهر

بين النّاس بالقتل وتوارى عن الأنظار مدّة مديدة من شدّة الخوف، وهو يرعى الأغنام، كيف لمثله أن يأتي ويؤسّس أمراً عظيماً في العالم يعجز أعظم فيلسوف عن عمل جزء من ألف ممّا قام به، فبديهيّ أنّ هذا العمل خارق للعادة.

إنّ الإنسان الّذي بلسانه لكنة ويصعب عليه أن يتحدّث حتّى بالكلام العاديّ، كيف يتسنّى له أن يقوم بتأسيسات كهذه، فلو لم يكن هذا الشّخص مؤيّداً بالقوّة الإلهيّة لما وفّق أبداً للقيام بهذا الأمر العظيم وليست هذه من الأدلّة الّتي يستطيع أحد إنكارها.

إنّ العلماء الطّبيعيّين وفلاسفة اليونان وعظماء الرّومان الّذين ذاع صيتهم في الآفاق لم يبرع أحد منهم إلاّ في فنّ من الفنون، فمثلاً برع جالينوس وبقراط في الطّبّ، وأرسطو في النّظريّات والدّلائل المنطقيّة، وأفلاطون في الأخلاق والإلهيّات، فكيف يمكن لشخص راعٍ أن يأتي بكلّ هذه المعارف والفنون، لا شكّ أنّ هذا الشّخص كان مؤيّداً بقوّة خارقة للعادة، فانظروا كيف تتهيّأ أسباب الامتحان والافتتان للخلق، فحضرة موسى في مقام دفع الظّلم وكز شخصاً من أهل مصر وكزة واحدة، فاشتهر بين النّاس بأنّه ارتكب جريمة القتل، سيّما وأنّ المقتول كان من رعايا الفراعنة الوطنيّين، فهرب حضرته ثمّ بعث بعدئذٍ بالنّبوّة فمع هذه السّمعة السّيئة، كيف وفّق بقوّة خارقة للعادة أن يقوم بهذه التّاسيسات العظيمة والمشروعات الجليلة.

(6)
حضرة المسيح

ثمّ جاء السّيّد المسيح قائلاً إنّي ولدت من روح القدس، ولو أنّ تصديق هذه المسألة عند المسيحيّين من السّهل الهيّن الآن، إلا أنّها كانت صعبة جدّاً في ذلك الزّمان، وبنصّ الإنجيل كان الفرّيسيّون يقولون أليس هذا هو ابن يوسف النّاصريّ ونحن نعرفه، فكيف يقول إنّي جئت من السّماء، وبالاختصار إنّ هذا الشّخص الّذي كان في الظّاهر وفي نظر العموم وضيعاً محتقراً، قام بقوّة نسخت شريعة ألف وخمسماية سنة، مع أنّه لو تجاوز أحد أدنى تجاوز لتلك الشّريعة لوقع في خطر عظيم وانمحى وانعدم، وفوق هذا فإنّ الأخلاق العموميّة وأحوال بني إسرائيل كانت في عهد حضرة المسيح فاسدة مختلّة اختلالاً كلّيّاً، وكان بنو إسرائيل في منتهى الذّلّة والأسر والانحطاط، فيوماً كانوا أسرى لإيران وكلدان، ويوماً كانوا تحت حكم دولة آشور، ويوماً كانوا رعيّة تابعة لليونان، ويوماً كانوا مطيعين أذلاّء للرّومان، فنسخ هذا الشّخص الشّاب أي السّيّد المسيح الشّريعة الموسويّة العتيقة بقوّة خارقة للعادة وقام على تربية الأخلاق العموميّة وأسّس العزّة الأبديّة لبني إسرائيل مرّة أخرى، ونشر تعاليم لم تكن مختصّة بإسرائيل، بل أسّس السّعادة الكلّيّة للهيئة الاجتماعيّة البشريّة وأوّل حزب قام على محوه هم بنو إسرائيل قوم المسيح وقبيلته، فقهروه بحسب الظّاهر فأصابته منهم الذّلّة الكبرى، حتّى وضعوا على رأسه إكليلاً من الشّوك، ثمّ علّقوه على الصّليب، غير أنّ ذلك الشّخص عندما كان بحسب الظّاهر في الذّلّة الكبرى، أعلن أنّ شمسه ستشرق ونوره سيسطع وفيوضاته

ستحيط ويخضع لها جميع الأعداء، ولقد تحقّق ما قال ولم يستطع مقاومته جميع ملوك العالم، بل إنّ أعلام جميع الملوك نكّست وارتفع علم ذلك المظلوم إلى الأوج الأعظم، فهل يسلّم العقل البشريّ بحدوث مثل هذا لا والله، إذاً صار من المعلوم الواضح أنّ ذلك الشّخص الجليل كان مربّياً حقيقيّاً للعالم الإنسانيّ موفّقاً مؤيّداً بقوّة إلهيّة.

(7)
حضرة محمّد

أمّا حضرة محمّد فقد سمع عنه أهل أوروبّا وأمريكا بعض الرّوايات واعتبروها صدقاً، والحال أنّ الرّاوي إمّا أنّه كان جاهلاً أو مبغضاً وأكثر الرّواة كانوا قسّيسين، وكذلك نقل بعض جهلة الإسلام روايات لا أصل لها عن حضرته زاعمين أنّها مدح، فمثلاً رأى بعض هؤلاء الجهلاء أنّ تعدّد الزّوجات محور مدح لحضرته وعدّوها كرامة له لأنّ هذه النّفوس الجاهلة كانت تعتبر تكاثر الزّوجات من قبيل المعجزات، واستند أكثر مؤرّخي أوروبّا على أقوال هذه النّفوس الجاهلة، مثلاً قال شخص جاهل لقسّيس بأنّ دليل العظمة هو الشّجاعة وسفك الدّماء وبأنّ شخصاً واحداً من أصحاب حضرة محمّد قطع بحدّ السّيف في يوم واحد مائة رأس في ميدان الحرب، فظنّ ذلك القسّيس أنّ القتل هو البرهان الحقيقيّ لدين محمّد، والحال أنّ هذا مجرّد أوهام، بل إنّ غزوات حضرة محمّد جميعها كانت دفاعيّة، والبرهان الواضح على ذلك أنّ نفس محمّد وأصحابه تحمّلوا في مدّة ثلاث عشرة سنة في مكّة كلّ الأذى وكانوا في هذه المدّة هدفاً لسهام الأعداء، فقتل بعض الأصحاب ونهبت الأموال

وترك الباقون وطنهم المألوف وفرّوا إلى ديار الغربة، وبعد أن أسرفوا في إيذاء حضرة محمّد صمّموا على قتله، ولذا خرج من مكّة نصف اللّيل وهاجر إلى المدينة، ومع هذا لم يكفّ الأعداء عن الإيذاء بل تعقّبوهم إلى الحبشة والمدينة، وكانت قبائل العرب وعشائرهم هذه في نهاية التّوحّش والقسوة فبرابرة أمريكا ومتوحّشوها بالنّسبة إليهم كأفلاطون بالنّسبة إلى أهل زمانه، لأنّ برابرة أمريكا ما كانوا يدفنون أولادهم أحياء تحت التّراب، أمّا هؤلاء فكانوا يئدون بناتهم معتقدين أنّ هذا العمل منبعث عن الحميّة وكانوا يفتخرون به، فمثلاً كان أكثر الرّجال يتوعّدون زوجاتهم بالقتل إن هنّ ولدن إناثاً، ولا تزال القبائل العربيّة حتّى الآن تنفر من ذرّيّة البنات، وكذلك كان الشّخص الواحد يتّخذ لنفسه ألف امرأة، وكان لكثير منهم في بيته ما يزيد عن عشر زوجات، وإذا ما نشبت الحرب والقتال بين هذه القبائل تأسر القبيلة الغالبة نساء القبيلة المغلوبة وأطفالها ويعدّون هؤلاء الأسرى أرقّاء يتصرّفون فيهم بالبيع والشّراء، وإذا مات أحدهم وترك عشر نسوة استحوذ أولاده منهنّ بعضهم على أمّهات البعض، وعندما كان يلقي أحد هؤلاء الأولاد عباءته على رأس زوجة أبيه وينادي هذه حلالي، تصير تلك المرأة المسكينة على الفور أسيرته ورقيقته وله الحرّيّة التّامّة أن يفعل بها ما يشاء، فإن أراد قتلها أو سجنها في جبّ عميق أو شتمها أو ضربها وزجرها كلّ يوم حتّى يقضي على حياتها تدريجيّاً، ولا ضير عليه فيما يختار من هذه المعاملة حسب العرف وعادات العرب.

وغنيّ عن البيان ما ينشأ بين نساء الشّخص الواحد وبين أولادهنّ من الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، فانظروا كيف كانت حال هؤلاء النّسوة المظلومات ومعيشتهنّ.

وفوق ما ذكر فإنّ حياة القبائل العربيّة كان قوامها نهب بعضهم بعضاً، لذا كانت في حروب وغارات مستمرّة، يقتل ويسلب بعضهم بعضاً، يأسرون النّساء والأطفال ثمّ يبيعونهم للأجانب، وكم من بنات أمير وبنيه قضوا يومهم في النّعمة والرّخاء ثمّ أمسوا في منتهى الذّلّة والأسر والهوان بالأمس كانوا أمراء واليوم أصبحوا أسراء، بالأمس كنّ سيّدات محترمات واليوم أصبحن أرقّاء ذليلات، فبين هذه القبائل بعث حضرة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، وما من بلاء إلاّ وتحمّله من هؤلاء مدّة ثلاث عشرة سنة، ثمّ خرج مهاجراً ومع ذلك لم يكفّوا عن إيذائه بل حشدوا جموعهم وخرجوا عليه بالجند والمحاربين مهاجمين ليعدموا كلّ من اتّبعه من رجال ونساء وأطفال، فاضطرّ حضرته لمحاربة تلك القبائل في مثل تلك الظّروف.

هذه هي حقيقة الحال ولسنا بمتعصّبين ولا بمدافعين عنه بل نحن منصفون لا نقول غير الحقّ.

فانظروا بعين الإنصاف لو كان حضرة المسيح في موقف كهذا بين قبائل متوحّشة طاغية كهذه وتحمّل صابراً مع الحواريّين مدّة ثلاث عشرة سنة كلّ جفاء من هؤلاء، ثمّ هاجر أخيراً من وطنه ومسقط رأسه إلى البادية فراراً من الظّلم، ومع ذلك ظلّ هؤلاء الطّغاة يتعقّبونه جادّين في قتل عموم الرّجال ونهب الأموال وأسر النّساء والأطفال، فأيّ سبيل كان يسلكه السّيّد المسيح مع أمثال هؤلاء؟

نعم لو لحق الضّير حضرته وعفا وصفح لكان هذا العفو والصّفح من الأعمال المقبولة والمحمودة جدّاً، ولكنّه لو رأى بأنّ ذلك الظّالم القاتل السّافك للدّماء يريد أن يقتل جمعاً من المظلومين وينهب أموالهم

ويأسر نساءهم وأطفالهم، فلا شكّ أنّه كان يعمل لحماية هؤلاء المظلومين ويمنع عنهم ظلم الظّالمين.

إذاً فلِمَ الاعتراض على حضرة الرّسول؟ ألأنّه لم يسلّم نفسه مع الصّحابة والنّساء والأطفال لهذه القبائل الطّاغية؟

وفضلاً عن هذا فإنّ تهذيب أخلاق تلك القبائل ومنعها من سفك الدّماء هو عين الموهبة، وردع تلك النّفوس وزجرها محض الرّحمة والعناية، مثل ذلك كمن بيده قدح من السّمّ يريد أن يشربه، فالصّديق المحبّ هو من يكسر القدح وينجّي الشّارب ويزجره، فلو كان حضرة المسيح في موقف كهذا لا بدّ أنّه كان يعمل لنجاة الرّجال والنّساء والأطفال من براثن تلك الذّئاب الكاسرة، على أنّ حضرة محمّد لم يحارب النّصارى بل كثيراً ما شملهم برعايته ومنحهم كامل الحرّيّة، وكان في نجران طائفة من المسيحيّين فقال حضرة محمّد إنّي خصم لكلّ من يعتدي على حقوق هؤلاء وعليه أقيم الدّعوى أمام الله.

وصرّح في أوامره بأنّ أرواح النّصارى واليهود وأموالهم في حماية الله، فلو كان الزّوج مسلماً والزّوجة مسيحيّة لا يجوز أن يمنعها عن الذّهاب إلى الكنيسة أو يرغمها على التّحجّب، وإذا ماتت وجب عليه أن يسلّم جثمانها إلى القسّيس، وإذا أراد المسيحيّون بناء كنيسة فعلى المسلمين أعانتهم، وعلى الحكومة الإسلاميّة أيضاً حين محاربتها لأعداء الإسلام أن تعفو عن النّصارى الخدمة العسكريّة ما لم يتطوّعوا بمحض اختيارهم لمعاونة الإسلام لأنّهم تحت حمايته، وفي مقابل هذا العفو عليهم أن يدفعوا كلّ سنة مبلغاً ضئيلاً.

وقصارى القول أنّه يوجد سبعة مناشير مفصّلة في هذا الشّأن

بعضها موجود في القدس إلى اليوم، وليس هذا القول من عندي، بل هو الحقيقة الواقعة، فإنّ فرمان الخليفة الثّاني وأوامره موجودة عند بطريرك الأرثوذكس بالقدس، وهذا ممّا لا ريب فيه، ولكن حدث بعدئذٍ أن حلّ الحقد والحسد بين المسلمين والنّصارى، فتجاوز كلاهما حدّه وما يقوله كلا الطّرفين أو غيرهم خلافاً لهذه الحقيقة حكايات وروايات ناشئة إمّا عن التّعصّب والجهالة أو صادرة من شدّة العداوة، فمثلاً يقول المسلمون إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شقّ القمر فوقع على جبال مكّة متصوّرين أنّ القمر جرم صغير فشقّه نصفين ألقى بأحدهما على هذا الجبل وبالثّاني على جبل آخر، فالتّمسّك بظاهر هذه الرّواية تعصّب محض، وكذلك ما يرويه القسّيسون قدحاً وذمّاً كلّه مبالغ فيه وأكثره لا أساس له.

وبالاختصار فقد ظهر حضرة محمّد في صحراء الحجاز بجزيرة العرب حيث لا زرع ولا شجر ولا عمران، وبعض بلادها كمكّة والمدينة شديدة الحرارة، والأهالي من سكّان البادية فأخلاقهم وطباعهم بدويّة، وما كان لهم نصيب قطّ من العلوم والمعارف حتّى أنّ حضرة محمّد نفسه كان أمّيّاً وكانوا يكتبون القرآن على عظام أكتاف الخراف أو على ورق النّخيل "خوص"، فمن هذا المثال يمكنك أن تدرك حالة القوم الّذين بعث بينهم حضرة محمّد.

وكان أوّل اعتراض عليهم قوله لماذا لم تقبلوا التّوراة والإنجيل ولم تؤمنوا بعيسى وموسى، فثقل عليهم هذا القول وأجابوا كيف كان حال آبائنا وأجدادنا وهم لم يؤمنوا بهذين الكتابين، فرد عليهم أنّهم كانوا ضالّين وعليكم أن تتبرّءوا من تلكم النّفوس حتّى ولو كانوا آباءكم وأجدادكم، ففي أقليم كهذا وبين قبائل كهذه جاء رجل أمّيّ

بكتاب شامل للصّفات الإلهيّة وكمالات ونبوّات الأنبياء والشّرائع الرّبّانيّة مبيّن فيه بعض العلوم والمسائل العلميّة بنهاية الفصاحة والبلاغة، فمن ذلك تعلمون أنّه في القرون الأولى والوسطى وحتّى القرن الخامس عشر الميلادي قبل الرّاصد الشّهير الأخير اتّفق جميع الرّياضيّين في العالم على مركزيّة الأرض وحركة الشّمس، وكان هذا الرّاصد الأخير أوّل من قال بالرّأي الجديد من أنّ السّكون للشّمس والحركة للأرض، وإلى ذلك الوقت كان جميع الرّياضيّين والفلاسفة في العالم متّبعين نظريّة بطلميوس ويرمون بالجهل من يقول بغير ذلك.

نعم لقد تصوّر فيثاغورث وأفلاطون في أواخر أيّامهما بأنّ الحركة السّنويّة للشّمس في منطقة البروج ليست ناشئة من هذا الجرم، بل من حركة الأرض حول الشّمس ولكن هذا الرّأي بات نسياً منسيّاً وأصبح ما قاله بطلميوس هو المسلّم به لدى جميع الرّياضيّين، ولكن نزلت في القرآن آيات تخالف رأي بطلميوس وقواعده، ومن ذلك الآية الكريمة (والشّمس تجري لمستقرّ لها) المتضمّنة ثبوت الشّمس وحركتها على محورها، وكذلك الآية (وكلّ في فلك يسبحون) فقد صرّح بأنّ الشّمس والقمر وسائر النّجوم متحرّكة، فلمّا انتشر القرآن استهزأ الرّياضيّون بهذا الرّأي ونسبوه إلى الجهل، حتّى أنّ علماء الإسلام لمّا رأوا مخالفة هذه الآيات لقواعد بطلميوس اضطرّوا إلى تأويلها لأنّ نظريّة بطلميوس كانت شائعة ومسلّماً بها وصريح القرآن يخالفها وذلك حتّى القرن الخامس عشر الميلادي أي بعد ظهور حضرة محمّد بنحو تسعمائة سنة تقريباً حيث رصد الرّياضيّ الشّهير رصداً جديداً واخترعت

الآلات التّلسكوبيّة وحدثت الاكتشافات المهمّة فثبتت حركة الأرض وسكون الشّمس، وكذلك عرفت حركة الشّمس حول محورها، وصار من المعلوم أنّ صريح الآيات القرآنيّة يطابق الواقع وأصبحت القواعد البطلميوسيّة محض أوهام.

وبالاختصار فلقد تربّى في ظلّ الشّريعة المحمّديّة جمّ غفير من الأمم الشّرقيّة مدّة ألف وثلثمائة سنة، وفي القرون الوسطى حيث كانت أوروبّا في منتهى الوحشيّة تفوّق العرب في العلوم والصّنائع والرّياضيّات والمدنيّة والسياسة بل وفي سائر الفنون على سائر ملل العالم، وكان مربّي هذه القبائل البدويّة العربيّة ومحرّكها والمؤسّس للمدنيّة والكمالات الإنسانيّة بين تلك الطّوائف المختلفة هو ذلك الشّخص الأمّيّ وأعني به حضرة محمّد، فهل كان هذا الشّخص المحترم مربّياً للكلّ أم لا؟ يجب الإنصاف.

(Cool
حضرة الأعلى (الباب)

أمّا حضرة الباب روحي له الفداء فقد قام بالأمر في سنّ الشّباب أي لمّا مضى من عمره المبارك خمس وعشرون سنة.

ومعروف لدى جميع الشّيعة بأنّ حضرته لم يدخل مدرسة أبداً ولم يتلقَّ العلم على أحد، يشهد بذلك جميع أهل مدينة شيراز، ومع هذا فقد ظهر بغتة بمنتهى الفضل بين الخلق، ومع أنّه كان تاجراً فقد أعجز جميع علماء إيران وقام منفرداً على أمر لا يمكن تصوّر عظمته

ولقد ظهرت هذه الذّات العليّة بقوّة زلزلت أركان شرائع الإيرانيّين وآدابهم وأحوالهم وأخلاقهم وتقاليدهم، مع أنّ الإيرانيّين معروفون لدى العموم بتعصّبهم الدّينيّ، ومهّد السّبيل لشريعة ودين وقوانين جديدة ومع أنّ عظماء الدّولة ورؤساء الدّين وعموم الأمّة عملوا جميعاً على محوه وإعدامه فإنّ حضرته قام منفرداً وأوجد حركة اهتزّت لها إيران، وكثير من العلماء والرّؤساء والأهالي فدوا بأرواحهم في سبيله بكمال الفرح والسّرور وأقبلوا مسرعين إلى ميدان الشّهادة، وأرادت الحكومة والأمّة وعلماء الدّين والرّؤساء أن يطفئوا نوره فلم يستطيعوا، وفي النّهاية بزغ قمره وتألّق نجمه وصار أساسه متيناً ومطلعه نوراً مبيناً، وربَّى بالتّربية الإلهيّة جمّاً غفيراً وأثّر في أفكار الإيرانيّين وأخلاقهم وأطوارهم وأحوالهم تأثيراً عجيباً، وبشّر جميع أتباعه بظهور شمس البهاء وأعدّهم للإيمان والإيقان، فظهور مثل هذه الآثار العجيبة والأعمال العظيمة وتأثيرها في جميع العقول والأفكار العموميّة ووضع أساس الرّقيّ وتمهيد مقدّمات النّجاح والفلاح من شابّ تاجر لأعظم دليل على أنّ هذا الشّخص كان مربّياً كلّيّاً ولا يتردّد المنصف في تصديق هذا أبداً.

(9)
حضرة بهاء الله

أمّا حضرة بهاء الله فقد ظهر حينما كانت مملكة إيران غارقة في بحار الظّلمة والجهل تائهة في بيداء التّعصّب الأعمى، ولا بدّ أنّك قرأت في أسفار التّاريخ الأوروبّي تفصيلاً عن أفكار الإيرانيّين وأخلاقهم في القرون الأخيرة فلا حاجة للتّكرار.

وبالاختصار فإنّ إيران كانت قد وصلت إلى درجة من الانحطاط أسف لها جميع السّائحين الأجانب، لأنّ هذه المملكة كانت في القرون الأولى في أوج العظمة والمدنيّة والآن وقعت في وهدة السّقوط والاضمحلال وانهدم بنيانها، ووصل أهلها إلى أحطّ دركات الهمجيّة، ففي هذا الوقت ظهر حضرة بهاء الله وكان والده من الوزراء لا من العلماء، ومن المسلّم به لدى جميع أهالي إيران أنّه لم يتلقَّ العلم في مدرسة ما ولم يعاشر العلماء والفضلاء، وقضى أيّام حياته الأولى في بحبوحة الرّفاهية والنّعيم، وكان مؤانسوه ومجالسوه من أبناء أعاظم إيران لا من أهل المعارف، وبمجرّد أن أظهر الباب أمره قال حضرة بهاء الله أنّ هذا الشّخص الجليل سيّد الأبرار يجب على الجميع أن يتّبعوه ويؤمنوا به، وقام على نصرته يقيم الأدلّة والبراهين القاطعة على أحقّيّته، ومع أنّ علماء الملّة أجبروا الدّولة العليّة الإيرانيّة على معارضته وصدّه، وأفتى جميع العلماء بالقتل والنّهب والإيذاء والقمع والاضطهاد له ولتابعيه، وقاموا في جميع أنحاء المملكة بالقتل والإحراق والنّهب وحتّى إيذاء النّساء والأطفال، ومع هذا فإنّ حضرة بهاء الله قام بكلّ استقامة وثبات على إعلاء كلمة حضرة الباب ولم يتوارَ ساعة واحدة بل ظلّ ظاهراً مشهوداً ومشهوراً بين الأعداء مشتغلاً بإقامة الأدلّة والبراهين معروفاً بإعلاء كلمة الله متحمّلاً الصّدمات الشّديدة المتوالية عرضة للاستشهاد في كلّ لحظة، ثمّ وقع تحت السّلاسل وزجّ في أعماق السّجن ونهبت وسلبت أمواله الوفيرة الموروثة، ونفي من مملكة إلى أخرى مرّات أربع، وأخيراً استقرّ في السّجن الأعظم ، ورغم كلّ هذا ظلّ النّداء مرتفعاً وصيت أمر الله مشتهراً، وظهر بفضل وعلم وكمالات حيّرت أهل إيران بحيث أنّ كلّ من تشرّف بالمثول بين يديه من أهل العلم والعرفان

محبّاً كان أو مبغضاً في طهران أو بغداد أو القسطنطينيّة أو الرّوملِّي (أدرنة) أو عكّا وسأل سؤالاً سمع جواباً شافياً كافياً، وأقرّ الكلّ واعترفوا بأنّ هذا الشّخص فريد في الكمالات وحيد في الآفاق، وكثيراً ما حضر إلى مجلسه المبارك ببغداد علماء الإسلام واليهود والنّصارى وأهل العلم والمعرفة من الأوروبيّين ومع اختلاف مشاربهم كان كلّ يسأل سؤالا فيسمع جواباً كافياً مقنعاً، حتّى أنّ علماء إيران الّذين بمدينة كربلاء ونجف انتخبوا شخصاً عالماً أنابوه عنهم، وكان ذلك الشّخص يسمّى ملاّ حسن عمو تشرّف باللّقاء المبارك وسأل بعض الأسئلة من قبل العلماء وسمع الجواب، ثمّ قال إنّ العلماء مقرّون ومعترفون بعلمكم وفضلكم ومسلّم لدى الجميع بأنّه ليس لكم مثيل ولا نظير في العلم والعرفان، ومن الثّابت أنّكم لم تدرسوا ولم تتعلّموا ولكنّ العلماء يقولون نحن لا نقتنع بذلك ولا نعترف بصحّة دعواه بسبب علمه وفضله لهذا نرجو أن يظهر لنا معجزة واحدة لإقناعنا واطمئنان قلوبنا، فقال حضرة بهاء الله ولو أنّهم ليسوا بمحقّين في ذلك، إذ للحقّ أن يمتحن الخلق ولا لهؤلاء أن يمتحنوا الحقّ، مع ذلك فإنّ الطّلب مقبول، أمّا أمر الله فليس مسرحاً للشّعوذة والألاعيب يمثّل عليه كلّ ساعة دور ويطلب كلّ يوم مطلب، لأنّ بهذا يصبح أمر الله ملعبة صبيانيّة، ولكن للعلماء أن يجتمعوا ويتّفقوا على طلب معجزة واحدة، ثمّ يكتبوا أنّ بظهور هذه المعجزة لا يبقى لدينا شكّ أو شبهة، وكلّنا نقرّ ونعترف بأحقّيّة هذا الأمر، ويختمون تلك الورقة وائتِ بها وليكن هذا ميزاناً حتّى إذا ظهرت المعجزة لا يبقى لهم شبهة وإن عجزنا ثبت بطلاننا، فقام ذلك الشّخص العالم وقبّل ركبتيّ حضرة بهاء الله مع أنّه لم يكن مؤمناً، ثمّ ذهب وجمع حضرات العلماء وبلّغهم الرّسالة فتشاوروا ثمّ قالوا إنّ

هذا لساحر وربّما أتى بسحر فلا يبقى لنا ما نقول، وبذا لم يجرءوا أن يتقدّموا بمطلب جديد. ولكنّ ذلك الرّسول أذاع الخبر في كثير من المحافل والمجالس وسافر من كربلاء إلى كرمنشاه وطهران ناشراً تفاصيل الحادثة بين الجميع مبيّناً خوف العلماء وعدم إقدامهم.

والمقصود من هذا البيان هو أنّ جميع المعترضين في الشّرق إنّما كانوا معترفين بعظمة حضرة بهاء الله وجلاله وعلمه وفضله، ومع عداوتهم لحضرته كانوا يصفونه ببهاء الله الشّهير.

والخلاصة أنّ هذا النيّر الأعظم أشرق بغتة من أفق إيران حينما كان أهل تلك البلاد سواء في ذلك العلماء والوزراء والشّعب قائمين جميعاً على مقاومته بأشدّ العداء معلنين أنّه يريد أن يمحو الدّين والشّريعة ويهدم الملّة والسّلطنة، كما قيل في حقّ المسيح، ولكنّ بهاء الله قاوم الكلّ فريداً وحيداً ولم يعتره أي فتور مطلقاً، وقالوا في النّهاية إنّ إيران لن تذوق طعم الرّاحة والهناء ما دام هذا الشّخص فيها، فيجب إخراجه حتّى تهدأ البلاد، ثمّ ضايقوه ليطلب الإذن بالخروج ظانّين أنّ بهذه الوسيلة ينطفئ سراج أمره المبارك ولكنّ النّتيجة كانت عكسيّة، إذ ارتفع الأمر وازداد اشتعالاً، فبعد أن كان قاصراً على إيران انتشر بهذه الوسيلة بسائر البلدان، ثمّ قالوا إنّ العراق العربيّ قريب من إيران فيجب إرساله إلى بلاد بعيدة، لهذا سعت الحكومة الإيرانيّة حتّى أرسل حضرته من العراق إلى القسطنطينيّة، غير أنّهم لاحظوا بعدئذٍ أيضاً أنّه لم يحصل فتور قطّ، فقالوا إنّ القسطنطينيّة نقطة يمرّ بها أقوام وملل مختلفة وبها كثير من الإيرانيّين، ولذلك سعوا حتّى نفي حضرة بهاء الله إلى الرّوملِّي (أدرنة) إلاّ أنّ أمره ارتفع أكثر من قبل وزاد

انتشاراً واشتعالاً، وفي النّهاية قال الإيرانيّون إنّ هذه البلدان كلّها لم تكن تؤدّي إلى إهانته، فيجب أن يرسل إلى مكان مهين يلحقه فيه الأذى والتّعب ويبتلى أهله ومريدوه بأشدّ البلاء، فاختاروا سجن عكّا منفى القتلة والعصاة والسّارقين وقطّاع الطّريق وحشروهم فعلاً في زمرة هذه النّفوس. ولكنّ القدرة الإلهيّة ظهرت والكلمة علت وعظمة بهاء الله تجلّت، ففي سجن كهذا وذلّة كهذه نقل حضرته إيران من حالة إلى حالة وقهر جميع الأعداء وأثبت للكلّ عدم قدرتهم على مقاومة هذا الأمر وسرت تعاليمه المقدّسة في جميع الآفاق وثبت أمره، وعلى الإجمال فقد قام الأعداء بنهاية البغضاء في جميع الولايات الإيرانيّة، فأوثقوا وضربوا وقتلوا وأحرقوا، وهدموا بنيان ألف عائلة وتشبّثوا بكلّ وسيلة في القلع والقمع ليطفئوا نور أمره، ومع هذا فقد علا أمره وهو في سجن القتلة وقطّاع الطّريق والسّارقين، ونشر تعاليمه ونبّه كثيراً من النّفوس الّتي كانت في أشدّ البغضاء فآمنوا وأصبحوا موقنين، وقام بعمل استيقظت له نفس حكومة إيران وندمت على ما وقع منها بواسطة علماء السّوء. ولمّا وصل الجمال المبارك (حضرة بهاء الله) إلى هذا السّجن في الأرض المقدّسة، تنبّه العقلاء إلى البشارات الّتي أخبر الله بها على لسان الأنبياء من قبل منذ ألفيّ سنة أو ثلاثة آلاف سنة، وثبت ظهورها، ووفى الله بوعده لأنّه أوحى إلى بعض الأنبياء وبشّر الأرض المقدٍّسة بأنّ ربّ الجنود سيظهر فيك، ووفيت جميع هذه الوعود، ولولا تعرّض الأعداء ووقوع هذا النّفي والإبعاد لما تصوّر العقل بأنّ الجمال المبارك يهاجر من إيران ويرفع الخيام في هذه الأرض المقدّسة، وكان مقصد الأعداء من ذلك أن يكون هذا السّجن سبب محو الأمر المبارك وإفنائه بالكلّيّة، والحال أنّ

السّجن المبارك صار سبباً لأعظم تأييد وعلّة للنّشر والتّرويج وواسطة وصول النّداء الإلهيّ إلى الشّرق والغرب، وسطوع أشعّة شمس الحقيقة في جميع الآفاق. سبحان الله مع أنّه كان مسجوناً لكنّ سرادقه كان مرتفعاً على جبل الكرمل، ويحفّ حركاته كلّ عظمة وجلال حتّى أنّ كلّ من تشرّف بحضرته غريباً كان أم من المعارف كان يقول إن هذا أمير وليس بأسير.

وبمجرّد وروده السّجن حرّر خطاباً لنابليون وأرسل بواسطة سفير فرنسا، ومضمونه أن تسأل عن جرمنا الّذي صار سبباً لهذا الحبس والسّجن، فلم يجب نابليون، وبعده صدر توقيع ثانٍ وذلك التّوقيع مندرج في سورة الهيكل، ومختصر الخطاب هو: يا نابليون حيث أنّك لم تجب ولم تصغِ للنّداء فعمّا قريب تذهب سلطنتك أدراج الرّياح ويحلّ بك الخراب، وأرسل ذلك التّوقيع بالبريد بواسطة قيصر كتفاكو ، وباطّلاع جميع المهاجرين أرسلت صورة هذا الخطاب إلى جميع أطراف إيران لأنّ كتاب الهيكل كان قد نشر في جميع أنحاء إيران في تلك الأيّام، وهذا الخطاب من جملة ما درج في كتاب الهيكل، وكان ذلك سنة 1869 ميلاديّة، ولمّا انتشرت سورة الهيكل في جميع جهات إيران والهند وقع في أيدي جميع الأحباب، والكلّ كان ينتظر نتائج هذا الخطاب ولم يمضِ زمن قليل حتّى جاءت سنة 1870 ميلاديّة، واشتعلت نار الحرب بين ألمانيا وفرنسا ومع أنّه لم تخطر ببال أحد غلبة الألمان أبداً فقد غلب نابليون وهزم شرّ هزيمة ووقع أسيراً في يد الأعداء، وتبدّلت عزّته بالذّلّة الكبرى.

وكذلك أرسلت الألواح إلى سائر الملوك، ومن جملتها أرسل توقيع لجلالة ناصر الدّين شاه، وفي هذا التّوقيع يتفضّل حضرته بقوله

أحضرني وأحضر جميع العلماء واطلب الحجّة والبرهان حتّى يتبيّن الحقّ من الباطل، فأرسل جلالة ناصر الدّين شاه التّوقيع المبارك إلى العلماء وكلّفهم أن يبدوا رأيهم فيما عرض عليهم، غير أنّهم لم يجرءوا على ذلك فطلب من سبعة أشخاص من مشاهير العلماء أن يجيبوا على هذا التّوقيع، ولكن بعد مدّة أعادوا التّوقيع المبارك قائلين إنّ هذا الشّخص معارض للدّين وعدوّ للشّاه، فغضب جلالته من ردّهم وقال إنّ هذه المسألة مسألة الحجّة والبرهان وقضيّة الحقّ والباطل، فما علاقتها بالعداء للحكومة؟ فيا للأسف كم نحن راعينا هؤلاء العلماء واحترمناهم وهم عاجزون عن جواب هذا الخطاب، وقصارى القول إنّ ما رقم في ألواح الملوك قد تحقّق جميعه، وإنّ تتتبّع الوقائع التّاريخيّة من سنة 1870 ميلاديّة تجد أنّها منطبقة ومحقّقة لما جاء في ألواح الملوك ولم يبقَ منها إلاّ القليل ولا بدّ من أن يتحقّق فيما بعد.

وكذلك كانت الطّوائف الخارجة والملل غير المؤمنة تنسب إلى الجمال المبارك أموراً عظيمة وبعضهم كان يعتقد بولاية حضرته، حتّى أنّ بعضاً منهم كتبوا رسائل، ومن جملتهم كتب السّيّد الدّاودي من علماء أهل السّنّة ببغداد رسالة مختصرة ضمّنها خوارق العادات الصّادرة من الجمال المبارك في أحوال متعدّدة، ويوجد إلى الآن في جميع جهات الشّرق أشخاص غير مؤمنين بمظهريّة الجمال المبارك ولكنّهم يعتقدون بولايته ويروون عنه المعجزات.

وخلاصة القول فإنّه ما تشرّفت نفس بساحته المقدّسة سواء أكانت موافقة أم مخالفة إلاّ وأقرّت واعترفت بعظمة حضرته، وغاية ما هنالك أنّ (المخالف) وإن لم يؤمن إلاّ أنّه شهد بعظمته.

وبمجرّد التّشرّف بساحة الأقدس كانت ملاقاة الجمال المبارك تؤثّر فيهم تأثيراً بدرجة أنّ كثيراً منهم ما كان يقدر أن ينبس ببنت شفة، وكثيراً ما وقع أنّ شخصاً ممّن كانوا في أشدّ العداء والبغضاء أقرّ في نفسه بأنّني إذا ضمّني مجلس الحضور أقول كذا وأجادل وأحاجج بكذا ولكنّه عندما كان يصل إلى ساحة الأقدس تتملّكه الدّهشة والحيرة ولا تجد لنفسه بدّاً من الصّمت والسّكوت.

ما درس الجمال المبارك لسان العرب، ولم يكن له معلّم ولا مدرّس ولم يدخل مكتباً ولكن بلاغة بيانه المبارك وفصاحته باللّسان العربيّ في الألواح العربيّة حيّرت عقول فصحاء العرب وبلغائهم والكلّ مقرّ ومعترف بأنّه لا مثيل له ولا نظير، ولو نمعن النّظر في نصوص التّوراة لا نجد أيّ مظهر من المظاهر الإلهيّة خيَّر الأقوام المنكرة في طلب أيّة معجزة ووافقهم على أيّ ميزان يقرّونه، وفي توقيع جلالة الشّاه قال بوضوح اجمع العلماء واطلبني لتثبت الحجّة والبرهان.

إنّ الجمال المبارك وقف كالجبل مقابل الأعداء مدّة خمسين سنة وكلّهم يطلبون إفناءه ومحوه ويهاجمونه جميعاً قاصدين ألف مرّة صلبه وإعدامه وكان في نهاية الخطر طول هذه المدّة.

وإن جميع العقلاء من الدّاخل والخارج المطّلعين على حقائق الأحوال متّفقون على أنّ إيران الّتي وصلت إلى هذه الدّرجة من الهمجيّة والخراب إلى الآن يتوقّف رقيّها وتمدّنها وعمرانها على ترويج مبادئ هذا الشّخص العظيم وتعميم تعاليمه.

إنّ حضرة المسيح في زمانه المبارك ربَّى في الحقيقة أحد عشر نفراً وكان بطرس أعظم هؤلاء الأشخاص ولمّا وقع الامتحان أنكر المسيح

ثلاث مرّات ومع هذا فانظر كيف نفذ أمر حضرة المسيح بعدئذٍ في أركان العالم، وقد ربَّى حضرة الجمال المبارك إلى الآن آلافاً من النّفوس أوصلوا تحت السّيوف نداء يا بهاء الأبهى إلى الأوج الأعلى ولمعت وجوههم لمعان الذّهب بنار الامتحان، فلاحظوا كيف يكون أمره فيما بعد.

إذن يجب الإنصاف بأنّ هذا الشّخص الجليل كيف كان مربّياً للعالم الإنسانيّ وكم ظهرت منه آثار باهرة وأيّة قدرة وقوّة تحقّقت به في عالم الوجود.

(10)
براهين روحانيّة

في هذا العالم المادّيّ للزّمان أدوار وللمكان أطوار وللفصول دوران وللنّفوس رقيّ وانحطاط ونموّ، فطوراً فصل الرّبيع وتارّة فصل الخريف وآونة موسم الصّيف ومرّة وقت الشّتاء، فلموسم الرّبيع سحاب بدرّه المدرار وله نفحة مسكيّة ونسيم يحيي الأرواح وهواء في نهاية الاعتدال، فيه تهطل الأمطار وتسطع الشّمس وتهبّ الرّياح اللّواقح ويتجدّد العالم وتظهر نفحة الحياة في النّبات والحيوان والإنسان، وتنتقل الكائنات الأرضيّة من حالة إلى حالة أخرى وتلبس جميع الأشياء ثوباً جديداً ويخضرّ سطح الغبراء وتكسو الجبال والصّحارى حلّة خضراء وتورق الأشجار وتزهر وتنبت الحدائق الورد والرّياحين ويصير العالم عالماً آخر، وتتجدّد حياة من في الإمكان وتدبّ في الأجساد الخامدة روح جديدة ويكتسب العالم لطافة وصباحة وملاحة غير متناهية، إذاً فالرّبيع

هو سبب الحياة الجديدة وواهب الرّوح البديعة، ثمّ يتلوه موسم الصّيف، فتشتدّ الحرارة ويبلغ النموّ والنّشوء نهاية القوّة فتصل قوّة الحياة في عالم النّبات إلى درجة الكمال، ويأتي زمن الحصاد وتصبح الحبّة بيدراً، ويتهيّأ القوت لفصليّ الخريف والشّتاء، ثمّ يأتي فصل الخريف المخيف وتهبّ الرّياح العقيمة ويأتي دور السّقم، ويذهب رونق جميع الأشياء ويتكدّر الهواء اللّطيف ويتبدّل نسيم الرّبيع بريح الخريف وتذبل الأشجار المخضرّة ذات الطّراوة وتتعرّى، وترتدي الأزهار والرّياحين رداء الحزن ويقفر البستان الجميل وتزول نضارته، ثمّ يأتي فصل الشّتاء ويكثر البرد والطّوفان، وفيه ثلج وعواصف وبَرَد ومطر ورعد وبرق وجمود وخمود، وتصبح جميع الكائنات النّباتيّة في حالة الموت، ويلحق الموجودات الحيوانية الذّبول والخمول، وعندما تصل الحالة إلى هذه الدّرجة يأتي فصل الرّبيع الجديد المنعش للأرواح مرّة أخرى، ويتجدّد الدّور ويرفع موسم الرّبيع سرادقه على الجبال والصّحارى بكمال الحشمة والعظمة والطّراوة واللّطافة، ويتجدّد هيكل الموجودات وخلقة الكائنات مرّة أخرى، فتنمو وتنشأ الأجسام وتخضرّ الصّحارى وتنضر السّهول وتتبرعم الأشجار وهكذا يعود ربيع العام الفائت مرّة أخرى بنهاية العظمة والجلال. واستمرار هذا الدّور والتّسلسل ضروريّ ومناسب لحياة الكائنات وعليه يكون مدار العالم الجسمانيّ، وعلى هذا المنوال تكون أدوار الأنبياء الرّوحانيّة، يعني أنّ يوم ظهور المظاهر المقدّسة هو الرّبيع الرّوحانيّ والتّجلّي الرّحمانيّ والفيض السّماويّ ونسيم الحياة وإشراق شمس الحقيقة، فيه تحيا الأرواح وتهتزّ وتنتعش القلوب وتطيب النّفوس ويتحرّك الوجود وتستبشر الحقائق الإنسانيّة وتنمو وترتقي في المراتب والكمالات

وتحصل التّرقّيات الكلّيّة والحشر والنّشر، لأنّها أيّام قيام وزمن حركة واشتعال وآونة فرح وسرور ووقت انجذاب موفور، ثمّ ينتهي ذلك الرّبيع المنعش للأرواح بالصّيف المملوء بالثّمار، فتعلو فيه كلمة الله وتروّج شريعته وتصل جميع الأشياء إلى درجة الكمال وتبسط المائدة السّماويّة وتعطّر نفحات القدس الشّرق والغرب، وتنتشر التّعاليم الإلهيّة في العالم، وتتربّى النّفوس وتحصل النّتائج المشكورة وتتجلّى التّرقّيات الكلّيّة في العالم الإنساني، وتحيط الفيوضات الرّحمانيّة وتشرق شمس الحقيقة من أفق الملكوت بنهاية القوّة والحرارة، وعندما تصل إلى دائرة نصف النّهار تميل إلى الغروب والزّوال، ويعقب ذلك الرّبيع الرّوحانيّ زمن الخريف فيقف النّشوء والنّموّ، ويتبدّل النّسيم بالرّيح العقيم ويذهب الموسم السّقيم بنضارة البساتين والصّحارى ولطافة حدائق الأزهار، يعني تزول الانجذابات الوجدانيّة وتتبدّل الأخلاق الرّحمانيّة وتخبو نورانيّة القلوب وتتغيّر روحانيّة النّفوس وتتحوّل الفضائل بالرّذائل ولا يكون تقديس ولا تنزيه، ولا يبقى من شريعة الله إلاّ الاسم ولا من تعاليمه إلاّ الرّسم، فيمحى وينعدم أساس دين الله وتوجد طقوس ورسوم ويحصل التّفريق وتتبدّل الاستقامة بالتّزلزل، فتموت الأرواح وتنطمس القلوب وتخمد النّفوس، ثمّ تأتي أيّام الشّتاء فتحيط برودة الجهل والعمى وتستولي ظلمة الضّلالة النّفسانيّة، وعندئذٍ يكون جمود وعصيان وسفاهة وكسل وسفالة وشؤون حيوانيّة وبرودة وخمود جماديّة كما في فصل الشّتاء الّذي فيه تحرم كرة الأرض من تأثير حرارة الشّمس وتصير مخمودة مغمومة، وعندما يصل عالم العقول والأفكار إلى هذه الدّرجة فذاك موت أبديّ وفناء سرمديّ، وبعد أن ينتهي موسم الشّتاء وشؤوناته يأتي الرّبيع الرّوحانيّ مرّة أخرى ويتجلّى الدّور

الجديد ويهبّ النّسيم الرّوحانيّ ويتنفّس الصّبح النّورانيّ ويمطر السّحاب الرّحمانيّ وتسطع أشعّة شمس الحقيقة، فيحيا عالم الإمكان حياة جديدة ويلبس خلعاً بديعة، فتتجلّى مرّة أخرى في هذا الرّبيع الجديد جميع آثار الرّبيع الماضي ومواهبه وربّما تكون بحالة أعظم وأبهج، وإنّ الأدوار الرّوحانيّة لشمس الحقيقة كأدوار الشّمس الظّاهرة دائماً في التّجدّد والدّوران.

فمثل شمس الحقيقة كمثل الشّمس الظّاهرة لها مشارق ومطالع متعدّدة، فيوماً تطلع من برج السّرطان ووقتاً من برج الميزان وزماناً تشرق من برج الدّلو وآونة تتشعشع أنوارها من برج الحمل، ومع ذلك فالشّمس شمس واحدة وحقيقة واحدة، وأولوا العلم يعشقون الشّمس ولا يفتنون بالمشارق والمطالع وأهل البصيرة يطلبون الحقيقة لا المظاهر والمصادر، لذا يسجدون للشّمس من أيّ برج أشرقت وطلعت ويطلبون الحقيقة المقدّسة من أيّ نفس ظهرت وبرزت، فهذه النّفوس تهتدي دائماً إلى الحقيقة ولا تحتجب عن شمس العالم الإلهيّ، فعاشق الشّمس وطالب الأنوار يتوجّه دائماً إلى الشّمس سواء تشعشعت من برج الحمل أو أفاضت من برج السّرطان أو سطعت من برج الجوزاء، أمّا الجاهلون الغافلون فلا يعشقون سوى البروج ولا يهيمون بغير المشارق، فمثلاً إذا كانت الشّمس في برج السّرطان توجّهوا إليها ولا يغيّرون اتّجاههم هذا لحبّهم في البروج لهذا يحتجبون عن الشّمس وأنوارها إذ انتقلت إلى برج الميزان، مثلاً تشعشعت شمس الحقيقة وقتاً ما من البرج الإبراهيمي، ثمّ تنفّس الصّبح من البرج الموسويّ وأضاء الأفق، ثمّ طلعت من برج المسيح في نهاية القوّة الحرارة والإشراق، فطلاّب الحقيقة سجدوا لها أينما وجدت، وأمّا المتمسّكون

بالمطلع الإبراهيمي فاحتجبوا عنها وقتما تجلّت على الطّور وأضاءت الحقيقة الموسويّة، وهؤلاء الّذين تمسّكوا بموسى احتجبوا عنها حينما تجلّت من النّقطة المسيحيّة في نهاية النّورانيّة والجلوة الرّبّانيّة وقس على ذلك.

إذاً يجب على الإنسان أن يطلب الحقيقة وأن يكون ولهاً بها حيثما وجدها في أيّ ذات مقدّسة، وأن يكون منجذباً للفيض الإلهيّ، وأن يكون كالفراش عاشقاً للنّور في أيّ زجاجة أضاء وسطع، أو كالبلبل مفتوناً بالورد في أيّ حديقة تفتّح ونبت، فإن طلعت الشّمس من مغربها فهي هي فلا ينبغي الاحتجاب بالمشرق واعتبار المغرب محلّ الغروب والأفول، كذلك يجب تحرّي الفيوضات الإلهيّة والبحث عن الإشراقات الرّحمانيّة ويجب الوله والانجذاب لكلّ حقيقة بانت وظهرت، انظروا اليهود لو لم يكونوا متمسّكين بالأفق الموسويّ ونظروا إلى شمس الحقيقة لشاهدوها ألبتّة في المطلع الحقيقيّ المسيحيّ في نهاية الجلوة الرّحمانيّة، ولكن يا ألف أسف تمسّكوا بلفظ موسى فحرموا من ذلك الفيض الإلهيّ والجلوة الرّبّانيّة.

(11)
بيان الغنى الحقيقيّ للوجود

إنّ شرف كلّ كائن من الموجودات وعلوّ درجته يتعلّق بأمر ويرتبط بكيفيّة، فشرف الأرض وزينتها وكمالها في اخضرارها وتجدّدها من فيض سحاب الرّبيع، إذ ينبت النّبات وتتفتّح الأزهار والرّياحين وتثمر الأشجار وتمتلئ بالفواكه اللّذيذة الشّهيّة وتتشكّل الحدائق وتتزيّن

الرّياض وتلبس الحقول والجبال حلّة خضراء وتتزيّن الحدائق والبساتين والمدن والقرى، فتلك هي سعادة عالم الجماد. وأمّا نهاية رقيّ عالم النّبات وكماله فهو أن يرتفع قدّ الشّجرة على شاطئ جدول من الماء العذب، بحيث يهبّ عليها النّسيم العليل وتشرق عليها الشّمس بحرارتها ويعتني البستانيّ بتربيتها فيزداد نموّها يوماً فيوماً حتّى تؤتى ثمرتها. أمّا سعادته الحقيقيّة ففي رقيّه إلى عالم الحيوان والإنسان بالاندماج فيهما بدل ما يتحلّل من جسميهما. ورقيّ عالم الحيوان في تكامل أعضائه وقواه وجوارحه ووجود ما يحتاج إليه، هذا هو نهاية عزّته وشرفه وعلويّته. مثلاً إنّ نهاية ما يسعد به الحيوان أن يكون في مرعى خصيب نضير، مياهه جارية وفي غاية العذوبة، أو في غابة نضرة في غاية الطّراوة، فإذا تهيّأ له مثل هذا فلا يتصوّر للحيوان سعادة فوق هذه السّعادة، ومثلاً لو أنّ طيراً اتّخذ عشّاً بغابة مخضرّة في بقعة عالية لطيفة على أعلى أفنان دوحة عظيمة، وتوفّر له كلّ ما يريد من حبوب ومياه فهذه هي السّعادة الكلّيّة للطّير، ولكن سعادته الحقيقيّة في انتقاله من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان كالحيوانات الذّرّيّة الّتي تحلّ في جوف الإنسان بواسطة الهواء والماء فتتحلّل وتعوّض ما يفقده جسم الإنسان، هذه هي نهاية عزّة الحيوان وسعادته، ولا يتصوّر له عزّة بعد هذا. إذاً صار من الواضح المعلوم أنّ هذه النّعمة والرّاحة والثّروة الجسمانيّة هي السّعادة الكاملة للجماد والنّبات والحيوان، ولا يمكن أن توجد أيّة ثروة أو غنى أو راحة أو دعة في العالم الجسماني تعادل غنى هذه الطّيور لأنّ هذه الصّحارى والجبال فناء وكرها، وجميع الحبوب والبيادر ثروتها وقوّتها بل جميع الأراضي والقرى والغياض والمراعي والغابات

والصّحارى ملكها، لأنّه مهما أخذ الطّير من الحبوب وأعطى فلا ينقص ذلك من ثروته شيئاً، فهل هذا الطّير أغنى أم أغنياء بني الإنسان؟

إذاً صار من المعلوم أن عزّة الإنسان وعلوّه ليستا مجرّد اللّذائذ الجسمانيّة والنّعم الدّنيويّة، بل إنّ هذه السّعادة الجسمانيّة فرع، وأمّا أصل رفعة الإنسان فهي الخصال والفضائل الّتي هي زينة الحقيقة الإنسانيّة، وهي سنوحات رحمانيّة وفيوضات سماويّة وإحساسات وجدانيّة ومحبّة إلهيّة ومعرفة ربّانيّة ومعارف عموميّة وإدراكات عقليّة واكتشافات فنّيّة، عدل وإنصاف، صدق وألطاف، وشهامة ذاتيّة، ومروءة فطريّة، وصيانة الحقوق، والمحافظة على العهد والميثاق، والصّدق في جميع الأمور، وتقديس الحقيقة في جميع الشّؤون، وتضحية الرّوح لخير العموم، والمحبّة والرّأفة لجميع الطّوائف الإنسانيّة، واتّباع التّعاليم الإلهيّة، وخدمة الملكوت الرّحمانيّ، وهداية الخلق وتربية الأمم والملل. هذه هي سعادة العالم الإنسانيّ، هذه هي رفعة البشر في العالم الإمكاني، هذه هي الحياة الأبديّة والعزّة السّماويّة، ولا تتجلّى هذه المواهب في حقيقة الإنسان إلاّ بقوّة ملكوتيّة إلهيّة وتعاليم سماويّة، لأنّها تتطلّب قوّة ما وراء الطّبيعة، وفي عالم الطّبيعة نماذج ممكنة من هذه الكمالات، ولكن لا ثبات لها ولا بقاء كما لا تثبت أشعّة الشّمس على الجدار.

وقد وضع الرّبّ الرّؤوف تاجاً وهّاجاً كهذا على رأس الإنسان فعلينا أن نسعى ليسطع على العالم نور درّه اللّمّاع.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى