منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

من كتاب المفاوضات لحضرة عبد البهاء 5

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

بيان المقصود من عتاب الله لحضرات الأنبياء
في الكتب المقدّسة

السّؤال: ورد في الكتب المقدّسة بعض خطابات زجر وعتاب موجّهة لحضرات الأنبياء، فمن المخاطب بذلك ولمن وجّه العتاب؟

الجواب: إنّ الجميع الخطابات الإلهيّة التي عوتب بها حضرات الأنبياء إنّما المقصود بها أممهم، ولو أنّها بحسب الظّاهر موجّهة إلى حضراتهم، وحكمة ذلك محض الشّفقة والرّحمة بالأمم، حتّى لا تتألّم نفوسهم ولا تتكدّر خواطرهم ولا يكون الخطاب والعتاب ثقيلاً عليهم، لهذا كان الخطاب بحسب الظّاهر موجّهاً إلى الأنبياء ولكنّه في الحقيقة للأمم، وفضلاً عن هذا فالسّلطان المقتدر المستقلّ في مملكته إنّما يمثّل شعبه ورعيّته، يعني قوله قول الجميع، وكل معاهدة يبرمها هي معاهدتهم، لأنّ إرادة شعبه ورعيّته فانية في إدارته ومشيئته، كذلك كلّ نبيّ إنّما يمثّل أمّته وملّته، لهذا فعهد الله وخطابه مع النّبيّ هو عهد وخطاب مع كلّ الأمّة والغالب أنّ خطاب الزّجر والعتاب يثقل على النّفوس ويسبّب انكسار القلوب.

لهذا اقتضت الحكمة البالغة توجيه الخطاب في الظّاهر لحضرات الأنبياء، وذلك يتوضّح من التّوراة نفسها حيث أنّ بني إسرائيل عصوا

وقالوا لحضرة موسى نحن لا نقدر أن نحارب العمالقة، لأنّهم أقوياء أشدّاء شجعان، فعاتب الله موسى وهارون، مع أنّ حضرة موسى لم يكن عاصياً، بل كان في نهاية الطّاعة، ولا شكّ أنّ شخصاً جليلاً كحضرة موسى الّذي هو واسطة الفيض الإلهيّ والمبلّغ لشريعة الله لا بدّ وأن يكون مطيعاً لأمر الله، فهذه النّفوس المباركة إنّما هم كأوراق الشجرة المتحرّكة بهبوب النّسيم لا بإرادتها، لأنّ هذه النّفوس المباركة منجذبة بنفحات محبّة الله ومسلوبة الإرادة بالكلّيّة، فقولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، ونهيهم نهي الله، وهم بمثابة هذا الزّجاج ضوؤه من السّراج ومهما سطع الشّعاع من الزّجاج بحسب الظّاهر فهو في الحقيقة إنّما يسطع من السّراج، وكذلك حركة أنبياء الله ومظاهر الظّهور وسكونهم بوحي إلهيّ لا عن هوى نفساني، فإن لم يكن هكذا كيف يكون ذلك النّبيّ أميناً وكيف يكون سفيراً للحقّ ومبلّغاً لأوامره ونواهيه، إذاً فكلّ ما جاء في الكتب المقدّسة عتاباً لمظاهر الظّهور هو من هذا القبيل.

الحمد لله أنت أتيت إلى هنا وتلاقيت بعباد الله فهل وجدت منهم غير رائحة رضا الحقّ، لا والله، فقد رأيت بعينيك أنّهم باللّيل والنّهار في سعي واجتهاد. وليس لهم من قصد سوى إعلاء كلمة الله وتربية النّفوس وإصلاح الأمم والتّرقّيات الرّوحانيّة وترويج الصّلح العموميّ وحبّ الخير للنّوع الإنسانيّ والمحبّة لجميع الملل والتّضحية لخير البشر والانقطاع عن المنافع الذّاتيّة والخدمة لنشر الفضائل بين العالم الإنسانيّ. ولنرجع إلى ما كنّا فيه، مثلاً يقول في التّوراة في كتاب إشعيا في أصحاح 48 آية 12 "اسمع لي يا يعقوب وإسرائيل الّذي دعوته أنا هو أنا الأوّل وأنا الآخر" ومن المعلوم أنّه ما كان مراده يعقوب أي إسرائيل بل المقصود بنو إسرائيل، وكذلك

يقول في كتاب إشعيا أصحاح 43 في الآية الأولى "والآن هكذا يقول الرّب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأنّي فديتك دعوتك باسمك أنت لي" وفضلاً عن هذا فإنّه يقول في سفر الأعداد من التّوراة في الأصحاح 20 في الآية 23 "وكلّم الرّبّ موسى وهارون في جبل هور على تخم أرض أدوم قائلاً يضمّ هارون إلى قومه لأنّه لا يدخل الأرض الّتي أعطيت لبني إسرائيل لأنّكم عصيتم قولي عند ماء مريبة" ويقول في الآية 13 "هذا ماء مريبة حيث خاصم بنو إسرائيل الرّبّ فتقدّس فيهم" لاحظوا فقد عصى بنو إسرائيل ولكن بحسب الظّاهر عوتب موسى وهارون كما يقول في الأصحاح الثّالث آية 26 في سفر التّثنية من التّوراة "لكنّ الرّبّ غضب عليَّ بسببكم ولم يسمع لي بل قال لي الرّبّ كفاك لا تعد تكلّمني أيضاً في هذا الأمر" بينما هذا الخطاب والعتاب في الحقيقة موجّه لأمّة إسرائيل الّتي بعصيانها الأمر الإلهيّ بقيت أسيرة مدّة مديدة في صحراء التّيه المجاورة للأردن حتّى زمن يوشع عليه السّلام، ومع أن هذا الخطاب والعتاب في الظّاهر كان لحضرة موسى وهارون، ولكنّه في الحقيقة لأمّة إسرائيل، وكذلك تفضّل في القرآن بقوله خطاباً لحضرة محمّد "إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر" يعني نحن فتحنا لك فتحاً واضحاً لنغفر لك الذّنوب المتقدّمة والمتأخّرة، ولو أنّ هذا الخطاب كان بحسب الظّاهر لحضرة محمّد ولكنّه في الحقيقة خطاب لعموم الملّة، وهذا محض الحكمة البالغة الإلهيّة كما سبق حتّى لا تضطرب القلوب ولا تتكدّر، فكثيراً ما اعترف أنبياء الله ومظاهر الظّهور الكلّي في مناجاتهم بالقصور والذّنب، وهذا من باب التّعليم لسائر النّفوس وللتّشويق والحضّ على الخضوع والخشوع والاعتراف بالذّنب والقصور ليس إلاّ. فتلك النّفوس المقدّسة طاهرة من كلّ ذنب،

ومنزّهة عن كلّ خطأ، مثلاً يقول في الإنجيل إنّ شخصاً حضر لدى حضرة المسيح فقال أيّها المعلّم البارّ فأجابه حضرة المسيح لماذا خاطبتني بالبارّ، لأنّ البارّ ذات واحدة وهو الله، فليس المقصود من هذا أن حضرة المسيح معاذ الله كان مذنباً بل كان المراد تعليم الخضوع والخشوع والتّواضع والانكسار لذلك الشّخص المخاطب، فهذه النّفوس المباركة أنوار ولا يجتمع النّور مع الظّلمة، حياة ولا تجتمع الحياة مع الموت، هداية ولا تجتمع الهداية مع الضّلالة، حقيقة الطّاعة ولا تجتمع الطّاعة مع العصيان، وخلاصة القول أنّ العتاب الوارد في الكتب المقدّسة الموجّه بحسب الظّاهر للأنبياء أي المظاهر الإلهيّة إنّما يقصد به في الحقيقة الأمّة، وإذا تتبّعت الكتب المقدسة تجد ذلك واضحاً جليّاً والسّلام.

(41)
بيان الآية الواردة في الكتاب الأقدس

السّؤال: يقول في الآية المباركة "ليس لمطلع الأمر شريك في العصمة الكبرى إنّه لمظهر يفعل ما يشاء في ملكوت الإنشاء قد خصّ الله هذا المقام لنفسه وما قدّر لأحد نصيباً من هذا الشّأن المنيع" فما تفسيرها؟

الجواب: اعلم أنّ العصمة على قسمين، عصمة ذاتيّة وعصمة صفاتيّة، وهكذا سائر الأسماء والصّفات كالعلم الذّاتيّ والعلم الصّفاتيّ، فالعصمة الذّاتيّة مختصّة بالمظهر الكلّي، لأنّ العصمة من لزومه الذّاتيّ، ولا ينفكّ اللّزوم الذّاتيّ عن الشّيء، فالشّعاع لازم ذاتيّ للشّمس ولا

ينفكّ عنها، والعلم لازم ذاتيّ للحقّ ولا ينفكّ عنه، والقدرة لازم ذاتيّ للحقّ ولا تنفكّ عنه، فلو تقبل الانفكاك لا يكون الحقّ حقّاً، ولو انفكّ الشّعاع عن الشّمس لا تكون الشّمس شمساً، لهذا لو يتصوّر الانفكاك في العصمة الكبرى عن المظاهر الكلّيّة فلا يكون مظهراً كلّيّاً ويسقط عن كماله الذّاتيّ.

أمّا العصمة الصّفاتيّة فليست من اللّوازم الذّاتيّة للشّيء، بل هي شعاع العصمة الّذي يسطع من شمس الحقيقة على القلوب ويعطي لتلك النّفوس قسطاً ونصيباً، فهذه النّفوس وإن لم تكن لهم العصمة الذّاتيّة، ولكنّهم تحت حفظ الحقّ وعصمته وحمايته، يعني أنّ الحقّ يحفظ هؤلاء من الخطأ، مثلاً لم يكن كثير من النّفوس المقدّسة مظاهر العصمة الكبرى، ولكن كانوا محفوظين مصونين عن الخطأ في ظلّ الله وحفظه وحمايته، لأنّهم كانوا واسطة الفيض بين الحقّ والخلق، فإذا لم يحفظ الحقّ هؤلاء من الخطأ لأدّى خطأهم إلى وقوع كلّ النّفوس المؤمنة في الخطأ، فينهدم أساس الدّين الإلهيّ بالكلّيّة وهذا لا يليق بحضرة الأحديّة.

وخلاصة القول إنّ العصمة الذّاتيّة محصورة في المظاهر الكلّيّة، والعصمة الصّفاتيّة موهوبة لكلّ نفس مقدّسة، مثلاً لو يتشكّل بيت العدل العموميّ بالشّرائط اللاّزمة أي بانتخاب جميع الملّة فإنّه يكون تحت عصمة الحقّ وحمايته، وكلّ ما لم ينصّ عليه في الكتاب ويقرّره بيت العدل باتّفاق الآراء أو الأكثريّة، فإنّ ذلك القرار والحكم يكون محفوظاً من الخطأ، والحال أنه ليس لكلّ فرد من أعضاء بيت العدل العصمة الذّاتيّة، ولكن هيئة بيت العدل تحت حماية الحقّ وعصمته، وهذه تسمّى بالعصمة الموهوبة، والخلاصة إنّه يقول أنّ مطلع الأمر

مظهر يفعل ما يشاء، وهذا المقام مختصّ بالذّات الأقدس وليس لغيره نصيب من هذا الكمال الذّاتيّ، يعني لمّا تحقّقت العصمة الذّاتيّة للمظاهر الكلّيّة فكلّ ما يصدر عنهم هو عين الحقيقة ومطابق للواقع، فهؤلاء ليسوا تحت ظلّ الشّريعة السّابقة، وكلّ ما يقولون هو قول الحقّ، وكلّ ما يعملون فهو العمل الصّحيح، وليس لأيّ مؤمن حقّ الاعتراض، وفي هذا المقام يجب التّسليم المحض، لأنّ مظهر الظّهور قائم بالحكمة البالغة، وقد تعجز العقول عن إدراك الحكمة الخفيّة في بعض الأمور، لهذا فكلّ ما يقوله مظهر الظّهور الكلّيّ وما يعمله هو محض الحكمة ومطابق للواقع، وإذا لم يهتدِ بعض النّفوس إلى الأسرار الخفيّة لحكم من الأحكام أو عمل من الأعمال فلا يجوز لها الاعتراض، حيث أنّ المظهر الكلّيّ مظهر يفعل ما يشاء، فكثيراً ما حدث أن صدر أمر من شخص عاقل كامل عالم ثمّ اعترض النّاس عليه لعجزهم عن إدراك حكمته، واستغربوا كيف أنّ هذا الشّخص الحكيم قال أو عمل مثل هذا، إنّ هذا الاعتراض صادر عن جهل هؤلاء، أمّا حكمة الحكيم فهي مقدّسة عن الخطأ ومنزّهة عنه، وكذلك الطّبيب الحاذق في علاج المريض فإنّه يفعل ما يشاء، وليس للمريض حقّ الاعتراض، وكلّ ما يصفه له الطّبيب ويشير به فهو الصّحيح، فينبغي للكلّ أن يعدّوه مظهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا بدّ أنّ رأي الطّبيب في علاج المريض يكون مخالفاً لآراء الآخرين، فهل يجوز إذاً الاعتراض من نفوس لم تدرس الطّبّ وليس لها دراية بالحكمة؟ لا والله، فيجب على الكلّ الخضوع والتّسليم وإجراء كلّ ما يقوله الطّبيب الحاذق، فالطّبيب الحاذق له أن يفعل ما يشاء وليس للمريض نصيب من هذا المقام، ولا بدّ من ثبوت حذق الطّبيب، وحيث ثبت حذق الطّبيب فله أن يفعل

ما يشاء، كذلك قائد الجنود من حيث أنّه تفرّد بالفنون الحربيّة فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر به، وربّان السّفينة من حيث أنّ الكلّ يقرّ بإلمامه فنّ الملاحة فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر به.

وحيث أنّ المربّي الحقيقيّ هو شخص كامل فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر، والخلاصة أنّ المقصود من يفعل ما يشاء أنّه قد يصدر مظهر الظّهور أمراً أو يجري حكماً أو عملاً يعجز المؤمنون عن إدراك حكمة ذلك، فلا يجوز أن يخطر الاعتراض بخاطر أحد ويقول لماذا أمر بكذا ولِمَ أجرى كذا؟ أمّا سائر النّفوس الّذين استظلّوا بظلّ المظهر الكلّيّ، فهم تحت حكم شريعة الله ولا يجوز لهم التّجاوز قيد شعرة عن الشّريعة، ويجب أن يطبّقوا جميع الأعمال والأفعال على شريعة الله، وإذا تجاوزوا عنها كانوا مسؤولين لدى الله ومؤاخذين، وليس لهؤلاء قسط ولا نصيب من حكم يفعل ما يشاء ألبتّة، لأنّ هذا المقام مختصّ بالمظهر الكلّيّ، مثلاً حضرة المسيح روحي له الفداء كان مظهر يفعل ما يشاء ولم يكن للحواريّين نصيب من هذا المقام، لأنّهم كانوا في ظلّ حضرة المسيح فيجب ألاّ يتجاوزوا عن أمره وإرادته والسّلام.
***

هوامش القسم الثالث


صفحة خالية




القسم الرّابع

مقالات في المبدأ والمعاد وقوى الإنسان
وحالاته وكمالاته المختلفة

(محادثات على المائدة)


صفحة خالية
(42)
تغيير الأنواع

ولنتكلّم الآن في مسألة تغيير النّوع وترقّي الأعضاء أي فيما إذا كان أصل الإنسان من عالم الحيوان.

إنّ هذه النّظريّة تمكّنت من عقول بعض الفلاسفة في أوروبا وليس من السّهل الآن تفهيم بطلانها، ولكنّها في المستقبل ستتّضح وتظهر ويهتدي فلاسفة أوروبا بأنفسهم إلى بطلان هذه المسألة، لأنّها في الحقيقة بديهيّ البطلان، ولو ينظر الإنسان في الكائنات نظرة إمعان ويهتدي إلى دقائق أحوال الموجودات وينظر نظام عالم الوجود ووضعه وكماله ليتيقّن أنّه (ليس في الإمكان أبدع ممّا كان)، لأنّ جميع الكائنات سواء أكانت علويّة أو أرضيّة وحتّى هذا الفضاء الذّي لا يتناهى وجميع ما فيه خُلق ونُظّم وتركّب وترتّب وتكامل كما يليق وينبغي، لا نقصان فيه أبداً بحيث لو صارت جميع الكائنات عقلاً صرفاً، وتفكّر إلى أبد الآباد لا يمكنه أن يتصوّر أحسن ممّا كان، ولو لم تكن الخليقة منذ القدم على هذا الكمال وفي نهاية الإبداع أي كانت أقلّ وأدنى لكان الوجود حينئذ مهملاً وناقصاً، أي لم يكن كاملاً، إذاً فهذه المسألة تحتاج إلى نهاية الدّقّة والتّفكير، مثلاً تصوّر عالم الإمكان أي عالم الوجود بصفةٍ عامّة أنه يشبه هيكل إنسان، فلو كان هذا التّركيب والتّرتيب وهذا الجمال والكمال الموجود الآن في الهيكل البشريّ على غير ذلك لكان نقصاً محضاً، لهذا لو يتصوّر أنّ الإنسان زمناً ما كان في عالم الحيوان يعني كان حيواناً محضاً لكان الوجود ناقصاً، لأنّ معنى هذا أنّه لم يكن هناك إنسان، وهذا العضو الأعظم الذّي

هو في هيكل العالم بمنزلة الرّأس والمخّ كان مفقوداً، إذاً فالعالم كان نقصاً محضاً، وبذلك ثبت أنّه لو كان الإنسان وقتاً ما في حيّز الحيوان لكان كمال الوجود مختلاً، لأنّ الإنسان هو العضو الأعظم في هذا العالم، ولو لم يكن العضو الأعظم في هذا الهيكل موجوداً فلا شك أنّ الهيكل ناقص، ونحن نعدّ الإنسان العضو الأعظم لأنّه جامع كمالات الوجود بين الكائنات، والمقصود من الإنسان هو الفرد الكامل أي أكمل شخصٍ في العالم جامع الكمالات المعنويّة والظّاهريّة كالشّمس بين الكائنات، ولو نتصوّر أنّ الشّمس لم تكن موجودة وقتاً ما أو كانت كأحد النّجوم لاختلّت حينئذٍ روابط الوجود من غير شكّ، فكيف يمكن أن يتصوّر الإنسان شيئاً كهذا، وفي ذلك كفاية لمن يتبصّر في عالم الوجود.

وهاك برهاناً آخر أدقّ وهو، أنّ هذه الكائنات الموجودة الّتي لا تتناهى في عالم الوجود، سواء كانت إنساناً أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً مهما كانت فإنّها مركّبة من العناصر، وهذا الكمال الموجود في كلّ كائن من الكائنات لا شكّ أنّه وجد بصنع إلهيّ ومنبعث من تركيب العناصر وحسن الامتزاج وتحقّق من تناسب مقادير العناصر وكيّفيّة التّركيب وتأثيرات سائر الكائنات، إذاً فجميع الكائنات كسلسلة مرتبط بعضها ببعض، وإنّ التّعاون والتّعاضد والتّفاعل من خواصّ الكائنات وسبب وجودها ونشوئها ونموّها، وثبت بالدّلائل والبراهين أنّ كلّ كائن من هذه الكائنات عامّةً له فعلٌ وتأثيرٌ في بقيّة الكائنات إمّا بالاستقلال أو بالتّعاون مع الغير.

والخلاصة أنّ كمال كلّ كائن من الكائنات أيّ أنّ الكمال الذّي نراه في الإنسان ودونه من الكائنات من حيث الأجزاء والأعضاء والقوّة



هو منبعث من تركيب العناصر ومقاديرها وموازينها وكيفيّة امتزاجها وتفاعلاتها والتّأثير الذّي للكائنات السّائرة في الإنسان، وحيثما اجتمعت هذه يظهر هذا الإنسان، ولما أن كان هذا الكمال حاصلاً من تركيب أجزاء العناصر بمقادير متناسبة ومن كيفيّة الامتزاج وتفاعل الكائنات المختلفة ولكون تركيب الإنسان قبل عشرة آلاف سنة أو مائة ألف سنة إنّما هو من هذه العناصر التّرابيّة وبهذه المقادير والموازين وعلى هذا النّحو من التّركيب والامتزاج ومن تفاعل سائر هذه الكائنات كان إنسان ذلك اليوم هو عين هذا الإنسان.

وهذا أمر بديهيّ لا يقبل التّردّد، يعني لو اجتمعت هذه العناصر الإنسانيّة بعد ألف مليون سنة وتخصّصت بهذه المقادير والتّراكيب وحصل امتزاج العناصر على هذا النّحو وتأثّرت بهذه التّفاعلات من سائر الكائنات لوجد هذا البشر الموجود بعينه.

مثلاً لو يوجد بعد مائة ألف سنة مثل هذا الدّهن والنّار والفتيل والمشكاة ومن يوقدها، وبالاختصار يتكامل جميع ما يلزم للإضاءة الآن يوجد هذا السّراج بعينه، وهذه مسألة قطعيّة الدّلالة وأمر واضح، وأمّا الدّلائل الّتي ذكرها حضرات الفلاسفة فهي ظنّيّة الدّلالة وليست قطعيّة الدّلالة.


ليس لعالم الوجود بداية
مبدأ الإنسان

اعلم أنّ إحدى غوامض المسائل الإلهيّة هي أنّ هذا الكون الذّي لا يتناهى لا أوّل له، ولقد سبق بيان أنّ نفس أسماء وصفات الذّات

الإلهيّة تقتضي وجود الكائنات، ومع أنّ ما قد بيّنّاه كان مفصّلاً إلاّ أنّنا سنتكلّم عنه الآن ثانية باختصار.

فاعلم أنّه لا يمكن أن يتصوّر ربّ بلا مربوب، ولا يتحقّق وجود ملك بلا رعيّة، ولا معلّم بغير متعلّم، ولا يمكن وجود خالق بدون مخلوق، ولا يخطر بالبال رازق من غير مرزوق، لأنّ جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة تستدعي وجود الكائنات، فلو نتصوّر أنّ الكائنات عامّة لم تكن موجودة وقتاً ما، فهذا التّصوّر إنكار لألوهيّة الله، وفضلاً عن هذا فالعدم المطلق غير قابل للوجود، فلو كانت الكائنات عدماً مطلقاً لما تحقّق الوجود، ولما كان وجود ذات الأحديّة أي الوجود الإلهيّ أزليّاً سرمديّاً يعني لا أوّل له ولا آخر، فلا بدّ وأنّ عالم الوجود يعني هذا الكون الذّي لا يتناهى لم تكن قطّ له بداية.

نعم قد يصحّ ويمكن أن يحدث وجود جزء من أجزاء الممكنات أي جرم من الأجرام أو أن يتلاشى، غير أنّ سائر الأجرام اللامتناهيّة تظلّ موجودة، فعالم الوجود أبديٌّ لا ينعدم، وحيث أنّ لكلّ جرم من هذه الأجرام بداية فلا بدّ له من نهاية، لأنّ كلّ تركيب سواء كان جزئيّاً أم كلّيّاً لا بدّ له من أن يتحلّل، وغاية ما هنالك هو أنّ بعض المركبات سريع التّحليل وبعضها بطيء التّحليل، فمن المستحيل أن يتركّب شيء وثمّ لا يتحلّل، إذاً يجب أن نعلم كيف كان كلّ موجود من الموجودات العظيمة في أوّل أمره، ولا مريَة أنّه في البدء كان الأصل واحداً ولا يمكن أن يكون اثنين، لأنّ مبدأ جميع الأعداد واحد لا اثنان، فالاثنان محتاجة إلى المبدأ. إذاً صار من المعلوم أنّ المادّة في الأصل واحدة، وتلك المادّة الواحدة تحوّلت في كلّ عنصر بصور مختلفة، ولهذا ظهرت صور متنوّعة، ولمّا ظهرت هذه الصّور المتنوّعة

أخذ كلّ منها شكلاً خاصّاً وصار عنصراً مستقلاً، ولم يتحقّق استقلال العنصر ولم يتمّ تكوينه إلاّ بعد مدّة مديدة، ثمّ إنّ هذه العناصر تركّبت وترتّبت وامتزجت بصور غير متناهية، يعني ظهرت الكائنات الّتي لا تتناهى من تركيب وامتزاج هذه العناصر، وحصل هذا التّركيب والتّرتيب بحكمة الله وقدرته القديمة بنظمٍ طبيعيٍّ واحدٍ، ومن حيث أنّها تركّبت وامتزجت بهذا النّظم الطّبيعيّ في كمال الإتقان ومطابقة للحكمة تحت قانون كلّيّ، فمن الواضح أنّها إيجاد إلهيّ وليس تركيبها وترتيبها صدفة، لأنّ معنى الإيجاد أن يوجد من كلّ تركيب كائن، أمّا من التّركيب التّصادفيّ فلا يوجد أيّ كائن، مثلاً لو أنّ الإنسان مع عقله وذكائه يجمع عناصر ويركبّها فلا يمكن أن يوجد منها كائن حيّ، لأنّها أتت على غير النّظم الطّبيعيّ، وهذا جواب عن سؤال مقدّر وهو من حيث أنّ هذه الكائنات حادثة من تركيب وامتزاج هذه العناصر، فنحن أيضاً نجمع هذه العناصر ونمزجها لإيجاد كائن حيّ، فلو نتصوّر مثل هذا لكان هذا التّصوّر خطأ، لأنّ أصل هذا التّركيب تركيب وامتزاج إلهيّ على نظم طبيعيّ، وبذلك يوجد كائن ويتحقّق وجود، أما من التّركيب البشريّ فلا يحصل ثمر، لأنّ البشر لا يقدر على الإيجاد، والخلاصة أنّنا قلنا قد ظهرت الصّور والحقائق الّتي لا تتناهى والكائنات الّتي لا تنحصر من تركيب العناصر وامتزاجها وكيفيّتها وتراكيبها وموازينها وتأثير بعضها على بعض.

أمّا هذه الكرة الأرضية فمن الواضح أنّها لم تتكوّن دفعة واحدة على هيئتها الحاضرة، بل إنّ هذا الموجود الكلّيّ اجتاز أطواراً مختلفة بالتّدريج حتّى بلغ هذا الكمال، والموجودات الكلّيّة تقاس بالموجودات الجزئيّة وتطبّق عليها، لأنّ الموجود الكلّيّ والموجود الجزئيّ كليهما

تحت نظم طبيعيّ واحد وقانون كلّيّ وترتيب إلهيّ، مثلاً تجد الكائنات الذرّيّة ينطبق عليها في النّظام العامّ ما ينطبق على أعظم الكائنات، فمن الواضح أنّها تكوّنت في مصنع قدرة واحدة على نظم طبيعيّ واحد وقانون عامّ واحد، فلهذا يقاس بعضها ببعض، مثلاً إنّ نطفة الإنسان نشأت ونمت في رحم الأمّ بالتّدريج وأخذت صوراً من أطوار مختلفة حتّى وصلت إلى البلوغ في نهاية درجة من الجمال وتجلّت بهيئة كاملة في نهاية اللّطافة، وعلى هذا المنوال بذر هذه الزّهرة الّتي نشاهدها، فقد كان في بدايته شيئاً حقيراً في نهاية الصّغر ثمّ نشأ ونما في بطن الأرض ومرّ بصورٍ مختلفة إلى أن تجلّى بكمال الطّراوة واللّطافة في هذه الرّتبة. وكذلك من الواضح أنّ هذه الكرة الأرضيّة تكوّنت في رحم العالم، ونشأت ونمت ومرّت بصور وحالات مختلفة حتّى وصلت بالتّدريج إلى كمالها وزيّنت بمكوّنات غير متناهيّة وتجلّت في نهاية الإتقان.

إذاً اتّضح أنّ تلك المادة الأصليّة الّتي هي بمنزلة النّطفة كانت عناصرها المركّبة الممتزجة الأوّليّة موجودة، وهذا التّركيب نشأ ونما بالتّدريج في الأعصار والقرون، وانتقل من شكل وهيئة إلى شكل وهيئة أخرى حتّى بلغ هذا الكمال والنّظام والتّرتيب والإتقان بحكمة الله البالغة.

والآن فلنرجع إلى مسألة أنّ الإنسان في بدء الوجود نشأ ونما تدريجيّاً في رحم الكرة الأرضيّة كالنّطفة في رحم الأمّ، وانتقل من صورة إلى صورة ومن هيئة إلى هيئة حتّى تجلّى بهذا الجمال والكمال وهذه القوى والأركان، ويقيناً أنّه ما كان في البداية بهذه اللّطافة والجمال والكمال، بل وصل بالتّدريج إلى هذه الهيئة والشّمائل والحُسن والملاحة كنطفة الإنسان في رحم الأمّ، ولا شكّ أنّ النّطفة

البشريّة ما أخذت هذه الصّورة دفعة واحدة وما كانت مظهر قوله تعالى "فتبارك الله أحسن الخالقين" . لهذا أخذت حالات متنوّعة بالتّدريج وظهرت في هيئات مختلفة حتّى تجلّت بهذه الشّمائل وهذا الجمال والكمال والحسن واللّطافة، إذاً صار من الواضح المبرهن أنّ نشوء الإنسان ونموّه على الكرة الأرضيّة حتّى بلوغه هذا الكمال كان مطابقاً لنشوء الإنسان ونموّه في رحم الأمّ بالتّدريج وانتقاله من حال إلى حال ومن هيئة وصورة إلى هيئة وصورة أخرى، حيث أنّ ذلك تمّ بمقتضى النّظام العامّ والقانون الإلهيّ الكلّيّ، يعني تمرّ نطفة الإنسان بحالات مختلفة ودرجات متعدّدة حتّى ينطبق عليها قوله تعالى "فتبارك الله أحسن الخالقين" وتظهر فيها آثار الرّشد والبلوغ.

وعلى هذا المنوال كان وجود الإنسان على هذه الكرة الأرضيّة من البدء حتّى وصل إلى هذه الحال من الهيئة وجمال الأخلاق، بعد أن مضت عليه مدّة طويلة واجتاز درجات مختلفة، ولكنّه من بدء وجوده كان نوعاً ممتازاً.

كذلك نطفة الإنسان في رحم الأمّ كانت في أوّل أمرها بهيئة عجيبة، فانتقل هذا الهيكل من تركيب إلى تركيب ومن هيئة إلى هيئة ومن صورة إلى صورة حتّى تجلّت النّطفة في نهاية الجمال والكمال، ولكنّها عندما كانت في رحم الأمّ وفي تلك الهيئة العجيبة – الّتي تغاير تماماً ما هي عليه الآن من الشّكل والشّمائل – كانت نطفة نوع ممتاز لا نطفة حيوان، وما تغيّرت نوعيّتها وماهيّتها أبداً، وعلى فرض تحقّق وجود أثر لأعضاء تلاشت فإنّ هذا لا يكون دليلاً على عدم استقلال النّوع وأصالته، وغاية ما هنالك أنّ الهيئة والشّمائل والأعضاء الإنسانيّة قد ترقّت ولكنّها مع ذلك التّحوّل كانت نوعاً ممتازاً، وكان إنساناً لا

حيواناً، مثلاً لو انتقلت نطفة الإنسان في رحم الأمّ من هيئة إلى هيئة بحيث لا تشابه الهيئة الأولى بأيّ وجه من الوجوه فهل يكون ذلك دليلاً على أنّ النّوعيّة تغيّرت بأن كانت في البداية حيواناً ثمّ نشأت أعضاؤها وترقّت حتّى صارت إنساناً!! لا والله.

والخلاصة إنّ هذه النّظريّة في غاية من الضّعف وواهيّة الأساس لأنّ أصالة نوع الإنسان واستقلال ماهيّته واضحة مشهودة والسّلام.


الفرق بين الإنسان والحيوان

تكلّمنا غير مرّة في مسألة الرّوح لكنّ أقوالنا لم تُدوّن، فاعلم أنّ أهل العالم قسمان قسم ينكر وجود الرّوح ويقول إنّ الإنسان أيضاً نوع من الحيوان، لأنّنا نرى الحيوان مشتركاً مع الإنسان في القوى والحواسّ، وهذه العناصر البسيطة المفردة الّتي تملأ هذا الفضاء تتركّب بتراكيب غير متناهية ويظهر من كلّ تركيب كائن من الكائنات، ومن جملتها الكائنات ذوات الأرواح الّتي لها القوى والإحساس، وكلّما كان التّركيب أكمل كان ذلك الكائن أشرف، وإنّ تركيب العناصر في وجود الإنسان أكمل من تركيب جميع الكائنات، وامتزاجها في نهاية الاعتدال، لذا كان أشرف وأكمل، ويقولون إنّه ليس للإنسان قوّة وروح مخصوصة محروم منها سائر الحيوان، ويقولون إنّ الحيوان جسم حسّاس وأمّا الإنسان فأكثر منه إحساساً في بعض القوى (مع أنّ الحيوان أقوى من الإنسان إحساساً في القوى الظّاهرة الحسّاسّة

كالسّمع والبصر والذّوق والشّمّ واللّمس حتّى في بعض القوى الباطنيّة كالحافظة) ويقولون إنّ الحيوان له إدراك وشعور، غاية ما هنالك أنّ شعور الإنسان أكثر، وهذه أقوال الفلاسفة في هذا العصر.

هكذا قولهم وذلك زعمهم وبذا حكمت أوهامهم، وبعد شدّة البحث والاستدلال قالوا بأنّ الإنسان من سلالة الحيوان، يعني أنّ الإنسان كان وقتاً ما حيواناً ثمّ تغيّر نوعه وترقّى شيئاً فشيئاً حتّى وصل إلى درجة الإنسان، وأمّا الإلهيّون فيقولون إنّ الأمر ليس كذلك، فإنّه مهما كان الإنسان مشتركاً مع الحيوان في القوى والحواس الظّاهرة غير أنّه توجد في الإنسان قوّة خارقة للعادة محروم منها الحيوان، فهذه العلوم والفنون والاكتشافات والصّنائع وكشف الحقائق من نتائج تلك القوّة المجرّدة، وهذه القوّة قوّة محيطة بجميع الأشياء ومدركة لحقائقها وتكشف أسرار الكائنات المكنونة وتتصرّف فيها، حتّى تدرك الحقائق المعقولة وغير المحسوسة الّتي ليس لها وجود خارجيّ بل الذّي هو غيب كحقيقة العقل والرّوح والصّفات والأخلاق والحبّ والحزن الّتي هي جميعاً من الحقائق المعقولة، وفضلاً عن ذلك فهذه العلوم الموجودة والصّنائع المشهودة والمشروعات ومكتشفات الإنسان الّتي لا تتناهى كانت وقتاً ما سرّاً مكنوناً وغيباً مستوراً، كشفتها تلك القوّة المحيطة الإنسانيّة وأخرجتها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود، ومن جملتها البرق (التّلغراف) والحاكي وآلة التّصوير، فجميع هذه الاكتشافات والصّنائع العظيمة كانت وقتاً ما سرّاً مكنوناً كشفته تلك الحقيقة الإنسانيّة وأخرجته من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود، حتّى كانت وقتاً ما خواصّ هذا الحديد الذّي نشاهده بل جميع المعادن سرّاً مكنوناً.

فالحقيقة الإنسانيّة كشفت هذه المعادن وصاغتها على هذه الهيّئات الصّناعيّة، وقس على ذلك جميع الأشياء من اكتشافات واختراعات بشريّة غير متناهية، وهذه مسألة لا سبيل لإنكارها ولا يمكننا أن ننكرها، ولو نقول إنّ هذه من آثار القوى الحيوانيّة والحواسّ الجسمانيّة نرى ونشهد بوضوح أنّ الحيوان أعظم من الإنسان في هذه القوى، مثلاً بصر الحيوان أحدّ بكثير من بصر الإنسان، وقوّة سمعه أرهف بكثير من قوّة سمع الإنسان، وكذلك قوى الشّم والذّوق، والخلاصة إنّ أكثر الحيوان أشدّ قوّة في جميع القوى المشتركة بين الحيوان والإنسان، فلنضرب لك مثلاً في القوّة الحافظة، لو فرضنا أنّك أخذت حَمَامَاً من هنا إلى إقليم بعيد جدّاً وأطلقته هناك فإنّه يرجع إلى هنا وتبقى الطّرق مرتسمة فى حافظته، أو خذ كلباً من هنا إلى أواسط آسيا وأطلقه هناك فإنّه يرجع إلى هنا ولا يضلّ الطّريق أبداً، وكذلك قُل في سائر القوى كالسّمع والبصر والشّمّ والذّوق واللّمس.

إذاً اتّضح أنّه لو لم يكن في الإنسان قوّة غير القوّة الحيوانيّة لوجب أن يكون الحيوان أعظم من الإنسان في إدراك الحقائق والاكتشافات العظيمة، فتبيَّن من هذا الدّليل أنّ في الإنسان موهبة لا توجد في الحيوان، وفضلاً عن هذا فالحيوان يدرك الأشياء المحسوسة، وأمّا الحقائق المعقولة فلا يدركها، مثلاً يرى الحيوان كلّ ما يدخل تحت مدّ البصر، أمّا ما كان خارجاً عن مدّ البصر فلا يمكنه إدراكه ولا تصوّره، مثلاً لا يمكن للحيوان أن يدرك كرويّة الأرض، لأنّ الإنسان يستدلّ بالأمور المعلومة على الأمور المجهولة ويكشف الحقائق المجهولة، ومن ذلك أنّه يستنتج كرويّة الأرض من رؤية الآفاق المائلة (المنحنية) على الأرض، مثلاً إنّ النّجمة القطبيّة في عكّاء على

33° يعني مرتفعة عن الأفق 33°، وعندما يتّجه الإنسان نحو القطب الشّمالي فإنّه كلّما يقطع مسافة درجة يجد النّجمة القطبيّة تصعد درجة في الأفق، يعني يجد ارتفاع النّجمة 34° حتّى يصل ارتفاعها إلى 40°، 50°، 60°، 70°، ولو يصل إلى قطب الأرض يصل ارتفاع القطب إلى 90°. ويكون سمت الرّأس وارتفاع هذا القطب فوق الرّأس أمراً محسوساً، وهذا الصّعود أيضاً أمر محسوس لأنّه كلّما اتجه نحو القطب يكون النّجم أرفع، فيكشف من هذين الأمرين المعلومين أمراً مجهولاً، وهو أنّ الأفق مائل يعني أنّ أفق كلّ درجة من الأرض غير أفق الدّرجة الأخرى، وهذه الكيفيّة يدركها الإنسان ويستدلّ بها على أمر مجهول وهو كروّية الأرض.

أمّا الحيوان فلا يمكنه إدراك هذا، وكذلك لا يمكن للحيوان أن يدرك أنّ الشّمس مركز والأرض تتحرّك حولها، لأن الحيوان أسير الحواسّ ومقيّد بها ولا يمكنه إدراك ما وراء الحسّ أيّ الأشياء الّتي لا تدركها الحواسّ، والحال أنّ الحيوان أعظم من الإنسان في القوى والحواسّ الظّاهرة، إذاً ثبت وتحقّق أنّ في الإنسان قوّة كاشفة بها امتاز عن الحيوان وهي الرّوح الإنسانيّ.

سبحان الله، الإنسان متوجّه دائماً إلى العُلا وهمّته عالية ويريد دائماً أن يصل إلى عالم أعظم من العالم الذّي هو فيه وأن يصعد إلى درجة أرقى من درجته الّتي هو فيها، فحُبّ الرّفعة والعلوّ من خصائص الإنسان، وإنّي لمتحيّر من بعض فلاسفة أميركا وأوروبا كيف رضوا أن يتدنّوا بأنفسهم إلى عالم الحيوان ويطلبوا الرّقيّ المعكوس، مع أنّ الوجود يجب أن يكون توجّهه نحو العلوّ، والحال أنّك لو قلت له أنّك حيوان يتكدّر خاطره كثيراً ويتبرّم جدّاً، فأين عالم الإنسان

من عالم الحيوان، وأين الكمالات الإنسانيّة من الجهالة الحيوانيّة، وأين نورانيّة الإنسان من الظّلمانيّة الحيوانيّة، وأين العزّة الإنسانيّة من الذلّة الحيوانيّة، إنّ طفلاً عربيّاً في سنّ العاشرة يستطيع أن يرعى ويقود مائتين أو ثلثمائة من الإبل في البادية بصيحة واحدة منه، كما أنّ هنديّاً نحيفاً يقدر أن يخضع الفيل مع عظمته بحيث ينقاد له ويكون في نهاية الطّاعة، فجميع الأشياء مسخّرة للإنسان والإنسان يقاوم الطّبيعة بينما جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة، وليس لأحدها أن ينفكّ عن مقتضياتها إلاّ الإنسان، فإنّه هو الّذي يقاوم الطّبيعة، فالطّبيعة تجذب الأجسام نحو مركز الأرض بينما الإنسان بالوسائط يبتعد عن المركز ويطير في الهواء، الطّبيعة مانعة للإنسان من عبور البحر ولكنّ الإنسان يصنع السّفينة ويسير في عرض المحيط الأعظم وقس على ذلك.

إنّ هذا الموضوع مترامي الأطراف، فمثلاً الإنسان بالمخترعات يصعد الجبال ويخترق الصّحارى ويحيط بأخبار الشّرق والغرب وهو في نقطة واحدة، وكلّ هذا مضادّ للطّبيعة، فالبحر بعظمته لا يمكنه أن يخرج قيد شعرة عن حكم الطّبيعة، والشّمس مع عظمتها لا يمكنها الخروج عن حكم الطّبيعة رأس إبرة، ولا يمكنها أبداً أن تدرك شؤون الإنسان وأحواله وطبيعته وخواصّه وحركاته، فما هي إذاً هذه القوّة الّتي توجد في الجسم الإنسانيّ الصّغير المحيطة بجميع هذه الأشياء، وما هي هذه القوّة القاهرة الّتي تجعل جميع الأشياء مسخّرة له.

بقي شيء واحد وهو أنّ الفلاسفة الحديثين يقولون إنّنا لم نشاهد الرّوح مطلقاً في الإنسان، وكلّما تحريّنا في خفايا الجسد الإنسانيّ

لا نحسّ بقوّة معنويّة فكيف نتصوّر تلك القوى الّتي لا نحسّها، فيقول الإلهيّون في الجواب، إنّ روح الحيوان أيضاً غير محسوس ولا يدرك بهذه القوى الجسمانيّة، فبأيّ شيء نستدلّ على وجود روح الحيوان، لا شك أنّك تستدل بالآثار على أنّ في هذا الحيوان قوّة ليست في النّبات وهي القوّة الحسّاسّة، يعني الباصرة والسّامعة إلى غير ذلك من القوى، ومن هذا يستدلّ على وجود الرّوح الحيوانيّ، وبمثل ذلك يعلم من تلك الدّلائل والآثار الّتي سبق ذكرها وجود الرّوح الإنسانيّ، ولمّا كانت في الحيوان آثار لا توجد في النّبات إذاً نقول إنّ هذه القوّة الحسّيّة من خصائص الرّوح الحيوانيّ، وكذلك ترى في الإنسان آثاراً وقوى وكمالات لا توجد في الحيوان، فتستدلّ أنّ في الإنسان قوّة محروم منها الحيوان، ولو أنّنا ننكر كلّ شيء غير محسوس للزم أن ننكر الحقائق المسلّمة الوجود، مثلاً إنّ المادّة الأثيريّة غير محسوسّة والحال أنّها محقّقة الوجود، والقوّة الجاذبة ليست بمحسوسّة وهي محقّقة الوجود، فبأيّ شيء نحكم على وجودها أليس ذلك بآثارها؟ فمثلاً هذا النّور هو تموّجات المادّة الأثيريّة ومن هذه التّموّجات نستدلّ على وجودها.

مسألة النّشوء والارتقاء للكائنات

السّؤال: ماذا ترون فيما يقوله بعض فلاسفة أوروبا في مسألة النّشوء والارتقاء للكائنات؟

الجواب: سبق أن تكلّمنا عن هذه المسألة ولكنّنا سنتكلّم فيها

مرّةً أخرى، مجمل القول أنّ الكلام في هذه المسألة سينتهي إلى تقرير أصالة النّوع الإنسانيّ أو عدم أصالته، يعني هل النّوع الإنسانيّ كان أصلاً مستقلاً بنفسه أم تفرّع بعدئذ عن الحيوان، فبعض فلاسفة أوروبا متّفقون على أنّ للنّوع نشوءاً وارتقاءً بل إنّ التّبديل والتّغيير ممكن أيضاً، ومن جملة الأدلّة الّتي يقيمونها لإثبات هذه النّظريّة أنّه بواسطة علم طبقات الأرض والتّدقيق والتّحقيق فيها ظهر واتّضح لهم أسبقيّة وجود النّبات على الحيوان وأسبقيّة وجود الحيوان على الإنسان، واتّفقوا على أنّ جنس الحيوان والنّبات كليهما تغيّر، لأنّه اكتشف في بعض طبقات الأرض نباتات كانت موجودة في القديم وهي الآن مفقودة، بمعنى أنّها ترقّت وصارت أقوى وتبدّلت هيئتها وشكلها، لهذا تبدّل النّوع، وكذلك وجد في طبقات الأرض أنواع من الحيوان تغيّرت وتبدّلت، ومن جملة الأنواع الحيوانيّة الثّعبان الذّي توجد له أعضاء يستدلّ منها أنّه كان يوماً ما ذا أرجل، ولكنّها تلاشت بمرور الزّمان وبقيت آثارها محفوظة، وكذلك توجد آثار في العمود الفقريّ للإنسان ويستدلّ منها على أنّه كان يوماً ما له ذيل كسائر الحيوان، ومتّفقون على أنّ آثاره لا تزال باقية، وكان ذلك العضو مفيداً وقتاً ما، ولمّا ترقّى الإنسان لم يبقَ لذلك العضو فائدة وتلاشى بالتّدريج، ولمّا اتّخذ الثّعبان مأواه في باطن الأرض وصار من الحيوان الزّاحف أصبح في غنى عن الأرجل، ولذلك تلاشت ولكن آثارها باقية، وأعظم برهان لديهم هو أنّ وجود آثار هذه الأعضاء يدلّ على أنّها كانت موجودة وانمحت تدريجيّاً لعدم فائدتها، وليس لتلك الأجزاء الأثريّة الآن من حكمة أو فائدة، فبناءً عليه بقيت الأعضاء اللاّزمة الكاملة وزالت بالتّدريج الأعضاء الّتي لا لزوم لها لتغيّر النّوع ولكنّ أثرها باقٍ.

والجواب: أوّلاً إنّ أسبقيّة الحيوان على الإنسان ليست دليلاً على ترقّي النّوع وتغييره وتبديله وعلى أنّه تطوّر من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، لأنّه ما دام حدوث الكائنات المختلفة مسلّماً به فمن الجائز أن يكون وجود الإنسان بعد وجود الحيوان، كما أنّنا نلاحظ في عالم النّبات أنّ أثمار الأشجار المختلفة لا توجد كلّها دفعة واحدة، بل ينضج بعضها قبل البعض الآخر، فتلك الأسبقيّة ليست دليلاً على أنّ ثمرة متأخرّة النّضوج لشجرة ما إنّما نتجت من ثمرة مبكّرة النّضوج لشجرة أخرى.

ثانياً إنّ هذه الإمارات الصّغيرة والأجزاء الأثريّة ربّما تكون لها حكمة عظيمة لم تصل إليها العقول حتّى الآن، وكم من موجود لم تعلم حكمة وجوده إلى الآن، كما أنّه مذكور في علم الفيسيولوجيا (يعني معرفة تركيب الأعضاء) أنّ حكمة اختلاف ألوان الحيوان وشعر الإنسان واحمرار الشّفاه وتنوّع ألوان الطّيور غير معلومة إلى الآن بل هي مخفيّة مستورة، ولكنّ حكمة سواد حدقة العين فقد عُلِمَ أنّها لجذب أشعّة الشّمس، لأنّها لو كانت لوناً آخر أبيض ناصعاً مثلاً ما جذبت أشعّة الشّمس، إذاً ما دامت حكمة هذه الأمور المذكورة مجهولة، فجائز أن تكون حكمة الأجزاء الأثريّة وعلّتها سواء في الحيوان أو الإنسان أيضاً غير معلومة ولكن لا بدّ لها من حكمة ولو أنّها لم تعلم الآن.

ثالثاً نفرض أنّه كان في وقت ما لبعض الحيوان حتّى الإنسان عضو وزال الآن، فليس هذا ببرهان كافٍ على تغيّر النّوع وترقيته، لأنّ الإنسان من بداية انعقاد النّطفة حتّى يصل إلى درجة البلوغ يأخذ هيئات وأشكال متنوّعة، تتغيّر فيها سيماه وهيئته وشكله ولونه

بالكلّيّة، يعني يتحوّل من هيئة إلى هيئة أخرى ومن شكل إلى شكل آخر، ومع ذلك فإنّه من بداية انعقاد النّطفة كان من نوع الإنسان، يعني أنّ تلك النّطفة كانت نطفة إنسان لا حيوان، ولكنّها كانت مخفيّة ثمّ ظهرت وبرزت، مثلاً نفرض أنّ الإنسان كان مشابهاً للحيوان وقتاً ما وترقّى الآن وتغيّر، فعلى فرض التّسليم بهذا القول لا يكون دليلاً على تغيّر النّوع بل يكون بمثابة تغيّر نطفة الإنسان وتبدّلها حتّى تصل إلى درجة الرّشد والكمال كما ذكر، وبأوضح من هذا نقول لنفرض أنّ الإنسان كان يمشي على أربع (يديه ورجليه) أو كان له ذنب فهذا التّغيّر والتّبدّل كتغيّر الجنين وتبدّله في رحم أمّه، فمهما تغيّر في نشوئه وترقّيه من جميع الجهات حتّى وصل إلى هذه الهيئة التّامة فإنّه في البداية كان نوعاً مخصوصاً، كما أنّنا نلاحظ أيضاً في عالم النّبات أنّ نوعيّة الفصيلة الأصليّة لا تتغيّر ولا تتبدّل، ولكنّ الهيئة واللّون والحجم هي الّتي تتغيّر وتتبدّل أو تترقّى.

وخلاصة القول أنّ الإنسان ولو أنّه انتقل في رحم الأمّ من شكل إلى آخر ومن هيئة إلى أخرى متغيّراً مترقّياً، فإنّه مع ذلك كان من بداية النّطفة نوع الإنسان، وكذلك الإنسان من بدء تكوينه في رحم العالم كان نوعاً ممتازاً أيضاً، أي كان إنساناً وانتقل من هيئة إلى هيئة أخرى بالتّدريج، إذاً فتغيّر الهيئة وترقّي الأعضاء والنّشوء والنّمو لا يكون مانعاً من أصالة النّوع واستقلاله، هذا على فرض تصديق نشوء الأنواع وترقّيها، والحال أنّ الإنسان كان من البداية على هذه الهيئة والتّركيب الكامل، وكانت له قابليّة واستعداد لاكتساب الكمالات الصّوريّة والمعنويّة، وكان مظهر (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا) وغاية ما هنالك أنّه صار أحسن وأظرف وأجمل، وصارت المدنيّة سبباً

في إخراجه من حالته الوحشيّة كأثمار الغابات الّتي تتربى بواسطة البستانيّ وتصير ألذّ وأشهى وأكثر لطافة وطراوة، وبستانيّو العالم الإنسانيّ هم أنبياء الله.


البراهين الإلهيّة على أصل الإنسان ومبدئه

إنّ الدّلائل الّتي أقمناها على أصالة نوع الإنسان كانت أدلّة عقليّة، فلنشرع الآن في الأدلّة الإلهيّة وهي أصل الدّليل، لأنّنا أثبتنا الألوهيّة بالأدلّة العقليّة، وكذلك ثبت بالأدلّة العقليّة أنّ الإنسان كان إنساناً من أصله ومبدئه ونوعيّته قديمة، فلنقم الآن البراهين الإلهيّة على لزوم الوجود الإنسانيّ أي وجود نوعه، إذ بدون وجود الإنسان لا تتجلّى الكمالات الرّبانيّة، أمّا هذه الدّلائل فهي إلهيّة لا عقليّة، لأنّه قد ثبت بالدّلائل والبراهين مرّات عديدة أنّ الإنسان أشرف الممكنات وجامع جميع الكمالات، وإنّ جميع الكائنات والموجودات مواقع التّجلّيّات الإلهيّة، يعني أنّ آثار ألوهيّة الله ظاهرة في حقائق الموجودات وفي جميع الكائنات، فكما أنّ أشعّة الشّمس تسطع على الكرة الأرضيّة، يعني نور الشّمس وحرارتها وتأثيرها ظاهر باهر في كلّ ذرّات الكرة الأرضيّة، كذلك ذرّات عموم الكائنات في هذا الفضاء الذّي لا يتناهى كلّ منها يدلّ وينطق عن كمال من الكمالات الإلهيّة، وليس هناك كائن محروم من هذا، فهو إمّا أن يكون آية رحمة الحقّ يعني يدلّ على رحمة الله، أو آية قدرة الحقّ، أو آية عظمة الحقّ، أو آية عدل الحقّ، أو آية ربّانيّة الحقّ الذّي يربّي، أو آية كرم الحقّ، أو آية بصر الحقّ،

أو آية سمع الحقّ، أو آية علم الحقّ، أو آية نعمة الحقّ، وقس على ذلك.

والمراد من هذا أنّه لا بدّ لكلّ كائن من الكائنات أن يكون مركزاً للتّجلّيّات الرّبانيّة، أي تظهر وتتجلّى فيه الكمالات الإلهيّة، مثلما تتجلّى الشّمس على الصّحارى والبحار والأشجار والأثمار والأزهار وكلّ الكائنات الأرضيّة، فعالم الكائنات أي كلّ كائن من الموجودات يحكي عن اسم من أسماء الله، وأمّا الحقيقة الإنسانيّة فهي حقيقة جامعة، حقيقة كلّيّة تتجلّى فيها جميع الكمالات الإلهيّة، يعني أنّ كلّ اسمٍ وصفةٍ وكمالٍ نثبّته للحقّ ففي الإنسان آية وأثر منه، لأنّها لو لم تكن موجودة في الإنسان لما أمكنه أن يتصوّر هذه الكمالات أو يدركها، مثلاً نقول أنّ الله بصير فهذه العين هي آية بصره، ولو لم يكن هذا البصر في الإنسان فكيف يمكننا أن نتصوّر البصيرة الإلهيّة، لأنّ الأكمه الذّي ولد أعمى لا يمكنه أن يتصوّر البصر، والأصمّ الذّي ولد أصمّ لا يمكنه تصوّر السّمع، والميِّت لا يتصوّر الحياة، لذا تجلّت الرّبوبيّة الإلهيّة الجامعة لجميع الكمالات في حقيقة الإنسان، يعني أنّ الذّات الأحديّة الجامعة لكلّ الكمالات تجلت من هذا المقام تجلّياً على حقيقة الإنسانيّة، يعني أشرقت شمس الحقيقة في هذه المرآة وإذاً فالإنسان هو المرآة الكاملة المقابلة لشمس الحقيقة ومحلّ سطوعها، وتجلّي الكمالات الإلهيّة ظاهر في حقيقة الإنسان، لهذا أصبح خليفة الله ورسول الله، إذ لولا الإنسان لما كان لعالم الوجود نتيجة، فالمقصود إذاً من الوجود هو ظهور الكمالات الإلهيّة، ولهذا لا يمكن أن نقول أنّه كان زمن ولم يكن فيه إنسان، وكلّ ما يمكن أن نقول هو أنّ هذه الكرة الأرضيّة لم تكن موجودة في زمن ما، ولكنّ هذا المظهر الكامل موجود من الأوّل الذّي

لا أوّل له، ويكون إلى الآخر الذّي لا آخر له، وهذا الإنسان الذّي نتكلّم عنه ليس المقصود منه كلّ إنسان بل المقصود الإنسان الكامل، لأنّ أشرف عضو في الشّجرة هو الثّمر وهو المقصود الأصليّ، وإن لم يكن للشّجرة ثمر فهي مهملة لا قيمة لها، لهذا لا يمكن أن يتصوّر أنّ عالم الوجود سواء أكان علويّاً أم سفليّاً كان معموراً بالحمار والبقر والفأر والقطّ ومحروماً من الإنسان، فهذا التّصوّر باطل ومهمل، وكلام الحقّ واضح كالشّمس، وهذا دليل إلهيّ لكن لا تمكن إقامته للمادّيّين في أوّل القول بل يجب أوّلاً ذكر الدّليل العقليّ ثمّ الدّليل الإلهيّ.


الرّوح والعقل يظهران في الإنسان حين ولادته

السّؤال: هل للإنسان عند ولادته عقل وروح؟ أم أنّهما يظهران تدريجيّاً تبعاً لنموّه. أو أنّه لا يحصل عليهما إلاّ بعد كمال نموّه؟

الجواب: إنّ ابتداء تكوين الإنسان على سطح الكرة الأرضيّة يشبه تكوينه في رحم الأمّ، فالنّطفة تنشأ وتنمو في رحم الأمّ بالتّدريج حتّى الولادة ثمّ تستمرّ في النّمو والنّشوء حتّى تصل إلى درجة الرّشد والبلوغ، ولو أنّه في دور الطّفولة يظهر للعقل والرّوح آثار في الإنسان إلا أنّهما ليسا في رتبة الكمال بل يكونان ناقصين، وعندما يصل إلى درجة البلوغ يظهر العقل والرّوح في نهاية الكمال، وكذلك كان تكوين الإنسان في رحم العالم في أوّل أمره كتكوين النّطفة، ثمّ ترقّى تدريجيّاً في مراتبه ونما ونشأ حتّى وصل إلى رتبة البلوغ، وحينئذ


ظهر العقل والرّوح في الإنسان في نهاية الكمال، وكان العقل والرّوح موجودين أيضاً في بداية تكوينه ولكنّهما كانا مكنونين ثمّ ظهرا، لأنّ العقل والرّوح موجودان أيضاً في النّطفة في عالم الرّحم، ولكنّهما مكنونان ثمّ يظهران، كالحبّة إذ توجد فيها الشّجرة ولكنّها مكنونة مستورة، حتّى إذا نشأت ونمت تظهر الشّجرة بتمامها، كذلك نشوء ونمو جميع الكائنات يكون تدريجيّاً ، هذا هو القانون الكلّيّ الإلهيّ والنّظم الطّبيعيّ، فالحبّة لا تكون شجرة بغتة، ولا تكون النّطفة إنساناً دفعة واحدة، ولا يكون الجماد حجراً مرّة واحدة، بل بالنّشوء والنّمو بالتّدريج حتّى تصل إلى حدّ الكمال. فجميع الكائنات من كلّيّات وجزئيّات خلقت من مبدئها تامّة كاملة، غير أنّ كمالها يظهر بالتّدريج، والقانون الإلهيّ واحد وترقّيات الوجود واحدة، والنّظام الإلهيّ واحد في جميع الكائنات، صغيراً كان أم كبيراً، والكلّ تحت قانون واحد، ونظام واحد، وكلّ حبّة مودع فيها من البداية جميع الكمالات النّباتيّة، فمثلاً هذه الحبّة موجود فيها من البداية جميع الكمالات النّباتيّة ولكنّها كانت مخفيّة ثمّ ظهرت بعد بالتّدريج، مثلاً ظهر من الحبّة أوّلاً السّاق ثمّ الأغصان ثمّ الأوراق ثمّ البراعم ثمّ ظهر الثّمر، وكلّ هذا من بداية تكوينها موجود فيها بالقوّة ولو أنّه غير ظاهر، وكذلك النّطفة من البداية حائزة لجميع الكمالات كالرّوح والعقل والبصر والشّامّة والذائقّة وبالاختصار جميع القوى ولكنّها غير ظاهرة ثمّ تظهر بالتّدريج، وكذلك خلقت الكرة الأرضيّة من المبدأ مع جميع عناصرها وموادّها ومعادنها وأجزائها وترتيبها، ولكنّ ظهور كلّ منها كان بالتّدريج، فقد ظهر أوّلاً الجماد ثمّ النّبات ثمّ الحيوان ثمّ الإنسان، أمّا في البداية فكانت هذه الأجناس والأنواع موجودة كامنة في الكرة الأرضيّة ثمّ ظهرت بالتّدريج، لأنّ هذا هو شأن القانون الأعظم الإلهيّ والنّظام الطّبيعيّ

العموميّ الذّي يحيط بجميع الكائنات والكلّ تحت حكمه، إذا نظرت إلى هذا النّظام العموميّ رأيت أنّ كلّ كائن من الكائنات لا يصل إلى حدّ الكمال بمجرد التّكوين، بل إنّما ينشأ وينمو بالتّدريج حتّى يصل إلى درجة الكمال.



حكمة ظهور الرّوح في الجسد

السّؤال: ما حكمة وجود الرّوح في الجسد؟

الجواب: حكمة ظهور الرّوح في الجسد هي أنّ الرّوح الإنسانيّ وديعة رحمانيّة يجب أن تسير في جميع المراتب، لأنّ سيرها وحركتها في جميع مراتب الوجود يكون سبباً لاكتسابها الكمالات، مثلاً لو أنّ إنساناً يسير في الأقاليم المختلفة ويتنقّل في الممالك المتعدّدة بنظام وترتيب لا شكّ أنّ ذلك يؤدّي إلى كسب الكمال، لأنّه يشاهد مختلف البلدان والمناظر والممالك، ويطّلع على شؤون سائر الأمم وأحوالها، ويحيط علماً بجغرافية البلدان ويرى صنائع الممالك وبدائعها، ويطّلع على عادات الشّعوب وأخلاقها وتقاليدها ويرى نتائج المدنيّة ورقيّ العصر، ويقف على سياسة الحكومات ومقدرة كلّ مملكة وكفاءتها، وكذلك روح الإنسان عندما تسير في مراتب الوجود وتنال كلّ رتبة ومقام، لا شكّ أنّها تكتسب الكمالات حتّى وهي في الرّتبة الجسمانيّة، وفضلاً عن هذا فإنّه يجب أن تظهر آثار كمالات الرّوح في هذا العالم حتّى يحصل الكون على نتائج غير متناهية، وتحلّ الرّوح في جسد الإنسان وتتجلّى الفيوضات الإلهيّة، مثلاً يجب أن يسطع شعاع

الشّمس على الأرض لتتربّى الكائنات الأرضيّة بحرارتها، وإن لم تفض الشّمس بحرارتها وتسطع بأشعّتها على الأرض لظلّت صعيداً جرزاً دون نموّ وحياة، وكذلك إذا لم تظهر كمالات الرّوح في هذا العالم يصير عالماً ظلمانيّاً حيوانيّاً محضاً، ولكن بظهور الرّوح في الهيكل الجسمانيّ يصير هذا العالم نورانيّاً، فكما أنّ روح الإنسان هي سبب حياة جسده، فكذلك العالم بمنزلة الجسد والإنسان بمنزلة روحه. فلولا الإنسان وظهور كمالات الرّوح وتجلّي أنوار العقل في هذا العالم لكانت الدّنيا جسداً بدون روح، وكذلك هذا العالم بمنزلة الشّجر والإنسان بمنزلة الثّمر، فلولا الثّمر لكان الشّجر عديم الفائدة، وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه العناصر والأجزاء وهذا التّركيب في جسم الإنسان إنّما تجذب الرّوح وتعدّ مغناطيساً لها، فلا بدّ إذاً من ظهور الرّوح ، ومثلها في ذلك كمثل المرآة الصّافية الّتي لا بدّ وأنّها تجذب أشعّة الشّمس وتستضيء وتظهر فيها الانعكاسات العظيمة، يعني لو اجتمعت هذه العناصر الكونيّة وتركّبت على النّظم الطّبيعيّ في كمال الإتقان لصارت مغناطيس الرّوح، ولتجلّى الرّوح فيها بجميع الكمالات، فلا يقال في هذا المقام بعد ذلك ما لزوم تنزل شعاع الشّمس في المرآة؟ لأنّ الارتباط بين حقائق الأشياء سواء أكان روحانيّاً أم جسمانيّاً يقتضي ذلك، وهو أنّه إذا وُضِعَت المرآة بحيث تقابل الشّمس لظهر شعاع الشّمس فيها، وهكذا لمّا تتركّب العناصر وتمتزج على أشرف نظم وترتيب وأسلوب تظهر روح الإنسان وتتجلّى فيها (وذلك تقدير العزيز العليم) .


العلاقة بين الحقّ والخلق

السّؤال: ما حقيقة العلاقة بين الحقّ والخلق أي بين الله تعالى وسائر الكائنات؟

الجواب: إنّ علاقة الحقّ بالخلق علاقة الموجد بالموجود، وهي كعلاقة الشّمس بالأجسام المظلمة من الممكنات، وعلاقة الصّانع بالمصنوعات، فالشّمس في حدّ ذاتها مقدّسة عن الأجسام المستنيرة، بل نور الشّمس أيضاً في حيّز ذاته مقدّس مستغن عن الكرة الأرضيّة، وإن كانت الكرة الأرضيّة تحت تأثير الشّمس مستفيضة من أنوارها، ولكنّ الشّمس وشعاعها مقدّسان عنها، فلولا الشّمس ما شوهدت الكرة الأرضيّة وجميع ما فيها من الموجودات.

إنّ قيام الخلق بالحقّ قيام صدوريّ، يعني أنّ الخلق صادر من الحقّ وليس ظاهراً منه، فتعلّقه تعلّق صدوريّ لا ظهوريّ، فأنوار الشّمس صدرت عن الشّمس وما ظهرت منها، فالتّجلّي الصّدوريّ كتجلّي الشّعاع من نيّر الآفاق، يعني أنّ الذّات المقدّسة (شمس الحقيقة) لا تقبل التّجزّؤ ولا تتنزّل إلى رتبة الخلق، كما أنّه ليس لكرة الشّمس أن تتجزّأ أو تتنزّل على الكرة الأرضيّة، بل إنّ شعاع الشّمس فيض صادر عنها وينير الأجسام المظلمة، وأمّا التّجلّي الظّهوريّ فهو كظهور الأفنان والأوراق والأزهار والأثمار من الحبّة، إذ أنّ الحبّة بذاتها تصير أفناناً وأثماراً، فتنزل حقيقتها في الأغصان والأوراق والأثمار، وهذا التّجلّي الظّهوريّ نقص صرف وممتنع ومستحيل في حقّ الباري

تعالى، لأنّه يلزم من ذلك اتّصاف القدم المحض بصفة الحدوث، ويصير الغنيّ الصّرف فقراً محضاً وحقيقة الوجود عدماً وهذا مُحال، لهذا صدرت جميع الكائنات من الحقّ، يعني أنّ ما تتحقّق به الأشياء هو الحقّ، والممكنات وجدت به، وأوّل ما صدر عن الحقّ هو تلك الحقيقة الكلّيّة الّتي تسمّى في اصطلاح الفلاسفة الأقدمين بالعقل الأوّل، وباصطلاح أهل البهاء المشيئة الأولى، وهذا الصّدور من حيث الفعل لا يحدّ في عالم الحقيقة بالزّمان والمكان، لا أوّل له ولا آخر، فالأوّليّة والآخريّة بالنّسبة إلى الحقّ على حدّ سواء، وقِدَم الحقّ قِدَم ذاتيّ زمانيّ، وحدوث الإمكان حدوث ذاتيّ لا زمانيّ كما سبق بيانه من قبل على المائدة، وأنّ لا أوّلية العقل الأوّل لا تجعله شريكاً للحقّ في القدم، ذلك لأنّ وجود الحقيقة الكلّيّة بالنّسبة إلى وجود الحقّ عدم صرف وليس لها حكم الوجود حتّى تكون شريكة ومماثلة في القدم، وقد تمّ بيان هذه المسألة سابقاً، أمّا وجود الأشياء فحياتها عبارة عن التّركيب ومماتها عبارة عن التّحليل، وأمّا المادّة والعناصر الكلّيّة فإنّها لا تنعدم مطلقاً، بل انعدامها عبارة عن تحوّلها، مثلاً إذا انعدم الإنسان يصير تراباً ولكنّه لا ينعدم انعداماً صرفاً، بل له وجود ترابيّ ولكن حصل تحوّل وعرض لذلك التّركيب تحليل، وقس على هذا انعدام سائر الموجودات، لأنّ الوجود لا يصير عدماً محضاً والعدم المحض لا يصير وجوداً.

قيام الأرواح بالحقّ

السّؤال: ما معنى قيام الأرواح بالحقّ حيث يقول في التّوراة ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حيّة؟

الجواب: اعلم أنّ القيام على قسمين: قيام وتجلّ صدوريّ وقيام وتجلّ ظهوريّ، فالقيام الصّدوري كقيام الصّنع بالصّانع يعني مثلاً الكتابة بالكاتب، فهذه الكتابة صادرة من الكاتب وهذا النّطق من هذا النّاطق، وكذلك الرّوح الإنسانيّ صدرت من الحقّ لا أنّها ظهرت منه، يعني لم ينفكّ جزء من حقيقة الألوهيّة ودخل في جسد آدم، بل إنّ ظهور الرّوح في جسده كصدور النّطق من النّاطق، وأمّا القيام الظّهوريّ فهو ظهور حقيقة الشّيء بصور أخرى، كقيام الشّجرة من البذرة وقيام الورد من بذرة الورد، لأنّ نفس البذرة ظهرت بصورة الأغصان والأوراق والأزهار، ويقال لهذا قيام ظهوريّ، فقيام الرّوح الإنسانيّ بالحقّ قيام صدوريّ، كصدور النّطق من النّاطق، والكتابة من الكاتب، يعني لا تصير نفس النّاطق نطقاً ولا نفس الكاتب كتابة، بل لها قيام صدوريّ، لأنّ النّاطق في كمال القدرة والقوّة، غير أنّ النّطق يصدر منه كصدور الفعل من الفاعل، والنّاطق الحقيقيّ أي الذّات الأحديّة، لم يزل كان على حالة واحدة لا تغيير ولا تبديل ولا تحويل ولا انقلاب وهو أبديٌّ سرمديٌّ، فبناء على هذا يكون قيام الرّوح الإنسانيّ بالحقّ قياماً صدوريّاً، وإنّ ما ذكر في التّوراة من قوله نفخ الله في آدم روحاً، فهذه الرّوح كالنّطق الصّادر من النّاطق الحقيقيّ أثّرت في حقيقة آدم.

وأمّا القيام الظّهوري – فإن كان المقصود منه التّجلّي وليس تجزّءاً – فقد قلنا أنّ ذلك هو قيام وتجلّي الرّوح القدس والكلمة بالحقّ، ويقول في إنجيل يوحنّا (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله) إذاً فالرّوح القدس والكلمة هي تجلّي الحقّ، والرّوح والكلمة هما عبارة عن الكمالات الإلهيّة الّتي تجلّت في حقيقة حضرة المسيح – وكانت تلك الكمالات عند الله – كتجلّي الشّمس في المرآة وظهورها بتمامها، لأنّ المقصود من الكلمة ليس جسد المسيح، بل المقصود هو الكمالات الإلهيّة الّتي ظهرت في المسيح، لأنّه كان كمرآة صافية أمام شمس الحقيقة، وكمالات شمس الحقيقة يعني ضياؤها وحرارتها ظاهران مشهودان في تلك المرآة، وحينما ننظر في المرآة نرى الشّمس فيها فنقول هذه هي الشّمس، إذاً فالكلمة والرّوح القدس اللّذان هما عبارة عن الكمالات الإلهيّة هما التّجلّي الإلهيّ، هذا هو معنى آية الإنجيل القائلة (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الله الكلمة) لأنّ الكمالات الإلهيّة ليست منفصلة عن ذات الأحديّة، وكمالات المسيح تدعى الكلمة، لأنّ جميع الكائنات بمنزلة الحروف وليس للحرف معنى مستقل، ولكنّ كمالات حضرته لها مقام الكلمة، لأنّ الكلمة تؤدّي معنى جامعاً تامّاً، وبما أنّ الحقيقة المسيحيّة هي ظهور الكمالات الإلهيّة فمن هذه الوجهة عبّر عنها بالكلمة.

واعلم أنّ قيام الكلمة والرّوح القدس بالحقّ هو قيام تجلّ ظهوريّ، ولا يتصوّر منه أنّ حقيقة الألوهيّة تجزّأت أو تعدّدت أو تنزّلت من علوّ التّقديس والتّنزيه، حاشا ثمّ حاشا! إذ لو أنّ مرآة صافية لطيفة واجهت الشّمس لتجلّت فيها أنوار الشّمس وحرارتها وصورتها ومثالها تجلّياً ظهوريّاً، بحيث لو يقول النّاظر إلى الشّمس المتشعشعة المشهودة

في تلك المرآة الصّافية اللّطيفة هذه هي الشّمس يكون صادقاً، ولكنّ المرآة مرآة والشّمس شمس، ولو تتجلّى الشّمس في مرايا متعدّدة فهي شمس واحدة، فهذا المقام لا حلول له ولا دخول ولا امتزاج ولا نزول، لأنّ الدّخول والحلول والنّزول والخروج والامتزاج من لوازم الأجسام وخواصها لا الأرواح، فكيف بالحقيقة المقدّسة المنزّهة الحضرة الإلهيّة، (تبارك الله عن كلّ ما لا ينبغي لتنزيهه وتقديسه وتعالى علوّاً كبيراً).

فشمس الحقيقة كما قلنا لم تزل كانت على حالة واحدة لا تغيير لها ولا تبديل ولا تحويل ولا انقلاب أزليّة سرمديّة، ولكنّ الحقيقة المقدّسة كلمة الله بمنزلة المرآة الصّافيّة اللّطيفة النّورانيّة تجلّت فيها حرارة الشّمس وضياؤها وصورتها ومثالها، أي تجلّت فيها كمالات شمس الحقيقة، هذا معنى ما يقوله حضرة المسيح في الإنجيل (الأب في الابن) يعني تجلّت شمس الحقيقة في هذه المرآة (سبحان من أشرق على هذه الحقيقة المقدّسة من الكائنات).


الأرواح خمسة أقسام

اعلم أنّ الأرواح خمسة أقسام، الأوّل الرّوح النّباتيّ وهو القوّة الّتي تحصل من تركيب العناصر وامتزاج المواد بتقدير الله المتعال ومن التّدبير والتّأثير والارتباط مع سائر الكائنات وبتفرّق هذه الأجزاء والعناصر بعضها عن بعض تتلاشى تلك القوّة النّامية النّباتيّة، فمثلاً الكهرباء الّتي تحصل من اتّحاد بعض العناصر والأجزاء تتلاشى وتفقد

إذا ما تفرّقت تلك الأجزاء، فهذا هو الرّوح النّباتيّ، ويلي ذلك الرّوح الحيوانيّ وهو كذلك يتركّب من امتزاج العناصر، ولكنّ هذا التّركيب أكمل ويحصل من الامتزاج التّامّ بتقدير الرّبّ القدير، ويظهر الرّوح الحيوانيّ الذّي هو عبارة عن قوّة حسّاسة تدرك الحقائق المحسوسة الّتي ترى وتسمع وتذاق وتشمّ وتلمس، وطبعاً ينعدم ذلك الرّوح بتفريق وتحليل تلك الأجزاء المركّبة كهذا السّراج الذّي نشاهده، فإذا اجتمع الدّهن والفتيل والنّار بعضها ببعض يحصل الضّياء، لكن لو نفد الدّهن واحترق الفتيل لذهب ذلك الضّياء أيضاً.

أمّا الرّوح الإنسانيّ مثله كمثل البلّور وفيض الشّمس، يعني أنّ جسم الإنسان مركّب من العناصر في أكمل صورة من التّركيب والامتزاج وفي غاية من الإتقان، وهو أشرف مركّب وأكمل موجود ينشأ وينمو بالرّوح الحيوانيّ، فهذا الجسم المكمّل بمثابة المرآة والرّوح الإنسانيّ بمثابة الشّمس، وإذا انكسرت المرآة بقي فيض الشّمس، وكذلك إذا انعدمت المرآة فضوء الشّمس باق لا يلحقه أيّ ضرر، فهذا الرّوح هو القوّة الكاشفة المحيطة بجميع الأشياء، فكلّ هذه الآثار البديعة والصّنايع والاكتشافات والمشاريع العظيمة والوقائع التّاريخيّة المهمّة الّتي ترونها جميعها من أثر القوّة الكاشفة للرّوح، وقد أظهرها بقوّة معنويّة من حيّز الغيب والخفاء إلى ساحة الشّهود، مثلاً يكشف وهو في الأرض ما في السّماء، ومن الحقائق المعلومة المشهودة يكشف الأشياء الخفيّة المجهولة، مثلاً وهو في هذا النّصف من الكرة الأرضيّة يكتشف بقوّة العقل النّصف الآخر، كما اكتشف كولمبس أمريكا بعد أن كانت مجهولة مستورة، وكذلك الجسم ثقيل ولكنّه بواسطة اكتشاف الرّوح يطير وهو بطيء الحركة ولكنّه بالوسائط الّتي يوجدها يطوي الشّرق والغرب بنهاية السّرعة.

وبالاختصار فهذه القوّة محيطة بجميع الأشياء، غير أنّ هذا الرّوح له جانبان أحدهما رحمانيّ والآخر شيطانيّ يعني فيه استعداد للصّعود إلى أعلى درجات الكمال والهبوط إلى أسفل دركات النّقص فإذا اكتسب الفضائل صار أشرف الممكنات وإن اكتسب الرّذائل كان أرذل الموجودات.

أمّا الرّوح في المرتبة الرّابعة فهو الرّوح السّماويّ وذلك هو الرّوح الإيمانيّ والفيض الرّحمانيّ المنبعث من نفثات روح القدس الّتي تكون بقوّة إلهيّة سبب حياة أبديّة، تلك القوّة هي قوّة تجعل الإنسان الأرضيّ سماويّاً وتجعل الإنسان النّاقص كاملاً والكدر صافياً والسّاكت ناطقاً والجاهل عالماً وأسير الشّهوات النّفسانيّة مقدّساً ومنزّهاً.

والخامسة روح القدس وهو الواسطة بين الحقّ والخلق بمثابة المرآة المقابلة للشّمس، فكما أنّ المرآة الصّافيّة تقتبس الأنوار من الشّمس وتعكس فيضها على الآخرين، كذلك روح القدس واسطة أنوار التّقديس الّتي يقتبسها من شمس الحقيقة ويهبط بها على الحقائق المقدّسة وهو متّصف بجميع الكمالات الإلهيّة وكلّما ظهر يتجدّد العالم وتبتدئ دورة جديدة ويلبس هيكل العالم الإنسانيّ خلعة جديدة. مثله كمثل الرّبيع بمجيئه في أيّ وقت ينقل العالم من حال إلى أخرى، وبقدوم موسم الرّبيع تخضّر الأراضي الهامدة والسّهول والصّحارى وتنبت أنواع الورد والرّياحين وتحيا الأشجار حياة جديدة وتظهر أثمار بديعة وتؤسّس دورة جديدة، وعلى هذا المثال يكون ظهور روح القدس وفي أيّ وقت يظهر يتجدّد العالم الإنسانيّ ويعطي الحقائق الإنسانيّة روحاً جديداً ويلبس عالم الوجود خلعاً محمودة وتتبدّد ظلمات الجهل وتسطع أنوار الكمالات، فالمسيح بهذه القوّة جدّد هذه

الدّورة ورفع الرّبيع الإلهيّ سرادقه في نهاية الطّراوة واللّطافة في العالم الإنسانيّ وعطر النّسيم المنعش للرّوح مشام المخلصين، وكذلك ظهور حضرة بهاء الله كان بمثابة فصل الرّبيع والموسم الجديد الذّي ظهر بالنّفحات القدسيّة وجنود الحياة الأبديّة والقوّة الملكوتيّة فوضع سرير السّلطنة الإلهيّة في قطب العالم وأحيا النّفوس بروح القدس وأسّس دورة جديدة.



الرّوح والعقل والنّفس

السّؤال: ما الفرق بين العقل والرّوح والنّفس؟

الجواب: بيَّنّا من قبل أنّ الأرواح خمسة أنواع: روح نباتيّ وروح حيوانيّ وروح إنسانيّ وروح إيمانيّ والرّوح القدس.

أمّا الرّوح النّباتيّ فهي القوّة النّامية الّتي تحصل من تأثير سائر الكائنات في الحبّة.

وأمّا الرّوح الحيوانيّ فهي القوّة الجامعة الحسّاسة الّتي تتحقّق من تركيب العناصر وامتزاجها، وعندما ينحلّ هذا التّركيب تفنى تلك القوّة وتنمحي أيضاً، مثلها كمثل هذا السّراج الذّي يضيء باجتماع الفتيل والدّهن والنّار وتركيبها، وعندما يتحلّل هذا التّركيب يعني تتفرّق الأجزاء المركّبة عن بعضها ينطفئ هذا السّراج أيضاً.

أمّا الرّوح الإنسانيّ الّتي يمتاز بها الإنسان عن الحيوان فهي تلك النّفس النّاطقة، وهذان الاسمان أي الرّوح الإنسانيّ والنّفس النّاطقة

هما عنوان شيء واحد، وهذه الرّوح الّتي تعرف في اصطلاح الفلاسفة بالنّفس النّاطقة محيطة بسائر الكائنات، وتكشف حقائق الأشياء بقدر الاستطاعة البشريّة، وتطّلع على خواصّ الممكنات وتأثيرها، وكيفيّة الموجودات وخصائصها، ولكنّها إذا لم تؤيّد بالرّوح الإيمانيّ لا تطّلع على الحقائق اللاّهوتيّة والأسرار الإلهيّة، كالمرآة مهما تكن صافية لطيفة شفّافة فإنّها محتاجة إلى الأنوار، فإذا لم تسطع أشعّة الشّمس عليها لا يمكنها اكتشاف الأسرار الإلهيّة، أمّا العقل فهو قوّة الرّوح الإنسانيّ، الرّوح بمنزلة السّراج والعقل بمنزلة الأنوار السّاطعة من السّراج، الرّوح بمنزلة الشّجر والعقل بمثابة الثّمر، فالعقل كمال الرّوح وصفتها اللاّزمة لها كشعاع الشّمس اللازم الذّاتيّ لها.

فهذا البيان وإن كان مختصراً غير أنّه كامل وافٍ فعليكم أن تفكّروا في ذلك وستطّلعون على تفصيله إن شاء الله.

)
القوى الجسمانيّة والقوى المعنويّة

توجد في الإنسان قوى خمس ظاهرة جسمانيّة. وهذه القوى واسطة الإدراك، يعني يدرك الإنسان بهذه القوى الخمس الكائنات الجسمانيّة. فالقوّة الباصرة الّتي تدرك الصّور المحسوسة، والقوّة السّامعة الّتي تدرك الأصوات المسموعة، والقوّة الشّامّة الّتي تدرك الأشياء ذات الرّائحة، والقوّة الذّائقة الّتي تدرك الأطعمة، والقوّة اللاّمسة المنتشرة في جميع أعضاء الإنسان الّتي تدرك الملموس، فهذه القوى الخمس هي الّتي تدرك الأشياء الخارجيّة (الماديّة).

وكذلك في الإنسان قوى معنويّة، وهي المخيّلة الّتي تتخيّل الأشياء، والمفكّرة الّتي تفكّر في حقائق الأمور، والمدركة الّتي تدرك حقائق الأشياء، والحافظة الّتي تحفظ كلّ ما يتخيّله الإنسان ويفكّر فيه ويدركه، والواسطة بين هذه القوى الخمس الظّاهرة والقوى الباطنة هو الحسّ المشترك، يعني هو الواسطة بين القوى الباطنة وبين القوى الخمس الظّاهرة، فينقل إلى القوى الباطنة ما تحسّه القوى الظّاهرة، ويعبّرون عن هذا بالحسّ المشترك بين القوى الظّاهرة والقوى الباطنة، فمثلاً البصر وهو أحد القوى الظّاهرة يرى هذه الوردة ويحسّ بها فيعطي الحسّ المشترك هذا الإحساس للقوى الباطنة، ويسلِّم الحسّ المشترك هذه المشاهدة إلى القوى المخيّلة، وتتصوّر القوّة المخيّلة هذه المشاهدة ثمّ توصلها إلى القوّة المفكّرة، والقوّة المفكّرة تفكّر فيها وبعد أن تهتدي إلى حقيقتها تسلّمها إلى القوّة المدركة، ولمّا تدرك القوّة المدركة صورة ذلك الشّيء المحسوس تسلّمها إلى الحافظة، والقوّة الحافظة تحفظها وتظلّ محفوظة في خزانتها.

فالقوى الظّاهرة خمس: الباصرة والسّامعة والذّائقة والشّامّة واللاّمسة. والقوى الباطنّة أيضاً خمس: المشتركة والمخيّلة والمفكرّة والمدركة والحافظة.

تفاوت أخلاق النّوع الإنسانيّ

السّؤال: إلى كم تنقسم أخلاق النّوع الإنسانيّ ومن أين جاء هذا الاختلاف والتّفاوت؟

الجواب: الأخلاق فطريّة وموروثة واكتسابيّة والأخيرة تحصل بالتّربية، أمّا الأخلاق الفطريّة وإن كانت الفطرة الإلهيّة خيراً محضاً ولكنّ اختلاف الأخلاق الفطريّة في الإنسان ناشئ عن تفاوت الدّرجات، فكلّها خير أمّا بحسب الدّرجات هي بين حسن وأحسن، كما أنّ لجميع النّوع الإنسانيّ إدراكاً واستعداداً، ولكن يتفاوت الإدراك والاستعداد والقابليّة فيما بين النّوع الإنسانيّ، وهذا واضح، مثلاً هناك أطفال في بيت واحد وفي محلّ واحد وفي مكتب واحد يتعلّمون من معلِّم واحد ويتربّون من غذاء واحد وفي هواء واحد وبلباس واحد ويدرسون درساً واحداً فلا بدّ أن يكون البعض من بين هؤلاء الأطفال ماهراً في الفنون والبعض متوسّطاً والبعض متأخّراً، إذاً صار من المعلوم أنّ التّفاوت في الدّرجات موجود في أصل الفطرة، وأنّ تفاوت القابليّة والاستعداد مشهود، ولكن ليس هذا التّفاوت من وجهة الخير والشّر بل هو مجرّد تفاوت في الدّرجات، فواحد في الدّرجة العليا وواحد في الدّرجة الوسطى وواحد في الدّرجة الدّنيا، مثلاً للإنسان وجود وللحيوان وجود وللنّبات وجود وللجماد وجود، أمّا الوجود فمتفاوت في هذه الموجودات الأربعة، فأين وجود الإنسان من وجود الحيوان، والحال أنّ الكلّ موجود، فمن الواضح إذاً أنّ في الوجود تفاوتاً في الدّرجات.

وأمّا تفاوت الأخلاق الموروثة فهو من ضعف المزاج وقوّته، يعني لمّا يكون مزاج الأبوين ضعيفاً يكون أطفالهما مثلهما، وإن كانا قويّين فأطفالهما يكونون نشيطين، وكذلك يكون لطهارة الدّم حكم كلّيّ، لأنّ النّطفة الطّيّبة كالجنس الأعلى الّذي يوجد في النّبات والحيوان أيضاً، مثلاً يلاحظ أنّ الأطفال الّذين يولدون من أب وأمّ ضعيفين عليلين

يبتلون طبعاً بضعفٍ في البنية وضعف في العصب وهم عجولون فلا صبر لهم ولا جلد ولا ثبات ولا همّة، لأنّ ضعف الأبوين ووهنهما يصير ميراثاً للأطفال، وفضلاً عن هذا فإنّ بعضاً من السّلالات والأسر يختصّون بموهبة، مثلاً إنّ سلالة إبراهيم كانت مختصّة بموهبة وهي كون جميع أنبياء بني اسرائيل من سلالة إبراهيم، فقد أعطى الله هذه الموهبة لتلك السّلالة، فحضرة موسى ينتسب إليها من جهة الأب والأمّ، وحضرة المسيح من جهة الأمّ، وحضرة محمّد وحضرة الأعلى وجميع أنبياء بني إسرائيل والمظاهر المقدّسة كانوا من تلك السّلالة، وحضرة بهاء الله أيضاً من سلالة إبراهيم، لأنّه كان لحضرة إبراهيم أولاد آخرون غير إسماعيل وإسحق هاجروا في تلك الأزمنة إلى أنحاء إيران وأفغانستان، فحضرة بهاء الله أيضاً من تلك السّلالة.

إذاً صار من المعلوم أنّ الأخلاق الوراثيّة موجودة أيضاً، بحيث إذا لم يكن هناك تطابق في الأخلاق فإنّه لا يعتبر من الوجهة الرّوحية من تلك السّلالة، ولو أنّه من الوجهة الجسمانيّة من تلك السّلالة مثل كنعان فإنّه لا يعدّ من سلالة نوح.

وأمّا تفاوت الأخلاق من حيث التّربية فهو عظيم جدّاً، لأنّ التّربية لها تأثير عظيم، إذ تصيِّر الجاهل عالماً والجبان شجاعاً والغصن الأعوج مستقيماً وفواكه الجبال والغابات المرّة حلوة لذيذة، والوردة ذات خمس غلالات تصبح ذات مائة غلالة، وبالتّربية تتمدّن الأمّة المتوحّشة، حتّى الحيوان فإنّه بالتّربية يقلّد الإنسان في حركاته وأعماله، فيجب اعتبار التّربية أنّها في غاية الأهمّيّة، لأنّ الأمراض كما أنّها تسري بشدّة في عالم الأجسام وتنتقل من بعضها إلى بعض، كذلك الأخلاق لها سريان عظيم في الأرواح والقلوب، فالتّفاوت في التّربية عظيم جدّاً،

وله حكم كلّيّ، ولربّ قائل يقول ما دام استعداد النّفوس وقابليّتها متفاوتاً فلا بدّ أن تتفاوت الأخلاق بسبب تفاوت الاستعداد، فنقول أنّ الأمر ليس كذلك لأنّ الاستعداد على قسمين: استعداد فطريّ واستعداد اكتسابيّ، فالاستعداد الفطريّ الذّي خلقه الله كلّه خير محض، إذ ليس من شرّ في الفطرة، أمّا الاستعداد الاكتسابيّ فهو سبب حصول الشّرّ، مثلاً خلق الله جميع البشر ووهبهم قابليّة واستعداداً ليستفيدوا من الشّهد والسّكر ويتضرّروا ويهلكوا من السّمّ، فهذه القابليّة والاستعداد كلاهما فطريّ أعطاهما الله لجميع النّوع الإنسانيّ على حدّ سواء، ولكنّ الإنسان يشرع في استعمال السّمّ قليلاً قليلاً ويتناول منه كلّ يوم مقداراً ويزيد عليه شيئاً فشيئاً، حتّى يصل الأمر إلى أنّه لو لم يتناول كلّ يوم درهماً من الأفيون لهلك، وانقلب استعداده الفطريّ انقلاباً كلّيّاً، فانظروا كيف يتغيّر الاستعداد والقابليّة الفطريّة تغيّراً جذريّاً حتّى يتحوّل إلى العكس بسبب تفاوت العادة والتّربية، فليس الاعتراض على الأشقياء من جهة الاستعداد والقابليّة الفطريّة بل من جهة الاستعداد والقابليّة الاكتسابيّة، إذ ليس في الفطرة شرّ بل كلّها خير، حتّى الصّفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتيّة البعض من النّوع الإنسانيّ فإنّها في الحقيقة ليست بمذمومة، مثلاً يلاحظ في بداية حياة الطّفل الذّي يرضع من الثّدي أنّ آثار الحرص بادية منه كما يشاهد منه أيضاً آثار الغضب والقهر، وإذاً يقال أنّ الحسن والقبح كلاهما فطريّ في الحقيقة الإنسانيّة، وهذا مناف للخير المطلق الذّي هو في الخلقة والفطرة، فالجواب أنّ الحرص الذّي هو طلب الزّيادة صفة ممدوحة لو استعملت في موضعها، فمثلاً لو يحرص الإنسان على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أن يكون رحيماً ذا مروءة وعدالة فإنّ ذلك ممدوح جدّاً، ولو

يغضب على الظّالمين السّفّاكين للدّماء الذّين هم كالسّباع الضّارية ويقهرهم فذلك ممدوح جدّاً، ولكنّ هذه الصّفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة، إذاً صار من المعلوم أنّه لا يوجد في الفطرة شرّ أبداً، أمّا لو تستعمل أخلاق الإنسان الفطريّة في المواقع غير المشروعة فذلك مذموم، مثلاً لو أنّ شخصاً غنيّاً كريماً أعطى فقيراً مبلغاً ليصرفه في حاجاته الضّروريّة لنفسه، وهذا الشّخص الفقير صرف ذلك المبلغ في أمور غير مشروعة، فإنّ ذلك يكون مذموماً، وكذلك لو استعملت جميع الأخلاق الفطريّة الّتي هي رأس مال الحياة في أمور غير مشروعة فإنّها تكون مذمومة.

إذاً صار من الواضح أنّ الفطرة خير محض، فلاحظوا أنّ أسوأ الأخلاق وابغض الصّفات الّتي هي أساس جميع الشّرور هو الكذب ولا يتصوّر في الوجود صفة أسوأ ولا أذمّ منه، لأنّه هادم لجميع الكمالات الإنسانيّة وسبب الرّذائل الّتي لا تتناهى، وليس من صفة أسوأ من هذه الصّفة فهو أساس جميع القبائح، ومع هذا فلو واسى حكيم مريضاً بقوله الحمد لله إنّ أحوالك أحسن ويرجى لك حصول الشّفاء، فهذا القول ولو أنّه مخالف للحقيقة لكنّه قد يكون أحياناً ذا جدوى لتسلية قلب المريض وسبباً لشفائه، فهو إذاً ليس بمذموم، وقد وضّحت هذه المسألة بأجلى بيان والسّلام.
***
)
درجة إدراكات العالم الإنسانيّ ومظاهر الظّهور

السّؤال: ما درجة إدراكات العالم الإنسانيّ وما حدودها؟

الجواب: اعلم أنّ الإدراكات متفاوتة، فأدنى رتبة في الإدراك هي الإحساس الحيوانيّ يعني الحسّيّات الطّبيعيّة الّتي تظهر بقوّة الحواسّ ويقال لها الحسّيّات، ويشترك الإنسان والحيوان في هذا الإدراك، بل إنّ بعض الحيوان أقوى من الإنسان فيها، وأمّا في العالم الإنسانيّ فبحسب اختلافات مراتبه تتنوّع الإدراكات وتتفاوت، وفي الرّتبة الأوّليّة في عالم الطّبيعة هي إدراكات النّفس النّاطقة، وجميع البشر مشترك في هذه القوّة غافلاً كان أم عاقلاً مؤمناً كان أم ضالاًّ، وهذه النّفس النّاطقة الإنسانيّة خلقها الله محيطة ممتازة على سائر الكائنات، ولمّا كانت أشرف الكائنات وممتازة فهي محيطة بالأشياء، وتستطيع قوّة النّفس النّاطقة أن تكشف حقائق الأشياء وتدرك خواصّ الكائنات وتهتدي إلى أسرار الموجودات، فهذه الفنون والمعارف والصّنائع والبدائع والتّأسيسات والاكتشافات والمشروعات كلّها من إدراكات النّفس النّاطقة، وقد كانت في زمن ما سرّاً مكنوناً ورمزاً مصوناً غير معلوم، ثمّ كشفتها النّفس النّاطقة بالتّدريج وأتت بها من حيّز الغيب والخفاء إلى حيّز الشّهود، وهذه أعظم قوّة إدراك في عالم الطّبيعة، وأسمى ما تصل إليه في نهاية جولانها وطيرانها هو إدراكها لحقائق الممكنات وخواصّها وآثارها.

أمّا العقل الكلّيّ الإلهيّ الذّي هو ما وراء الطّبيعة فهو فيض القوّة القديمة، وهذا العقل الكلّيّ الإلهيّ محيط بالحقائق الكونيّة ومقتبس من الأنوار الإلهيّة والأسرار الرّبانيّة، هو قوّة عالمة وليس قوّة متفحّصة متحسّسة، أمّا قوّة عالم الطّبيعة المعنويّة فهي قوّة متفحّصة وتهتدي بتفحّصها إلى حقائق الكائنات وخواصّ الموجودات.

وأمّا القوّة العاقلة الملكوتيّة الّتي هي ما وراء الطّبيعة فهي محيطة بالأشياء وعالمة بها ومدركة لها، ومطّلعة على الأسرار والحقائق والمعاني الإلهيّة وكاشفة للحقائق الخفيّة الملكوتيّة، وهذه القوّة العقليّة الإلهيّة خاصة بالمظاهر المقدّسة ومطالع النّبوّة، وتسطع أشعّة من هذه الأنوار على مرايا قلوب الأبرار الّتي تأخذ قسطاً ونصيباً من هذه القوّة بوساطة المظاهر المقدّسة.

وللمظاهر المقدّسة ثلاثة مقامات، مقام الجسد ومقام النّفس النّاطقة ومقام المظهريّة الكاملة الجلوة الرّبانية، أمّا الجسد فيدرك الأشياء بقدر استطاعة العالم الجسماني، لهذا أظهروا العجز في بعض المواقع، مثلاً يقول كنت نائماً غير واعٍ مرّت عليّ نسمة الله وأيقظتني وأمرتني بالنّداء، أو أنّ حضرة المسيح تعمّد في سنّ الثّلاثين وهبط عليه الرّوح القدس ولم تظهر هذه الرّوح قبل هذا في المسيح، فجميع هذه الأمور راجعة لمقامهم الجسديّ.

أمّا مقامهم الملكوتيّ فمحيط بجميع الأشياء، ومطّلع على جميع الأسرار وعالم بكلّ الآثار وحاكم على جميع الأشياء، سواء أكان قبل البعثة أو بعدها، ولذلك يقول أنا الألف والياء، الأوّل والآخر ما كان لي تغيير ولا تبديل ولن يكون.

(56)
حدود إدراك الإنسان ومعرفته للذّات الإلهيّة

السّؤال: ما حدود إدراك الإنسان ومعرفته للحقيقة الإلهيّة؟

الجواب: يلزم لبيان هذه المسألة متّسع من الزّمن وليس من السّهل أن نبيّنها على المائدة ولكنّنا سنتكلّم فيها باختصار.

اعلم أنّ العرفان على قسمين: معرفة ذات الشّيء ومعرفة صفاته، ومعرفة الذّات تكون بمعرفة الصّفات ليس إلاّ حيث أنّ الذّات مجهولة غير معلومة، ولما كانت معرفة الأشياء بالصّفات لا بالذّات وهي مخلوقة محدودة، فكيف إذاً يمكن معرفة حقيقة الذّات الإلهيّة وهي غير محدودة، لأنّ كنه الذّات لأيّ شيء غير معروف وإنّما يعرف بصفاته، مثلاً إنّ كنه الشّمس مجهول ولكنّها تعرف بصفاتها الّتي هي الحرارة والضّوء، وكنه ذات الإنسان مجهول وغير معروف، ولكنّه يوصف ويعرف بصفاته، ولمّا كانت معرفة كلّ شيء بصفاته لا بذاته – حال كون العقل محيط بالكائنات والكائنات الخارجيّة محاطة على الرّغم من هذا فالكائنات من حيث الذّات مجهولة ومن حيث الصّفات معروفة – إذاً فكيف يمكن أن يعرف ذات الرّبّ القديم الأبديّ المقدّس عن الإدراك والأوهام، يعني لمّا كانت معرفة الشّيء ممكنة بالصّفات لا بالذّات فلا شكّ أنّ الحقيقة الإلهيّة من حيث الذّات مجهولة ومن حيث الصّفات معروفة، وفضلاً عن هذا كيف تحيط الحقيقة الحادثة بالحقيقة

القديمة، لأنّ الإدراك ناشئ عن الإحاطة، فتجب الإحاطة حتّى يمكن الإدراك، وذات الأحديّة محيطة لا محاطة، وكذلك تفاوت المراتب في عالم الخلق مانع عن العرفان، مثلاً هذا الجماد ما دام في رتبته الجماديّة فمهما ترقّى لا يمكنه إدراك القوّة النّامية، والنّباتات والأشجار مهما ترقّت فلا يمكنها أن تدرك قوّة البصر، وكذلك لا تدرك سائر القوى الحسّاسة، والحيوان لا يمكنه أن يتصوّر رتبة الإنسان يعني قواه المعنويّة، فتفاوت المراتب مانع من العرفان وكلّ مرتبة دانية لا تدرك المرتبة الّتي فوقها، إذاً فكيف تستطيع الحقيقة الحادثة إدراك الحقيقة القديمة؟

لهذا فمعرفة الله عبارة عن إدراك الصّفات الإلهيّة وعرفانها لا إدراك الحقيقة الإلهيّة، ومعرفة الصّفات أيضاً ليست معرفة مطلقة، بل إنما تكون بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، والحكمة عبارة عن إدراك حقائق الأشياء كما هي أي على ما هي عليه، وذلك بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، لهذا فليس هناك سبيل للحقيقة الحادثة لإدراك كنه الذّات، بل إنّها فقط تدرك الصّفات القديمة بقدر الطّاقة البشرية، فغيب الذّات الإلهيّة مقدّس منزّه عن أن تدركه الموجودات، وكلّ ما يدخل تحت التّصوّر إنّما هو إدراكات إنسانيّة، فقوّة الإدراك الإنسانيّ لا تحيط بحقيقة الذّات الإلهيّة، بل الذّي يقدر الإنسان على إدراكه هو الصّفات الإلهيّة الظّاهرّة الباهرّة أنوارها وآثارها في الأفاق والأنفس، وإذا نظرنا في الآفاق والأنفس نرى من الكلمات الإلهيّة آيات باهرات واضحة مشهودة، لأنّ حقائق الأشياء تدلّ على الحقيقة الكلّيّة.

ومثل الحقيقة الإلهيّة كمثل الشّمس المشرقة من علوّ تقديسها على جميع الآفاق، ومن ذلك الإشراق يأخذ كلّ من الآفاق والأنفس قسطاً

ونصيباً، ولولا هذا الإشراق وتلك الأنوار لما كان للكائنات وجود ولكنّ جميع الكائنات تدلّ عليها وتستضيء بها وتأخذ منها قسطاً ونصيباً.

أمّا تجلّي الكمالات والفيوضات والصّفات الإلهيّة فهي ساطعة لامعة من حقيقة الإنسان الكامل، يعني ذلك الفرد الفريد المظهر الكلّيّ الإلهيّ، لأنّ سائر الكائنات اقتبست منه شعاعاً، أمّا المظهر الكلّي فهو مرآة تلك الشّمس، تظهر فيها بجميع كمالاتها وصفاتها وآثارها وآياتها، فمعرفة الحقيقة الإلهيّة ممتنعة محال، وأمّا معرفة المظاهر الإلهيّة فهي معرفة الحق، لأنّ الفيوضات والتّجلّيّات والصّفات الإلهيّة ظاهرة فيها، إذاً لو اهتدى الإنسان لمعرفة المظاهر الإلهيّة فقد فاز بمعرفة الله، ولو غفل عن معرفة المظاهر المقدّسة حرم من معرفة الله، فثبت وتحقق أنّ المظاهر المقدّسة هم مركز الفيض والآثار والكمالات الإلهيّة، طوبى لنفوس اقتبست أنوار الفيوضات الرّحمانية من تلك المطالع النّورانيّة. ونأمل أن يستفيض أحبّاء الله كالقوّة الجاذبة تلك الفيوضات من مبدأ الفيض، ويبعثون بأنوار وآثار تجعلهم آيات باهرات لشمس الحقيقة.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى