منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
صوت السّلام العامّ
هو الله
إنّ هذا المسجون بعد أن قضى أربعين عامًا في السّجن قام مدّة ثلاث سنين بعد إطلاقه –أي منذ (1910) إلى نهاية سنة (1913) – بالسّفر والتّجوال في أوروبّا وفي قارّة أمريكا الواسعة.
ومع ضعفه وعجزه نادى في المحافل العظمى والكنائس الكبرى وألقى خطبًا مفصَّلة، ونشر كلّ ما جاء في ألواح حضرة بهاء الله وتعاليمه حول مسألة الحرب والصّلح.
ولقد نشر حضرة بهاء الله قبل ما يقارب الخمسين سنة تعاليمه، ونادى بنغمة الصّلح العموميّ في جميع ألواحه ورسائله، وأخبر بصريح العبارة بهذه الوقائع الحاليّة، وبأنّ العالم الإنسانيّ في خطر عظيم وعلى أبواب حرب عامّة محتومة فالمواد الملتهبة في خزائن أوروبّا الجهنّميّة سوف تنفجّر بشرارة واحدة، ومنها سيكون انفجار بركان البلقان وتغيير خريطة أوروبّا، ولهذا دعا العالم الإنسانيّ إلى الصّلح العموميّ.
وكتب إلى الملوك والسّلاطين ألواحًا بيَّن فيها أضرار الحرب الجسيمة وأوضح فوائد الصّلح العموميّ ومنافعه، وبأنّ الحرب هادمة للبنيان الإنسانيّ، وأنّ الإنسان بنيان إلهيّ وأنّ الصّلح حياة مجسّمة والحرب ممات مصوَّر، وأنّ الصّلح روح إلهيّة وأنّ الحرب نفثات شيطانيّة، وأنّ الصّلح نور الآفاق وأنّ الحرب ظلمة على الإطلاق، وأنّ

الأنبياء العظام والفلاسفة القدماء والكتب الإلهيّة كلّها كانت بشيرة الصّلح والوفاء ونذيرة الحرب والجفاء، وأنّ هذا هو الأساس الإلهيّ والفيض السّماويّ وأساس الشّرائع الإلهيّة.
وخلاصة القول إنّني ناديت في جميع المجامع بأعلى صوتي قائلاً: يا عقلاء العالم، ويا فلاسفة الغرب، ويا علماء الأرض إنّ وراءكم سحابًا مظلمًا يحيط بالأفق الإنسانيّ ويلحقكم طوفان شديد يعصف بسفن حياة البشر وعن قريب سيحيط بمدن أوروبّا وديارها سيل شديد فانتبهوا انتبهوا واستيقظوا استيقظوا لنقوم جميعنا بمنتهى الألفة ونرفع بعون الله وعنايته علم وحدة العالم الإنسانيّ ونروّج الصّلح العمومي حتّى ننجي العالم الإنسانيّ من هذا الخطر العظيم.
ولقد قابلت في أمريكا وأوروبّا نفوسًا مقدّسة كانت متعاونة ومتجاوبة معنا في قضيّة الصّلح العموميّ وكانت متّفقة متوافقة اللّحن في عقيدة وحدة العالم الإنسانيّ إلا أنّها ويا للأسف كانت قليلة العدد وكان أعاظم الرّجال يظنّون بأنّ تجهيز الجيوش ومضاعفة القوى الحربيّة سبب لحفظ الصّلح والسّلام ولقد صرَّحت لهم ببيان صريح أنّ الأمر ليس كذلك، فهذه الجيوش الجرّارة لا بدّ أن تتقدّم يومًا من الأيّام إلى الميدان، وهذه المواد الملتهبة لا بدّ أن تنفجر وأنَّ انفجارها يتوقّف على شرارة واحدة تشعل العالم بغتة ولكنّهم لم يذعنوا لهذا البيان لعدم اتّساع الأفكار ولعمى الأبصار إلى أن آلت شرارة البلقان إلى بركان.
وفي بداية حرب البلقان سألتنا نفوس مهمّة قائلة: "هل حرب البلقان هذه حرب عالميّة؟" فقلنا في الجواب: إنّها تنتهي إلى حرب عالميّة.
وخلاصة القول: إنّ حضرة بهاء الله تفضّل قبل خمسين سنة وحذّر من هذا الخطر العظيم.

ومع أنّ أضرار الحروب كانت واضحة لدى أهل العرفان ولكنّها الآن اتّضحت لعموم النّاس وعلم أنّ الحروب هي آفة العالم الإنسانيّ وهادمة للبنيان الإلهيّ وسبب الموت الأبديّ وهادمة للمدن المعمورة، ونار تحيط بالعالمين، ومصيبة كبرى ولهذا يتعالى الصّراخ إلى الأوج من جميع الأطراف، وزلزلت الدّنيا من الويل والحنين وانطمرت أقاليم معمورة.
لقد سالت العيون بالعبرات من ضجيج الأيتام من الأطفال واحترقت القلوب وذابت من صراخ الأيامى من النّساء البائسات وارتفعت صرخة: واويلاه، وواأسفاه من قلوب الأمّهات، وارتفع إلى الأوج أنين وتأوّه الآباء الطّاعنين في السّنّ. فعالم الخليقة محروم اليوم من الرّاحة والأمان وتصل أصوات المدافع والبنادق كأصوات الرّعد وقد حوّلت المواد الملتهبة ساحات الحرب إلى مقابر للشّبان اليافعين والوضع أسوأ مما أسرده لكم.
فيا دول العالم ارحموا العالم الإنسانيّ ويا مِلَلَ العالم توجّهوا بنظرة عطف على ساحات الحرب، ويا علماء البشر تفقّدوا حال المظلومين، ويا فلاسفة الغرب تعمّقوا في هذه البليّة العظمى، ويا رؤساء العالم تفكّروا في دفع هذه الآفة الكبرى، ويا أيّها الجنس البشريّ تدبّر في منع هذه البربريّة والافتراس فلقد حان الوقت أن ترفعوا عَلَم الصّلح العموميّ وأن تقاوموا هذا السّيل العظيم الّذي هو الآفة الكبرى.
ومع أنّ هذا المسجون كان مدّة أربعين سنة في سجن الاستبداد ولكنّه لم يتأثّر، ولم ينحسر، كما تأثّر في هذه الأيّام، فالرّوح في احتراق وذوبان، القلب في نهاية الأسف والالتهاب والعين دامعة والقلب محترق فابكوا ونوحوا وأسرعوا حتّى تلقوا ماء على هذه النّار

الملتهبة لعلّ بهمّتكم تخمد هذه النّار المحرقة للعالمين.
ويا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد، ويا رحمن يا رحيم ارحم أعين الآباء الدّامعة وقلوبهم المحترقة وسكّن هذا الطّوفان وبدّل هذه الحرب العالميّة إلى صلح وسلام وإخاء. إنّك أنت المقتدر القدير وإنّك أنت السّميع البصير.
عبد البهاء عبّاس
هو الله
يا أهل العالم،
إذا سرتم في الأرض ومشيتم في مناكبها وجدتم أنّ كلّ ما هو معمور سببه الألفة والمحبّة، وأنّ كلّ ما هو مطمور ناتج عن العداوة والبغضاء. ومع ذلك لم ينتبه الجنس البشريّ إلى ذلك ولم يفق من سبات الغفلة، وما زال البشر يفكّرون في الخلاف والنّزاع والجدال وحشد الجيوش لتصول وتجول في ميادين النّزال والقتال.
وإذا نظرتم إلى الكون والفساد والوجود والعدم وجدتم أنّ كلّ كائن مركّب من أجزاء متنوّعة متعدّدة، وأنّ وجود الشّيء ناتج عن التّركيب بمعنى أنّ الإيجاد الإلهيّ إذا أحدث تركيبًا معيّنًا بين العناصر البسيطة تشكّل من هذا التّركيب كائن معيّن. وجميع الموجودات على هذا المنوال. فإذا حدث في هذا التّركيب خلاف أو تحلّلت أجزاؤه وتفرّقت انعدم هذا الكائن. ومعنى ذلك أنّ انعدام الشّيء ناتج عن تحليل عناصره وتفرّقها. وعلى هذا فكلّ تركيب وتآلف يتمّ بين العناصر

هو سبب الحياة، وكلّ اختلاف وتحلّل وتفرّق يدبّ بينها هو علّة الممات. وبالاختصار إنّ تجاذب الأشياء وتوافقها سبب لحصول النّتائج المفيدة والثّمار الطّيّبة، وإنّ تنافر الأشياء واختلافها سبب للاضمحلال والاضطراب.
فمن التّآلف والتّجاذب تتحقّق جميع الكائنات ذات الحياة مثل النّبات والحيوان والإنسان، ومن التّنافر والخلاف يحصل الانحلال ويدبّ الاضمحلال. ولهذا فإنّ كلّ ما ينتج عنه الائتلاف والتّجاذب والاتّحاد بين عامّة البشر هو علّة حياة العالم الإنسانيّ، وكلّ ما ينتج عنه التّنافر والاختلاف والتّباعد هو علّة ممات النّوع البشريّ.
وكلّما مررتم بإحدى المزارع ولاحظتم الزّرع والنّبات والورد والرّيحان ينمو منسجمًا متآلفًا كان ذلك دليلاً على أنّ هذه الحديقة نمت على يد بستانيّ كامل تعهّدها بالتّهذيب والإنبات، أمّا إذا شاهدتم الحديقة مشعّثة مضطربة بلا ترتيب ولا نظام استنتجتم أنّها حرمت من عناية البستانيّ الماهر فنمت فيها الأعشاب الضّارّة فأتلفتها.
من ذلك يتّضح أنّ الألفة والالتئام دليل على تربية المربّي الحقيقيّ، وأنّ الفرقة والتّشتت برهان على الحرمان من التّربية الإلهيّة والبعد عنها.
ولعلّ معترضًا يقول: إنّ لأمم العالم وشعوبه وملله آدابًا ورسومًا مختلفة، وأذواقًا متباينة، وطبائع وأخلاقًا متعدّدة، وإنّ العقول والأفكار والآراء متفاوتة فكيف تتجلّى الوحدة الحقيقيّة ويتمّ الاتّحاد التّام بين البشر؟ فنقول: إنّ الاختلاف نوعان: أحدهما: الاختلاف المسبّب للانعدام والهلاك، كالاختلاف بين الشّعوب المتنازعة والملل المتقاتلة تمحو إحداها الأخرى وتخرّب وطنها وتسلبها الأمن والرّاحة وتعمل فيها القتل وسفك الدّماء. فهذا النّوع من الاختلاف مذموم. أمّا النّوع

الآخر من الاختلاف فهو التّنوّع. وهذا هو عين الكمال وموهبة ذي الجلال.
لاحظوا أزهار الحدائق: فمهما اختلف نوعها وتفاوتت ألوانها وتباينت صورها وتعدّدت أشكالها إنّها لمّا كانت تُسقى من ماء واحد، وتنمو من هواء واحد، وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإنّ تنوّعها واختلافها يكون سببًا في ازدياد رونقها وجمالها. وكذلك الحال إذا برز إلى حيّز الوجود أمر جامع – وهو نفوذ كلمة الله – أصبح اختلاف البشر في الآداب والرّسوم والعادات والأفكار والآراء والطّبائع سببًا لزينة العالم الإنسانيّ.
أضف إلى هذا أنّ هذا التّنوّع والاختلاف سبب لظهور الجمال والكمال، مثله في ذلك مثل التّفاوت الفطريّ والتّنوّع الخلقيّ بين أعضاء الإنسان الواقعة تحت نفوذ الرّوح وسلطانها. فإذا كانت الرّوح مسيطرة على جميع الأعضاء والأجزاء، وكان حكمها نافذًا في العروق والشّرايين كان اختلاف الأعضاء وتنوّع الأجزاء مؤيّدا للائتلاف والمحبّة وكانت هذه الكثرة أعظم قوى للوحدة.
ولو كانت أزهار الحديقة ورياحينها وبراعمها وأثمارها وأوراقها وأغصانها وأشجارها من نوع واحد ولون واحد وتركيب واحد وترتيب واحد لما توفر لمثل تلك الحديقة أيّ رونق ولا جمال بأيّ وجه من الوجوه. أمّا إذا تعدّدت ألوانها واختلفت أوراقها وتباينت أزهارها وتنوّعت أثمارها تسبّب كلّ لون في زينة سائر الألوان وإبراز جمالها وبرزت الحديقة في غاية الأناقة والرّونق والحلاوة والجمال. كذلك الحال في تفاوت الأفكار، وتنوّع الآراء والطّبائع والأخلاق في عالم الإنسان. فإنّها إذا استظلّت بظلّ قوّة واحدة، ونفذت فيها كلمة الوحدانيّة تجلّت وهي في نهاية العظمة والجمال والعلويّة والكمال.

ولا شيء اليوم يستطيع أن يجمع عقول بني الإنسان وأفكارهم وقلوبهم وأرواحهم تحت ظلّ شجرة واحدة غير قوّة كلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء. فكلمة الله هي النّافذّة في كلّ الأشياء. وكلمة الله هي المحرّكة للنّفوس. وكلمة الله هي الضّابطة لروابط عالم الإنسان.
والحمد لله أن قد أشرقت اليوم نورانيّة كلمة الله على جميع الآفاق، وأن استظلّ بظلّ كلمة الوحدانيّة قبيل من كلّ الفرق والطّوائف والملل والشّعوب والقبائل والأديان، وهم مجتمعون ومتّحدون ومتّفقون وفي غاية الائتلاف.
يا أهل العالم،
إنّ طلوع شمس الحقيقة نورانيّة خالصة للعالم، وظهور للرّحمانيّة في مجمع بني آدم. ولهذه الشّمس نتيجة طيّبة وثمرة مشكورة. وبها تتوفّر السّنوحات لكلّ فيض. وهذه الشّمس رحمة خالصة وموهبة بحتة. ونورانيّة العالم وأهله هي الائتلاف والوئام والمحبّة والارتباط والتّراحم والاتّحاد وإزالة التّباعد وتحقيق الوحدة بين جميع من على الأرض بنهاية الحرّيّة وغاية الشّهامة. وقد تفضّل الجمال المبارك فقال: "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غضن واحد". فشبّهَ عالم الوجود بشجرة واحدة، وجميع النّاس بالأوراق والأزهار والأثمار. ولهذا وجب أن يكون الجميع – من الغصن إلى الورق إلى البراعم إلى الثّمر- في غاية الطّراوة واللّطف. وحصول هذه الطّراوة وهذا اللّطف منوط بالألفة والارتباط. لهذا يجب أن يحافظ بعضكم على بعض بغاية القوّة، ويدعو بعضكم لبعض بالحياة الأبديّة.
ومن ثَمَّ وجب على أحبّاء الله أن يكونوا في عالم الوجود مثالاً لرحمة الرّبّ الودود، وموهبة مليك الغيب والشّهود، وينبغي لهم أن لا يلتفتوا إلى العصيان ولا الطّغيان، ولا ينظروا إلى الظّلم ولا العدوان،

وأن ينزّهوا أبصارهم ليروا الجنس البشريّ أوراقًا وبراعم وثمارًا لشجر الوجود، وأن يحصروا فكرهم دائمًا في تقديم الخير وإبداء المحبّة والرّعاية والمودّة والعون لغيرهم. لا يرون في أحد عدوًّا، ولا يفترضون في أحد سوءًا بل يعتقدون أنّ جميع من على الأرض أصدقاء، ويعتبرون الغرباء أحبّاء، ويعدّون المجهولين معروفين. ويجب عليهم ألاّ يقيّدهم قيد، بل عليهم أن يتخلّصوا من كلّ رباط.
إنّ المقرّب اليوم لدى باب الله ذي الكبرياء لهو الشّخص الّذي يقدّم للأعداء كأس الوفاء، ويبذل لهم العطاء، ويعين العاجز المظلوم، ويحوّل الخصم اللّدود إلى وليّ ودود.
تلك هي وصايا جمال المبارك، تلك هي نصائح الاسم الأعظم!
أيّها الأحبّاء الأعزّاء!
إنّ العالم في حرب وجدال. والنّوع الإنسانيّ في غاية الخصومة والوبال. أحاطت ظلمة الجفاء، واستترت نورانيّة الوفاء. إذ أنشبت جميع ملل العالم مخالبها الحادّة في رقاب بعضها البعض، وما زالت تتنازع وتتقاتل، بحيث تزعزع بنيان البشريّة وتزلزل. فكم من نفوس باتت شريدة بلا مأوى ولا وطن. وآلاف مؤلّفة من الرّجال يسقطون- كلّ عام- على الغبراء صرعى في ميادين الحرب والقتال مضرّجين بدمائهم، حتّى لقد طويت خيمة السّعادة والحياة وما زال القادة يتزعّمون ويقودون ويفتخرون بسفك الدّماء ويتباهون بإثارة الفتن. يقول قائل منهم: لقد حكّمت السّيف في رقاب هذه الأمة. ويقول ثانٍ: لقد سوّيت بالتّراب هذه المملكة. ويقول ثالث: لقد اقتطعت تلك الدّولة من أساسها. ذلك مدار فخرهم ومباهاتهم بين الجنس البشريّ. لقد أصبح الصّدق والصّداقة –في جميع الجهات- مذمومين، وأصبح الأمن وعبادة الحقّ مقدوحين. وإنّ منادي الصّلح والصّلاح والمحبّة والسّلام

لهو دين الجمال المبارك الّذي ضرب في قطب الوجود خيمته، ويدعو إلى نفسه الأقوام.
فيا أحبّاء الله! اعرفوا قدر هذا الدّين المتين، واعملوا في الحياة بموجبه، وأظهروه للخلائق أجمعين. وأنشدوا بألحان الملكوت، وانشروا تعاليم الرّب الودود ووصاياه، حتّى تصبح الدّنيا غير الدّنيا، ويستنير العالم الظّلماني، وتسري في جسد الخلق الميت روح حياة جديدة وتلتمس كلّ نفس لأختها الحياة الأبديّة وتتحوّل إلى نفس رحمانيّة.
إنّ الحياة في هذا العالم الفاني تنتهي في مدّة قصيرة، وتفنى العزّة والثّروة، وتزول الرّاحة والسّرور التّرابيّان. فنادوا الخلق إلى الخالق، وادعوا النّاس إلى سلوك الملأ الأعلى. كونوا للأيتام أبًا عطوفًا، وللمساكين ملجأً وملاذًا، وللفقراء كنز الغنى وللمرضى الدّواء والشّفاء. كونوا معين كلّ مظلوم، ومجير كلّ محروم. واحصروا فكركم في تقديم الخدمة لكلّ إنسان. ولا تلقوا بالاً إلى الإعراض ولا الإنكار ولا الاستكبار؛ ولا تأبهوا للظّلم ولا العدوان. بل على النّقيض! عاملوا النّاس وكونوا عطوفين عطفًا حقيقيًّا لا صوريًّا ولا ظاهريًّا. ويجب على كلّ فرد من أحبّاء الله أن يحصر فكره في أن يكون رحمة الرّﺤﻤن وموهبة المنّان، فما اتّصل بأحد إلاّ قدّم له الخير والمنفعة، وكان سببًا لتحسين الأخلاق وتعديل الأفكار حتّى يشعّ نور الهداية وتحيط بالعالم موهبة الرّحمن.
المحبّة نور يضيء في كلّ منزل، والعداوة ظلمة تأوي إلى كلّ كهف!
فيا أحبّاء الله ابذلوا الهمّة عسى أن تزول هذه الظّلمة تمامًا فينكشف السّرّ المستور وتبدو حقائق الأشياء وتتجلّى للعيان.

جناب البروفسور المحترم الدّكتور فورال المعظّم عليه بهاء الله الأبهى
هو الله
أيّها الشّخص المحترم المفتون بالحقيقة.
وصلت رسالتك المؤرّخة في الثّامن والعشرين من تمّوز 1921 وكانت مضامينها الطّيّبة دليلاً على أنّك ما زلت شابًّا تتحرّى الحقيقة وأنّ قواك الفكريّة شديدة واكتشافاتك العقليّة ظاهرة. إنّ الرّسالة الّتي كتبتها للدّكتور فيشر قد انتشرت ويعرف الجميع أنّها كتبت سنة 1910 وفضلاً عن هذه الرّسالة فقد كتبت رسائل متعدّدة بهذا المضمون قبل الحرب وقد أشير إلى هذه المسائل كذلك في جريدة جامعة سان فرانسيسكو وتاريخ تلك الجريدة يعرفه الجميع وكذلك الخطابة الّتي ألقيتها في الجامعة فيها الثّناء على الفلاسفة بعيدي النّظر في منتهى البلاغة وإنّا لنرسل إليكم نسخة من تلك الجريدة مع هذه الرّسالة.
هذا وإنّ مؤلفاتكم لا شكّ مفيدة لهذا نرجو إذا ما طبعت أن ترسلوا لنا نسخة من كلّ واحد منها.
إنَّ المقصود بالطّبيعيّين الّذين ذكرت عقائدهم حول مسألة الألوهيّة هم فئة من الطّبيعيّين ضيّقي النّظر عبدة المحسوسات المقيّدون بالحواس الخمس والّذين عندهم ميزان الإدراك هو ميزان الحسّ فقد اعتبروا المحسوس محتومًا وغير المحسوس معدومًا أو مشبوهًا حتّى إنّهم يعتبرون وجود الألوهيّة أمرًا مشكوكًا فيه بصورة كلّيّة وليس هذا رأي جميع الفلاسفة بصورة عامّة كما ذكرتم بل المقصود هم قصيرو النّظر من الطّبيعيّين أمّا الفلاسفة الإلهيّون أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو فإنّهم جديرون بالاحترام ويستحقّون أقصى الثّناء لأنّهم قدّموا خدمات فائقة إلى العالم الإنسانيّ وكذلك الفلاسفة الطّبيعيّون المعتدلون

الجهابذة ونحن نعتبر العلم والحكمة أساس ترقّي العالم الإنسانيّ ونثني على الفلاسفة ذوي النّظر البعيد فأمعنوا النّظر في جريدة سان فرانسيسكو حتّى تتجلّى لكم الحقيقة.
أمّا القوى العقليّة فهي من خصائص الرّوح كالشّعاع الّذي هو من خصائص الشّمس فأشعّة الشّمس هي في تجدّد مستمرّ ولكنّ نفس الشّمس باقية دون تغيير لاحظوا أنّ العقل الإنسانيّ في تزايد وتناقص ولربّما يزول العقل تمامًا ولكنّ الرّوح على حالة واحدة وأنّ ظهور العقل منوط بسلامة الجسم فالجسم السّليم فيه عقل سليم لكنّ الرّوح غير مشروطة بهذا الشّرط فالعقل يدرك ويتصوّر بقوّة الرّوح ولكنّ الرّوح قوّة طليقة والعقل يدرك المعقولات بواسطة المحسوسات لكنّ الرّوح لها انكشافات غير محدودة فالعقل محدود في دائرة والرّوح غير محدودة والعقل له إدراكات بواسطة قوى الحسّ مثل قوّة البصر وقوّة السّمع وقوّة الذّوق وقوّة الشّم وقوّة اللّمس لكنّ الرّوح حرّة طليقة كما تلاحظون أنّها تسير في حالتي اليقظة والنّوم ولربّما حلّت في عالم الرّؤيا مسألة من المسائل الغامضة الّتي كانت عند اليقظة مسألة مجهولة ويتعطّل العقل عن الإدراك بتعطّل الحواس الخمس والعقل مفقود تمامًا في حالة الجنين وحالة الطّفولة ولكنّ الرّوح في نهاية القوّة.
وخلاصة القول إنّ هناك أدلّة كثيرة على بقاء قوّة الرّوح بفقدان العقل. ولكنّ الرّوح لها مراتب ومقامات فهناك روح جماديّة ومن المسلّم به أنّ الجماد له روح وله حياة ولكنّه في حدود عالم الجماد كما اتّضح هذا السّرّ المجهول للطّبيعيّين وهو أنّ جميع الكائنات لها حياة كما قال تعالى في القرآن الكريم "وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ" وكذلك في عالم النّبات هناك قوّة النّمو وقوّة النّمو هي الرّوح وفي عالم الحيوان هناك قوّة الحسّ ولكن عالم الإنسان فيه قوّة محيطة وفي جميع هذه المراتب المذكورة ترى العقل مفقودًا لكنّك ترى ظهور الرّوح

وبروزها وأنّ قوى الحسّ لا تدرك الرّوح لكنّ القوّة العاقلة تستدلّ على وجودها وكذلك يستدلّ العقل على وجود حقيقة غير مرئيّة ومحيطة بالكائنات ولها ظهور وبروز في كلّ مرتبة من المراتب لكنّ حقيقتها فوق إدراك العقول. فرتبة الجماد لا تدرك حقيقة النّبات والكمال النّباتيّ وكذلك النّبات لا يستطيع إدراك حقيقة الحيوان. والحيوان لا يستطيع إدراك حقيقة الإنسان الكاشفة الّتي تحيط بسائر الأشياء. والحيوان أسير للطّبيعة ولا يتجاوز عن قوانين الطّبيعة ونواميسها لكن ثمّة قوّة كاشفة في الإنسان محيطة بالطّبيعة تحطّم قوانينها. فمثلاً إنّ جميع الجمادات والنّباتات والحيوانات أسيرة للطّبيعة، وهذه الشّمس على عظمتها أسيرة للطّبيعة إلى درجة لا إرادة لها مطلقًا ولا تستطيع أن تتجاوز عن قوانين الطّبيعة قيد شعرة. وكذلك سائر الكائنات من الجماد والنّبات والحيوان لا يستطيع أيّ واحد منها أن يتجاوز عن قوانين الطّبيعة بل إنّها جميعها أسيرة للطّبيعة ولكنّ الإنسان ولو أنّ جسمه أسير للطّبيعة ولكنّ روحه وعقله طليقان وحاكمان على الطّبيعة. لاحظوا الإنسان تروه مخلوقًا ترابيًّا متحرّكًا ذا روح لكنّ روح الإنسان وعقله يكسران قانون الطّبيعة فيصبح طيرًا ويطير في الهواء أو يشقّ صفحات البحار بكمال السّرعة ويسير في أعماق البحار كالأسماك ويقوم باكتشافات بحرّيّة. وهذا كسر عظيم لقوانين الطّبيعة. وكذلك القوّة الكهربائيّة فهذه القوّة العاتية العاصية الّتي تشقّ الجبل شقًّا قد حبسها الإنسان داخل زجاجة وفي هذا خرق لقانون الطّبيعة. وكذلك أسرار الطّبيعة المكنونة الّتي ينبغي أن تبقى مخفيّة بحكم الطّبيعة قد كشفها الإنسان وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذا كذلك خرق لقانون الطّبيعة وكذلك خواص الأشياء هي من أسرار الطّبيعة الّتي يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث الماضية الّتي فقدت من عالم الطّبيعة صار يكشفها الإنسان، وكذلك الحوادث المقبلة الّتي صار

يكشفها الإنسان عن طريق الاستدلال في حين أنّها لا تزال مفقودة في عالم الطّبيعة، وأنّ المخابرة والمراسلة تنحصر بالمسافات القريبة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان صار بتلك القوّة المعنويّة الكاشفة لحقائق الأشياء يتخابر من الشّرق إلى الغرب فهذا أيضًا خرق لقانون الطّبيعة، وكذلك الظّلّ شيء زائل وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان صار يثبت هذا الظّلّ في الزّجاج وهذا خرق لقانون الطّبيعة، فأمعنوا النّظر تروا أنّ جميع العلوم والفنون والصّناعات والاختراعات والاكتشافات كانت من أسرار الطّبيعة ويجب أن تبقى مستورة وفقًا لقانون الطّبيعة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة يخرق قانون الطّبيعة ويأتي بهذه الأسرار المكنونة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وهذا خرق لقانون الطّبيعة، وخلاصة القول إنّ تلك القوّة المعنويّة غير المرئيّة في الإنسان تأخذ السّيف من يد الطّبيعة وتضرب به هامة الطّبيعة، وإنّ سائر الكائنات على ما هي عليه من العظمة محرومة من هذه الكمالات، وللإنسان قوّة إرادة وشعور ولكنّ الطّبيعة محرومة من ذلك والطّبيعة مجبرة والإنسان مختار والطّبيعة تجهل الحوادث الماضيّة ولكنّ الإنسان عليم بها والطّبيعة تجهل الحوادث المستقبلة ولكنّ الإنسان بقوّته الكاشفة لعالم الطّبيعة يعلم بكلّ شيء. ولو يخطر على بال شخص سؤال بأنّ الإنسان جزء من عالم الطّبيعة وهو جامع لهذه الكمالات الّتي هي صور لعالم الطّبيعة. إذًا فالطّبيعة مالكة لهذه الكمالات لا فاقدة لها فنقول له في الجواب: "إنّ الجزء تابع للكلّ وليس من الممكن أن تكون في الجزء كمالات محروم منها الكلّ والطّبيعة هي عبارة عن الخواص والرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الأشياء، وهذه الحقائق مهما كانت في نهاية الاختلاف ولكنّها على غاية الارتباط، وهذه الحقائق المختلفة تلزمها جهة جامعة لها تربطها جميعها ببعضها فمثلاً أركان الإنسان وأعضاؤه وأجزاؤه وعناصره في نهاية

الاختلاف، ولكنّ الجهة الجامعة المعبّر عنها بالرّوح الإنسانيّ تربطها بعضها ببعض جميعًا ليتمّ التّعاون والتّعاضد بينها بصورة منتظمة وتتمّ جميع الأعضاء تحت قوانين منتظمة هي سبب بقاء الوجود لكنّ جسم الإنسان لا علم له بهذه الجهة الجامعة أبدًا في حين أنّه يقوم بإرادتها على إيفاء وظيفته.
أمّا الفلاسفة فهم قسمان، ومنهم سقراط الحكيم الّذي كان يؤمن بالوحدانيّة الإلهيّة وببقاء الرّوح بعد الموت. ولمّا كانت عقيدته تخالف آراء العوام ضيّقي النّظر لذا فقد أشربوه السّمّ. وعندما نَظَرَ جميع الفلاسفة الإلهيّين والعقلاء والعلماء إلى هذه الكائنات الّتي لا نهاية لها لاحظوا أنّ نهاية هذا الكون الأعظم تنتهي إلى عالم الجماد وتنتهي نهاية عالم الجماد إلى عالم النّبات وتنتهي نهاية عالم النّبات إلى عالم الحيوان وتنتهي نهاية عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، وأنّ هذا الكون الوسيع الّذي لا نهاية له تنتهي نهايته إلى الإنسان، وهذا الإنسان بعد أيّام المحن والآلام الّتي تتناهى في النّشأة الإنسانيّة يتلاشى ويزول دون أثر أو ثمر. وإذا كان الأمر كذلك فإنّ هذا الكون الّذي لا يتناهى مع جميع كمالاته ينتهي إلى اللّغو والهذيان دون أيّة نتيجة. إذن أيقنوا على أنّ الأمر ليس كذلك ولن ينتهي هذا المصنع على ما هو عليه من العظمة والشّوكة المحيّرة للعقول وعلى ما هو عليه من هذه الكمالات إلى الهذيان. ومن المؤكّد أنّ هناك نشاة أخرى، فكما أنّ عالم النّبات ليس له خبر عن نشاة عالم الإنسان فكذلك نحن لا خبر لنا عن تلك النّشأة الكبرى بعد النّشأة الإنسانيّة، ولكن عدم الاطّلاع ليس بدليل على عدم الوجود، وكما أنّ عالم الجماد لا خبر له تمامًا عن عالم الإنسان ويستحيل عليه إدراكه فإنّ عدم إدراكه ليس بدليل على عدم الوجود. وهناك دلائل قاطعة متعدّدة على أنّ هذا العالم غير المتناهي لا ينتهي إلى الحياة الإنسانيّة. أمّا حقيقة الألوهيّة فهي في الواقع حقيقة مجرّدة

تجرّدًا حقيقيًّا فهذا يعني أنّ إدراكها مستحيل لأنّ كلّ ما يقع تحت التّصوّر إنّما هو حقيقة محدودة لا حقيقة غير متناهية ومحاط وليس بمحيط ويكون إدراك الإنسان فائقًا عليه ومحيطًا به. ومن المؤكّد كذلك أنّ التّصوّرات الإنسانيّة حادثة لا قديمة ولها وجود ذهنيّ لا وجود عينيّ وفضلاً عن هذا فإنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع للإدراك إذن فكيف يدرك الحادث الحقيقة القديمة؟ وكما قلنا إنّ تفاوت المراتب في حيّز الحدوث مانع للإدراك فالجماد والنّبات والحيوان لا خَبَرَ لها عن قوى الإنسان العقليّة الكاشفة لحقائق الأشياء ولكنّ الإنسان مطّلع على هذه المراتب جميعها فكلّ مرتبة عالية محيطة بالمرتبة الدّانية وكاشفة لحقيقتها ولكنّ المرتبة الدّانية لا خَبَرَ لها بالمرتبة العالية ومستحيل عليها الاطّلاع عليها.
لهذا فالإنسان لا يستطيع أن يتصوّر حقيقة الألوهيّة ولكنّه يعتقد بحقيقة حضرة الألوهيّة عن طريق القواعد العقليّة والنّظريّة والمنطقيّة والاستنتاجات الفكريّة والاكتشافات الوجدانيّة ويكشف الفيوضات الإلهيّة ويوقن بأنّ حقيقة الألوهيّة مهما كانت غير مرئيّة ومهما كان وجود الألوهيّة غير محسوس فإنّ هناك أدلّة قاطعة إلهيّة تحكم بوجود تلك الحقيقة غير المرئيّة. لكن تلك الحقيقة كما هي، مجهولة النّعت فمثلاً المادّة الأثيريّة موجودة ولكنّ حقيقتها مجهولة وهي محتومة بآثارها والحرارة والضوء والكهرباء هي تموّجاتها، ومن هذه التّموّجات يثبت وجود المادّة الأثيريّة. ونحن عندما ننظر إلى الفيوضات الإلهيّة نوقن بوجود الألوهيّة، فمثلاً نلاحظ أنّ وجود الكائنات عبارة عن تركيب العناصر الفرديّة وأنّ فناء الكائنات عبارة عن تحليل عناصرها لأنّ التّحليل سبب تفريق العناصر الفرديّة. إذن فنحن عندما ننظر إلى تركيب العناصر نشاهد أنّ كائنًا من الكائنات جاء للوجود من كلّ تركيب وأنّ الكائنات غير متناهية وأنّ المعلولات غير متناهية إذن فكيف تصبح العلّة فانية؟

إنّ التّركيب ينحصر في ثلاثة أقسام لا رابع لها: تركيب تصادفيّ وتركيب إلزاميّ وتركيب إراديّ. أمّا تركيب عناصر الكائنات فليس تركيبًا تصادفيًّا لأنّ المعلول لا يأتي للوجود بدون علّة، ثمّ إنّ تركيب عناصر الكائنات ليس تركيبًا إلزاميًّا لأنّ التّركيب الإلزاميّ هو ذاك التّركيب الّذي ينتج من اللّوازم الضّروريّة للأجزاء المركّبة واللّزوم الذّاتيّ لأيّ شيء لا ينفكّ عنه النّور الّذي يظهر الأشياء وكذلك الحرارة الّتي تمدّد العناصر وشعاع الشّمس هما من لوازم الشّمس الذّاتيّة. وعلى هذه الصّورة يكون تحليل كلّ تركيب مستحيلاً لأنّ اللّزوم الذّاتيّ لا ينفكّ عن كلّ كائن. والآن بقي النّوع الثّالث من التّركيب وهو التّركيب الإراديّ وهو أن تكون فيه قوّة غير مرئيّة يسمّونها القدرة القديمة هي السّبب في تركيب هذه العناصر ويحصل من كلّ تركيب كائن من الكائنات. وأمّا الإرادة والعلم والقدرة والصّفات القديمة الّتي نعتبرها من كمالات تلك الحقيقة اللاّهوتيّة هي من مقتضيات آثار وجوده في حيّز الشّهود وليست الكمالات الحقيقيّة للألوهيّة المطلقة الّتي لا يمكن إدراك كنهها. فمثلاً عندما نلاحظ في الكائنات كمالات غير متناهية وندرك أنّ الكائنات على شأن كبير من الانتظام والكمال نقول إنّ تلك القدرة القديمة الّتي نسب إليها وجود هذه الكائنات قوّة ليست جاهلة إذن فهي عالمة وهي لا شكّ غير عاجزة إذن فهي قديرة وهي لا شكّ غير فقيرة إذن فهي غنيّة وهي لا شكّ غير معدومة إذن فهي موجودة.
وخلاصة القول إنّ هذه النّعوت الّتي نحسبها لتلك الحقيقة الكلّيّة هي مجرد سلب النّقائص عنها لا ثبوت للكمالات الّتي يتصوّرها الإنسان في حيّز إدراكه ولهذا نقول إنّها مجهولة النّعت. والخلاصة أنّ تلك الحقيقة الكلّيّة مع جميع نعوتها وأوصافها الّتي نحصيها مقدّسة ومنزّهة عن العقول والإدراكات، ولكنّنا عندما ننظر في هذا الكون غير المتناهي نظرة شاملة دقيقة نلاحظ أنّ الحركة والمتحرّك

أشياء مستحيلة بدون المحرّك وأنّ المعلول ممتنع ومحال بدون العلّة وأنّ كلّ كائن من الكائنات قد يكون تحت تأثير مؤثّرات عديدة متفاعلة بعضها مع بعض دائمًا، وتلك المؤثّرات حصلت كذلك بتأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّبات حصل بفيض سحابة الرّبيع وتمّ إنباته ولكن السّحابة نفسها حصلت من تدابير مؤثّرات أخرى وتلك المؤثّرات كذلك من تأثير مؤثّرات أخرى فمثلاً النّباتات والحيوانات نشأت ونمت من عنصري النّار والماء اللّذين يسمّيهما فلاسفة هذه الأيّام باسمي الأوكسيجين والهيدروجين، أي أنّها وجدت من تربية وتأثير هذين المؤثّرين ونفس هذين العنصرين هما تحت تأثير مؤثّرات أخرى، وكذلك سائر الكائنات لها هذا التّسلسل من المؤثّرات والمتاثّرات. ومن الثّابت بالبراهين بطلان التّسلسل إذن فلا بدّ أن تنتهي هذه المؤثّرات والمتاثّرات إلى الحيّ القدير الّذي هو الغنيّ المطلق والمقدّس عن المؤثّرات. وتلك الحقيقة الكلّيّة غير محسوسة وغير مرئيّة ويجب أن تكون كذلك لأنّها محيطة لا محاطة. ومثل هذه الأوصاف صفات للمعلول لا للعلّة وعندما ندقّق النّظر نلاحظ أنّ الإنسان كالميكروب الصّغير الموجود في الفاكهة، فتلك الفاكهة وجدت من برعم والبرعم نبت من الشّجرة والشّجرة نشأت ونمت من مادّة سائلة وتلك المادّة السّائلة حصلت من التّراب والماء. ولكن كيف يستطيع هذا الجرثوم الصّغير أن يدرك حقائق ذلك البستان ويفهم البستانيّ ويدرك حقيقة ذلك البستانيّ ومن الواضح أنّ هذا مستحيل. ولكنّ ذلك الميكروب لو كان ذكيًّا لفهم أنّ هذا البستان وهذه الشّجرة وهذا البرعم وهذه الثّمرة لم تحصل بهذا الانتظام والكمال من نفسها لنفسها. وبمثل هذا يوقن الإنسان العاقل الذّكيّ أنّ هذا الكون الّذي لا نهاية له لم يحصل بهذه العظمة والانتظام من نفسه لنفسه، وكذلك وجدت القوى غير المرئيّة في حيّز الإمكان ومنها القوّة الأثيريّة وهي كما مرَّ ذكره غير محسوسة وغير مرئيّة ولكنّها

ظاهرة ثابتة من آثارها أي من تموّجات ومن اهتزازات الضّوء والحرارة والكهرباء، وكذلك قوّة النّمو وقوّة الإحساس وقوّة العقل وقوّة التّفكير وقوّة الحفظ وقوّة التّخيّل وقوّة الكشف. فهذه القوى المعنويّة كلّها غير مرئيّة وغير محسوسة ولكنّها ظاهرة ثابتة بآثارها.
وأمّا القوّة غير المحدودة فإنّ نفس المحدود دليل على وجود غير المحدود لأنّ المحدود ولا شكّ يعرف بغير المحدود، كما أنّ نفس العجز دليل على وجود القدرة ونفس الجهل دليل على وجود العلم ونفس الفقر دليل على وجود الغنى فلو لم يكن الغنى لما كان الفقر أيضًا ولو لم يكن العلم لما كان الجهل ولو لم يكن النّور لما كانت الظّلمة فنفس الظّلمة دليل على النّور لأنّ الظّلمة هي عدم النّور. أمّا الطّبيعة فهي عبارة عن الخواص والرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الأشياء وهذه الحقائق غير متناهيّة ومهما كانت في منتهى الاختلاف في ما بينها لكنّها في غاية الائتلاف وفي أقصى الارتباط من جهة أخرى. وعندما توسّع نظرتك وتلاحظ ملاحظة دقيقة توقن أنّ كلّ حقيقة هي من اللّوازم الضّروريّة لسائر الحقائق. إذًا فيستلزم هذا وجود جهة جامعة لارتباط هذه الحقائق المختلفة وائتلافها حتّى يوفي كلّ جزء من أجزاء الكائنات وظيفته بمنتهى الانتظام. فمثلاً لاحظوا الإنسان واستدلّوا من الجزء على الكلّ لاحظوا هذه الأعضاء والأجزاء المختلفة في الهيكل الإنسانيّ تروا ما أعظم ارتباطها وائتلافها بعضها ببعض وكلّ جزء هو من اللّوازم الضّروريّة لسائر الأجزاء وله وظيفة مستقلّة، ولكنّ الجهة الجامعة وهي العقل يربطها جميعًا ربطًا بدرجة تفي بوظائفها وفاءً منتظمًا ويحصل التّعاون والتّعاضد والتّفاعل بينها، وأنّ حركتها جميعًا تحت قوانين هي من اللّوازم الوجوديّة لها. فإذا حصل في تلك الجهة الجامعة الّتي هي مدبّرة لهذه الأجزاء خلل وفتور فلا شكّ أن تحرم الأعضاء والأجزاء من إيفاء وظائفها إيفاءً منتظمًا ومع أنّ تلك القوّة

الجامعة في الهيكل الإنسانيّ غير محسوسة وغير منظورة وحقيقتها مجهولة ولكنّها من حيث الآثار ظاهرة باهرة بكلّ قوّة. إذن ثبت واتّضح أنّ هذه الكائنات غير المتناهية في العالم العظيم كلّ واحد منها يتوفّق في أداء وظيفته عندما يكون تحت إدارة حقيقيّة كلّيّة حتّى ينتظم هذا العالم. وخذ مثلاً التّفاعل والتّعاضد والتّعاون بين الأجزاء المكوّنة للوجود الإنسانيّ فإنّ هذا شيء مشهود لا يقبل النّكران لكنّ هذا التّفاعل والتّعاضد والتّعاون غير كافٍ بل يحتاج جهة جامعة تدير هذه الأجزاء وتدبّرها حتّى تقوم هذه الأجزاء المركّبة بإيفاء وظائفها اللاّزمة بالتّعاون والتّفاعل والتّعاضد إيفاءً منتظمًا. وأنتم ولله الحمد مطّلعون على أنّ بين جميع الكائنات تفاعلاً وتعاضدًا كلّيًّا وجزئيًّا ولكنّ التّفاعل بين الكائنات العظيمة واضح وضوح الشّمس ولو أنّ التّفاعل مجهول بين الكائنات الجزئيّة ولكنّ الجزء قياس للكلّ إذن فجميع هذه التّفاعلات مرتبطة بقوّة محيطة هي المحور والمركز والمحرّك لهذه التّفاعلات. وكما قلنا إنّ التّعاون والتّعاضد بين أجزاء الهيكل الإنسانيّ شيء ثابت وإنّ هذه الأعضاء والأجزاء تخدم جميع الأعضاء والأجزاء الأخرى فمثلاً اليد والقدم والعين والأذن والفكر والتّصوّر تساعد جميع الأعضاء والأجزاء لكنّ جميع هذه التّفاعلات ترتبط بقوّة واحدة غير مرئيّة محيطة بها تحصل هذه التّفاعلات بصورة منتظمة وتلك هي القوّة المعنويّة في الإنسان وهي عبارة عن الرّوح والعقل وهي غير مرئيّة. وكذلك لاحظوا المعامل والمصانع تروا تفاعل جميع الآلات والأدوات وارتباطها بعضها ببعض ولكنّ جميع هذه الرّوابط والتّفاعلات مرتبطة بقوّة عموميّة هي المحرّك والمحور والمصدر لهذه التّفاعلات وتلك القوّة هي قوّة البخار أو مهارة العامل. إذن اتضح وتحقّق أنّ التّفاعل والتّعاضد والارتباط بين الكائنات هو تحت إدارة وإرادة قويّة محرّكة واحدة هي المصدر والمحرّك والمحور للتّفاعل بين الكائنات وكذلك

كلّ تركيب وترتيب لا نراه مرتّبًا ومنظّمًا نسمّيه تركيبًا تصادفيًّا ونسمي كلّ تركيب وترتيب منظّم ومرتّب وفي منتهى الكمال في الارتباط أي يقع كلّ جزء منه في موقع ضروريّ لسائر الأشياء نسمّيه تركيبًا تركّب وترتّب بإرادة وبشعور. ولا شكّ أنّ هذه الكائنات غير متناهية وأنّ تركيب هذه العناصر الفرديّة الّتي انحلّت في صور غير متناهية صدر عن حقيقة ليست فاقدة الشّعور ولا مسلوبة الإرادة. وهذا شيء ثابت وواضح لدى العقل وليس هناك مجال للإنكار ولكنّ مقصودنا هو أنّنا أدركنا تلك الحقيقة الكلّيّة عن طريق الصّفات ولكنّنا لم ندرك الحقيقة ذاتها ولا صفاتها الحقيقيّة ومع هذا نقول إنّ هذه الكائنات غير متناهية وهي روابط ضروريّة وإنّ هذا التّركيب التّام الكامل غير صادر عن مصدر فاقد للإرادة والشّعور وإنّ هذا التّركيب غير المتناهي الّذي انحلّ في صور غير متناهية مبنيّ على حكمة كلّيّة وهذه قضيّة غير قابلة للنّكران اللّهم إلا أنّ يقوم الإنسان على إنكار المعاني الواضحة الباهرة بالعناد واللّجاج ويكون مصداق الآية الكريمة "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون".
أمّا القول بأنّ القوى العقليّة والرّوح الإنسانيّ شيء واحد فإنّ القوى العقليّة من خصائص الرّوح مثل قوّة التّخيّل ومثل قوّة التّفكير ومثل القوّة المدركة فهي من خصائص الحقيقة الإنسانيّة كما أنّ شعاع الشّمس من خصائص الشّمس والهيكل الإنسانيّ بمثابة مرآة والرّوح بمثابة الشّمس والقوى العقليّة بمثابة الأشعّة الّتي هي فيض من فيوضات الشّمس ولربما تنقطع الأشعّة عن المرآة وتنفكّ عنها لكنّ أشعّة الشّمس لا تنفكّ عن الشّمس. وخلاصة القول إنّ مقصودنا هو أنّ العالم الإنسانيّ بالنّسبة لعالم النّبات كنسبة عالم ما وراء الطّبيعة إلى عالمنا وفي الحقيقة لا نسبة له بما وراء الطّبيعة ولكنّ حقيقة الإنسان وقوّة سمعه وبصره بالنّسبة للنّبات هي بمثابة ما وراء الطّبيعة ومن المستحيل

على النّبات أن يدرك حقيقة الإنسان وماهيّة القوّة العاقلة وكذلك يستحيل على البشر إدراك حقيقة الألوهيّة وحقيقة نشأة الحياة بعد الموت. لكنّ فيوضات الحقيقة الرّحمانيّة تشمل جميع الكائنات ويجب على الإنسان أن يفكّر ويتأمّل في الفيوضات الإلهيّة الّتي منها الرّوح لا في حقيقة الألوهيّة فإنّ هذا منتهى إدراكات العالم الإنسانيّ وكما سبق أن ذكرنا أنّ هذه الأوصاف والكمالات الّتي نحصيها لحقيقة الألوهيّة إنّما نقتبسها من وجود الكائنات وشهودها لا أنَّنا أدركنا الحقيقة الإلهيّة. فإذا قلنا إنّ حقيقة الألوهيّة مدركة ومختارة فليس ذلك يعني أنّنا اكتشفنا إرادة الألوهيّة واختيارها بل اقتبسنا ذلك من فيوضات الألوهيّة الظّاهرة في حقائق الأشياء. أمّا مسائلنا الاجتماعيّة أي تعاليم حضرة بهاء الله الّتي انتشرت قبل خمسين سنة فإنّها جامعة لجميع المبادئ ومن الواضح أنّ نجاح العالم الإنسانيّ وفلاحه مستحيل بدون هذه التّعاليم كلّ الاستحالة وكلّ فرقة من الفرق في العالم الإنسانيّ ترى نهاية آمالها موجودة في هذه التّعاليم السّماويّة وهذه التّعاليم بمثابة شجرة تحمل جميع الأثمار بصورة أكمل وأتمّ، فمثلاً يشاهد الفلاسفة المسائل الاجتماعيّة بصورة أكمل وأتمّ في هذه التّعاليم السّماويّة وكذلك يشاهدون فيها المسائل الفلسفيّة بصورة أسمى وأشرف وبصورة مطابقة للحقيقة، وكذلك يشاهد أهل الأديان حقيقة الدّين في هذه التّعاليم السّماويّة مشاهدة العيان وتثبت لهم بالأدلّة القاطعة والحجج الواضحة أنّها العلاج الحقيقيّ لعلل وأمراض الهيئة الاجتماعيّة في العالم الإنسانيّ وعند انتشار هذه التّعاليم العظيمة تنجو الهيئة الاجتماعيّة بأسرها من جميع الأخطار والعلل والأمراض المزمنة.
وكذلك مسألة الاقتصاد البهائيّ فهي منتهى آمال العمّال ومنتهى مقصود الأحزاب الاقتصاديّة والخلاصة أنّ جميع الأحزاب تنال نصيبها من تعاليم حضرة بهاء الله وعندما تعلن هذه التّعاليم في الكنائس

والمساجد وسائر معابد الملل الأخرى حتّى البوذيّين والكونفوشيوسيّين ونوادي الأحزاب المختلفة حتّى المادّيّين ترى الكلّ يعترفون بأنّ هذه التّعاليم سبب الحياة الجديدة للعالم الإنسانيّ وهي العلاج الفوريّ لجميع أمراض الهيئة الاجتماعيّة ولا ينتقدها أيّ إنسان بل بمجرّد الاستماع إليها تطرب النّفوس وتذعن بأهميّة هذه التّعاليم وتقول: "هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضّلال المبين".
وفي ختام الكلام أكتب إليكم الكلمات التّالية وهي الحجّة والبرهان القاطع على الجميع فأمعنوا النّظر فيها: إنّ قوّة إرادة كلّ ملك مستقلّ تنفذ في أيّام حياته وكذلك قوّة إرادة كلّ فيلسوف تؤثّر في أيّام حياته في نفر قليل من تلامذته أمّا قوّة الرّوح القدس الظّاهرة الباهرة في حقائق الأنبياء وقوّة إرادة الأنبياء هي على شأن من النّفوذ بحيث تراها نافذة الآف السّنين في ملّة عظيمة وتراها تؤسّس خلقًا جديدًا وتنقل العالم الإنسانيّ من عالم قديم إلى عالم آخر جديد فلاحظوا أيّة قوّة هذه القوّة الخارقة للعادة فإنّه برهان وافٍ على حقيقة الأنبياء وحجّة بالغة على قوّة الوحي وعليكم البهاء الأبهى.
حيفا 21 أيلول 1921
عبد البهاء عبّاس
هولندا جناب السّيّد أ.أ. دان زيدكز عليه التّحيّة والثّناء
هو الله
أيّها الشّخص المحترم المتحرّي عن الحقيقة إنّ الرّسالة المؤرّخة بتاريخ الرّابع من نيسان 1921 قد وصلت وتلوتها بكمال المحبّة.
أمّا وجود الألوهيّة فثابت بالدّلائل العقليّة ولكن حقيقة الألوهيّة

ممتنعة الإدراك لأنّكم حينما تنظرون بنظر دقيق تجدون أنّ كلّ رتبة دانية لا تدرك الرّتبة العالية فمثلاً عالم الجماد، الّذي هو في المرتبة الدّانية، يستحيل عليه إدراك عالم النّبات، ومثل هذا الإدراك ممتنع ومحال لديه وكذا عالم النّبات مهما ارتقى فلن يكون له خبر عن عالم الحيوان بل إنّ الإدراك له مستحيل عليه لأنّ الرّتبة الحيوانيّة فوق الرّتبة النّباتيّة وهذا الشّجر لا يستطيع تصوّر السّمع والبصر وإنّ عالم الحيوان مهما ارتقى لن يستطيع تصوّر حقيقة العقل الكاشف للأشياء والمدرك للحقائق غير المرئيّة لأنّ مرتبة الإنسان عالية بالنّسبة لمرتبة الحيوان ومع أنّ جميع هذه الكائنات هي في حيّز الحدوث إلا أنّ التّفاوت في المراتب مانع للإدراك فكلّ مرتبة أدنى من غيرها لا تستطيع إدراك المرتبة الأعلى منها بل إنّ ذلك مستحيل ولكن كلّ مرتبة أعلى تستطيع إدراك المرتبة الأدنى مثال ذلك الحيوان فإنّه يدرك مرتبة النّبات والجماد وكذا الإنسان يدرك مرتبة الحيوان والنّبات والجماد ولكن الجماد مستحيل عليه إدراك عوالم الإنسان وهذه الحقائق هي في حيّز الحدوث ومع ذلك لا تستطيع أيّة مرتبة أدنى من غيرها إدراك مرتبة أعلى منها ومن المستحيل ذلك إذًا فكيف يمكن أن تدرك الحقيقة الحادثة (أي الإنسان) حقيقة الألوهيّة الّتي هي حقيقة قديمة؟ وتفاوت المراتب بين الإنسان وبين حقيقة الألوهيّة هو مائة ألف مرّة أعظم من التّفاوت بين النّبات والحيوان وكلّ ما يتصوّره الإنسان هو صورة موهومة توهّمها الإنسان وهي محاطة لا محيطة أي أنّ الإنسان محيط بتلك الصّور الموهومة في حين أنّ حقيقة الألوهيّة لا يمكن الإحاطة بها بل إنّها محيطة بجميع الكائنات وإنّ الكائنات محاطة وحقيقة الألوهيّة الّتي يتصوّرها الإنسان لها وجود ذهني لا وجود حقيقيّ في حين أنّ الإنسان له وجود ذهني ووجود حقيقيّ في نفس الوقت. إذًا فالإنسان أعظم من تلك الحقيقة الموهومة الّتي يمكن تصوّرها، وكلّ ما في الأمر هو أنّ الطّير التّرابي يستطيع أن يطير ويقطع

في طيرانه قليلاً من هذا البعد الّذي لا يتناهى، ولكنّ الوصول إلى أوج الشّمس مستحيل عليه. ولكن يجب إقامة أدلّة عقليّة أو أدلّة إلهاميّة على وجود الألوهيّة أي على قدر الإدراك الإنسانيّ.
من الواضح أنّ جميع الكائنات مرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطًا تامًّا مثل ارتباط أعضاء الهيكل الإنسانيّ فكما أنّ أعضاء وأجزاء الهيكل الإنسانيّ مرتبط بعضها بالبعض الآخر فكذلك يكون ارتباط أجزاء هذا الكون اللاّمتناهي ببعضها على هذا النّحو فمثلاً القدم والرّجل مرتبطتان بالسّمع والبصر ويجب أن ترى العين حتّى تستطيع القدم أن تخطو خطوة ويجب أن تسمع الأذن حتّى ينظر البصر نظرة دقيقة وكلّ جزء من الأجزاء الإنسانيّة إذا نقص حصل النّقص والفتور في سائر الأجزاء والدّماغ مرتبط بالقلب وبالمعدة، والرّئة مرتبطة بجميع الأعضاء. وكذا بقيّة الأعضاء لكلّ منها وظيفته فالقوّة العاقلة سواء أقلنا إنّها قديمة أو قلنا إنّها حادثة إنّما هي مديرة ومدبّرة لجميع أعضاء الإنسان ليقوم كلّ عضو بوظيفته بنهاية الانتظام ولكن لو حدث خلل في تلك القوّة العقليّة فإنّ جميع الأعضاء تتوقّف عن إجراء وظائفها الأصليّة وتظهر أعراض الخلل في هيكل الإنسان وفي تصرّفات أعضائه ولا تظهر الفائدة المطلوبة.
وكذلك لاحظوا هذا الكون الّذي لا يتناهى فلا بدّ من وجود قوّة كلّيّة فيه تكون محيطة ومديرة ومدبّرة لجميع أجزاء هذا الكون الّذي لا نهاية له ولو لم يكن هذا المدير والمدبّر موجودًا لاختلّ عالم الكون ولأصبح كالمجنون وحيث إنّكم تلاحظون أنّ هذا الكون الّذي لا يتناهى في غاية الانتظام وكلّ جزء من أجزائه يقوم بوظائفه بكلّ إتقان وليس هناك أيّ خلل فمن الواضح المشهود أنّ هناك قوّة كلّيّة موجودة هي المدبّرة والمديرة لهذا الكون الّذي لا يتناهى وأنّ كلّ عاقل يدرك هذا ثمّ إنّ جميع الكائنات ولو أنّها تنمو وتتكامل تدريجيًّا إلاّ أنّها تحت

مؤثّرات خارجيّة، مثال ذلك الشّمس تهب الحرارة وتسقط مطرًا وتهب نسيمًا منعشًا للأرواح حتّى ينمو الإنسان ويتكامل. إذًا فقد اتّضح أنّ الهيكل الإنسانيّ هو تحت مؤثّرات خارجيّة ولا ينمو ولا يتكامل بدونها وتلك المؤثّرات الخارجيّة هي أيضًا تحت مؤثّرات أخرى مثال ذلك نموّ وتكامل الوجود الإنسانيّ منوط بوجود الماء، والماء منوط بوجود المطر، والمطر منوط بوجود السّحاب، والسّحاب منوط بوجود الشّمس حتّى يتبخّر البرّ والبحر ويحصل السّحاب من التّبخّر وكلّ واحد من هذه العوامل مؤثّر ومتاثّر في نفس الوقت إذًا فلا بد وأنها تتنهي إلى وجود مؤثّر لا يتأثّر بكائن آخر وعنده ينقطع التّسلسل. إلا أنّ حقيقة ذلك الكائن مجهولة ولكنّ آثاره واضحة مشهودة. وفضلاً عن هذا فإنّ جميع الكائنات محدودة ونفس محدوديّة هذه الكائنات دليل على حقيقة غير المحدودة لأنّ وجود المحدود يدلّ على وجود غير المحدود والخلاصة أنّ هناك أدلّة كثيرة من هذا القبيل كلّها تدلّ على أنّ تلك الحقيقة الكلّيّة لمّا كانت حقيقة قديمة فإنّها منزّهة ومقدّسة عن شؤون الحادثات وأحوالها لأنّ كلّ حقيقة تتعرّض للحادثات والشّؤون هي ليست قديمة بل حادثة. إذًا فاعلم أنّ الألوهيّة الّتي تتصوّرها سائر الطّوائف والملل هي ألوهيّة تحت التّصوّر لا فوقه والحال أنّ حقيقة الألوهيّة فوق التّصوّر. أمّا المظاهر المقدّسة الإلهيّة فإنّها مظهر تجلّي كمالات تلك الحقيقة المقدّسة وهذا الفيض الأبديّ والتّجلّي اللاّهوتي هو الحياة الأبديّة للعالم الإنسانيّ فمثلاً شمس الحقيقة هي في أفق عال لا يمكن أن يصله أيّ شخص وإنّ جميع العقول والأفكار قاصرة وهي مقدّسة ومنزّهة عن إدراكها ولكنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة هي بمنزلة المرايا الصّافية النّورانيّة الّتي تستفيض من شمس الحقيقة وتفيض على سائر الخلق والشّمس بكلّ كمالها وجلالها ظاهرة باهرة في هذه المرآة النّورانيّة فلو قالت الشّمس الموجودة في المرآة إنّي شمس فهي صادقة

ولو قالت إنّني لست الشّمس فهي صادقة ولو ظهرت الشّمس وبهرت بكلّ جلالها وجمالها وكمالها في المرآة الصّافية فإنّها لا تتنزل من عالمها الأعلى ومن سموّ مقامها ولا تحلّ في هذه المرآة بل إنّها لم تزل في علوّ تنزيهها وتقديسها. وجميع الكائنات الأرضيّة ينبغي أن تستفيض من الشّمس لأنّ وجودها منوط ومشروط بحوادث الشّمس وبضيائها ولو بقيت محرومة من الشّمس فإنّها تفنى وتزول وهذه هي المعيّة الإلهيّة المذكورة في الكتب المقدّسة في أنّ الإنسان يجب أن يكون دائمًا مع الله. إذًا صار معلومًا أنّ ظهور الحقيقة الألوهيّة يتمّ بالكمالات، والشّمس وكمالاتها مرئيّة في المرايا ووجودها يصرّح عن الفيوضات الإلهيّة.
هذا وأرجو لك عينًا باصرة وأذنًا سامعة وارتفاع الحجب عن عينيك والرّسم الّذي أردته تجده في طيّ هذه الرّسالة وعليك التّحيّة والثّناء.
مارس 1921
عبد البهاء عبّاس
اللّوح المبارك: إلى قراء جريدة واهان – لندن
هو الله
إنّ هذه الشّمس في فلك الأثير تشرق على الآفاق وجميع الكائنات الأرضيّة تنمو وترتقي من فيوضاتها ولو لم تكن حرارة الشّمس وإشراقها لما تكوّنت طبقات الكرة الأرضيّة ولما وجدت المعادن الكريمة ولما حاز هذا التّراب الأسود على قوّة النّموّ ولما ترعرع النّبات ولما نشأ عالم الحيوان ونما ولما تحقّق وجود عالم الإنسان على سطح

الغبراء فكلّ هذه المواهب هي من فيض الشّمس الّتي هي آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى. وعندما تشرق من نقطة الاعتدال يصير العالم عالمًا آخر وترتدي الأقاليم حلّة خضراء وتورق جميع الأزهار وتزدهر وتعطي ثمرًا نضرًا ريّانًا ويسري الدّم في عروق كلّ ذي روح وأعصابه فينال حياة جديدة ويكتسب قوّة جديدة، وكذلك الأمر في شمس الحقيقة الّتي هي الكوكب اللاّمع في عالم العقول والأرواح والنّفوس وهي النّيّر الأعظم لعالم الأفكار والقلوب وهي المربّية للنّوع الإنسانيّ وسبب نموّ وانتعاش الأرواح والعقول والنّفوس وهذا الكوكب الإلهيّ له كذلك طلوع وغروب ونقطة اعتدال وخطّ استواء وبروج متعدّدة.
ولقد مضى الآن عهد طويل على أفول ذلك النّيّر الأعظم وأظلم عالم العقول والنّفوس وفقدت قوّة النّموّ والانتعاش فقدانًا كلّيًّا وانتهت الاكتشافات العقليّة، ولكن لله الحمد تنفّس صبح الحقيقة وسطعت الأنوار من الشّمس وترى أنّ جميع الكائنات تتحرّك وتبدو في كلّ لحظة حياة جديدة وتبهر في كلّ يوم آثار عجيبة فيجب أن يستيقظ النّائمون وأن ينتبّه الغافلون، فحان الوقت للعميان أن يروا وللصّمّ أن يسمعوا وللبكم أن ينطقوا وللأموات أن يبعثوا حتّى تتجلّى للعالم آثار مواهب هذا القرن العظيم ويحيط سرور اليوم العظيم جميع القلوب وتنير أنوار المحبّة الأفئدة والأرواح كي تزول ظلمات الأفكار والقلوب زوالاً كلّيًّا وطابت أرواحكم.
عبد البهاء عبّاس

اللّوح المبارك: إلى مدير وقراء المجلة الشّرقيّة – لندن
هو الله
صديقي المحترم،
وصلتني رقيمتكم وأصابني منتهى السّرور من تلك الرّوابط الرّوحانيّة المنبعثة من ذاتكم وروحكم.
ومع أنّه قد اتّضح لي جليًّا في سفري هذا أنّ عالم الغرب قد ارتقى في المدنيّة رقيًّا كبيرًا لم يسبق له مثيل إلا أنّ المدنيّة الإلهيّة أوشكت أن تصبح نسيًا منسيًّا لأنّ جميع الأفكار غرقت في عالم الطّبيعة وكلّ ما في العالم اليوم هو صورة للطّبيعة وليس له صبغة إلهيّة.
وحيث إنّ النّقائض كثيرة في عالم الطّبيعة ولهذا فقد حجبت أنوار المدنيّة الإلهيّة وأصبحت الطّبيعة حاكمًا مسيطرًا. وأعظم قوّة في عالم الطّبيعة هي قوّة التّنازع على البقاء وهذا التّنازع هو مبدأ ومنشأ جميع المشاكل وسبب الحرب والجدال والعداوة والبغضاء بين جميع البشر لأنّ الظّلم والأنانيّة وحبّ السّيطرة والاعتداء على حقوق الآخرين الموجودة في عالم الطّبيعة إنّما هي صفات ذميمة ومن رذائل العالم الحيواني ولهذا فما دامت مقتضيات عالم الطّبيعة هي الحاكمة بين البشر، فالفلاح والنّجاح محال لأنّ فلاح العالم الإنسانيّ ونجاحه إنّما هما بالفضائل والخصائل الّتي تزيّن حقيقة الإنسان وهذا أمر مخالف لمقتضيات الطّبيعة.
فالطّبيعة محبّة للحرب والنّزاع والطّبيعة محبّة للدّماء والطّبيعة ظالمة عاتية والطّبيعة غافلة عن الله.
وعليه تلاحظون حضراتكم أنّ صفات الافتراس هذه طبيعيّة في

العالم الحيوانيّ، ولهذا بعث الرّحمن الرّسل بلطفه وعنايته وأنزل الكتب حتّى ينجو العالم الإنسانيّ عن طريق التّربية الإلهيّة من فساد الطّبيعة وظلمة الجهل ويصل إلى الكمالات المعنويّة والإحساسات الوجدانيّة والفضائل الرّوحانيّة ويصبح مصدر السّنوحات الرّحمانيّة وهذه هي المدنيّة الإلهيّة.
والمدنيّة المادّيّة في العالم الإنسانيّ اليوم مثل زجاجة في منتهى الصّفاء إلا أنّها ويا ألف أسف زجاجة محرومة من السّراج، والسّراج هو المدنيّة الإلهيّة الّتي تؤسّسها المظاهر الإلهيّة.
وخلاصة القول لمّا كان هذا القرن قرن الأنوار وقرن ظهور الحقيقة وقرن التّرقّيات فوا ألف أسف على البشريّة الّتي لا تزال في التّعصّبات الجاهليّة والمنازعات الطّبيعيّة، وفيها الخصومات والعداوات في منتهى العنف.
وجميع هذه الأضرار ناتج عن زوال المدنيّة الإلهيّة بالكلّيّة ونسيان تعاليم الأنبياء. فمثلاً ورد في نصّ التّوراة أنّ جميع البشر هم خلق الرّحمن وفي ظلّ ألطاف الرّبّ العطوف وليسوا من خلق الشّيطان وكذلك نصّ الأنجيل على أن الشّمس الإلهيّة أشرقت على العاصي والمطيع على السّواء كما وأنّ القرآن يتفضّل:- "لا ترى في خلق الرّحمن من تفاوت". هذا هو أساس المظاهر المقدّسة الإلهيّة. إلاّ أنّه ويا ألف أسف قد هدم سوء التّفاهم ما بناه الأنبياء، والدّين الّذي كان ينبغي أن يكون سبب المحبّة والألفة ومؤسّس وحدة العالم الإنسانيّ، أصبح سبب البغضاء والعداوة.
ولقد مرّت ستة آلاف سنة استمرّ خلالها بنو البشر في سفك الدّماء والافتراس وهما من خصائص عالم الحيوان، ولكنّ البشر أطلقوا على ذلك الاسم التّعصّب الدّينيّ والتّعصّب الجنسيّ والتّعصّب الوطنيّ

ويضربون بمعاولهم على جذور شجرة العالم الإنسانيّ، فوا ألف أسف لذلك.
والخلاصة فقد تجوّلتُ في جميع ممالك الغرب وأعلنتُ في جميع المجامع والكنائس العظمى، بموجب تعاليم حضرة بهاء الله، وحدة العالم الإنسانيّ، وروّجت الصّلح العموميّ، ودعوت بأعلى صوتي الجميع إلى الملكوت الإلهيّ قائلاً: الحمد لله على ما أشرقت شمس الحقيقة من أفق الشّرق في منتهى اللّمعان وأشرقت بأنوارها على جميع الآفاق وأنّ أنوارها هي التّعاليم السّماويّة، وهي إعلان وحدة العالم الإنسانيّ وترويج الصّلح العمومي وتحرّي الحقيقة وتأسيس الألفة والمحبّة بقوّة الدّين وتطابق العلم والعقل مع الدّين ونبذ التّعصّب الدينيّ والجنسيّ والوطنيّ والسّياسيّ وتعميم المعارف العامّة وتحكيم المحكمة الدّوليّة الكبرى الّتي تحلّ معضلات المشاكل المتنوّعة بين الدّول والملل وتربية جميع الإناث كتربية الرّجال على جميع الفضائل الإنسانيّة وحل المسائل الاقتصاديّة وتأسيس اللّغة العالميّة وأمثال ذلك، حتّى ينجو العالم الإنسانيّ من ظلمة الضّلالة ويصل إلى مطلع أنوار الهداية، وينهدم هذا النّزاع والجدال والخصومة والعداوة من بين البشر، ويزول سوء التّفاهم الموجود بين أهل الأديان، لأنّ أساس الأديان الإلهيّة واحد، وهو وحدة العالم الإنسانيّ.
ولله الحمد وجدنا في أمريكا آذانًا صاغية وشاهدنا نفوسًا متوافقة متآلفة، ومقاصد تلك النّفوس إيجاد الألفة بين جميع البشر، وغاية آمالهم رقيّ العالم الإنسانيّ رقيًّا لم يسبق له مثيل.
وكذلك قابلنا في لندن نفوسًا مباركة يجهدون بقلوبهم وأرواحهم لإلقاء المحبّة والألفة بين البشر.
وأملي أن تنتشر هذه الأفكار العالية يومًا فيومًا وتتجلّى هذه

المقاصد الخيريّة حتّى تصبح جميع ملل العالم مظاهر السّنوحات الرّحمانيّة ولا يبقى بين الأديان والأقوام نزاع وجدال. هذه هي العزّة الأبديّة وهذه هي السّعادة السّرمديّة وهذه هي جنّة العالم الإنسانيّ.


اللّوح المبارك: إلى أعضاء مجمع الصّلح العموميّ في هولندا بواسطة سكرتيرة اللّجنة التّنفيذيّة أمة الله الآنسة أ.ج. دايزرنك
هو الله
أيّها المجمع المحترم في العالم الإنسانيّ،
من أجل نواياكم الخيّرة ومقاصدكم السّامية يجب على جميع البشر أن يتقدّموا بشكرهم إليكم ويكونوا ممتنّين راضين منكم لأنّكم قمتم ببذل مثل هذه الهمّة الّتي أصبحت سبب راحة عموم البشر.
إنّ راحة عالم الخليقة ورخاءه يتمّان عن طريق تحسين الأخلاق العامّة للعالم الإنسانيّ وإنّ أعظم وسيلة لتربية الأخلاق هي علوّ الهمّة وتوسّع الأفكار ويجب دعوة العالم الإنسانيّ إلى هذه المنقبة العظيمة.
لاحظوا أنّ المبادئ الأصليّة المرعيّة من قبل كلّ فرد من أفراد البشر هي جلب المنفعة لنفسه ودفع الضّرر عنها فهو يفكّر في راحته وسروره ويتمنّى الانفراد في معيشته ويبذل الجهد حتّى يتفوّق على جميع الأفراد الآخرين في الرّاحة والثّروة والعزّة. هذا أمل كلّ فرد من أفراد البشر وهذا منتهى الدّناءة والبؤس وإسفاف الرّأي.
إنّ الإنسان حينما يرتقي أقلّ رقيّ فكريّ وتسمو همّته يجب أن يكون في صدد جلب المنفعة لعموم عائلته ودفع الضّرر عنها، لأنّه يرى في راحة عموم عائلته ورخائها سعادة نفسه وعندما يتّسع فكره أكثر

وتسمو همّته سموًّا أكثر يفكّر في جلب المنفعة إلى أبناء جنسه ووطنه وفي دفع الضّرر عنهم ولكنّ هذه الهمّة وهذا الرّأي مهما كانا مفيدين للفرد ولعائلته أو حتّى لعموم أبناء أمّته ووطنه فإنّهما يؤدّيان إلى الضّرر بسائر الأمم، لأنّ الفرد يسعى بكلّ جوارحه إلى قصر جميع منافع العالم الإنسانيّ على ملّته وحصر جميع ما على الأرض من فوائد في عائلته وتخصيص سعادة جميع العالم الإنسانيّ لنفسه، ويعتقد أنّه كلّما تدنّت سائر الدّول المجاورة ارتقت أمّته ووطنه حتّى يصبح بهذه الطّريقة متفوّقًا على جميع ما سواه في القوّة والثّروة والاقتدار.
أمّا الإنسان الإلهيّ والشّخص السّماويّ فهو براء من هذه القيود وإنّ سعة أفكاره وسموّ همّته في منتهى الدّرجات وتتّسع دائرة أفكاره اتّساعًا بحيث يرى منفعة عموم البشر أساسًا لسعادة كلّ فرد من أفراد البشر، ويرى ضرر كلّ الملل والدّول عين ضرر دولته وأمّته، بل ضرر عائلته، بل ضرر نفسه بالذّات، ولهذا فهو يجهد بجسمه وبروحه ليجلب السّعادة والمنفعة لعموم البشر ويدفع الضّرر عن عموم الملل ويسعى في ترقية عموم البشر ونورانيّتهم وسعادتهم ولا يفرّق في المعاملة لأنّه يرى العالم الإنسانيّ عائلة واحدة وعموم الملل أفراد تلك العائلة بل إنّه يرى الهيئة الاجتماعيّة البشريّة كشخص واحد، ويعتبر كلّ ملّة من الملل عضوًا من أعضاء ذلك الجسم. ينبغي للإنسان أن يبلغ بسموّ همّته إلى درجة يخدم الأخلاق العامّة، ويكون سبب عزّة العالم الإنسانيّ. في حين أنّ الأمر في هذا اليوم على العكس من هذا. فجميع ملل العالم تفكّر في ترقية نفسها وانحطاط الآخرين بل إنّها فوق ذلك تفكّر في جلب النّفع لنفسها والضّرر للآخرين وتحسب هذا تنازعًا على البقاء وتقول إنّ هذا أساس فطريّ في العالم الإنسانيّ ولكنّ هذا خطأ كبير، بل لا يوجد خطأ أعظم من هذا.
سبحان الله إنّ التّعاون والتّعاضد لدى بعض الحيوانات يؤدّي إلى

بقائها. لاحظوا أنّها تتسابق في موارد الخطر في إبداء المعونة لبعضها. ففي ذات يوم كنت واقفًا على شاطئ نهر صغير، وكانت أسراب من الجراد تريد عبوره لتحصل على رزقها ولم تكن لها أجنحة لتطير بها ولهذا هجم ذلك الجراد عديم الجناح وتسابق فألقى بنفسه في الماء ليشكّل ما يشبه الجسر من هذا الجانب من النّهر إلى ذلك الجانب، فعبر الجراد الآخر فوقه ووصل من جانب النّهر إلى الجانب الآخر، ولكنّ ذلك الجراد الّذي شكل جسرًا فوق سطح الماء هلك. لاحظوا هذا هو التّعاون على البقاء لا التّنازع على البقاء.
وإذا كانت للحيوانات مثل هذه الإحساسات الشّريفة فكيف يجب أن يكون عليه الإنسان وهو أشرف الكائنات؟ وماذا يليق به أن يعمله ولا سيّما أنّ التّعاليم الإلهيّة والشّرائع السّماويّة تجبر الإنسان على هذه الفضيلة.
إنّ جميع الامتيازات القوميّة والتّقسيمات الوطنيّة والانفراديّة العائليّة والقيود الشّخصيّة مذمومة مردودة عند الله، وقد بُعث جميع أنبياء الله ونزّلت جميع الكتب السّماويّة من أجل هذه المزيّة والفضيلة، وانحصرت جميع تعاليمهم الإلهيّة في إزالة هذه الأفكار النّفعيّة الانفراديّة، وتحسين الأخلاق في العالم الإنسانيّ وتأسيس المساواة والمواساة بين عموم البشر حتّى يفدي كلّ فرد من الأفراد بروحه الآخرين. هذا هو الأساس الإلهيّ وهذه هي الشّريعة السّماويّة.
ولا يمكن تأسيس مثل هذا الأساس المتين إلا بقوّة كلّيّة قاهرة للإحساسات البشريّة لأنّ كلّ قوّة تعجز دون ذلك إلاّ قوّة الرّوح القدس، ونفثات الرّوح القدس، فإنّها تغيّر الإنسان تغييرًا إلى درجة تبدّل أخلاقه فينال الولادة الثّانية ويتعمّد بنار محبّة الله الّتي هي محبّة عموم الخلق ويتعمّد بماء الحياة الأبديّة وبالرّوح القدس.

إنّ الفلاسفة الأوّلين الّذين بذلوا أقصى الهمّة في تحسين الأخلاق وجاهدوا بأرواحهم وقلوبهم قد تمكّنوا فقط من تربية أخلاق أنفسهم لا أخلاق العموم. راجعوا التّاريخ يتّضح لكم ذلك.
أمّا قوّة الرّوح القدس فإنّها تحسّن الأخلاق العامّة وتنير العالم الإنسانيّ وتمنح السّمو الحقيقيّ وتربّي عموم البشر. إذ يجب أن يبذل محبّو الخير للعالم جهودهم حتّى يجذبوا تأييدات الرّوح القدس بالقوّة الجاذبة.
وأملي أن يقتبس ذلك المجمع المحترم الخيريّ في العالم الإنسانيّ الأنوار من شمس الحقيقة ويصبح سببًا في تربية أخلاق عموم البشر.
وأملي أن يقع احترامي لتلك الهيئة العالية القدر موقع القبول.

اللّوح المبارك بافتخار جناب سلام في الصين
هو الله
يا مفتونًا بالحقيقة وظمآنًا إليها، لقد وصلتني رسالتكم وكانت دليلاً على طلوع صبح منير من أفق وجدانكم، وإنّي لأرجو بعد طلوع الصّبح أن تشرق الشّمس المنيرة إشراقًا تفيض أشعته على الآفاق.
لا يخفى على حضرتكم أنّ عالم الوجود يحتاج إلى معلّم ومربّ والمربّون على نوعين: المربّي في عالم الطّبيعة والمربّي في عالم الحقيقة.
إنّكم لو تركتم الأرض على حالتها الطّبيعيّة فإنّها تصبح غابة

ومنبتًا للأشواك، ولكن عندما تدخل يد البستانيّ الرّؤوف ورعايته تصبح الغابة بستانًا والأرض الشّائكة حديقة ورود. إذن اتّضح أنّ التّربية ضروريّة في عالم الطّبيعة.
وكذلك لاحظ النّوع البشريّ إذا حُرم من التّربية والتّعليم أصبح جسمًا مسمومًا لأنّ الأقوام المتوحّشة لا تمتاز عن الحيوانات بأيّ وجه من الوجوه فمثلاً ما هو الفرق بين السّود الأفريقيّين والسّود الأمريكيّين. فأولئك ينطبق عليهم القول: "خلق الله البقر على صورة البشر" وهؤلاء متمدّنون أذكياء علماء. حتّى إنّني خلال سفري هذا تحدّثت بصورة مسهبة في واشنطن في مجامع السّود وكنائسهم ومدارسهم، وشاهدتهم مثل فضلاء أوروبّا يدركون جميع الدّقائق من الأمور. إذن فما هو الفرق الّذي جعل هذين النّوعين من السّود أحدهما في أسفل دركات الجهل والآخر في أوج المدنيّة؟
هل الفرق إلاّ بالتّربية؟ ومن المؤكّد أن التّعليم والتّربية أدّيا إلى عزّة هؤلاء وأنّ عدم التّربية أصبح بذلك سبب ذلّة أولئك.
إذن اتّضح أنّ التّربية ضرورة من ضروريّات عالم المدنيّة.
إنّ المدنيّة على قسمين: أحدهما المدنيّة في عالم الطّبيعة والآخر المدنيّة في عالم الحقيقة الّذي يتعلّق بعالم الأخلاق وما لم تجتمع المدنيّتان في الهيئة الاجتماعيّة فلن يتحقّق فلاحها ونجاحها.
لاحظوا أوروبّا تروا أنّ خيمة المدنيّة الطّبيعيّة قد ضربت أطنابها في جميع الأرجاء ولكن ما أشد الظّلام في أوروبّا! فإنّ جميع الأفكار فيها متّجهة نحو التّنازع على البقاء وفي كلّ يوم سلاح جديد وزيادة في المواد المتفجّرة، فلا استقرار فيها للنّاس والنّاس فيها تحت كابوس الذّلّة والذّهول لأنّ المدنيّة الأخلاقيّة والرّوحانيّة والانجذاب بنفحات الله مفقودة فيها بصورة تامّة.

وخلاصة القول كما أنّ المربّي والمعلّم ضروريّان في عالم الطّبيعة فكذلك وجود المربّي ضروريّ ولازم في عالم الحقيقة أي في عالم الرّوح والوجدان والشّيم والأخلاق والفضائل الّتي لا منتهى لها والكمالات الحقيقيّة في عالم الإنسان، وسعادة الدّارين.
إنّ مؤسّسي المدنيّة الطّبيعيّة هم فلاسفة الأرض، أمّا معلّمو المدنيّة الحقيقيّة فهم المظاهر المقدّسة الإلهيّة. لذا لو حُرم العالم الإنسانيّ من المربّي الطّبيعي ومن المربّي الحقيقيّ فلا شكّ أنه يتدهور إلى أسفل دركات العالم الحيواني.
إنّ المدنيّة الطّبيعيّة بمثابة الزّجاج، والمدنيّة الإلهيّة بماثبة السّراج، وإنّ المدنيّة الجسمانيّة بمثابة الجسد، والمدنيّة الإلهيّة بمثابة الرّوح، وكما يحتاج الزّجاج سراجًا، يحتاج الجسد روحًا.
طالعوا رسالة جالينوس الحكيم المسمّاة (مائة رسالة) والّتي دارت حول رقيّ مدنيّة العالم الإنسانيّ تجدوا أنّه يقول فيها: "إنّ العقائد الدّينيّة من أعظم وسائل عالم المدنيّة والإنسانيّة. ففي وقتنا الحاضر هناك جماعة تسمّى بالمسيحيّين، وبما أنّها ثابتة مستقيمة على عقائدها الدّينيّة فإنّ عوام هذه الجماعة فلاسفة حقيقيّون لأنّهم يتحلّون بأخلاق وآداب لا يستطيع أن يتوصّل إليها أعظم فيلسوف إلاّ بعد مشقّة سنين طويلة في الزّهد والرّياضة الأخلاقيّة. أمّا عوام هذه الجماعة فإنّهم متحلّون بهذه الفضائل بمنتهى درجة الكمال".
إذن اتّضح أنّ العالم الإنسانيّ يحتاج إلى مربّ حقيقيّ عمومي ليجمع الأحزاب المتفرّقة في ظلّ كلمة واحدة ويسقي الملل المتخاصمة من عين واحدة وليبدّل العداوة والبغضاء بالمحبّة والولاء، والحرب والجدال بالصّلح والسّلام، كما ألّف الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بين القبائل العربيّة المتحاربة المتخاصمة المتوحّشة وربطها برابطة الوئام

وجمعها في ظلّ خيمة الوحدة ولهذا السّبب ارتقت أعراب البادية ورفعت الرّاية في عالم الكمالات المعنويّة والمادّيّة ونالت العزّة الأبديّة.
وكذلك جمع السّيّد المسيح الملل المتنافرة المتباغضة المتخاصمة من اليونان والرّومان والسّريان والكلدان والآشوريّين والمصريّين على معين واحد بعد أن كانت في منتهى البغضاء والعداوة وربطها برباط الوئام المتين.
إذن اتّضح أنّ العالم الإنسانيّ محتاج إلى مربّين ومعلّمين عموميّين وأولئك هم المظاهر المقدّسة الإلهيّة.
وقد يقول البعض : "إنّنا من الخواص ولا نحتاج إلى معلّم عموميّ" فمثل هؤلاء كمثل خواص الجيش وقوّاده إذا قالوا: "إنّنا ماهرون في فنون الحرب ولا نحتاج إلى القائد العام ولا إلى أمير اللّواء". فمن الواضح أنّ هذا القول لا أساس له فالجميع في الجيش من خواصٍ وعوام محتاجون كلّهم إلى أمير اللّواء الّذي هو المربّي العموميّ.
وهذا كافٍ وافٍ لمن ألقى السّمع وهو الشّهيد.
وعليك البهاء الأبهى.
عبد البهاء عبّاس

اللّوح المبارك بافتخار أمة الله السّيّدة بارسنز
دوبلن: أمة الله السّيّدة بارسنز عليها بهاء الله الأبهى
هو الله
يا ابنة الملكوت إنّني في القطار متوجّه نحو سان فرانسيسكو وقد تذكّرت خصالك وتذكّرت وجه مستر "جفري" الصّغير فشرعت في الحال بكتابة هذه الرّسالة إليك.

واعلمي أنّ نهاية سروري هي أن أرى تلك الابنة العزيزة مفتونة بالجمال الإلهيّ مشهورة بولهها ومنجذبة بنفحات الجنّة الأبهى ومشتعلة بنار محبّة الله تشتعل كالشّمع وتذوب ولكنّها تمنح الجميع نورًا. وأملي أن تكوني كذلك.
أمّا بخصوص المسألة الاقتصاديّة الواردة في التّعاليم الجديدة والّتي سبّبت لك مشكلة فكريّة فإنّ بيانها لم يكن كما نقل إليك بل إنّ ما نقل إليك رواية لا تطابق الواقع، ولهذا فإنّني أبيّن لك أساس المسألة حتّى يتّضح ويتبرهن لك أن المسألة الاقتصاديّة لا يمكن بل يستحيل حلّها بغير هذه التّعاليم.
وحلّ المسألة الاقتصاديّة يجب أن يبدأ بالفلاّح ثمّ ينتهي الأمر إلى المِهن الأخرى لأنّ عدد الفلاّحين يزيد أضعافًا على عدد المشتغلين بالحرف الأخرى، ولهذا ينبغي البدء بقضيّة الفلاّح الّذي هو العامل الأوّل في الهيئة الاجتماعيّة.
فعلى عقلاء كلّ قرية أن يؤسّسوا جمعيّة تكون بيدها إدارة تلك القرية وأن يؤسّسوا كذلك مخزنًا عامًّا يعيّنون له كاتبًا وفي موسم الحصاد يؤخذ قسم معيّن من المحصولات العموميّة ويوضع في المخزن بإشراف الجمعيّة.
وواردات هذا المخزن سبعة وهي: واردات العُشر ورسوم على الحيوانات والمال الّذي لا وارث له، واللّقائط الّتي لا يعرف أصحابها، وثلث الكنوز الّتي يتمّ العثور عليها وثلث المعادن والتّبرعات.
ومصروفاته سبعة أيضًا: أوّلها: المصروفات المعتدلة العموميّة كمصاريف المخزن وإدارة مراكز الصحّة العامّة، وثانيها: أداء العشر للحكومة، وثالثها: أداء رسوم الحيوانات للحكومة، ورابعها: إدارة دور الأيتام، وخامسها: مساعدة العجزة، وسادسها: إدارة التّعليم وسابعها: إكمال المعيشة الضّروريّة للفقراء.

فأوّلاً واردات العشر وهذه يجب تحصيلها بالأسلوب التّالي: مثلاً الّذي تبلغ وارداته العموميّة خمسماية دولار ومصروفاته خمسمائة دولار لا يستحصل منه العشر والّذي مصروفاته خمسمائة دولار ووارداته ألف دولار يستحصل منه العشر لأنه يملك أكثر من حاجته، فإذا أعطى العشر لا تختلّ معيشته أبدًا. وإنسان آخر مصروفاته ألف دولار ووارداته خمسة آلاف يستحصل منه العشر ونصف العشر لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وإنسان مصروفاته الضّروريّة ألف دولار ووارداته عشرة آلاف دولار يستحصل منه عُشران لأنّه يملك زيادة إضافيّة. وغيره مصروفاته الضّروريّة أربعة آلاف أو خمسة آلاف دولار، أمّا وارداته فمائة ألف دولار، يستحصل منه الرّبع. ومن ناحية أخرى إذا وجد إنسان حاصلاته مائتا دولار واحتياجاته الضّروريّة الّتي هي أدنى حدود القوت والطّعام الضّروريّ له تساوي خمسمائة دولار ولم يقصّر في سعيه وجهده لكن زراعته لم تجد بركة تجب إعانته من المخزن العموميّ كي لا يبقى محتاجًا بل يعيش مرتاحًا.
وجميع أيتام القرية يجب تأمين ما يحتاجونه من هذا المخزن كما يجب أن يخصّص قسم في هذا المخزن للمحتاجين الّذين لا يستطيعون العمل وقسم لإدارة التّعليم وقسم للأمور الصّحّيّة أمّا إذا بقي شيء من المال فيجب نقله إلى المخزن العموميّ لينفق في المصروفات العموميّة.
وعندما يوضع مثل هذا النّظام يعيش كلّ فرد من أفراد الهيئة الاجتماعيّة بكمال الرّاحة والسّعادة.
كذلك يجب الإبقاء على الرّتب فلا ينالها خلل أبدًا لأنّ تفاوت المراتب من مستلزمات الهيئة الاجتماعيّة الضّروريّة فالهيئة الاجتماعيّة أشبه بفرقة من فرق الجيش ففي فرقة الجيش لا بدّ من وجود القائد الأعلى ووجود الزّعيم ووجود العقيد ووجود الضّابط ووجود الجندي

ولا يمكن أن يكون الجميع في رتبة واحدة فالرّتب إذًا ضروريّة ولكن يجب أن يعيش كلّ فرد من أفراد الجيش في تمام الرّاحة والهناء كذلك يجب أن يكون هناك والٍ وقاضٍ وتاجر وغنيّ وزراعيّ ومهنيّون ولا شكّ في أنّه يجب المحافظة على هذه المراتب وإبقاؤها وإلاّ اختلّ النّظام العموميّ.
وأرجو إبلاغ منتهى أشواقي ومحبّتي للمستر بارسنز الّذي لن أنساه أبدًا وإذا استطعت أن تنشري هذه الرّسالة في إحدى الجرائد فافعلي لأنّ أشخاصًا آخرين سيعلنون هذا القانون باسمهم.
وبلّغي تكبيري الأبدع الأبهى إلى قدسيّة وعليك البهاء الأبهى.


الخطبة المباركة باللّغة العربيّة في تونون – سويسرة
يوم الإثنين 27 آب 1911
هو الله
أيّها الحاضرون إلى متى هذا الهجوع والسّبات، وإلى متى هذا الرّجوع القهقرى، وإلى متى هذا الجهل والعمى، وإلى متى هذه الغفلة والشّقاء، وإلى متى هذا الظّلم والاعتساف، وإلى متى هذا البغض والاختلاف، وإلى متى الحميّة الجاهليّة، وإلى متى التّمسّك بالأوهام الواهية، وإلى متى النّزاع والجدال، وإلى متى الكفاح والنّزال، وإلى متى التّعصّب الجنسيّ، وإلى متى التّعصّب الوطنيّ، وإلى متى التّعصّب السّياسيّ، وإلى متى التّعصّب المذهبيّ. "ألم يأن للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"، هل ختم الله على القلوب أم غشت الأبصار غشاوة الاعتساف أولم تنتبه النّفوس إلى أنّ الله قد فاضت فيوضاته على العموم خلق الخلق بقدرته ورزق الكلّ برحمته وربّى الكلّ بربوبيّته، "لا

ترى في خلق الرّحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور"، فلنتّبع الرّبّ الجليل في حسن السّياسة وحسن المعاملة والفضل والجود ولنترك الجور والطّغيان ولنلتئم التئام ذوي القربى بالعدل والإحسان ولنمتزج امتزاج الماء والرّاح ولنتّحد اتّحاد الأرواح، ولا نكاد نؤسّس سياسة أعظم من سياسة الله ولا نقدر أن نجد شيئًا يوافق عالم الإنسان أعظم من فيوضات الله ولكم أسوة حسنة في الرّبّ الجليل فلا تبدّلوا نعمة الله، وهي الألفة التّامّة في هذا السّبيل. عليكم يا عباد الله بترك الاختلاف وتأسيس الائتلاف والحبّ والإنصاف والعدل وعدم الاعتساف.
أيّها الحاضرون قد مضت القرون الأولى وطُويَ بساط البغضاء والشّحناء حيث أشرق هذا القرن بأنوار ساطعة وفيوضات لامعة وآثار ظاهرة وآيات باهرة والأنوار كاشفة للظّلام دافعة للآلام داعية للائتلاف قامعة للاختلاف، إلاّ أنّ الأبصار قد قرّت وأنّ الآذان قد وعت وأنّ العقول قد أدركت أنّ الأديان الإلهيّة مبنيّة على الفضائل الإنسانيّة، ومنها الألفة والوداد بين العموم والوحدة والاتّفاق بين الجمهور. يا قوم ألستم من سلالة واحدة ألستم أفنانًا وأوراقًا من دوحة واحدة ألستم مشمولين بلحظات أعين الرّحمانيّة مستغرقين في بحار الرّحمة من الحضرة الوحدانيّة ألستم عبيدًا للعتبة الرّبّانيّة، هل أنتم في ريب أنّ الأنبياء كلّهم من عند الله وأنّ الشّرائع كلّها قد تحقّقت بكلمة الله، وما بعثهم الله إلا لتعليم وتربية الإنسان وتثقيف عقول البشر والتّدرّج إلى المعارج العالية من الفلاح والنّجاح وقد ثبت بالبرهان السّاطع أنّ الأنبياء اختارهم الله رحمة للعالمين وليسوا نقمة للسّائرين وكلّهم دعوا إلى الهدى وتمسّكوا بالعروة الوثقى حتّى أنقذوا الأمم السّافلة من حضيض الجهل والعمى إلى أوج الفضل والنّهى، فمن أمعن النّظر في حقيقة التّاريخ المنبئة الكاشفة لحقائق الأسرار من القرون الأولى يتحقّق عنده بأنّ موسى عليه السّلام أنقذ بني إسرائيل من الذّلّ والهوان والأسر

والخذلان وربّاهم بتأييد من شديد القوى حتّى أوصلهم إلى أوج العزّة والعلى، ومهّد لهم السّعادة الكبرى ومَنَّ الله عليهم بعدما استضعفوا في الأرض وجعلهم أئمّة من ورثة الكتاب وحملة لفصل الخطاب حتّى كان منهم عظماء الرّجال وأنبياء أسّسوا لهم السّعادة والإقبال، وهذا برهان ساطع واضح على نبوّته عليه السّلام. وأمّا المسيح الجليل كلمة الله وروح الله المؤيّد بالإنجيل فقد بعثه الله بين قوم ذلّت رقابهم وخضعت أعناقهم وخشعت أصواتهم لسلطة الرّومان فنفخ فيهم روح الحياة وأحياهم بعد الممات وجعلهم أئمّة في الأرض خضعت لهم الرّومان وخشعت لهم اليونان وطبّق الأرض صيتهم إلى هذا الأوان. وأمّا الرّسول الكريم محمّد المصطفى عليه الصلاة والتّسليم فقد بعثه الله في واد غير ذي زرع لا نبات فيه بين قبائل متنافرة وشعوب متحاربة وأقوام ساقطة في حضيض الجهل والعمى لا يعلمون من دحاها ولا يعرفون حرفًا من الكتاب ولا يدركون فصلاً من الخطاب، أقوام متشتّتة في بادية العرب يعيشون في صحراء من الرّمال بلبن النّياق وقليل من النّخيل والأعناب فما كانت بعثته عليه السّلام إلاّ كنفخ الرّوح في الأجساد أو كإيقاد سراج منير في حالك من الظّلام فتنوّرت تلك البادية الشّاسعة القاحلة الخاوية بتلك الأنوار السّاطعة على الأرجاء فانتهض القوم من رقد الضّلال وتنوّرت أبصارهم بنور الهدى في تلك الأيّام فاتّسعت عقولهم وانتعشت نفوسهم وانشرحت صدورهم بآيات التّوحيد فرتّلت عليهم بأبدع الألحان، وبهذا الفيض الجليل قد نجحوا ووصلوا إلى الأوج العظيم حتّى شاعت وذاعت فضائلهم في الآفاق، فأصبحوا نجومًا ساطعة الإشراق فانظروا إلى الآثار الكاشفة للأسرار حتّى تنصفوا بأنّ ذلك الرّجل الجليل كان مبدأ الفيض لذلك القوم الضّئيل وسراج الهدى لقبائل خاضت في ظلام الهوى وأوصلهم إلى أوج العزّة والإقبال ومكّنهم من حياة طيّبة في الآخرة والأولى، أمّا كانت هذه القوّة الباهرة

الخارقة للعادة برهانًا كافيًا على تلك النّبوّة السّاطعة؟
لعمر الله إنّ كلّ منصف من البشر يشهد بملء اليقين أنّ هؤلاء الرّجال كانوا أعلام الهدى بين الورى ورايات الآيات الخافقة على صروح المجد في كلّ الجهات، وتلك العصبة الجليلة استشرقت فأشرقت واستضاءت فأضاءت واستفاضت فأفاضت واقتبست الأنوار من حيّز ملكوت الأسرار وسطعت بأنوار الوحي على عالم الأفكار، ثمّ إنّ هذه النّجوم السّاطعة من أفق الحقيقة ائتلفت واتّحدت واتّفقت وبشّر كلّ سلف عن كلّ خلف، وصدّق كلّ خلف نبوّة كلّ سلف، فما بالكم أنتم يا قوم تختلفون وتتجادلون وتتنازعون ولكم أسوة حسنة في هذه المظاهر النّورانيّة والمطالع الرّحمانيّة ومهابط الوحي العصبة الرّبّانيّة وهل بعد هذا البرهان يجوز الارتياب والتّمسّك بأوهام أوهن من بيت العنكبوت وما أنزل الله بها من سلطان؟
يا قوم البدار البدار إلى الألفة، عليكم بترك البغضاء والشّحناء، عليكم بترك الجدال، عليكم بدفع الضّلال، عليكم بكشف الظّلام، عليكم بتحرّي الحقيقة في ما مضى من الأيّام، فإذا ائتلفتم اغتنمتم وإذا اختلفتم اعتسفتم عن سبيل الهدى، وغضضتم النّظر عن الحقيقة والنّهى وخضتم في بحور الوهم والهوى إنّ هذا لضلالة مهلكة للورى، وأمّا إذا اتّحدتم وامتزجتم وائتلفتم فيؤيّدكم شديد القوى بصلح وصلاح وحبّ وسلام وحياة طيّبة وعزّة أبديّة وسعادة سرمديّة والسّلام على من اتّبع الهدى.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى