منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
الحقّ فهمه سهل
في يوم الإثنين الموافق 4 أيلول 1911 وصل حضرة عبد البهاء إلى لندن وفي مساء ذلك اليوم ألقى في الأحبّاء الّذين حضروا للتّرحيب به الخطبة التّالية:
لقد بارك الله هذا اليوم. فقد قيل إنّ لندن ستكون مركزًا لنشر الأمر على نطاق واسع وعندما ركبت في السّفينة كنت أشعر بالتّعب إلاّ أنّني عندما بلغت لندن ورأيت وجوه الأحبّاء زال عني كلّ عناء وانعشتني محبّتكم العظيمة. وإنّني لراضٍ عنكم.
لقد أخذ الإحساس الموجود بين الشّرق والغرب يتغيّر في ضوء تعاليم حضرة بهاء الله. فلقد كان من المعتاد في الشّرق أنّ الغربي إذا شرب من آنية الشّرقيّ كسرها الشّرقيّ ظنًّا منه أنّها قد تنجّست. وأمّا الآن فإنّ البهائيّ الغربيّ إذا تناول الغداء عند البهائيّ الشّرقيّ فإنّ هذا يحفظ الأواني تذكارًا وعلامة للمحبّة والاحترام.
ولقد بلغت درجة تفاني الأحبّاء في الإخلاص بعضهم لبعض أنّ بعض الجند ذهبوا إلى منزل أحد البهائيّين في طلب أحد ضيوفه لتنفيذ الأمر بالقتل فيه. فخرج لهم صاحب المنزل وبيّن لهم أنّه هو المطلوب فأخذوه وقتلوه. وبذلك افتدى ضيفه بنفسه. فهذا هو عنوان المحبّة الخالصة.
إنّ مغناطيس محبّتكم هو الّذي جذبني إلى هذه البلاد. فأملي أن

يشرق فيها النّور الإلهيّ، وأن يؤيّدكم الجمال الأبهى حتّى تكونوا سببًا في وحدة الإنسانيّة، وزوال التّقاليد والبدع والخرافات. وبذلك تتّحد جميع العقائد والملل. فهذا العصر عصر نورانيّ تفتّحت فيه العيون إلى وحدة الإنسانيّة وإلى المحبّة والإخاء. وسوف تزول ظلمات الاختلاف والاعتساف وتشرق أنوار الوفاق والاتّحاد. نعم، إنّه لا يمكننا أن نؤسّس هذه الوحدة ونجلب هذه المحبّة بمجرّد القول. والعلم بها وحده لا يكفي. ونحن نعلم أنّ الثّروة والعلم والتّربية أمور حسنة، ولكن لا بدّ لنا من أن نعمل وندرس حتّى تنضج ثمرة العلم.
فالعلم هو الخطوة الأولى، والعزم والتّصميم هما الخطوة الثّانية، والعمل وإنجازه هما الخطوة الثّالثة. فإذا أردنا إقامة بناء وجب علينا أوّلاً أن نرسم خطة له، ثمّ أن تكون لدينا القدرة على إقامته، عندئذ نستطيع أن نباشر البناء. وقد تتأسّس جمعيّة للاتّحاد، وهذا حسن إذا تمّ إلاّ أنّ الاجتماع والمناقشة لا يكفيان. ومثل هذه الاجتماعات تتمّ في مصر ولكن ليس هناك سوى الأقوال دون نتائج تعقبها. والاجتماعات الّتي تجري هنا في لندن حسنة؛ والمعرفة والنّوايا حسنة أيضًا، ولكن كيف يمكن أن تتأتّى النّتائج دون عمل؟ وقوّة الاتّحاد اليوم هي روح قدس بهاء الله. فهو قد أظهر روح الاتّحاد وهو الّذي يجمع الشّرق والغرب معًا. عودوا إلى التّاريخ ودقّقوا فيه فلن تجدوا لذلك مثيلاً.
خلق الله العالم عالمًا واحدًا. أمّا الحدود فمن عمل الإنسان ذلك لأنّ الله لم يقسّم الأرض بل خلق العالم وطنًا واحدًا، ولذلك قال حضرة بهاء الله: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم" فالجميع عائلة واحدة وجنس واحد. والجميع بنو آدم. وتقسيم الأرض لا يستلزم الاختلاف ولا التّفرقة.
ومن أعظم الاختلافات اختلاف الألوان والتّعصب لها كما هي الحال في أمريكا. فهناك يبغض بعضهم بعضًا بسبب اللّون. مع أنّ

الحيوانات لا تتنازع مع بعضها البعض بسبب اللّون. فكيف يتدنّى الإنسان عن درجة الحيوان بهذه الجهالة، مع أنّ الإنسان أشرف منها خلقًا. فنحن نرى الحيوانات المختلفة الألوان تعيش مع بعضها البعض متآلفة، ولا تتنازع بسبب اختلاف اللّون. فما بال الرّجل الأبيض يقاتل الأسود؟ حقًّا إنّ هذا لأسوأ ألوان التّعصّب. ففي التّوراة ورد أنّ الله خلق آدم على صورته. وفي القرآن الحكيم ورد: "ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور؟" خلق الله الخلق وحفظهم وربّاهم بشديد القوى. فالسّياسة الإلهيّة أعلى وأجلّ من السّياسة البشريّة، وإنّه لأحكم الحاكمين. ولا نكاد نصل إلى حكمته البالغة. وأكثر الّذين لم يسمعوا عن هذه التّعاليم يظنّون أنّ الدّين نظام واجب الاحترام فقط. ومن القسس من يمارس مهنته كسبًا للعيش ولا يعتقد في ما يعلمه للنّاس. فهل يضحّي أمثال هؤلاء بحياتهم من أجل الدّين؟ سل واحدًا من هذا النّوع أن ينكر السّيّد المسيح إبقاءً على حياته، فسوف تراه لا يتردّد في ذلك! وسل بهائيًّا أن ينكر أحدًا من الرّسل العظام، أو أن ينكر دينه أو ينكر موسى أو محمّدًا أو المسيح فسوف يجيبك: إنّني أفضّل الموت على ذلك. ومن ثمّ كان البهائيّ من أصل إسلامي، مسيحيًّا أفضل من كثير ممّن يدَّعون أنّهم مسيحيّون.
إنّ البهائيّ لا ينكر أيّ دين. وإنّما هو يؤمن بالحقيقة الكامنة فيها جميعًا، وهو يضحّي بنفسه من أجل التّمسك بها. وهو يحبّ النّاس جميعًا كأخوته مهما كانت طبقتهم أو جنسهم أو تبعيّتهم، ومهما كانت عقائدهم وألوانهم، وسواء كانوا فقراء أم أغنياء، صالحين أم طالحين. وهو لا يغلظ ولا يعنّف، فإذا ضُرِب لا يضرب. وهو لا يرى شيئًا قبيحًا مقتديًا في ذلك ببهاء الله. ولا يشرب البهائيّ الخمر ولا المشروبات الرّوحيّة حتّى لا يخرج عن الاعتدال. ولقد قال حضرة بهاء الله "ليس للعاقل أن يشرب ما يذهب به العقل".

إنّ دين الله في هذا العالم ذو وجهين: الوجه الرّوحانيّ الحقيقيّ والوجه الصّوريّ الظّاهري. فالوجه الصّوريّ يتغيّر كما يتغيّر الإنسان في أدوار عمره ويتشكّل بصور مختلفة. ولكنّ الوجه الرّوحانيّ الحقيقيّ لا يقبل التّغيير: فجميع الأنبياء والرّسل أتوا بتعاليم واحدة. وفي البداية يتعلّق النّاس بالحقيقة، ثمّ ما يلبث أن يتغيّر شكل الحقيقة، فتضمحلّ بسبب ما يدخل عليها من البدع والقوانين الوضعيّة فتحتجب بحجب المادّة والأمور الدّنيويّة.
وكما جاء موسى وعيسى برسالتهما للنّاس كذلك جاء بهاء الله بالرّسالة نفسها. وفي كلّ مرّة نتلقّى فيها رسالة جديدة على يد رسول عظيم نُعطى حياة جديدة إلاّ أنّ الحقيقة الّتي يأتي بها كلّ رسول واحدة. إذ إنّ الحقيقة لا تتغيّر قط، ولكنّ أنظار النّاس هي الّتي تتغير. فيظلم نور الحقيقة وتختلط بما يتسرّب إليها من الأمور الدّنيويّة الوضعيّة.
إنّ فهم الحقّ أمر سهل، ولكنّ الصّور الظّاهريّة المختلفة الّتي تمتزج بالحقّ هي الّتي يشكل أمرها على العقل. وكلّما ارتقى الإنسان رأى تفاهة الصّورة الوضعيّة واحتقرها. ومن ثمّ نجد كثيرًا من النّاس يهجرون الكنيسة لأنّها غالبًا ما تهتمّ بالأمور الصّوريّة الظّاهريّة.

السّرور الأبديّ
في يوم السّبت الموافق 8 أيلول 1911 اجتمع في منزل مسز بكنام في لندن جمع غفير من النّاس حتّى غصّ المنزل بالحاضرين، فتقدّم بعضهم بالاعتذار إلى حضرة عبد البهاء أنّ المنزل صغير لا يتّسع لجميع الأحبّاء، فقال:
ليس المنزل ضيقًا، وإنّما ينبغي أن تكون الصّدور واسعة.
عندما بلغنا عكّا، نزل ثلاثة عشر شخصًا منّا في غرفة واحدة أوّل الأمر. أسأل الله أن يمنّ على القلوب بالانشراح، وأن يوسّع على أحبّائه، ولا يمكن أن يتأتّى انشراح القلوب إلا بمحبّة الله. وبالرّغم من أنّ الانشراح قد يحصل من أمور أخرى إلاّ أنّه انشراح عرضيّ مؤقّت سرعان ما يتبدّل بالضّيق. وأمّا السّرور والانشراح اللّذان يتأتّيان من محبّة الله فأبديّان. على أنّ لجميع المسرّات والملذّات الدّنيويّة بريقًا خلاّبًا عن بعد، فإذا اقتربت منها وجدتها سرابًا خداعًا لا حقيقة فيه.
ولا شكّ أنّكم قرأتم في حكمة سليمان أنّه قال: عندما كنت طفلاً كنت أظنّ أنّ اللّذّة في الرّكوب والتّرحال. فلما بلغت الشّباب ورأيت أنّه لا لذّة في النّزهة والرّكوب والتّرحال قلت لنفسي بل اللّذّة في السّلطة والاقتدار والحكم. فلما بلغت السّلطة وجدتها هي الأخرى لا لذّة فيها. وكذلك كان شأن كلّ شيء يبدو لنظري برّاقًا. فإذا ما بلغته لا أجد له لذّة. ففهمت أنّ السّرور هو في محبّة الله.

وإذا كان سرور الإنسان في الصّحّة فإنّ الصّحّة قد تزول في يوم من الأيّام. فممّا لا شكّ فيه إذن أنّ الصّحّة ليست سببًا للسّرور. وإذا كان سرور الإنسان كامنًا في الثّروة فإنّ الثّروة قد تزول. وإذا كان سروره في المنصب فإنّ المنصب قد يضيع من يده. وطالما كان السّبب قابلاً للزّوال كان المسبِّب كذلك زائلاً. ولكن عندما يكون سبب السّرور هو الفيض الإلهيّ، يكون ذلك السّرور أبديًّا، ذلك لأنّ الفيوضات الإلهيّة أبديّة. ولمّا كانت محبّة الله أبديّة، فإنّ الإنسان إذا تعلّق قلبه بالفيض الإلهيّ استقرّت في قلبه المحبّة الإلهيّة وكان سروره أبديًّا. وما تعلّق القلب بالأمور الفانية إلاّ ارتدّ يائسًا آخر الأمور، إلاّ محبّة الله ومحبّة العالم الإنسانيّ.
وإنّكم ينبغي لكم أن تشكروا الله لأنّه فتح أمام وجوهكم أبواب الملكوت، ولأنّه دعاكم إلى محبّة الله وخدمة العالم الإنسانيّ، وإنّ لكم أبًا مثل بهاء الله الّذي أحاط فيضه بالعالم. إذًا ينبغي لكم أن تشكروا الله آناء اللّيل وأطراف النّهار على أنّكم فزتم بهذا الفيض المحيط.

خطبة كنيسة سيتي تمبل
في يوم الأحد الموافق 9 أيلول 1911 دعا الأب المبجّل ر.ج. كامبل راعي كنيسة سيتي تمبل حضرة عبد البهاء إلى إلقاء خطبة على رعيّة الكنيسة. وبالرّغم من أنّ أمر الدّعوة لم يعلن إلاّ أنّ الكنيسة لم يكن فيها موضع لقدم. وقد ألقى حضرته الكلمة التّالية:
أيّها الجمع المحترم وملتمس طريق الله.
الحمد لله، قد أشرق نور الحقيقة، وهبّ نسيم الرّوض الإلهيّ، وارتفع نداء الملكوت في جميع الأقاليم، ونفخت نفثات الرّوح القدس في هويّة القلوب، فوهبت لها الحياة الأبديّة. ففي هذا القرن البديع تنوّر الشّرق وتعطّر الغرب وتعنبرت مشام الرّوحانيّين، وماج بحر وحدة العالم الإنسانيّ، وارتفع علم الرّوح القدس. وإنّ كلّ إنسان منصف ليشهد بأنّ هذا اليوم لهو يوم بديع، وأنّ هذا العصر لهو عصر الله العزيز. وعمّا قريب يصبح العالم جنّة عليا.
إنّ هذا اليوم هو يوم وحدة العالم البشريّ واتّحاد جميع الملل. في الماضي كانت التّعصّبات سببًا للجهالة وأساسًا لتنازع البشر. ثمّ جاء هذا اليوم الظّافر بعناية الله القادر. وعمّا قريب تتموّج وحدة العالم الإنسانيّ في قطب الآفاق، وينقطع الجدال ويزول النّزاع، ويتنفّس صبح الصّلح الأكبر، ويتحوّل العالم إلى عالم جديد، ويصبح جميع البشر إخوانًا، وتصير كافّة الملل رايات لله الأكبر الجليل.

إنّ النّزاع وسفك الدّماء من خواص عالم الحيوان. أمّا الصّلح والصّلاح فمن مواهب عالم الإنسان. ولقد قال حضرة بهاء الله: العدل والإنصاف حياة العالم. فالحمد لله إنّ علم العدل مرتفع في هذه الرّبوع، والمساواة بين البشر منتشرة، وكذلك الحرّيّة والرّاحة والأمن والسّعادة.
إنّ الله واحد، والجنس البشريّ واحد، وأساس أديان الله واحد، وحقيقة الرّبوبيّة محبّة.
فيا أيّها الأحبّاء! ابذلوا قصارى الجهد حتّى يتعانق الشّرق والغرب كما يتعانق العاشقان.
أي ربّ! نوّر هذا الجمع، وأيّد هذه النّفوس، واجعل الوجوه نورانيّة والطّباع رياضًا رحمانيّة، وأحيي الأرواح بنفثات الرّوح القدس، وأعزّ النّاس بالهداية الكبرى، وابذل لهم من العطايا السّماويّة والمواهب الرّحمانيّة ما أنت به جدير، واحفظهم بحفظك، وصنهم بحمايتك ورعايتك، واشملهم بألطافك الّتي لا تتناهى، وخصّهم بعنايتك الكاملة، إنّك أنت المعطي الوهّاب العليم.

صورة الملأ الأعلى
في يوم الأربعاء الموافق 13 أيلول 1911 اجتمع في منزل مسز كروبر في لندن جمع كبير من الأحبّاء فألقى فيهم حضرة عبد البهاء الكلمة التّالية:
هو الله
الحمد لله أن ائتلف جمع طيّب نورانيّ، سماويّ، روحانيّ:
تم للفلك الدّوّار من هذا الصّفاء والسّرور والجمال
صورة في العالم السّفلي تحكي عمّا في العالم العلويّ( )
ومعنى ذلك أنّ للعالم العلويّ انعكاسًا في عالم الوجود. فالحمد لله على أنّ مجلسنا هذا صورة الملأ الأعلى، وأنّه كالشّمس نور وإشراق.
ومن المعروف أنّ العالم الأعلى عالم محبّة، وأنّ في الملأ الأعلى اتّحادا واتّفاقا، وأنّ المقصد في الملأ الأعلى مقصد رحمانيّ. فالحمد لله إنّ هذا الأمر متوفّر هنا أيضًا. ولذلك فإنّنا إذ قلنا إنّ هذا مجمع سماويّ فقد صدقنا لأنّه ليس لكم من هدف سوى مرضاة الله.

إنّ جميع من على الأرض يجرون وراء شهواتهم وأهوائهم. فمنتهى الأمل لدى فريق، هو الثّروة والمال، وغاية المنى لدى قوم، هي الغلبة على الأعداء، وقصارى رجاء فريق ثالث، هو إيثار الرّاحة والعافية، ومحطّ أنظار فريق رابع، هو التّوصل إلى الرّياسة، على حين أنّ غاية الغايات لدى فريق غير هؤلاء وأولئك هي بلوغ الشّهرة.
ونحمد الله على أنّ مطلبنا نحن هو الرّضى الإلهيّ والوحدة الرّبانيّة. فليس لنا من مقصد في مجلسنا الّذي جمعنا الآن سوى ترويج اتّحاد العالم ونشر النّور الإلهيّ، وجذب القلوب الإنسانيّة. ولهذا فنحن نشكر الله على أنّه وفّقنا إلى خدمة أمره العظيم. وإنّي لأدعو لكم جميعًا، عسى أن تكونوا جميعًا جنود السّماء، وترفعوا علم الوحدة السّماويّة، وتنيروا الشّرق والغرب وتملأوا القلوب من محبّة الله. فهذا هو منتهى أملي. وهذا هو ما أرجوه لكم من الله. ولا شكّ أنّ هذا هو ما ترجونه أنتم أيضًا. إنّني لراضٍ عنكم... ويجب عليكم أن تحمدوا الله على أنّكم أحرار. فأنتم لا تدرون ما يجري في الشّرق ومقدار ما يشعر به القادم إلى هنا من رضا.
حفظكم الله وصانكم.

تجديد تعاليم الأنبياء
في ليلة 14 أيلول 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه الكلمة الموجزة أمام رئيس جمعيّة الثّيوسوفيّين
هو الله
بلّغ تحيّتي واحترامي للجمعيّة الثّيوسوفيّة. وقل لهم إنّكم في الحقيقة خدمتم وحدة الجنس البشريّ لأنّه ليس لديكم تعصّب الجاهليّة، ولأنّكم تريدون توحيد البشر. وكلّ من يخدم قضيّة وحدة البشر اليوم مقبول عند الله. ذلك لأنّ جميع أنبياء الله سعوا في سبيل وحدة الجنس البشريّ وقدّموا خدماتهم للعالم. ولأنّ أساس التّعاليم الإلهيّة هو وحدة العالم الإنسانيّ.
فسيّدنا موسى سعى من أجل وحدة العالم الإنسانيّ، والسّيّد المسيح أسّس وحدة العالم الإنسانيّ، وسيّدنا محمّد أعلن الوحدة الإنسانيّة. فالإنجيل والتّوراة والقرآن كتب إلهيّة وضعت أساس الوحدة الإنسانيّة. وما شريعة الله إلاّ شريعة واحدة، وما دين الله إلاّ دين واحد، وهو الألفة والمحبّة.
ولقد جدّد حضرة بهاء الله تعاليم الأنبياء، وأعلن أساس دين الله وألّف بين الأمم المختلفة، وجمع الأديان المتباينة. ونفَذَت تعاليمه في عروق البشر وأعصابهم نفاذًا أوجد الاتّحاد بين القبائل المختلفة والشّعوب المتباينة. ولمّا كنتم أنتم عاملين على تحقيق هذا المقصد الجليل فإنّني أدعو من أجلكم وألتمس لكم التّأييد الإلهيّ.

تجديد النّواميس الإلهيّة
في يوم الخميس الموافق 14 أيلول 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء في منزل مسز روزنبرج الخطبة التّالية:
هو الله
الحمد لله أن انعقد هذا المجلس في غاية اللّطف والكمال. وإنّني لآمل أن يتجلّى فيكم مقصد الكتب السّماويّة والرّسل.
إنّ المظاهر الإلهيّة هم أوّل المعلّمين للحقيقة والمروّجين لها، فكلّما انتشرت الظّلمة في العالم وساد الجهل والغفلة أرسل الله رجلاً إلهيًّا. فقد جاء موسى حينما كانت مصر مظلمة يحيط بها الجهل وانعدام المعرفة ويعيش أهلها في منتهى التّوحّش. وكان موسى معلّمًا إلهيًّا فعلّم الآيات الرّبانيّة. وربّى بني إسرائيل، ونجّاهم من الجهل والمذلّة، وبلغ بهم أقصى غايات العزّة فبرعوا في العلوم والفنون، وهيّأ لهم مدنيّة تامّة ونشر بينهم خزائن العالم ثمّ محيت الآثار الإلهيّة رويدًا رويدًا، وغلب على بني إسرائيل الهوى والفكر الشّيطانيّ وأحاطت بهم الظّلمة. فارتفع صوت الأحديّة مرّة أخرى. وأشرقت شمس الحقيقة، وسرت نفثات الرّوح القدس، وهطل غمام الرّحمة، وأضاءت العالم أنوار الهداية فلبس الكون لباسًا جديدًا، وأصبح الخلق خلقًا جديدًا، ونودي بوحدة البشر، وأصبح هذا العالم جنّة عليا. واتّحدت القبائل

المختلفة والشّعوب المتنوّعة. وبعد مدّة نسي النّاس هذه النّواميس الإلهيّة، ومحيت هذه النّصائح الرّبّانيّة من صفحة القلوب. ولم تعد هناك تعاليم حقيقيّة. وأحاطت ظلمة الجهل وعدم المعرفة.
والآن جاء حضرة بهاء الله وجدّد الأساس الأصليّ للدّين، وأظهر من جديد تعاليم المسيح الإلهيّة وفضائل العالم الإنسانيّ، فسقى العطشى وأيقظ الغافلين وجعل المحرومين مخازن الأسرار ونشر وحدة العالم الإنسانيّ وأعلام المساواة بين البشر.
فعليكم إذن أن تسعوا بقلوبكم وأرواحكم، وأن تعيشوا بين جميع البشر بالمحبّة، كي يتمّ الاتّحاد الكلّيّ، وتزول التّعصّبات الغاشمة، ويتّحد الجميع.
هو الله
في يوم الأحد الموافق 17 أيلول سنة 1911 لبّى حضرة عبد البهاء دعوة
الأرشديكون ولبرفورس راعي كنيسة سان جورج بوستمنستر. وبعد
أن قدّم الأرشديكون ضيفه العزيز وتحدّث عن سجنه أربعين عامًا
قام عبد البهاء عن الكرسيّ الّذي وضع خصيصًا له في
مقابلة المحراب وألقى الخطبة التّالية:

أيّها المحترمون اعلموا أنّ النّبوّة مرآة تنبئ عن الفيض الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ، وانطبعت فيها أشعّة ساطعة من شمس الحقيقة وارتسمت فيها الصّور العالية ممثّلة لها تجلّيات أسماء الله الحسنى "ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى"، فالأنبياء معادن الرّحمة ومهابط الوحي ومشارق الأنوار ومصادر الآثار "وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين".
وأمّا الحقيقة الألوهيّة فهي مقدّسة عن الإدراك ومنزّهة عن أن

تنسج عناكب الأفكار بلعابها حول حماها فكلّ ما يتصوّره الإنسان من أدقّ المعاني إنّما هو صور للخيال وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان. وتلك المعاني إنّما لها وجود ذهنيّ وليس لها وجود عينيّ، فما هي إلاّ محاط لا محيط ومحدود ليس ببسيط حقيقيّ والله بكلّ شيء محيط. والحقيقة الإنسانيّة أعظم من ذلك حيث لها الوجود الذّهنيّ والوجود العينيّ ومحيطة بتلك التّصوّرات الذّهنيّة، ومدركة لها والإدراك فرع الإحاطة فالألوهيّة الّتي تحت الإدراكات الإنسانيّة إنّما هي تصوّرات خياليّة وليست بحقيقة الألوهيّة، لأنّ حقيقة الرّبوبيّة محيطة بكلّ الأشياء لا محاطة بشيء ومقدّسة عن الحدود والإشارات، بل هي وجود حقيقيّ منزّه عن الوجود الذّهنيّ، ولا تكاد العقول تحيط به حتّى تسعه الأذهان "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير"، وإذا أمعنّا النّظر بعين الحقيقة نرى أنّ تفاوت المراتب في الوجود مانع عن الإدراك حيث إنّ كلّ مرتبة دانية لا تكاد أن تدرك ما فوقها مع أنّ كلتيهما في حيّز الإمكان دون الوجوب فالمرتبة الجماديّة ليس لها خبر عن عالم الحيوان، ولا يكاد النّبات أن يتصوّر السّمع والبصر والحركة الإراديّة ولو كانت في أعلى درجة من النّبات والحيوان لا يستطيع تصوّر العقل والنّفس النّاطقة الكاشفة لحقائق الأشياء لأنّه فاقد الوجدان وأسير المحسوسات وذاهل عن كلّ حقيقة معقولة فكلّ حيوان لا يكاد أن يدرك حركة الأرض وكرويّتها، ولا تكاد تنكشف له القوّة الجاذبة والمادّة الأثيريّة الغائبة عن الحواس، وهو حال كونه أسير الأثير ذاهل عنه فاقد الإدراك، فإذا كانت حقيقة الجماد والنّبات والحيوان والإنسان حال كونها كلّها من حيّز الإمكان ولكن تفاوت المراتب مانع أن يدرك الجماد كمال النّبات والنّبات قوى الحيوان والحيوان فضائل الإنسان فهل من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم ويعرف الصّنع هوية الصّانع العظيم، أستغفر الله من ذلك ضعف الطّالب وجلّ المطلوب،

نهاية إقدام العقول عقال، فما بقي أدنى شبهة أنّ الحدوث عاجز عن إدراك القديم كما قال عليه السّلام "ما عرفناك حقّ معرفتك" ولكنّ الإمكان من حيث الوجود والشّؤون يحتاج الفيض من حضرة الوجوب، وعلى ذلك إنّ الغيب المنيع المنقطع الوجدانيّ تجلّى على حقائق الأشياء من حيث الأسماء والصّفات وما من شيء إلاّ وله نصيب من ذلك الفيض الإلهيّ والتّجلّي الرّحمانيّ و"إن من شيء إلاّ يسبّح بحمده".
وأمّا الإنسان فهو جامع للكمال الإمكانيّ وهو الجسم الجماديّ واللّطف النّباتيّ والحسّ الحيوانيّ. وفضلاً عن ذلك فهو حائز لكمال الفيض الإلهيّ فلا شكّ أنّه أشرف الكائنات، وله قوّة محيطة بحقائق الممكنات، كاشفة لأسرارها وآخذة بنواصي خواصها والأسرار المكنونة في مكامنها وتخرجها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وتعرّضها للعقول والأفهام، هذا هو سلطان الإنسان وبرهان الشّرف الأسمى، فكلّ الصّنائع والبدائع والعلوم والفنون كانت يومًا ما في حيّز الغيب السّرّ المكنون، فهذه القوّة الكاشفة المؤيّد بها الإنسان قد اطّلع بها وأخرجها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وعرضها على البصائر والأبصار، فثبت أنّ الحقيقة الإنسانيّة ممتازة عن سائر الكائنات، وكاشفة لحقائق الأشياء لا سيّما الفرد الكامل، والفيض الشّامل والنّور الباهر، كلّ نبي كريم ورسول عظيم فهو عبارة عن مرآة صافية لطيفة منطبعة فيها الصّور العالية تنبئ عن شمس الحقيقة المتجلّية عليها بالفيض الأبديّ، ولا يرى فيها إلا الضّياء السّاطع من شمس الحقيقة وتفيض به على سائر الأمم "وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم".
وإذا قلنا إنّ شمس الحقيقة أشرقت بأنوارها على المرايا الصّافية فليس مرادنا أنّ شمس الحقيقة المقدّسة عن الإدراك تنزّلت من علوّ تقديسها وسموّ تنزيهها ودخلت وحلّت في المرايا الصّافية، أستغفر الله من ذلك وما قدّروا الله حقّ قدره بل نقصد بذلك أنّ شمس الحقيقة إذا

فاضت أنوارها على المرايا لا يرى فيها إلا ضياؤها، "ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى"، إنّ النّزول والصّعود والدّخول والخروج والحلول من لوازم الأجسام دون الأرواح فكيف الحقيقة الرّبّانيّة والذّاتيّة الصّمدانيّة إنّها جلّت عن تلك الأوصاف فلا يكاد أن ينقلب القديم حادثًا ولا الحادث قديمًا فقلب الماهيّة ممتنع ومحال، هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلا الضّلال المبين فغاية ما يكون الحادث أن يستفيض الفيض التّام من حضرة القديم، فلننظر إلى آثار رحمة الله في المظهر الموسويّ، وإلى الأنوار الّتي سطعت بأشدّ الإشراق من الأفق العيسويّ وإلى السّراج الوهّاج السّاطع اللاّمع في الزّجاج المحمّديّ عليهم الصّلاة والسّلام وعلى الّذين بهم أشرقت الأنوار وظهرت الأسرار وشاعت وذاعت الآثار على ممرّ العصور والدّهور.

نور الرّوحانيّة
في يوم الجمعة الموافق 22 أيلول 1911 نظمت مسز جاك ومسز هريك
للأحبّاء والأصدقاء اجتماعًا فألقى فيهم حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
إنّ هذا اليوم بارد وكئيب. ولكنّني حضرت لأنّني مشتاق للقياكم ورؤيتكم. فالتّعب بالنّسبة إلى المحبّ راحة. والمحبّ على استعداد لأن يسافر إلى أي مكان ليزور أصدقاءه.
الحمد لله. إنّني أجدكم روحانيّين موقنين. وإنّني أبلغكم الرّسالة الإلهيّة وهي أنّه يجب عليكم أن تتوجّهوا إليه. والحمد لله إنّكم منه قريبون ولم تمنعكم شؤون الدّنيا عن البحث عن العالم الرّوحانيّ. فإذا كنتم على وفاق مع ذلك العالم الباقي لم تلهكم شؤون هذا العالم الفاني. إنّكم لترغبون في ما لا يموت ولا يفنى ومن ثمّ فأبواب الملكوت مفتوحة بين أيديكم. وإنّني لآمل أن تنتشر التّعاليم الإلهيّة في جميع الأنحاء وتكون سببًا في أن يتّحد جميع أهل العالم.
في أيّام المسيح تدفّق النّور من الشّرق إلى الغرب تدفّقًا جعل النّاس ينضوون تحت الرّاية الإلهيّة، فاستضاءت بصائرهم واستنارت الأقاليم الغربيّة بنور المسيح. وإنّني لأبتهل إلى الله أن يجعل النّور في هذا القرن المجيد يضيء العالم على نحو يجعل الجميع ينضوون تحت

علم الوحدة ويفوزون بالتّربية الرّوحانيّة، عندئذٍ تختفي تلك المشكلات الّتي تسبّب الخلافات بين أمم الأرض، لأنّها في الحقيقة غير موجودة، فأنتم جميعًا أمواج محيط واحد ومرايا تعكس صورة شيء واحد.
حقًّا إنّنا نرى دول أوروبّا اليوم تعيش في راحة، لأنّ التّربية والتّعليم انتشرا وعمّا فيها. وإنّ نور الحرّيّة هو نور الغرب، ونيّة الحكومات في الغرب منعقدة على العمل من أجل الحقّ والعدل. إلاّ أنّ نور الرّوحانيّة كان دائمًا ينبثق من الشّرق. وفي هذا اليوم أظلم ذلك النّور وأصبح الدّين مجرد صور وأشكال وطقوس ورسوم، وانعدمت الرّغبة في محبّة الله.
وفي كلّ عصر من عصور الظّلام الشّديد ينبثق النّور من الشّرق. وهكذا جاءكم نور التّعاليم الإلهيّة مرّة أخرى. وكما تنتقل التّربية والتّعليم من الغرب إلى الشّرق تنتقل النّار الرّوحانيّة من الشّرق إلى الغرب.
فأملي هو أن تستضيء أمم الغرب من نور الله، وأن يأتيهم الملكوت وأن يفوزوا بالحياة الأبديّة، وأن تنتشر بينهم روح الله كانتشار النّار وأن يتعمّدوا بماء الحياة ويفوزوا بميلاد جديد.
هذه هي رغبتي. وأملي إن شاء الله أن تتلقّوا النّور الإلهيّ فتسعدوا. وكما توفرت لكم التّربية والتّعليم والرّقيّ المادّيّ آمل أن يكون النّور الإلهيّ من نصيبكم أيضًا.

نسيان التّعاليم الإلهيّة
قضى حضرة عبد البهاء نهاية الأسبوع 23-25 سبتمبر 1911
في بريستول ونزل في دار الضّيافة بكليفتون، وفي المساء عُقد
مجلس استقبال لحضرته ضمّ تسعين شخصًا ممّن جاؤوا من
أماكن بعيدة لتحيّته فألقى فيهم الكلمة التّالية:
هو الله
مرحبًا بكم!
لقد جئت من بعيد لأراكم. وإنّني لأحمد الله على أنّني استطعت من بعد أربعين سنة من الانتظار أن أحضر إليكم آخر الأمر حاملاً رسالتي. وإنّ هذا حقًا لمجلس مليء بالرّوحانيّة. فالمشتركون فيه قد وجّهوا قلوبهم إلى الله، وإنّهم ليتلهّفون شوقًا إلى البشارات الإلهيّة.
ولقد اجتمعنا هنا بقوّة الرّوح القدس. ولذلك امتلأت قلوبنا بالشّكر والامتنان. فأنزل يا إلهي علينا نورك وحقك حتّى يرشدنا إلى جبلك المقدّس، وتنعشنا ينابيعك الإلهيّة الّتي تجدّد الحياة في العالم.
ولمّا كان يعقب كلّ نهار ليل، وكلّ غروب فجر لذلك أشرق المسيح من أفق هذا العالم كشمس الحقيقة. وكذلك الحال عندما نسي النّاس تعاليم المسيح ومثله في محبّة جميع البشر، وتعبوا مرّة أخرى من الشّؤون المادّيّة أشرق كوكب سماويّ من أفق إيران وتجلّى النّور

من جديد. والآن ينتشر الضوء العظيم في كلّ البلاد.
كلّما حرص النّاس على متعهم الدّنيويّة، وكّلما قلّت مشاركتهم لبعضهم البعض في مواهب الله تحوّل الرّبيع إلى شتاء الأثرة والأنانيّة. ولقد قال المسيح لا بدّ أن تولدوا من جديد كي تتدفّق في أوصالكم روح حياة إلهيّة. فارحموا كلّ من حولكم واخدموا بعضكم بعضًا وأحبّوا العدل والحقّ والصّدق في جميع أعمالكم. صلّوا دائمًا وعيشوا بحيث لا يمسّكم الحزن أبدًا. اعتبروا النّاس من جنسكم ومن العناصر الأخرى كأعضاء في هيكل واحد، وأبناء لأب واحد، وأعلنوا بسلوككم أنّكم حرب الله حقًا.
عندئذٍ تنتهي الحروب والمنازعات ويرفرف السّلام العام بجناحيه على الأرض جميعًا.

نداء الملكوت
في يوم الجمعة الموافق 29 أيلول 1911 دعت مسز كروبر ما يقرب من
أربعمائة وستين شخصيّة من شخصيّات لندن وأحبّائها لحضور حفل
الوداع الّذي أقامته لحضرة عبد البهاء في لندن. وبعد عدة خطب ألقاها
أحباؤه تكريمًا له ألقى حضرته الخطبة التّالية:
هو الله
أيّها الأحبّاء الأعزّاء طالبو ملكوت الله!
منذ ستّين عامًا، حيث اضطرمت نيران الحروب بين الأمم، وحين كان سفك الدّماء يعتبر شرفًا للعالم الإنسانيّ، وحين لطّخت وجه البسيطة دماء الآلاف، وحين تيتّم الأطفال وثكل الآباء وامتلأت نفوس الأمّهات بالحسرات، وحين أحاطت ظلمة التّعصب العنصريّ والعداوة بالبشر وحرمت النّفوس من النّور الإلهيّ، وحين بدا أن نسائم الرّحمن قد انقطعت – عند ذاك أشرق بهاء الله من أفق إيران كالنّجم السّاطع حاملاً رسالة السّلام والأخوّة بين البشر.
فقد جاء بهاء الله بنور الهداية إلى العالم، وأشعل نار المحبّة، وكشف عن حقيقة المحبوب الحقّ، وجاهد كي يحطّم أسس التّعصّبات الدّينيّة والعنصريّة والمنافسات السّياسيّة وشبّه العالم الإنسانيّ بشجرة، وشبّه الأمم بأغصانها، وشبّه النّاس بأوراقها وبراعمها وثمارها. وكان هدفه أن يحوّل تعصب الجاهليّة إلى محبّة شاملة عالية، وأن يضع في نفوس

أتباعه أساس وحدة الجنس البشريّ، وأن يطبّق المساواة بين الأمم والملل تطبيقًا عمليًّا، وأعلن أنّ جميع النّاس سواسية أمام رحمة الله وعنايته، وبذلك فتح باب الملكوت على مصراعيه، وتجلّت أنوار السّماء الجديدة على الأرض لكلّ ذي عينين.
ومع ذلك فقد قضى بهاء الله كلّ حياته يقاسي من البلايا والمحن والاضطهاد، ففي إيران ألقي في غياهب السّجن وقُيّد بالسّلاسل والأغلال وعاش وحدّ السّيف المصلت( ) على عنقه، وأهين وضرب بالسّوط وعندما ناهز الثّلاثين من عمره نفي إلى بغداد، ومن بغداد إلى الآستانة، ومنها إلى أدرنة، وأخيرًا إلى سجن عكّا.
إلا أنّه نجح –وهو أسير القيد سجين الزّنزانة- في أن ينشر أمره ويرفع راية وحدة الجنس البشريّ. ونحمد الله الآن على أنّنا نرى نور المحبّة ساطعًا في الشّرق وفي الغرب، وخيمة الأخوّة قد ضربت بين الشّعوب والأمم لتأليف القلوب والنّفوس والأرواح.
لقد ارتفع نداء الملكوت وأيقظ ضمائر النّاس فأدركوا حاجتهم إلى السّلام العام.
وإنّني لآمل أن تجتهد القلوب الطّاهرة المخلصة في إزالة ظلام البغضاء والاختلاف والشّحناء إزالة كاملة. فإنّ هذا العالم سوف يصبح عالمًا آخر، ويصبح العالم الأدنى مرآة للعالم الأعلى، وتجتمع قلوب البشر وتتعانق، وتصبح الأرض كلّها وطنًا واحدًا، والعناصر المختلفة جنسًا واحدًا، وتنتهي المنازعات والخلافات، ويتجلّى المحبوب الإلهيّ على هذه الأرض. وكما استضاء الشّرق والغرب بنور شمس واحدة كذلك ستصبح كلّ العناصر والأمم والملل عبيدًا لإله واحد.

إنّ العالم كلّه وطن واحد، وكلّ الأمم تسبح في بحر رحمانيّة الله الواحد لو كانوا يعلمون. وإنّ الله خلق الكلّ ورزق الكلّ وربّى الكلّ في كنف عنايته. ويجب علينا أن نقتدي بالرّبّ الجليل ونقضي على كلّ المنازعات والخلافات.
الحمد لله أن قد تجلّت آثار الأخوّة: والدّليل على ذلك هو أنّني –أنا القادم من الشّرق- قد قوبلت في لندن هذه بالتّكريم والاحترام والمحبّة. وإنّني لشاكر لكم ذلك جدًّا وممتنّ وسعيد. ولن أنسى قط الوقت الجميل الّذي قضيته بينكم.
لقد تحمّلت أربعين عامًا من العذاب في سجن الأتراك، وفي سنة 1908 حطّمت تركيا الفتاة –"لجنة الاتّحاد والتّرقي"- أسوار الظّلم والطّغيان وأطلقت سراح المسجونين وأنا معهم، وأسأل الله أن يبارك كلّ من يعمل من أجل الاتّحاد والتّرقي.
وعمّا قريب ستنشر التّقارير الكاذبة عن بهاء الله لتعوق انتشار الحقّ، وأنا أقول لكم ذلك كي تنتبهوا وتستعدّوا.
والآن أودّعكم سائلاً الله أن تكون كلّ مواهب الملكوت من نصيبكم وأنا جدّ آسف لفراقكم.

نبذة عن تعاليم بهاء الله
في يوم السّبت الموافق 30 أيلول سنة 1911 دعت رئيسة جمعية
الثّيوسوفيّين حضرة عبد البهاء فألقى حضرته هذه الخطبة
أمام الجمع المحتشد الّذي حضر لوداعه( )
هو الله
أيّها الجمع المحترم،
إنّ النّار لها لزوم ذاتيّ وهو الاحتراق، وقوّة البرق لها لزوم ذاتيّ وهو الإنارة والإبراق، والشّمس لها لزوم ذاتيّ وهو الإشراق، والتّربة لها لزوم ذاتيّ وهو الإنبات. ولا يجوز أن ينفكّ الشّيء عن لزومه الذّاتيّ. ولمّا كان التّغيّر والتّبدّل والتّحوّل والانتقال من حال إلى حال من اللّوازم الذّاتيّة لعالم الوجود – بمعنى أنّ تتابع فصول الرّبيع والصيف والخريف والشّتاء وتعاقب اللّيل والنّهار من اللّوازم الذّاتيّة لعالم الأرض- لزم أن يكون بعد كلّ ربيع خريف وبعد كلّ صيف شتاء وبعد كلّ نهار ليل؛ وبعد كلّ صباح مساء.
وحينما انهدم أساس الأديان الإلهيّة، وفسدت أخلاق العالم

الإنسانيّ وانعدم كلّ أثر للنّورانيّة السّماويّة، واختلّت المحبّة بين البشر وسيطرت ظلمة العناد والجدال والقتال، وطغى برد الجمود والخمود، وأحاطت الظّلمة كلّ الجهات طلع حضرة بهاء الله من مشرق إيران مثل كوكب الآفاق فسطعت أنوار الهداية الكبرى، وفاضت النّورانيّة السّماويّة، وأقام التّعاليم البديعة وأسّس فضائل العالم الإنسانيّ، وأظهر الفيوضات السّماويّة، وجلى القوّة الرّحمانيّة، وروّج في عالم الوجود المبادئ التّالية:
الأساس الأوّل هو تحرّي الحقيقة: فلقد تشبّثت جميع الأقوام بتقاليد العوام، ولذلك اختلف بعضهم عن بعض اختلافًا شديدًا وما زالوا في نزاع وجدال. غير أنّ ظهور الحقيقة يكشف هذه الظّلمات ويؤسّس وحدة الاعتقاد. ذلك لأنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد.
والأساس الثّاني هو وحدة العالم الإنسانيّ. فجميع البشر مشمولون بألطاف الرّبّ الجليل الأكبر وهم عباد الله الواحد ويترعرعون في ظلّ ربوبيّته وهي الّتي شملتهم جميعًا بالرّحمة. وإنّ التّاج الإنسانيّ لزينة لرأس كلّ عبد من عبيد الله. لهذا يجب أن نرى جميع الطّوائف والملل أنّ بعضها أخوة لبعض، وأنّهم أغصان وأوراق وبراعم وأثمار لشجرة واحدة. ذلك لأنّ الجميع أبناء لأب واحد هو آدم، ولآلئ مكنونة في صدف واحد. وكلّ ما في الأمر أنّهم بحاجة إلى التّربية، بعضهم غافلون جاهلون وهؤلاء تجب هدايتهم، وبعضهم مرضى وينبغي علاجهم، وبعضهم أطفال وتجب تنشئتهم بين أحضان العطف وأكتاف الحنان حين يبلغوا أشدّهم، ولا بدّ من صقل قلوبهم حتّى تشرق هذه القلوب وتنير.
والأساس الثّالث هو أنّ الدّين أساس الألفة والمحبّة وبنيان الارتباط والوحدة، فلو كان الدّين سبب العداوة لما وهب للنّاس الألفة بل لكان أورثهم العداوة، ولكان عدمه أفضل من وجوده ولرجحت كفّة تركه على التّشبث به.

والأساس الرّابع هو أن الدّين والعلم توأمان لا انفكاك لأحدههما عن الآخر، فهما للإنسان بمثابة الجناحين للطّائر يطير بهما، ومن الواضح أنّ جناحًا واحدًا لا يكفي للطّيران، وكلّ دين يتجرّد من العلم فهو تقليد لا اعتقاد، ومجاز لا حقيقة، ولذلك كان التّعليم فريضة من فرائض الدّين.
والخامس وهو أنّ التّعصّب الدينيّ والتّعصّب العنصريّ والتّعصّب الوطنيّ والتّعصّب السّياسيّ هادمة للبنيان الإنسانيّ. وحقيقة الأديان الإلهيّة واحدة، لأنّ الحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد، وجميع الأنبياء في غاية الائتلاف والاتّحاد. فحكم النّبوّة كحكم الشّمس، تطلع في كلّ فصل من مطلع. ولهذا السّبب بشّر كلّ سلف بخلفه وصدّق كلّ خلف سلفه: "لا نفرّق بين أحد من رسله".
والسّادس هو المساواة والأخوّة التامّة بين البشر وأنّ العدل ليقتضي أن تُحفظ جميع حقوق النّوع الإنسانيّ وتُصان، وأن تتعادل الحقوق العامّة. وهذه القاعدة من اللّوازم الذّاتيّة للهيئة الاجتماعيّة.
والسّابع تعديل معيشة الجنس البشريّ حتّى ينجو الجميع من العوز والحاجة، ويستقرّ حال كلّ فرد بقدر الإمكان وبقدر اقتضاء رتبته ومكانته. فكما يتدلّل الأمير ويتقلّب في بحبوحة النّعمة كذلك يجب أن يجد الفقير قوت يومه، ويتحرّر من الذّلّة الكبرى ولا يحرم إثر شدّة الجوع من نعمة الحياة.
والثّامن هو الصّلح الأكبر فجميع الملل والدّول يجب أن يجدوا الرّاحة والطّمأنينة في ظلال سرادق الصّلح الأكبر. وهذا يستلزم أن تقوم جميع الدّول والملل بتأسيس محكمة كبرى عن طريق الانتخاب العام، لتفصل في نزاع الدّول وخلاف الملل وذلك حتّى لا تنتهي هذه الخلافات بالحروب.

والأساس التّاسع هو أنّ الدّين منفصل عن السّياسة لا صلة له بها ولا دخل له فيها. بل إنّ الدّين مختص بعالم الأخلاق، وهو أمر روحانيّ ووجداني متعلق بالقلوب لا الأجسام. ويجب على رجال الدّين أن ينصرفوا إلى تربية النّاس وتعليمهم وترويج الأخلاق الحميدة، وألاّ يتدخّلوا في الأمور السّياسيّة.
والأساس العاشر هو تربية النّساء وتعليمهنّ ورفعهنّ ورعاية حرمتهنّ لأنّهنّ شريكات الرّجال وسهيماتهم في الحياة، وهنّ من حيث الإنسانيّة متساويات معهم.
الأساس الحادي عشر هو الاستفاضة من فيوضات الرّوح القدس حتّى تتأسّس المدنيّة الرّوحانيّة. لأنّ المدنيّة المادّيّة وحدها لا تكفي ولا تكفل سعادة الإنسان. وإذا كانت المدنيّة المادّيّة بمثابة الجسم فالمدنيّة الرّوحانيّة بمثابة الرّوح. والجسم لا يمكن أن يحيا بلا روح.
هذه نبذة عن تعاليم حضرة بهاء الله، وفي سبيل تأسيسها وترويجها تحمَّل كلّ مشقّة وعناء، فقد كان مسجونًا دائمًا ومعذّبًا أبدًا، وكان في غاية التّعب والإرهاق. إلاّ أنّه في السّجن رفع قواعد هذا الإيوان الرّفيع. وفي ظلمات الحبس ألقى على الآفاق بهذا النّور السّاطع البرّاق.
وإنّ أقصى آمال البهائيّين هو تنفيذ هذه التّعاليم وإجراؤها، وإنّهم ليبذلون جهدهم الأقصى لكي يضحّوا بذواتهم فداء لهذا المقصد حتّى تضيء الآفاق الإنسانيّة بالأنوار السّماويّة.
هذا وإنّني لمسرور غاية السّرور، لأنّني اتّحدث إليكم في هذا المحفل المحترم، ولي كبير الأمل في أن تكون إحساساتي الوجدانيّة مقبولة لديكم وإنّني لأدعو لكم بالتّأييد والتّوفيق إلى أعظم مواهب العالم الإنسانيّ.

عالم الوجود محتاج إلى الرّوح
وروحه هو الدّين الإلهيّ
في ليلة الخميس الموافق 5 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء هذه الخطابة لدى وروده باريس
في من اجتمعوا لحضرته في منزل مس ساندرسن
هو الله
إنّ عالم الوجود كهيكل الإنسان، وإنّ هذه القوى المادّيّة لهي بمثابة أعضاء ذلك الهيكل وأجزائه. إلاّ أنّ جسد الإنسان لا بدّ له من روح بها يتحرّك وبها يحيا ويعيش، وبواسطتها تبرز لديه القوّة الباصرة والقوّة السّامعة والقوّة الحافظة والقوّة المدركة، ويسطع فيه نور العقل الّذي يتمكّن به من أن يكشف عن حقائق الأشياء ويحقّق التّقدّم والتّرقّي في العالم الإنسانيّ. فإذا فقد الجسد الرّوح فإنّه لا يمكن أن يصل إلى هذه النّتائج مهما كانت صباحته وملاحته. إنّه عندئذٍ يكون رسمًا محرومًا من الرّوح والإدراك والعقل والكمال.
وكذلك شأن جسد الوجود، فإنّه مهما بلغ في النّاحية المادّيّة من الطّراوة واللّطافة إلاّ أنّه لا روح له. وروحه هو الدّين الإلهيّ. فالدّين الإلهيّ روح عالم الوجود، وبه يصبح الوجود نورانيّا، وتتزيّن الأكوان وتبلغ درجة الكمال.

ولهذا فكما تتّجه أفكاركم إلى التّرقّيات المادّيّة يجب أن تتّجه إلى التّرقّيات الرّوحانيّة أيضًا. لا، بل يجب أن تسعوا في سبيل التّرقّيات الرّوحانيّة سعيًا أبلغ من سعيكم في المدنيّة المادّيّة. وكما تهتمّون بالجسد ينبغي لكم أن تهتمّوا بالرّوح. فإنّ جسد الإنسان إذا انعدمت منه الرّوح أصبح ميتًا. ولعمري ما الفائدة الّتي ترجى منه؟ وكذلك الحال في جسد الإمكان: إذا حرم من التّرقّيات المعنويّة أصبح جسدًا بلا روح.
والإنسان يتّفق مع الحيوان في الصّورة إلاّ أنّ الفارق بين الإنسان والحيوان هو أنّ للإنسان قوى روحانيّة لا تتوفّر لدى الحيوان. من ذلك أنّ الإنسان على علم بالله، والحيوان لا علم له به. ومنها أنّ الإنسان يدرك حقائق الأشياء على حين أنّ الحيوان غافل عنها وجاهل بها. ومنها أنّ الإنسان يكشف حقائق الموجودات المكنونة بقوّة إرادته على حين أنّ الحيوان عاجز عن ذلك ولا نصيب له منها. ومنها أنّ الكمالات تظهر من الحقيقة الإنسانيّة ظهور الأنوار السّاطعة من السّراج. وكما أنّ النّور سبب ظهور كمال السّراج فإنّ الدّين سبب ظهور كمالات الإنسان. وهذه هي الفضائل الّتي يمتاز بها الإنسان على الحيوان، وهذه هي نفحات القدس الّتي تهب له الحياة الأبديّة.
وعلى هذا فالعالم الإنسانيّ إذا حُرم من روح الدّين عاد جسدًا بلا روح، فظلّ محرومًا من نفثات الرّوح القدس، ولا نصيب له من التّعاليم الإلهيّة. وقد بلغ من صدق حكم الموت على الإنسان المحروم من التّعاليم الإلهيّة أنّ السّيّد المسيح قال: "دع الموتى يدفنون موتاهم". ذلك لأنّ المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الرّوح هو روح. والمقصود من الرّوح حقيقة الدّين.
وعلى ذلك أصبح من الواضح أنّه إذا حرمت نفس من فيوضات

الرّوح القدس ماتت، ولو توفّرت لها كلّ الكمالات الصّورية وكلّ الصّنائع والعلوم.
لهذا فإنّني أدعو الله وأتضرع إليه أن يحيا أهل هذا الإقليم من نفثات الرّوح القدس، وأن يتوجّهوا إلى الله، ويصبحوا مركزًا للسّنوحات الرّحمانيّة وأن يعلموا بالتّعاليم الإلهيّة، حتّى يضيء كلّ فرد كالسّراج وينير العالم.

الاعتماد على الملكوت السّماويّ
في يوم السّبت الموافق 14 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزل مسيو دريفوس في باريس:
هو الله
هذه هي المرّة الثّانية الّتي أحضر فيها مجمع الأحبّاء في باريس. والحمد لله إنّني أرى وجوهًا منيرة وآذانًا صاغية وقلوبًا منجذبة بنار محبّة الله. ولهذا فإنّ قلبي مسرور لأنّنا- والحمد لله- قد عقدنا في هذه المدينة هذا الاجتماع لمحبّة الله. والواقع أنّ مدينة باريس قد بلغت في المدنيّة نهاية الرّقيّ، وأصابت في جميع الشّؤون المادّيّة النّجاح والفلاح. وبلغت من ذلك منزلة جعلتها أشبه بالمرآة الّتي تنعكس على صفحتها صور المدنيّة الّتي لا تتناهى، ولقد كان من المؤسف أن تظلّ هذه المرآة محرومة من نور الشّمس الحقيقيّة، ولكن نحمد الله إنّ نور شمس الحقيقة انعكس على هذه المرآة فكانت كبلّور في نهاية الصّفاء، ومع ذلك فإنّه من المؤسف ألاّ يشتعل بداخله سراج المحبّة، وكانت كبستان في غاية الجمال ولكنّه ظلّ محرومًا من رشحات أمطار العناية. فالحمد لله على أنّ غمام الملكوت يسقيه اليوم. وآمل أن يصبح في نهاية اللّطف والطّراوة. ولقد أضاء شمع محبّة الله في هذا البلّور بحيث بلغ الأطراف شعاعه. وعمّا قريب ستلاحظون أنّ الغرب سيصير شرقًا من أنوار حضرة بهاء الله، وسوف يهطل غمام رحمة الرّحمن وتهتزّ به

جميع القلوب وتنمو وتزدهر، وسوف تحرّك البشارات الإلهيّة جميع الأفئدة. لقد كانت هذه الأجسام تلتمس القوّة الرّوحانيّة والحمد لله أن قد أشرقت بارقة الصّبح السّماويّ. ولقد كانت هذه الأقطار مثل إنسان في نهاية الجمال إلا أنّه دون روح. والحمد لله أن دبّت فيه الرّوح الأبديّة. سوف يزداد رقيّه يومًا بعد يوم حتّى يأتي يوم يرتفع فيه نداء يا بهاء الأبهى من جميع هذه الصّحارى والقرى والوديان. أمّا الآن فإنّ ما حدث لا يتجاوز بارقة صبح جديد قد تنفسّت. على أنّ هذا الصّبح يعقبه طلوع الشّمس، وعند ذاك تستنير جميع الآفاق.
ولمّا كانت باريس مركزًا عظيمًا فأملي أن تصبح مركزًا للسّنوحات الرّحمانيّة وتستنير جميع بلاد الفرنجة من نورها.
وكان مقدّرًا منذ بداية العالم أن يسري النّور الإلهيّ دائمًا من الشّرق إلى الغرب إلاّ أنّه كان في الغرب يسطع سطوعًا شديدًا. تأمّلوا مثلاً دعوة السّيّد المسيح - روحي فداه- فقد ظهر في الشّرق ولمّا وجه ضوءه النّورانيّ إلى الغرب انتشر نور الملكوت في الغرب انتشارًا أعظم. وأملي أن تسطع اليوم أنوار حضرة بهاء الله في الغرب سطوعًا شديدًا، وأن يكون كلّ فرد منكم شمعًا منيرًا ونجمًا بازغًا، وأن يكون كالشّجرة المثمرة. ذلك أنّ مواهب ملكوت حضرة بهاء الله عظيمة، وبحر رحمة الرّحمن زاخر موّاج، والألطاف الإلهيّة الّتي لا نهاية لها أحاطت الشّرق والغرب جميعًا.
فلا تنظروا إلى ضعف استعداداتكم بل اعتمدوا عى الملكوت الأبهى، فإنّ الملكوت الأبهى يجعل من الذّرّة شمسًا ومن القطرة محيطًا، ومن الضّعيف قويًّا، ومن الجاهل عالمًا، ومن الأعمى بصيرًا، ومن الأبكم ناطقًا ومن الأصمّ سميعًا. ذلك هو شأن فيوضات الملكوت الأبهى. لهذا فليكن اعتمادكم على الملكوت الأبهى ولا تلقوا بالاً للياقتكم الشّخصيّة تأمّلوا في ما حدث من قبل، فبطرس كان

صيّادًا، وكذلك كان سائر الحواريّين، كان أحدهم نجّارًا، وكان الآخر صبّاغًا إلا أنّهم –بفضل الفيض الإلهيّ وعناية السّيّد المسيح- جلسوا على سرير السّلطنة الأبديّة وفازوا بالحياة الأبديّة، وسطعوا من الملكوت الأبهى، ووجدوا فيوضات لا تتناهى وذلك لأنّهم لم ينظروا إلى استعداداتهم الخاصّة. وكانت مريم المجدليّة امرأة قرويّة فلمّا شملتها الألطاف الإلهيّة أصبحت مريم المجدليّة المجيدة فأشرقت من أفق العزّة الأبديّة إلى أبد الآباد، إنّ فضل الله لواسع، وعناياته لكثيرة، وخزائن قدرته لمليئة. وإنّ الله الّذي أنعم عليهم هو الّذي ينعم عليكم أيضًا، فلا تنقص خزائنه. لذلك يجب أن تطمئنّوا جميعًا إلى العنايات الإلهيّة حتّى تصبحوا أنتم أيضًا من الفائزين بها.
اللّهم يا ربي ورجائي ومعيني ومنائي. أسألك بفضلك الّذي أحاط الموجودات وبرحمتك الّتي سبقت الممكنات أن تُنزل علينا في هذه اللّيلة النّوراء جزيل مواهبك، واجعلنا يا إلهي مشمولين بلحظات عين رحمانيّتك ومستغرقين في بحار نور فردانيتك ومبتهلين إلى ملكوت صمدانيّتك ومتضرّعين إلى أفق ألطافك. ربّي إنّ هؤلاء عباد وإماء قد اجتمعوا في هذا المحفل الرّوحانيّ مبتهلين إلى ملكوتك، مشتعلين بنار محبّتك، منجذبين بنور معرفتك، ومتموّجين كالبحور بأرياح موهبتك، متذلّلين إلى ملكوت رحمانيّتك. ربّي أيّدهم بشديد القوى وأنزل عليهم الرّحمة من السّماء. واجعلهم آيات توحيدك ورايات تقديسك بين الورى وسرجًا لامعة بنور العرفان ساطعة بأنوار الهدى بين أهل الوفاء. إنك أنت الكريم. إنك أنت الرّحيم إنك أنت العزيز القديم.

دورة الفصول الرّوحانيّة
في يوم الأحد الموافق 15 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
لو نظرتم بعين البصيرة لرأيتم الرّوحانيّات تطابق الجسمانيّات. فكما أنكم تلاحظون في عالم الأجسام فصل الرّبيع وموسم الصّيف وأوقات الخريف وأيّام الشّتاء كذلك تجدون هذه الفصول في عالم الرّوح.
فأيّام موسى كانت مثل الرّبيع، وبيان ذلك أنّ بني إسرائيل لمّا أسرهم الخريف وأصبحوا في نهاية الذّلّة والهوان، وهاموا في ظلمات الجهل بعثت فيهم يد موسى البيضاء الإحساسات الرّوحانيّة، وربّاهم بالآداب السّماويّة وبذل لهم من فيض أمطار الرّبيع. إلاّ أنّ ذلك الرّبيع الرّوحانيّ تغيّر وتبدّل بالشّتاء فزال رونق الرّبيع وعادوا إلى حالتهم الأولى، وتجمّدوا وأحاطت بهم الظّلمات.
وكان السّيّد المسيح ربيعًا روحانيًّا ضرب خيمته في الآفاق. وأظهر تلك الإحساسات الرّوحانيّة إظهارًا أعظم من السّابق. وتمتّع العالم برونق بهيج وانتعش عالم الإنسان وازدهر. إلاّ أنّ موسم الخريف عاد ثانية، إذ تحالف الأمراء والرّؤساء فتغيّر أساس دين المسيح تغييرًا

كلّيًّا وأصبح النّاس أسرى للتّقاليد. وهكذا أصبحت أمّة المسيح أسيرة إذ تسلّط الأمراء والرّؤساء عليها كالكابوس. وضاعت التّعاليم الإلهيّة ضياعًا كلّيًّا وراجت التّقاليد رواجًا شديدًا، حتّى بات كلّ ذنب يغفر بنفس الرّؤساء الطّاهر، وكلّ ظلم واعتساف يعفى عنه بمجرّد الإقرار والاعتراف.
وظلّ العالم يتخبّط في هذه الظّلمات، واستوحش الغرب، وحرم من الرّقي المادّيّ والرّوحانيّ حرمانًا تامًّا حتّى أشرق النّور المحمّدي بغتة، وأقام أساس العدل الإلهيّ. فأضاءت بادية العرب ورفعت شريعة الله رايتها في الصحراء، فتربّت الأقوام المتوحّشة، وارتقت شريعة الله.
وبعد مدّة تبدّلت الأمور بحيث لم يعد لأنوار الدّين المبين أيّ أثر، واستولى الجهل وانعدمت المعرفة. ذلك لأنّ التّغيير والتّبديل من لوازم الوجود الذّاتيّة، بحيث إنّه من المستحيل ألاّ يظهر التّغيير. فبعد كلّ عمران لا بدّ من خراب ودمار، وبعد كلّ شمس لا بدّ من ليل بهيم.
فلمّا غمرت الظّلمات كلّ الآفاق وانهدم أساس الدّين الإلهيّ لم تعد هناك أيّة إحساسات روحانيّة على الإطلاق. بل إنّ الأديان لم تعد تتجاوز الألفاظ وأصبحت –لسوء استعمالها- سببًا للمتاعب. فبعد أن كانت سببًا للاتّحاد والاتّفاق أصبحت وسيلة للرّياء والنّفاق، ولهذا تفضّل الله البرّ الرّحيم بمحض رحمته الكبرى فأخرج من جديد كوكبًا ساطعًا. وهكذا طلع من مشرق إيران صبح الهداية الكبرى ألاّ وهو حضرة الباب. ثمّ ما لبث نور حضرة بهاء الله أن أضاء، وراجت تعاليمه معلنة أنّ الدّين الإلهيّ نورانيّة وحسن أخلاق وأنّه روح العالم. وأساس ذلك الدّين الإلهيّ هو ذلك البيان الّذي ألقيته في لندن فطالعوه كي تعلموا.

إنّ أهل العالم لا يعلمون قط ما هو أساس أمر الله. وهذا هو الّذي حدا بجمع من أهل المعارف والعلوم إلى أن يتبرّأوا من الدّين. وإنّ حضرة بهاء الله ليقول: إذا لم يكن الدّين سببًا للاتّحاد فإنّ عدمه أولى من وجوده. ولهذا فإنّ الدّين يجب أن يكون سببًا للمحبّة. مثله مثل الدّواء. فالدّواء يوصف للشّفاء، فإذا كان الدّواء سببًا للإصابة بالمرض فإنّ الامتناع عن تناوله أفضل وأولى.
وإنّ الفقرات الإحدى عشرة الّتي ذكرتها في بياني قبل مغادرتي للندن( ) هي من بين أسس دين الله، فارجعوا إليها كي تقفوا على أساس أوامر بهاء الله وأحكامه

بيان معنى الأب في الابن
والابن في الأب
في ليلة الخميس الموافق 20 تشرين الأوّل ألقيت
هذه الخطبة في منزل مسيو دريفوس في باريس
هو الله
الحمد لله على أنّ هذا المجمع نورانيّ، كم تتشكّل جمعيّات وتتألّف محافل في باريس، إمّا لنشر المعارف وإمّا للتّباحث في توسيع التّجارة وإمّا لأجل التّقدّم الصّناعيّ، وإمّا لتبادل الرّأي في شؤون السّياسة. وجميع هذه المجامع والمحافل مفيدة ومقبولة لأنّها سبب الرّقي المادّيّ في عالم الوجود. وأمّا مجمعنا هذا فمجمع رحمانيّ غايته التّوجّه إلى الملكوت الرّبّانيّ، وحصول الإحساسات الرّوحانيّة وترويج وحدة العالم الإنسانيّ، والسّعي لإزالة التّعصّب من بين الملل والمذاهب، وإحلال المحبّة في جميع القلوب. لهذا نأمل أن يمتاز هذا المجمع عن سائر المجامع وأن يكون مقبولاً لدى الله.
ورد في التّوراة أنّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله، وورد في الإنجيل قوله "الأب في الابن والابن في الأب"، وذكر محمّد رسول الله أنّ الله تعالى قال: "الإنسان سرّي وأنا سرّه"، وقال حضرة بهاء الله على لسان الله تعالى: "فؤادك منزلي قدّسه لنزولي، وروحك

منظري طهّرها لظهوري". وهذه الكلمات جميعًا تدلّ على أنّ الإنسان مثال إلهيّ، وصورة ربّانيّة. إلاّ أنّ حقيقة الألوهيّة بذاتها خارجة عن نطاق إدراك البشر. ذلك لأنّ الإدراك فرع من فروع الإحاطة. فالإنسان لا يحيط بشيء إلاّ إذا أدركه. ولمّا كان الله سبحانه وتعالى محيطًا ولا يمكن أن يحاط به لذلك فإنّ إدراك الإنسان له مستحيل وممتنع ومحال، لأنّ المحيط أعظم من المحاط. وعلى ذلك فإدراكات الإنسان الّتي هي محاطة بالإنسان والإنسان بها محيط لا يمكن أن تكون هي حقيقة الألوهيّة لأنّ عقل البشر ليس في طاقته ولا بمقدوره أن يدرك حقيقة الذّات الإلهيّة، ولهذا فكلّ ما يخطر بتصوّر الإنسان مخلوق مثله وليس خالقًا، بل هو صورة فكريّة من صنع الإنسان.
ولو أنّنا دقّقنا النّظر في الكائنات لوجدنا أنّ تفاوت مراتبها يحول دون إدراكها بعضها البعض مع أنّ جميعها مخلوقة. فهذا الجماد مخلوق وهذا النّبات وهذا الحيوان كلاهما من المخلوقات أيضًا. ومع ذلك فلا يمكن للجماد أن يدرك القوّة النّامية في النّبات. وكذلك الحال في النّبات، فإنّه مهما ارتقى وتقدّم فإنّه لا يستطيع أن يدرك عالم الحيوان، ولا يمكن للنّبات أن يتصوّر قوّة السّمع والبصر، وذلك بالرّغم من أنّ الجماد والنّبات كليهما مخلوقان وكذلك شأن الحيوان فإنّه لا يستطيع أن يتصوّر قوّة الإنسان الفكريّة. وفي الإنسان قوّة عاقلة. وهذه القوّة العاقلة الكاشفة تكشف عن حقائق الأشياء. وإذا قيل إنّ الحيوان يدرك المحسوس هو الآخر، لأجبنا أنّه لا يدرك الشّيء غير المحسوس. إذ لا يمكنه أن يتصوّر مركزيّة الشّمس وحركة الأرض، ولا يستطيع أن يتصوّر الصّور المرئيّة في المرآة، ولا يستطيع أن يكشف القوّة الكهربائيّة ولا آلة التّصوير أو آلة البرق أو الحاكي أو التّلفون أو السّينما. فهذه المكتشفات يختصّ بها الإنسان. كلّ ذلك بالرّغم من أنّ الحيوان والإنسان كليهما مخلوقان حادثان.

ثبت إذن أنّ تفاوت مراتب المخلوقات يحول دون إدراكها بعضها لبعض بمعنى أنّ الرّتبة الأدنى لا تستطيع أن تدرك الرّتبة الأعلى. فإذا كان تفاوت المراتب في عالم الخلق يحول دون إدراك بعض الخلق للبعض الآخر فكيف يمكن للحادث أن يدرك القديم، فمن المؤكّد إذًا أنّه لا يدركه. فإذا كان الأمر كذلك فإنّ كلّ ما يخطر بتصوّر الإنسان لا يمكن أن يكون هو الله. تعالت حقيقة الألوهيّة عن ذلك تعاليًا كبيرًا.
ولكن لما كانت جميع الكائنات وجميع الموجودات محتاجة إلى فيض الوجود كان لا بدّ أن يصدر عن الحضرة الإلهيّة فيض يكون سببًا لحياة الكائنات. لهذا أشرقت على الكائنات فيوضات أسمائها وصفاتها. وهذا الفيض الإلهيّ شامل لجميع الكائنات مثله في ذلك مثل شعاع الشّمس الفائض على جميع الأشياء، إذ تنمو جميع الأشياء بفيض الشّمس وتعيش جميع الكائنات الأرضيّة على حرارة الشّمس. ولكن سائر الكائنات في الحقيقة هي في منزلة الحجر والمدر لا حياة فيها والإنسان هو الكائن الّذي له نفس وروح وعقل. ولا ريب في أنّ نصيب الإنسان من الفيض الإلهيّ أعظم لأنّه ممتاز على جميع الكائنات. فالجماد له وجود جماديّ لأنّه جسم إلاّ أنّه ليس له كمال النّبات، والنّبات له وجود نباتيّ، ولكن ليست لديه قوّة الحسّ، بمعنى أنّه لا يبصر ولا يسمع. وللحيوان قوّة الحسّ، ولكن ليست لديه القوّة العاقلة. أمّا الإنسان فجامع لجميع الكمالات جامع للوجود الجسمانيّ وجامع للقوّة النّباتية وجامع للقوّة الحيوانيّة وجامع للحواس. وفضلاً عن ذلك فإنّ لديه القوّة العاقلة. ولذلك فالإنسان ممتاز على جميع الكائنات. ولمّا كان ممتازًا على جميع الكائنات فإنّ نصيبه من فيض شمس الحقيقة أعظم ولا سيّما نصيب الفرد الكامل في العالم الإنسانيّ. وهو الفرد الكامل الّذي يعدّ سائر الأفراد بالقياس إليه في أدنى درجات الإدراك. وهذا الفرد الكامل هو المظهر الإلهيّ. وهو بمنزلة المرآة

الصّافية الّتي يتلألأ فيها نور الحقيقة أعظم التّلألؤ وأسنى اللّمعان. بل إنّ شمس الحقيقة لتتجلّى فيها بصورتها ومثالها وحرارتها وضيائها وتمامها وكمالها. حتّى إنّنا لنشاهد الشّمس في تلك المرآة. ولهذا قال السّيّد المسيح: الأب في الابن. وهو يعني أنّ الشّمس ظاهرة في هذه المرآة. ولم يكن يعني بهذه العبارة أنّ الشّمس تنزّلت من علوّ تقديسها ودخلت في المرآة. ذلك لأنّ الدّخول والحلول من خصائص الأجسام وحقيقة الألوهيّة منزّهة ومقدّسة عن الإدراك. إلاّ أنّ أنوار شمس الحقيقة الّتي تنطلق إلى مظاهر الظهور تكون في غاية الظّهور والبروز.
هذه هي حقيقة مسألة الألوهيّة، يقبلها كلّ عقل ويذعن لها كلّ إدراك وإنّ الله البرّ العطوف لم يكلّف عباده بأن يبحثوا في أمور خارجة عن دائرة العقل وإذا كنّا نحن العباد لا نكلّف نفسًا أمرًا غير معقول فكيف يكلّفنا الله الرّحمن الرّحيم الاعتقاد بأمور غير معقولة.
وإذا نحن أخذنا هذه المسألة بموجب التّقاليد المتوارثة بين المسيحيّين وجدنا أنّها غير معقولة. أمّا إذا تحرّينا الحقيقة وجدناها محقّقة ومعقولة. وإذا أنتم دقّقتم النّظر في ما بيّنته لكم وجدتم المسألة واضحة مشروعة بحيث لا يمكن أن ينكرها أحد.
إنّني هذه اللّيلة في مجمعكم. وإنّني لمسرور من ملاقاتكم. إلاّ أنّني أرجو أن يصير كلّ فرد منكم –بإذن اللّه- شمعًا نورانيًّا ومركزًا للمحبّة الرّحمانيّة وأن تلهم قلوبكم بالإلهامات الإلهيّة، وتكتحل عيونكم بمشاهدة الآثار.
إنّ مدينة باريس هذه في غاية الجمال. إلاّ أنّه أتى عليها حين طويل من الدّهر لم تسطع فيه الأنوار الرّوحانيّة. ولهذا تخلّفت من النّاحية الرّوحيّة. ولا بدّ لها من قوّة عظيمة حتّى تهبّ عليها نسمة من نفثات الرّوح القدس. إنّ المرض العارض يمكن علاجه بالوسائل

العاديّة. وأمّا المرض المزمن فلا بدّ له من ترياق فاروق وأدوية قويّة ناجعة. ولنأخذ مثلاً هذه الفواكه الّتي هي أمامنا الآن، إنّ بعضها ينضج بحرارة قليلة تعادل عشر درجات، وبعضها الآخر ينضج بعشرين درجة، وغيرها بخمسين. ولكنّ باريس تحتاج إلى ألف درجة من الحرارة كي تبعث فيها الحركة. ولنأخذ مثلاً آخر الفتيل يشعل بمجرد أن تمسّه النّار، وأمّا الحطب فلا يشتعل بهذه السّرعة. فباريس بحاجة إلى قوّة روحانيّة عظيمة حتّى تؤثّر فيها. فلو أنّنا عملنا بموجب التّعاليم الإلهيّة الّتي نزلت على جميع الأنبياء لأحدث ذلك تأثيرًا شديدًا. وهذه التّعاليم هي أن نتخلّى عن جميع التّعصّبات المذهبيّة والعنصريّة والوطنيّة والسّياسيّة، ونترك التّقاليد ونظهر المحبّة والمودّة لجميع البشر وجميع الطّوائف ونخدم وحدة العالم الإنسانيّ، ونعترف بأنّ جميع الخلق هم عباد الله ومظاهر ألطاف الرّبّ الجليل. وكلّ ما في الأمر أنّ بعضهم بمنزلة الأطفال الرّضّع فينبغي علينا أن نسعى في سبيل تعليمهم، وبعضهم مريض علينا أن نداويهم ونعالجهم، وبعضهم عميان وعلينا أن نجعلهم يبصرون ولا ريب أنّ العالم الإنسانيّ يفوز عندئذٍ بالإشراق والاتّحاد والاتّفاق.
وإنّني لأدعو الله من أجلكم. وقد سررت اللّيلة غاية السّرور من ملاقاتكم فإنّني أرى أقوامًا مختلفين قد اجتمعوا هنا وهم في منتهى الألفة والمحبّة. والواقع أنّ مثل هذه المجالس باعث على السّرور، ولا يمكن لإنسان ألاّ يكون مسرورًا. انظروا كيف اجتمعت الأقوام المختلفة في مكان واحد وبهذه المحبّة والصّداقة وبهذا الوئام والاتّفاق. إنّ هذا سبب سرور كلّ إنسان إلاّ من فقد الإنصاف وإنّكم لتلاحظون أنّ الإنسان يسرّ إذا وجد بعض الحيوان قد اجتمع وتآلف. فما بالكم بمقدار سروره وابتهاجه إذا رأى نفوسًا مختلفة الجنس مختلفة الأوطان مختلفة العادات قد اجتمعت مع بعضها البعض على الألفة والمحبّة

والوداد. وإنّني لأتوجه إلى أعتاب الأحديّة بكمال العجز والافتقار ضارعًا أن يأتلف البشر كألفتكم حتّى يصبح الجنس البشريّ كلّه أسرة واحدة، وأن يجتمع جميع الخلق في محفل واحد يلهجون –وهم في كمال الألفة وفي كمال الصّفاء وفي كمال الصّدق- بشكر الله الفرد الأحد ولهذا فإنّني أدعو لكم فأقول:
إلهي إلهي. ترى هؤلاء العباد وهؤلاء الإماء قد انجذبوا بنفحات القدس في هذا الأوان، ولبّوا لندائك بين الأنام. ربِّ إنّ هؤلاء عباد أودعت في قلوبهم آية الهدى، وهديتهم إلى ملكوتك الأبهى ونزّلت عليهم من سحاب رحمتك الفيض الشّامل والغيث الهاطل. ربِّ قد غشت الأبصار حجبات الاعتساف وغفلوا عن ذكرك يا خفيّ الألطاف. وأمّا هؤلاء قرّت أعينهم بمشاهدة آيات توحيدك وطابت نفوسهم بالاستفاضة من غمام تقديسك، وصفت ضمائرهم بتجلّيات جمالك، ونوّرت سرائرهم بظهور ألطافك. ربِّ قدّر لهم كلّ خير في ملكوتك. وصوّرهم بصور الملأ الأعلى بين الورى، حتّى يكونوا آيات توحيدك الباهرة على الأشياء ورايات تقديسك الخافقة في كلّ البلاد. ربِّ اجعلهم كلمات كتابك وارزقهم من نعمائك، واسبغ عليهم نعمتك واجعلهم ينادون بالملكوت في صقع الإمكان وسُرُجًا منيرة في زجاج النّاسوت بنور الإيمان والإيقان . إنّك أنت المقتدر العزيز الغفور العطوف الرّحمن.

الدّين سبب اتّحاد العالم
في عصر يوم الإثنين الموافق 23 تشرين الأوّل سنة 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
في منزل المسيو اسكات بحضور مائتين من الأحبّاء وغيرهم الخطبة التّالية:
هو الله
إنّ جميع الكتب الإلهيّة تبشّر جميع الملل بيوم موعود يجد فيه جميع البشر راحة الأمن والاطمئنان، ويتّحد العالم الإنسانيّ ويتم الاتّفاق ويزول النّزاع والجدال وتبطل الحرب، وترتبط جميع الملل بعضها ببعض وتتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ.
وإنّنا لنلاحظ الآن أنّ صبح ذلك اليوم قد أسفر، وانتشرت بوارقه في الآفاق فأحدثت في عالم البشر نشاطًا عظيمًا. وأنّ جميع ملل العالم لتشهد بأنّه ما لم تتحقّق وحدة العالم الإنسانيّ فلن تتحقّق للبشر راحة ولا سعادة. فالمحبّة هي سبب حياة العالم، والاتّحاد هو سبب سعادة البشر وحصول الشّيء مرتبط بعلل وأسباب وما لم تتهيّأ تلك الأسباب لا يتحقّق وجوده. فمثلاً لا بدّ للسّراج من بلّور وفتيلة وزيت لكي يعطي نورًا فنحن نريد أن تحصل المحبّة ما بين البشر فلا بدّ للمحبّة من روابط. ولقد كانت هذه الرّوابط روابط العائلة حينًا، وكانت أسباب المحبّة الرّوابط الوطنيّة حينًا آخر، وتارة كانت أسباب المحبّة هي وحدة اللّغة وتارة كانت روابط المحبّة هي الوحدة العنصريّة وتارة أخرى

كانت روابط المحبّة هي وحدة المنافع. وفي أحيان أخرى أسباب المحبّة التّعليم والتّعلم. وفي وقت آخر كان سبب المحبّة الوحدة السّياسيّة وهذه الأسباب جميعًا أسباب خصوصيّة. ولا تحصل المحبّة العامّة بهذه الأسباب لأنّها إذا سادت بين أهل الوطن الواحد فإنّ أهل الأوطان الأخرى يظلّون محرومين منها، ذلك لأنّ الرّوابط العنصريّة سبب للمحبّة بين أبناء جنس واحد. ولا يمكن أن تكون الرّوابط العنصريّة أو التّجاريّة أو السّياسيّة أو الوطنيّة أسبابًا للمحبّة العامّة لأنّها روابط جسمانيّة ومادّيّة. والرّوابط المادّيّة محدودة، ولمّا كانت المادّة محدودة فإنّ روابطها محدودة أيضًا.
يتّضح من ذلك أن أعظم الرّوابط وأكبر وسائل الاتّحاد بين البشر هي القوّة الرّوحانيّة لأنّها ليست محدودة بأيّة حدود.
والدّين هو سبب اتّحاد العالم، والتّوجه إلى الله هو سبب اتّحاد العالم، والدّخول في الملكوت هو سبب اتّحاد أهل الأرض. وإذا تمّ الاتّحاد حصلت المحبّة والألفة. ولكن ليس المقصود من الدّين تلك التّقاليد الموجودة بين أيدي النّاس، لأنّها سبب العداوة والنّفور، وعلّة الجدال والحرب وسفك الدّماء. راجعوا التّاريخ وتأمّلوا في وقائعه تروا أنّ التّقاليد الباقية في أيدي ملل العالم هي سبب القتال والحرب والجدال في العالم.
وإنّما مقصدي من الدّين أنوار شمس الحقيقة. وأساس الأديان الإلهيّة واحد، فهي حقيقة واحدة وروح واحدة ونور واحد لا تعدّد له.
ومن أسس الدّين الإلهيّ تحرّي الحقيقة، ومعنى ذلك أن يقوم جميع البشر بالبحث عن الحقيقة، ولمّا كانت الحقيقة واحدة فإنّ البحث عنها يوحّد جميع شيع العالم. والحقيقة علم، والعلم أساس الأديان الإلهيّة، ولذلك فالعلم سبب اتّحاد القلوب، والحقيقة ألفة بين

البشر، والحقيقة ترك التّعصّب. والحقيقة هي أن تنظروا إلى جميع البشر على أنّهم عبيد الله. والحقيقة هي أن تعلموا بأنّ جميع ملل العالم عبيد لإله واحد. والحقيقة هي أن تروا جميع الكائنات الحيّة فائضة من فيض واحد. وكلّ ما في الأمر أنّ الوجود في هذا العالم ذات مرتبتين: مرتبة النّقص ومرتبة الكمال. ويجب علينا أن نسعى ليل نهار كي نبدّل النّقص بالكمال، فالأطفال مثلاً –في عالم طفولتهم- لا يدركون ولا يعرفون إلاّ أنّهم لا يستحقّون الذّمّ بسبب ذلك. وإنّما يجب علينا أن نربّي هؤلاء الأطفال حتّى يصلوا إلى مرتبة البلوغ. ويجب أن نتعهّد هذا الغرس الجديد بالإنماء والتّنشئة حتّى يثمر. وهذه الأرض يجب علينا أن نطهّرها حتّى تؤتي بذور البركة أكلها. والمريض يجب علاجه حتّى يشفى. ولا ينبغي لنا أن نبغض إنسانًا، بل يجب أن نحبّ جميع البشر. فإذا استحكم هذا الأساس حصلت المحبّة. وكذلك ينبغي علينا أن نناجي الله دائمًا وندعوه حتّى يوجد المحبّة في القلوب، وأن نتضرّع ونبتهل كي تشرق شمس الحقيقة على الجميع، وكي يغرق الجميع في بحر رحمة الرّب الرّحمن ينبغي علينا أن نتضرّع ونبتهل إلى الله كي يكمل كلّ ناقص. وكي يصل جميع الأطفال إلى رتبة البلوغ وتشرق شمس المحبّة على الشّرق والغرب، وتستضيء جميع القلوب من نور محبّة الله، وتصبح الآذان صاغية وتنجذب القلوب بنفحات القدس وتستبشر الأرواح ببشارات الله، لهذا فإنّي أدعو قائلاً: إلهي إلهي لك الحمد بما أشرقت الأنوار من ملكوت الأسرار، واستضاء جميع الأرض بشعاعها، فانتعشت النّفوس وانشرحت القلوب بسطوعها، لك الشّكر يا إلهي بما هبّت نسائم العناية من مطلع الرّحمة والجود، وخرّت النّفوس سجودًا للرّبّ المعبود. وانشرحت الصّدور بآيات تقديسك في كلّ الجهات، ونادت الألسن بملكوتك وظهور آيات بيّنات. ربّنا إنّنا نتضرّع إلى مركز الجلال ونتذلّل لعزّتك بين الأنام وندعوك بالقلوب

والألسن والأرواح. ونستفيض من سحاب رحمتك في كلّ الأيّام. ربِّ أجبر هذا الكسر، وأكمل هذا النّقص، وارحم عبادك، وأيّدهم إلى صراطك. ربِّ قد تشعشع أنوار الهدى بين الورى ولكنّ النّفوس غفلوا عن ذكرك وابتلوا بالصّمم والعمى. ربِّ أنر أبصارهم بمشاهدة آياتك الكبرى، وأسمعهم نداءك البديع من ملكوتك الأبهى. إنّك أنت الكريم. إنّك أنت العظيم. إنّك أنت الرّحمن الرّحيم.

العلم يحطّم أغلال الطّبيعة
في يوم الأربعاء الموافق 25 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء في منزله المبارك في باريس الخطبة التّالية:
هو الله
العلم أعظم فضائل العالم الإنسانيّ وهو سبب ظهور الفيض الإلهيّ. والعلم كاشف الأسرار وهو كالمرآة الّتي ترتسم فيها صور الأشياء. العلم يعطي كلّ إنسان معلومات عن جميع الأشياء، ويجعل كلّ فرد من البشر كأنّه جميع البشر. ذلك لأنّ العلم يعلم الإنسان جميع ما اكتشفه البشر أي جميع المعلومات الّتي يمتلكها البشر. والعلم هو الّذي يمكّن الإنسان من الاطّلاع على جميع وقائع الأزمنة السّابقة. وهو الّذي يمكّنه من أن يكشف أسرار المستقبل.
وإنّكم لتلاحظون أنّ جميع الكائنات –كبيرة كانت أم صغيرة- أسيرة للطّبيعة. فالشّمس مثلاً أسيرة للطّبيعة وكذلك جميع السّيّارات وجميع النّجوم أسيرة للطّبيعة. والعناصر أسيرة للطّبيعة والجماد والنّبات والحيوان أسرى للطّبيعة ولا يمكنها أن تتجاوز عن مقتضيات الطّبيعة. فالشّمس بكل عظمتها لا يمكنها أن تتجاوز مدارها ولا إرادة لها فهي أسيرة للطّبيعة. والوحوش والطّيور أسيرة الطّبيعة. والمحيط بكلّ عظمته أسير للطّبيعة. والكرة الأرضيّة أسيرة الطّبيعة فلا يمكنها أن تتجاوز قانون الطّبيعة أدنى تجاوز.
أمّا الإنسان فحاكم على الطّبيعة بحيث إنّه يستطيع أن يحطّم قواعدها

وأحكامها ويتحكّم فيها. فالإنسان -بمقتضى الطّبيعة- مخلوق ترابيّ مثل سائر الحيوانات، ومقامه ومقرّه التّراب. وبالرّغم من أنّه ليس بذي روح هوائيّ ولا مائيّ إلاّ أنّه يتخطّى قانون الطّبيعة فهو يجول على سطح البحر ويقطع المحيط الأكبر. وهو يطير في الهواء ويسير تحت الماء. وقوّة الكهرباء هذه الّتي تشاهدونها -بالرّغم من أنّه لا قوّة أشد عصيانًا وتمرّدًا منها بحيث لو أصابت جبلاً لاخترقته حتّى الأساس- إلاّ أنّ الإنسان يأتي بها ويحبسها، وفي دقيقة يتفاهم بها الشّرق والغرب. والإنسان يستطيع أن يحبس الصّوت الطّليق في آلة، وأن يثبّت صورة الإنسان رغم أنّها ظلّ زائل. وجميع هذه الأمور خارقة للطّبيعة. وهذا هو معنى قولنا: إنّ الإنسان حاكم على الطّبيعة. فمن أين استحصل الإنسان على هذه الفضيلة؟ لقد تأتّت له من العلم.
اتّضح إذن أنّ العلم هو أعظم الفضائل الإنسانيّة. وأنّ خرق العادات وهتك قوانين الطّبيعة منوط بالعلم. أمّا وقد وهب الله للإنسان هذه القوّة وهذا الاستعداد اللّذين يخرق بهما قوانين عالم الطّبيعة فإنّه لمن المؤسف أن يضيّع الإنسان هذه الموهبة في الأمور الضّارّة. من المؤسف أن يجريها في قنوات البغض والعداوة. من المؤسف أن يسخّرها للظّلم والتّعدّي. إذ يجب على الإنسان أن يبذل هذه القوّة في سبيل إحياء النّفوس، وأن يسخّرها للخير العام، ويستخدمها في الصّلح والصّلاح، ويحصرها في تعمير العالم وراحة النّفوس، وترويج الألفة والمحبّة بين البشر. وهذه هي الموهبة الّتي تتزيّن بها حقيقة الإنسان.
وإنني لآمل أن يوفّق الجميع إلى هذه الموهبة الكاملة، وأن تحصروا همكم في أن يتلقّى النّاس العلم، وأن يحصّلوا العلوم والفنون. وتحصيل العلم لا يرتبط بزمان، فهو يبدأ مع بداية الحياة وينتهي بنهايتها. وبواسطة العلم يصبح المتعلّمون سببًا لمحبّة من على الأرض وعلّة للصّلح الأكبر إلى أن يتداعى بنيان الحرب بعون الله وعنايته، ويوضع أساس الصّلح والمحبّة وتفوزوا بالنّجاة في الدّارين.
وإنّني لأدعو الله أن يوفّقكم في هذا السّبيل.

الرّوح القدس سبب المحبّة الجامعة
في يوم الخميس الموافق 26 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية أمام الأحبّاء الّذين
اجتمعوا في بيته المبارك في باريس
هو الله
بالرّغم من أنّ المحبّة قائمة في عالم المادّيّات إلا أنّها فيه محدودة. فوسائط المحبّة وروابطها موجودة في العالم الجسمانيّ، إلا أنّ الوسائط المادّيّة محدودة في حين أنّ حقيقة المحبّة غير محدودة. فكيف يمكن، بالوسائل المحدودة، أن تتمّ الحقيقة غير المحدودة؟
ومن بين وسائط المحبّة في العالم المادّيّ الرّباط العائليّ. ولكن من المعلوم أن هذا الرّباط محدود إذ كثيرًا ما نجد في العائلة الواحدة نهاية البغض والعداوة. ومن المعلوم أيضًا أنّ المحبّة لا تتمّ بصورة كاملة بروابط قابلة للانفصال. إذن أصبح واضحًا أنّ الرّباط العائلي ليس كاملاً ومن جملة الرّوابط أيضًا الرّباط الوطنيّ. فالمحبّة والألفة قد تنشآن بين بعض النّاس على أساس أنّهم أهل وطن واحد. لكن هذا الرّباط لا يكفي لأنّه أوّلاً محدود بالوطن، وثانيًا لأنّه قد يحدث بين أهل الوطن الواحد أشدّ أنواع البغض والعداوة. والرّوابط العنصريّة - من ناحية ثالثة محدودة، إذ من المحتمل أن تقع العداوة بين أبناء الجنس

الواحد. ومن الرّوابط الاتّحاد رابعًا وحدة المصالح: وهذه تزول عندما تختلف المصلحة. والسّبب الخامس للألفة والمحبّة الوحدة السّياسيّة. وقد يأتي وقت تندثر فيه هذه الوحدة السّياسيّة.
إذن أصبح من المعلوم والمحقّق أن الرّوابط المادّيّة ليست كافية لإحداث الألفة بين البشر، وأنّ الأمر محتاج إلى قوّة من نوع آخر تجعل جميع البشر يتآلفون وتورثهم منتهى المحبّة، كما ينبغي أن تكون هذه القوّة غير محدودة.
ولا شكّ أنّ هذه القوّة هي قوّة الرّوح القدس. إذ إنّها هي سبب الوحدة الّتي تجمع جميع البشر تحت ظلّ كلمة واحدة، ولا قوّة غير هذه القوّة الملكوتيّة تستطيع أن تجعل جميع البشر مجتمعًا واحدًا وتقيم روابط المحبّة على أساس متين.
لهذا ينبغي علينا جميعًا أن نسعى ونجتهد كي تشعّ النّوراية الإلهيّة بين البشر. فالنّورانيّة السّماويّة تبعث ضوءًا يربط بين قلوب جميع البشر ربطًا كاملاً قويًّا. وهذا هو أساس المحبّة الحقيقيّة، إذ لا تحصل المحبّة بلا سبب.
وإنّني أنصحكم وأوصيكم فأنا الآن بينكم أيّامًا معدودة أترككم بعدها بألاّ تكونوا أسرى المادّيّات. وأن تتحرّروا من القيود المادّيّة. فالحيوان أسير للمادّة أمّا الإنسان فليس أسير المادّيّات لأنّ الله تعالى حرّره منها.
وإذا أمعنتم النّظر وجدتم أنّ جميع الكائنات أسيرة لعالم الطّبيعة فلا يمكنها التّجاوز عنه أبدًا. أمّا الإنسان فطليق من الأسر، وهو يخرق الطّبيعة. فأنتم تلاحظون مثلاً أنّ الإنسان –بمقتضى الطّبيعة- مخلوق ترابيّ إلاّ أنّه يطير في الهواء وهذا مخالف للطّبيعة. وهو يجول على سطح البحر، ويسير تحت الماء وهذا خارق لقانون الطّبيعة العام. وحقائق الأشياء –بمقتضى الطّبيعة- سرّ مكنون ورمز مصون، إلاّ أنّ الإنسان يدركها بقوّته الكاشفة، وبهذه القوّة يبرزها من حيّز

الغيب إلى حيّز الوجود. وكل هذه أدلّة على أنّ الإنسان ليس أسيرًا للطّبيعة بل هو خارق لها.
لهذا ينبغي لكم أن تتوسّلوا القوّة الإلهيّة كي تبرزوا وحدة العالم الإنسانيّ إلى حيّز الوجود. ولا تلقوا المحبّة في قلوب النّاس بالقوى المادّيّة ولكن بالوسائط والرّوابط المعنويّة. ولا تجعلوا سبب محبّتكم لإنسان ما وحدة العائلة أو وحدة الوطن أو وحدة الجنس. بل يجب أن تحبّوا النّاس لوجه الله. أحبّوا كلّ إنسان كامل ولو لم يكن من أبناء وطنكم أو من أفراد عائلتكم، وبهذه الوسيلة تستطيعون أن تخدموا العالم الإنسانيّ وتجعلوه نورانيًّا، وأن تهدموا بنيان ظلمات العداوة والبغضاء، فيجتمع جميع البشر تحت ظلّ علم الوحدة الإنسانيّة وتصل إليكم التّأييدات السّماويّة، وتفيض عليكم الفيوضات الرّبّانيّة إلى أن تصبحوا ملكوتيّين رحمانيّين. فابذلوا جهودكم من أجل أن يتحقّق هذا الأمر.
لا تقولوا قط هذا إنجليزيّ وذاك ألمانيّ وذاك فرنسيّ أو إيطاليّ لا تجروا هذا القول على ألسّنتكم قط. بل أنتم جميعًا عبيد الله وإماء الرّحمن هذا هو ميزان الكلّ. وفي محفل الألفة لا يعرف الفرنسيّ من التّركيّ ولا الألمانيّ من الإنجليزيّ أو الإيرانيّ أبدًا.
فإذا ركّزتم فكركم في هذا فلا شكّ أنّ الله يرضى عنكم وتصل إليكم التّأييدات السّماويّة، لا تنظروا إلى استعداداتكم فإنّ تأييدات الله ستصل إليكم. وأنا نفسي كنت رجلاً ضعيفًا مسجونًا إلاّ أنّ التّأييد الإلهيّ وصل إليّ بحيث الآن أعاشركم بالرّوح والرّيحان في باريس آملاً نشر نفحات الله.
فلنتوجّه إلى الله، وإن نظرنا لأنفسنا نخجل لأنّنا لا نملك الاستعداد واللّياقة. وأمّا إذا نظرنا إلى قوّة الملكوت جاءنا الأمل والرّجاء، ولم ترهقنا أية مشقّة مهما عظمت والسّلام.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى