منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
مجيء المسيح على متن السّحاب
في يوم الخميس الموافق 26 تشرين الأوّل سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء هذه الخطبة على الأحبّاء الّذين
اجتمعوا في البيت المبارك في باريس
هو الله
ورد في الإنجيل أنّ المسيح يأتي راكبًا على السّحاب، ويتفضّل الجمال المبارك في تفسير هذه الآية بقوله إنّ السّيّد المسيح جاء في المرّة الأولى ممتطيًا السّحاب أيضًا. ذلك لأنّه تفضّل بقوله: أنا جئت من السّماء مع أنّه ظاهريًّا ولد من رحم السّيّدة مريم. كما ورد في الإنجيل أنّ الّذي أتى من السّماء يصعد إلى السّماء وأنّ الّذي لم يأتِ من السّماء لا يصعد إلى السّماء، وأنا أتيت من السّماء، مع أنّ المسيح ولد من رحم مريم.
يتّضح إذن أنّ المقصود بالسّماء ليس ذلك الفضاء اللاّنهائيّ بل السّماء هي الملكوت والمسيح جاء من هناك وكان حين جاء ممتطيًا السّحاب. والسّحاب يعني الجسم البشريّ. فكما أنّ السّحاب يحول دون مشاهدة الشّمس كذلك حالت طبيعة السّيّد المسيح البشريّة دون مشاهدته كشمس الحقيقة.
وقد ورد في الإنجيل قولهم إنّ هذا الشّخص ناصريّ وهو يزعم أنّه أتى من السّماء ونحن نعرفه ونعرف جميع ذوي قرباه ونعرف موطنه فأيّ معنى لقوله إنّه أتى من السّماء.

فالمقصود إذن أنّه بالرّغم من أن جسد السّيّد المسيح من النّاصرة إلاّ أنّ روحه لاهوتيّة. وبالرّغم من أنّ قواه الجسمانيّة كانت محدودة إلاّ أنّ قواه الرّوحانيّة كانت غير محدودة. غير أنّ الخلق نظروا إلى الجانب البشريّ في السّيّد المسيح وقالوا إنّ هذا الشّخص من النّاصرة، وإنّه جاء من رحم مريم وليس من السّماء. ذلك لأنّ نظرهم كان متعلّقًا ببشريّة السّيّد المسيح. في حين أنّهم لو اطّلعوا على حقيقة المسيح لعرفوا أنّه جاء من السّماء حقًّا.
ويقول حضرة بهاء الله، وهكذا منعتهم بشريّة السّيّد المسيح من أن يدركوا حقيقته.
وإنّنا لنأمل ألاّ تنظروا إلى البشريّة بل إلى الحقيقة، وألاّ تحتجبوا بالمادّيّات كي تفوزوا بنصيب من الرّوحانيّات. لا تكونوا أرضيّين بل سماويّين، لا تكونوا جسمانيّين بل روحانيّين. لا تكونوا ظلمانيّين بل كونوا نورانيّين. ولتتعلّق أبصاركم بشمس الحقيقة الّتي سطعت أنوارها من جميع الآفاق. فلا يكون السّحاب حجابًا ولا تكون هذه التّقاليد مانعة إيّانا من مشاهدة الحقيقة، أبصروا الشّمس ولا تبصروا السّحاب انظروا السّماء في غاية الصّفاء، وشاهدوا شمس الحقيقة الّتي تجلّت الآن بلا سحاب يحجبها وفي منتهى القوّة، كي تستضيئوا جميعًا وتفوزوا بالحياة الأبديّة، وتصبحوا مظاهر الفيض السّرمديّ.
انتقلوا من عالم المادّيّات إلى عالم المعنويّات. ذلك لأنّ المادّيّات محدودة والمعنويّات غير محدودة. فلا يكون المحدود مانعًا لنا من بلوغ غير المحدود ولا يحرمنا عالم النّاسوت من بلوغ عالم اللاّهوت. ولا يدفع بنا الجسد إلى اليأس من الرّوح. هذا هو رجاؤنا. وهذا هو أملنا. وأسأل الله أن تفوزوا جميعًا بذلك.

الخلاف الدينيّ وإثبات نبوّة
سيّدنا محمّد عليه الصلاة والسّلام
في يوم الجمعة الموافق 27 تشرين الأوّل 1911
ألقى حضرة عبد البهاء هذه الخطبة أمام الّذين معه
في منزل مسيو دريفوس في باريس
هو الله
لمّا كانت تعاليم حضرة بهاء الله تدعو إلى توحيد جميع البشر وإيجاد منتهى الألفة والاتّحاد في ما بينهم لذلك يجب أن نبذل كلّ ما في وسعنا كي يزول سوء التّفاهم القائم بين الملل. كما يجب أن نبحث قليلاً في سوء التّفاهم الواقع بين الأديان حتّى إذا زال سوء التّفاهم هذا تمّ الاتّحاد الكلّيّ وحصل منتهى الألفة بين جميع الملل.
إنّ السّبب الأصلي لهذا الاختلاف والجدال هو علماء الملل. ذلك لأنّ كلّ فريق من هؤلاء قد أفهم رعيّته أنّ الله غضب على سائر الملل فحرمها من رحمة الرّحمن.
لقد اتفق لي وأنا بطبريّة أن كنت أسكن بجوار معبد لليهود إذ كان المنزل الّذي أنزل فيه مشرفًا عليه. ورأيت حاخام اليهود يعظ ويقول: يا أمّة اليهود! أنتم شعب الله وبقية الأمم شعب غيره. خلقكم الله من سلالة إبراهيم ووهب لكم الفيض والبركة، وفضّلكم على سائر

العالمين. اختار منكم إسحاق وبعث يعقوب واصطفى يوسف وأرسل موسى وهارون وسليمان وداود وإشعيا وإيليا. وجميع هؤلاء الأنبياء من شعبكم. ومن أجلكم أغرق آل فرعون وشقّ البحر وأنزل لكم مائدة من السّماء، وأجرى لكم من الصّخر ماء. فأنتم عند الله مقرّبون. إنّكم أبناء إسرائيل أي أبناء الله الممتازون على جميع الملل وسوف يأتي المسيح الموعود وعندئذٍ تعتزّون وتحكمون جميع ملل العالم. وأمّا سائر الملل فيرتدّون مخذولين مرذولين، وقد فرح اليهود من قوله هذا وسرّوا سرورًا لا يمكن وصفه.
وكذلك الحال بالنّسبة لجميع الملل. فسبب اختلافهم ونزاعهم وجدالهم هو علماؤهم. ولكن لو تحرّى هؤلاء عن الحقيقة لحدث الاتّفاق والاتّحاد بلا شكّ. ذلك لأنّ الحقيقة واحدة ولا تقبل التّعدّد.
فيا طالبي الحقيقة
إنّ كلّ ما سمعتوه حتّى الآن من الرّوايات في حقّ سيّد الكائنات سيّدنا محمّد عليه السّلام كان منبعثًا عن الغرض والتّعصب الجاهل. ولم يكن مطابقًا للحقيقة قط. وها أنا اليوم أبيّن لكم الحقيقة الواقعة. ولن نروي لكم الرّوايات ولكنّنا سنتحدّث بميزان العقل. ذلك لأنّ وقائع الأزمنة السّابقة لا بدّ من وزنها بميزان العقل. فإن طابقته قُبلت وإلاّ كانت غير أهل لأن تُعتمد.
أوّلاً إنّ ما تقرأونه من طعن بسيّدنا الرّسول عليه السّلام في كتب الكهنة يشبه الكلام الّذي يقال في السّيّد المسيح في كتب اليهود. لاحظوا ماذا قيل في السّيّد المسيح وهو برغم ما هو عليه من العظمة والجلال وفي الوقت الّذي بعث فيه بوجه صبيح ونطق فصيح.
يلاحظ اليوم أنّ نصف أهل العالم من عبدة الأصنام والنّصف الآخر قسمان: القسم الأعظم من المسيحيّين والقسم الثّاني من

المسلمين أمّا بقية الملل الأخرى فقليلة. ولذلك فهذان القسمان هما المهمّان. ولقد استمر النّزاع والجدال ألفًا وثلاثمائة سنة بين المسلمين والمسيحيّين في حين أنّ سوء التّفاهم هذا يمكن أن يزول بأمر يسير وتحلّ محلّه الألفة فلا يبقى جدال ولا نزاع ولا قتال. وهذا ما نريد أن نبيّنه.
عندما بعث سيّدنا محمّد عليه السّلام اعترض أوّل ما اعترض على عشيرته الأقربون إذ لم يؤمنوا بالتّوراة والإنجيل. وهذا منصوص في القرآن وليس من الرّوايات التّاريخيّة. قال لِمَ لَمْ تؤمنوا بجميع النّبيّين ولماذا لم تؤمنوا بالنّبيّين الثّمانية والعشرين الّذين ورد ذكرهم في القرآن. والقرآن ينصّ على أنّ التّوراة والإنجيل من كتب الله، وأنّ سيّدنا موسى كان نبيًّا عظيمًا، وأنّ السّيّد المسيح ولد من الرّوح القدس، وأنّه كلمة الله، وأنّ السّيّدة مريم مقدّسة. لا بل إنّ القرآن ينصّ على أن السّيّدة مريم لم تكن مخطوبة لأحد، وأنّها كانت معتكفة منزوية في قدس الأقداس بأورشليم، وأنّها كانت منقطعة للعبادة ليل نهار، وأنّ مائدة من السّماء كانت تأتي إليها. وكان كلّما دخل عليها زكريا أبو يحيى المحراب ووجد عندها رزقًا فيسألها من أين لك هذا يا مريم فتجيب مريم هو من عند الله من السّماء. ونصّ القرآن أيضًا على أن السّيّد المسيح تكلّم في المهد وأنّ الله اصطفى مريم وفضّلها على نساء العالمين.
هذه هي نصوص القرآن حول السّيّد المسيح.
وقد لام سيّدنا محمّد عليه السّلام قومه ووبّخهم إذ لم يؤمنوا بالمسيح وموسى. فقالوا إذا آمنا بالمسيح وموسى والتّوراة والإنجيل فماذا نفعل بآبائنا وأجدادنا الّذين نفتخر بهم؟ فقال سيّدنا محمّد من لم يؤمن بالمسيح وموسى فهو من أهل النّار. هذا نصّ القرآن وليس من روايات التّاريخ. بل إنّه قال لا تستغفروا لآبائكم ودعوا أمرهم لله فإنّهم لم يؤمنوا بالسّيّد المسيح ولا بالإنجيل، هكذا لام محمّد قومه.

وقد بُعث سيّدنا محمّد في وقت لم يكن فيه لدى هذه الأقوام مدنيّة ولا تربية ولا إنسانيّة وبلغ توحّشهم درجة أنّهم كانوا يدفنون بناتهم أحياء، وكانت النّساء لديهم أحطّ من الحيوان وكانوا يتعطّرون ببول الأبل ويشربونه. بين هؤلاء النّاس بعث سيّدنا محمّد. فربّى هذه الأقوام الجاهلة بحيث تفوّقوا على سائر الطّوائف في زمن قصير. فأصبحوا علماء من أهل المعرفة والدّراية والصّناعة. ونصّ القرآن يقول بأنّ النّصارى أودّاؤكم، ولكن عليكم أن تمنعوا بشدة عبدة الأصنام من العرب عن عبادة الأصنام والهمجيّة. هذه هي حقيقة الإسلام. فلا تنظروا إلى أفعال بعض أمراء الإسلام. ذلك لأنّ أعمالهم لا صلة لها بسيّدنا محمّد. اقرأوا التّوراة لتجدوا كيف كانت الأحكام. ثمّ انظروا ماذا فعل ملوك اليهود. واقرأوا الإنجيل تروا أنّه رحمة بحتة. فقد منع السّيّد المسيح النّاس جميعًا من الحرب والقتال. وحين سلّ بطرس سيفه أمره السّيّد المسيح بأن يعيد السّيف إلى غمده. أمّا الأمراء المسيحيّون كم سفكوا من الدّماء وكم ظلموا النّاس كذلك حكم الكثير من القساوسة بما يخالف تعاليم السّيّد المسيح.
مقصدي من هذا هو أن المسلمين يعترفون بأنّ السّيّد المسيح هو روح الله وكلمة الله وأنّه مقدّس واجب التّعظيم، وأنّ موسى كان نبيًّا عظيم الشّأن وصاحب آيات باهرات، وأنّ التّوراة كتاب الله.
وخلاصة القول إنّ المسلمين يكنّون للمسيح ولموسى أقصى التّمجيد والتّقديس. فلو قابل المسيحيّون نبيّ الإسلام بالمثل فقدّسوه ومجّدوه إذن لزال هذا النّزاع. فهل ينتكس إيمان المسلمين؟ أستغفر الله ماذا لحق بالمسلمين من أذى أو ضرر لتمجيدهم السّيّد المسيح؟ وأيّ ذنب اقترفوا؟ إنّهم على العكس أصبحوا مقرّبين إلى الله لأنّهم إذ أنصفوا وقالوا إنّ السّيّد المسيح روح الله وكلمة الله. ثمّ أليست نبوّة محمّد ثابتة بالدّلائل الباهرة؟

من بين البراهين على نبوّة سيّدنا محمّد القرآن الّذي أوحى الله به إلى شخص أمّيّ وإحدى معجزات القرآن أنّه حكمة بالغة، وأنّه يقيم شريعة في غاية الإتقان كانت بمثابة روح لذلك العصر. وفضلاً عن ذلك فقد بيَّن من المسائل التّاريخيّة والمسائل الرّياضيّة ما خالف القواعد الفلكيّة الّتي سادت في ذلك الزمان. ثمّ ثبت أنّ منطوقه كان حقًّا.
في زمان محمّد كانت قواعد بطليموس الفلكيّة مسلّمًا بها في الآفاق وكان كتاب المجسطي هو أساس القواعد الرّياضيّة عند جميع الفلاسفة إلا أنّ منطوقات القرآن جاءت مخالفة لتلك القواعد الرّياضيّة المسلّم بها. ولهذا عمَّ الاعتراض بأنّ آيات القرآن هذه دليل على عدم الاطّلاع. إلا أنّه بعد مرور ألف سنة اتّضح من تحقيق الرّياضيّين وتدقيقهم أنّ كلام القرآن مطابق للواقع، وأنّ قواعد بطليموس الّتي كانت أساسًا لأفكار آلاف الرّياضيّين والفلاسفة في اليونان والرّومان وإيران باطلة.
فمثلاً من بين مسائل القرآن الرّياضيّة تصريحه بحركة الأرض وقد كانت قواعد بطليموس تقرّر أنّ الأرض ساكنة. وكان الرّياضيّون القدامى يقولون بأنّ الشّمس تتحرّك حركة فلكيّة. فجاء القرآن وبيّن أن حركة الشّمس محوريّة، وقال بأنّ جميع الأجسام الفلكيّة والأرضيّة متحرّكة. ولهذا فإنّه حين قام الرّياضيّون المحدثون بالتّحقيق والتّدقيق في المسائل الفلكيّة واخترعوا الآلات والأدوات لهذه الغاية، وكشفوا الأسرار ثبت وتحقّق أنّ منطوق القرآن الصّريح صحيح، وأنّ جميع الفلاسفة والرّياضيّين القدامى كانوا على خطأ.
والآن لا بدّ من الإنصاف، ماذا يعني أن يخطئ آلاف الحكماء والفلاسفة والرّياضيّين من الأمم المتمدّنة رغم الدّرس والتّحصيل في المسائل الفلكيّة، وأن يتوصّل شخص أمّيّ من قبائل بادية العرب

الجاهليّة -لم يسمع باسم الرّياضيّات- إلى حقيقة المسائل الفلكيّة الغامضة ويحلّ مثل هذه المشكلات الرّياضيّة رغم أنّه نشأ وترعرع في الصّحراء بواد غير ذي زرع! لا شكّ أنّ هذه القضيّة خارقة للعادة. وأنّها حصلت بقوّة الوحي.
ولا يمكن الإتيان ببرهان أشفى من هذا ولا أكفى. وهذا غير قابل للإنكار.

الاتّحاد مقصد عظيم
دونه مشكلات جمّة
في يوم السّبت الموافق 28 تشرين الأوّل 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه الخطبة أمام الأحبّاء الّذين اجتمعوا في منزله المبارك في باريس
هو الله
اليوم قرأت عن حوادث إيطاليا وتركيّا. ولقد قامت حرب جديدة يراق فيها دم النّاس البائسين من أجل أتفه الأسباب. فمن أجل هذه الأرض السّوداء يقتل النّاس بعضهم بعضًا مع أنّها ليست ملكًا لأحد منهم. ما أكثر الأمم والدّول الّتي كسبت الأرض ثمّ ضاعت هذه الأرض من أيديهم بعد زمن قصير. ما أكثر الممالك الّتي فتحت في زمان شارلمان وأيّام نابليون الأوّل. ولكن ماذا كانت النّتيجة آخر الأمر؟ لقد ضاعت هذه الممالك في زمن قصير.
إنّ الأرض ملك لله. وجميع الملل والدّول بمثابة مستأجري هذه الأرض وستفلت من يد الجميع. "ولله ميراث السّموات والأرض" أمن أجل هذه المدّة القصيرة الّتي تشبه الاستئجار يتنازعون ويتجادلون ويسفك بعضهم دماء بعض كالسّباع الضّارية ويفتك بعضهم ببعض كالذّئاب الكاسرة؟ والمعلوم أنّ الله خلق الإنسان مظهرًا لفضائل العالم الإنسانيّ وكي يكون سببًا لراحة العالم وطمأنينته، ويكون سببًا للمحبّة

والألفة، ويكون نورانيًّا عادلاً منصفًا، فلا يعتدي على غيره بل يعاونه حتّى تسود الرّأفة بين البشر. هذا ما يريده الله. وهذا هو سبب سعادة العالم الإنسانيّ وعزّة البشر. ولكنّ البشر – واأسفاه! – يقومون بما يخالف رضا الله، ويسعون في أمور تسبّب ذلّة العالم الإنسانيّ وفضيحته.
إنّكم اليوم –بالنّسبة إلى سائر الطّوائف الموجودة هنا- جمع قليل عقدتم نيّتكم على الخير، وتوجّهتم إلى الله، تبتغون خير العالم الإنسانيّ، وتلتمسون الصّلح والصّلاح، وتنزعون إلى المحبّة والألفة، وغاية مسعاكم هو أن يتّحد البشر ويتّفقوا وقصارى أملنا هو أن يزول القتال والجدال، وأن يحلّ الصّلح مكان الحرب والمحبّة محلّ البغضاء ويسود الاتّحاد بدل الاختلاف.
وهذا الهدف هدف عظيم حقًا. ولكنّه ليس سهلاً ولا يسيرًا. إذ دونه مشكلات جمّة. إلاّ أنّكم يجب أن تستسيغوا كلّ مشقّة وكل عناء في سبيله. ومعنى ذلك أنّه يجب عليكم أن تقفوا في وجه جميع البشر. لأنّ جميع الملل ركّزت فكرها في الحرب، وعقدت عزمها على أن يغيّر بعضها على بعض ليفتحوا الممالك.
فلا شكّ أنّ عملكم هذا عسير جدًّا. ولكن إذا بذلتم أقصى الجهد بلا كلل ولا ملل تبلغون النّتائج المفيدة.
إذن تضرّعوا دائمًا وابتهلوا أبدًا إلى الله واطلبوا إليه أن يخلق أسباب الألفة، وأن يمدّكم بمدد من عنده وتأييد من لدنه حتّى تستطيعوا إنجاز هذه المهمّة، وحتّى يمكّنكم من حمل هذا العبء الثّقيل، وتحمّل كلّ مشقّة وتعب وعناء في هذا السّبيل. وربّما بلغ بكم الأمر إلى الحدّ الّذي يتوجّب معه عليكم أن تضحّوا بأنفسكم. وكلّ إنسان جليل الهدف يستعذب مشقّة تواجهه في سبيل تحقيق هدفه وخاصّة إذا

كان الهدف عظيمًا كالّذي أمامكم، فهذا الهدف هو علّة حياة العالم ونورانيّة عالم البشر وراحة واطمئنان الخلق جميعًا وظهور موهبة العالم الإنسانيّ وتجلّي تأييدات الملكوت الإلهيّ.
وآمل ألا تثبط عزمكم أيّة مشقّة ولا أيّ تعب وأن تزداد همّتكم سموًّا يومًا بعد يوم، ويتضاعف سعيكم واجتهادكم حتّى تشتهروا بين البشر بنورانيّة محبّة الله.

الرّوح القدس واسطة الفيض
في يوم الأحد الموافق 29 تشرين الأوّل سنة 1911 ألقى حضرة عبد البهاء
هذه الخطبة بمنزل شقيقة مسيو دريفوس في باريس
هو الله
إنّ حقيقة الذّات الإلهيّة في نهاية التّنزيه والتّقديس. وليس لها نزول ولا صعود وتنزّل الحقّ إلى عالم الخلق مستحيل، ذلك لأّنه لا صلة قطّ بين الغنى المطلق والفقر المحض. وحقيقة الألوهيّة غنى محض وقديمة، وأمّا الإنسان فحادث وفقر صرف. وحقيقة الألوهيّة قدرة محضة والإنسان عجز صرف. لهذا فإنّه لا صلة بين الغنى المطلق والفقر البحت، وبين القديم والحادث، وبين القدرة الخالصة والعجز الصّرف.
ومن ثمّ كان لا بدّ من واسطة فيض بين حقيقة الألوهيّة وعالم الخلق، تكون بمنزلة الشّعاع السّاطع من الشّمس. وبعبارة أخرى إنّ الحقيقة مثل الشّمس وعالم الخلق مثل الأرض وبين الشّمس والأرض لا بدّ من واسطة للفيض. والشّمس لا تتنزّل كما أنّ الأرض لا تصعد إلى السّماء. إذن فما هي الواسطة؟ نور الشّمس وحرارة الشّمس هما الواسطة بين الأرض والشّمس.
والرّوح القدس هو بمنزلة شعاع الشّمس وتجلّي الشّمس وحرارة

الشّمس وكمالات الشّمس. وبواسطة الرّوح القدس تفوز حقيقة الإنسان بفيض من حقيقة الألوهيّة، ولا يمكن أن يتسنّى ذلك بلا واسطة. وجميع الفيوضات الّتي تصل من عالم الحقّ إلى عالم الخلق تتمّ بواسطة الرّوح القدس. فالرّوح القدس سبب حياة الإنسان الأبديّة وعلّة قوّته الكاشفة ونفوذه الرّوحانيّ وحكمته البالغة وحركته العلويّة. كلّ هذه من فيوضات الرّوح القدس الّذي هو واسطة الفيض بين الحقّ والخلق.
تأمّلوا كيف أنّ البرهان واضح. إلاّ أنّ بعض الأمم لم تدرك الحقيقة فتصوّرت أنّ شمس الحقيقة نزلت وحلّت. وهذا مستحيل وغير ممكن. فالرّوح القدس هو الواسطة وهو بمنزلة شعاع الشّمس حرارتها وبهما تتربّى الكائنات. فشعاع الشّمس سبب حياة الجماد والنّبات والإنسان. وشعاع الشّمس هو سبب حياة الأرض. وشعاع الشّمس هو سبب الحركة والحياة. وهذا هو الرّوح القدس فهو بمنزلة الرّوح.
تأمّلوا أمر حواريّي السّيّد المسيح. فقد كانوا في بادئ الأمر رجالاً عاديّين، كان أحدهم صيّاد سمك، وكان الثّاني نجّارًا، والثّالث صبّاغًا. إلا أنّ تأييدات الرّوح القدس جعلت بطرس بطرس الأكبر ويوحنّا يوحنّا الإنجيليّ. وكلّ من اقتبس منهم من نور الرّوح القدس استنار وأصبح سببًا لهداية جمع غفير من النّاس. وفي هذا المقام يتّضح التّأييد وتتجلّى القوّة الّتي هي فيض من الرّوح القدس.

المدنيّة الرّوحانيّة
في يوم الثّلاثاء الموافق 31 تشرين الأوّل 1911
ألقيت هذه الخطبة في المنزل المبارك في باريس
هو الله
في الجوّ الجميل ينتعش جسم الإنسان، وتتجدّد حياته، ويسرّ قلبه وتزداد إحساساته البدنيّة، فيشفى إن كان مريضًا، وينشط وينشرح إذا كان عليلاً. فإذا كان خامدًا اهتزّ وبدت عليه علائم السّرور. وهذه سعادة الإنسان الجسمانيّة الّتي تنمو من لطف الهواء وعذوبة الماء وحلاوة الغذاء. وكذلك إذا توفرت للإنسان ثروة أو عزّة أو تجارة أو كسب أو صنعة تمّت سعادته الجسمانيّة واكتملت.
وإنّكم لتلاحظون أنّ الحياة الطّيبة ووسائل السّعادة الجسمانيّة وأسبابها متوفّرة على أحسن الوجوه للأمم المادّيّة. فالأطعمة اللّذيذة متوفّرة لها، والمنازل منسّقة والتّجارة متّسعة، والصّنائع في نهاية الإتقان، والأصول السّياسيّة في غاية الاعتدال فيها. وهذه الأمور جميعها كفيلة بتوفير السّعادة الجسمانيّة لعالم الإنسان. إلاّ أنّه لا صلة لها بالرّوح. ومن الممكن أن يكون الإنسان –من حيث الجسمانيّات- في نهاية الرّقيّ، وأن تكون جميع النّعم البدنيّة مهيّأة له بحيث تتمّ له سعادة المعيشة النّاسوتية وأن يكون مع ذلك محرومًا تمامًا من الحياة

الرّوحانيّة، ولا نصيب له من المدنيّة السّماويّة، ولا من الفضائل، فيبقى بعيدًا كلّ البعد عن نورانيّة الملكوت.
ولذلك فكما نسعى ونجتهد لتحقيق المدنيّة الجسمانيّة ونجاهد في سبيل تحصيل الفوائد المادّيّة، وتوفير أسباب الرّاحة والاطمئنان النّاسوتيّ كذلك يجب علينا أن نولي الحياة الرّوحانيّة أهميّة أعظم، ونلتمس السّعادة الأبديّة بهمّة أكبر، ونطلب النّورانيّة السّماويّة والسّنوحات الرّحمانيّة بجدّ أكثر، ويزداد إقبالنا على ترقيّات العالم الإلهيّ حتّى تكمل حياتنا الرّوحانيّة كما كملت حياتنا الجسمانيّة وتتمّ لنا السّعادة الملكوتيّة.
إنّ السّعادة الّتي أرادها السّيّد المسيح لأهل العالم هي النّورانيّة الّتي أعطاها للحواريّين وتمّت لهم منها التّرقّيات الحقيقيّة. لهذا أسّس حضرة بهاء الله في هذا العالم الفاني ملكوتًا وأضاء شمعًا سماويًّا وفتح أبواب الملكوت فسطعت شمس الحقيقة كي تتأسّس المدنيّة الرّوحانيّة، وتشرق النّورانيّة السّماويّة، وتتمّ الحياة الأبديّة وتهبّ نفثات الرّوح القدس في القلوب. فيصبح الإنسان عظيمًا من النّاحيتين المادّيّة والرّوحية ويحقّق الحضارتين المادّيّة والرّوحية معًا. ذلك أنّه عندما تترقّى روح الإنسان وجسمه معًا تتوفّر السّعادة للعالم الإنسانيّ، ولا يتحقّق هذا الهدف بالمدنيّة المادّيّة وحدها.
ولذلك تلاحظون أنّه بالرّغم من أنّ عالم المدنيّة المادّيّة بلغ كمال الرّقيّ في هذا العصر إلاّ أنّه يشهد الكثير من القتال والجدال والحرب والنّزاع وسفك الدّماء وهدم البنيان الإنسانيّ.
وفي الأزمنة السّابقة الّتي نطلق عليها اسم عصور التّوحش كانت الحرب تقع ولكنّها كانت لا تكاد تقضي على حياة ألف شخص في خلال سنة كاملة. أمّا اليوم فإنّ حرب الرّوس واليابان قضت على حياة

خمسمائة ألف شخص في غضون ستّة أشهر. فقد اخترعت آلات فتّاكة لم تكن موجودة من قبل، فمدافع كروب مثلاً لم تكن موجودة من قبل، وكذلك الدّيناميت والغوّاصات وهذه جميعًا من نتائج المدنيّة الحاليّة.
ثبت إذن أنّ ازدهار المدنيّة المادّيّة لا يجلب إلى العالم السّعادة الصّحيحة فإذا ما تحقّقت المدنيّة الرّوحانيّة بجانب المدنيّة الجسمانيّة تمّ الوصول إلى السّعادة الحقيقيّة. فكما أنّ أسباب الرّقيّ المادّيّ توفّر راحة الأجسام كذلك يتحقّق رقيّ عالم الأخلاق بالنّورانيّة السّماويّة، وتتحقّق فضائل العالم الإنسانيّ بفيض نفثات الرّوح القدس.
إنّ الشّفاء الأبديّ لعالم الوجود هو الوحي السّماويّ. والرّقيّ الحقيقيّ منوط بالفيض الإلهيّ. ولذلك فإنّني أريد لكم أن تهبط عليكم تلك الفيوضات، وألتمس لكم نفثات الرّوح القدس، وأطلب لكم السّعادة الّتي طلبها السّيّد المسيح للحواريّين، كي تبلغوا درجة الكمال في جميع المراتب المادّيّة والرّوحانيّة، وكي يتحقّق لكم التّرقّي في هاتين النّاحيتين فيصبح ظاهركم وباطنكم معمورين وتستظلّ أرواحكم وأجسامكم جميعًا بظلّ رحمة الرّحمن وتنجذب قلوبكم وتستبشر أرواحكم، وتفوزوا باللّسان النّاطق والعين المبصرة والأذن السّامعة، وتظفروا بالقوّة المعنويّة وبالتّأييد الملكوتيّ. هذه نصيحتي إليكم –فمرحبًا بكم.

معنى التّنزيه والتّقديس
في يوم الأربعاء الموافق أوّل تشرين الثّاني
1911 ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
سمعت أنّ اليوم عيد في باريس، وأنّ العيد هو عيد جميع القدّيسين فلماذ سمّيتم هؤلاء بالقدّيسين؟ ومامعنى المقدّس؟ معناه المنزّه الطّاهر، ومعناه المترفّع عن أوساخ عالم البشريّة، ذلك أنّ للإنسان مقامين: أحدهما مقام الإنسانيّة الّذي له اتّصال بالعالم العلويّ وبفيض الرّبوبيّة. وثانيهما مقام الحيوانيّة الّذي له اتّصال بعالم النّاسوت، وأعني بها الجانب الحيوانيّ، كالغضب والشّهوة والبخل والظّلم والجفاء فكلّ هذه من الخصائص الحيوانيّة، كما أنّ العلم والحلم والوفاء والجود والسّخاء والعدل من فضائل العالم الإنسانيّ.
فإذا تغلّب الجانب الإنسانيّ وقهر الأخلاق الحيوانيّة كان ذلك سببًا لرفعة الفطرة الإنسانيّة. فهذه النّفوس المقدّسة تبرّأت من العالم الحيوانيّ واتّصفت بالخلق الرّحمانيّ، فأصبح أصحابها مظهر العدل ومظهر الحبّ ومظهر الإنصاف ومظهر الألطاف، وأصبحوا نورانيّين وسماويّين وروحانيّين. ولهذا تقدّسوا.
والحواريّون الّذين آمنوا بالسّيّد المسيح كانوا في بادئ الأمر

متّصفين بصفات سائر البشر متمسّكين بالأمور الدّنيويّة، يلتمسون منافعهم الشخصيّة ويرغبون في الاستمتاع بجميع ملذّات العالم. ولم تكن لديهم فكرة عن التّنزيه والتّقديس، ولم يكن لهم نصيب من فضائل العالم الإنسانيّ. ولكن حين آمنوا بالسّيّد المسيح تبدّل جهلهم بالعلم وظلمهم بالعدل وغضبهم بالرّحمة، وظلمتهم بالنّور. كانوا ناسوتيّين فأصبحوا لاهوتيّين وكانوا شيطانيّين فأصبحوا رحمانيّين ولهذا سمّوا بالمقدّسين.
ينبغي لكم إذن أن تقتدوا بهم كي تتخلّصوا من أوساخ العالم البشريّ وأدرانه وتصبحوا لاهوتيّين من بعد أن كنتم ناسوتيّين، وسماويّين من بعد أن كنتم أرضيّين، واسألوا الله أن تظهر فيكم فضائل العالم الإنسانيّ لتصبحوا ملائكة الله ومصادر الأنوار وكاشفي الأسرار ومدركي حقائق الأشياء.
وكما تقدّمتم في عالم المادّيّات وبلغتم هذه الدّرجة العالية من الرّقيّ تقدّموا أيضًا في العالم الرّوحانيّ. لقد جاء الأنبياء العظام لتربية البشر وتعليمهم وليجعلوهم مظاهر الأنوار ويطلعوهم على حقائق الأسرار ويجعلوهم سبب الرّقي المادّيّ والرّقي المعنويّ للعالم الإنسانيّ، ومن أجل هذا الأمر نزلت الكتب الإلهيّة، فالتّوراة والإنجيل والقرآن والألواح المباركة تدلّ على الفضائل الإنسانيّة وتهدي إلى المحبّة والألفة والوحدة والصّلح والصّلاح، وترشد إلى العدل والإنصاف.
فينبغي لكم أن تّتبعوا ما جاء في الكتب الإلهيّة، وتعملوا بموجبها ومقتضاها.
وإنّني اليوم أشكو من انحراف صحتي. ولذلك أكتفي بهذا القدر، ومرحبًا بكم.

بحث في الرّوح
في يوم الخميس الموافق 2 تشرين الثّاني
1911 ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
لقد جئت إلى أوروبّا وباريس، فلاحظت أنّ أوروبّا بلغت في الأمور المادّيّة نهاية الرّقيّ. إلاّ أنّني لم أجد تأثير الأمور الرّوحانيّة ونفوذها متوفّرًا كما يليق وينبغي. لهذا وجدت من الضّروريّ أن نبحث اللّيلة في شأن الرّوح.
الرّوح فيض إلهيّ أشرق على جميع الكائنات. فللكائنات جميعًا منها فيض ونصيب. مثلها مثل الشّمس الّتي تشرق على جميع الكائنات الأرضيّة. ذلك لأنّ جميع الأشياء الموجودة على كرة الأرض تنمو وتتربّى بفيض الشّمس، وتتلقّى النّور والضّياء منها. إلاّ أنّ هذا الفيض يظهر في كلّ رتبة على مقتضاها، فلشعاع الشّمس تأثير في الأجسام الصّخريّة إلاّ أنّ له في الأجسام الشّفافة ظهورًا وتجلّيًا آخر. وعلى الرّغم من أنّ الشّمس واحدة إلاّ أنّ ظهورها في الأجسام متنوّع.
كذلك شأن الرّوح ، فظهورها في مراتب الوجود يتحقّق بمقتضى هذه المراتب. فهي في عالم الجماد قوّة جاذبة تحدث اجتماع الأجزاء الفرديّة. وهذه الحال هي حياة الجماد ذلك لأنّ الجماد في مرتبته حيّ

أيضًا وليس ميتًا، وهي في عالم النّبات قوّة نامية وهي الرّوح النّباتية.
وأمّا القوّة الحسّاسة في عالم الحيوان فهي الرّوح الحيوانيّة، وهذه القوّة الحسّاسة تتأتّى من تركيب العناصر وامتزاجها، وهي من مقتضيات الامتزاج والتّركيب.
وأمّا في عالم الإنسان فالرّوح كيفية تنبعث أيضًا من تركيب العناصر إلاّ أنّه تنضمّ إليها النّفس النّاطقة والقوّة العاقلة. وهذه الرّوح الإنسانيّة أي النّفس النّاطقة محيطة بالأشياء ومدركة وكاشفة لها، فهي تنقل أسرار الكائنات من حير الغيب إلى حيّز الشّهود. وهذه هي القوّة الّتي تأتي بجميع الصّنائع والعلوم والفنون المادّيّة من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود، وبالرّغم من أن هذه القوّة غير محسوسة لا ترى بالحواس الظّاهرة إلاّ أنّها تدرك بالحواس الباطنة.
غير أنّ هذه الرّوح ليست هي المقصودة بالرّوح في عرف الرّوحانيّين وإنّما المقصود هو الرّوح الأبديّة أي الحياة الإيمانيّة، تلك هي الرّوح الّتي يشير إليها السّيّد المسيح قائلاً يجب أن يتعمّد بها الإنسان، وما لم يتعمّد بها فلن يدخل في الملكوت الإلهيّ، كذلك يتفضّل في الإنجيل بقوله: "إنّ المولود من الجسد هو جسد والمولود من الرّوح هو الرّوح"، وكذلك يتفضّل بقوله: "دع الموتى يدفنون موتاهم" ذلك لأنّ الّذين لا يؤمنون بالله محرومون من الرّوح الإيمانيّة الحقيقة وإن توفّرت لهم الرّوح الإنسانيّة، ولهذا فهم في حكم الأموات، إذ على الرّغم من أنّهم يحيون حياتهم النّاسوتية إلاّ أنّهم محرومون من الحياة الملكوتيّة.
وقد بُعث الأنبياء كي يحيوا الرّوح الإنسانيّة بالرّوح الملكوتيّة فهذه الرّوح هي سبب سعادة العالم الإنسانيّ وهذه الرّوح هي سبب الحياة الأبديّة. وهذه الرّوح هي سبب السّعادة السّرمديّة، وهذه الرّوح

هي سبب الدّخول إلى ملكوت الله. وهذه الرّوح هي الّتي تجعل الإنسان النّاسوتي لاهوتيًّا. وهذه الرّوح هي الّتي تحوّل الظّلمانيّ إلى النّورانيّ. فإذا تأيّدت هذه الرّوح بنفثات الرّوح القدس صار لها نفوذ وأحيت العالم، وحوّلت العالم الإنسانيّ إلى عالم سماويّ، وجعلت الجاهل عالمًا، وبدّلت الظّلمات نورًا، وعمّمت التّعاليم الإلهيّة ونشرت شريعة الله، وروّجت أوامر أورشليم الإلهيّة النّازلة من السّماء. وهذه الرّوح هي الّتي تجعل الإنسان الأرضيّ إنسانًا سماويًّا.
ولمّا كانت جميع المظاهر الإلهيّة مؤيّدة بهذه الرّوح فهي إذًا واحدة وحقيقة تعاليمها واحدة بفضل هذه الرّوح. ذلك لأنّ الرّوح القدس واحدة. فالإنسان مهما ارتقى في الأمور المادّيّة وظلّ محرومًا من الفيض الأبديّ أي من الرّوح الإيمانيّة فإنّه لا يعدو أن يكون قد ارتقى في الرّتبة الحيوانيّة، ولا يمكن أن يسمّى إنسانًا. ذلك لأنّ الإنسان مثال إلهيّ، كما ورد في التّوراة قوله نخلق إنسانًا على صورتنا ومثالنا.
ثبت إذن وتحقّق أنّ الإنسان الحقيقيّ صورة ومثال إلهيّ، بمعنى أنّه يستفيض من جميع الكمالات الإلهيّة. وهذا الإنسان مثله مثل المرآة، والفيوضات الإلهيّة مثلها مثل أشعّة الشّمس، فالكمالات الإلهيّة أي جميع الأسماء والصّفات الكماليّة تتجلّى في هذه المرآة. وهذا الإنسان هو مركز الرّوحانيّة كما أنّ الشّمس مركز نور العالم المادّيّ وهذه النّفس المباركة تنفخ الحياة في القلوب أيضًا أي أنّها تجعل النّاس روحانيّين فتتجلّى فيوضات الرّوح في القلوب. وهذه النّفس المباركة هي المعلّم الأوّل للعالم الإنسانيّ، والمتجلّي الأوّل على الممكنات.
وأنتم تلاحظون أنّ هذه النّفس المباركة ظهرت منذ ألفي سنة وما زالت آثارها ظاهرة إلى اليوم وموجودة، وظهرت منذ ثلاثة آلاف سنة وما زالت آثارها باهرة. وبالرّغم من أنّ هذ الآثار لا تشاهد في عالم

الأجسام إلا أنّها موجودة في حيّز الملكوت. ولهذا فآثارها باهرة وأنوارها ساطعة. والشّيء المنعدم لا أثر له. ومن المحقّق أنّ هذه الآثار الباهرة المأثورة هي من نتائج الوجود. إذ لا تأثير للشّيء المعدوم. إنّ هذه الآثار الباهرة الّتي بقيت بفضل هذه النّفوس الكاملة دليل على وجود تلك النّفوس، وعلى أنّ لها حياة ملكوتيّة وكمالات إلهيّة.
فيجب علينا إذن أن نصبح جميعًا روحانيّين، سماويّين، ربّانيّين. إذ مهما ارتقينا في عالم الطّبيعة والمادّيّات إلاّ أنّنا ما نزال ناقصين حتّى ينضمّ هذا الرّقيّ إلى التّرقّيات الرّوحانيّة. والجسد مهما بلغ من الجمال غاية فإنّه لا يزال بلا ثمر إذا حرم من الرّوح. والإنسان مهما توفر له من الرّقي المادّيّ فإنّه يظلّ بلا نتيجة إذا حرم من الرّوح الملكوتيّة. وكما أنّ البلّور مهما بلغ من اللّطف والشّفافية فإنّه يبقى عديم الفائدة إذا فقد النّور والشّجرة إن توفّرت لها الطّراوة والخضرة وعدمت الثّمر لم تصلح إلاّ للنّار. والآدميّ إن توفّرت له صورة الإنسان وحرم من نفس الرّحمن لا يعدّ إنسانًا وغاية أمره أنه بلغ مرتبة الحيوان الكامل، وانطبق عليه ما قاله داروين الفيلسوف الإنجليزي من أنّ الإنسان من سلالة القرود.
إنّني مسرور بكم. ذلك لأنّني أرى فيكم إحساسات، فأنتم أحياء متحرّكون ولستم خاملين، وأنتم متوجّهون إلى الله ولستم قانطين من رحمته ومنتظرون للفيوضات الإلهيّة. وآمل أن يكون كلّ فرد منكم مستنيرًا بالنّور الملكوتيّ حتّى تنيروا الآفاق جميعًا كهذا المصباح بإذن الله.

دين الله هو الأعمال
في مساء الجمعة الموافق 3 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء في منزل مسيو دريفوس هذه الخطبة
هو الله
إنّ دين الله –في الحقيقة- هو الأعمال، وليس الألفاظ. ذلك لأنّ دين الله هو العلاج. فمعرفة الدّواء وحدها ولا تُغْنِي بل إنّ الّذي يجدي هو استعمال الدّواء. فإذا عرف أحد الأطبّاء جميع الأدوية ولم يستعملها فما الفائدة من معرفته لها؟
إنّ التّعاليم الإلهيّة كخريطة البناء وهندسته. فإذا رسمت الخريطة وتمّت الهندسة ولكنّها لم تنفّذ فما فائدتها؟ فلا بدّ إذن من إجراء التّعاليم الإلهيّة ووضعها موضع التّنفيذ. وإلاّ فقراءتها والوقوف عليها لا جدوى منه.
ففي تعاليم السّيّد المسيح مثلاً: من ضربك على خدّك الأيمن أدر له الأيسر. وصلّوا للاعنيكم، والتمسوا الخير لأعدائكم. هذه هي تعاليم السّيّد المسيح الّتي كانت سبب النّورانيّة وعلّة حياة العالم وأساس الصّلح والصّلاح. ولكن ما الفائدة؟ إنّك لا تتمالك نفسك عن التّأسّف والتّحسّر وأنت ترى سفك الدّماء، وآلاف النّفوس الّتي قتلت –طوال هذه المدّة- من أمّة المسيح. ويحدّثنا التّاريخ أنّه في النّزاع بين

البروتستانت والكاثوليك قتل تسعمائة ألف شخص. فأيّ صلة لهذا النّزاع بتعاليم المسيح الّذي أتى بتعاليم تناقض هذا التّصرّف مناقضة تامّة؟ يقرأ المسيحيّون جميعًا هذا البيان للسّيّد المسيح في الإنجيل ولا يعملون به. فماذا استفادوا من هذه القراءة؟ غير أنّهم لوعملوا بموجب ما قرأوا لظهرت عندئذٍ نتيجة. ففي الإنجيل يتفضّل بقوله: من ثمارهم تعرفونهم. أي من الثّمر يفهم إذا كانت هذه الشّجرة شجرة مباركة أم شجرة خبيثة.
يتّضح إذن أنَّ الدّين ليس هو القول بل العمل. وفي القرآن يقول الله سبحانه وتعالى: "والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس والله يحبّ المحسنين". ومعنى ذلك أنّ نفسًا إذا تعدّت على غيرها وجب على المعتدى عليها أن تحلم وأن تعفو وتحسن وتصفح. فانظروا اليوم كم تخالف الأعمال الأقوال، وكم جاروا وظلموا حتّى أراقوا دم سيّد الشّهداء.
ويتفضّل الجمال المبارك بقوله: لو لم يكن ذلك مخالفًا لشريعة الله لقبّلت يد قاتلي وورّثته من مالي. ولكن كيف السّبيل وحكم الكتاب المحكم لم يجز ذلك، ولم يكن لهذا العبد من حطام الدّنيا شيء.
والمقصود هو أنَّه يجب العمل بموجب التّعاليم الإلهيّة. ولقد بدأت جميع الأديان الإلهيّة بالعمل لا القول. ففي أيّام السّيّد المسيح مثلاً عمل الحواريّون بموجب التّعاليم الإلهيّة. وكان هذا هو السّبب في رقيّهم فارتفعوا من حضيض الذّلّة إلى أوج العزّة، واهتدوا من ظلمات الأوهام بنور الهداية. وكان الأمر كذلك دائمًا. ولكن بمرور الأيّام يتغيّر الأمر تدريجيًّا ويقلّ العمل شيئًا فشيئًا ويزيد القول يومًا فيومًا حتّى لو لم يعد أحد يعمل شيئًا، ويصبح كلّ شيء محض أقوال دون عمل. وهذا هو السّبب الّذي من أجله لم يعد لتعليم المسيح من أثر في القرون

الوسطى. وتقاتل الأمراء والملوك المسيحيّون بعضهم مع البعض واستعرت نار الحرب الدّائمة.
وإنّكم لتلاحظون المجلس الّذي انعقد في لاهاي من أجل الصّلح العام، وكم دارت فيه من مناقشات حول الصّلح، وكم قيل من الأقوال المقبولة. وأرسلت جميع الدّول ممثليها. ودارت مناقشاتهم جميعًا حول تعايش الدّول والملل في صلح وأمان، كي تزول الحرب والخلافات وينزع السّلاح.

دين الله قسمان
وفي مساء الجمعة الموافق 3 تشرين الثّاني
1911 ألقى أيضًا الخطبة التّالية:
هو الله
كنت اتحدّث اليوم مع أحدى السّيّدات في أنَّ أساس الدّين الإلهيّ واحد وأريد الآن أن أشرح لكم هذه المسألة:
كلّ دين من الأديان الإلهيّة المقدّسة الّتي نزلت حتّى اليوم منقسم إلى قسمين: أحدهما الرّوحانيّات وهي معرفة الله وموهبة الله وفضائل العالم الإنسانيّ والكمالات السّماويّة، وهذا القسم يتعلّق بعالم الأخلاق وهو الحقيقة والأصل.
وجميع أنبياء الله دعوا النّاس إلى الحقيقة، فالحقيقة هي محبّة الله ومعرفة الله وهي الولادة الثّانية، والحقيقة هي الاستفاضة من الرّوح القدس، وهي وحدة العالم الإنسانيّ، وهي الألفة بين البشر وهي المحبّة والصداقة وهي العدل، وهي المساواة بين البشر. وقد روّجها وأسّسها أنبياء الله جميعًا. ومن ثمّ فالأديان الإلهيّة واحدة.
والقسم الثّاني من الدّين متعلّق بالجسمانيّات وهو فرعيّ وليس أساسيًّا ويحدث فيه التّغيير والتّبديل بحسب مقتضيات الزّمان. فالطّلاق مثلاً جائز في شريعة التّوراة. وليس جائزًا في شريعة السّيّد المسيح.

وفي شريعة موسى كان السّبت، وفي شريعة المسيح نسخ ذلك الأمر.
فجميع هذه الأمور تتعلّق بالجسمانيات ولا أهميّة لها. وهي تتغيّر وتتبدّل حسب مقتضيات الزّمان.
وعالم الوجود مثل هيكل الإنسان يصحّ حينًا ويعتل ويمرض حينًا آخر. ولهذا فأنواع العلاج تختلف باختلاف الأمراض فقد تنشأ العلّة يومًا من الحرارة فلا يبقى بدّ من تبريدها، وقد ينشأ المرض يومًا من الرّطوبة فلا يكون بدّ من علاج من نوع آخر.
وخلاصة القول إنّ هذا القسم الّذي يتعلّق بالعالم الجسمانيّ يحدث فيه التّغيير والتّبديل تبعًا لمقتضيات الزّمان. فزمان موسى كان يقتضي أمورًا لم يقتضها الزّمان في عهد المسيح. ففيه كان الإنسان طفلاً رضيعًا، وكان الحليب لازمًا له. وفي زمان المسيح صار الإنسان يتناول الطّعام. وإنّكم لتلاحظون أنَّ الإنسان في جميع أطوار حياته من بدايتها إلى نهايتها هو شخص واحد. كذلك الحال في دين الله فهو في جميع الأدوار دين واحد. والإنسان يكون في بادئ أمره جنينًا، ثمّ يصير طفلاً رضيعًا، فصبيًّا فمراهقًا فبالغًا فشابًّا فرجلاً في كمال رجولته فشيخًا. وبالرّغم من أنّ أحواله وأطواره تبدو مختلفة إلاَّ أنَّه في الحقيقة واحد. وكذلك الحال في دين الله فهو دين واحد، ذلك لأنَّه حقيقة، والحقيقة لا تقبل التّعدّد. وهذا الاختلاف الّذي تلاحظونه في الأديان الإلهيّة مثله مثل اختلاف الإنسان في أحواله وأطواره منذ بداية حياته حتّى نهايتها. فهذا الّذي ترونه اليوم شيخًا مثلاً هو نفسه الإنسان الّذي كان جنينًا. وبالرّغم من تفاوت أمره واختلاف شأنه حسب الظّاهر إلاَّ أنّه إنسان واحد. كذلك الحال في دين الله فمهما اختلفت ظواهره في أيّام الأنبياء المختلفين إلاّ أنّه حقيقة واحدة.
وهكذا يجب علينا أن نتمسّك بهذه الحقيقة حتّى تتفّق كلّ ملل

العالم، ويزول النّزاع والجدال كلّيّة، ويتّحد جميع البشر ويتّفقوا.
أسأل الله أن تكونوا سبب وحدة العالم الإنسانيّ حتّى يعانق جميع البشر بعضهم بعضًا وتتجلّى عزّة العالم الإنسانيّ الأبديّة.
مرحبًا بكم.

مجلس يتفوّق على مجالس العالم
في يوم السّبت الموافق 4 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء في مجمع الأحبّاء الكلمة التّالية:
هو الله
تتشكّل في أوروبّا مجامع كثيرة كمجالس التّجارة والزّراعة والمعارف والسّياسة والجغرافيا. وكلّ هذه المجامع مؤلّفة لخدمة العالم المادّيّ، ومن أجل الرّقي المادّيّ. وليس لأحدها نصيب من عالم الرّوحانيّات، فهي ناسوتيّة وليست لاهوتيّة وهي جسمانيّة وليست روحانيّة، وهي أرضيّة وليست سماويّة.
أمّا المجلس الّذي يتشكّل الآن في باريس –أعني مجلسكم هذا- فله نصيب من الفيض الإلهيّ، ففيه الإحساسات الرّوحانيّة، وتنيره الأنوار الملكوتيّة، ويتعالى فيه النّداء السّماويّ، وتتضوّع فيه المحبّة الإلهيّة، وترتبط فيه القلوب بعضها ببعض، وتستبشر فيه الأرواح بالبشارات الإلهيّة وتتوجّهون فيه إلى الملكوت الإلهيّ، ونهاية الآمال فيه وحدة العالم الإنسانيّ. هذا مجلس منوّر معطّر. وهو سبب هبوب المحبّة في القلوب لأنّه مؤيّد بالقوى الإلهيّة. وهذا المجلس حيّ بنفثات الرّوح القدس. وهو يتّسع يومًا فيومًا وسيصل عما قريب إلى درجة تجعله يتفوّق على جميع مجالس العالم.

إذن فاعلموا أنّكم مشمولون بالألطاف الإلهيّة. فقد اختاركم الله لمحبّته، ولتوحيد عالم البشر ولمحبّة القلوب وللإحساسات الرّوحانيّة، وللتقرّب إلى الأعتاب الإلهيّة. إذن فاشكروا الله لأنَّه شملكم بمثل هذا الفضل وبذل لكم مثل هذه العناية ولو أنّكم أنفقتم حياتكم في شكر الله لما وفيتم حقّ هذه المهمّة.
لا تنظروا إلى ما أنتم عليه اليوم. فهذا أشبه بالبذرة الّتي غرست في بطن الأرض والّتي لا تبدو لها أهميّة في البداية. إلاّ أنّ كلّ بذرة تصبح شجرة تؤتي أُكلها. عند ذاك يعرف قدرها وأهميّتها.
إذن فاعلموا أن الله قد توّج رؤوسكم بتاج الموهبة، وأطلع من أفق قلوبكم كوكبًا نورانيًّا سوف يحيط بهذا الإقليم في النّهاية.
سعدت أرواحكم.

النّور الإلهيّ
في يوم الأحد 5 تشرين الثّاني سنة 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء هذه الخطبة في منزله في باريس
هو الله
أهلاً بكم ومرحبًا. اليوم معتم ففي السّماء غيوم. أمّا الشّرق فأفضل لأنَّه دائمًا مشمس ومنير والسّحاب فيه قليل. ظاهره طبق باطنه ولفظه موافق لمعناه. وللشّرق نوران: روحانيّ وجسمانيّ. والأنوار الإلهيّة أشرقت دائمًا من الشّرق وأضاءت عالم الغرب.
أمّا النّور فعلى نوعين: النّور الظّاهر وهو مؤلف من الأجرام الفلكيّة لأنّ جميع الأشياء ترى بالنّور. وبدون النّور لا يمكن أن يرى أيّ شيء. ولكنّ هذا النّور الظّاهر ليس له إدراك حتّى لنفسه. فهو لا يدرك أنّه يظهر الأشياء. أمّا نور البصر فمظهر الأشياء وكاشف لها أي أنّه يكشف الأشياء ويحسّها. إلاَّ أنّه لا يدرك حقيقة الأشياء هو الآخر.
وأمّا نور العقل فهو يظهر الأشياء ويكشفها ويدركها في آن معًا. ومن ثمّ فنور العقل أعظم الأنوار.
وأمّا النّور الإلهيّ فيفوق نور العقل. ذلك لأنّ نور العقل يدرك الأشياء الموجودة أمّا النّور الإلهيّ فيدرك الأشياء الغائبة ويدرك من الحقائق ما سيظهر بعد ألف عام. وبواسطة هذا النّور الإلهيّ أخبر

الأنبياء منذ ألف عام عن أمور تظهر الآن.
من هذا يتّضح أن النّور الإلهيّ قد أظهر هذه الأشياء منذ ألف سنة مضت، وأدركها أيضًا.
فيجب علينا إذن أن نتحرّى النّور الإلهيّ لأنّه أعظم من جميع الأنوار والنّور الّذي أشار إليه السّيّد المسيح هو هذا النّور. والنّور الّذي تحدّث عنه سيّدنا موسى هو هذا النّور، ذلك لأنّه شاهد تجلّي الألوهيّة في هذا النّور. ومن هذا النّور ومن هذه النّار سمع نداء الحق. وهو النّور الّذي أشار إليه سيّدنا محمّد في القرآن بقوله تعالى: "الله نور اﻟسّموات والأرض".
فتحرّوا هذا النّور حتّى تدركوا حقائق الأشياء وتطّلعوا على الأسرار الإلهيّة، وتروا ما هو مستور، وتقفوا على جميع الحوادث الغيبيّة.
فهذا النّور مثل المرآة. فكما أنّ صور جميع الأشياء تنطبع في المرآة كذلك يحيط هذا النّور بجميع الصّور ويحيط بجميع الأشياء. وهذا هو السّرّ في أنّ حقائق الأشياء تنكشف بهذا النّور، ويجعل أسرار الكتاب المقدّس تتّضح به وأسرار الملكوت تشاهد واسطته، كذلك تدرك بهذا النّور العوالم الإلهيّة، وتعلم حقائق الأسماء والصّفات الإلهيّة، وتتجلّى بهذا النّور الرّوابط بين الحقّ والخلق.
لهذا آمل أن تستنيروا بهذا النّور.

الإنسان مرآة ممثّلة للحقّ
في يوم الإثنين الموافق 6 تشرين الثّاني ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
لقد جئت قادمًا من الشّرق إلى الغرب. وكنّا نسمع ونحن في الشّرق أنّ أهل الغرب ليست لديهم إحساسات روحانيّة. إلاّ أنّني ألاحظ الآن أنَّ لديهم –والحمد لله- مثل هذه الإحساسات، بل إنّ إحساساتهم الرّوحانيّة تفوق إحساسات أهل الشّرق، إلاّ أنّه لم يتيسّر لهم مربّ روحانيّ حتّى الآن. فلو ظهر في الغرب مربّون روحانيّون كما ظهر في الشّرق لاتّضح ما للغرب من تفوّق روحيّ. ولو أنّ التّعاليم الّتي اشتهرت في الشّرق اشتهرت في الغرب لعرف اليوم مدى الرّوحانيّة الّتي كانت تظهر في الغرب.
وإنّني لعلى يقين أنّ استعداد أهل الغرب للرّوحانيّات عظيم وإن وجد فيه بعض من حرموا من الرّوحانيّات على الإطلاق، فكانوا مثل الحجارة الّتي لا تدرك شيئًا من الرّوحانيّات. ويريد هؤلاء أن يكون الإنسان شبيهًا بالحيوان فكما أنّ الحيوان محروم من الرّوحانيّات كذلك يحرم الإنسان. يجب أن تكون همّة الإنسان عالية، وأن يتّجه نحو العلاء حتّى يبلغ عالم الرّحمن. ولكن هؤلاء النّاس يجتهدون في أن يرتقي الإنسان ارتقاءً معكوسًا، ويريدون أن يصلوا نسب الإنسان بالقرد

بالرّغم من أنَّ الإنسان من سلالة إلهيّة مقدّسة، وهذا هو غاية همّتهم.
وما أبعد أفكارهم عن الصّواب! فالواقع أنّه ليس بين الإنسان والحيوان أيّ تشابه برغم اشتراكهما في بعض الأمور الجسمانيّة. فللإنسان عقل وأفكاره وعلومه ومعارفه ترتقي يومًا بعد يوم وإنّكم لتلاحظون مدى الرّقيّ الّذي حقّقه الإنسان منذ القرون الوسطى حتّى اليوم، ومقدار الاكتشافات والبدائع الّتي ظهرت على يديه. ولو أنّنا قارنّا بين جميع الصّناعات والعلوم والاكتشافات الّتي تمّت في خمسين قرنًا وبين صناعات هذا القرن واكتشافاته لوجدنا أنّها لا تكاد تعادل ما تمّ منها في سنة واحدة لهذا العصر. فما تحقّق منذ أيّام موسى وحتّى القرن الحالي من العلوم والصّناعات والاكتشافات لا يعادل ما ظهر منها في القرن الأخير وحده.
أصبح من الواضح إذًا أنّ الإنسان في رقيّ دائم، وسبب هذا الرّقي تلك القوّة العاقلة، وقوّة الفيوضات الإلهيّة. أمّا الحيوان فإنّه لا يملك هاتين القوّتين بمعنى أنّ حيوان اليوم هو نفسه حيوان خمسة آلاف سنة مضت. وليس هناك امتياز للإنسان أعظم من هذا الامتياز. وواضح أنّ الإنسان أشرف المخلوقات وأنّه مرآة ممثّلة للحقّ.
ولمّا كنت قد لاحظت وجود الإحساسات الرّوحانيّة في هذه البقاع لذلك فإنّني مسرور جدًّا. وأملي أن يصبح الغرب شرقًا، وأن تعمّ الإحساسات الرّوحانيّة فيه وتحيط بأرجائه، وأن يصل إلى النّفوس –بواسطة تعاليم حضرة بهاء الله- من القوّة ما يضيء الغرب كالشّرق.
اللّهم يا واهب العطاء، ويا غافر الخطأ، ويا راحم الضّعفاء من عبادك الأصفياء، تراني واقفًا بين يديك مبتهلاً إليك ناظرًا إليك. أسألك برحمتك الّتي سبقت الممكنات بأن تؤيّد هؤلاء على ما تحبّ وترضى. ونوّر قلوبهم بنور الهدى وأسمعهم نداء ملكوتك الأبهى،

واجعل لهم نصيبًا من بحر العطاء ثمّ استقمهم على أمرك بين الورى لئلاّ تزعزعهم أرياح الاختلاف من أولي الاعتساف.
ربّ اجعلنا آيات رحمتك بين خلقك. ورايات معرفتك بين عبادك. ونفوسنا منقطعة إليك، وقلوبنا منجذبة بآيات تقديسك، وأيّد هؤلاء الضّعفاء برحمتك الكبرى، وهؤلاء الفقراء بموهبتك العظمى. ربِّ إنّك حنّان على كلّ فقير، ومنّان لكلّ أسير، ومعين لكلّ ضعيف، ومغيث لكلّ ذليل. ترانا أذلاّء ببابك، فقراء إلى ملكوت غنائك. فارحمنا بفضلك وجودك. واعفُ عنّا خطايانا بفضلك وعنايتك. إنّك أنت الكريم. إنّك أنت المقتدر القدير.

مصائب الجمال المبارك
في يوم الثّلاثاء الموافق 7 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
أريد اليوم أن أبيّن لكم قدرًا من مصائب الجمال المبارك:
في يوم من أيّام السّنة الثّالثة لظهور الباب حبس الجمال المبارك في طهران. وفي اليوم التّالي اعترض جمع من الأمراء ووزراء الدّولة وتوسّطوا، أفرج عن الجمال المبارك وأطلق سراحه، وبينما كان حضرته في سفر إلى مازندران ميمّمًا وجهه شطر قلعة الشّيخ طبرسي هجمت جماعة من الفرسان ليلاً واقتادت الجمال المبارك مع أحد عشر شخصًا وساقتهم جميعًا إلى مدينة آمُل، وفي أحد الأيّام اجتمع جميع العلماء في المسجد وأحضروا الجمال المبارك إليه، كما اجتمع أهل مدينة آمُل أيضًا وقد تسلح كلّ صنف منهم بسلاح: النّجار بقدّومه، والقصّاب بساطوره، والزّارع بفأسه وبلطته، وكان هدفهم أن يقتلوا الجمال المبارك بالإجماع.
وشرع العلماء في إلقاء الأسئلة العلميّة على حضرته. وكانوا يتلقّون على كلّ سؤال جوابًا كافيًا شافيًا، وأثبت الجمال المبارك حقيقة الظّهور بالأدلّة والبراهين الثّابتة. وعجز العلماء، فاتّجهوا إلى الحصول

على شيء من كتاباته. فاستخرجوا لوحًا من ألواح النّقطة الأولى من جيب أحد خدم الجمال المبارك، وهو المدعو ملاّ باقر. وكان بهذا اللّوح فقرة من بيانات أمير المؤمنين علي عليه السّلام يقول فيها: "محو الموهوم وصحو المعلوم". فتضاحك ملاّ علي جان أحد العلماء آمُل وقال لقد اتّضحت فضيلة الباب وميزته، إنّ الإنسان الّذي يكتب كلمة الصّحو بالصّاد تفهم مرتبة علمه لأنّ الصّحو تكتب بالسّين وقد كتبها الباب خطأ. فقال الجمال المبارك: بل إنّ السّيّد الفقيه هو الّذي أخطأ ولم يفهم. إنَّ هذه العبارة مأخوذة من كلام أمير المؤمنين وهو يجيب كميل بن زياد النّخعيّ عندما سأله عن الحقيقة. فقد أجابه أمير المؤمنين بعدّة فقرات. فكان كميل يقول لأمير المؤمنين بعد كلّ فقرة زدني بيانًا إلى أن تفضّل بقوله: "محو الموهوم وصحو المعلوم" أيّ أنّ من يطلب فهم الحقيقة ويريد الوصول إلى الحقّ يجب عليه أن يطهّر قلبه ويقدّسه عن أوهام التّقاليد وشائعاتها، وأن ينظر إلى ما يقوله صاحب الدّعوة، بمعنى أنّه يتخلّى عن الموهوم وينظر إلى المعلوم. وعندما ظهر رسول الله كان اليهود والنّصارى كلّما تخلّوا عن أوهامهم واستمعوا إليه اهتدوا إلى الحقيقة. وكلمة الصّحو بالصّاد معناها التّفطّن، والسّهو بالسّين معناها النّسيان والغفلة. وشتّان بين الكلمتين. فأنت قد سهوت وغفلت عن أنّ هذه العبارة كتبت صحيحة.
فلمّا جرت هذه البيانات من اللّسان المبارك بمحضر الخواصّ والعوام ذهلوا جميعًا وبهتوا، ووضح لهم جهل ذلك المجتهد وعلموا أنَّ ذلك الفقيه عار عن العلم وبريء منه. فثقل على العلماء هذا الموقف وأدركوا أنّه لو ألقى الجمال المبارك ببياناته على الملأ في عدّة مجالس عامّة لآمن به أكثر الخلق ولهذا اتّفقوا على إصدار حكم الإعدام عليه. وقد خاف ميرزا تقي خان حاكم آمُل من هذا الأمر واضطرب اضطرابًا عظيمًا. وأدرك أنّه لو حدث ذلك لشبّت بين قبيلتي

نوري ولاريجاني- أكبر طائفتي مازندران- نار الحرب والقتال إلى الأبد. فخطر له أن يكتفي بأذيّة الجمال المبارك تطييبًا لنفوس العلماء وتسكينًا لخواطرهم. فأمر أن يضرب الجمال المبارك بالعصا. فضرب حتّى سالت الدّماء من قدميه.
بعد ذلك أحضروه إلى مسجد قريب من بيت الحاكم، وأوقفوه بجوار الحائط وأمر ميرزا تقي خان بعضًا من رجاله سرًّا أن يهدموا هذا الحائط من الخلف، ويحملوا الجمال المبارك إلى منزل الحاكم ، ففعل رجال الحاكم ذلك واختطفوا الجمال المبارك بسرعة من بين الجمع المحتشد وحملوه إلى منزل ميرزا تقي خان. وقبل أن يتحوّل النّاس إلى النّاحية الأخرى من الحائظ كان الرّجال قد وصلوا بالجمال المبارك إلى المنزل وأغلقوا الباب وراءهم، وصعد خدم الحاكم فوق السّطح ومنعوا النّاس وصدّوهم، وفرّقوهم بكلّ وسيلة. وقد حال هذا التّدبير بين العلماء وبين أن يقتلوا الجمال المبارك في ذلك اليوم.
وبعد عدة أيّام توجّه الجمال المبارك إلى طهران، وفي السّنة الثّامنة لظهور النّقطة الأولى حبس في طهران، وألقي به في غياهب سجن لا ينفذ إليه نور النّهار قطّ، وضيّقوا عليه تضييقًا شديدًا لا يمكن وصفه، فقيّدوا قدميه، ووضعوا في عنقه سلاسل بلغ من ثقلها أنّها كانت تحني قامة الجمال المبارك، بحيث كان لا بدّ من وضع عصا ذات شعبتين بأسفلها كما سلبوا ملابسه، ووضعوا على رأسه لبدة عتيقة ممزّقة، وظلّ الجمال المبارك على هذه الحال في هذا السّجن مدّة أربعة أشهر.
ثمّ أخرج من الحبس ونفي إلى بغداد، وفي بغداد أقام إحدى عشرة سنة سافر خلالها إلى كردستان حيث أقام فيها عامين، أمّا باقي المدّة فقضاها في بغداد، وفي هذه السّنوات الإحدى عشرة اشتعلت نار العداوة والبغضاء في صدور أعدائه، في حين ظلّ الجمال المبارك في

غاية البشاشة والسّرور، وقد جد المعاندون في إلحاق الضّرر بالجمال المبارك بحيث إنّه كان في الصّباح يفقد الأمل في البقاء حتّى المساء، وفي المساء يفقد الأمل حتّى الصباح، وفي هذه السّنوات كان العلماء يقبلون عليه من جميع الجهات ويفوزون بمحضره ويطرحون عليه أسئلتهم العلميّة ويسمعون الأجوبة الشّافية الكافية عليها، وكان ذلك سبب اشتهار صيت الجمال المبارك في جميع الأرجاء، وقد كتب علماء إيران المقيمون في بغداد إلى ناصر الدّين شاه يعلمونه بذلك فالتمس هذا من السّلطان العثمانيّ أن ينفي الجمال المبارك من بغداد إلى إسطنبول، فنقل إلى إسطنبول بأمر السّلطان العثمانيّ، وبعد أن قضى فيها أربعة أشهر نفي إلى الرّوميلي (أدرنة)، ومرّة أخرى التمس ناصر الدّين شاه أن ينفى من الرّوميلي إلى عكّا، فأُنزل الجمال المبارك في السّجن المعروف بالقشلة العسكريّة وقضى بقية حياته في عكّا سجينًا أمّا البلايا الّتي أصابت الجمال المبارك في سجن عكّا فلا يمكن أن توصف.
وبعد أن نزل في سجن عكّا أرسل ألواحه إلى جميع سلاطين الأرض ما عدا اللّوح المرسل إلى ناصر الدّين شاه فقد حمله ميرزا بديع خراساني، وقال له الجمال المبارك: إن قبلت الاستشهاد فاحمله، فقبل ميرزا بديع الشّهادة وحمل اللّوح ويمّم شطر إيران إلى أن بلغ طهران، ولم يكن يلتقي بالأحبّاء أثناء الطّريق، وفي ذلك الوقت كان ناصر الدّين شاه يصطاف في نياوران بشميران فذهب ميرزا بديع وصعد إلى هضبة تواجه قصر الشّاه. وفي ذات يوم كان ناصر الدّين شاه يتأمّل المناظر من حوله بمنظاره المقرّب، فرأى شخصًا يجلس على قمّة الهضبة، وقد ارتدى الملابس البيضاء. وفي اليوم التّالي رأى الشّخص نفسه وهو يتأمّل المناظر بمنظاره المقرّب. وفي اليوم الثّالث أيضًا رآه في الوضع نفسه فعرف أنّ له حاجة. فأرسل في طلبه وسُئِل من أنت؟ ولماذا

تجلس هنا؟ فقال: إنّي أحمل رسالة من شخص عظيم إلى السّلطان. فأراد رجال السّلطان أخذ الرّسالة منه إلاَّ أنَّه قال: لا بدّ أن أسلّمها إلى السّلطان يدًا بيد. فحمله هؤلاء إلى محضر الشّاه. فسأله الشّاه: من أنت؟ وماذا بيدك؟ فقال: هذه رسالة من بهاء الله أحضرتها إلى الشّاه. فتناول الشّاه الرّسالة وأمر بالتّحفّظ عليه. فحملوه وحبسوه. فطلب الشّاه أن يسألوه عن رفاقه. فلما سئل قال: أنا لا أعرف أحدًا وليس لي رفيق. فعذّبوه ثلاثة أيّام بشتّى ألوان التّعذيب والضّرب والكيّ فلم يصرّح باسم أحد قطّ. والتقطوا له صورة وهم يعذّبونه ثمّ قتلوه في اليوم الثّالث.
ثمّ إنّ الشّاه أرسل هذه الرّسالة إلى العلماء كي يردّوا عليها. وبعد عدة أيّام قال العلماء: "إنّ هذا الشّخص عدوّك" فقال الشّاه: أنا أعرف أنَّه عدوّي. وإنّما طلبت إليكم أن تجيبوا على مطالبها. فلم يكتبوا جوابًا. فغضب الشّاه وقال: إنّني أحترم العلماء كلّ هذا الاحترام وأنعم عليهم كلّ هذا الإنعام كي يكتبوا في مثل هذا اليوم ردًّا على مثل هذه الرّسالة. فإذا بهم اليوم يجيبون بمثل هذا الجواب.
ولقد تفضّل الجمال المبارك في ذلك اللّوح بقوله: إنّ الأمر لا يخرج عن إحدى اثنتين: إمّا أنه حق وإمّا أنه باطل، فأحضر العلماء وأحضرني كي أناقشهم. فإن كان حقًّا آمنت به، وإن كان باطلاً فافعل بي ما شئت.
وفي هذا اللّوح أيضًا يقدّم النّصائح لناصر الدّين شاه ويقول له: لا تغترّ بسلطنة فانية فكم من السّلاطين جاءوا وذهبوا جميعًا لم يبقَ لهم من أثر. وهذا الأمر أمر الله، وإنّك لا تستطيع مقاومته ولا تقدر على منعه. فإنّ أمر الله لا يقدر على مقاومته أحد، وأنت أيضًا لا تستطيع ذلك. وعمّا قريب سيرتفع أمر الله ويحيط الشّرق والغرب، فلم يقبل النّصائح الإلهيّة، وظلّ على غروره حتّى مات تاركًا هذا العالم.

ثمّ إنّ الجمال المبارك بقي في هذا السّجن إلاّ أنّه كان في منتهى العزّة، ولم يكن سجنه كسجن الآخرين لأنّه لم يأبه لأيّ شخص قطّ. وكم من مرّة جاء رجال الدّولة والتمسوا أن يتشرّفوا بمحضره فلم يكن يأذن لهم، بل إنّ متصرف عكّا ظلّ خمس سنوات يرجو ويلتمس أن يتشرّف بمحضره فلم يأذن له، ولم يمضِ وقت طويل حتّى صار يخرج من السّجن كلّما أراد الخروج، وجاء المتصرّف وجميع الموظفين من عكّا إلى القصر الّذي نزله والّذي يبعد عن المدينة مسافة نصف فرسخ وذلك بمناسبة عقد قران آقا سيّد علي، ومع ذلك لم يلتفت إليهم الجمال المبارك بالسّؤال عن أحوالهم.
وبعد، هذه خلاصة البلايا الّتي تحملها الجمال المبارك والمشقّات الّتي عاناها، والسّجون الّتي ألقي فيها والسّلام.

إنما هي الأعمال لا الأقوال
في يوم الأربعاء الموافق 8 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء هذه الخطبة في منزله المبارك:
هو الله
جميع الملل كاملة من حيث الأقوال فالجميع يذكرون أنّهم محبّون للخير، والجميع يقولون الصّدق مقبول والكذب مذموم، والأمانة فضيلة العالم الإنسانيّ، والخيانة ذلّة العالم الإنسانيّ، وتطييب القلوب أحسن من كسرها، والرّأفة أفضل من البغض والعداوة والعدل جميل لا الظّلم، والرّحمة حسنة لا القسوة، وحسن الأخلاق أفضل من سوئها، والنّور مقبول لا الظّلام، والعلم عزّة الإنسان لا الجهل، والكرم محمود لا البخل، والتّوجّه إلى الله حسن لا الغفلة عنه، والهداية حسنة لا الضّلالة وأمثال ذلك كثير.
إلاّ أنّ كلّ ذلك يظلّ في عالم القول ولا ينتقل إلى حيّز العمل بل إنّ كلّ نفس مشغولة بميلها وهواها. وكل إنسان منهمك بالتّفكير في منفعته ولو جلبت على الآخرين الضّرر، وكلّ فرد يحصر فكره في ثروة نفسه دون الآخرين، وكلّ امرئ يفكّر في راحته واطمئنانه دون غيره، هذا هو منتهى مطلب النّاس، وهذا هو مسلكهم.
إلاَّ أن البهائيّين لا ينبغي لهم أن يكونوا على هذه الشّاكلة. بل

ينبغي أن يكون البهائيّون ممتازين، فتزيد أعمالهم على أقوالهم، ويكونون رحمة للعالمين بالعمل لا بالقول، ويثبتون بمسلكهم وأعمالهم وأفعالهم صداقتهم وأمانتهم، ويظهرون فضائل العالم الإنسانيّ، ويبيّنون النّورانيّة السّماويّة. وتنادي أعمالهم بأنّهم بهائيّون وذلك كي يكون البهائيّون سببا ًلرقي العالم الإنسانيّ.
ولو أنّ إنسانًا قام بالأعمال البهائيّة وسلك المسلك البهائيّ لما احتاج إلى أيّ قول يقوله. إنّما هي الأعمال الّتي ارتقت بالعالم، فالأعمال هي الّتي نشرت هذه المدنيّة، والأعمال هي الّتي أظهرت هذه الصّنائع والأعمال هي الّتي أبرزت هذه الاكتشافات، والأعمال هي الّتي بلغت بالعالم المادّيّ إلى هذه الدّرجة. فلو لم تكن هناك أعمال واقتصر الأمر على الأقوال فهل كان من الممكن أن تتحقّق هذه المدنيّة المادّيّة؟
بهذا البرهان نستطيع إذن أن نستدلّ على أن الرّوحانيّات مناظرة للمادّيّات. فأعمال أهل الملكوت سبب حياة القلوب لا الأقوال، والأعمال الخيريّة سبب مسرّة الوجدان، والفضائل الإنسانيّة سبب نورانيّة البشر.
وعلى ذلك فيجب عليكم أن تتضرّعوا وتبتهلوا آناء اللّيل وأطراف النّهار وتسألوا الله أن يوفّقكم إلى الأعمال لا الأقوال. توجّهوا إلى الله وصلّوا له وناجوه واسعوا عسى أن توفّقوا إلى عمل الخير، وأن تكونوا سببًا لغنى كلّ فقير، وعونًا لكل بائس وسرورًا لكل محزون، وسببًا لصحّة كلّ مريض، وسببًا لأمن كلّ خائف، وسيلة لكلّ من لا وسيلة له، وملجأ وملاذًا لكلّ غريب، ومنزلاً ومأوىً لكلّ من لا مأوى له ولا وطن.
تلك هي صفة البهائيّ. فإذا وفّقنا إليها فنحن بهائيّون وإذا لم نوفّق إليها –لا قدر الله- فلسنا بهائيّين.

محبّة اللّه
في يوم الأربعاء الموافق 8 تشرين الثّاني 1911 أيضًا
ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
يحيا الإنسان والحيوان والنّبات جميعًا –بل والجماد- بالماء. ولقد ثبت أنّ الجماد يحيا بالماء الشّفّاف المتجمّد. فمن الاكتشافات الحديثة أنّ للجماد حياة أيضًا، وأنّ حياته بالماء المتجمّد الشّفّاف.
إذن فالماء هو سبب الحياة. ولهذا يقول السّيّد المسيح إنّه لا بدّ من التّعميد بالماء والرّوح، أي بذلك الشّيء الّذي هو سبب الحياة الأبديّة. وهذ الماء هو عين النّار أي محبّة الله. فمحبّة الله –لأنّها تحرق الحجب والأستار- يقال لها النّار، ولأنّها سبب الحياة يقال لها الماء. والواقع أنّ محبّة الله هي حقيقة فضائل العالم الإنسانيّ بها تتطهّر طينة البشر، وبمحبّة الله ينجو الإنسان من نقائص العالم الإنسانيّ. وبمحبّة الله أيضًا يرتقي في عالم الفضائل، فتصبح هي سببًا لنورانيّة العالم، ولوحدة جميع البشر. إنَّ محبّة الله دواء لكلّ داء، ومرهم لكلّ جرح. ومحبّة الله سبب سعادة عالم البشر. وبها يفوز الإنسان بالحياة الأبديّة والسّعادة السّرمديّة.
فيجب علينا إذن أن نحصر سعينا وجهدنا في أن نكون تجسيدًا

لمحبّة الله. ذلك لأنَّ محبّة الله هي حقيقة جميع الأديان. وهي أساس تعاليم عالم الإنسان.
فبمحبّة الله حطّم إبراهيم الأصنام. وبمحبّة الله فاز إﺴﺤﻕ بالبركة. وبمحبّة الله أصبح يعقوب إسرائيل. وبمحبّة الله أصبح يوسف عزيز مصر. وبمحبّة الله نجّى موسى بني إسرائيل. وبمحبّة الله وهب السّيّد المسيح الحياة الأبديّة. وبمحبّة الله رفع محمّد العرب من أسفل دركات الجهل إلى أعلى درجات العلم. وبمحبّة الله ضحّى حضرة الباب بنفسه وبشّر بظهور حضرة بهاء الله وعرَّض صدره لألف رصاصة. وبمحبّة الله أشرق حضرة بهاء الله على الشّرق والغرب.
فيجب عليكم إذن أن تحصروا فكركم وذكركم وتقضوا كلّ وقتكم في أمر واحد، ألا وهو أن تصبحوا مظاهر محبّة الله.

في مجمع الرّوحانيّين
في يوم الخميس الموافق 9 تشرين الثّاني سنة 1911 دعي
حضرة عبد البهاء إلى مجمع الرّوحانيّين بقاعة سان جرمان
21 شارع ريو كلمبيد في باريس وقد أثنى رئيس المجلس
على البهائيّين ثناءً عاطرًا فألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية:
هو الله
إنّني ممتنّ من أقوال الرّئيس ومشاعره القلبيّة غاية الامتنان. وأشكر الله إنّني حضرت في مثل هذا المجمع الرّوحانيّ في باريس.
فلو نظرنا الآن إلى جوّ هذا المجلس بمنظار الحقيقة لوجدناه مملوءًا بالرّوح ولوجدنا الفيوضات السّماويّة شاملة له محيطة به، ولشاهدنا تأييدات الرّوح القدس. فالحمد لله على أنّ هذه القلوب فيّاضة بالإحساسات الرّوحانيّة، تتردّد فيها اهتزازات الرّوح. فالرّوح بمنزلة المحيط وهذا المجمع بمنزلة الأمواج. وبالرّغم من أنّ الأمواج متعدّدة إلا أنّها منبعثة من محيط واحد. وبالرّغم من أنّها في ظاهرها مختلفة الصّور والأشكال إلاّ أن وحدة الرّوح تتجلّى فيها. لقد أتى جميع الأنبياء وجميع المظاهر الإلهيّة المقدّسة لتربية البشر كي تتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ وتبرز، فلا يبقى للأمواج أيّ أثر، وإنما الشّأن يكون شأن المحيط. ذلك لأنّ الرّوح كالمحيط والأجسام كالأمواج.

ولقد ورد في الإنجيل –كما ذكر رئيس المجمع- أنّ أورشليم تنزل من السّماء. ولا شكّ أنّ أورشليم السّماويّة هذه ليست حجرًا وجصًّا وطينًا بل هي التّعاليم الإلهيّة الّتي تتجلّى بين البشر بقوّة الرّوح. ولمّا كانت قد انقضت مدّة طويلة نسيت فيها التّعاليم الإلهيّة ولم يعد هناك أيّ أثر لنورانيّة أورشليم السّماويّة لذلك ظهر بهاء الله من الشّرق، وأورشليم السّماويّة الّتي هي التّعاليم الإلهيّة تجلّت في إيران وسائر الأقطار.
ومن المعلوم أنّ أورشليم السّماويّة هي التّعاليم السّماويّة النّازلة من السّماء وبالرّغم من أنّ أورشليم هذه انهدمت من أساسها فقد تأسّست مرّة أخرى. وقد تغلّبت القوى الجسمانيّة والقوى المادّيّة في الغرب بينما الغلبة في الشّرق للقوى الرّوحانيّة. والحمد لله فإنّني أرى في باريس جمعًا محترمًا يعيش بنفحات الرّوح. فالإنسان لا يكون إنسانًا بجسمه، إنّما الإنسان إنسان بروحه، ذلك لأنّ الجسمانيات يشترك فيها الإنسان مع الحيوان، أم الرّوح فيمتاز بها الإنسان على الحيوان. تأمّلوا كيف يضيء شعاع الشّمس الأرض كذلك تضيء الرّوح الأجسام. إنّها الرّوح الّتي تجعل الإنسان سماويًّا، هي الرّوح الّتي تجعله يستفيض من نفثات الرّوح القدس، هي الرّوح الّتي تكشف حقائق الأشياء، هي الرّوح الّتي أظهرت كلّ هذه الآثار، وهي الرّوح الّتي أسّست كلّ هذه العلوم، هي الرّوح الّتي وهبت الحياة الأبديّة، هي الرّوح الّتي توحّد الملل المختلفة. هي الرّوح الّتي تجمع الشّرق والغرب، هي الرّوح الّتي تجعل العالم الإنسانيّ عالمًا ربّانيًّا. ولهذا فالمستفيضون من قوّة الرّوح هم سبب حياة العالم. فالحمد لله على أنّكم مستفيضون من عالم الرّوح، ولا شكّ أنّكم مسرورن ومبتهجون من تعاليم بهاء الله الّذي هو مؤسّس الرّوحانيّات ذلك لأنّ تعاليم بهاء الله روحانيّة محضة.
وأوّل هذه التّعاليم تحرّي الحقيقة. وتحرّي الحقيقة سبب ظهور

الرّوح. ذلك لأنّ الرّوح لا تحسّ بالقوّة المحسوسة. وإنّما تظهر وتتجلّى بالقوى الباطنيّة. وبالرّغم من أنّ جسم الإنسان محسوس إلاّ أنّ روحه مخفيّة وهي متحكّمة في الجسد. وللرّوح تصرّفان: أحدهما بواسطة الآلات والأدوات بمعنى أنّها ترى بالعين وتسمع بالأذن وتتكلّم باللّسان. وبالرّغم من أنّ هذه الآلات تعمل، إلا أنّ المحرّك هو الرّوح. وبالرّغم من أنّ هذه الأدوات تتعلّق بالجسد إلاّ أنّها تعمل بقوّة الرّوح. وأمّا التّصرّف الثّاني فيتمّ دون الآلات، ففي عالم الرّؤيا ترى الرّوح بلا عين، وتسمع بلا أذن، وتنطق بلا لسان، وتمشي بلا قدم. وجميع القوى الرّوحانيّة تظهر وتتجلّى في عالم الرّؤيا دون وساطة الجسم.
إذن صار معلومًا أنّ الرّوح لها تصرّفان، أحدهما بواسطة آلات الأجسام كالعين والأذن وغيرها، وثانيهما بدون الآلات. والدّليل على ذلك أن الجسم قد يكون في الغرب إلاّ أنّ الرّوح تكشف حالات الشّرق وتدير فيه الأمور وتسيّرها.
من ذلك يثبت ويتحقّق أنّ الرّوح عظيمة وأنّ الجسد إذا ما قيس بها فهو حقير. فالجسم بمثابة البلّور والرّوح النّور. ومهما بلغ البلّور من الصّفاء إلاّ أنّ ظهور جماله وتجلّيه لا يتحقّق إلاّ بالضّياء والنّور. والنّور ليس محتاجًا إلى البلّور لأنّه مشعّ ومضيء. إلاّ أنّ البلّور محتاج إلى النّور كي يضيء ويظهر جماله. وكذلك فالرّوح ليست محتاجة إلى الجسم، بل إنّ الجسم هو المحتاج إلى الرّوح. والرّوح لا تحيا بالجسم أمّا الجسم فلا يحيا إلا بالرّوح. لاحظوا كيف يتناقص الجسم في حين تبقى الرّوح على عظمتها وقوّتها. إذا بترت يد الإنسان مثلاً فإنّ الرّوح تظلّ على ما هي عليه من قدرة وسلطة. وإذا عميت عين الإنسان بالعمى فإنّ بصيرته تظلّ على ما هي عليه. أمّا إذا انقطعت فيوضات الرّوح عن الجسد فإنّ الجسد ينعدم على الفور.

ثبت إذن أنّ الإنسان بروحه لا بجسده، وهذه الرّوح فيض من الفيوضات الإلهيّة، وإشراق من إشراقات شمس الحقيقة. ولكنّ هذه الرّوح الإنسانيّة إذا ما تأيّدت بالرّوح القدس – ونفثات الرّوح القدس هي التّعاليم الإلهيّة- أصبحت روحًا حقيقيّة، وعندئذٍ تفوز بالحياة الأبديّة، وتظفر بالنّورانيّة السّماويّة. ويتنوّر العالم الإنسانيّ بالفضائل الرّحمانيّة.
فيجب علينا أن نجتهد في العمل بموجب تعاليم بهاء الله، وأن نسعى في أن نزداد روحانيّة يومًا بعد يوم، ونزداد نورانيّة ونزداد خدمة لوحدة العالم الإنسانيّ، وأن نجري المساواة بين البشر وننشر الرّحمة الإلهيّة ونقدّم محبّة الله إلى جميع من على الأرض حتّى تتجلّى القوّة الرّوحانيّة غاية التّجلّي ولا يعود هناك للأجسام شأن. وإنّما يكون الشّأن شأن الأرواح. عند ذاك يصير عالم البشر في حكم النّفس الواحدة، وتتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ ولا يبقى نزاع ولا اختلاف. وتتأسّس أورشليم الإلهيّة على أساس متين. ويصبح جميع البشر من أهل الملكوت، ويفوزون بنصيب من الفيوضات الإلهيّة.
وبعد – فإنّي أشكر الله على أنّني حضرت مجمعكم، وإنّني أعبّر لكم عن امتناني لإحساساتكم الرّوحانيّة، وأدعو لكم أن تزداد هذه الإحساسات يومًا بعد يوم، وأن يزداد هذا الاتّحاد والاتّفاق حتّى يظهر ويتّضح ما أخبر به الأنبياء في الكتب. ذلك لأنّ هذا العصر عصر عظيم، وهذا القرن قرن ربّاني. وجميع ما ذكر في الكتب ظهرت آثاره. فما تفضّل به السّيّد المسيح بانت علاماته، فاليوم هو يوم الرّبّ الجليل. وسوف يتجلّى العدل الإلهيّ في نهاية الأمر، وهذا العصر هو عصر الصّلح والصّلاح، وهذا العصر هو عصر الاتّحاد والنّجاح، والمأمول في هذا العصر أن يصبح العالم النّاسوتي انعكاسًا للعالم اللاّهوتيّ، هذا هو أملنا. والحمد لله إنّنا في هذا الأمل متّفقون. نسأل

الله أن يحيا الجميع بنفثات الرّوح القدس، وأن نتّفق، وتمتلئ قلوبنا من محبّة الله، وتشتغل ألسنتنا بذكر الله، وتصبح أعمالنا أعمال الرّوحانيّين، وإحساساتنا إحساسات الملكوتيّين حتّى يلوح ويسطع النّور الإنسانيّ الّذي هو المثال الإلهيّ.
اللّهم يا رؤوف يا كريم يا رحيم. نوّر هذا الجمع بشمع المحبّة. وأحيي هذه النّفوس بنفثات الرّوح القدس. وهب لهم أنوار السّماء. وابذل لهم الموهبة الكبرى، وابعث لهم بالتّأييدات الغيبيّة، ويسّر لهم المكاشفات الرّوحانيّة. نوّر الأبصار بنور الهدى، واشرح الصّدور بالفيوضات اللاّنهائيّة. وبشّر الأرواح الكبرى وتوّج النّفوس بالموهبة العظمى. أيربِّ نحن فقراء فيسّر لنا كنز الملكوت. وأَذلاّء فأعزّنا في ملكوتك، مشرّدون فآوِنا في ملجئك وملاذك. جاهدون فاهدنا بألطافك الّتي لا تتناهى. ساكتون فهب لنا النّطق الفصيح. عاجزون فأحسن إلينا بالقدرة الملكوتيّة، اللّهم يا غفّار اغفر لنا خطايانا، وهب لنا العطاء، وكفّر عنا سيّئاتنا. وعلّمنا من الآداب الرّحمانيّة. إنّك أنت المعطي الباذل الرّحيم.

تحرّي الحقيقة
في يوم الجمعة الموافق 10 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
بالأمس ذهبنا إلى جمعية الرّوحانيّين ولمّا كانوا روحانيّين فقد تحدّثنا عن الرّوح وخلودها وعن فناء الجسد. وأثبتنا بالبراهين القاطعة أنّ بقاء الجسد مشروط بفيض الرّوح القدس. فإذا انفكّ هذا الفيض عن الجسد انعدم الجسد. وبقاء الرّوح ليس مشروطًا ببقاء الجسد. ذلك لأنّنا نلاحظ أنّ اليد إذا قطعت من جسم الإنسان لم تنقص الرّوح وأنّ عين الإنسان إذا أصيبت بالعمى لم تنقص روح الإنسان. وإذا نام جسم الإنسان فإنّ روحه تظلّ يقظة. وفي أثناء النّوم تُصاب جميع أعضاء الإنسان الجسمانيّة بالخلل، فالعين لا ترى والأذن لا تسمع واليدان والقدمان لا تتحرّك. ولكنّ الرّوح تستمرّ في عملها. فهي في عالم الرّؤيا ترى وتسمع وتطير. إذن فالرّوح ليست محتاجة إلى الجسم، وإن كان الجسم محتاجًا إلى الرّوح. ولهذا فالرّوح خالدة لا تعتريها العوارض ولا الخلل ولا الفتور.
كتب أحدهم في إحدى الصحف قائلاً: كنّا نتوقع أن يحدّثنا فلان عن أساس دعوة بهاء الله إلا أنّه تحدّث عن الرّوح. ولهذا فإنّنا لم

نستفد، كما يليق وينبغي. وحدث أنّني ذكرت أساس دين حضرة بهاء الله في جمعيّة أخرى، وفصّلت فيه القول فلم أجد ضرورة للتّكرار. ولا يليق بي أن أكرّر بيانًا واحدًا في كلّ المجالس. فمن العجز أن يقتصر الإنسان على مسألة واحدة يبيّنها في كلّ مجلس يخطب فيه. ولهذا فإنّي اتّحدث في كلّ مجلس بحديث مختلف، ولا أكرّر أيّ حديث أو بيان، لأنّ الفائدة تتحقّق في أن اتحدّث في كلّ مجلس بحديث مخصوص، والإنسان العاقل لا يقدّم للناس طعامًا واحدًا في جميع الأوقات. بل لا بدّ له من أن يقدّم في كلّ يوم طعامًا جديدًا، ولو أنّه قدّم طعامًا واحدًا لحصل الملل، ولعاف النّاس الطّعام وزهدوا فيه. إذن فلا بدّ من أن يقدّم في كلّ يوم فاكهة جديدة. والطّبيب يصف في كلّ يوم دواء جديدًا، ولا يليق به أن يصف دواءً واحدًا في كلّ حين، والأمر الّذي أحبّ أن أوضّحه هو أنّني عملاً بهذه الحكمة لم اتّحدث بالأمس عن مبادئ حضرة بهاء الله، ولهذا رأيت من الضّروري أن أبيّن لكم في كلّ يوم مبدأ من مبادئ حضرة بهاء الله لكي تدركوها حق الإدراك (أرجو أن تترجم لي أيّ سؤال يسأله أحد الحاضرين حتّى يكونوا جميعًا على علم كامل بمبادئ حضرة بهاء الله).
أوّل مبدأ من مبادئ حضرة بهاء الله تحرّي الحقيقة، ومعنى ذلك أنّه ينبغي أن ينزّه النّاس نفوسهم ويقدّسوها عن تلك التّقاليد الّتي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فللموسويّين تقاليدهم، وللزرادشتيّين تقاليدهم، وللمسيحيّين تقاليدهم وللبوذيّين تقاليدهم، ولكل ملّة تقاليدها، وكل ملّة تحسب أنّ تقاليدها هي الحقّ وأنّ تقاليد الآخرين باطلة، فالموسويّون مثلاً يتصوّرون أنّ تقاليدهم هي الحقّ وتقاليد الآخرين باطلة، ونحن نريد أن نعرف أيّها هو الصّحيح، والواقع أنّ جميع التّقاليد ليست صحيحة، فلو أنّنا تمسكنا بتقليد معيّن لمنعنا ذلك عن التّدقيق في تحرّي تقاليد الآخرين، فاليهوديّ المؤمن والمتمسّك بتقاليد الموسويّين لا يمكنه قطّ أن يدرك أنّ الآخرين على حقّ، إذن فلا

بدّ من التّخلي عن التّقاليد، ولا بدّ من تحرّي الحقيقة عسى أن يكون الحقّ مع الآخرين. وعلى ذلك فإنّه ما لم نترك ونهجر التّقاليد فإنّ الحقيقة لا تبدو ولا تتجلّى. فعبدة الأوثان مثلاً يقولون إنّ الأوثان حقّ، وما لم يتركوا هذه التّقاليد فلن يتمكّنوا من أن يفوزوا بالهداية ولن يدركوا وحدانيّة الله وعند تحرّي الحقيقة يتوجّب على الإنسان أن يتخلّى عن التّقاليد، فعلى جميع الملل إذًا أن تهجر التّقاليد، ثمّ تتحرّى الحقيقة. وبهذا لا بدّ أن تظهر الحقيقة.
ولو افترضنا أنّ هناك خمسة أشخاص، وأنّ كلّ واحد من هؤلاء الخمسة يدّعي أنّه أعلم من الآخر فلا بدّ من وضعهم موضع الامتحان. وما لم نترك التّعصّب فكيف نستطيع أن نظهر الحقيقة؟ فالمجوسيّ يقول أنا على حقّ، واليهوديّ يقول أنا على حقّ، والمسيحيّ يقول أنا على حقّ، والبوذيّ يقول أنا على حقّ. فكيف يمكن أن يظهر الحقّ؟ إذن لا بدّ أن يترك الموسويّ التّعصّب، ويترك المسيحيّ التّعصّب، ويترك البوذيّ التّعصّب، وما لم يتمّ هذا فلا يمكن للحقّ أن يظهر.
إنّ غاية طالب العلم العاقل الكامل هي تحصيل العلم بغض النّظر عن الّذي بينه له، والنّور محبوبه في أيّ زجاج أضاء، والورد مطلوبه في أيّة أرض نبت، والنّيِّر الأعظم يهب الفيض الإلهيّ من أيّ مشرق طلع. ولا يجوز أن يتعصّب، بل ينبغي أن يكون عاشقًا للشّمس سواء طلعت من المشرق الموسوي أم المحمّدي أم العيسوي. فالشّمس هي الشّمس.
وعلى هذا فالحقيقة يجب أن تكون هدف الإنسان بغض الطّرف عمّن سمعها منه. هذه هي مسألة تحرّي الحقيقة.
فما هي نتيجة هذا البحث؟
نتيجته أنّ على جميع ملل العالم أن تتخلّى عن كلّ ما سمعت من

قبل، وألاّ تتمسّك بملّة ما أو تنفر من غيرها من الملل. فلعلّ الملّة الّتي نفرت منها على حقّ، ولعلّ تلك الّتي تمسّكت بها على باطل، فإذا ما تخلّت عمّا سمعت ولم تتمسّك بملّة معيّنة ولم تنفر من غيرها عندئذ يبدأ تحرّي الحقيقة وسوف تلاحظ في النّهاية أنّ حقيقة الأديان الإلهيّة واحدة، وأنّ الاختلاف منحصر في التّقاليد، وهكذا يكون تحرّي الحقيقة سببًا في اتّفاق جميع البشر.
هذا مبدأ من مبادئ حضرة بهاء الله. وغدًا نحدثكم عن مبادئ دينه واحدًا بعد الآخر حتّى يمكنكم الوقوف عليها جيّدًا. ففكّروا وتعمّقوا في هذا المبدأ كي أحدّثكم غدًا عن مبدأ آخر.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى