منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
رقي الرّوح وبقاؤها
في مساء يوم الجمعة الموافق 10 تشرين الثّاني 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء هذه الخطبة أيضًا في منزل مسيو دريفوس في باريس
هو الله
لا بدّ لي من أن أحدّثكم اللّيلة عن رقيّ الرّوح وخلودها.
كلّ موجود لا بدّ له من أن يكون إمّا في حالة ارتقاء أو في حالة تدنّي. فليس هناك في الكائنات توقّف. ذلك لأنّ جميع الكائنات لها حركة جوهريّة. فهي إمّا أن تنتقل من العدم إلى الوجود، أو من الوجود إلى العدم.
والإنسان في ارتقاء منذ بداية وجوده، ويظلّ كذلك إلى أن يبلغ درجة يتوقّف عندها. ثمّ يأتي التّدنّي بعد التّوقّف. وهذا الشّجر منذ بداية وجوده في نشوء ونمو حتّى يبلغ غاية النّمو، ثمّ لا بدّ له أن يتدنى بعد الرّقي. والطّائر مثلاً يظلّ يصعد في طيرانه إلى أن يبلغ أوج التّرقّي. فإذا ما توقّف بدأ يتدنّى.
إذن أصبح من المعلوم أنّ جميع الكائنات لها حركة جوهريّة. وكذلك الحال في عالم الأرواح. فإذا لم يتحقّق للرّوح الرّقيّ فهو توقّف. ولكنّ التّوقّف ممتنع. لأنّ الحركة من لوازم الوجود الذّاتيّة الّتي لا انفكاك لها. وهي تكون إمّا ذاتيّة أو كيفيّة أو كمّيّة أو روحيّة أو

جوهريّة. ومن الواضح أنّ الرّوح لا توقّف لها ولا تدنّي. ولما لم يكن للرّوح تدنٍّ فلا بدّ لها من التّرقّي. وبالرّغم من أنّ المراتب محدودة إلاّ أنّ الفيوضات الرّبانيّة غير محدودة والكمالات الإلهيّة غير متناهية. ولهذا فالرّوح في رقيّ دائم لأنّ اكتسابها للفيض مستمرّ.
لاحظوا كيف أنّ روح الإنسان وعقله في رقيّ منذ بداية حياته، وكيف أنّ علمه في ازدياد. ولهذا فمعلوماته لا تتناقص بل تتزايد. وكذلك حال الرّوح الإنسانيّة بعد انقطاعها عن هذا الجسد. فهي تظلّ في رقيّ دائم، لأنّ الكمالات غير متناهية. وهذا هو السّرّ في أنّ الأديان الإلهيّة تأمر بالخيرات والمبرّات من أجل الأموات. ذلك لأنّ الخيرات والمبرّات سبب في علوّ الدّرجات والعفو والمغفرة. فلو كان رقيّ الرّوح بعد الوفاة مستحيلاً لكانت أمثال هذه الأمور عبثًا، فلماذا إذن ندعو، ونبذل الخيرات والمبرّات، ولماذا نطلب علوّ الدّرجات؟
لقد نصّت جميع الكتب الإلهيّة على وجوب بذل الخيرات والمبرّات للأموات وحثّتنا على أن ندعو ونصلّي ونبتهل طالبين المغفرة. وهذا برهان كافٍ على أنّ رقيّ الرّوح ممكن بعد صعودها. وإذا كانت المراتب محدودة متناهية إلاّ أنّ الكمالات غير متناهية. وفي عالم النّاسوت يحدث التّزايد والتّناقص، وليس كذلك في الملكوت. فليس في عالم الأرواح تناقص ولا تدنٍّ. مثلها في ذلك مثل عقل الإنسان وعلمه، فهما دائمًا في ازدياد.
وإنّني لآمل من فضل الحقّ أن تكونوا في رقيّ دائم سواء في عالم النّاسوت أو عالم اللاّهوت، وأن تكون روحكم في انشراح في هذا العالم وفي العالم الآخر، وأن يكون عقلكم وفكركم وإدراككم في تزايد، وأن ترتقوا في جميع مراتب الوجود، وألاّ يكون التّوقّف من نصيبكم ذلك لأنّه لا يعقب التّوقّف إلا التّدنّي.

وفضلا ًعن ذلك إذا نظرنا إلى سائر الكائنات اتّضح لنا أنّها ناتجة عن تركيب العناصر المختلفة. وهذا التّركيب يتبدّل بالتّحليل. فجسم الإنسان مثلاً مركّب من عناصر متعدّدة. إلاّ أنّ هذا التّركيب ليس باقيًا إذ لا بدّ له من أن يتحلّل. فإذا تطرّق إليه التّحليل كان معنى ذلك انعدام ذلك الجسم. وبما أنّ لكلّ تركيب تحليل، إذن فلا بدّ لهذا التّركيب من العناصر المتعدّدة المختلفة من أن يرتدّ إلى التّحليل. أمّا الرّوح الإنسانيّة فليست مركّبة وليست مكوّنة من عناصر مختلفة بل إنّها مجرّدة من العناصر ومنزّهة عن عناصر الطّبيعة. ولمّا كانت غير مركّبة من العناصر فهي حيّة وباقية في النّشأة الأبديّة.
وإنّه لمن الثّابت في الفلسفة الطّبيعيّة أنّ العنصر البسيط لا ينعدم، لأنّه ليس مركّبًا من العناصر بل هو مجرّد عنها ومنزّه عن الطّبائع. ولمّا لم يكن مركّبًا من العناصر فهو إذًا لا يتحلّل. أمّا الكائنات المركّبة من العناصر فعرضة للانعدام. وهو يقولون مثلاً إنّ الذّهب لا ينعدم لأنّه بسيط وليس مركّبًا، ولمّا كان عنصرًا واحدًا وليس مركّبًا فإنّه لا يتحلّل ولا ينعدم. إلاّ أنّ أهل الحقيقة متّفقون على أنّ كافّة الموجودات المادّيّة لو دقّقت وحقّقت لتبيّن أنّها مركّبة حتّى ولو أفتى فلاسفة الزّمان بأنّها بسيطة.
ولمّا كانت الرّوح الإنسانيّة غير مركّبة من العناصر المتعدّدة وليست داخلة في نطاق المركّبات فإنّها لا تنعدم ولا تتحلّل. وكذلك إذا نظرنا في الآثار المترتّبة على الوجود: فالشّيء الموجود له أثر، وأمّا المعدوم فلا أثر له على الإطلاق. واستنادًا إلى هذا المبدأ لاحظوا النّفوس المقدّسة وكيف أنّ آثارها ما زالت باقية في جميع العوالم. وكيف أنّ تأثيرها في عالم العقول والنّفوس ما زال باقيًا وثابتًا. ومن أمثلة ذلك آثار السّيّد المسيح. فهي ما زالت ظاهرة وباهرة ممّا يدل على أنّ روح المسيح موجودة وتترتّب على وجودها هذه الآثار. إذ لا

يمكن أن يترتّب على المعدوم أيّ أثر. إذن فالرّوح الّتي لها كلّ هذه التّأثيرات موجودة فعلاً ولا يمكن أن تكون معدومة. وجميع الكتب السّماويّة تنطق بهذا.
تأمّلوا في الكائنات الموجودة تجدوا أنّ الجماد ينتهي بالنّبات والنّبات ينتهي بالحيوان، والحيوان ينتهي بالإنسان، والإنسان أيضًا له حياة عنصريّة قصيرة الأمد. فلو كان الإنسان يحيا هذه الأيّام القصيرة ثمّ يموت وينتهي لكان هذا العالم عبثًا باطلاً.
أكرّر هذه النّقطة مرّة أخرى حتّى تلتفتوا إليها جيدًا:
جميع الكائنات اللاّمتناهية صادرة عن الجماد. والنّبات أخصّ من الجماد، والحيوان أخصّ من النّبات، والإنسان أخصّ من الحيوان. فالكائنات إذن تنتهي بالإنسان. والإنسان أشرف الكائنات. فلو كان هذا الإنسان هو الآخر يحيا في هذا العالم حياته القصيرة هذه في منتهى التّعب والمشقّة ثمّ يمضي وينعدم لكان عالم الوجود هذا محض أوهام وسراب لا نهاية لهما. فهل من الممكن أو المعقول أن يكون هذا الكون اللاّمتناهي على هذا النّحو من العبث وعدم الجدوى؟ لا والله! إنّ كلّ طفل يدرك أن لهذا العالم اللاّمتناهي حكمة، وأنّ لهذه الكائنات العظيمة سرًّا وثمرًا، وأنّ لمصنع القدر هذا فائدة ومنفعة، وأنّ لهذه المبادئ نتيجة. وإلاّ فهي خسران في خسران. إذًا تبيّن أنّ بعد الحياة النّاسوتيّة حياة ملكوتيّة وأنّ روح الإنسان باقية والفيوضات الإلهيّة غير متناهية.
أمّا المادّيّون فيسألون أين هذه الرّوح؟ فنحن لا نرى شيئًا ولا نرى روحًا ولا نسمع صوتًا ولا نشمّ رائحة. إذن فالرّوح لا وجود لها. بل إنّها معدومة. هكذا يقول المادّيّون أمّا نحن فنقول: إنّ هذا الجماد دخل إلى عالم النّبات فنشأ ونما وفاز بالقوّة النّامية وارتقى ودخل في

عالم آخر وأصبح شجرة. وإنّ جهل عالم الجماد بذلك لا يقوم دليلاً على أنّ عالم النّبات غير موجود، إذ لا يمكن الحكم على انعدام عالم النّبات بأنّ الجماد لا يحسّ به، أو بأنّه ليس لديه استعداد لإدراك عالم النّبات.
وهذا النّبات يدخل العالم الحيواني ويرتقي. غير أنّ الأشجار لا تحسّ بذلك. لأنّ النّبات لا علم له بعالم الحيوان. وكأنّما لسان حاله يقول: أين عالم الحيوان فأنا لا أحسّ به. في حين أنّ عالم الحيوان موجود فعلاً.
وكذلك فإنّ الحيوان لا علم له بعالم عقل الإنسان، وقد يقول وهو في عالمه الخاصّ، أين العقل؟ أين روح الإنسان؟ ولا يقوم قوله هذا دليلاً على أنّ روح الإنسان لا وجود لها.
إذن فالمرتبة الأدنى لا تدرك المرتبة الأعلى منها. مثل ذلك مثل هذا الورد الّذي ليس لديه إدراك بعالمنا، ولا يعرف أنّ هناك عالمًا إنسانيًّا أيضًا. وقد يقول في رتبته الخاصّة: أين العالم الإنسانيّ فإنّني لا أرى ذلك العالم. ولا يمكن أن يتّخذ ذلك دليلاً على عدم وجود الإنسان.
فإذا كان المادّيّون غير مدركين للوجود الملكوتيّ فإنّ عدم إدراكهم له لا يقوم دليلاً على انعدام الوجود الملكوتيّ. بل إنّ الوجود النّاسوتيّ في حدّ ذاته دليل على الوجود الملكوتيّ. ذلك لأنّ الفناء في حدّ ذاته دليل على البقاء. فلو لم يكن هناك بقاء لما كان هناك فناء. والظّلمة في حدّ ذاتها دليل على النّور، والفقر في حدّ ذاته دليل على الغنى. فلو لم يكن هناك فقر لما كان هناك غنى. والجهل في حدّ ذاته دليل على العلم. ولو لم يكن هناك علم لما كان هناك جهل. ذلك لأنّ الجهل هو فقدان العلم، والفقر هو فقدان الغنى، والظّلمة هي انعدام

النّور، والعجز هو عدم القدرة، والضّعف هو عدم الاستطاعة.
وهكذا فالفناء نفسه دليل على البقاء. ولو لم يكن الفناء لما كان البقاء، ولو لم يكن الغنى لما كان الفقر. ولو لم يكن العلم لما كان الجهل. ولو كان جميع النّاس فقراء لما كان هناك فقر. وإنّما يُظهر الفقر الغنى. إذن فالفناء نفسه دليل على البقاء.
وإذا لم يكن الرّوح بقاء فلماذا تحمّل أنبياء الله ومظاهره المقدّسة ما تحمّلوا من عناء ومشقّة؟ وفيمَ قبل السّيّد المسيح هذه الصّدمات والبلايا على نفسه؟ لماذا تحمّل سيّدنا محمّد كلّ هذه المصائب؟ وكيف ارتضى حضرة الباب الرّصاص يطلق على صدره المبارك؟ ولأيّ شيء تقبّل الجمال المبارك على نفسه كلّ هذا الزّجر والبلاء والحبس والعذاب؟ فما الدّاعي إلى تحمّل كلّ هذه المشقّات طالما أنّ الرّوح لا بقاء لها؟! أمّا كان من الأفضل إذن للسّيّد المسيح أن يقضي أيّامه في فرح وسرور؟ لأنّ الرّوح باقية تقبّل السّيّد المسيح كلّ هذه الآلام والمحن.
ولو كان للإنسان أدنى مستوى من إدراك فإنّه لفكّر وقال لنفسه إنّ هذا العالم عالم وجود لا عالم عدم. وإنّ الكائنات ترتقي على الدّوام من رتبة أدنى إلى رتبة أعلى من رتبتها. فكيف إذًا يتوقّف التّرقّي؟ ومع ذلك نرى من يقول بأنّ الرّقيّ من لوازم الوجود يقول أيضًا بانقطاع هذا الرّقي!! ذلك لأنّه لا علم له بشيء على الإطلاق مثله مثل الجماد الّذي يقول إنّ عالم الإنسان لا عين له ولا أذن ولا شمّ يتذوّق به رائحة هذا الورد. والسّرّ في ذلك أنّ في عالم الجماد لا يحتوي وجود غير الوجود الجماديّ. وهذا من نقص الجماد ولا يقوم دليلاً على أنّه ليس هناك وجود غير الوجود الجماديّ.
فعن الجهل يتساءل هؤلاء المادّيّون: أين عالم الأرواح؟ أين

الحياة الأبديّة؟ أين الألطاف الإلهيّة الخفية؟ إننا لا نرى من ذلك شيئًا. فمثل هؤلاء مثل الجماد إذ يقول أين الكمالات الإنسانيّة؟ أين العين؟ أين الأذن؟ وهذا من نقص الجماد.
إنّني لآمل أن تزداد إحساساتكم الرّوحانيّة يومًا بعد يوم إن شاء الله. واعلموا علم اليقين أنّ هذه الحواس الجسمانيّة ليس لديها الاستعداد لكي تدرك العوالم الرّوحانيّة. غير أنّ قوّة الإدراك تعقل هذه العوالم، والعقل الكلّيّ الرّبانيّ يفهمها، والبصيرة الإنسانيّة تشاهدها، وأذن الرّوح تستمع إليها.
أمّا هؤلاء المادّيّون فهم الّذين أشار إليهم السّيّد المسيح بقوله: "لهم عيون ولكن لا يبصرون بها، ولهم آذان ولكن لا يسمعون بها، ولهم قلوب ولكن لا يدركون بها". كما قال إشعياء في الأصحاح السّادس: "أنتم تسمعون ولكنّكم لا تفقهون وأنتم تبصرون ولكنّكم لا تدركون". ويقول الله تعالى في القرآن: "صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون".
وكيف يتسنّى للعين العمياء أن تشاهد الشّمس، أو للأذن الصمّاء أن تستمع إلى اللّحن الجميل؟! مصداقًا لقول سنائي الحكيم:
موقع الرّمز والسّرّ الإلهيّ عند الجاهلين
كعزف العود عند الأصمّ والمرآة عند الأعمى( )

وحدة الإنسانيّة
في يوم السّبت الموافق 11 تشرين الثّاني 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
بالأمس ذكرنا أوّل ما يجب على الإنسان فعله هو تحرّي الحقيقة. وفي سبيل هذا الأمر يتوجّب على الإنسان أن ينسى ما سمعه وما ورثه من الآباء والأجداد، أو اقتبسه من الأفكار، وأن يساوي بين أديان الأرض ولا ينحاز إلى دين معيّن ولا ينفر من غيره كي يتمكّن من أن يميّز الدّين الّذي مقرون بالحقيقة. فإذا تحرّى الحقيقة على هذا النّحو فلا بدّ أن يدركها في النّهاية.
والأساس الإلهيّ الثّاني هو الوحدة الإنسانيّة، بمعنى أنّ جميع البشر هم عباد الله الأكبر، وأنّ الله خالق الكلّ ورازق الكلّ ومحيي الكلّ، كما أنّه رؤوف بالكلّ. وجميع النّاس يكوّنون الجنس البشريّ. فالتّاج الإنسانيّ زينة لكلّ رأس وخلعة الموهبة الإلهيّة جمال لكلّ هندام والكلّ عباد الله. وهو بهم جميعًا رؤوف رحيم، وعنايته تشمل الكلّ. لا يفرّق بين مؤمن وكافر، بل يرحم الكلّ ويرزقهم. هذه هي الصّفة الرّحمانيّة الإلهيّة. لهذا لا يمكننا أن نفضّل إنسانًا على آخر لأنّ الخاتمة مجهولة. وكلّ ما في الأمر أنّ بعض النّاس ما زالوا كالأطفال لم يصلوا

إلى مرحلة البلوغ. وهؤلاء يجب علينا أن نربّيهم حتّى يبلغوا أشدّهم أو أن بعضهم مرضى يجب علينا أن نعالجهم حتّى يظفروا بالشّفاء. أو أنّ بعضهم جاهل يجب تعليمهم حتّى يعلموا ويدركوا. ولا ينبغي أن نعتبر هؤلاء أشرارًا وننفر منهم بل يجب علينا أن نكون أشدّ رأفة بهم لأنّهم أطفال أو مرضى أو جهلاء.
دقّقوا النّظر في عالم الوجود تجدوا أنّ الألفة هي سبب الوجود وأنّ المحبّة هي سبب الحياة، وأنّ الانفصال سبب الممات.
دقّقوا النّظر في جميع الكائنات، فهذا الخشب مثلاً أو هذا الحجر تركّبا من العناصر، أيّ أنّ الذّرّات تآلفت وامتزجت حتّى برز هذا الخشب وهذا الحجر إلى حيّز الوجود، ولو لم تتحقّق هذه الألفة لكانا في العدم. فالعناصر أو الأجزاء الفرديّة تتم بينها الألفة وتتركّب وبذلك توجد الكائنات، فإذا اضطرب أمر هذه الألفة تحلّل التّركيب وتلاشى.
وكذلك تآلفت الذّرّات وامتزجت، وارتبطت واجتمعت لتحقّق ظهور الإنسان، وعندما يتطرّق إلى هذه العناصر التّحليل والتّفريق يتلاشى جسد الإنسان.
من هذا يتّضح أنّ الألفة والمحبّة سبب الحياة، وأنّ النّفور والاختلاف والفرقة سبب الممات. هذه هي الحال في جميع الكائنات.
فالجنس البشريّ إذن عباد الله، ويجب أن تتحقّق بينهم الألفة والمحبّة، وأن ينفروا من البغض والعداوة.
ولو لاحظتم الحيوانات الأليفة لوجدتم أنّها في غاية الألفة. أمّا الحيوانات الكاسرة كالذّئب والضبع والنّمر فتعيش منفردة منعزلة وفي غاية التّوحّش، وهكذا لا يعيش ذئبان ذكران في غار واحد، في حين يجتمع ألف رأس من الغنم في مكان واحد، ولا ينزل صقران في عشّ واحد، في حين تأوي ألف حمامة إلى وكر واحد. فالحيوانات الأليفة

هي حيوانات مباركة، لأنّ الألفة والمحبّة دليل على البركة. في حين أنّ النّفور دليل على الهمجية.
وقصارى القول إنّ حضرة بهاء الله أعلن وحدة العالم الإنسانيّ كي يعيش البشر مع بعضهم البعض كما يعيش الأخ والأخت والأم والابن والابنة والأب معًا. وإنّني لآمل أن تضعوا تعاليم حضرة بهاء الله بشأن وحدة العالم الإنسانيّ موضع التّنفيذ. يقول حضرة بهاء الله: إذا كان لكم –لا قدّر الله- عدوّ فلا تعتبروه عدوًّا بل عدّوه صديقًا، وعاملوه كما تعاملون الصّديق. وهو يؤكّد على ذلك كي تتحقّق الألفة بين جميع البشر.
أيّدكم الله.

الدّين توأم العلم
في يوم الأحد الموافق 12 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
بالأمس بيّنّا المبدأ الثّاني من مبادئ البهائيّة وهو وحدة العالم الإنسانيّ. أمّا المبدأ الثّالث فهو أنّ الدّين توأم العلم. فإذا وُجدت مسألة من مسائل الدّين لا تطابق العقل والعلم كانت هذه المسألة وهمًا. لأنّ الجهل ضدّ العلم. فإذا كان الدّين ضدّ العلم فهو الجهل. وإذا كانت هناك مسألة تخرج عن طور العقل الكلّيّ الإلهيّ فكيف نتوقّع أن يقنع بها الإنسان، إذ إنّه لو فعل ذلك لسمّينا ذلك اعتقاد العوام.
أمّا الأساس الّذي وضعه جميع الأنبياء فهو الحقيقة، وهي واحدة ومطابقة بأكملها للعلم. فوحدانيّة الله مثلاً، أليست مطابقة للعقل؟ والرّوحانيّة الإنسانيّة أليست مطابقة للعقل؟ والنّية الصّادقة والصّدق والأمانة والوفاء أليست مطابقة للعقل؟ والثّبات والاستقامة والأخلاق الحميدة أليست مطابقة للعقل؟ إذًا فجميع أحكام الشّريعة الإلهيّة مطابقة للعقل. وتفصيل ذلك أنّ الدّين منقسم إلى قسمين: أحدهما يتعلّق بالرّوحانيّات وهو الأصل. والقسم الثّاني يتعلّق بالجسمانيّات أي المعاملات.

أمّا القسم المتعلّق بالرّوحانيّات والإلهيّات فإنّه لم يتغيّر ولم يتبدّل، وبه بعث جميع الأنبياء الّذين أسّسوا فضائل العالم الإنسانيّ، بمعنى أنّ قبسًا من شمس الحقيقة سطع على عالم الأخلاق فأضاءها وهطل غمام العناية. ازدهرت حديقة الحقيقة وأينعت. وهذا أساس رسالة جميع الأنبياء وهو يتعلذق بعالم الأخلاق والمعرفة، وهو واحد لا يتغيّر، إذ الحقيقة لا تتعدّد ولا تقبل التّعدّد.
أمّا القسم الثّاني من الدّين الإلهيّ -وهو المتعلّق بالأجسام والأحكام فإنّه يتغيّر ويتبدّل بمقتضى الزّمان والمكان. ففي زمان موسى نصّت التّوراة على عشرة أحكام بالقتل. وكان ذلك بمقتضى ذلك الزّمان. أمّا في عهد المسيح فإنّ الزّمان لم يكن يقتضي ذلك. هذا هو سبب التّغيير الّذي حصل، فالقصاص في التّوراة مثلاً يقوم على أساس العين بالعين، ومعنى ذلك أنّه إذا كسر إنسان سنّ إنسان آخر كسرت سنّه. وإذا سرق إنسان قُطعت يده، فهل يمكن الآن القيام بهذا العمل؟ أو هل يمكن قتل مَنْ يكسر السّبت، أو قتل مَنْ يسبّ أباه؟ إنّ ذلك مستحيل اليوم وممتنع. ذلك لأنّ الزمان لا يقتضيه.
اتّضح إذن أنّ لشريعة الله وجهين، أحدهما روحانيّ يتعلّق بعالم الأخلاق والمعرفة وفضائل العالم الإنسانيّ، وهذا لا تغيير فيه ولا تبديل، فهو واحد دائمًا أبدًا، والثّاني لا يتعلّق بالأخلاق، وهذا يتغيّر حسب مقتضيات الزمان.
أمّا أساس دين الله فهو الأخلاق وإشراق نور المعرفة والفضائل الإنسانيّة. وكل ملّة ترتقي إذا تحسّنت أخلاقها، كما أنّ تهذيب الأخلاق مطابق للعقل، ولا خلاف في ذلك أبدًا.
لذلك إذا كان الدّين مخالفًا للعقل فهو أوهام، وهذه أيضًا مسألة من مسائل وتعاليم بهاء الله. فطابقوا إذن جميع عقائدكم على العلم

حتّى يتّفق العلم والدّين. ذلك لأنّ الدّين هو أحد جناحي الإنسان والعلم هو الجناح الآخر والإنسان يطير بجناحين ولا يستطيع أن يطير بجناح واحد.
أمّا جميع تقاليد الأديان فهي مخالفة للعقل والعلم ولحقيقة الأديان، ومن هذه التّقاليد نشأت المفاسد الّتي أصبحت سببًا للعداوة والبغضاء بين البشر، ولو طابق النّاس بين الدّين والعلم لظهرت الحقيقة، ولأصبح ظهور الحقيقة سببًا لإزالة الخلاف ولزال البغض الدّينيّ بل لاختلط جميع البشر مع بعضهم البعض بنهاية الألفة والمحبّة. فركّزوا أفكاركم إذن على تطبيق العلم على الدّين، وتطبيق الدّين على العلم.

ترك التّعصّب
في يوم الإثنين الموافق 13 تشرين الثّاني سنة 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
من بين مبادئ بهاء الله ترك التّعصّب الوطنيّ والتّعصّب المذهبيّ والتّعصّب العنصريّ والتّعصّب السّياسيّ. ذلك لأنّ عالم البشر ابتلي بمرض التّعصّب. وهذا المرض مزمن وهو سبب الهلاك. إذ إنّ جميع الاختلافات والحروب والمنازعات وسفك الدّماء سببها هذا التّعصّب. وكلّ حرب تقع تكون ناتجة إمّا من التّعصّب الدّينيّ وإمّا من التّعصّب العنصريّ، أو من التّعصّب الوطنيّ أو من التّعصّب السّياسيّ، وطالما أنّ هذه التّعصّبات قائمة فلن يقرّ للعالم الإنسانيّ قرار.
لهذا يقول حضرة بهاء الله إنّ هذه التّعصّبات هادمة لبنيان العالم الإنسانيّ.
انظروا أوّلاً إلى أصحاب الأديان. فلو كان هؤلاء مؤمنين بالله حقًا، ومطيعين للتّعاليم الإلهيّة لما تعصّبوا لأنّ التّعاليم الإلهيّة تأمر بألاّ يكون هناك تعصّب قطّ. وهي تنصّ صراحة على وجوب معاملة البشر بعضهم البعض بالمحبّة، وعلى أنّ الإنسان يجب أن يرى القصور في نفسه لا في غيره، وأنّه لا ينبغي له أن يفضّل نفسه على غيره. ذلك لأنّ

العاقبة الحسنة مجهولة له ولا يمكنه الوقوف عليها. وكم من إنسان بدأ بداية النّفس الزّكيّة ثمّ انصرف عن ذلك فيما بعد. ومن أمثال هؤلاء يهوذا الأسخريوطي الّذي كان طيّبًا في البداية، ثمّ انقلب خبيثًا في النّهاية. وكم من إنسان بدأ بداية سيّئة جدًّا ثمّ أصبح في النّهاية حسنًا جدًّا. ومن هؤلاء بولس الحواريّ الّذي كان في البداية عدوًّا للمسيح، ثمّ أصبح في النّهاية أعظم عبيد المسيح. فعاقبة الإنسان مجهولة إذن. فكيف يمكن –والحال هذه- أن يفضّل أحد نفسه على غيره، ولهذا ينبغي ألاّ يكون بين البشر أيّ تعصّب فلا يقولنّ أحد أنا مؤمن وفلان كافر ولا يقولنّ أنا مقرّب إلى الله وذاك مردود. فحسن الخاتمة مجهول.
ثانيًا: لا بدّ للمرء أن يسعى كي يعلّم الجاهلين، ويبلغ بالأطفال الجهلاء درجة الرّشد والبلوغ، ويحسّن أخلاق الشّرير ويهديه بكمال المحبّة ولا يعاديه.
ثالثًا: وأمّا التّعصّب العنصريّ فوهم محض. ذلك لأنّ الله خلقنا جميعًا بشرًا، ونحن جميعًا جنس واحد، ولا اختلاف بيننا من حيث الخلقة، وليس بيننا أي تمايز قوميّ. فكلّنا بشر وجميعنا من سلالة آدم. فكيف نختلف مع وجود وحدة البشر هذه، فنقول هذا ألمانيّ وذاك إنجليزيّ وذلك فرنسيّ، وهذا روميّ وهذا تركيّ وهذا إيرانيّ، ألا إنّ هذا لوهم محض. أفمن أجل وهم من الأوهام يجوز النّزاع والجدال؟ وهل يمكن أن نجعل هذه التّفرّقة الّتي لم يصنعها الله أساسًا للعقيدة؟ إنّ جميع الأجناس، أبيضهم وأسودهم وأصفرهم وأحمرهم وجميع الملل والطّوائف والقبائل عند الله سواء، لا امتياز لأحد منهم على أحد اللّهم إلا الّذين يعملون بموجب التّعاليم الإلهيّة، والّذين هم صادقون رحماء محبّون للعالم ويمثلون رحمة الرّحمن. فهؤلاء ممتازون حقًّا سواء كانوا سودًا أم صفرًا أم بيضًا ، أم أيًّا كانوا وهم

مقرّبون عند الله. هؤلاء هم مصابيح عالم البشر المضيئة وأشجار جنّة الأبهى المثمرة. ولهذا فالامتياز بين البشر قائم على أساس الأخلاق والفضائل والمحبّة والمعرفة وليس على أساس نسبته إلى الشّرق والغرب.
والرّابع هو التّعصّب السّياسيّ، إذ إنّ في العالم أشخاصًا يبتغون التّفرّد، ويحصر هؤلاء جهودهم في أن يرتقوا بمملكتهم ولو على حساب خراب سائر الممالك. ولهذا يلجأون إلى شتّى الوسائل لتحقيق غايتهم، فيحشدون الجيوش، ويخرّبون الممالك، ويسوقون الآلاف إلى موارد الهلاك حتّى يخلقوا لأنفسهم اسمًا وشهرة، ولأن يُقال هذا مدبّر وفاتح المملكة الفلانيّة. في حين أنّه كان السّبب في هلاك آلاف من البؤساء، وتفكّك آلاف من الأسر وتيتّم آلاف من الأطفال. ثمّ إنّ هذه الفتوحات لا تدوم، فلعلّ الغالب يصبح مغلوبًا في يوم من الأيّام، ولعلّ المغلوب يواتيه يوم يصبح فيه غالبًا. فارجعوا إلى التّاريخ، كم من مرّة غلبت فرنسا ألمانيا ثمّ عادت فغُلبت على يدها. وكم من مرّة غلب الإنجليز الفرنسيّين ثمّ عادت فرنسا فغلبتهم بعد مدّة. إذن فالظّفر لا يدوم، بل إنّه ينقلب على صاحبه، فلماذا يتعلّق به الإنسان طالما أنّه لا يبقى؟ طالما أنّه سبب لسفك الدّماء وهدم كيان الإنسان الّذي هو بنيان إلهيّ؟
إنّنا لنأمل في هذا العصر النّورانيّ ألاّ تدوم هذه التّعصّبات، وأن تضيء العالم نورانيّة المحبّة، وأن يحيط بالكون فيض ملكوت الله، وأن تشمل الجميع رحمة الرّحيم المنّان، وأن يظفر العالم الإنسانيّ بالانطلاق والتّحرّر من هذه القيود الأرضيّة، ويتّبع الخطط الإلهيّة. ذلك لأنّ خطط البشر ناقصة، أمّا السّياسة الإلهيّة فكاملة، دقّقوا النّظر تجدوا أنّ الله خلق جميع البشر، وهو رؤوف بهم جميعًا، يشملهم برعايته وعنايته. فنحن إذًا عبيد الله وينبغي للعبد أن يتابع مولاه بالرّوح والفؤاد.
فتضرّعوا وابتهلوا وتوجّهوا إلى الملكوت الإلهيّ كي تزول هذه الظّلمات وتتجلّى النّورانيّة الحقيقيّة.

المساواة بين الجنسين
في يوم الثّلاثاء الموافق 14 تشرين الثّاني 1911 ألقى حضرة
عبد البهاء الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
جميع الكائنات الموجودة على الأرض تتألف من ذكور وإناث، ولا فرق بين ذكورها وإناثها. فإذا نظرنا إلى عالم النّبات وجدنا ذكورًا وإناثًا، ووجدنا أنّ بينها مساواة، وأنّه لا امتياز لفريق على فريق بل إنّها جميعًا متساوية في جميع الكمالات النّباتيّة. وكذلك إذا نظرنا إلى عالم الحيوان فنجد ذكورًا وإناثًا لا تمايز بينها، ونرى أنّها متساوية في جميع المراتب ومتشاركة في جميع الوظائف الحيوانيّة. ولكن عندما ننظر إلى عالم الإنسان فإنّنا نرى تفاوتًا، فنعجب لهذا التّفاوت، أهو خلقيّ أم بسبب التّربية، ونتساءل: هل جنس الذّكور ممتاز عن جنس الإناث والله خلقهما دون تفاوت؟ ولماذا وُجد هذا التّفاوت؟ لا ريب أنّه ناتج عن التّربية. فلو تربّت النّساء مثل تربية الرّجال لأصبحن مثل الرّجال، بل لفقنهم في الإحساسات والمشاعر. فقلوب النّساء أرقّ من قلوب الرّجال، ولكنّ النّساء تخلّفن لأنهن حتّى الآن لم يفزن بالتّربية، فيجب أن تتربّى النّساء كما يتربّى الرّجال، ولا شكّ أنّهن يصلن إلى درجة الرّجال.
ولما كانت المرأة عضوًا عاملاً في الهيئة الاجتماعيّة فإنّ الله لا

يرضى بألاّ يصل هذا العضو المهمّ إلى منتهى الكمال، كما أنّ العدل أيضًا يقتضي أن يتساوى النّساء والرّجال، وأن يظفر الفريقان بتربية واحدة، ويقوم كلّ فريق بوظيفته على الوجه الأكمل.
إنّ الله لا يفرّق بين الرّجل والمرأة. بل إنّ أقربهما إليه من كان قلبه أشدّ استنارة ومن كان إيمانه به أعظم.
فيجب عليكنّ إذن أن تجتهدن –آناء اللّيل وأطراف النّهار- في اكتساب الكمال، حتّى تساوين الرّجال في فضائل العالم الإنسانيّ، وحتّى تبلغن من الرّقيّ في جميع شؤون العالم الإنسانيّ ما يجعل الرّجال يشهدون بأنكنّ مساويات لهم. إّن النّساء في أوروبّا قد بلغن درجة عالية من الرّقي إلاّ أنهنّ لم يبلغن بعد درجة الرّجال. وإنّني لآمل أن يبلغنها، عند ذاك يكمل العالم الإنسانيّ. لذلك لا بدّ من بذل الهمّة الكبيرة، والسّعي من أجل تحصيل العلوم، والاجتهاد في إدراك حقائق الأشياء، كما ينبغي عليكنّ أن تبذلن أقصى الجهد في سبيل اكتساب فضائل العالم الإنسانيّ، وأن تعلمن أن الفضل الإلهيّ شامل لَكُنَّ ومحيط بكنّ.
وعندما ترتقي النّساء إلى الدّرجة الّتي تجعل الرّجال يعترفون بأنّ النّساء مساويات لهم ينتهي الجدال ويبطل النّزاع كما أنّ أطفال المدرسة إن اجتهدوا وحصّلوا العلوم وبلغوا منتهى درجة الكمال فبعد ذلك يشهد كلّ إنسان بأنّهم كاملون. وأعمالهم في حدّ ذاتها تشهد بكمالهم.
هذا، ومن بين أسس وتعاليم حضرة بهاء الله المساواة بين الرّجال والنّساء، ولهذا يجب على النّساء أن يسعين سعيًا حثيثًا في سبيل تحصيل فضائل العالم الإنسانيّ، وأن يجتهدن في سبيل تحقيق وحدة هذا العالم، ونشر النّفحات الإلهيّة، وأن يكنَّ سببًا في إيمان النّاس ودخولهم في ملكوت الله. وذلك كي تشمل المواهب الإلهيّة الكلّ وتحيط بالجميع.

نصيحتي إليكم اليوم
في يوم الأربعاء الموافق 15 تشرين الثّاني سنة 1911
ألقى حضرة عبد البهاء الكلمة التّالية في بيته المبارك:
هو الله
من فرط محبّتي لكم أتضرّع وأبتهل إلى الملكوت الإلهيّ أن يؤيدكم حتّى تفوزوا من فيض بهاء الله بنصيب عظيم، وتدخلوا جميعًا في ملكوت بهاء الله، وتصبحوا جميعًا خلقًا جديدًا، ويصير كلّ فرد منكم كالشّمع المنير فتضيئوا آفاق أوروبّا، وتطيروا في سماء الفضائل كالطّيور إلى أن يعمّ الفرح الإلهيّ الّذي لا يعقبه حزن أبدًا.
فأقبلوا إذن من العالم المحدود إلى العالم اللاّمحدود. فتصفو قلوبكم صفاء المرآة، وتستنير من أنوار شمس الحقيقة، وتشاهد أعينكم آيات الملكوت الإلهيّ، وتصغي آذانكم للنّداء الإلهيّ، وتلهم أرواحكم بالإلهامات الغيبيّة.
فاعملوا إذن بموجب تعاليم بهاء الله حتّى تكونوا بهائيّين حقيقيّين. فإذا فعلتم ذلك أصبح كلّ واحد منكم كالمشعل المنير لا بل كالنّجم الوضّاء الّذي يضيء إلى الأبد. ادرسوا تعاليم بهاء الله واعملوا بموجبها كي تفوزوا بالتّأييدات الإلهيّة.
تلك هي نصيحتي إليكم اليوم.
فمرحبًا بكم.

النّفس واسطة بين الرّوح والجسد
في يوم الخميس الموافق 16 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء أيضًا الخطبة التّالية في منزله المبارك:
هو الله
في العالم الإنسانيّ مقامات ثلاثة: مقام الجسم وهو المقام الحيوانيّ للإنسان، الّذي يشترك فيه مع جميع الحيوانات في كلّ القوى وجميع الشّؤون، فجسم الحيوان مركّب من العناصر وجسم الإنسان أيضًا مركّب من العناصر، وللحيوان حواس مثل السّمع والبصر والذّوق والشّم واللّمس. وكذلك الإنسان يمتلك هذه القوى، إلاّ أنّ الحيوان تنقصه النّفس النّاطقة، وهذه النّفس النّاطقة هي الواسطة بين الرّوح الإنسانيّ والجسم، وهذه النّفس النّاطقة كاشفة لأسرار الكائنات بشرط أن تستمدّ من الرّوح وتستفيض منها لأنّه إذا لم يصل المدد من الرّوح إلى النّفس أصبح حكمها حكم سائر الحيوانات، وتغلّبت عليها الشّهوات، وهذا هو سبب ما نلاحظه منه أنّ بعض البشر على صفة البقر، ومحض حيوان ولا يمتازون عنها بأيّ شيء.
أمّا إذا استفاضت هذه النّفس من عالم الرّوح فإنّ إنسانيّتها تتجلّى عندئذٍ.
اتّضح إذن أنّ للنّفس جانبين: جانب جسمانيّ وجانب روحانيّ

فإن تغلّب الجانب الحيوانيّ على النّفس أصبح الإنسان أكثر شرًّا من الحيوان وهذا هو السّبب في أنّنا نرى في عالم البشر أناسًا أشدّ فتكًا وافتراسًا من الحيوان، وأشدّ ظلمًا من الحيوان، وأشدّ ضراوة من الحيوان، وأخسّ من الحيوان. فهم سبب لأذيّة البشر، وعلّة لنكبة العالم الإنسانيّ، ومركز الظّلمات.
وإذا تغلّب الجانب الرّوحانيّ على النّفس أصبحت النّفس قدسيّة وأصبحت ملكوتيّة، وأصبحت سماويّة، وأصبحت ربّانيّة، وأشرقت فيها جميع فضائل الملأ الأعلى، وكانت رحمة من الله الّتي أصبحت سببًا لاطمئنان العالم الإنسانيّ وراحته، وهذا هو الفرق بين النّفس الأمّارة بالسّوء والنّفس المطمئنّة.
اتّضح إذن أنّ النّفس واسطة بين الرّوح والجسد، مثلها مثل ساق هذه الشّجرة فهي واسطة بين هذه التّربة والثّمر. فإذا ظهر هذا الثّمر من هذا الشّجر كان مظهرًا للكمالات. وكذلك حال النّفس إذا تأيّدت بالرّوح فإنّها تكون نفسًا مباركة. أمّا إذا لم تعطِ الشّجرة أيّة ثمرة، وظلّت على ما هي عليه نابتة من التّربة كانت لا تصلح إلا للنّار، وهذا مثل ضربته لكم لتفهموا.
وإنّني لآمل من ألطاف الله اللاّنهائيّة أن تتغلّب أرواحكم حتّى تصبح نفوسكم نفوسًا قدسيّة، وتتجلّى الكمالات السّماويّة فيكم جميعًا، وتشرق عليكم أنوار شمس الحقيقة، وتقوموا في هذا العالم بأعمال وتنطقوا بأقوال تجعل منكم شموعًا للبشريّة جمعاء.
ألا ترون جميع البشر وقد شغلهم عالم النّاسوت، فلا يفكّرون قطّ في تهذيب الأخلاق أو بفيض اللاّهوت، ولا يفكّرون قطّ في اكتساب كمالات العالم الإنسانيّ. بل إنّهم قد انهمكوا كالحيوانات في عالم الشّهوات، يأكلون ويشربون ويتوسّعون في معيشتهم كالحيوان

سواء بسواء. نعم إنّ الإنسان لا بدّ أن يفكّر في معيشته، ولكنّه لا ينبغي أن يحصر تفكيره في المعيشة وحدها. بل ينبغي أن يكون فكره رفيعًا، وأن يسعى إلى أن يكون مظهر الموهبة الإلهيّة، وأن يكسب الكمالات المعنويّة ويتحلّى بين الخَلق بالأخلاق السّماويّة، حتّى يصبح شخصًا ملكوتيًّا. وإلاّ كان ناسوتيًّا يقضي على وجه الأرض أيّامًا معدودات يحياها كالحيوان ثمّ يمضي. وأنا أريد لكم عالمًا من نوع آخر وأريد أن تكونوا أرواحًا مجسّمة كي تصبحوا سبب حياة العالم الإنسانيّ.

تعديل المعيشة
في يوم الخميس الموافق 16 تشرين الثّاني 1911 ألقى
حضرة عبد البهاء أيضًا الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
ساتّحدث إليكم اليوم باختصار.
من بين مبادئ بهاء الله تعديل المعيشة، طبقات النّاس مختلفة، هناك من هم في نهاية الغنى، وهناك من هم في نهاية الفقر، هناك من ينزل في القصر العالي الرّفيع، وهناك من لا يجد لنفسه مأوى على الإطلاق، هناك من تمدّ على مائدته صفوف الطّعام، وهناك من لا يحصل على الخبز القفار ولا يجد قوت يومه. ولهذا فإصلاح المعيشة لازم للبشر. أقول الإصلاح لازم لا المساواة، فالمساواة غير ممكنة، وإلاّ فإنّ نظام العالم يختلّ ويضطرب.
إنّ نظام العالم يقتضي أن تكون هناك طبقات، وإلاّ يكون البشر سواسية، ذلك لأن النّاس مختلفون في الخلقة، فبعضهم في الدّرجة الأولى من العقل، وبعضهم في الدّرجة الوسطى، وبعضهم محروم من العقل على الإطلاق. فهل يمكن أن يستوي مَنْ هو في أعلى درجات العقل، ومَنْ لا عقل له قط؟
إنّ عالم البشر كالمعسكر، والمعسكر لا بدّ له من القائد كما لا

بدّ له من النّفر، فهل يمكن أن يكون الجميع قادة أو أصحاب مناصب عالية؟ أو هل يمكن أن يكونوا جميعًا من الجنود؟ لا شكّ أنّه لا بدّ من وجود المراتب.
كان بين ملوك اليونان ملك يدعى ليكرجوس، وكان ملكًا وفيلسوفًا معًا، وكانت نيّته حسنة جدًّا، فخطر له أن يسوّي بين بني جنسه في المعيشة. وعلى هذا قسّم أهل مملكته إلى ثلاثة أقسام: فجعل قسمًا رؤساء، وجعل قسمًا –وهم أهل البلد الأصليّون- فلاّحين يزرعون ويؤدّون العشور. وأمّا القسم الثّالث فجعلهم تجّارًا وصنّاعًا وكان معظمهم من الغرباء. وقرّر أن يعطي القسمين الأخيرين في كلّ عام بعضًا من المال واعتبر القسم الأوّل من أبناء جنسه. وبلغ هذا القسم تسعة آلاف نفس جعلهم رؤوس المملكة، وأعطى لكلٍّ منهم امتيازات خاصّة وهي ألاّ يزرعوا وألاّ يشتغلوا بالصّناعة ولا التّجارة. وإنّما يظلّون رؤساء، وعهد إليهم بالإدارة والسّياسة والحروب، فإذا بدرت بادرة الحرب هبّ هؤلاء لها. فلا يدخل أفراد القسمين الآخرين الحرب إلاّ إذا رغبوا من تلقاء أنفسهم. وربّى هؤلاء الألوف التّسعة منذ طفولتهم على تحمّل المشقّات ومواجهة الصّعاب حتّى سنّ السّادسة، ثمّ أخذهم بعد ذلك بأنواع الرّياضات الحربيّة يمرّنون على الأعمال الحربيّة طيلة النّهار، فإذا بلغوا العاشرة تعلّموا الفروسيّة، وإذا بلغوا العشرين عهد إليهم بالمناصب وميّزهم بالامتيازات العسكريّة، وقسّم لهم الأراضي إلى تسعة أقسام، وأعطى هؤلاء قسمًا بأن لا يغيّروا هذه القواعد فلمّا أقسم الأهلون على ذلك ترك مملكته وتخلّى عن سلطته ولم يعد إلى مملكته كي يظلّ هذا القانون ثابتًا.
ولما كان الأهلون قد أقسموا فإنّهم ظلّوا محافظين على هذه القواعد مدّة، ولكنّ التّغيّر تطرّق بعد مدّة، واختلّت هذه القوانين.
يتّضح من ذلك أن المساواة بين البشر في المعيشة أمر غير

ممكن. ولم يستطع هذا الملك أن يسوّي بين بني جنسه في المعيشة. ومع ذلك فلا يجوز أن يظلّ بعض النّاس في نهاية الغنى، وبعضهم في نهاية الفقر. بل لا بدّ من إصلاح الحال، وسَنّ قانون يكفل للكلّ الوسعة والرّفاهية. لا أن يبتلي أحد بالفقر ويرتع الآخر في بحبوحة الغنى، فالشّخص الّذي لا حدّ لغناه لا يسمح لنفسه أن يترك شخصًا آخر في منتهى الفقر، بل لا بدّ أن يرعاه حتّى يرتاح أيضًا هو الآخر. ولا بدّ من تنفيذ هذا الأمر بمقتضى القوانين. فكما أنّ الأغنياء يجب عليهم أن ينفقوا فضل ما لهم من تلقاء أنفسهم على الفقراء، يجب أن تكون قوانين البلاد بموجب شريعة الله كي يضمن الأمن والرّاحة للفقراء.

المكافأة والمجازاة
في يوم الجمعة الموافق 17 تشرين الثّاني 1911
ألقيت هذه الخطبة في منزل مسيو دريفوس:
هو الله
ينبغي للإنسان في هذا العالم أن يعلّق أمله بالمكافأة وأن يشعر بالخوف من المجازاة، وبخاصّة موظفو الحكومة ومن بيدهم أمور الدّولة والشّعب. فإذا لم يتعلّق أمل موظفي الحكومة بالمكافأة ولم يشعروا بالخوف من المجازاة فإنّهم لن يعدلوا أبدًا. مثل المكافأة والمجازاة كمثل العمودين ترتفع عليهما خيمة العالم. ولهذا يجب أن يكون رادع موظفي الحكومة عن الظّلم هو الخوف من المجازاة والأمل في المكافأة.
وإنّكم لترون أنّ الحكومة الاستبداديّة ينعدم فيها الخوف من المجازاة والأمل في المكافأة. ولذلك فإنّ الأمور في مثل هذه الحكومة لا تدور على محور العدل والإنصاف.
والمكافأة والمجازاة نوعان: أحدهما المكافأة والمجازاة السّياسيّة، والآخر المكافأة والمجازاة الإلهيّة، ولا شكّ أنّ الإنسان إذا جمع بين الاعتقاد في المكافأة والمجازاة الإلهيّة والاعتقاد في المكافأة والمجازاة السّياسيّة كان أكمل من غيره لأنّ خوف الله وخشية المجازاة

مانع ورادع عن الظّلم، ومعنى ذلك أنّه إذا توفّر الرّادع المعنويّ والسّياسيّ كان ذلك أكمل ولا شكّ. والموظفون القلائل الّذين يخشون انتقام الدّولة والعذاب الإلهيّ يحرصون على إجراء العدالة حرصًا أكبر. ولا شكّ أنّه إذا توفّر لدى أحد النّاس الخوف من العقاب الأبديّ والأمل في المكافأة الأبديّة بذل هذا الإنسان غاية الهمّة في إجراء العدل واجتناب الظّلم. ذلك لأنّ الإنسان إذا اعتقد بأنّه إذا ظلم في هذا العالم ناله العذاب الإلهيّ في العالم الباقي تجنّب الظّلم والاعتساف وخاصّة إذا شفع هذا الاعتقاد بأنّه إذا اجرى العدل كان مقرّبًا لدى العتبة الإلهيّة، وفاز بالحياة الأبديّة ودخل الملكوت الإلهيّ واستنار وجهه بأنوار الفضل والعناية.
ومعنى ذلك أنّ موظفي الدّولة إذا كانوا متدينيّن كان حالهم أفضل لأنّهم عندئذٍ يكونون مظاهر خشية الله. وليس مقصودي من هذا الكلام أنّ للدّين دخلاً بالسّياسة. إذ ليس للدّين أيّة علاقة ولا دخل في الأمور السّياسيّة. لأنّ الدّين يتعلّق بالأرواح والوجدان، والسّياسة تتعلّق بالجسم لهذا لا ينبغي لرؤساء الأديان أن يتدخّلوا في الأمور السّياسيّة بل يجب عليهم أن يشتغلوا بتعديل أخلاق الأمة، وأن يقدّموا النّصح للنّاس ويشوّقوهم ويحيّوهم على العبودية لله، وأن يخدموا قضية الأخلاق العامّة، ويهبوا الإحساسات الرّوحانيّة للنّاس ويعلّموهم العلوم والمعارف، وينبغي عليهم ألاّ يتدخّلوا في الأمور السّياسيّة قط. هكذا يتفضّل حضرة بهاء الله.
وقد ورد في الإنجيل: أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
والخلاصة أنّ في إيران موظّفين بهائيّين متديّنين يراعون منتهى العدل لأنّهم يخافون غضب الله ويأملون في رحمة الله. ولكنّ الموظفين الآخرين لا يبالون بشيء ولا يكفّون أيديهم عن الأذى والظّلم. وهذا هو السّبب في أنّ إيران وقعت في ما هي فيه من الشّدّة.

وإنّني لآمل أن يكون جميع أحبّاء الله مظاهر العدل في جميع الأمور. فإجراء العدل ليس قاصرًا على موظّفي الحكومة وحدهم، فالتّاجر أيضًا يجب أن يكون عادلاً في التّجارة. وأهل الصّنائع يجب أن يكونوا عادلين في صناعاتهم ويجب على جميع البشر –صغارًا وكبارًا- أن يكونوا عادلين ومنصفين والعدل هو ألاّ يتجاوز الإنسان حدوده، وأن يرجو لغيره ما يرجوه لنفسه. هذا هو العدل الإلهيّ.
والحمد لله، لقد طلعت شمس العدل من أفق حضرة بهاء الله. وإنّ في ألواح حضرة بهاء الله أساسًا للعدل لم يخطر مثله على بال بشر من أوّل الإبداع إلى يومنا هذا. فقد قرّر لجميع أصناف البشر مقامًا لا ينبغي أن يتجاوزه، فهو يتفضّل مثلاً بأنّ العدل لازم لأهل كلّ صناعة بمعنى أنّه لا ينبغي لهم أن يتجاوزوا استحقاقهم. فإذا تعدّوا حدودهم في صناعتهم لم يختلف حالهم عن حال الملك الظّالم. وكلّ نفس لا تقيم العدل في معاملاتها كان مثلها مثل الرّئيس الظّالم.
من هذا يتّضح أنّه من الممكن أن يكون كلّ إنسان عادلاً وأن يكون ظالمًا. ولكنّي آمل أن تكونوا جميعًا عادلين، وأن تحصروا كلّ فكركم في أن تعاشروا جميع البشر وأن تراعوا منتهى العدل وغاية الإنصاف في معاملاتكم معهم، وأن تراعوا حقوق الآخرين قبل حقوقكم دائمًا، وأن تعرفوا أنّ منفعة الآخرين مقدّمة على منفعتكم وراجحة عليها. وذلك حتّى تكونوا مظاهر العدل الإلهيّ، وتعملوا بموجب تعاليم حضرة بهاء الله.
ولقد لاقى حضرة بهاء الله غاية المشقّة وتحمّل منتهى البلاء طوال حياته حتّى يربّي الجميع فيتّصفوا بالعدل وبفضائل العالم الإنسانيّ ويفوزوا بالنّورانيّة الأبديّة. فالتمسوا العدالة الإلهيّة وكونوا رحمة الرّحمن ومظاهر الألطاف الإلهيّة الشّاملة لكلّ البشر.

لهذا فإنّي أدعو لكم جميعًا:
(اللّهم يا واهب العطايا، وغافر الخطايا، والرّاحم على البرايا، يا ربَّ الكبرياء. إنّ عبادك الفقراء يبتهلون إلى عتبتك العليا، ويتضرّعون إلى ملكوتك الأبهى، ويستغيثون برحمتك فأغثهم، ويستفيضون من سحاب موهبتك فأمطرهم، ويتضرّعون إلى جبروت جلالك فأكرمهم، يتمنّون قربك فارزقهم لقاءك ومشاهدة طلعتك، ربِّ تراهم عطاشى ظامئين إلى معين رحمانيّتك جرّعهم من سلسال موهبتك وسلسبيل عنايتك، ربِّ إنّهم جياع أطعمهم من مائدة سمائك، ربِّ إنّهم مرضى داوهم بدوائك، ربِّ إنّهم أذلاء ببابك اجعلهم أعزّاء في ملكوتك، إنّك أنت الكريم إنّك أنت العظيم، إنّك أنت الرّحمن الرّحيم).

نفثات الرّوح القدس
ألقيت في يوم السّبت الموافق 18 تشرين الثّاني 1911
الخطبة التّالية في المنزل المبارك في باريس:
هو الله
من بين تعاليم حضرة بهاء الله أنّ الإنسان مهما ترقّى فإنّه يظلّ محتاجًا إلى نفثات الرّوح القدس. ذلك لأنّ القوّة البشريّة محدودة، في حين أنّ قوّة الملكوت وقدرة الله غير محدودتين، وإذا نحن تأمّلنا في عالم البشر في جميع الأزمنة وجدنا أنّ نفوسًا كانت مؤيّدة بالرّوح القدس وفّقت إلى أمور عظيمة وتوصّلت إلى مبادئ ونتائج مهمّة برغم أنّه لم يكن لمعظم هذه النّفوس –بحسب الظّاهر- أيّ مكانة أو علم. مثال ذلك أنّه لا يمكننا أن نضع أيّ نبي من أنبياء الله المرسلين في عداد الفلاسفة إذ إنّهم لم يشتهروا بين الخلق –في أيّامهم- لا بالعلم ولا بالمعرفة بل كانوا بحسب الظّاهر أشخاصًا عاديّين، بل إنّ من بينهم من لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة، ولكن لمّا كانوا مؤيّدين بنفثات الرّوح القدس فقد كان لهم تأثير شديد في عالم الوجود.
تأمّلوا حال فلاسفة العالم العظام من أمثال أفلاطون وأرسطو وفيثاغورس وغيرهم، لقد كان تأثيرهم محدودًا، ولم يستطيعوا أن ينفذوا في عروق البشر وأعصابهم، فأفلاطون –على عظمته- لم يستطع

أن يبلغ بأيّ إنسان إلى درجة الفداء. ولكنّ الرّسل المؤيّدين بالرّوح القدس نفذوا إلى عروق البشر وأعصابهم مع أنّه لم يكن لهم في الظّاهر أيّ علم أو معرفة. وبلغ من نفوذهم أنّ آلافًا قدّموا أرواحهم في سبيلهم. حتّى أنبياء بني أسرائيل مثل إشعياء وحزقيال وإيليا وإرميا كانوا من الأشخاص العاديّين أوّل الأمر، وتاريخ الكنيسة يحدّثنا بأنّ بطرس لم يكن يعرف أيّام الأسبوع، فكان إذا أراد أن يذهب لصيد السّمك وضع غذاءه في سبع لفافات، يأكل منها كلّ يوم لفافة، فإذا بلغ اللّفافة السّابعة عرف أنّ اليوم هو السّبت فيراعي حرمة السّبت، ولكن بتأثير نفحات الرّوح القدس بلغت هذه النّفوس درجة جعلت نفوذهم يسري في جميع العالم.
من هنا نفهم أنّ نفثات الرّوح القدس مؤثّرة في الوجود وأنّ من يفوز بها –سواء كان فيلسوفًا أم عالمًا أم أمّيًّا- يسري نفوذه في العروق والأعصاب. ولذلك فالإنسان محتاج إلى نفثات الرّوح القدس حتّى ولو كان من أعظم الفلاسفة، وما لم تؤيّده هذه الرّوح فإنّه لا يستطيع أن يفعل شيئًا فروحه ميّتة، وقلبه ميّت، اللّهم إلاّ إذا نفخت فيه روح الحياة الأبديّة.
لاحظوا أنّه ما من مدنيّة وما من فضل يستطيع أن يعدّل عالم الأخلاق كما يليق وينبغي. ولرُبّ شخص بلغ مقام أعظم الفلاسفة ومع ذلك أخلاقه مذمومة. ولرُبّ شخص أمّيّ استطاع أن يحسّن أخلاقه لأنّه مؤيّد بنفثات الرّوح القدس. وقوّة الرّوح تستطيع تربية النّاس في زمن قصير، فيبلغون بها أعلى درجات العزّة الأبديّة لهذا فإنّني لا أطلب لكم هذه القوّة. وآمل أن تؤيّدكم نفثات الرّوح القدس بقوّة حضرة بهاء الله كي تفوزوا بالحياة وتنالوا من التّربية، فتصبح أخلاقكم أخلاقًا رحمانيّة، وتكونوا سببًا في تربية الآخرين، كما أرجو أن تحدث فيكم من التّأثير ما تحيا به النّفوس.

لا تنظروا إلى أنفسكم. بل انظروا إلى فيوضات الجمال الأبهى تأمّلوا أيّ تأثير أحدثته نفثات المسيح في الحواريّين، وأيّ تأثير أحدثته نفثات الحواريّين في غيرهم. ونظرًا لأنّ هؤلاء كانوا مؤيّدين من عند الله، فإنّ كلّ ما كانوا يفعلونه كان التّأييد الإلهيّ هو الّذي يفعله في الواقع. لاحظوا أنّ استعداد الإنسان محدود، ولكنّ تأييد الملكوت الأبهى غير محدود، واستعداد هذه الأرض قليل ولكنّ أمطار الرّحمة تهطل بلا حساب وحرارة الشّمس ليس لها حدود. ولا ينبغي للأرض أن تنظر إلى استعدادها بل إلى أمطار الرّحمة وحرارة الشّمس الّتي تزين هذه الغبراء بالورود المختلفة الألوان. ولهذا فلا تنظروا إلى قوّتكم ولا إلى قدرتكم، بل توجّهوا إلى الملكوت الأبهى بقلوب مطمئنّة وأرواح مستبشرة، والتمسوا الفيوضات اللاّمتناهية. فإذا فزتم بها أصبح كلّ واحد منكم شمعًا مضيئًا، ونجمًا ساطعًا وشجرة مثمرة، فاجتهدوا من أجل أن تؤثّر نفثات الرّوح القدس فيكم.
هذه نصيحتي إليكم.
مرحبًا بكم.

الاجتماع السّماويّ
ألقيت في مساء يوم السّبت الموافق 18 تشرين الثّاني
1911 أيضًا الخطبة التّالية في منزله المبارك في باريس:
هو الله
الحمد لله إنّ اجتماعنا اليوم اجتماع طيّب، لأنّه اجتماع سماويّ. ذلك أنّنا اجتمعنا لأمر ملكوتيّ لا لأمر ناسوتيّ. وليس لنا من مقصد سوى محبّة العالم الإنسانيّ، ومنتهى أملنا ومطلبنا هو أن تحصل الألفة بين البشر فتصبح الأجناس المختلفة جنسًا واحدًا، والأوطان المختلفة وطنًا واحدًا، والقلوب جميعًا قلبًا واحدًا وتظلّل خيمة وحدة العالم الإنسانيّ جميع البشر.
الحمد لله فالنّيّات صادقة، والقلوب إلى الله متوجّهة وليس لنا من مقصد سوى الحقيقة، وقد جلس بعضنا مع بعض في منتهى المحبّة. وليس في مجلسنا غلّ ولا غشّ، وليست لنا أيّة أغراض شخصيّة. بل إنّ مقاصدنا جميعًا هي محبّة الله. فلا شكّ أنّ التّأييدات الإلهيّة تشملنا.
ويقيني أنّ الله سوف يوسّع دائرة هذا الجمع، وأنّ كثيرًا من البشر يتابعون خطواتكم، وأنّكم سوف تؤثّرون في الآخرين، وأنّ الأخلاق الرّحمانيّة سوف تسري منكم إلى غيركم. وإنّني لآمل أن تكونوا سببًا في إبصار العيون العمياء، وسمع الآذان الصّمّاء، وإحياء أجسام

الأموات، وتحويل النّفوس النّاسوتية إلى نفوس لاهوتيّة والعالم الإنسانيّ إلى عالم ملكوتيّ. إنّ أملي فيكم لكبير. وأنتم –والحمدلله- متّحدون معي في هذا المقصد فمطلبي هو مطلبكم. ولسوف أجاهد في أمريكا من أجله، ولسوف تجاهدون أيضًا.
تلاحظون اليوم أنّ بعض الدّول والأمم تتصارع في الكرة الأرضيّة، ويسفك بعضها دم البعض الآخر من أجل أهداف أرضيّة وناسوتيّة وأنّ الأمر يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. ففي كلّ يوم تظهر آلة جديدة للقتال، ويشرّع للحرب قانون جديد، ويزداد حشد الجنود وتعبئة العساكر وتكثر المدافع، وتتّجه القوى المدمّرة إلى الازدياد: فهذا سلاح "موزر". وهذا سلاح "مارتن"، وهذا "المترليوز"، وهذا مدفع "كروب". وهذه الغوّاصة، وهذه سفن الطّوربيد، وهذه الطّيارة تلقي القنابل من الجو. انظروا أيّة معركة وأيّ هيجان في طرابلس: المدافع تفرغ شحناتها من البحر، و"المترليوزات" تفرغ رصاصها من الصحراء، والطّيارات تصب قنابلها من الجو. لقد قام البشر جميعًا يقتل بعضهم بعضًا. وأنتم جماعة مقصدها الاتّحاد بين البشر. فالحمد لله، إنّكم تخدمون قضيّة وحدة العالم الإنسانيّ. وإنّ منتهى آمالكم هو أن يزول النّزاع والجدال، وترتفع العداوة والبغضاء من بين البشر وإنّكم تطلبون الرّضى الإلهيّ وتتصرّفون بموجب التّعاليم السّماويّة. ولهذا شدّوا هممكم وابذلوا كلّ ما في وسعكم من الجهد، وانصحوا النّاس، وحوّلوا هذه النّفوس الجهنّمية إلى نفوس فردوسيّة، واجتهدوا في أن تحوّلوا هؤلاء الّذين يتصرّفون إرضاءً للشّيطان إلى نفوس تسلك سبيل رضى الرّحمن. واطلبوا التّقرب من باب ذي كبرياء، واخدموا الملكوت، واتّبعوا الأب السّماويّ. وأيقنوا أنّه يؤيّدكم ويوفّقكم.
إنّ جميع الخلق يبوؤون بخسران مبين، وأنتم تفوزون بربح عظيم ذلك لأنّكم مع الله وهو يؤيّدكم.
مرحبًا بكم.

نداء الله ونداء الشّيطان
ألقيت في يوم الأحد الموافق 19 تشرين الثّاني سنة
1911 الخطبة التّالية في المنزل المبارك في باريس:
هو الله
منذ بداية العالم وحتّى اليوم كلّما ارتفع النّداء الإلهيّ ارتفع معه النّداء الشّيطاني. ذلك لأنّ الظّلمة تريد دائمًا أن تقاوم النّور، والظّلم يريد أن يقاوم العدل. والجهل يريد أن يقاوم العلم. وتلك هي عادة أهل العالم الدّائمة.
أنتم تعرفون أنّ فرعون كان يقاوم في أيّام موسى كي يمنع نورانيّته من الانتشار. وفي زمان السّيّد المسيح كان قيافا وحنّا رئيسين لمذهب اليهود. وقد قاوما السّيّد المسيح بمنتهى القوّة، وكتبا كثيرًا من المفتريات ونشراها حتّى حكم مجمع الفرّيسيّين بقتل المسيح بدعوى أنّه هو المسيخ، وأنّه –أستغفر الله!- ضال، وأنّه –أستغفر الله!- بلا أب شرعيّ وغير ذلك ممّا لا أودّ أن أنطق به. وكانوا ينشرون هذه المفتريات بين يهود الشّرق يريدون بها أن يمنعوا انتشار نورانيّة المسيح. وكذلك الحال في زمان محمّد فقد أراد علماء قريش أن يمنعوا نورانيّة محمّد من الانتشار. وأفتى الجميع بقتله وآذوه أذىً بالغًا وأرادوا أن يهدموا بحدّ السّيف ذلك البنيان العظيم. فهل صمد جميع هؤلاء؟ لقد غلبوا على أمرهم آخر الأمر وأحاطت نورانيّة الأمر الإلهيّ

بالآفاق. وانسحبوا جميعًا من الميدان كالجنديّ المهزوم. ونفذت كلمة الله وانتشرت شريعة الله وأحاطت التّعاليم الإلهيّة بالآفاق. أمّا الأشخاص الّذين استظلّوا بظلّ الحقّ فقد أشرقوا كالنّجوم من أفق السّعادة الكبرى.
واليوم يتكرّر الشّيء نفسه، فجمع الجهّال الّذين ينسبون أنفسهم إلى الدّين يريدون أن يمنعوا نورانيّة بهاء الله من الانتشار. وهم يقاومون أمر الله كي يحرموا الآفاق من هذا الإشراق. ولمّا لم يكن لديهم أيّ برهان فقد شرعوا في الافتراء، لأنّ عادة الجهّال هي أنّهم عندما يعدمون البرهان يلجأون إلى سلاح الافتراء. ولو كان لديهم برهان لهاجموا به ولتكلّموا ولما سبّوا ولما جرى الكلام السّخيف على أقلامهم وعلى ألسنتهم، ولَبيّنوا برهانهم كما يفعل العلماء.
وليس بيننا وبين هؤلاء نزاع ولا جدال. وإنّما نحن نقدّم البراهين ونقول لهم إذا كان لديكم برهان في مقابل برهاننا فأبرزوه. ولكنّهم لا يقتربون منا أبدًا، بل يتفوّهون بالمفتريات، ويكتبون في الجرائد أنّ هؤلاء البهائيّين كذا وكذا ويقولون بحقّنا ما قاله الفرّيسيّون في حقّ الحواريّين. وهم يكتبون كلّ ما يعنّ لهم فإذا رأيتم مثل هذه الأوراق تتوزّع فلا تتكدّروا قط. بل عليكم أن تعملوا بموجب تعاليم بهاء الله بكلّ قوّة ولا تلقوا بالاً لذلك. إنّ أمثال هؤلاء النّفوس هم السّبب في انتشار كلمة الله بين الخلق. فما من شكّ في أنّ المنصفين سيفحصون ويحقّقون ويدقّقون في ما يقولون، ويكون هؤلاء سبب هدايتهم. مثلهم مثل شخصٍ قال إنّ في هذه الغرفة شمعة غير مضيئة. فتفحّص السّامع في الأمر فرأى أنّها مضيئة. أو كمثل رجل قال إنّ في البستان الفلاني أشجارًا ذات أوراق مصفرّة وأغصان مكسورة وثمر مرّ وأزهار كريهة فإيّاكم أن تقتربوا منها. إلاّ أنّ النّفوس المنصفة لا تقنع بذلك دون شكّ. بل تقول: فلنذهب لنرى ونتحرّى الحقيقة. فإذا فحصوا وتحقّقوا

ورأوا أنّ أشجار البستان في نهاية الاعتدال، وسيقانها في غاية الاستقامة وأوراقها في نهاية الاخضرار وبراعمها ذات عطر، وأثمارها ذات حلاوة، وأزهارها ذات طراوة قالوا الحمد لله لقد كان هذا القادح سببًا في أن نهتدي إلى هذا البستان، وإنّه كان علّة هدايتنا. والواقع أنّ القادحين الهجائين هم السّبب الّذي يدفع النّاس إلى البحث. ففي زمان المسيح ألّف القادحون الكتب في مذمّة المسيح، ورموه بالمفتريات وقالوا في الحورايّين ما قالوا من الأكاذيب فهل كان لشيء من هذا أثر؟ وهل كان للكتب الّتي كتبها فلاسفة ذلك الزمان عن المسيح أيّ ضرر؟ بالعكس، كانت هذه الكتب سببًا للتّرويج لأن النّاس الّذين سمعوا ذكر المسيح أقبلوا يبحثون ويفحصون ففازوا في الهداية.
ونحن لا نريد أن نقول شيئًا عن هؤلاء النّاس ولن نبسط لساننا فيهم. ولكنّنا نكتفي بالقول إنّ هذه المفتريات ليس لها أيّ وزن قط. إنّ هذه المفتريات بمنزلة السّحاب الّذي يحجب الشّمس. فمهما كان السّحاب كثيفًا فإنّ أشعّة الشّمس تمحوه آخر الأمر. وما من سحاب يمكنه أن يحجب شمس الحقيقة، وما من سدّ يمكنه أن يمنع سريان نسيم البستان الإلهيّ، وما من حائل يمكنه أن يحجز أمطار السّماء. ومرادي من هذا الكلام هو ألاّ تحزنوا كلّما انتشرت كتب الافتراء أو نشرت في الجرائد المفتريات، وأن تعلموا أنّ هذا هو سبب قوّة أمر الله. ذلك لأنّ الإنسان لا يصوّب الحجر إلى شجرة بلا ثمر، ولا يتعرّض لمصباح مطفئ. وما يحدث شيء إلاّ ويكون سببًا لقوّة أمر الله مصداقًا لما حدث من قبل. فإذا تأمّلتم في زمان موسى وجدتم أنّ غرور فرعون كان مددًا وعونًا لبني إسرائيل. وبالرّغم من أن ذلك الظّالم أعلن أنّ موسى قاتل، وأنّه لا بدّ من إنزال القصاص به إلاّ أنّ هذا الإعلان لم يكن له أيّ تأثير. وقد صاح فرعون وقال إنّ موسى وهارون كليهما مفسدان يريدان أن يفسدا دينكم المبين ويلقيا المملكة

بين براثن الاختلاف والفساد ولذلك يجب اهلاكهما وإعدامهما "إنّ هذين لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى" إلاّ أنّ ذلك لم يكن له أيّ تأثير قط بل لقد أضاء نور موسى وانتشرت شريعته وأحاطت النّورانيّة الّتي تجلّت في سيناء.
وكذلك صاح الفرّيسيّون أنّ المسيح هو المسيخ –أستغفر الله من ذلك- لأنّه كسر السّبت ونسخ شريعة الله وحرّم الطّلاق ومنع تعدّد الزّوجات، وأنّ مقصده هدم قدس الأقداس واقتلاع بيت الله فواويلاه! واديناه! وامذهباه! وصاحوا اصلبوه، اصلبوه! ولكنّ هذه الاعتراضات لم يكن لها أيّ أثر. إذ طلع صبح المسيح، وسرت نفثات الرّوح القدس في العالم أجمع، ووحّدت بين الأقوام المختلفة.
ومقصدي هو أنّ أمر الله لا يلحقه أيّ فتور من مفتريات القوم وأكاذيبهم ومجادلاتهم. بل إنّ ذلك سبب علو أمر الله. ولو كان هذا الأمر أمرًا عاديًّا لما تعرّض لمثل هذه الاعتراضات الّتي تدلّ على أن هذا الأمر أمر خارق للعادة. وكلّما عظم قدر الأمر كثر أعداؤه. ولذلك يجب علينا أن نعمل بموجب تعاليم حضرة بهاء الله بنهاية الثّبات والرّسوخ.
مرحبًا بكم.

الرّقيّ المادّيّ والرّوحانيّ
ألقيت في يوم الإثنين الموافق 20 تشرين الثّاني
سنة 1911 في البيت المبارك في باريس
هو الله
الافتراس أمر يليق بالحيوانات المتوحّشة. أمّا الّذي يليق بالإنسان فهو الألفة والمحبّة. ولقد أرسل الله جميع الأنبياء حتّى يلقوا الألفة والمحبّة بين القلوب. ونزلت الكتب السّماويّة للألفة بين القلوب. وقدّم الأنبياء وأولياء الله أنفسهم فداء حتّى يتحقّق الاتّحاد والاتّفاق في قلوب البشر. ولكن واأسفاه إنّ البشر ما يزالون يسفكون الدّماء. ولو أنّنا تأملنا التّاريخ- في القرون الأولى أو الوسطى أو الأخيرة- وجدنا أن أديم هذه الغبراء تلطخ بدماء البشر، وأنّ البشر كانوا كالذّئاب الكاسرة يمزق بعضهم بعضًا إربًا إربًا. وبالرّغم من أنّهم وصلوا إلى هذا العصر النّوارنيّ، عصر المدنيّة وعصر التّرقّيات المادّيّة وترقّي العقول. ولقد زاد الإحساس الإنسانيّ ومع ذلك فالدّماء تراق في كلّ يوم. لاحظوا ما يجري في طرابلس، وانظروا في أيّ بلاء وقع هؤلاء البؤساء. تركت إيطاليا مملكتها الوسيعة وهاجمت الأعراب المساكين في الصحراء الّتي لا ماء فيها ولا علف. ما أكثر الشّبان الّذين قتلوا من الطّرفين! ما أكثر البيوت الّتي خربت! ما أكثر الأمّهات اللاّئي فقدن أولادهنّ! ما أكثر الأطفال الّذين فقدوا آباءهم! إنّ أفواج اليتامى تتموّج! ما أكثر ما اقتلع من النّبت النّاشئ وهو ما زال في بداية نشوئه

ونموّه! وما أكثر ما قتل من الطّيور الحسنة الصوت من قبل أن تغرّد! وليس هناك من غاية سوى الحرص والطّمع.
من هذا يتّضح أنّ التّرقي المادّيّ ليس سببًا في تحسين الأخلاق. إنّ التّرقّيات المادّيّة لا تعدّل الأخلاق. بل في الأزمنة السّابقة حين لم تتحقّق كلّ هذه التّرقّيات المادّيّة لم يكن فيها أيضًا كلّ هذا القدر من سفك الدّماء. لم يكن فيها مدافع كروب ولا بنادق موزر ولا الميتراليوز ولا الدّيناميت ولا المواد الجهنّمية. لم يكن فيها غوّاصات ولا سفن الطّوربيد. أمّا اليوم- وقد ارتقت المدنيّة المادّيّة- فإنّ هذه الآلات الهدّامة لبنيان البشر قد ارتقت أيضًا. واليوم نجد أنّ هذه المواد الجهنّمية مهيّأة للالتهاب تحت أقدام أوروبّا جميعًا. ذلك لأنّ أوروبّا مليئة بالمواد الملتهبة. لا قدّر الله أن تشتعل. فإنّها إذا اشتعلت جعلت الكرة الأرضيّة قاعًا صفصفًا. وخلاصة مقصدي أنّه من الواضح والمشهود أنّ التّرقّيات المادّيّة وحدها ليست سببًا لراحة العالم الإنسانيّ ولا علّة لارتقاء عالم الأخلاق إلاّ أنّها إذا انضمّت إلى الإحساسات الرّوحانيّة عندئذٍ يتحقّق التّرقي. وتتحقّق الإحساسات الرّوحانيّة للنّاس إذا انتشرت التّعاليم الإلهيّة، ونفّذت وصايا الأنبياء ونوّرت النّصائح الإلهيّة القلوب. وعندما ينضمّ هذا التّرقي المادّيّ إلى التّرقي الرّوحانيّ تحصل النّتائج الطّيّبة، ذلك لأنّ التّعاليم الإلهيّة أشبه بالرّوح والتّرقّيات المادّيّة أشبه بالجسد. والجسد يحيا بالرّوح وإلاّ فهو ميّت.
وإنّنا لنأمل –بعون الله وعنايته- أن تؤثّر روحانيّات الأنبياء في النّاس حتّى يستنير عالم الأخلاق من هذه النّورانيّة. وتحصل الإحساسات الرّوحانيّة في القلوب حتّى تعلم أنّ الله عادل فلا بدّ أن يجزى كلّ عمل. والله لا يفوّت ظلم أحد لأنّه عادل ولا شكّ. ومهما سعى المادّيّون واجتهدوا فإنّهم مع ذلك في نصب وتعب ومشقّة تركبهم الغموم دائمًا. ذلك لأنّ سرور قلب الإنسان يحصل بمحبّة الله. واستبشار روح الإنسان بمعرفة الله. وإذا لم يتعلّق قلب الإنسان بالله

فبأيّ شيء يفرح. وإذا لم يعقد أمله بالله فأيّ شيء يهواه قلبه في هذه الحياة الدّنيا الزّائلة وهو يعلم أنّها حياة محدودة وسوف تنتهي؟ وعلى هذا يجب على الإنسان أن يكون أمله بالله، ذلك لأنّ فضله لا نهاية له، وألطافه قديمة، ومواهبه عظيمة، وشمسه مشرقة دائمًا وأمطار رحمته هاطلة دائمًا، ونسيم عنايته يهبّ باستمرار. فهل يليق بنا أن نغفل عن مثل هذا الإله لنكون أسرى الطّبيعة وعبيد الطّبيعة؟! على حين أنّه أعطانا المواهب لنتحكّم في الطّبيعة.
جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة ما عدا الإنسان. فالشّمس مثلاً –على ضخامتها- محكومة بالطّبيعة فلا إرادة لها قط، ولا يمكنها أن تتجاوز عن مدارها قيد شعرة فهي أسيرة لقانون الطّبيعة. وهذا البحر –على عظمته- أسير الطّبيعة. وهذه الكرة الأرضيّة أسيرة الطّبيعة، لا يمكنها أن تتجاوز عن قانون الطّبيعة أبدًا. ولكنّ الله وهب لنا الإرادة حتّى نخرق قانون الطّبيعة ونتحكّم في الطّبيعة. ونحن نحطّم قوانين الطّبيعة فعلاً. ذلك لأنّ الإنسان –بمقتضى الطّبيعة- تراب ذو روح ولكنّه يطير مع ذلك في الهواء، ويسير في البحر، وهو يسير في هذا الفضاء الواسع كالسّحاب. وهو يحبس قوّة البرق العاصية، ويقيّد الصّوت الطّليق. وكلّ هذا مخالف لقانون الطّبيعة. نعم لقد اختطف الإنسان السّيف من يد الطّبيعة وهو يهوي به على رأسها، ويخرق قوانينها. ولقد أعطى الله للإنسان هذه القوّة الهائلة.
ومع ذلك أَمِنَ الجائز أن يصبح الإنسان أسير الطّبيعة وعبدًا لها بل ويعبد الطّبيعة ويقول إنّ الطّبيعة هي الله؟ رغم أنّه يهوي بالسّيف على أمّ رأسها ويلقي الاضطراب في قواعد الطّبيعة العامّة. وعلى ذلك فاعلموا أيّة مواهب وهبها الله للإنسان وحرم الطّبيعة منها، لقد وهب الله لنا الشّعور والإرادة والطّبيعة محرومة منهما، ووهب لنا العقل والإرادة، والطّبيعة محرومة منهما، ونحن حاكمون على الطّبيعة، هكذا أراد الله.

السّرور والحزن
ألقيت في يوم الثّلاثاء الموافق 21 تشرين
الثّاني 1911 في البيت المبارك في باريس
هو الله
جميع البشر معرّضون دائمًا لإحساسين: أحدهما السّرور والآخر الحزن، وعندما يكون الإنسان مسرورًا تطير روحه وتزداد جميع قواه، وتكبر قوّته الفكريّة، وتشتدّ قوّة إدراكه وتترقّى قوّة عقله في جميع المراتب وتحيط بحقائق الأشياء، ولكن عندما يستولي الحزن على الإنسان ينخمد وتضعف جميع قواه ويقلّ إدراكه، ولا يفكّر، ولا يستطيع أن يدقّق في حقائق الأشياء، ولا أن يكشف عن خواص الأشياء، ويصبح كالميّت.
وهذان الإحساسان يشملان جميع البشر طرًّا.
من الرّوح لا يتأتّى للإنسان أيّ حزن، ومن العقل لا تحصل للإنسان أيّ مشقّة ولا ملال، أي أنّ القوى الرّوحانيّة لا تسبّب للإنسان كدرًا ولا تعبًا.
وإذا تأتّى للإنسان الحزن فمن المادّيّات يتأتّى هذا الحزن، وإذا خمد الإنسان وجمد فمن المادّيّات، فالتّاجر مثلاً إذا خسر حزن، والزّارع إذا لم تنجح زراعته اغتمّ، وإذا بنى الإنسان بناء وانهدم حزن واضطرب.

المقصود أنّ حزن الإنسان وكدره يأتيان من عالم المادّيّات، وأنّ اليأس والقنوط من نتائج عالم الطّبيعة وعلى هذا فمن الواضح والمشهود أنّ حزن الإنسان ونكبة الإنسان ونحس الإنسان وذلّة الإنسان كلّها من المادّيّات. وأمّا الإحساسات الرّوحانيّة فلا يتأتّى منها للإنسان أيّ ضرر ولا خسارة ولا همّ ولا غمّ. وجميع البشر عرضة للهمّ والغم والملالة، فما من إنسان إلاّ وأصابه الحزن والألم والمشقّة والنّصب والتّعب والخسارة.
ولمّا كانت هذه الأحزان من المادّيّات لم يكن أمامنا من سبيل سوى الرّجوع إلى الرّوحانيّات. فإذا ضاق صدر الإنسان من المادّيّات ضيقًا شديدًا وتوجّه إلى الرّوحانيّات زال ذلك الضّيق. وإذا وقع الإنسان فريسة لليأس والقنوط والتّعب ثمّ تذكّر الله الرّحمن الرّحيم سرّ خاطره. وإذا وقع في وهدة الفقر المادّيّ الشّديد ثمّ استروح الإحساسات الرّوحانيّة رأى نفسه غنيًّا بكنز الملكوت. وإذا مرض وفكّر في الشّفاء شفى غليل صدره. وإذا وقع أسيرًا لمصائب عالم النّاسوت تسلّى بالتّفكير باللاّهوت. وإذا ضاق ذرعًا بسجن عالم الطّبيعة ثمّ طار بفكره إلى عالم الرّوح سرّ خاطره. وإذا اختلّت حياته الجسمانيّة ثمّ فكّر في الحياة الأبديّة عاد ممنونًا شاكرًا.
ولكن ما الّذي يسلّي خاطر الّذين اقتصر اهتمامهم على عالم المادّيّات وغرقوا في بحر النّاسوت إذا ألمّت بهم البلايا والمحن؟! وبأيّ شيء يتعلّق أمل الّذي يعتقد بأنّ حياة الإنسان محصورة في الحياة المادّيّة –إذا عجز أو أصابته مصيبة أو وقع في البلاء أو نفخ في بوق الرّحيل؟ وبأيّ شيء يتسلّى؟! كيف يجد الرّوح والرّيحان من لا يؤمن بالحيّ القدير. يقيني أنّه في العذاب الأبديّ والقنوط السّرمديّ.
إذن فاشكروا الله. فأنتم لديكم الإحساسات الرّوحانيّة والانجذابات

القلبيّة. وعيونكم مبصرة، وآذنكم سميعة، وأرواحكم حيّة، وقلوبكم عامرة بمحبّة الله. ولديكم ما تتسلّى به خواطركم إذا ألمّت بكم مصيبة، وإذا اختلّت المعيشة الدّنيويّة استبشرتم بالحياة السّماويّة. وإذا أحاطت بكم ظلمة الطّبيعة سررتم بنورانيّة الملكوت. وكلّ من يتوفر له الإحساس الرّوحانيّ تتوفّر له تسلية الخاطر.
فلقد قضيت في السّجن أربعين سنة مع أنّه لم يكن في الإمكان تحمّل سنة واحدة، وكلّ من زجّ به في ذلك السّجن لم يعش فيه أكثر من سنة واحدة إذ كان يهلك من الغمّ والهمّ. ولكنّني كنت –والحمد لله- في نهاية السّرور طوال هذه السّنوات الأربعين. وكنت أنهض كلّ صباح كأنّما جاءتني بشارة جديدة. وكان كلّما أظلم اللّيل ازداد في قلبي نور السّرور. فالإحساسات الرّوحانيّة سبب تسلية الخاطر والتّوجه إلى الله سبب الرّوح والرّيحان. وإذا لم يكن هناك توجّه إلى الله لم تكن هناك إحساسات روحانيّة. وإلا فكيف كنت أحتمّل السّجن أربعين سنة؟
من هذا يتبيّن لكم أنّ الإحساسات الرّوحانيّة هي أعظم موهبة العالم الإنسانيّ، وأن التّوجه إلى الله هو حياة الإنسان الأبديّة.
وإنّني لآمل أن يزداد توجّهكم إلى الله يومًا بعد يوم وأن تزداد تسلية خاطركم، وأن يزداد تأثير نفثات الرّوح القدس، وأن يزداد ظهور القوى الملكوتيّة.
هذا هو منتهى رغائبنا وآمالنا.
وهذا هو ما أطلبه من الله.

المائدة السّماويّة
ألقيت في يوم الأربعاء الموافق 22 تشرين
الثّاني 1911 في البيت المبارك في باريس
هو الله
ينبغي أن تكونوا مسرورين وشاكرين لأنّه قد تأسّس بحمد الله مجمع نورانيّ ومحفل سماويّ في هذه المدينة. وبالرّغم من أنّ في باريس مجامع كثيرة إلا أنّها جميعًا تتناول المسائل المادّيّة. أمّا الحفل الّذي يذكر فيه الله فهو هذا الحفل. الحمد لله فالقلوب متوجّهة إلى الله والأرواح منجذبة إلى ملكوت الله والإحساسات الرّوحانيّة موفورة. وأفكاركم ليست منحصرة في العالم التّرابيّ بل إنّ لكم نصيبًا من العالم الطّاهر. ولستم مثل الحيوانات الّتي لا همَّ لها إلا الشّؤون المادّيّة من مأكل ومشرب ومنام. وتنحصر آمالها في أن تمرح في المروج الخضراء وأن تحصل على غابة نضرة وبستان أخضر ومأوى ومأمن لها. بل إنّكم بشر ينحصر تفكيركم في تحصيل الكمالات الرّحمانيّة، ومنتهى آمالكم تأمين الخير لعموم البشر وتأسيس وحدة العالم الإنسانيّ والتّرويج لها. وأنتم تجتهدون ليل نهار كي تسرّوا خاطرًا، وتسلّوا محزونًا، وتقوّوا ضعيفًا، وتساعدوا بائسًا. فجميع أفكاركم ملكوتيّة وجميع إحساساتكم روحانيّة. ليس لكم مع أي ملّة عداوة، ولا تريدون الخلاف مع أيّ جنس. فأنتم للكلّ محبّون، ولخير الكلّ طالبون. تلك هي إحساسات

العالم الإنسانيّ، وتلك هي فضائل البشر. فإذا لم يتوفّر لإنسان ما من هذه المواهب الإلهية نصيب كان عدمه أفضل. فالزّجاج إذا حرم من السّراج كان كسره أحبّ. والشّجرة إذا عدمت الثّمر كان قطعها أولى. وكذلك الإنسان إذا حرم من فضائل العالم الإنسانيّ كان موته أفضل. جعلت العين للنّظر فإذا لم تنظر فما فائدتها؟ والأذن جعلت للسّمع فإذا لم تسمع فما جدواها؟ واللّسان جعل للنطق فإذا خرس فما فائدته. وكذلك حال الإنسان فإنّه خلق لكي ينير العالم بالمعرفة والإيمان وموهبة الرّحمن وحسن الأعمال والأخلاق ونورانيّة الأفكار. فإذا حرم من هذه الموهبة كان –بلا شك- أحطّ من الحيوان، ذلك لأنّ الحيوان محروم من العقل فهو إذًا معذور. في حين أن الله وهب للإنسان عقلاً كي يكون إنسانيًّا وكي يجتهد في تأمين الخير لعموم البشر.
فإذا تابع أيّ إنسان تعاليم بهاء الله وفّق بكلّ تأكيد إلى معرفة غاية عالم الودجود. ذلك لأنّ هذه التّعاليم هي الرّوح لجسد العالم والنّعمة لجميع البشر، والرّحمة لنوع الإنسان ولذلك اجتهدوا بالرّوح والفؤاد أن تعملوا بموجب تعاليم بهاء الله. فإذا وفّقتم إلى هذا فاعلموا أنّها العزّة الأبديّة والحياة السّرمدية وسلطنة العالم الإنسانيّ والمائدة السّماويّة.
وإنّني لأدعو لكم أن توفّقوا إلى هذه المواهب السّماويّة وأن تختصّوا بهذه الفضائل الرّحمانيّة.


غفلة النّاس عن الله
ألقيت في يوم الخميس الموافق 23 تشرين
الثّاني 1911 في البيت المبارك في باريس
هو الله
يقولون إنّ قطارًا سقط في نهر السّين وغرق خمسة وعشرون شخصًا كانوا فيه. واليوم سوف يدور في برلمان فرنسا بحث مفصل حول أسباب وقوع هذا الحادث، وسوف يحاكمون وزير السّكك الحديدية وسيدور النّقاش والجدال العنيف. وقد تعجبت كثيرًا أن يحدث في البرلمان كلّ هذا الهيجان من أجل خمسة وعشرين شخصًا سقطوا في النّهر وغرقوا ثمّ لا ينطق أحد بحرف واحد من أجل طرابلس الّتي يقتل فيها في اليوم الواحد ألوف من الأشخاص بحيث إنّه قتل فيها حتّى اليوم خمسة آلاف شخص فلم يخطر ببال البرلمان قط أنّ هؤلاء بشر، وكأنّما هم حجر. فما هو السّبب في أنّ البرلمان يثور ثائره من أجل خمسة وعشرين شخصًا، ولا ينطق قط بحرف واحد من أجل ستة آلاف شخص؟ مع أنّ هؤلاء بشر وأولئك أيضًا بشر، ومع أنّهم جميعًا من نسل آدم، غير أنّ أولئك ليسوا من أصل فرنسيّ ولذلك لا يهتمّ بهم حتّى لو مزّقوا إربًا إربًا. فانظروا أيّ قدر بلغ عدم الإنصاف وأيّ قدر بلغ تبلّد الإحساس، وأيّ قدر بلغ الجهل. إنّ لهؤلاء البؤساء في طرابلس آباء وأمّهات ولهم أولاد وبنات وزوجات، وهم يمزّقون إربًا إربًا، فما هو ذنبهم؟

لقد قرأت في الصحف أنّ العويل والنّحيب يتعالى من حناجر النّاس في إيطاليا نفسها. وهكذا لم يقتصر الألم على العرب بل إنّ الحال وصلت بنساء إيطاليا إلى حدّ العويل والنّحيب، فانهمرت الدّموع من عيون الأمّهات، وأدميت قلوب الآباء، وبلغ بكاء الأطفال وصراخهم عنان السّماء. فانظروا مدى توحّش البشر. وانظروا مدى غدر الإنسان، ومدى غفلته عن الله.
ما ضرُّهم لو أنّهم استعاضوا عن السّيف والرّصاص والبنادق والمدافع بالألفة والمحبّة وحسن المعاشرة والطّرب والسّرور وسكروا بخمر الحبور في موكب السّرور واحتضن بعضهم بعضًا وتغنّوا بنشيد واحد؟ أليس هذا خير لهم؟ أما كان ينبغي لهم أن يطيروا معًا كالطّيور الشّكور ولا يصبحوا كالذّئاب الكاسرة تنشب أظافر بعضها أجسام البعض الآخر ويريق بعضهم دماء بعض؟
لماذ غفل النّاس كلّ هذه الغفلة؟ لأنّهم لا يعرفون الله. ولو عرفوا الله لأكرم بعضهم بعضًا. ولو توفّرت لديهم الإحساسات الرّوحانيّة لرفعوا علم الصّلح الأكبر، ولو استمعوا إلى وصايا الأنبياء لتوفّر لهم الإنصاف.
لهذا أرجو أن تدعوا وتتضرّعوا وتبتهلوا أن يهدي الله البشر ويرحمهم ويعطيهم العقل والإحساسات الرّوحانيّة عسى أن يستريح البؤساء من بني البشر. إنّ الإنسان العاقل يفكّر في حال البشر ليلاً ونهارًا فيتعالى صوت تضرّعه وابتهاله عسى أن يستيقظ النّائمون ويبصر العميان، ويقوم الموتى، وينصف الظّالمون، إنّني لأدعو وأرجو أن تشاركوني الدّعاء.

نور الهداية
ألقيت في يوم الجمعة الموافق 24 تشرين
الثّاني 1911 في البيت المبارك بباريس
هو الله
عندما ظهر السّيّد المسيح في أورشليم دعا النّاس إلى الله ودلّ الخلق على ملكوت الله ودعاهم إلى الحياة الأبديّة وحثَّهم على كمالات العالم الإنسانيّ. وسطع نور الهداية من هذا الكوكب اللاّمع. وضحّى بنفسه من أجل البشر. وتحمّل منتهى الظّلم. ومع ذلك عاداه جميع البشر أنكروه وآذوه، وسبوه ولعنوه ولم يهتمّوا بأمره قط. وعلّقوه مع المجرمين على الصّليب مع أنّه كان بمثابة الرّحمة الخالصة والرّأفة التّامّة ونور الحقيقة وصبح الهداية. وكان شفوقًا شفقة تنبع من روحه وفؤاده. ولكنّهم عاملوه بجفاء، ولم يدركوا قدره، ولم يهتمّوا بتعاليمه، ولم يستمعوا لنصائحه، ولم يستنيروا بأنواره، ثمّ فعلوا آخر الأمر ما فعلوه. وبعد مدّة ثبت أنّ هذه الذّات المحترمة كانت نور العالم، فإنّ كلامه سبب الحياة الأبديّة لبني آدم، وإنّ قلبه كان بجميع الخلق رؤوفًا وألطافه لكلّ النّاس شاملة. فلمّا أخذ نوره في الإشراق ندموا على ما فعلوا، ولكن بعد أن كان الأمر قد خرج من يدهم وبعد أن ازدان الصّليب بالمسيح واستشهد الحواريّون. وهكذا بعد مرور ثلاثمائة سنة عرفوا قدر المسيح. فالنّاس الّذين آمنوا بالمسيح حينما

صعد إلى السّماء كانوا قلائل. ولم يقبل تعاليم السّيّد المسيح ونصائحه إلاّ نفر قليل. وكان الجهلاء يقولون من هذا الشّخص المجهول؟ ومن هذا الفريد الوحيد المغلوب الّذي لم يتبعه سوى خمسة أشخاص. ولكنّ النّفوس العليمة كانت تعلم ما سوف يحدث فيما بعد، وكانت تعلم أنّ ذلك النّور سوف يسطع وأنّ هذه الشّمس سوف تشرق على الشّرق والغرب جميعًا. وما رآه هؤلاء في عهد المسيح رآه غيرهم بعد ثلاثمائة عام.
لهذا لا تهتمّوا بقلّة عددكم وكثرة عدد الآخرين. ولا تتكدّروا من أنّ الأقوام الجاهلة لا تقبل على دينكم، ولا تتأثّروا من أنّهم يعترضون عليه وينكرونه ويستكبرون عليكم. سيفعلون بكم ما فعلوا بالحواريّين. ففي بداية الأمر آذوهم ولاموهم وشمتوا بهم وقتلوهم وأغاروا عليهم ثمّ اتّضح في النّهاية بأنّهم باؤوا بخسران مبين، وأصبح الحواريّون مقرّبين لدى أعتاب النّور المبين. ولهذا فإذا حدثت مثل هذه الحوادث فلا تتكّدروا بل استبشروا وابتهجوا واحمدوا الله على أنّكم ترون الآن ما رأته تلك النّفوس المقدّسة من قبل. فإذا لاموكم فأظهروا السّرور. وإذا أهانوكم فلا تمنعوا عنهم مساعداتكم، وإذا آذوكم فابذلوا لهم العناية واطلبوا لهم من الله العفو والمغفرة. وثقوا بأنّ أنواركم ستسطع، وعلمكم سيخفق، وصيتكم سيعلو، ورائحتكم الطّيبة الزّكيّة ستنتشر. فإذا سطع سراج الهداية من زجاج قلوبكم فإنّه سوف يشرق على الآفاق. وبالرّغم من أنّهم الآن لا يبدون أيّ اهتمام بكم فلا شكّ أنّهم سوف يفعلون ذلك عمّا قريب –فالنّفوس الّتي تدخل الملكوت الإلهيّ سوف يسطع نورها كالنّجوم البازغة وهم بالمثل كشجرة مثمرة ستحمل فواكه وأثمارًا من كلّ نوع وكبحر تنثر منه لآلئ الأسرار.
فاطمئنّوا إلى فضل الله واستبشروا بعنايته.

وحدة العالم الإنسانيّ
ألقيت في كنيسة نواي ديلام في باريس قبل ظهر
يوم السّبت الموافق 25 تشرين الثّاني سنة 1911
هو الله
جميع المظاهر المقدّسة قاموا بخدمة الحقيقة. فحضرة موسى روَّج الحقيقة. والسّيّد المسيح صرَّح بالحقيقة. وجميع الحواريّين وضّحوا الحقيقة. كذلك بشَّر حضرة الرّسول بالحقيقة، وكان أولياء الله جميعًا مؤسّسي الحقيقة. وقد قام حضرة بهاء الله بتأسيس الحقيقة، وهكذا فإنّ جميع الأنبياء كانوا مظاهر الحقيقة وكانت تعاليمهم جميعًا تدعو إلى توحيد العالم الإنسانيّ وإلى الألفة والمحبّة والاتّحاد والتّنزيه والتّقديس عن ظلمات العالم النّاسوتيّ الّتي هي الخلاف والنّزاع والجدال والقتال. فلماذا نختلف ونحن أتباع هؤلاء العظام. ولماذا نتجادل ونتنازع، ونحن عبيد إله واحد تشملنا جميعًا ألطافه الرّحمانيّة. إنّ الله هو في منتهى السّلام والصّلح مع الجميع فلماذا يحارب بعضنا بعضًا. وإنّ الله رؤوف ورحيم بالجميع. فلماذا نكون نحن قساة غلاظًا؟ وإن الله خالق الكلّ ورازق الكلّ ومربّي الكلّ وحافظ الكلّ فلماذا يبتعد بعضنا عن بعض.
السّبب هو أن أساس الأديان الإلهيّة قد ضاع ونسي. وتعلّق النّاس

وتشبثوا بالتّقاليد الموهومة. ولما كانت التّقاليد مختلفة لذلك فقد أصبحت سبب البغض والعداوة بين البشر. وإذا نظرنا إلى أساس الأديان الإلهيّة لوجدنا أساسًا واحدًا لها ولو رجعنا إلى هذا الأساس لاتّحدنا جميعًا واتّفقنا ولرفرف علم وحدة العالم الإنسانيّ على جميع الآفاق.
وكلّ ما في الأمر أنّ بعض النّاس جاهلون وعلينا أن نعلّمهم، والبعض أطفال علينا أن نربّيهم حتّى يبلغوا أشدّهم، ومرضى علينا أن نعالجهم بمنتهى الرّأفة.
وفضلاً عن ذلك فإنّ اختلاف أهل الأديان ونزاعهم تسبّب في غلبة الإحساسات المادّيّة على قلوب البشر وضياع الإحساسات الإلهيّة. فغرق أكثر البشر في عالم الطّبيعة وترقّوا رقيًّا معكوسًا. ذلك لأنّ الحيوان المحروم من الإدراكات الرّوحانيّة وإدراك الحقائق والحكمة البالغة الإلهيّة أسير للطّبيعة وغريق في دوّامة المادّة. ولا علم له أبدًا بالله ولا بالعالم الإلهيّ. وكذلك حال أكثر البشر اليوم فهم محرومون كلّيّة من حقيقة الأديان الإلهيّة. ولهم العذر في ذلك. لأنّ ما بيدهم هو التّقاليد. وهي مخالفة لقوانين العقل. ولهذا أصبح أكثر الخلق مادّيّين.
إذن فيا أهل الأديان هلمّوا نتنزّه عن تقاليد الأوهام ونتشبّث بأساس الأديان الإلهيّة فنتّفق ونعبد الحقيقة، ونستريح ونستظلّ بظلّ خيمة التّوحيد بمنتهى الألفة والاتّحاد. ونصبح جميعًا نجوم سماء الحقيقة وسرج العالم الإنسانيّ المضيئة. فالحقيقة هي شريعة الله وهي هداية الله وهي محبّة الله وهي فيوضات الله وهي فضائل العالم الإنسانيّ ونفثات الرّوح القدس.
تلاحظون أنّ الوحشية وسفك الدّماء من خصائص عالم الحيوان. وأنّ المحبّة والرّأفة والاتّفاق من فضائل عالم الإنسان. وبالرّغم من

ذلك نرى أنّ دماء البؤساء كانت تلطّخ وجه الأرض على الدّوام كما يتّضح من تاريخ العالم منذ بداية حياة البشر في القرون الأولى والوسطى حتّى القرون الأخيرة فما زال البشر في خطر دائم.
واليوم أشرق نور الحقيقة من أفق إيران وأخذت الغيوم الكثيفة تتلاشى تدريجيًّا. وبدأت وحدة العالم الإنسانيّ تعمّ وهي الآن في بدايتها. كما بدأت المحبّة والألفة بين الأمم ترفع علمها، وبدأت نفثات الرّوح القدس تسيطر.
فيا أهل العالم تحرّكوا وافرحوا وأظهروا الطّرب والسّرور وادخلوا في ظلّ خيمة وحدة العالم الإنسانيّ.
والسّلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى