منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 5

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
صبح الصّلح الأكبر
ألقيت في مساء يوم الأحد الموافق 26 تشرين
الثّاني 1911 في منزل مدام كاسته في باريس
هو الله
جميع أنبياء الله هم مظاهر الحقيقة. فقد أعلن سيّدنا موسى الحقيقة، وروَّج السّيّد المسيح الحقيقة وأسّس سيّدنا محمّد الحقيقة. وأعلن جميع أولياء الله الحقيقة، كما رفع حضرة بهاء الله علم الحقيقة وكانت جميع النّفوس المقدّسة الّتي جاءت إلى هذا العالم مصابيح الحقيقة. والحقيقة هي وحدة العالم الإنسانيّ، وهي المحبّة بين البشر، وهي إعلان العدالة. وهي هداية الله. وهي فضائل العالم الإنسانيّ.
كان أنبياء الله جميعًا منادين بالحقيقة. وكانوا جميعًا متّحدين ومتّفقين. وكان كلّ رسول يبشّر بخلفه، كما كان كلّ خلف يصدّق سلفه. فسيّدنا موسى أنبأ بمجيء المسيح. والسّيّد المسيح جاء مصدّقا ًلموسى. المسيح أخبر عن محمّد، وسيّدنا محمّد جاء مصدّقًا للمسيح ولموسى. كانوا جميعًا متّحدين. فلماذا نختلف ونحن أمة هؤلاء النّفوس المقدّسة؟ فيتوجب علينا إذًا أن نحبّ بعضنا بعضًا كما كان الأنبياء يحبّون بعضهم بعضًا. ذلك لأنّنا عبيد إله واحد تشملنا جميعًا ًألطافه، وإذا كان الله في سلام مع الجميع فلماذا يقاتل بعضنا بعضًا؟

وإذا كان رؤوفا ًبالعباد جميعًا فلماذا يظلم بعضنا بعضًا.
إنّ أساس الأديان الإلهيّة: هو المحبّة والألفة والاتّحاد. وقد ترقّت العقول بحمد الله في هذا العصر، عصر النّورانيّة، وتهيّأت أسباب الألفة والاتّحاد، واستحكمت روابط المحبّة بين البشر. وقد آن الأوان لكي يصالح بعضنا بعضًا، ونعيش بالصّدق والصداقة، فلا يبقى تعصّب مذهبيّ، ولا يبقى تعصّب جنسيّ، ولا يبقى تعصّب وطنيّ بل يعيش بعضنا مع بعض في نهاية الألفة والمحبّة، ذلك لأنّنا عبيد عتبة واحدة ونستفيض من نور شمس واحدة، ويجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء، وأن نؤمن بجميع الكتب السّماويّة، وأن نتخلّص من جميع التّعصّبات، وأن نخدم الله، ونروّج وحدة العالم الإنسانيّ، ونظهر فضائل العالم الإنسانيّ. ويجب علينا ألاّ نكون كالحيوانات المفترسة، وألاّ نرضى بسفك الدّماء، وأن نعتبر دماء البشر مقدّسة، وألاّ نريق الدّماء المقدّسة من أجل أهداف أرضيّة، وأن نتّفق جميعًا على قضيّة واحدة، وهذه القضيّة هي وحدة العالم الإنسانيّ.
لاحظوا اليوم ماذا يجري في طرابلس الغرب. ما أكثر الآباء الّذين يفقدون أبناءَهم وما أكثر الأطفال الصغار الّذين يحرمون من آبائهم. وما أكثر الأمّهات الحنونات اللاّتي يبكين على مصيبتهنّ في أبنائهنذ، وما أكثر النّساء اللاّتي يندبن على مصيبتهنّ في أزواجهنّ. الدّم الإنسانيّ يراق من أجل التّراب، مع أنّ الحيوانات المفترسة نفسها لا تتقاتل من أجل التّراب، وإنّما يقنع كلّ منها بموضعه، فالذّئب يقنع بوكره، والنّمر يكتفي بمغارته، والأسد بعرينه. ولا يفكّر أيّ حيوان في التّعدّي على حقّ الآخرين، فواأسفاه للإنسان الغاشم الّذي لو تسلط على جميع الأوكار لظلّ يفكّر في وكر آخر يستولي عليه، وعلى الرّغم من أنّ الله خلق البشر إنسانيّين إلا أنّهم أصبحوا أسوأ من الحيوانات المفترسة. ذلك لأنّ الحيوانات المفترسة لا تفترس أبناء جنسها.

فالذّئب إذا اشتد توحّشه لا يفترس في اللّيلة الواحدة أكثر من عشرة خراف، في حين أنّ الرّجل الواحد يتسبّب في قتل عشرة آلاف نفس في يوم واحد، فأنصفوا وقولوا بأيّ قانون يصحّ هذا الّذي يجري في هذا العالم؟ إذا قتل إنسان إنسانًا سمّوه قاتلاً في حين أنّه إذا سفك دماء مائة ألف نفس سّموه أشجع الأبطال وإذا سرق إنسان عشرة دراهم من شخص آخر سمّوه سارقا ًمجرمًا، في حين أنه إذا أغار على مملكة بأسرها سمّوه فاتحًا. وإذا أحرق منزلاً عدّوه مجرمًا، أمّا إذا أشعل إحدى الممالك بنيران المدافع والبنادق سمّوه فاتح العالم. هذه جميعًا دلائل آفات البشر ووحشيّتهم وعدم إيمانهم. ذلك لأنّ الإنسان لو آمن بالعدالة الإلهيّة لما رضي بأن يؤذي أيّ إنسان، ولما سمح بإراقة قطرة واحدة من الدّم. بل لراح يسعى ليل نهار كي يسرّ خواطر النّاس.
وإننا نحمد الله على أنّ آثار اليقظة قد تجلّت اليوم في بعض النّاس، فهذه بداية إشراق صبح الصّلح الأكبر. وإنّنا لنأمل أن تنتشر وحدة العالم الإنسانيّ، وأن تزول العداوة والبغضاء بين البشر، وأن يتجلّى الصّلح الأكبر وأن تتآلف جميع الأمم، وأن يتشكّل محفل الصّلح، وأن تفصل هذه المحكمة الكبرى في المشكلات الّتي تقع بين الأمم والدّول. وهذا الأمر مرتبط بازدياد أنصار الصّلح في الدّنيا، وازدياد محبّي العالم الإنسانيّ واتّجاه الأفكار العامّة نحو الصّلح بحيث تضطرّ الأمم والدّول إلى الاتّحاد نتيجة لكثرة محبّي الصّلح والصّلاح.
إنّ المحبّة نور في حين أن البغض والعداوة ظلمة. والمحبّة سبب الحياة أمّا العداوة فسبب الممات. ولا شكّ أنّ العقلاء يفضّلون الحياة على الممات والاتّحاد على الاختلاف ويسعون –بكلّ ما أوتوا من قوّة- كي تزول السّحب السّوداء وتشرق شمس الحقيقة، ويصبح العالم عالمًا آخر، وتصبح كرة الأرض جنّة في نهاية الجمال واللّطف، ويتعانق الشّرق والغرب، ويتصافح الجنوب والشّمال وتتجلّى المحبّة الحقيقيّة

الإلهيّة في العالم الإنسانيّ. ذلك لأنّ إظهار المحبّة للخلق بمثابة إظهارها للخالق، والرّأفة بالخلق تعتبر خدمة لله.
فابتهلوا واسعوا بكلّ ما أوتيتم من قوّة حتّى تكونوا سبب المحبّة بين البشر وسبب العدالة، وسبب اتّحاد الشّرق والغرب، وحتّى يزول التّعصّب المذهبيّ والتّعصّب الجنسيّ، والتّعصّب السّياسيّ والتّعصّب الوطنيّ بإذن الله ويفوز العالم بالطّمأنينة والرّاحة.
إنّ لكم جميعًا أبناء، وتعرفون كم هم أعزّاء لديكم. وهؤلاء البؤساء الّذين يتمزّق أولادهم إربًا إربًا هم مثلكم أيضًا. فتأمّلوا كيف تكون حال الأب والأم إذا رأيا طفلهما العزيز ملطّخًا بالدّماء. كيف تبدو حالتهما آنذاك؟ هل يتبقّى لهما من قلب وهل يهنئا براحة بال؟ هل من مسلّ لهما؟ وهكذا هو الحال الآن في طرابلس فهنالك الكثير من الآباء والأمّهات الّذين يعيشون هذه الحالة المأساوية.
لقد خلقنا الله لنكون محبّين ومتآلفين بعضنا مع بعض، لا لنسلّ السّيف على بعضنا، خلقنا لنشكّل محفل الألفة والمحبّة، ولنؤسّس ناديًا للعدل لا لنهيّئ للحرب. لقد وهبنا الله البصر لننظر إلى بعضنا البعض بمحبّة الله وأعطانا القلب لنتعلّق بعضنا ببعض لا لنتباغض ويعادي بعضنا بعضًا. تأمّلوا مدى فضل الله على الإنسان. لقد أعطاه العقل وأعطاه الإحساس لكي يستخدم هذه القوى الرّحمانيّة في سبيل المحبّة الصّرفة وليس لمضرّة الآخرين.
فاسألوا الله أن يؤيّدكم ويوفّقكم إلى فضائل العالم الإنسانيّ، كي لا نطفئ السّراج الّذي أضاءه الله، ولا نقطع أمطار رحمة الرّحمن، ولا نمنع البركة السّماويّة. وكي نوفّق إلى أن نزيّن العالم الإنسانيّ، وأن ننير الشّرق والغرب وأن نربط جميع الأمم بعضها ببعض وأن نهدم بنيان الحرب ونكون سببًا لألفة القلوب. هذا منتهى آمالنا، وهذا هو رجاؤنا

ونسأل الله أن يوفّقنا إلى ذلك.
لقد أشرق حضرة بهاء الله من أفق إيران بنورانيّة الهداية. وكتب إلى جميع الملوك رسالات خاصّة ودعاهم جميعًا إلى الصّلح الأكبر، وأسدى النّصح لهم جميعًا. ومن بين هؤلاء نابليون الثّالث الّذي كان حاكمًا لباريس. وقد ظلّ حضرة بهاء الله مدّة خمسين عامًا حتّى يوم صعوده يبذل الجهد من أجل أن تنجذب القلوب تدريجيًّا إلى الصّلح الأكبر. فالحمد لله إنّ هذا النّور في انتشار، وإنّ علم الصّلح الأكبر سيرتفع إن شاء الله. ونحن نبذل الجهد ليل نهار كي يتنوّر عالم البشر وتشرق شمس الحقيقة على الشّرق والغرب جميعًا.

الحكمة الإلهيّة
الخطبة المباركة في باريس في مجمع التّياصفة
الكبير ليلة الخميس في 6 كانون الأوّل سنة 1911
هو الله
الحكمة الإلهيّة أعظم فضائل العالم الإنسانيّ والحكمة هي الاطّلاع على حقائق الأشياء على ما هي عليه.
والعلم والإحاطة بحقائق الأشياء أمر مستحيل من دون الحكمة الإلهيّة لأنّ العلم قسمان: أحدهما تصوّري والآخر تحقّقي أو بعبارة أخرى: حصوليّ وحضوريّ.
فمثلاً يعلم كلّنا أنّ هنالك ماء ولكن علمنا هذا تصوّر محض. أمّا عندما نشربه فإنّ علمنا يصبح تحقّقيًّا. لهذا قيل إنّ العلم التّامّ هو التّحقّق من الشّيء لا التّصوّر للشّيء.
ومثلاً لو علم إنسان أنّ هنالك مائدة ونعمة موجودة فإنّه لا يحصل على اللّذة بمجرد هذا التّصوّر أمّا إذا تناول من هذه المائدة فإنّه يتلذّذ ويتغذّى وبعد هذا يحصل لديه التّحقّق العلميّ التّامّ.
ومثلاً يعلم الإنسان أنّ هناك في الدّنيا شيئًا يسمّى العسل لكنّ هذا لا يكفي ولا يجعله يتذوّق طعم الحلاوة بل يجب عليه أن يذوق العسل حتّى يحصل على علم بطعمه.

إذن فالحكمة هي الاطّلاع على حقائق الأشياء على ما هي عليه ذوقًا وتحقّقًا.
لهذا خلق الله الإنسان جامعًا لجميع الحقائق. فمثلاً نجد أنّ هنالك مراتب للوجود إمّا هي جماد أو هي نبات أو هي حيوان. والإنسان نوع ممتاز جامع لجميع الكمالات الجماديّة والكمالات النّباتيّة والكملات الحيوانيّة. فالكمالات الجماديّة مثلاً أمور جسمانيّة وتركيب للعناصر وتحقّق للصّورة والمثال. وهذا الكمال موجود في الإنسان. أمّا الكمالات النّباتية فهي القوّة النّامية وهذه موجودة أيضًا في الإنسان. والكمالات الحيوانيّة هي قوّة الحسّ وهذه القوّة موجودة أيضًا في الإنسان.
إذن ففي الإنسان شموليّة ومعنى ذلك أنّه متضمّن على جميع الكمالات الجماديّة والنّباتيّة والحيوانيّة. وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه الشّموليّة مؤيّدة بقوّة الرّوح وبتلك الرّوح يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات فهو أشرف الموجودات والجامع لجميع الكمالات الكونيّة ومظهر الفيوضات الرّحمانيّة والمستفيض من الكمالات الرّبانيّة.
فإنّ كلّ اسم وصفة تصف بهما الله تعالى تجد منهما آية في الإنسان فمثلاً تصف الله بأنّه بصير وآية البصر عين الإنسان وإن لم تكن لديك عين تبصر بها لما تصوّرت بصيرة الله. ومن جملة الكمالات الإلهيّة السّمع ومن جملة الكمالات الإلهيّة الجود ومن جملة الكمالات الإلهيّة الإرادة ومن جملة الكمالات الإلهيّة القدرة فهذه هي كمالات إلهيّة تنعته بها. ولكلّ واحد من هذه الكمالات آية في الإنسان. إذن فهذه الكمالات فيض إلهيّ ولهذا فالإنسان جامع للكمالات الكونيّة ومستفيض من الكمالات الإلهيّة.
ولهذا السّبب صار الإنسان قاهرًا لجميع الكائنات ومتغلّبًا عليها.

لأنّ جميع الكائنات العلويّة والسّفليّة أسيرة للطّبيعة. فالشّمس على ما هي عليه من العظمة أسيرة للطّبيعة والبحر على سعته أسير للطّبيعة وجميع الأجرام السّماويّة العظيمة أسيرة للطّبيعة ولا تستطيع التّجاوز قيد شعرة عن قانون الطّبيعة. والشّمس لا تنحرف عن مركز مدارها والأرض لا تتجاوز مدارها وجميعها محكومة للطّبيعة ولكنّ الإنسان على العكس منها حاكم على الطّبيعة.
فمثلاً بمقتضى الطّبيعة وأحكامها نجد كائنًا حيًّا خلق ليعيش على اليابسة وهو ليس هوائيًّا ولا مائيًّا ومع هذا فإنّه يكسر قانون الطّبيعة فيطير في الهواء ويجول فوق سطح البحر كما يجول في الميادين ويقود سفينة تحت سطح الماء وهذه أمور مخالفة لقانون الطّبيعة العام كما أنّه يحبس في الزّجاجة القوّة الكهربائيّة العاتية الّتي تشق الجبال شقًّا ويجعلها خادمة له تحمل على كاهلها جميع الأحمال. والحال أنّ هذه القوّة بموجب قانون الطّبيعة قوّة حرّة طليقة قاهرة لجميع الأشياء ولكنّها صارت مقهورة للإنسان. إذن اتّضح أنّ الإنسان يخرق قانون الطّبيعة ولهذا فهو أشرف جميع الكائنات لأنّه ذات شموليّة كاملة.
والعجيب أنّ المادّيّين غفلوا عن هذه النّقطة ويصرّون على القول في تعاليمهم إنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة ولا يستطيع شيء أيّ كان من الأشياء أن يتجاوز قانون الطّبيعة والحقيقة أنّ الإنسان يخرق قانون الطّبيعة. فمثلاً يستكشف الأفلاك وهو على سطح الأرض كما ترى ويكشف الأمور الّتي هي بموجب قانون الطّبيعة سرّ مكنون وفي حيّز الغيب المستور ويجعلها في حيّز الشّهود. فمثلاً القوّة الكهربائية وجهاز التّصوير وجهاز الحاكي كانت كلّها في القرون الماضية سرًّا مكنونًا ورمزًا مخزونًا وكان اختفاؤها واجبًا بمقتضى الطّبيعة أمّا عقل الإنسان الّذي هو موهبة إلهيّة فقد نقل هذا السّرّ المكنون من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود.

إذن برغم كون الكائنات جميعها أسيرة للطّبيعة فإنّ الحقيقة الإنسانيّة غالبة على الطّبيعة. سبحان الله كيف يحسب المادّيّون الطّبيعة فاعلة مطلقة؟ وكيف يعبدونها في الوقت الّذي فيه نراهم وقد قهروها؟ وفوق هذا يستدلّون على الطّبيعة بأدلّة فيقولون إنّ الوجود عبارة عن تركيب العناصر وإنّ الفناء عبارة عن تحليلها. فمثلاً تركّبت عناصر ومن ذلك التّركيب وجد الإنسان وعندما يتحلّل هذا التّركيب ويتفرّق يكون الموت وما دام وجود الأشياء عبارة عن تركيب العناصر وموتها عبارة عن تحليلها فما الحاجة إذًا إلى صانع قدير فريد؟
ولكنّهم لا يفكّرون أنّ التّركيب على ثلاثة أنواع: فهو إمّا تركيب بالصّدفة للعناصر أو تركيب إلزاميّ لها أو تركيب بإرادة الحيّ القدير.
فلو قلنا إنّ تركيب العناصر هو تركيب بالصّدفة لوجب أن نقول بحدوث المعلول بدون علّة وهذا واضح البطلان.
ولو قلنا إنّ تركيب العناصر ناتج عن اللّزوم الذّاتيّ لها لوجب أن نعترف أنّ اللّزوم الذّاتيّ لا يمكنه الانفكاك فمثلاً الحرارة لزوم ذاتيّ للنّار والرّطوبة لزوم ذاتيّ للماء. فالحرارة لا تنفكّ عن النّار والرّطوبة لا تنفكّ عن الماء. إذن ما دام هذا التّركيب لزومًا ذاتيًّا فلا يمكن أن يكون له تحليل أو تفريق لأنّ اللّزوم الذّاتيّ لا يناله انفكاك. إنّ هذا النّوع الثّاني ليس أيضًا السّبب في تركيب العناصر. إذن فما الّذي بقي؟ إنّه النّوع الثّالث وهو تركيب العناصر بتقدير الحيّ القدير.
إذن ينحصر تركيب العناصر بهذا النّوع الثّالث. وهكذا يثبت أنّ هناك موجدًا وخالقًا للكائنات.
وخلاصة القول لقد اتّضح بالأدلّة العقلية الواضحة وضوح الشّمس أنّ عقل الإنسان وروحه مدركان لحقائق الأشياء. لماذا؟ لأن عقل الإنسان محيط بالأشياء وروح الإنسان محيطة بالأشياء ولكنّ

النّفس النّاطقة والرّوح الإنسانيّة الّتي هي الحاملة لهذه القوّة مهما كانت في منتهى النّفوذ ولكنّ نفوذها محدود. دليل ذلك أنّ تأثير عظماء الفلاسفة وحكماء السّلف والخلف محدود وقد ربّوا نفوسًا معدودة أو ربّوا أنفسهم فقط.
ولكنّ نفوذ الرّوح القدس غير محدود وفيوضاتها غير محدودة ومهما زاد اطّلاع الإنسان على الحكمة والفلسفة وحصل على القدرة والمهارة فيهما فإنّه يظلّ محتاجًا إلى نفثات الرّوح القدس.
فمثلاً أفلاطون الّذي كان الفيلسوف الأقدم لدى اليونان وكذلك أرسطو وفيثاغورس وإقليدس كلّهم كانت دائرة نفوذهم محدودة وبرغم هذه القوّة الفلسفيّة والحكمة الّتي كانت لديهم لم يستطيعوا أن يربّوا إنسانًا يضحّي بحياته من أجل العموم.
أمّا النّفوس الّتي كانت مؤيّدة بالرّوح القدس فقد كان لها نفوذ بحيث سارع جمّ غفير من النّاس من تأثير أنفاسهم إلى ميدان الفداء، من أمثال هذه النّفوس بطرس الّذي لم يكن له على حسب الظّاهر علم. فقد كان هذا الشّخص صيادًا للأسماك ولم يكن له علم وفضل وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب إلى درجة لم يكن يعرف حساب أيّام السّبت ومع هذا فإنه لمّا تأيّد بنفثات الرّوح القدس أثّر في عالم الوجود تأثيرًا جسيمًا وأيّ تأثير!
ومقصدي هو أنّ الإنسان مهما ارتقى في الحكمة وارتقى في الفلسفة فإنّه يبقى محتاجًا لنفثات الرّوح القدس، ومهما اكتسب الإنسان من الكمال فإنّ دائرة نفوذه تبقى محدودة. وإذا أراد أن يسيّر أفكار البشر فإنّ تحريكه لها يكون محدودًا ولا يكتسب صفة الشّمول والإحاطة.
ولكنّ أولياء الله أوجدوا في عالم الأفكار حركة عموميّة وظهرت

آثار غريبة فمثلاً حضرة إبراهيم مع أنّه كان ابن نحّات للأحجار فإنّه أوجد في عالم الفكر البشريّ حركة جديدة وكذلك حضرة موسى أوجد حركة عامّة في الأفكار البشريّة وكذلك أيضًا السّيّد المسيح فمع أنّه كان من أسرة فقيرة إلاّ أنّه أوجد في عالم الأفكار حركة عموميّة غير اعتيادية وعمّت سطوته أرجاء العالم. وكذلك حضرة محمّد فمع أنّه كان أميًّا إلا أنّه كان ذا نفوذ عجيب في مجال الأفكار العموميّة وأوصل الأمة العربية إلى أعلى درجات الكمال وكذلك حضرة الباب أوجد حركة عموميّة في عالم الأفكار.
إذن فقد اتّضح أن النّفوس المؤيّدة بالرّوح القدس لها نفوذ كامل بحيث إنّها تجدّد العالم وتهبه حياة أبديّة وتنير الشّرق والغرب وإنّ قدرتها وتأثيرها غير محدودين بل تمرّ آلاف السّنين ويبقى نفوذها. أمّا لو كان الإنسان غير مؤيّد بالرّوح القدس فإنّ حركته تظلّ محدودة مهما كان عالمًا ومؤسّسًا للفلسفة، واليوم لما انقطعت حركة الأفكار اللاّهوتية بصورة كلّيّة ونسخت الحكمة الإلهيّة وتغلّبت المادّيّات وسيطرت ظلمة الأوهام واختفت الحقيقة ظهر حضرة بهاء الله من أفق إيران وأوجد في عالم الأفكار حركة قويّة فوجد الإيرانيّون إحساسات ربّانيّة وأدركوا الحكمة الإلهيّة وتغيّرت أفكارهم وأطوارهم وأفعالهم بصورة كلّيّة.
وكان النّاس كلّهم أسرى التّقاليد فأصبحوا خلقًا جديدًا ونالوا روحًا جديدة وأشرق نور الحقيقة.
إنّ جميع الملل والأديان غارقة في بحر الأوهام ولم يبقَ من حقيقة الأديان الإلهيّة أثر ولا خبر وقبل النّاس كلّ ما سمعوه من الآباء والأجداد فاتّبعوه ولا زالوا يتّبعونه. فالطّفل اليهوديّ يصبح يهوديًّا والولد المسيحيّ يصبح مسيحيًّا والبوذيّ بوذيًّا والزرادشتيّ زرادشتيًّا. إذن فالجميع أسرى التّقاليد ويتّبعون تقاليد آبائهم وأجدادهم.

أمّا بهاء الله فقد قال إنّ التّقليد غير جائز ويجب تحرّي الحقيقة.
ثمّ إنّ بهاء الله تفضّل أنّ العلم والدّين توأمان لا ينفكّان عن بعضهما والدّين الّذي ليس متّفقًا مع العقل والعلم والفن ليس بدين بل هو تقاليد للآباء والأجداد وهو أوهام لأن العلم عبارة عن الحقيقة، إذن يجب أن يكون الدّين مطابقًا للعلم وإن لم يكن مطابقًا فهو باطل وأوهام.
وتفضّل أنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والمحبّة بين البشر وأن يؤلّف بين القلوب والأرواح فإن أصبح الدّين سبب العداوة فإنّ عدمه خير من وجوده.
وتفضّل أنّ الدّين يجب أن يكون سبب وحدة العالم الإنسانيّ لا سبب الاختلاف وكلّ دين حقّ لا بد أن يوحّد القبائل المختلفة فالدّين إن لم يكن سببًا لوحدة العالم الإنسانيّ فلا شكّ أنّ عدمه خير من وجوده.
وتفضّل أنّ الدّين يجب أن يزيل التّعصّب فإن لم يزله فليس بدين لأن الدّين هو اتباع الحقّ والله يحبّ جميع الخلق وهو في صلح وسلام مع جميع الخلق وهو رؤوف بجميع الخلق فيجب علينا اتّباع الله ويجب أن نحبّ جميع الخلق وأن نكون شفوقين بهم جميعًا إذًا يجب أن نغضّ الطّرف عن التّعصّب الجنسيّ والتّعصب الوطنيّ والسّياسيّ والمذهبيّ ونتحرّى الحقيقة لأنّ هذه التّعصّبات سبب الاختلاف بين البشر ومن أجلها سفكت الدّماء ونتيجتها هي نواح الأمّهات المسكينات بالويل والثّبور لمقتل أبنائهن. وهذا التّعصّب نتيجته فقدان الآباء أبنائهم وهذا التّعصّب هو الّذي يهدم الممالك. وكان هذا التّعصّب، ولا يزال سببًا لاضطراب العالم. أمّا لو ذهبت التّعصّبات فإنّ جميع البشر يأتلفون بمنتهى المحبّة في ما بينهم.

والمقصود أننا يجب أن نتّبع الله وننفّذ السّياسة الإلهيّة ولقد أراد الله أن نكون نحن أنوارًا فلماذا نكون ظلاّمًا؟ وأراد الله أن نكون نحن مظهر الرّحمة والرّأفة فلماذا نكون مظهر الغضب والنّقمة؟ والله يحبّ جميع عبيده فلماذا لا نحبّهم نحن؟ وهو يرزق الجميع ويحيي الجميع ويحفظ الجميع وهوعلى شأن من الرّأفة عظيم فلماذا نكون قساة؟ فلو اتّبعنا نفثات الرّوح القدس فمن المؤكّد أن الرّحمة الإلهيّة وموهبة الرّبّ الغفور تشملنا وإن استفضنا من شمس الحقيقة كنّا نورًا للجميع ولو اقتبسنا الفيض من المركز كنّا للكلّ رحمة دون شكّ.
وإنّي هذه اللّيلة مسرور جدًّا وقد جئت إلى مجلس حضرت إليه هذه الذّوات المحترمة وتشرّفت بلقائهم فالوجوه ولله الحمد منيرة والقلوب طاهرة والأرواح مستبشرة بالبشارات الإلهيّة ومقصود الجميع هو تحرّي الحقيقة.
وإنّي أرجو الله أن يؤيّدكم ويوفّقكم جميعًا لعل تزداد الرّوحانيّة والحكمة الإلهيّة وتظهر أسرار الكائنات وتحيط الفيوضات حتّى تصبح فرنسا جنّة اللاّهوت.

حضرة زرادشت عليه السّلام
الخطبة المباركة ألقيت في رملة الإسكندريّة
في فندق فكتوريا في 4 آذار 1912
هو الله
من جملة المظاهر المقدّسة الإلهيّة كان حضرة زرادشت عليه السّلام نبوّته واضحة وضوح الشّمس وبرهانه ساطع ودليله لائح وحجّته قاطعة وقد ظهر زرادشت عليه السّلام في وقت كانت فيه إيران خرابًا يبابًا وكان أهلها في منتهى الخذلان وكانت الحرب الدّائمة مستعرة بين إيران وتركستان. ولقد استقرّت إيران قليلاً أيّام لهراسب لأنّه كان رجلاً تقيًّا يتحرّى الحقيقة ثمّ تربع كَشتاسب على سرير السّلطنة.
وخلاصة القول إنّه قد أحاطت بإيران ظلمات الذّلّ والهوان وفي هذا الوقت ظهر زرادشت فأنار إيران وأيقظ أهلها بعد أن تفكّكت قواها وتدنّت من جميع الجهات فتاه الإيرانيّون وسيطرت ظلمة الجهل في بلادهم ولكنّها بعثت مرّة أخرى من أثر تعاليم زرادشت ونالت روحًا جديدًا واتّجهت جهة الرّقيّ.
ومن الواضح أنّ تعاليم زرادشت عليه السّلام تعاليم سماويّة، وأنّ نصائحه ووصاياه إلهيّة، ولو لم يظهر عليه السّلام لمحيت إيران وفنيت. ولولا تعاليمه عليه السّلام لما بقي للإيرانيّين أثر ولا اسم ولحرموا من فضائل الإنسانيّة بصورة كلّيّة ولحجبوا عن الفيوضات

الرّبّانيّة بصورة كلّيّة. ولكنّ ذلك الكوكب النّورانيّ أنار أفق إيران وعدل عالم الأخلاق وربّى الإيرانيّين بالتّربية الإلهيّة.
وخلاصة القول إنّ نبوّته عليه السّلام واضحة كالشّمس. ومن العجيب أن يعترف النّاس بنبوّة موسى عليه السّلام وينكروا زرادشت عليه السّلام. إذ لمّا لم يذكر اسم زرادشت عليه السّلام بصورة صريحة في القرآن فقد أنكره أهل الفرقان واعترضوا عليه. والحقيقة أنّ بعض الأنبياء فقط ذكرت أسماؤهم في الفرقان ومعظمهم ذكرت صفاتهم ولم تذكر أسماؤهم ما عدا ثمانية وعشرين نبيًّا.. أمّا الآخرون فقد ذكر أكثرهم بالتّلويح دون التّصريح بأسمائهم. وأمّا بخصوص زرادشت عليه السّلام فيذكره القرآن كنبيّ بعث على سواحل نهر (آراس) وبهذا العنوان ذكر زرادشت عليه السّلام في القرآن بأنّه نبيّ "أصحاب الرّس" ولما لم يفهم حضرات المفسّرين كلمة "الرّس" فقد فسروها بمعنى البئر. ولمّا كان شعيب عليه السّلام قد ظهر في مدين وكان أهل مدين يشربون الماء من الآبار لذا ظنّ المفسرون أنّ النّبي الّذي بعث في الرّس كان شعيبًا عليه السّلام. وقد ذكر بعض المفسرين أنّ المقصود بالرّس هو نهر آراس وأنّه بعث عدد من الأنبياء هناك ولم تذكر أسماؤهم في القرآن وهكذا كان قولهم.
وخلاصة القول إنّ زرادشت عليه السّلام ذكر في القرآن باسم "نبيّ ضفاف الرّس" وإنّ عظمته واضحة كالشّمس وقد بقيت عظمته مستورة حتّى يوم ظهور الجمال المبارك وبعد ذلك رفع الجمال المبارك اسمه وذكر في الألواح أنّ زرادشت عليه السّلام كان أحد المظاهر المقدّسة الإلهيّة. وكما أنّ مكنونات الأرض تظهر عندما يهطل الغيث ويهب النّسيم وتشرق الشّمس كذلك حينما ظهر الجمال المبارك شمس الحقيقة وأشرقت أنواره ظهرت للعيان جميع الحقائق والأسرار، ومنها قضية زرادشت عليه السّلام. فقد ظلّ الفرس تائهين مدّة ألف سنة ونيّفًا

لا مأوى لهم ولا ملجأ لهم. ولكنّ الجمال المبارك ولله الحمد احتضنهم في كنفه وبعد ألف سنة أنقذهم من هذه الذّلّة ومن هذه المشقّة وأعلن نبوّة زرادشت عليه السّلام. وصارت هذه القضيّة أيضًا سببًا في ألفة العالم الإنسانيّ ومحبّته وارتباطه ووحدته. وقد وضع الجمال المبارك جميع الأمم تحت ظلّ جناح عنايته وواسى قلوب الجميع وترأّف بالجميع.
ولهذا فإنّ أمره رحمة للعالمين وظهوره سبب نجاة من على الأرض وسرور جميع الملل. وقد رفع حكم السّيف ووضع مكانه المحبّة الحقيقيّة ومحا التّباعد والتّنافر وأسّس الألفة والتّجاذب بين العموم. وقد نجّانا ولله الحمد من كلّ قيد وصالحنا مع جميع الملل وجعلنا محبّين للعالمين واعتبرنا من البهائيّين لهذا يتوجب علينا أن نرفع له الشّكر في كلّ آن ألف مرّة وأن نقوم بواجب العبوديّة له وهذا منتهى آمالنا وأمانينا. لاحظوا أيّة موهبة تلطّف بها! فهذا الجمع المجتمع الآن جاء من أماكن مختلفة وجاءت كلّ نفس من إقليم وبلد. وما أعظم الاختلاف الّذي كان بيننا وما أشد النّزاع الّذي كان بيننا. وما أكثر ما كنّا مبتعدين عن بعضنا. فتجلّى علينا بالصّفات الرّحمانيّة وجمعنا وألَّف بيننا ووحَّدنا وجمعنا حول مائدة في مكان مثل هذا المكان في بلاد الغربة فصرنا كلّنا في كمال المحبّة والألفة والاتّحاد مجتمعين حول هذه المائدة وليس لنا هدف غير عبوديّة العتبة المباركة ولا نبتغي غير المحبّة والألفة فقلوبنا مرتبطة بعضها ببعض وأرواحنا كلّها مستبشرة بعناية الجمال المبارك وكلّ هذا واضح شديد الوضوح في هذا الجمع الّذي نحن فيه. ترى ماذا سيحدث في المستقبل؟ وكيف ستتّحد جميع الملل والمذاهب والشّعوب والقبائل المختلفة المتحاربة المتنازعة؟ فالاتّحاد الموجود الآن هو بمثابة عنوان المقالة. ترى ماذا سيكون متن هذا المقال وشرحه؟ ومجلسنا هو ديباجة الكتاب ومنها تعرف حقائق هذا الكتاب ومعانيه.

وأملي أن يكون كلّ واحد منا حين يرجع إلى وطنه أو مسكنه آية من الآيات الإلهيّة وموهبة من المواهب الرّبّانيّة ويكون سببًا في ألفة القلوب وسببًا في اتّحاد النّفوس وارتباطها. فاخدموا الوحدة الإنسانيّة وكونوا خدّامًا لجميع البشر ومحبّين لجميع من على الأرض واجتمعوا بين الغريب والقريب وانظروا إلى العدو والحبيب نظرة واحدة وعاشروا الجميع في منتهى المحبّة والرّأفة وهذا منتهى آمالنا وأمانينا وإنّي على يقين بأنّكم ستعملون هذا.

مولد الرّسول الكريم
الخطبة المباركة ألقيت في رملة الإسكندريّة
في فندق فكتوريا في 6 آذار 1912
هو الله
إنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة كانت شموسًا نوّرت عالم الإمكان لعظيم الإشراق. وقد نور كلّ واحد منهم العالم وقت طلوعه، إلاّ أن كيفيّة طلوعهم كانت متفاوتة. فحضرة موسى أشرق كوكبه على الآفاق ولكنّه نشر شريعة الله بين بني إسرائيل بقوّة قاهرة ولم يتجاوز إلى مكان آخر بل حصرها في بني إسرائيل وحدهم.
وأعني بهذا أنّ كلمة الله وهبت بني إسرائيل روح الإيمان وأخذت بيد تلك الملّة في ظلّ شريعة حضرته نحو جميع مراتب الرّقيّ، فنموا وتوسّعوا حتّى وصلوا إلى عهد سليمان وداود. ولقد استغرق ذلك مدّة خمسمائة سنة حتّى انتشر الأمر الإلهيّ انتشارًا يليق به. ولقد كان بنو إسرائيل في زمان فرعون في نهاية الذّلّ والضّعف مستغرقين في الهوى والملذّات ومنغمسين في الرّذائل والموبقات، فارتقوا بقوّة حضرة موسى المعنويّة ونجوا من الظّلمات وصاروا سببًا في تنوير الآفاق وتربّوا وفق التّربية الإلهيّة إلى أن بلغوا منتهى درجة الرّقي. وبعد ذلك انحرفوا عن الصّراط المستقيم، وانصرفوا عن المنهج القويم، ووقعوا

مرّة أخرى في الذّلّ القديم، إلى أن جاءت دورة حضرة المسيح وطلع الكوكب العيسويّ وفي أيّام حضرته اهتدت فئة بنور الهداية واشتعلت بنار محبّة الله وانجذبت وانقطعت عمّا سوى الله وانصرفت عن راحتها وعن عزّتها وعن حياتها ونسيت جميع شؤونها، إلاّ أنّها كانت فئة قليلة وفي الحقيقة كان عدد المؤمنين الحقيقيّين اثني عشر نفرًا وأعرض عن الحقّ واحد منهم واستكبر، فانحصرت عدّتهم بأحد عشر نفرًا وبضع نساء. وقد مرّت ثلاثمائة سنة لم ينتشر أمر حضرته انتشارًا كبيرًا ثمّ نفذت كلمة الله وبلغ نداء ملكوت الله جميع أطراف الأرض وأحيت روحانيّة حضرته العالم ونوّرته بنورها. ثمّ جاء زمان حضرة الرّسول عليه السّلام وطلعت شمس حضرته، ولكنّه ظهر في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا نبات بعيدة عن سيطرة الملوك ولا تسودها قوّة ولم تنفذ إليه قوى سائر الممالك، بل كانت القوّة محصورة في بضع قبائل كانت هي في منتهى الضّعف ولكنّها كانت ذات صولة بالنّسبة لغيرها من القبائل. وكانت قبيلة قريش أعظم تلك القبائل وكانت أعظم قوّة لها لا تزيد على الألف شخص، وكانت تحكم مكّة وكانت المعيشة في بادية العرب عارية عن النّظام والسّلطة، وكان سلاحهم عبارة عن السّيف والرّمح والعصا. لقد رفع حضرته أمر الله بقوّة قاهرة ومن المعلوم أنّ كلّ نفس ترى القوّة القاهرة تخضع وتخشع ولها يستسلم كلّ عاصٍ ويطيع. فلو أنّ إنسانًا قرأت له ألف كتاب من النّصائح ولم يتأثّر بها واستدللت له بدلائل وبيّنت له بيّنات تؤثّر حتّى في الصّخر الأصمّ ولكنّها لا تؤثّر فيه، فإنّه بأقلّ قوّة قاهرة يتأثّر إلى درجة يخضع خضوعًا تامًّا ويخشع خشوعًا ويقوم بامتثال الأمر، فحضرة الرّسول رفع أمره بالقوّة القاهرة وبها رفع رايته ونشر شريعة الله. أمّا الجمال المبارك وحضرة الأعلى فقد ظهرا في زمان زلزلت فيه قوى الدّول القاهرة أركان العالم ولم يعتكفا في مكان خالٍ من العمران بل ظهرا في قطب آسيا

وأعداؤهما مسلّحون بأنواع الأسلحة. ولم تكن قصّة قريش بل إنّ كلّ دولة تجول في ميدان الحرب بخمسة آلاف مدفع ومئات الألوف من الجيوش وأقصد بهذا أنّ جميع الدّول في منتهى القدرة وجميع الملل في منتهى القوّة والعظمة. ولو رجعتم إلى التّاريخ لرأيتم أنّ دول العالم لم تكن في أيّ عصر أو قرن بهذه القوّة، ولم تكن ملل العالم على هذا الانتظام. ففي وقت كهذا طلعت شمس الحقيقة من الأفق الرّحمانيّ، إلاّ أنّها طلعت في منتهى المظلوميّة وحيدة فريدة لا معين لها ولا نصير. وكانت قوى العالم قائمة على مقاومة الجمال المبارك على الدّوام. وقد وردت على الوجود المبارك كلّ أنواع المصائب في موارد البلاء ولم تبقَ بليّة لم ترد على الوجود المبارك في منتهى درجة من الشّدة. فقد كفَّره الجميع وحقّروه وضربوه ضربًا مبرّحًا وسجنوه ونفوه وأخيرًا أخرجوه من وطنه بمنتهى المظلوميّة ونفوه إلى العراق ثمّ نفوه مرّة أخرى إلى إسطنبول ونفوه مرّة ثالثة من إسطنبول إلى الرّوميلّي وبعد ذلك أرسلوه إلى أخرب قلاع العالم –قلعة عكّا- وسجنوه هناك. ولا يمكن تصوّر مكان للنّفي والحبس أردأ من هذا المكان ولا يمكن أن يكون هناك نفي أعظم من هذا النّفي الّذي كان أربع مرّات والّذي انتهى أخيرًا إلى قلعة مثل قلعة عكّا. ولم يحدث في التّاريخ أن ينفى إنسان أربع مرّات من محلّ إلى محلّ ويستقرّ أخيرًا في السّجن الأعظم، ومع هذا يقوم من داخل السّجن ومن تحت السّلاسل والأغلال بمقاومة من على الأرض وأعني مقاومة جميع الملوك والملل. وفي الوقت الّذي كان فيه تحت مخالبهم وزجرهم صدرت ألواحه للملوك ونزلت إنذاراته الشّديدة، ولم يهتمّ أبدًا في السّجن بأيّة دولة من الدّول. وخلاصة القول إنّ أمره أحاط العالم في السّجن وتحت السّلاسل أبلغ نغمة كلمة الله إلى الشّرق والغرب ورفع راية الملكوت وسطعت أنواره ولم تستطع جميع قوى العالم مقاومته، ولو أنّه كان على حسب الظّاهر سجينًا

ولكنّه كان ممتازًا عن بقيّة المسجونين لأن كلّ مسجون يكون ذليلاً وحقيرًا في سجنه وقد سارت القاعدة العامّة على هذا المنوال ولكنّ حضرته لم يكن كذلك، فمثلاً كان جميع أولي المناصب وجميع الموظفين خاضعين خاشعين عند حضورهم في ساحته المقدّسة وكان يشهد جميع الزّائرين من الأحبّاء عيانًا أنّ بعض الأمراء المدنيّين والعسكريّين كانوا يرجون التّشرّف بنهاية الالتماس ولكنّ حضرته كان لا يقبل ذلك ولقد أراد متصرّف عكّا مصطفى ضياء باشا التّشرّف لمدّة خمس دقائق ولكنّ حضرته لم يقبل إذ كان فرمان السّلطان ينصّ على أن يكون الجمال المبارك سجينًا في إحدى الغرف وأن لا يسمح لأحد بالتّشرّف به ولو كان من عشيرته وأهله وأن يبذل أقصى الانتباه لئلا يصل إلى محضره الأقدس أحد ففي مثل هذا الوقت ارتفعت أسس دار الضّيافة وتعالت خيمته المباركة على جبل الكرمل وكان يأتي المسافرون من جهة الشّرق ومن جهة الغرب ومع أنّ فرمان السّلطان كان على هذا الشّكل ولكنّ حضرته لم يكن يعتني بفرمان السّلطان الخاصّ بتضييق السّجن عليه ومع أنّ حضرته كان في السّجن ولكنّ الجميع كانوا خاضعين أمامه وكان بحسب الظّاهر محكومًا ولكنّه في الحقيقة كان حاكمًا وكان بحسب الظّاهر سجينًا ولكنّه كان في منتهى العزّة.
وموجز القول إنّ الجمال المبارك رفع أمره تحت السّلاسل وهذا برهان لا يستطيع أحد نكرانه وكلّ شخص يبعد وينفى يصبح ذليلاً جبانًا بل يفنى ويضمحلّ ولكنّ نفي الجمال المبارك صار سببًا لإعلاء الأمر وكلّ شخص يسجن يكون سجنه سبب اضمحلاله ولكنّ سجن الجمال المبارك كان سبب استقلاله وكلّ شخص تهجم عليه الجماهير ينعدم ويفنى ولكنّ هجوم الجماهير على الجمال المبارك صار سببًا لإشراق الأنوار فسطعت أنواره ولمعت آياته وتمّت حجته ولاح برهانه.
هذا وإنّ هذه اللّيلة ليلة ميلاد حضرة الرّسول ولقد احتفل

حضرات المسلمين بالمولد وإنّ احتفال حضراتهم هو عادة من عادات ألف سنة يسيرون وفق طقوسها وقواعدها وآدابها ولكنّ لهذا المولد في الحقيقة آثارًا جديدة ظهرت في العالم ونتائج مفيدة حصلت ولقد كان هذا المولد سببًا في تغيير وتبديل الوضع في قارّة آسيا من حال إلى حال أخرى وأنتج تأثيرات عجيبة في ذلك الحين ولكنّ حضراتهم لم يعرفوا ماذا يصنعون بعد حضرته فظهر في كلّ رأس من الرّؤوس ميل من الميول وارتفعت من كلّ حنجرة من الحناجر نغمة خاصّة، وخلاصة القول لم يتركوا ذلك النّور السّاطع يتألّق بل شغلوا بالنّزاع والجدال وحمل كلّ واحد على الآخر حملة الحيوانات الكاسرة. لقد كانت ليلة المولد في الحقيقة ليلة مباركة للقارّة الآسيويّة ولكنّ القوم لم يسمحوا لها أن تبقى كذلك بل قاموا بالنّهب والسّلب والنّزاع والجدال.
أمّا نحن أرقّاء الجمال المبارك وعبيد عتبته فإنّنا غرقى بحر عنايته وساكنون في ساحل شريعته ومشمولون بلحظات عين رحمانيّته لعلنا نكون أوفياء لعتبته المباركة وننهج نهجًا نكون فيه السّبب لنورانيّة الأمر ولعلو الأمر ولروحانيّة الأمر المبارك حتّى تذوق الأرواح حلاوة تعاليم الجمال المبارك ولكنّ هذا مشروط بشرط واحد هو أن نعمل وفق الوصايا والنّصائح المباركة ويقيني سوف يتنوّر العالم ولكنّ الشّرط لحصول ذلك هو العمل بوصايا ونصائح الجمال الأبهى.

يوم النّيروز
الخطبة المباركة في رملة الإسكندريّة في فندق
فيكتوريا يوم النّيروز الموافق 20 آذار 1912
هو الله
من العادات القديمة أن يكون لكلّ أمّة يوم من أيّام الفرح العام وفي ذلك اليوم تبتهج جميع الأمّة وتهيَّأ وسائل البهجة والسّرور. أي أنّ النّاس ينتخبون من أيّام السّنة يومًا واحدًا وقعت فيه واقعة عظمى أو أمر جليل ويظهرون في ذلك اليوم منتهى السّرور والحبور والابتهاج فيزور بعضهم بعضًا وإذا كانت بينهم كدورة فإنّهم يجتمعون ويزيلون ذلك الكدر والاغبرار وانكسار القلوب ويقومون مرّة أخرى على الألفة والمحبّة. وحيث إنّه وقعت لإيرانيّين في يوم النّيروز أمور عظيمة لهذا اعتبرت الأمة الإيرانيّة النّيروز يومًا بهيجًا وجعلته عيدًا وطنيًّا لها.
وفي الحقيقة إنّ هذا اليوم مبارك جدًّا لأنّه بداية الاعتدال الرّبيعي وأوّل الرّبيع في النّصف الشّمالي من الكرة الأرضيّة وتجد جميع الكائنات الأرضيّة أشجارًا وحيوانات وإنسانًا روحًا جديدًا فيه، وتجد نشاطًا جديدًا من النّسيم المحيي للأرواح فتنال روحًا جديدة وحشرًا ونشرًا بديعين لأنّ الفصل فصل الرّبيع، وتظهر في الكائنات حركة عموميّة بديعة.
لقد حدث في إيران في أحد الأزمان أن اضمحلّت السّلطنة ولم

يبقَ منها أثر ثمّ تجدّدت في هذا اليوم وجلس جمشيد على العرش ونالت إيران الرّاحة والاطمئنان فنشطت قوى إيران المفكّكة مرّة أخرى وتجلّى على القلوب والأرواح اهتزاز عجيب بحيث وصلت إلى أسمى ما وصلت إليه في عهد سلطنة كيومرث وهوشنك ووصلت عزّة الدّولة والأمّة الإيرانيّة إلى درجة أعلى من العزّة والعظمة وكذلك وقعت وقائع عظيمة جدًّا في يوم النّيروز كانت سبب فخر إيران وعزّتها. ولهذا تعتبر الأمّة الإيرانيّة هذا اليوم منذ ما يقارب الخمسة والسّتة آلاف سنة يومًا سعيدًا ويستفتحون به ويعتبرونه يوم سعادة الأمة وبركتها ويقدّسون هذا اليوم ويعتبرونه مباركًا إلى يومنا هذا.
وخلاصة القول إنّ لكلّ ملّة يومًا تعتبره يوم سعادتها وفيه تهيّئ وسائل سرورها. وهناك في الشّرائع المقدّسة الإلهيّة في كلّ دور وكور أيّام سرور وحبور وأعياد مباركة. وفي تلك الأيّام يكون الاشتغال بالتّجارة والصّناعة والزّراعة محرمًا بل يجب أن يشغل الجميع بالسّرور والحبور ويحتفلوا احتفالاً عامًا لائقًا يتّسم بالوحدة حتّى تتجسد في الأنظار ألفة الأمّة واتّحادها.
وحيث إنّه يوم مبارك فيجب أن لا يقضى عبثًا وسدًى دون نتيجة بحيث تنحصر ثمرة ذلك اليوم بالسّرور والحبور. وفي يوم كهذا يجب تأسيس مشروع تبقى فوائده دائمة لتلك الأمّة حتّى يبقى مشهودًا معروفًا على الألسن ويكتب في التّاريخ أنّ المشروع الفلاني قد تأسّس في نوروز السّنة الفلانيّة، إذن يجب على العقلاء أن يتحرّوا ويحقّقوا في ذلك اليوم في ما تحتاج الأمة من الإصلاحات، وأيّ أمر خيريّ يلزمها وأيّ أساس من أسس السّعادة يجب وضعه حتّى يتأسّس ذلك الإصلاح وذلك الأمر الخيريّ وذلك الأساس في ذلك اليوم. فمثلاً لو وجدوا أنّ الأمّة تحتاج إلى تحسين الأخلاق ففي ذلك اليوم يؤسّسون مؤسّسة لتحسين الأخلاق فإذا كانت الأمّة تحتاج إلى نشر العلوم وتوسيع دائرة

المعارف يتّخذون في هذا الخصوص قرارًا أي يلفتون أنظار العموم نحو ذلك المشروع الخيريّ ولو وجدوا أنّ الأمّة تحتاج إلى توسيع دائرة التّجارة أو الصّناعة أو الزّراعة فإنّهم يشرعون في ذلك اليوم بالوسائط المؤدّية إلى ذلك المقصود أو إنّهم يلاحظون أنّ الأمّة تحتاج إلى حماية الأيتام وسعادتهم وإعاشتهم فإنّهم يقرّرون إسعاد الأيتام وقس على ذلك. فتتأسّس في ذلك اليوم مؤسّسات تفيد الفقراء والضعفاء البائسين حتّى تحصل في ذلك اليوم من الألفة العموميّة والاجتماعات العظيمة نتيجة ويتجلّى يمن وبركة ذلك اليوم. وخلاصة القول إنّ يوم النّيروز يوم مبارك جدًّا في هذا الدّور البديع أيضًا ويجب على أحبّاء الله في هذا اليوم أن يتّفقوا في الخدمة والعبوديّة ويجب أن يتكاتفوا في منتهى الألفة والمحبّة والاتّحاد وينشغلوا بذكر الجمال المبارك بكمال الفرح والسّرور وأن تتّجه أفكارهم إلى إيجاد نتائج عظيمة في مثل هذا اليوم المبارك وليس هناك اليوم نتيجة أو ثمرة أعظم من هداية الخلق لأنّ البشر المساكين محرومون من جميع المواهب الإلهيّة وبصورة خاصّة إيران والإيرانيّون فيجب على أحبّاء الله ولا شكّ في هذا اليوم أن يتركوا لهم آثارًا خيريّة مادّيّة أو آثارًا خيرية معنويّة بحيث تشمل هذه الآثار الخيريّة جميع النّوع البشريّ. لأنّ كلّ عمل خيريّ في هذا الدّور البديع يجب أن يكون عموميًّا أي أن يشمل جميع البشر ولا يقتصر على البهائيّين وحدهم. ففي جميع أدوار الأنبياء كانت المشاريع الخيرية مقصورة على الملّة وحدها ما عدا المسائل الجزئيّة كالصّدقة فقد أجازوا شمولها العموم أمّا في هذا الدّور البديع فحيث إنّه دور ظهور الرّحمانيّة الإلهيّة فإنّ جميع المشاريع الخيريّة تشمل جميع البشر بدون استثناء لهذا فكلّ مشروع عموميّ يتعلّق بعموم العالم الإنسانيّ هو مشروع إلهيّ وكلّ أمر خصوصي ومشروع لا يتعلّق بالعموم فإنّه محدود. لهذا أتمنّى أن يكون كلّ واحد من أحبّاء الله رحمة إلهيّة لعموم البشر وعليكم البهاء الأبهى.

تعاليم بهاء الله
ألقى حضرة عبد البهاء الخطبة التّالية على ظهر الباخرة
سدريك هوايت ستارلاين كومباني في سفره المبارك
إلى أمريكا ليلة الخميس 28 آذار 1912
هو الله
أشكر الله على جمعه في هذا المحفل أجناسًا مختلفة فنحن من أهل الشّرق وأنتم من أهل الغرب. إنّ هذا الاجتماع لدليل على إمكانيّة التّآلف بين الشّرق والغرب لأنّ أوّل تجلٍّ فيه هو تجلّي المحبّة. ونشكر الله لأنّه تهيّأت لنا وسائل المحبّة والألفة.
عندما ننظر إلى الكائنات نرى أنّ لكلّ كائن كمالات. فللجماد كمالات وللنّبات كمالات ولكنّ عالم النّبات يملك كمالات الجماد فضلاً عمّا لديه من كمالات نباتيّة. وكذلك الحيوان يملك كمالات نباتيّة فضلاً عمّا لديه من كمالات حيوانيّة. ونصل أخيرًا إلى الإنسان الّذي هو اشرف جميع المخلوقات وجامع لجميع الكمالات الخاصّة بالجماد والنّبات والحيوان وحائز فوق ذلك على الكمال الإنسانيّ الخاصّ به.
وحينما ننظر إلى التّاريخ البشريّ نرى أنّ العالم الإنسانيّ منذ البداية ولا يزال حتّى الآن متوجّهًا نحو الكمال ومع أنّ كمالاته غير

محدودة إلاّ أنّه لم يصل حتّى الآن إلى الرّقيّ التّامّ وإلى درجة البلوغ وهكذا شهدت القرون الأولى والقرون الوسطى والقرون الأخيرة حروبًا مستديمة إمّا بين دولتين أو بين أمّتين أو بين دينين أو بين مذهبين. وقد تهدّمت بنتيجتها آلاف البيوت وأصبح مئات الألوف من الأبناء أيتامًا وثكلت مئات الألوف من الأمّهات أبناءهنّ. لهذا فإنّ العالم الإنسانيّ لم يصل بعد إلى الكمال. فهذا الافتراس لائق بعالم الحيوان لا بعالم الإنسان. وما يليق بالإنسان هو المحبّة. ولا تليق الحروب والمشاحنات إلاّ بالحيوانات المفترسة.
إنّ الحيوانات المفترسة تفترس بقدر ما يلزمها لقوتها الضّروري أمّا الإنسان فإنّه يقوم بالقتل لا من أجل قوته الضّروري بل من أجل إبراز شهرته وإظهار قدرته وإشهار سطوته وصولته. والإنسان لا يملك آلة الافتراس أي المخالب والأنياب المعقوفة الّتي لدى الذّئاب والكلاب بل يملك الأسنان لأكل الحبوب والفواكه. ومع هذا فإنّه مفترس متعطّش للدّماء. والحيوانات لا تفترس حيوانات من جنسها بل تفترس حيوانات من جنس آخر ليكون طعامًا لها. فالأسد مثلاً لا يفترس شبله، لكنّ كثيرًا من الملوك قتلوا حتّى أولادهم. إذن فالإنسان الغافل الظّالم أشدّ افتراسًا من الحيوان.
لهذا جاء جميع الأنبياء لتعليم المحبّة وكان الدّين الإلهيّ أساس الألفة والمحبّة ولكن ويا للأسف جعل النّاس كلّ ما كان سبب الألفة والمحبّة علّة العداوة وحدثت باستمرار حروب متنوّعة سواء كانت حروبًا عرقيّة أم حروبًا دينيّة أم حروبًا سياسيّة أم حروبًا وطنيّة. مع أنّ النّوع الإنسانيّ كلّه جنس واحد وجميعهم سلالة آدم وجميعهم أهل وطن واحد فلماذا يختلفون؟ ولماذا يتحاربون؟
لقد خلق الله الجميع جنسًا واحدًا وخلق الأرض كرة واحدة وخلق الجميع سلالة واحدة، فهل يليق أن يخرّب بعضهم ممالك البعض الآخر ويهلك بعضهم البعض الآخر؟

لاحظوا الأمّ المسكينة وكم تلاقي من الغصص وتتحمّل من المشاق مدّة عشرين سنة فلا تنام ليلها ولا تستقرّ نهارها كي يكبر ولدها ويصير شابًّا لطيفًا. وفجأة يسلب الحكّام ذلك الشّاب الوسيم القامة ويضعونه أمام المدفع ويسلّمونه إلى القتل دون هدف أو نتيجة.
لاحظوا كم من دماء سفكت حين تغلّبت فرنسا على ألمانيا، ثمّ عادت ألمانيا فتغلّبت عليها. وكم أتلف من النّفوس كلّ مرّة دون نتيجة! وكيف أنّ في النّهاية يفنى الجميع.
والدّولة اليونانيّة في سالف الزمان فتحت كثيرًا من الممالك فماذا كانت العاقبة؟ وأخضع الرّومان جميع أوروبّا فماذا كانت العاقبة؟ لقد قام هؤلاء بفتوحات أفني بنتيجتها هباء أربعة ملايين من النّفوس! فماذا كانت النّتيجة؟ لقد غلبوا في النّهاية. قسمًا بالعزّة الإلهيّة إنّ مثل هذا الاقتتال لا يليق حتّى بالعالم الحيوانيّ فكيف بالإنسان!
والله الرّؤوف خلقنا جميعًا وهو يرزق الجميع ويرأف بهم. إذن يجب أن نتّبع السّياسة الإلهيّة، إنّ الإنسان مهما بذل من جهد فإنّه لن يستطيع أن يؤسّس سياسة أفضل من السّياسة الإلهيّة. إنّ الله في سلم مع الجميع فلماذا نكون في حرب في ما بيننا؟ وهو رؤوف بالكلّ فلماذا نكون قساة بعضنا نحو البعض الآخر؟
وخلاصة القول إنّ القرون الماضية كانت قرون جهل أمّا هذا القرن فللّه الحمد قرن العلم وقرن الأخلاق وقرن التّمدّن وقرن اكتشاف حقائق الأشياء ولقد ارتقت العقول فيه واتّسعت دائرة الأفكار. وكم هو رائع أن تتحقّق في هذا القرن النّورانيّ وحدة العالم الإنسانيّ فتصبح جميع الفرق فرقة واحدة ويترك النّاس التّعصّبات الدّينيّة والتّعصّبات الجنسيّة والتّعصّبات الوطنيّة والتّعصّبات السّياسيّة.
ولقد ضحّى حضرة المسيح بروحه العزيزة من أجل هذا المقصد،

وأعطانا مثالاً لنقتدي به فيجب أن تفعلوا أنتم مثلما فعل. وبذل حضرة موسى جهده في هذا السّبيل أربعين عامًا. كما بذل حضرة إبراهيم الهمّة من أجل هذا المقصد ذاته كي نبذل نحن أيضًا الجهد المستمرّ في سبيل الألفة والمحبّة. لأنّ راحة البشر ونورانيّة العالم الإنسانيّ تكمنان في المحبّة والألفة.
وفي الوقت الّذي كانت تعيش الفرق والملل المختلفة في إيران وكان الفرس والعرب والمجوس واليهود والنّصارى والمسلمون والطّوائف والأديان المختلفة في منتهى المشاكسة ويعتبر بعضهم البعض الآخر نجسًا بحيث لم يكن اجتماعهم ممكنًا حول مائدة واحدة ففي مثل هذا الوقت ظهر حضرة بهاء الله من الشّرق ظهور الشّمس ورفع علم الوحدة الإنسانيّة وألَّف بين الأقوام المختلفة بحيث لو دخل أحد مجامع البهائيّين فإنّه لا يعرف أيّهم المسيحيّ وأيّهم المسلّم وأيّهم اليهوديّ وأيّهم الزّرادشتيّ.
والتّعليم الأوّل لحضرته هو وحدة العالم الإنسانيّ حيث تفضّل بالقول كلّكم عبيد إله واحد وفي ظلّ مربّ حقيقيّ واحد. وقد خلع الله على الجميع صفة الإنسانيّة. وغاية ما في الأمر أنّ بعضهم جاهل يجب إرشاده، وطفل تجب تربيته، مريض تجب معالجته. أفهل يليق أن لا نعتني بالمريض أو نكون قساة مع الطّفل؟
التّعليم الثّاني لحضرة بهاء الله هو تحرّي الحقيقة لأنّ الملل والأديان المختلفة لو تحرّت الحقيقة فإنّها تتّحد. ولقد روَّج حضرة موسى الحقيقة وكذا حضرة المسيح وحضرة إبراهيم وحضرة الرّسول وحضرة الباب وحضرة بهاء الله كلّهم أسّسوا الحقيقة وروّجوها.
التّعليم الثّالث لحضرة بهاء الله هو أنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والمحبّة فإن أصبح سبب الاختلاف فإنّ عدمه خير من وجوده.
التّعليم الرّابع لحضرة بهاء الله هو أنّ الدّين والعلم توأمان فإذا خالف الدّين العلم صار جهلاً. إذن يجب أن نطبّق جميع المسائل الدينيّة على العلم لأنّ ما يخالف العلم جهل. والحكمة والعقل السّليم يطابقان الدّين ويؤيّدانه ولا يخالفانه في شيء.
التّعليم الخامس لحضرة بهاء الله هو أنّ التّعصّب الدينيّ والتّعصّب السّياسيّ والتّعصّب الجنسيّ والتّعصّب الوطنيّ هادمة للبنيان الإنسانيّ وبوجود هذه التّعصّبات لا يمكن أن يرتقي العالم الإنسانيّ.
التّعليم السّادس لحضرة بهاء الله تساوي حقوق الرّجال والنّساء فيجب أن تتحقّق هذه المساواة كي يساوي النّساء الرّجال في جميع الكمالات.
التّعليم السّابع لحضرة بهاء الله هو تساوي حقوق الأفراد وتعديل نمط المعيشة ويجب أن ينال جميع البشر نصيبًا من السّعادة والرّاحة. فإذا عاش الغنيّ في قصرٍ عالٍ فيجب أن يكون للفقير كذلك عشّ حقير وإذا كان الغنيّ في منتهى الثّروة فيجب أن يكون للفقير أيضًا قوت كي لا يموت. ولكن يجب المحافظة على تفاوت الدّرجات لأنّه لا يمكن أن يكون الجميع متساوين.
التّعليم الثّامن لحضرة بهاء الله هو أنّ العالم الإنسانيّ مهما ارتقى رقيًّا مادّيًّا فإنّه يبقى محتاجًا لنفثات الرّوح القدس ولقد بذل القدماء جهدًا مخلصًا في سبيل إيجاد وسائل لتربية النّفوس بقوّة العقل لكنّ الفلاسفة استطاعوا فقط تربية أنفسهم وتربية بعض النّفوس القليلة لكنّهم لم يستطيعوا تربية العموم وكلّ قوّة تعجز عن تربية العموم ما عدا قوّة الرّوح القدس. فمثلاً حضرة المسيح قام بتربية العموم بقوّة الرّوح القدس وألّف بين الملل المختلفة بحيث تآلفت أمم الكلدان والمصريّين والرّومان واليونان والآشوريّين وغيرها بقوّة الرّوح القدس. إذن فالعالم

الإنسانيّ محتاج لهذه القوّة الإلهيّة كي يرتقي من ناحية العلم والعقل ومن الوجهة الرّوحانيّة أيضًا.
إنّ العقلية المادّيّة والسّياسيّة المادّيّة هي في أكثر الأحيان سبب التّفرّقة والاختلاف ويعتقد بعض السّياسيّين أنّ فلاسفة اليونان بثّوا بذور التّفرّقة بين الإيرانيّين كي يظلّوا ضعفاء. وكان هذا سبببًا في تشتّت الإيرانيّين في ما بينهم سنين عديدة. أمّا الرّوح القدس فقد كان سبب الاتّحاد والاتّفاق في ما بينهم.
إذن يجب علينا أن نبذل الجهد كي تصبح جميع أقاليم العالم إقليمًا واحدًا. فالعالم الإنسانيّ أشبه شيء بقطيع من الغنم وراعيه هو الله. فما دام الرّاعي رؤوفًا بالكلّ فلماذا تكون الأغنام متنازعة؟ ولا يجوز نسيان نصائح الرّاعي الرّؤوف كهذا. فقد أراد لنا الألفة فلماذا نريد لأنفسنا التّفرّقة وأرسل الأنبياء والأولياء كي نتّفق جميعًا فلماذا نختلف؟
الحمد لله إنّنا مجتمعون هذه اللّيلة في هذا المجمع المحترم. فأملي أن نكون سبب نورانيّة العالم الإنسانيّ وأن لا تهمّنا قلّة عددنا. فكثيرًا ما حدث أنّ أفرادًا قلائل معدودين قاموا بأمور مهمّة وتوفّقوا في إنجازها. فقد كان أصحاب حضرة المسيح قليلين ولكن بما أنّهم كانوا ذوي نوايا حسنة لذلك تغلّبوا على العالم. والآن وإن كنّا نحن قلّة هنا إلاّ أنّني أرجو أن نكون سبب القضاء على الحروب والمشاحنات. بحيث ينبغي لنا أن نبذل أرواحنا وأموالنا من أجل هذا المقصد العزيز كي يتحقّق الصّلح العموميّ. لأن كلّ أمر عموميّ هو إلهيّ وغير محدود وكلّ أمر خصوصيّ بشريّ ومحدود. فعلينا أن نضحّي بأمورنا الخصوصيّة من أجل الأمور العموميّة وإنّي أقوم بهذه الجولة من أجل ألفة الشّرق والغرب وأتمنّى أن تؤيّدوني أنتم أيضًا في مهمّتي.

لقد قضينا ستّة آلاف سنة في الحروب والمشاحنات ورأينا نتائج ذلك والآن يتوجّب علينا أن نصرف قسطًا من وقتنا وهمّتنا في سبيل المحبّة والألفة فإن لمسنا في ذلك ضررًا عدنا إلى ما كنّا عليه.
ولا شكّ أنّ النّورانيّة السّماويّة تتغلّب فتجعل النّاسوتيّ لاهوتيًّا والظّلمانيّ نورانيًّا. وإنّي أدعو الله من أجلكم كي توفّقوا إلى خدمة العالم الإنسانيّ. وسوف يأتي يوم تصبح فيه ملل الشّرق والغرب في كمال الألفة والاتّحاد في ما بينها.

بهائيّون حقيقيّون
الخطبة المباركة في بيت السّيّدة فيليب في
نيويورك – أمريكا في 12 نيسان 1912
هو الله
كان يومنا طيّبًا.
في هذا العالم النّاسوتيّ لم يبقَ لي سرور غير لقاء الأحبّاء وما عدا هذا فليس هنالك شيء يسرّني، فسروري سواء من النّاحية الجسميّة أو من النّاحية الرّوحيّة هو بلقاء الأحبّاء وبنشر نفحات الله ولهذا فقد قضيت يومي بكلّ سرور لأنّ تأييدات الملكوت الأبهى تصل تباعًا ولقاء الأحبّاء حاصل دومًا.
ولكنّ كمال سروري هو في أن أرى حضراتكم تقومون بموجب تعاليم حضرة بهاء الله وتعملون بمقتضاها وتنفّذون وصايا الجمال المبارك بقلوب منجذبة إلى محبّة الله وأرواح مهتزّة بنفحات الله وبأنفس منبعثة بالرّوح القدس.
فأوّل تعاليم حضرة بهاء الله هي المحبّة وذلك أن تسود المحبّة التّامّة بين البشر لأنّ محبّة عباد الله هي محبّة الله وخدمة للعالم الإنسانيّ لهذا فقد تضرّعت إلى الملكوت الأبهى أن تشرقوا حضراتكم إشراق النّجوم من أفق محبّة الله.

اعلموا قدر هذه الأيّام فإنّ هذا القرن قرن الجمال المبارك وهذا العصر عصر نورانيّ وهذا الدّور دور أخبر به جميع الأنبياء وهذه الأيّام أيّام بذر البذور وأيّام غرس الأشجار. فالفيوضات الإلهيّة تنزل تباعًا وكلّ من يبذر بذرًا تنبت منه شقائق الحقائق وتلك هي محبّة الله ومعرفة الله والفيوضات السّماويّة والعدل العمومي والصّلح الأكبر ووحدة العالم الإنسانيّ، ولو بذرت نفس بذرًا في هذا العالم فإنّها تنال البركة الإلهيّة في جميع العوالم الإلهيّة.
إنّ عموم أهل العالم اليوم منهمكون في الشّهوات ومشغولون بالأغراض النّفسانيّة ومبتلون بالبغضاء والعداوة وشغلهم الشّاغل هو محوهم بعضهم بعضًا فيريدون أن يمحوا بعضهم البعض الآخر محوًا تامًا.
لكنّكم أنتم جمع لا مقصد لكم غير المحبّة للعموم وليس لكم أمل غير خدمة النّوع البشريّ. إذًا فيجب أن تجهدوا بجميع قواكم وتعملوا وفق تعاليم حضرة بهاء الله فعاملوا جميع البشر بالمحبّة والوحدة حتّى ينبت هذا البذر الطّاهر وينال بركة سماويّة وتسطع أنوار الملكوت وتتمّ الفيوضات الإلهيّة واعرفوا قدر هذا الفيض واجهدوا بأرواحكم وقلوبكم حتّى تظهر أنوار بهاء الله وآثاره من أعمالكم وأقوالكم وسلوككم إلى درجة يشهد النّاس فيها على أنكم بهائيّون حقيقيّون. فإن عملتم بهذا فالسّعادة الأبديّة هي لكم والفيوضات الإلهيّة تهطل عليكم تباعًا حتّى يصير كلّ منكم شجرة مباركة تحمل أثمارًا باقية.
إنّ هذا العصر عصر الجمال المبارك والرّبيع الإلهيّ وموسم الورد والرّيحان وأوان الخضرة والنّضرة فاعرفوا قدر هذا واسعوا ليلاً ونهارًا حتّى تحصل المحبّة الكاملة بين القلوب وتصبحوا في منتهى الاتّحاد وكلّما اشتدّ اتّحادكم ازداد تأييدكم.

لاحظوا أنّني في هذا السّن وفي هذا الضّعف طويت المحيط الأطلسي الأعظم حتّى أشاهد في وجوه حضراتكم أنوار محبّة الله وأرى روح محبّة الله نافذًا في قلوبكم وحتّى ألقاكم في منتهى الاتّحاد لأنكم أزهار حديقة واحدة وأوراق شجرة واحدة وأنوار شمس واحدة ولهذا فإنّي أتضرّع بمنتهى التّبتّل والابتهال وأرجو لكم العزّة الأبديّة وألتمس لكم الموهبة السّرمديّة وأدعو في حقّكم.
اليوم يوم لا يمكنني أن أنساه. اليوم يوم سيكتب ذكره بقلم من الماس.

الرّبيع الإلهيّ
الخطبة المباركة في بيت السّيّد والسّيّدة ماجوري
مورتن في نيويورك في 13 نيسان سنة 1912
هو الله
إنّ أيّام ظهور المظاهر المقدّسة هي الرّبيع الإلهيّ حين تصير أراضي القلوب خضراء نضرة وتتفتّح أزهار الحدائق وتحمل أشجار الوجود الإنسانيّ أثمارًا وافرة وتجري أنهار الأسرار ويفيض ينبوع العرفان ويتجدّد عالم الوجود من أمطار الرّبيع الإلهيّ.
ولكن بعد مرور مدّة من الزّمن تنسى الحقائق الإلهيّة شيئًا فشيئًا وتذبل القلوب وتصبح النّفوس كأنّها ميّتة فينقطع الفيض الإلهيّ وتمحى الأسرار الرّبانيّة من بين النّاس ولهذا يتجلّى جمال الرّبيع الرّبانيّ مرّة أخرى وتهطل أمطار الرّحمة وتهبّ نفحات العناية ويتجدّد عالم الوجود وتمتلئ حديقة العرفان بالأزهار والبراعم وتعطي أشجار الوجود أثمارًا يانعة.
فعندما انقطعت مرّة أخرى النّفحات الإلهيّة مدّة من الزمن وزالت الكمالات المعنويّة وغلبت الرّوحانيّات وانتصرت المادّيّات وأصبح عالم الإمكان جسمًا بلا روح ولم يبقَ أيّ أثر للرّبيع الإلهيّ إذ ذاك ظهر حضرة بهاء الله فتجدّد الرّبيع الإلهيّ وهبّت تلك النّفحات نفسها وهطلت

تلك الأمطار نفسها وأحاط ذلك الفيض نفسه بالعالم فبدأ العالم الإنسانيّ يرتقي يومًا بعد يوم وهبّ نسيم جديد وأصبحت أشجار الوجود نضرة وجرت أنهار الأسرار وأحاط فيض الملكوت بالوجود وصارت تأييدات الجمال الأبهى محيطة بكلّ شيء ونفثات الرّوح القدس تهب الرّوح.
وأملي أن تبحثوا في هذا الرّبيع الإلهيّ عن الفيض الأبديّ وتنالوا الحياة السّماويّة وتصبحوا أشجارًا مثمرة في حديقة الإمكان وتنالوا من نسيم العناية اخضرارًا وطراوة وتصبحوا ممتلئين بالأوراق والبراعم.
لا تكونوا كشجرة يابسة لا تؤثّر فيها أبدًا أمطار الرّبيع مهما هطلت ولا نسائم الرّوح مهما هبّت. بل كونوا أشجار الجنّة الأبهى وأزهار الحديقة الإلهيّة وكونوا في منتهى البهجة والنّضرة وانتعشوا بالفيض الأبديّ واكتسبوا حياة خالدة وإنّي لأدعو ربّي مرّة أخرى من أجلكم.

أسس المدنيّة الإلهيّة
ألقيت في يوم الأحد الموافق 14 نيسان
1912 في كنيسة إسنشن في نيويورك
هو الله
في هذا الاجتماع ذكر القسيس عبارة من عبارات القدّيس بولس الّتي يقول فيها: "إنّكم لترون من وراء زجاجات ملوّنة وسيأتي يوم تواجهون فيه النّور وجهًا لوجه".
وفي الواقع إنّ نور الحقيقة يرى اليوم من وراء زجاجات ملوّنة ولهذا فأتمنّى الآن أن تنظروا إلى التّجلّيات الإلهيّة بواسطة مرآة القلب الصّافية وبواسطة الرّوح الطّاهرة. إنّ نور الحقيقة هذا هو التّعاليم السّماويّة والأخلاق الرّحمانيّة والمدنيّة الرّوحانيّة.
وإنّني حينما جئت هذه البلاد شاهدت المدنيّة الجسمانيّة في منتهى الرّقيّ فالتّجارة في منتهى الأزدهار وكذا الصّناعة والزّراعة. فالمدنيّة المادّيّة في منتهى درجة الكمال ولكنّ المدنيّة الرّوحانيّة تأخّرت في حين أنّ المدنيّة الجسمانيّة هي بمثابة الزّجاج والمدنيّة الرّوحانيّة هي بمثابة السّراج فإن اقترنت هذه المدنيّة الجسمانيّة بتلك المدنيّة الرّوحانيّة فإنّها حينذاك تصبح مدنيّة كاملة لأنّ المدنيّة الجسمانيّة مثل جسم لطيف والمدنيّة الرّوحانيّة مثل الرّوح فإن ظهرت تلك الرّوح العظيمة في هذا الجسم اللّطيف فحينذاك ينال الجسم كمالاً.

وقد جاء حضرة المسيح ليعلّم أهل العالم المدنيّة السّماويّة لا المدنيّة الجسمانيّة فنفخ روحًا إلهيًّا في جسم عالم الإمكان وأسّس مدنيّة نورانيّة.
ومن جملة أسس المدنيّة الإلهيّة الصّلح الأكبر.
ومن جملة أسس المدنيّة الرّوحانيّة وحدة العالم الإنسانيّ.
ومن جملة أسس المدنيّة الرّوحانيّة فضائل العالم الإنسانيّ.
ومن جملة أسس المدنيّة الإلهيّة تحسين الأخلاق.
إنّ عالم البشر اليوم محتاج إلى وحدة العالم الإنسانيّ، محتاج إلى الصّلح العمومي ويحتاج هذا الأساس العظيم إلى قوّة عظيمة لكي تروّجه.
ومن الواضح أنّ وحدة العالم الإنسانيّ والصّلح العمومي لا يمكن ترويجهما بواسطة القوى المادّيّة ولا يمكن تأسيسهما بواسطة القوّة السّياسيّة لأنّ المنافع السّياسيّة للأمم مختلفة ومنافع الدّول متفاوتة ومتضاربة وكذلك لا يمكن ترويجهما بواسطة القوّة العنصريّة والقوّة الوطنيّة لأنّ هذه القوى قوى بشريّة وقوى ضعيفة ونفس اختلاف الأجناس وتباين الأوطان مانع دون الاتّحاد والاتّفاق.
ومن المؤكّد أنّ ترويج وحدة العالم الإنسانيّ هذه الّتي هي جوهر تعاليم المظاهر المقدّسة ممتنع بغير القوّة الرّوحانيّة وبغير نفثات الرّوح القدس. أمّا سائر القوى فهي ضعيفة لا تستطيع ترويجها.
ويحتاج الإنسان إلى جناحين: أحدهما القوّة المادّيّة والمدنيّة الجسمانيّة والآخر القوّة الرّوحانيّة والمدنيّة الإلهيّة. ولا يمكن الطّيران مطلقًا بجناح واحد بل يحتاج إلى جناحين ومهما ارتقت المدنيّة الجسمانيّة فإنّها لن تبلغ مرحلة الكمال بدون المدنيّة الرّوحانيّة. وقد

جاء جميع الأنبياء من أجل ترويج الفيوضات الإلهيّة وتأسيس المدنيّة الرّوحانيّة وتعليم الأخلاق الرّحمانيّة. إذًا يجب علينا أن نجهد بجميع قوانا حتّى تتغلّب القوى الرّحمانيّة لأنّ القوّة المادّيّة قد تغلّبت وأصبح عالم البشريّة غريق المادّيّات وصارت أنوار شمس الحقيقة تُشاهد من وراء زجاجات ملوّنة ولم يعد للألطاف الإلهيّة ظهور وبروز.
وفي إيران كانت هناك اختلافات شديدة بين الأحزاب والأديان فأسّس حضرة بهاء الله المدنيّة الرّوحانيّة في إيران وألَّف بين أمم مختلفة وروّج وحدة عالم البشر ورفع راية الصّلح الأكبر وكتب بهذا الصّدد رسائل خاصّة لكلّ واحد من الملوك. وقبل ستّين سنة أبلغ أمره إلى رؤساء العالم السّياسيّين والرّوحانيّين ولهذا صارت المدنيّة الرّوحانيّة ترتقي في الشّرق وبدأت الوحدة الإنسانيّة والصّلح بين الأمم تروّج بالتّدريج وإنّي آمل أن يظهر تأسيس وحدة العالم الإنسانيّ بمنتهى القوّة ليلتئم الشّرق والغرب بعضهما مع بعض التئآمًا تامًّا ويرتبطا ارتباطًا كاملاً وتتّحد قلوب الشّرق والغرب وينجذب بعضها إلى بعض وتظهر للعيان الوحدة الحقيقيّة ويشرق نور الهداية وتبرز التّجلّيات الإلهيّة يومًا فيومًا لينال العالم الإنسانيّ راحة كاملة وتتجلّى سعادة البشر الأبديّة وتصبح قلوب البشر كالمرآة فتسطع فيها أنوار شمس الحقيقة.
ولهذا فرجائي منكم هو أن تجهدوا حتّى يشرق ذلك النّور نور الحقيقة، وحتّى تظهر السّعادة الأبديّة للعالم الإنسانيّ وإنّي لأدعو في حقّكم حتّى تنالوا هذه السّعادة الأبديّة. وإنّني عندما جئت هذه المدينة سررت كثيرًا حين وجدت أهلها مستعدّين حقًّا للمواهب الإلهيّة ولديهم قابليّة للمدنيّة السّماويّة ولهذا فإنّني أدعو لكم بالفوز بجميع الفيوضات الرّحمانيّة وأقول: يا إلهي الرّؤوف إنّ عبدك هذا قد توجّه إلى الغرب من أقصى بلاد الشّرق لعلّ نفحات عنايتك تعطّر مشام هذه النّفوس ويهبّ نسيم حديقة الهداية على هذه الممالك وتستعدّ النّفوس لقبول

ألطافك وتستبشر القلوب ببشاراتك وتشاهد الأعين نور الحقيقة وتنال الآذان نصيبًا من نداء الملكوت. إلهي أنر القلوب واجعلها يا ربّي الرّؤوف غبطة حدائق الورد والرّياحين يا محبوبي الفريد هبّ نفحات عطائك وأشرق أنوار الإحسان حتّى تصبح القلوب طاهرة نقيّة وتنال نصيبًا من تأييداتك. فهذا الجمع سائرٌ في طريقك وآملٌ أسرارك ليرى وجهك ويقتبس من خصالك فابذل يا إلهي الرّؤوف ألطافك بذلاً وأبح لهم كنز الهداية لينال هؤلاء المضطرّون أملاً ورجاءً. إنّك أنت الرّؤوف وإنّك أنت المعطي العليم القدير.

معانقة الشّرق والغرب
ألقيت في يوم الثّلاثاء الموافق 16 نيسان 1912
في منزل السّيّد والسّيّدة داج في نيويورك
هو الله
ما أروع هذا الاجتماع! لا تستطيع القوى المادّيّة أن توجد ألفة بين هذه النّفوس وتجذبها بمثل هذه الدّرجة نحو المحبّة والاتّحاد.
لم ينعقد حتّى الآن مثل هذا المجلس الّذي يحضره أناس من الشّرق فيستقبلهم أهل الغرب بمثل هذه المحبّة والوفاق غير المتناهين ويحسنون ضيافتهم، وإنّما حصل هذا بقوّة إلهيّة.
فحينما ظهر السّيّد المسيح ألّف بين الشّعوب والفرق المختلفة فأحلّ الوئام بين اليونان والرّومان والسّريان والمصريّين لأنّ العداوة والخلاف بين تلك الأقوام كانا مستفحلين إلى درجة يستحيل معهما حصول الألفة والوئام بينها.
لكنّ حضرة المسيح بقوّة إلهيّة جعل الجميع متّحدين متّفقين.
إذن فهذه الألفة والمحبّة الّتي أحلّها بيننا حضرة بهاء الله لا يمكن أن تكون إلاّ بقوّة إلهيّة.
وسوف تلاحظون في المستقبل القريب كيف سيتعانق الشّرق والغرب وكيف ستخفق راية وحدة العالم الإنسانيّ وتجمع هذه القوّة

جميع الملل تحت ظلّها فلا يبقى من يسمّي نفسه أمريكيًّا او إيرانيًّا ولا من يفتخر باسم إنكليزيّ أو ألمانيّ ولا يسمّون باسم فرنسيّ أو عربيّ بل يصبح الجميع ملّة واحدة فحينما تسأل أيّ إنسان: "من أيّة ملّة أنت؟" فإنّه يجيب: "أنا إنسان وأنا تحت ظلّ عناية حضرة بهاء الله خادم للعالم الإنسانيّ ولجيش الصّلح الأكبر" ويصبح الجميع ملّة واحدة وعائلة واحدة وأهل وطن واحد ولا يبقى هذا النّزاع والجدال.
لقد ظهر حضرة بهاء الله في نقطة كانت مركز التّعصّب ومع أنّ الملل والمذاهب المختلفة فيها كانت في منتهى البغضاء والعداوة يسفك بعضها دماء البعض الآخر فإنّه أحلّ الاتّحاد والاتّفاق إلى درجة أصبحوا معهما في منتهى الوئام والألفة وغاية آمالهم واشتياقهم هي أن يجتمعوا بكم يومًا من الأيّام وجهًا لوجه ليروا ماذا فعلت قوّة حضرة بهاء الله بكم.
إنّ العالم الإنسانيّ سقيم اليوم وعلاجه هو اتّحاد العالم، وحياته كامنة في الصّلح الأكبر وسروره في وحدة العالم الإنسانيّ. وإنّي لأرجو من فضل الله وعنايته أن تبعثوا بروح جديدة وتقوموا بقوّة تسري بها آثار وحدة العالم الإنسانيّ والصّلح الأكبر والمحبّة الإلهيّة من هذا البلد إلى سائر البلاد. بل تسري من أمريكا إلى القارّات الأخرى لأنّ هذه المملكة نالت استعدادًا عظيمًا، وأملي أن تنال قوّة روحانيّة مماثلة للرّقيّ العظيم الّذي حقّقته في مجال المادّيّات وأن تنال فيوضات إلهيّة وأن يكون توجّهها نحو الله فيصبح الجميع خدّامًا للعالم الإنسانيّ، وينشروا الفضائل الإنسانيّة حتّى تشرق أنوار المدنيّة السّماويّة من هذه الجهة على جميع الجهات فتنزل أورشليم الإلهيّة ويحيط فيض الملكوت بالعالم.
وأملي أن تظهروا قوّة شديدة في هذا الميدان لأنّ الله معينكم ونفثات الرّوح القدس مؤيّدة لكم وملائكة الملكوت حامية لكم وسوف تحيط بكم هذه الفيوضات حتمًا.

ليس لدى الله بيضٌ وسودٌ
ألقيت في يوم الإثنين الموافق 22 نيسان
سنة 1912 في جامعة هارفارد الأمريكيّة:
هو الله
إنّني اليوم في منتهى السّرور لأنّني أرى عباد الله من السّود والبيض حاضرين في هذا المجمع سويّة متآلفين. وليس لدى الله بيض وسود وكلّ الألوان لديه لون واحد وهو لون العبودية الإلهيّة، وليس للرّائحة واللّون شأن لديه بل الأهميّة هي للقلب. فإذا كان القلب طاهرًا فلن يغيّره اللّون الأسود أو الأبيض أو أيّ لون آخر. والله لا ينظر إلى الألوان بل ينظر إلى القلوب. وكلّ من كان قلبه أطهر فهو أحسن. وكلّ من كانت أخلاقه أسمى فهو أحسن. وكلّ من كان توجّهه إلى الملكوت الأبهى أكثر فهو أفضل.
وفي عالم الوجود لا شأن للألوان، لاحظوا أنّ الألوان في عالم الجماد ليست سبب الاختلاف، وفي عالم النّبات ليست الألوان المختلفة سبب الاختلاف بل الألوان المختلفة سبب جمال الحديقة. لأنّ اللّون الواحد لا جمال له ولكنّك حين ترى ألوانًا مختلفة فعند ذلك يكون لها جمال وبهاء.
وعالم البشريّة أيضًا مثل الحديقة والنّوع الإنسانيّ مثل الأزهار

المختلفة في ألوانها، إذن فالألوان المختلفة زينة. وكذلك في عالم الحيوان هناك ألوان فالحمام ألوان وألوان ومع هذا فإنّه في منتهى الألفة لا ينظر بعضه إلى لون البعض الآخر بل ينظر إلى النّوع فكم من حمامات بيض تطير مع حمامات سود، وكذلك سائر الطّيور والحيوانات المختلفة في الألوان، فإنّها لا تنظر أبدًا إلى اللّون بل تنظر إلى النّوع.
إذن لاحظوا الآن أنّ الحيوانات مع أنّها لا تملك عقلاً ولا إدراكًا فإنّ اختلاف الألوان لا يكون سببًا في خصام بعضها مع البعض الآخر فلماذا يتخاصم الإنسان العاقل؟ إنّ هذا لا يليق أبدًا وخصوصًا أنّ البيض والسّود من سلالة آدم ومن عائلة واحدة وكانوا في الأصل إنسانًا واحدًا ولونًا واحدًا. فقد كان لآدم ولحواء لون واحد. وترجع سلالة جميع البشر إليهما. إذن فالأصل واحد وهذه الألوان ظهرت فيما بعد بسبب الماء والمناخ ولا أهميّة لها مطلقًا.
إنّني اليوم مسرور جدًّا لاجتماع البيض والسّود معًا في هذا الحفل، وأملي أن يصل هذا الاجتماع وهذه الألفة إلى الحدّ الّذي لا يبقى معه امتياز بين الألوان ويكون الجميع في منتهى الألفة والمحبّة في ما بينهم.
ولكنّني أريد أن أذكر أمرًا كي يمتنّ السّود من البيض ويكون البيض رؤوفين بالسّود، فلو ذهبتم إلى أفريقية وشاهدتم السّود الأفريقيّين عند ذاك تعرفون مدى رقيّكم. والحمد لله أنّكم أنتم الآن مثل البيض ليس بينكم وبينهم فرق في أيّ شأن ولكنّ السّود الأفريقيّين بمثابة الخدم. وإنّ أوّل إعلان لحرّيّة السّود كان من البيض الأميركيّين. فكم حاربوا وكم ضحّوا حتّى حرّروا السّود! ثمّ انتشر ذلك إلى جهات أخرى. وقد كان السّود الأفريقيّون في منتهى الذّلّة ولكن نجاتكم صارت سببًا لنجاتهم أيضًا، يعني أنّ الدّول الأوروبّيّة اقتدت بالأمريكيّين ولهذا أعلنت الحرّيّة العموميّة

ومن أجلكم بذل البيض الأمريكيّون مثل هذه الهمّة. ولو لم يكن هذا الجهد لما أعلنت الحرّيّة العموميّة، إذن يجب عليكم أن تكونوا ممتنّين جدًّا من البيض الأمريكيّين، ويجب على البيض أن يكونوا رؤوفين جدًّا بكم حتّى ترتقوا في المراتب الإنسانيّة وتبذلوا جهدًا بالاشتراك مع البيض حتّى ترتقوا أيضًا أنتم رقيًّا فائقًا وتمتزجوا ببعضكم امتزاجًا تامًا.
وخلاصة القول عليكم أن تبدوا امتنانًا كثيرًا نحو البيض لأنّهم كانوا سبب تحرّركم في أمريكا فلو لم تتحرّروا لما تحرر بقية السّود. والآن كلّكم ولله الحمد أحرار وفي منتهى الرّاحة والاطمئنان، وإنّي أدعو كي ترتقوا في حسن الأخلاق والأطوار إلى درجة لا يبقى معها اسم البيض أو السّود وتكون كلمة "الإنسان" اسمًا للجميع. كما تسمّى جماعة الحمام "بالحمام" ولا يقال الحمام الأسود أو الحمام الأبيض وكذلك سائر الطّيور. وأتمنّى أن تبلغوا مثل هذه الدّرجة. وهذا لا يمكن إلا بالمحبّة. فابذلوا الجهد حتّى تحلّ المحبّة بينكم. ولن تحصل هذه المحبّة بينكم إلاّ إذا كنتم ممتنّين من البيض وكان البيض رؤوفين بكم ويبذلون الجهد لترقيتكم ويسعون لعزّتكم وهذا يكون سبب المحبّة وزوال الاختلاف بين البيض والسّود زوالاً تامًا بل يزول أيضًا اختلاف الجنس واختلاف الوطن.
وإنّي مسرور جدًّا من لقائكم وأشكر الله لأنّه جمع في هذا الحفل بين البيض والسّود فكلاهما مجتمعان بكمال المحبّة والألفة وأرجو أن يعمّ هذا النّموذج من الألفة والمحبّة حتّى لا يبقى عنوان للبشر غير "الإنسان" وهذا العنوان هو كمال العالم الإنسانيّ وسبب العزّة الأبديّة وسبب السّعادة البشريّة. لهذا فإنّي أدعو من أجلكم كي تكونوا في منتهى الألفة والمحبّة بعضكم مع البعض الآخر وتجهدوا وتسعوا من أجل راحة بعضكم بعضًا.

الاتّحاد والأخوّة
ألقيت في يوم الثّلاثاء الموافق 22 نيسان سنة 1912
في منزل جناب علي قلي خان في واشنطن
هو الله
الحمد لله لقد انقضت القرون المظلمة وجاء قرنٌ نورانيّ.
إنّ العقول والنّفوس في ارتقاء وإنّ الإدراكات في تزايد وكلّ إنسان يتحرّى الحقيقة وكلّ إنسان يريد أن يدرك ما هو صحيح وسبب لترقّيه.
ففي عالم المرأة هناك هياج عظيم ومنتهى آمالهنّ ورغباتهنّ هو الارتقاء وخدمة العالم الإنسانيّ. ولا شكّ أنّ النّساء سوف يرتقين في هذا العصر وهنّ يجهدن حتّى يلحقن بالرّجال ويكنّ وإيّاهم في مستوى واحد، إنّ هذه النّيّة لعظيمة فلو وصلن إلى الرّقيّ والاقتدار فإنّهنّ سوف يقمن بكثير من الأمور الّتي لا يستطعن الآن النّهوض بها.
إنّ أعظم مصائب العالم هي الحرب في هذا اليوم. فلا راحة في العالم الإنسانيّ والحروب مستمرّة لأنّ جميع الدّول تتهيّأ للحرب بصورة مستمرّة وتصرف الأموال كلّها على الحرب.
إنّ الفلاح المسكين يجهد ليلاً ونهارًا بكدّ اليمين وعرق الجبين حتّى يحصل على بضع حبوب ليدّخرها ولكن ما الفائدة؟ فحاصلاته
تتحوّل إلى تجهيزات حربيّة وتنفق على المدافع والبنادق والذّخائر والسّفن الحربيّة.
وبينما هذه الحروب الماليّة مستمرّة على الدّوام لاحظوا كذلك إبادة النّفوس في ساحات الحروب وكيف تطؤها الأقدام.
إنّ الحرب وإبادة النّفوس محدودة ومحصورة ولكنّ الحرب الماليّة دائمة وعامّة ويرجع ضررها إلى النّاس بل يتضرّر منها جميع العالم الإنسانيّ.
فالآن وقد تحرّكت المرأة في هذا القرن فإنّها يجب أن تضع نصب عينيها قضيّة الصّلح العموميّ كي تتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ وتظهر الفضائل البشريّة وترتبط قلوب الملل وينبذ التّعصّب الدّينيّ والمذهبيّ ويزول التّعصّب العنصريّ ولا يبقى التّعصّب السّياسيّ ويزول التّعصّب الوطنيّ لأنّ الجامعة البشريّة عائلة واحدة وأنّ جميع أولاد آدم أبناء الله وأنّ جميع الممالك كرة واحدة ووطن واحد وأنّ جميع الأمم عبيد إله واحد وقد خلق الله الجميع وهو يحفظ الجميع ويرزقهم ويعتني بهم وأنّ ألطافه شاملة للكلّ ورحمته نازلة على الكلّ وما دام هو عادلاً ورؤوفًا فلماذا نقوم بالظّلم والطّغيان؟ أفهل نحن أعرف من الله وأعلم بالأمور منه؟ أستغفر الله بل إنّه عادل ورؤوف. ولماذا لا نكون رؤوفين؟
فأنتنّ يا جماعة النّساء اجهدن حتّى تحصل القلوب على ارتباط وطيد وليجهد الجميع متكاتفين في خير العالم حتّى يتجلّى شرف العالم الإنسانيّ.
ولاحظوا لو ائتلف أهل بيت واحد في ما بينهم فكم يكون ذلك نافعًا لهم؟ ولو اتّفق أهل مدينة في ما بينهم واتّحدوا فكم يكون ذلك سببًا في تعاونهم وتعاضدهم؟ وسببًا في نتائج كلّيّة وفي الحصول على

العزّة والثّروة لعموم أفرادها؟ وكذا لو اتّحد أهل إقليم واحد فما أكثر التّرقّيات الّتي ينالونها؟ وما أكثر العزّة والسّعادة الّتي يحصلون عليها؟
فحينما اتّحدت الأمّة الأمريكيّة كم أصبح ذلك سببًا في سعادتها ورقيّها ومدنيّتها؟ ولو لم يكن هذا الاتّحاد والاتّفاق بين الولايات المتّحدة لما حصلت هذه التّرقّيات والعلوم والمخترعات والرّفعة ثمّ قيسوا على هذا لو اتّفقت جميع الملل واتّحدت فماذا ستكون الحال؟
لا شكّ أنّ هذا العالم سوف يصبح جنّة الأبهى ويحصل كمال الرّاحة والاطمئنان ويحصل الفلاح العظيم وتنال جميع المذاهب وحدة واتّفاقا وأخوّة ويتعانق الشّرق والغرب والشّمال والجنوب ويتموّج علم وحدة العالم الإنسانيّ وترتفع خيمة الصّلح العمومي ويبلغ الأسماع تهليل الملأ الأعلى وتمجيدهم.
لهذا فحضراتكنّ السّيّدات المحترمات العالمات المحبّات للخير يجب أن تجهدن ليلاً ونهارًا حتّى يرتفع علم الوحدة والاتّحاد هذا في أمريكا ويسري إلى سائر الجهات حتّى يتطوّر العالم ويتجلّى كماله.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى