منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 6

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
الوحدة
ألقيت في يوم الجمعة الموافق 18 أيّار
1912 في مجمع التّياصفة في نيويورك
هو الله
إنّني ممتن جدًّا من إحساسات جناب الرّئيس وكذلك مسرور جدًّا من إحساسات نائبة حضرته.
إنّ مقصودنا واحد وأملنا واحد. أملنا وحدة العالم الإنسانيّ وهدفنا الصّلح العمومي. إذن فنحن في الهدف والأمل متّحدون وليست في عالم الوجود مسائل أهمّ من هاتين المسألتين لأنّ وحدة العالم الإنسانيّ سبب عزّة النّوع البشريّ وأنّ الصّلح العمومي سبب راحة جميع من على الأرض ولهذا فنحن متّحدون في هذين الهدفين وليس هناك هدف أعظم من هذه الأهداف.
لهذا أرجو أن تحدث بين البهائيّين والتّياصفة منتهى الألفة والمحبّة لأنّ أهدافهم واحدة وآمالهم واحدة وهم مشتركون في الإحساسات الرّوحانيّة ومتّفقون في توحيد الملكوت الإلهيّ.
في هذا اليوم لا بدّ من وجود قوّة عظيمة لإجراء هذه الأهداف الجليلة وحضراتكم تعلمون أنّ قضيّة الصّلح الأكبر قضيّة عظيمة جدًّا وأنّ جميع قوى الآفاق اليوم مخالفة لاستقرار هذا الأمر وهذه الأمم

تظنّ أنّ الحرب سبب السّرور وتظنّ أنّ التّفرّقة سبب العزّة لأنّها تظنّ أنّه لو هجمت أمّة على أمّة وفتحت فتحًا مبينًا وغلبت على مملكة ودولة فإنّ هذا يكون سببًا في رقيّ تلك الملّة والدّولة والحال أنّ هذا خطأ محض ونستطيع أن نقيس الملل بأفراد عائلة واحدة فالعائلة تتألّف من أفراد وكلّ أمة كذلك تتألف من أفراد وأشخاص ولو اجتمعت جميع الأمم فإنّها ستكون عائلة عظيمة واحدة.
وواضح أنّ النّزاع والجدال بين أفراد العائلة الواحدة يؤدّيان إلى فنائها. وهكذا تؤدّي الحروب إلى فناء الأمم وانهدامها.
إنّ خلاصة منطوق جميع الكتب الإلهيّة وكلام جميع أنبياء الله وجميع عقلاء البشر هي أنّهم جميعًا متّفقون على أنّ الحرب سبب الخراب وأنّ الصّلح سبب العمران وكلّهم متّفقون على أنّ الحرب تهدم البنيان الإنسانيّ إلاّ أنّه لا بدّ من وجود قوّة عظيمة لإجراء هذا الصّلح فتمنع الحرب وتعلن وحدة العالم الإنسانيّ.
إنّ مجرد العلم بالشّيء لا يكفي فالإنسان لا يصبح غنيًّا بمجرد أن يعلم أنّ الغنى شيء طيّب ولا يصبح عالمًا بمجرد أن يعلم أنّ العلم ممدوح ولا يصبح عزيزًا بمجرد أن يعلم أنّ العزّة مقبولة، وقس على هذا. فالعلم بالشّيء لا يكون سببًا في حصوله وأكرّر القول إنّ الإنسان لا يكسب الصحّة من مجرد علمه بفائدة الصحّة بل يحتاج إلى العلاج وإلى استعمال الأدوية وإلى طبيب حاذق مطّلع على جميع أسرار الأمراض ومطّلع على جميع العلاجات فيعطي العلاج بحكمة تامّة حتّى تحصل الصحّة الكاملة. فمجرّد معرفتنا أنّ الصحّة شيء مفيد لا يؤدّي إلى حصولنا على الصحّة بل لا بدّ من وجود عمل وجهد وقوّة.
ثمّ إنّ حصول كلّ شيء مشروط بثلاثة شروط أوّلها العلم وثانيها الإرادة وثالثها العمل ولأجل تحقّق أيّة مسألة يجب اجتماع هذه الأمور

الثّلاثة. فأوّل شيء يقتضي لبناء بيت هو وضع خريطة للبيت ثمّ وجود الإرادة للبناء وبعد ذلك العمل والعمل يتوقّف على الثّروة وعندئذٍ يتحقّق الأمل.
لهذا فنحن نحتاج إلى قوّة عظيمة لتحقيق هذه الآمال وواضح أنّ هذه الآمال والمقاصد لا تتحقّق بالقوى المادّيّة فلو قلنا إنّها تتحقّق بالقوّة القوميّة فالأقوام مختلفة. ولو نقول بالقوّة الوطنيّة فالأوطان مختلفة. ولو نقول إنّ إيجاد وحدة العالم الإنسانيّ والصّلح العمومي يتحقّق بالقوّة السّياسيّة فإنّ سياسات الملوك مختلفة بسبب اختلاف منافع الدّول والملل. ولو نقول إنّ وحدة العالم الإنسانيّ تتأسّس بقوّة التّقاليد الدينيّة فإنّ هذه التّقاليد مختلفة.
إذن فقد اتّضح أنّ جميع هذه القوّات مختلفة ومحدودة وأنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتحقّق إلا بالقوّة المعنويّة وبالقوّة الرّوحانيّة وبالفتوحات الإلهيّة وبنفثات الرّوح القدس الّتي ظهرت في هذا القرن العظيم. وبغير هذا فإنّ هذا الهدف يبقى في حيّز القول ولا يخرج إلى حيّز العمل.
لاحظوا التّاريخ وشاهدوا أيّ شيء وحَّد الأمم وأيّ شيء عدَّل الأخلاق العامّة وأيّ شيء سبّب رقي جميع البشر. ولو دقّقنا وحقّقنا في جميع التّواريخ لشاهدنا أنّ أساس الاتّحاد والاتّفاق كان الدّين الإلهيّ دائمًا وأنّه كان أعظم سبب لوحدة البشر ونقصد بالدّين الإلهيّ أساس الأديان الإلهيّة لا التّقاليد الموجودة في أيدي النّاس لأنّ هذه التّقاليد الموجودة الآن بين أيدي النّاس يخالف بعضها البعض الآخر ولهذا فإنّها سبب النّزاع وسبب الحرب وسبب البغضاء وسبب العداء ولكنّنا نعني أساس الأديان الإلهيّة.
فلننظر الآن ما هي أسس الأديان الإلهيّة؟

أوّل أساس هو وحدة الخلق وثاني أساس هو وحدة الأجناس وثالث أساس هو وحدة الأوطان ورابع أساس هو الوحدة السّياسيّة فلا تبقى بعد هذا امتيازات شخصيّة ولا امتيازات عنصريّة ولا امتيازات وطنيّة ولا امتيازات سياسيّة.
لاحظوا لمّا ظهر حضرة المسيح جمع أممًا مختلفة وصالح بين أمم متحاربة وروّج وحدة العالم الإنسانيّ وجمع أمّة الرّومان الّتي كانت أمّة قاهرة وأمّة اليونان الّتي كانت أمّة ذات فلسفة وأمّة مصر الّتي كانت أمة متمدّنة وسائر الأمم من سريانيّين وآشوريّين وكلدانيّين وغيرهم وقد كانوا في منتهى الاختلاف والنّزاع والجدال فجمع حضرة المسيح هذه الأقوام المختلفة ورفع الاختلاف والنّزاع والجدال من بينها ولم يعمل هذا العمل بالقوّة القوميّة ولا بالقوّة الوطنيّة ولا بالقوّة السّياسيّة بل بالقوّة الإلهيّة وحقّقها بقوّة الرّوح القدس ولهذا فليس من الممكن تحقيق ذلك إلاّ بهذا الوسائط. وبغير ذلك يبقى هذا الاختلاف وهذا التّنازع إلى الأبد.
ولكن قد يخطر على البال هذا السّؤال: من أين نأتي بالقوّة الإلهيّة وبنفثات الرّوح القدس وبالفيوضات الرّبانيّة الّتي يتوقّف عليها تحقّق هذه الأمور العظيمة؟
في الحقيقة إنّ هذا السّؤال يخطر على البال وفي الجواب نقول فقط إنّ هذا الإله إله قديم وليس إلهًا جديدًا وإنّ سلطنة الله سلطنة قديمة وليست سلطنة جديدة وليست هذه السّلطنة سلطنة ستّة آلاف سنة. فإنّ هذا الكون لا يتناهى ولاحظوا أنّ هذا التّرتيب بهذه العظمة وهذه السّلطنة بهذه الشّوكة ليسا عمل بضعة قرون فإنّ أسماء الله وصفاته قديمة ونفس أسماء الله وصفاته تستلزم وجود الكائنات وتستلزم الخلقة وتستلزم جميع الحقائق الكونيّة. نحن نسمّي الله خالقًا. حسن

جدًّا. إنّ الخالقيّة تتوقّف على وجود المخلوق فإن لم يكن هناك مخلوق فكيف تتحقّق خالقيّة الله؟ ونقول إنّه رازق فإذا لم يعطِ رزقًا فكيف يكون رازقًا؟ ونقول إنّه ربّ فإن لم يكن هناك مربوب فكيف يكون ربًّا؟ وإذًا فالله خالق من القديم ورازق من القديم وربّ من القديم وكان له من القديم مخلوق ومن القديم مرزوق ومن القديم مربوب. إذًا فلا شبهة في أنّ السّلطنة الإلهيّة سلطنة قديمة.
والسّلطنة تريد الرّعيّة وتريد الجيش وتريد الخزائن والذّخائر وتريد وزراء وتريد منتدبين وهل يمكن تصوّر السّلطنة بدون مملكة وبدون رعيّة وبدون جيش وبدون وزراء؟ وأولئك الّذين يقولون إنّ هناك وقتًا لم يكن لله فيه خلق ولا كان له جيش ولا كان له رعيّة فإنّهم في الحقيقة يعزلون الله أي أنّه قد نصّب حديثًا وأنّه أسّس سرير سلطنته حديثًا. إنّ هذا كلام لا يقوله طفل رضيع ولهذا فإنّ الباري تعالى كان دائمًا خالقًا وكان رازقًا وكان محييًا وكان سميعًا وبصيرًا. وكما أنّ الذّات الإلهيّة قديمة فإنّ الفيض الإلهيّ قديم أيضًا وقد أحاطت فيوضاته من على الأرض إحاطة تامّة.
وحيث إنّ الله غير محدود من حيث الذّات فكذلك أسماؤه وصفاته غير محدودة وحيث إنّ حقيقة الألوهيّة غير محدودة فكذلك فيضه غير محدود. والألوهيّة قديمة لا نهاية لها وكمالاته قديمة لا نهاية لها وربوبيّته قديمة لا نهاية لها فكما أنّ نفثات الرّوح القدس وهبت عالم الوجود الفيض قديمًا فكذلك فيض الرّوح القدس مستمرّ لا انتهاء له ولا نستطيع أن نقول إنّ فيضه نفد وانتهى فلو نقول إنّ فيضه ينفد فإنّ ألوهيته تنتهي أيضًا وفيض الشّمس وحرارتها شيء أبديّ وسرمديّ ولو يأتي يوم ينقطع فيه فيض الشّمس وحرارتها فإنّ الشّمس لن تعود شمسًا بل تكون شيئًا مظلمًا لأنّ الشّمس بدون حرارة وضياء ليست بشمس بل ظلمة.

إذن فإن أردنا تحديد الفيوضات الإلهيّة فإنّنا نحدّد الله.
وخلاصة القول اطمئنّوا بفضل الحقّ وعنايته واستبشروا بالبشارات الإلهيّة. فالإله الّذي عامل الأمم السّابقة بفضله ورحمته، والإله الّذي وهب قديمًا الرّوح الإلهيّة، والإله الّذي أعطى فيضًا أبديًّا هو مقتدر في كلّ وقت وفي كلّ زمان أن يجعل العالم الإنسانيّ مهبط أنوار الملكوت.
لهذا فثقوا أنّ ذلك الإله الّذي أعطى قديمًا يستطيع الآن أن يعطي أيضًا وأن يظهر في هيكل الإنسان الّذي هو "صورته ومثاله".
وذلك الإله الّذي نفث نفحة الرّوح القدس يستطيع الآن أيضًا أن ينفثها وسوف ينفثها فليس لفضله انقطاع. فهذه الرّوح سارية دائمًا وهذا فيض إلهيّ ولا يجوز أن يكون للفيض الإلهيّ من انقطاع.
لاحظوا هل يمكن تحديد الذّرّات الجزئيّة؟ فلا يجوز في الحقيقة تحديد أيّ نوع من أنواع الكائنات وهل تستطيون أن تقولوا إنّ هذه الطّبقة الأرضيّة انتهت وليس بعدها طبقة أرضيّة أخرى وإنّ البحر قد انتهى بهذا البحر وليس هناك بعده بحر آخر؟ أو إنّ المطر انتهى بهذا المطر وليس بعد هذا مطر آخر؟ أو إنّ إشراق الشّمس انتهى وبعد هذا الإشراق لا يمكن أن تكون شمس؟ فهل يمكن هذا؟ أستغفر الله منه.
فحينما نرى الفيض الإلهيّ مستمرًّا في الكائنات الجماديّة كيف نستطيع أن نقول إنّ ذلك الفيض الرّباني وقوّة الرّوح القدس وتلك الفيوضات الأبديّة قد انقطعت؟
وواضح أنّ حقائق الفيوضات الإلهيّة أعظم من الجماد فبعد أن يكون جسد الإنسان مستمرًّا باستمرار النّوع الإنسانيّ فلا شكّ أن يكون روح الحقيقة مستمرًّا أيضًا لأنّه لا يمكن أبدًا أن يكون جسد النّوع مستمرًّا ولا تكون الحقيقة والرّوح مستمرّين.

وإني لأشكر الله لوجودي في وسط جمع محترم مثل هذا، لهم إحساسات روحانيّة ويتحرّون الحقيقة، وغاية أملهم الصّلح العمومي وهدفهم خدمة العالم الإنسانيّ.
وعندما ننظر إلى الكائنات نشاهد أنّ كلّ شيء من الأشياء له دورة في جميع المراتب فمثلاً المادّة الأثيريّة لها دورة في جميع الكائنات وفي كلّ مكان يحصل تموّج فإنّ البصر يتأثّر بذلك التّموّج ويرى نورًا وكذلك الأمر مع الفيوضات الإلهيّة فإنّ لها دورة في جميع الكائنات وهي دورة ليس لها أوّل ولا يكون لها آخر وفي كلّ زمان يحصل فيه استعداد بشريّ فإنّ ذلك الفيض الّذي لا يتناهى يظهر مرّة أخرى.
ولهذا نرجو بعون الله وعنايته أن تجري روح الحياة هذه في جميع الكائنات وتحيي جميع البشر حتّى يصبح العالم الإنسانيّ عالمًا إلهيًّا ويصبح عالم النّاسوت مرآة عالم اللاّهوت وتتجلّى فضائل العالم الإنسانيّ وخصائله ويكشف "مثال الله وصورته" النّقاب في هذا الهيكل.
وإنّي لأشكر حضرة الرّئيس منتهى الشّكر والرّضاء وأرجو إبلاغه عنّي احتراماتي الفائقة وأرجو أن يوفّق الكلّ إلى الرّضاء الإلهيّ وإنّي مسرور جدًّا من إحساساتكم وإحساسات النّفوس الحاضرة وإنّي أرجو دائمًا للكلّ التّأييد والتّوفيق.

وحدانيّة الله
ألقيت في كنيسة الموحّدين في مونتكلر بتاريخ 12 أيّار 1912
هو الله
أريد في هذا المجمع المحترم أن أتكلّم عن الألوهيّة.
من الواضح أنّ الحقيقة الحادثة لا تستطيع إدراك الحقيقة القديمة. حينما نمعن النّظر في الكائنات نرى أنّ تفاوت المراتب مانع يحول دون إدراك المقامات.
مثال ذلك عالم الجماد مهما ارتقى فإنّه لن يطّلع على عالم النّبات وعالم النّبات مهما نشأ ونما فإنّه لن يعلم شيئًا عن عالم الحيوان. وعالم الحيوان مهما ارتقى فإنّه لا يستطيع إدراك السّمع والبصر لأنّ هذا خارج عن نطاق إدراكه ومع أنّه في حيّز الوجود ولكنّه لا علم له عن عالم الإنسان لأنّ عالم الإنسان فوق مقامه ولهذا فإنّه مهما يرتقِ فلن يستطيع إدراك الحقيقة الإنسانيّة.
إنّ تفاوت المراتب مانع عن الإدراك إذن فإنّ كلّ رتبة دانية لا تستطيع إدراك ما فوقها مع أنّ الجميع كلّهم في حيّز الخلقة سواء أكان منها الجماد أم النّبات أم الحيوان أم الإنسان مع هذا فإنّ تفاوت المراتب مانع يحول دون هذا الإدراك.
ومثلاً هذا النّبات موجود ونحن على اطّلاع من ذلك فما السّبب

في اطلاعنا هذا؟ السّبب هو أننا في مقام فوق مقامه لكنّ هذا النّبات لا علم له حولنا ومهما يرتقِ فإنّه لن يحيط بالسّمع والبصر وما دام تفاوت المراتب يحول في عالم الحدوث دون الإدراك إذن فكيف تستطيع الحقيقة الإنسانيّة المخلوقة والحادثة أن تدرك حقيقة الألوهيّة؟
إنّ هذا غير ممكن، لماذا؟ لأن حقيقة الألوهيّة مقدّسة عن الإدراك. وفضلاً عن هذا إنّ كلّ ما يتصوّره الإنسان إنّما هو محاط وحقيقة الألوهيّة محيطة. فهل يمكن أن يدرك المحاط المحيط؟ فمن المستحيل أن تصبح الحقيقة الإنسانيّة محيطة وتصبح حقيقة الألوهيّة محاطة في حين أنّ الإنسان محاط وحقيقة الألوهيّة محيطة.
إذن فما يتصوّره الإنسان عن الألوهيّة ليس من الألوهيّة في شيء لأنّ حقيقة الألوهيّة لا يمكن تصوّرها لهذا تبعث الرّحمة الكلّيّة الإلهيّة مظاهر مقدّسة وتشرق على تلك المظاهر الإلهيّة بتجلّيات غير متناهية وتجعل تلك المظاهر واسطة للفيض.
والمظاهر المقدّسة الّتي هي الأنبياء إنّما هي بمثابة المرآة وحقيقة الألوهيّة بمثابة الشّمس تسطع في تلك المرايا بأشدّ إشراق وتستفيض المرايا من تلك الشّمس –شمس الحقيقة- لكنّ الشّمس لم تنزل من علوّها ولم تدخل في المرايا وغاية ما في الأمر أنّ المرايا في منتهى الصّفاء والقابليّة والاستعداد، والمرايا من العالم الأرضيّ، وحقيقة الألوهيّة من أفق التّقديس، ومهما أشرقت حرارة الشّمس واستفاضت منها المرايا وصارت ممثّلة لها ومتفرّعة عنها لكنّ الشّمس لم تنزل من علوّ تقديسها ولم تحلّ فيها.
هذا وإنّ شمس الحقيقة تشرق على مرايا متعدّدة ومهما تعدّدت المرايا لكنّ الشّمس شمس واحدة والفيوضات الإلهيّة واحدة والحقيقة واحدة والنّور واحد مشرق على جميع المرايا فبعض النّاس عاشق

للشّمس يرى تجلّياتها في كلّ مرآة ولا يتقيّد بالمرايا بل هو متقيد بالشّمس وهو يعبد الشّمس في أيّة مرآة كانت.
أمّا الّذين ينظرون إلى المرآة وحدها فإنّهم يحرمون من مشاهدة الشّمس في مرآة أخرى فمثلاً أولئك الّذين رأوا المرآة الموسوية وآمنوا بها قد تقيّدوا بالمرآة الموسوية حين أشرقت الشّمس في المرآة المسيحيّة، لذا حرموا وخسروا في حين أنّ شمس الحقيقة كانت على أشدّ إشراقها في المرآة العيسويّة وكانت أنوارها أظهر وأبين واليهود لا يزالون حتّى الآن متمسّكين بالمرآة الموسويّة ومحرومين من مشاهدة شمس الحقيقة.
وخلاصة القول إنّ الشّمس شمس واحدة والنّور نور واحد وهي تشرق على جميع الكائنات على السّواء ولكلّ كائن نصيب منها. إذن فعلينا نحن أن نعبد الأنوار من أيّة مرآة كانت وأن لا نكون متعصّبين لأن التّعصّب يحول دون الوصول إلى الحقيقة. وحيث إنّ الإشراق واحد لذا يجب أن تستفيض الحقائق الإنسانيّة من نور واحد وذلك الإشراق الواحد هو قوّة جامعة تجمع الجميع.
لقد أنارت في هذا القرن النّورانيّ شمس الحقيقة جميع البشر فجعلت العيون بصيرة وجعلت الآذان سميعة وأحيت النّفوس ونحن كذلك يجب أن نكون على جانب عظيم من الألفة لأنّ الكلّ مستفيضون من شمس واحدة وأشرقت أنوار شمس واحدة على الجميع لعلّ يزول هذا النّزاع الّذي دام ستة آلاف سنة لعلّ تزول هذه المذابح ولعلّ تزول هذه التّعديات والعداوات من بيننا فيشرق نور محبّة الله ويرتبط بعضنا ببعض ليستريح كلّنا في ظلّ وحدة العالم الإنسانيّ ونأوي إلى ظلّ راية الصّلح الأكبر ونكون رحماء رؤوفين بجميع البشر.
يا إلهنا الرّؤوف الكريم الرّحيم إنّا عبيد عتبتك وكلّنا في ظلّ

وحدانيّتك وإنّ شمس رحمتك مشرقة على الكلّ وسحاب عنايتك يمطر على الكلّ وألطافك شاملة للكلّ وفضلك رازق لكلّ وإنّك حافظ للكلّ وناظر إلى الكلّ بنظرة المكرمة يا ربّنا اشملنا ألطافك الّتي لا تتناهى وأشعل نور الهداية وأنر العيون وامنح القلوب سرورًا أبديًّا وهبها روحًا جديدًا وحياةً أبديّةً وافتح أبواب العرفان وليسطع نور الإيمان ووحّد الكلّ في ظلّ عنايتك واجعل الجميع متّفقين ليكونوا أنوارًا لشمس واحدة وأمواجًا لبحر واحد وأثمارًا لشجرة واحدة يشربون من عين واحدة ويهتزّون بنسيم واحد ويقتبسون أنوار واحدة إنّك أنت المعطي المقتدر الوهّاب.

نداء وحدة العالم الإنسانيّ
ألقيت في كنيسة كربث متوديث في نيويورك بتاريخ 13 أيّار 1912
هو الله
عندما ننظر إلى التّاريخ نشاهد أنّ البشر منذ بداية العالم الإنسانيّ إلى زماننا هذا كانوا في حرب وجدال فإمّا كانت الحرب بين الأديان وإمّا كانت بين الأجناس وإمّا كان النّزاع بين الدّول وإمّا بين إقليمين وكانت جميع تلك الحروب ناشئة من جهل البشر ومن سوء التّفاهم أو من عدم التّربية.
إنّ أعظم نزاع وقتال كان بين الأديان في حين أنّ أنبياء الله جاؤوا بين البشر من أجل الألفة والاتّحاد لأنّهم كانوا رعاة لا ذئاب والرّاعي يأتي من أجل جمع الخراف لا من أجل تفريقها. فكلّ راعٍ إلهيّ من أولئك الرّعاة جمع جماعة من الأغنام المفرّقة فكان أحدهم حضرة موسى الّذي جمع أغنام أسباط إسرائيل المتفرّقة وألَّف بينها وذهب بها إلى الأرض المقدّسة فبعد تفرّقهم جمعهم ولمَّ شعثهم وصار سببًا لرقيّهم فتبدّلت بهذا ذلّتهم إلى عزّة وفقرهم إلى غنى ورذائل أخلاقهم إلى فضائل إلى درجة تأسّست سلطنة سليمان وبلغ صيت عزّتهم الشّرق والغرب.
إذن اتّضح أنّ موسى كان راعيًا حقيقيًّا لأنّه جمع أغنام إسرائيل المتفرّقة وألَّف بينها.

وعندما ظهر حضرة المسيح صار سببًا في جمع الأغنام المتفرّقة وفي ألفتها فجمع أغنام إسرائيل المتفرّقة مع أغنام اليونان والرّومان والكلدانيّين والسّوريّين والمصريّين وقد كانت هذه الأقوام في منتهى الجدال والقتال في ما بينها يسفك بعضها دم البعض الآخر ويمزّق بعضها البعض الآخر شان الحيوانات المفترسة. ولكنّ حضرة المسيح جمع هذه الملل ووحَّدها وألَّف بينها وهدم بناء النّزاع والجدال هدمًا تامًّا.
إذن اتّضح أنّ الأديان الإلهيّة كانت سبب الألفة والمحبّة. وليس دين الله سبب النّزاع والجدال. فإن صار الدّين سبب الجدال والقتال فإنّ عدمه خير من وجوده لأنّ الدّين يجب أن يكون سبب الحياة فإن صار الدّين سبب الممات فلا شكّ أنّ عدمه خير من وجوده ولأصبحت اللاّدينيّة خيرًا منه لأنّ التّعاليم الدّينيّة بمثابة العلاج فإن أصبح العلاج سبب المرض فلا شكّ أنّ عدم الدّواء خير وأولى.
وكذلك حينما كانت القبائل العربيّة في منتهى العداوة والجدال يسفك بعضها دم البعض الآخر وتنهب الأموال وتؤسر النّساء والأطفال وحينما كانت الحروب بينها مستمرّة ودائمة في صحراء الجزيرة العربيّة حيث لم تجد نفس راحة ولم يقرّ لقبيلة قرار ففي مثل هذا الوقت ظهر حضرة محمّد فجمع هؤلاء وألَّف بين القبائل المتفرّقة ووحَّدها فلم يبقَ بين العرب قتال مطلقًا وبلغوا في الرّقيّ درجة تأسّست فيها الخلافة الكبرى وتأسّست سلطنة في الأندلس.
أمّا هذه الخلافات فقد نشأت من التّقاليد الّتي ظهرت فيما بعد فأصل الدّين واحد وهو الحقيقة وأساس الأديان إنّما هو أساس إلهيّ لا اختلاف فيه وإنّ الاختلاف ينشأ من التّقاليد. ولمّا كانت التّقاليد مختلفة لهذا صارت سببًا في الاختلاف والجدال، فلو تركت جميع أديان العالم

تقاليدها واتّبعت أساس الدّين فإنّها تتّفق في ما بينها ولن يبقى نزاع ولا جدال لأنّ الدّين حقيقة والحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد.
أمّا الامتيازات العنصريّة والاختلافات القوميّة فإنّها وهمٌ محض لأنّ النّوع البشريّ نوع واحد وكلّه جنس واحد وجميعه سلالة شخص واحد وجميعه سكّان الكرة الأرضيّة.
ولم يكن الاختلاف العنصري في أصل الخلقة الإلهيّة فقد خلق الله خلقة بشريّة واحدة فلم يخلق واحدًا إنكليزيًّا والآخر فرنسيًّا والآخر إيرانيًّا والآخر أمريكيًّا لهذا فليس هناك اختلاف في الجنس البشريّ والكلّ أوراق شجرة واحدة وأمواج بحر واحد وأثمار شجرة واحدة ورياحين حديقة واحدة.
لاحظوا عالم الحيوانات ليس بينها تمييز في النّوع فأغنام الشّرق ترعى مع أغنام الغرب لا ينظر بعضها البعض الآخر بعين الغرباء ولا يعتبره أجنبيًّا بل يرعى بعضها مع البعض الآخر في منتهى الألفة والوئام وليس بينها نزاع عنصريّ ولا نزاع قوميّ وكذلك الأمر في طيور الشّرق والغرب حيث نجد الحمام في منتهى الألفة والارتباط لا امتيازات قوميّة بينهم أبدًا. إنّ هذه الأمور لا تكون سببًا لوجود هذه الأوهام بين الحيوانات المجردة من الشّعور فهل يليق بالإنسان أن يتّبع مثل هذه الأوهام؟ في حين أنّه عاقل ومظهر الوداعة الإلهيّة وله قوّة مدركة وقوّة مفكّرة. ومع وجود هذه المواهب كيف يتّبع أمثال هذه الأوهام؟ فيقول أحدهم إنّني ألمانيّ ويقول الآخر إنّني إنكليزيّ ويقول الآخر إنّني إيطالي وبهذه الأوهام يتنازعون في ما بينهم ويتحاربون. فهل هذا لائق؟ لا والله. لأنّ الحيوانات لا ترضى بهذه الأوهام فكيف يرضى الإنسان بها؟ مع أنّها أوهام وخيالات محضة.
أتجوز هذه الحروب وهذه الاختلافات الوطنيّة أو يقال هذا شرق

وذاك غرب وهذا جنوب وذاك شمال؟ لا والله. إنّ هذه الأقوال أوهام محضة وخيالات صرفة فجميع الأرض قطعة واحدة ووطن واحد لهذا يجب أن لا يتمسّك البشر بهذه الأوهام.
والآن جئت ولله الحمد من الشّرق وأرى هذ البلاد في منتهى العمران وهواءها في منتهى البداعة والنّقاء والنّاس في أسمى درجة من الآداب والحكومة عادلة منصفة. فهل يجوز لي أن أقول إنّ هذا ليس وطني وليس أهلاً لرعايتي واحترامي؟ كلاّ إنّ في ذلك منتهى التّعصّب.
يجب على الإنسان أن لا يكون متعصّبًا بل يجب أن يتحرّى الحقيقة ومن المؤكّد أنّ البشر كلّهم نوع واحد وأنّ الأرض وطن واحد وقد ثبت أنّ الباعث لكلّ حرب وقتال هو وهم محض لا أساس له أبدًا.
لاحظوا بلاد طرابلس وشاهدوا ماذا يحدث فيها نتيجة الهجوم الإيطاليّ غير المشروع وكم من مساكين يتمرّغون في دمائهم وتهلك كلّ يوم آلاف النّفوس من كلا الجانبين. وكم من أطفال باتوا بدون آباء وكم من آباء فقدوا أبناءهم وكم من أمّهات يولولن بالعويل لموت أبنائهنّ. لعمركم ما الثّمرة الّتي تُجنى من هذا؟ لا ثمرة ولا نتيجة وليس من الإنصاف أن يكون الإنسان غافلاً إلى هذه الدّرجة من الغفلة.
لاحظوا الحيوانات الوديعة تجدوا أنّه لا حرب بينها ولا جدال فترعى آلاف الأغنام معًا وتطير آلاف الأسراب من الحمام ولا تتنازع أبدًا لكنّ الذّئاب والكلاب المفترسة في نزاع وجدال مستديم. فهي مضطرّة من أجل طعامها إلى الصّيد أمّا الإنسان فليس محتاجًا لذلك فلديه من الأطعمة والأقوات ما يكفيه ولكنّه لمجرّد الطّمع وحبّ الشّهرة والصّيت يسفك هذه الدّماء.
وعظماء البشر في منتهى الرّاحة في قصورهم العالية مستقرّون

ويدفعون البؤساء إلى ساحات الحروب ويخترعون كلّ يوم آلة جديدة يهدمون بها البنيان البشريّ ولا يرحمون أبدًا حال هؤلاء المساكين ولا يرثون لحال الأمّهات اللّواتي ربّين أطفالهن بكمال المحبّة وكم من ليال سهرن فيها على راحة أبنائهنّ وكم من أيّام عانين فيها المشاق من أجل تربيتهم إلى أن أوصلنهم إلى البلوغ. فهل يجوز أن ترى الأمّهات والآباء الألوف من أبنائهم تتمزّق إربًا إربًا يوم واحد؟ فأيّة وحشية هذه الوحشيّة وأيّة غفلة وجهالة هذه! وأيّة بغضاء وعداوة هذه!
فالحيوانات المفترسة تفترس مدفوعة بطلب قوتها الضّروريّ، والذّئب يفترس في اليوم حملاً واحدًا. أمّا الإنسان عديم الإنصاف فإنّه في يوم واحد يمرّغ مائة ألف نفس في الدّماء والتّراب ويفتخر قائلاً: إنّني أصبحت بطلاً وبلغت من الشّجاعة والبأس حدًّا أهلكت فيه في يوم واحد مائة ألف ودمّرت مملكة كاملة.
لاحظوا أنّ جهل الإنسان وغفلته بلغت إلى درجة لو يقتل إنسان شخصًا واحدًا فإنّهم يسمّونه قاتلاً ويعاقبونه بعقاب الموت أو الحبس الأبديّ ولكنّهم إذا شاهدوا إنسانًا يقتل في يوم واحد مائة ألف شخص فإنّهم يسمّونه القائد الأعظم وأشجع أهل زمانه. ولو سرق إنسان ريالاً واحدًا من أموال الآخرين فإنّهم يسمّونه خائنًا ظالمًا ولكنّه إذا أغار على مملكة كاملة ونهبها فإنّهم يسمّونه الفاتح العظيم. فما أعظم هذه الجهالة وما أشدّ هذه الغفلة!
وخلاصة القول لقد كانت العداوات والمشاحنات في إيران بين المذاهب والأديان المختلفة في أوجها وكذلك كانت الأديان في منتهى العداوة في سائر ممالك آسيا وكان أتباع المذاهب المختلفة يسفك بعضهم دم البعض الآخر وكانت القبائل والأجناس المختلفة في حرب وجدال ونزاع وقتال مستديم وكانوا يفاخرون في قتل أبناء نوعهم. وإذا تغلّب دين على آخر نهب القوم بعضهم بعضًا وفخروا بهذا منتهى

الفخر. ففي وقتٍ مثل هذا ظهر حضرة بهاء الله في إيران وأسّس وحدة العالم الإنسانيّ ووضع أساس الصّلح الأكبر ودعا الجميع عبادًا للرّﺤﻤﻥ والّذي هو خالق الكلّ ورازق الكلّ وهو رؤوف بالكلّ فلماذا لا نرأف ببعضنا؟ وهو رؤوف رحيم بعباده. ولماذا يكون بعضنا أعداء البعض الآخر ما دام الله يحبّ الجميع ولماذا تكون بيننا عداوة وبغضاء؟ ما دام الخالق رؤوفًا بالجميع ويرزق الجميع ويربّيهم لهذا يجب علينا نحن أيضًا أن نحبّ الجميع ونرأف بالجميع، هذه هي السّياسة الإلهيّة وعلينا نحن أن نتّبع السّياسة الإلهيّة.
فهل يمكن أن يؤسّس البشر سياسة أحسن من السّياسة الإلهيّة؟ إنّ هذا غير ممكن أبدًا.
إذن يجب أن نتّبع السّياسة الإلهيّة وكما أنّ الله رؤوف يعامل الجميع بالمحبّة والرّأفة فكذلك نحن يجب أن نكون رؤوفين بالجميع.
وخلاصة القول إنّ حضرة بهاء الله وضع أساس الصّلح العام ورفع نداء وحدة العالم الإنسانيّ ونشر تعاليم الصّلح والسّلام في الشّرق وكتب في هذا الخصوص ألواحًا إلى جميع الملوك وحثَّ الكلّ على الصّلح والسّلام وأعلن للجميع أنّ عزّة العالم الإنسانيّ في الصّلح والسّلام وذلك قبل ستّين سنة.
وبما أنّ أمره تضمّن تعاليم السّلام فقد قام ملوك الشّرق على مخالفته لأنّهم زعموا أنّ نداءه منافٍ لمصالحهم وأهوائهم وآذوه بكلّ نوع من الأذى فضربوه ضربًا مبرّحًا وحبسوه حبسًا شديدًا ونفوه إلى بلاد بعيدة ثمّ حبسوه أخيرًا في قلعة وقاموا على مقاومة أحبّائه.
ومن أجل هذه المسألة أي مسألة ترك التّقاليد الوهميّة وتأسيس الوحدة الإنسانيّة والصّلح والاتّحاد سفكوا دم عشرين ألف نفر. فكم من أسر بدّدوها وكم من نفوس سلبوها وقتلوها.

لكنّ أحبّاء حضرة بهاء الله لم يهنوا أبدًا وما زالوا يسعون حتّى الآن بقلوبهم منتهى السّعي ويرجون الصّلح والاتّفاق وهم قائمون على هذا الأمر الخطير اليوم قيامًا فعليًّا.
إنّ جميع الطّوائف الّتي قبلت تعاليم حضرة بهاء الله أصبحت حماة الصّلح العام ومروّجة لوحدة العالم الإنسانيّ ولها منتهى المحبّة نحو النّوع البشريّ لأنّها تعرف أنّ الجميع كلّهم عبيد إله واحد وكلّهم من جنس واحد وسلالة واحدة وغاية ما في الأمر أنّ البعض جاهل تجب تربيته ومريض تجب معالجته وأطفال يجب تعليمهم وتلقينهم الآداب فلن يجوز اعتبار الطّفل عدوًّا ولن تجوز عداوة المريض بل تجب معالجته. وكذلك الجاهل يجب تعليمه وتربيته.
إنّ أسّ أساس الأديان الإلهيّة هو الألفة ومحبّة البشر ولو كان الدّين الإلهيّ سبب البغضاء والعداوة فإنّه ليس دينًا إلهيًّا لأنّ الدّين يجب أن يكون الاتّحاد وسبب ترويج الألفة والوفاق.
لكنّ مجرد معرفة الشّيء لا يكفي. فكلّنا يعرف أنّ العدل خير لكن لزم لذلك قوّة تنفيذيّة. فمثلاً لو علمنا أنّ بناء المعبد خير فإنّ مجرد العلم بهذا لا يحقّق المعبد أو يجلبه إلى حيّز الوجود بل ينبغي أن تكون هناك إرادة وعزم على البناء ثمّ تلزم الثّروة بعد ذلك. ومجرد العلم لا يكفي. وكلّنا يعلم أنّ الصّلح خير وسبب للحياة لكنّنا في حاجة إلى العمل والتّرويج له.
وحيث إنّ هذا العصر عصر نورانيّ والاستعداد للصّلح موجود فلا بدّ أن تنتشر هذه الأفكار وتبلغ مرحلة العمل والتّنفيذ ومن المؤكّد أنّ الزمان ينشئ حماة الصّلح ويربّيهم. وهناك في جميع أقاليم العالم حماة للصّلح.
وخلاصة القول إنّ أعظم سبب للصّلح هو أساس الأديان الإلهيّة

ولو زال سوء التّفاهم من بين الأديان فإنّكم ستلاحظون أنّ الجميع يصبحون حماة للصّلح ومروّجين لوحدة العالم الإنسانيّ لأنّ أساس كلّ الأديان واحد وهو الحقيقة. والحقيقة لا تقبل التّعدّد والانقسام. فمثلاً إنّ حضرة موسى روَّج الحقيقة وحضرة المسيح أسّس الحقيقة وكان حضرة محمّد حاميًا للحقيقة وكان جميع الأنبياء نورًا للحقيقة وقد رفع حضرة بهاء الله راية الحقيقة وروّج الصّلح العام وتفضّل بوحدة العالم الإنسانيّ ولم يجد الرّاحة آنًا واحدًا في سجنه حتّى رفع علم الصّلح في الشّرق وإنّ جميع النّفوس الّتي قبلت تعاليمه أصبحت حامية للصّلح تنفق أرواحها وأموالها في سبيله وكما أنّ النّاس في أمريكا أصبحوا مضرب المثل في الآفاق في رقيّهم المادّيّ واشتهروا في نشر العلوم ورقيّ الصّنائع بالهمّة العالية فكذلك ينبغي أن يكونوا في غاية الغيرة في نشر الصّلح العام حتّى يؤيّدوا ويسري هذا الأمر الخطير من هذا المكان إلى سائر الجهات وإنّي لأدعو في حقّكم حتّى تتوفّقوا وتؤيّدوا في هذا.

التّطور والتّجدّد
الخطبة المباركة ألقيت في مؤتمر الموحّدين بمعبد ترامونت
في بوسطن – أمريكا في 22 أيّار سنة 1912
هو الله
وصلت من السّفر توًّا في هذه اللّيلة وأنا متعب ومع هذا فسوف أتكلّم قليلاً لأنّني أرى جمعًا محترمًا قد حضر إلى هذا المكان وأرى لزامًا عليّ أن أتكلّم.
لاحظوا أنّ جميع الكائنات في حركة لأنّ الحركة دليل على الوجود والسّكون دليل على الموت وكلّ كائن ترونه متحرّكًا فهو حيّ وكلّ كائن ترونه غيرمتحرّك فهو ميّت.
إنذ جميع الكائنات في تطوّر ونموّ وليس لها سكون أبدًا ومن بين الكائنات المعقولة الدّين. فيجب إذًا أن يكون الدّين متحرّكًا، وأن ينمو يومًا فيومًا وإنّه لم يتحرك بقي خامدًا وصار ذابلاً لأنّ الفيوضات الإلهيّة مستمرّة.
وما دامت الفيوضات الإلهيّة مستمرّة فالدّين إذًا يجب أن ينمو ويترعرع.
وإذا دقّقتم النّظر ترون أنّ جميع الأمور قد تجدّدت لأنّ هذا القرن النّورانيّ هو قرن تجديد جميع الأشياء، فقد تجدّدت العلوم

والفنون وتجدّدت المخترعات والمكتشفات وتجدّدت الأنظمة والقوانين وتجدّدت التّقاليد والعادات وتجدّدت الأفكار ولم يعد لعلوم القرون الماضية وقوانينها وعاداتها فائدة لأنّ هذا القرن قرن المعجزات وقرن ظهور الحقيقة وهو كالشّمس السّاطعة بين القرون الماضية.
تأمّلوا قليلاً في العلوم فهل هناك فائدة من علوم القرون الماضية؟ أو هل هناك فائدة للقوانين الطّبية القديمة؟ أو هل للنّظم الاستبدادية القديمة من فائدة؟ فواضح أنّ كلّ واحد منها لا فائدة منه فكيف تكون هناك فائدة اليوم من تقاليد الأديان الماضية؟ تلك التّقاليد الّتي نشأت من الأوهام لا من أساس رسالات أنبياء الله. وهل يمكن اليوم أن تنتج فائدة وخاصّة لدى أولي العقل والعلم؟
فهؤلاء يرون أنّ هذه التّقاليد ليست مطابقة للحقيقة والعلم بل هي مجرّد أوهام لهذا فقد تمسّك المادّيّون اليوم بهذه الذّريعة وصاروا يقاومون الأديان.
ولكنّ أنبياء الله أسّسوا الدّين الحقيقيّ وهم براء من هذه التّقاليد. فهم نشروا معرفة الله وأظهروا الأدلّة العقليّة وشيّدوا صرح الأخلاق الإنسانيّة وروَّجوا فضائل العالم الإنسانيّ. وقد كانت هذه الأسس الّتي وضعها الأنبياء سبب حياة البشر وسبب نورانيّة العالم الإنسانيّ.
ولكن وللأسف تبدّلت تلك الحقائق الّتي نشرها الأنبياء تبدّلاً كلّيًّا. ومحت تعاليمهم الّتي تحمّلوا البلايا والمحن العظيمة من أجل تنفيذها نتيجة تفشّي التّقاليد. فقد تحمّل وكابد كلّ واحد من الأنبياء محنًا وعذابًا يفوق طاقة البشر ونفي بعضهم حتّى أسّسوا الأساس الإلهيّ ولكن لم تمضِ مدّة حتّى ذهب أساس الحقيقة وحلَّت محلّه التّقاليد. وحيث إنّ التّقاليد كانت مختلفة لذا فقد صارت سبب الاختلاف والنّزاع بين البشر فانتشرت الحروب في ما بينهم.

ولكنّ الأنبياء لا يعلمون شيئًا عن هذه التّقاليد بل هم براء منها لأنّهم واضعو أسس الحقيقة. فإذا تركت أمم العالم هذه التّقاليد اليوم وتحرّت الحقيقة فإنّها لا شكّ تتّحد وتتّفق.
والحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد. والحقيقة هي نور التّوحيد وأساس وحدة العالم الإنسانيّ أمّا التّقاليد فإنّها سبب فرقة البشر ومنشأ الحرب والجدال.
إنّ جميع الأديان الّتي تعرفونها اليوم ناشئة عن تقليد الآباء والأجداد. فالشّخص اليهوديّ أبوه يهوديّ ولذلك فهو يهوديّ أيضًا ولو كان أبوه مسيحيًّا لكان هو مسيحيًّا أيضًا. وذاك أبوه بوذيّ فأصبح هو بوذيًّا أيضًا ولو كان والده زرادشتيًّا لكان هو زرادشتيًّا أيضًا فهؤلاء الأولاد كلّهم يقلّدون آباءهم ولا يتحرّون الحقيقة أبدًا وقد بقوا تحت وطأة التّقاليد وصارت هذه التّقاليد سبب اضطراب العالم الإنسانيّ وما لم تمحَ هذه التّقاليد لا يحصل اتّحاد واتّفاق وما لم تزل هذه التّقاليد فلن تكون راحة وطمأنينة في العالم الإنسانيّ.
إذن يجب أن تتجدّد حقيقة الأديان الإلهيّة مرّة أخرى لأنّ كلّ دين هو بمثابة حبّة نبتت ونشأت منها أغصان وأزهار وظهرت ثمارها لكنّ هذه الشّجرة أصبحت اليوم قديمة وتساقطت أوراقها وتوقّف إثمارها بل اهترأت فما الفائدة بعد هذا من التّشبّث بها. إذن يجب أن نزرع البذرة من جديد.
وبالنّظر إلى أنّ أساس الأديان الإلهيّة واحد فإذا ترك البشر التّقاليد جانبًا اتّحدت جميع الأمم والأديان وأصبح الجميع رحماء ولم يبقَ نزاع في ما بينهم قطّ لأنّ الكلّ عبيد إله واحد والله رؤوف بالكلّ ورازق للكلّ ومحيي للكلّ ومعطي للكلّ كما يتفضّل حضرة المسيح: "إنّ الشّمس الإلهيّة تشرق على العاصي والمطيع" وهذا يعني أنّ رحمة الله عامّة وأنّ كلّ البشر في ظلّ عناية الحقّ غارقون في بحر النّعمة الإلهيّة وأنّ الفيض والموهبة الإلهيّة شاملة للكلّ.

وقد تهيّأ للجميع طريق التّرقي اليوم. والتّرقي قسمان: جسمانيّ وروحانيّ. فالتّرقي الجسمانيّ سبب الرّاحة في الحياة الدّنيا أمّا التّرقي الرّوحانيّ فسبب عزّة العالم الإنسانيّ لأنّه يخدم العالم الإنسانيّ وعالم الأخلاق. وهكذا فالمدنيّة الجسمانيّة سبب السّعادة الدّنيويّة أمّا المدنيّة الإلهيّة فسبب العزّة الأبديّة لعموم البشر.
وقد أسّس أنبياء الله المدنيّة الرّوحانيّة وخدموا عالم الأخلاق وبنوا الأخوّة الرّوحانيّة، والأخوّة على أنواع فهناك أخوّة عائليّة وأخوّة وطنيّة وأخوّة جنسيّة وأخوّة أدبيّة وأخوّة لغويّة ولكنّ هذه الأنواع من الأخوّة لا تؤدّي إلى إزالة التّنازع والتّقاتل بين البشر. أمّا الأخوّة الرّوحانيّة المنبعثة من الرّوح القدس فإنّها تؤدّي إلى حصول الارتباط التّام بين البشر وتقتلع جذور الحرب اقتلاعًا تامًّا وتجعل الأمم المختلفة أمّة واحدة والأوطان المتعدّدة وطنًا واحدًا لأنّها تؤسّس الوحدة وتخدم الصّلح العموميّ.
لهذا يجب أن نعرف أساس الأديان الإلهيّة وأن ننسى هذه التّقاليد وأن ننشر حقيقة التّعاليم الإلهيّة ونعمل بموجبها حتّى تنتشر الأخوّة الرّوحانيّة العموميّة بين البشر. وإنّ هذا لن يتحقّق بغير قوّة الرّوح القدس، فالسّعادة النّاسوتيّة تتحقّق بها، والعزّة اللاّهوتيّة تتحقّق بها، والاستفاضة من الفيض الأبديّ في جميع المراتب تتحقّق بها، وإعلان الصّلح العموميّ يتحقّق بها، ووحدة العالم الإنسانيّ تتحقّق بها، وبقوّة الرّوح القدس هذه يصبح هذا القرن نورانيًّا ويتحقّق النّجاح والفلاح ويتّحد عموم البشر وتصبح جميع الأوطان وطنًا واحدًا وجميع الملل ملّة واحدة وليست هناك منقبة أرفع من هذه في العالم الإنسانيّ.
ولله الحمد لقد ترقّت العلوم والفنون في هذا القرن وفاز النّاس بحرّيّة أكثر من ذي قبل وارتقت العدالة وأصبح هذا القرن جديرًا بالعنايات الرّبّانيّة. لقد حلّ قرن تأسيس الصّلح العموميّ ووحدة العالم الإنسانيّ.

العلمُ نورٌ
الخطبة المباركة ألقيت في جامعة كلارك في 23 أيّار 1912
هو الله
أيّها الحفل المحترم!
إنّي في غاية السّرور لحضوري في حفل هذه الكلّيّة ولقد كنت أشتاق مشاهدة هذه الكلّيّة والحمد لله إذ تحقّق هذا الأمل.
إنّ الكلّيّات منبع لمنافع عظيمة وإنّ العلم أعظم منقبة للعالم الإنسانيّ. يمتاز الإنسان عن الحيوان بالعقل والعلم. وبالعلم يكشف الإنسان أسرار الكائنات، وبالعلم يطّلع الإنسان على أسرار القرون الماضية وبالعلم يكشف الإنسان كوامن الأرض وبالعلم يكشف الإنسان حركات الأجرام السّماويّة العظيمة. العلم سبب العزّة الأبديّة للإنسان والعلم سبب شرف العالم الإنسانيّ، العلم سبب السّمعة والشّهرة الحسنة للإنسان والعلم يكشف أسرار الكتب السّماويّة والعلم يكشف أسرار الحقيقة والعلم يخدم عالم الحقيقة. العلم ينجّي الأديان السّابقة من التّقاليد والعلم يكشف حقيقة الأديان الإلهيّة. العلم أعظم منقبة للعالم الإنسانيّ. العلم ينجّي الإنسان من أسر عالم الطّبيعة والعلم يكسر شوكة النّواميس الطّبيعيّة.
إنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة، فهذه الأجرام العظيمة أسيرة

للطّبيعة وكرة الأرض بعظمتها أسيرة للطّبيعة وعوالم النّبات والأشجار والحيوان أسيرة للطّبيعة ولا يستطيع أحدها أن يتجاوز قيد شعرة عن قانون الطّبيعة. وهذه الشّمس على ما هي عليه من العظمة لا تخرج مقدار ذرّة واحدة عن قانون الطّبيعة. أمّا الإنسان فبالعلم يخرق قانون الطّبيعة وبقوّة العلم يكسر نظام الطّبيعة ومع أنّه مخلوق ترابيّ فإنّه يطير في الهواء ويمرح فوق سطح البحر ويجول ويصول تحت البحر فيأخذ السّيف من يد الطّبيعة ويغمده في كبد الطّبيعة ويقوم بكلّ هذا بقوّة العلم. فمثلاً نلاحظ الإنسان يحبس هذه القوّة الكهربائيّة العاصية الطّاغية في زجاجة ويحصر الصوت الطّليق كذلك ويهزّ المحيط الجوّي بالمخابرة ويقود سفينة فوق صحراء ويحوّل اليابسة بحرًا ويخترق الجبال ويؤلّف بين الغرب والشّرق ويعانق الجنوب مع الشّمال ويكشف أسرار الطّبيعة المكنونة وهذا أمر خارج على قانون الطّبيعة ويأتي بجميع الصّنائع والبدائع والاختراعات بقوّة العلم من حيّز الغيب إلى عالم الشّهود وكلّ هذه الأعمال أمور خارجة على قانون الطّبيعة ولكنّها تتحقّق وتتمّ بقوّة العلم.
والخلاصة أنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة أمّا الإنسان فإنّه طليق. وهذه الحرّيّة إنّما نالها بواسطة العلم، فالعلم يضرب قواعد الطّبيعة وأحكامها بعضها ببعض ويقلّب نظام الطّبيعة ويقوم بكلّ هذا بقوّة العلم، إذن اتّضح أنّ العلم أعظم مناقب العالم الإنسانيّ وأنّ العلم عزّة أبديّة وأنّ العلم حياة سرمديّة.
لاحظوا حياة مشاهير العلماء فإنّهم وإن فنوا وتلاشوا إلاّ أن علمهم باقٍ. إنّ سلطنة ملوك العالم سلطنة مؤقّتة ولكنّ سلطنة الشّخص العالم أبديّة وصيته وشهرته سرمديّان والإنسان العالم يصبح بقوّة العلم شهير الآفاق وكاشفًا لأسرار الكائنات.
إنّ الشّخص الذّليل يصبح بالعلم عزيزًا والمجهول يصبح شهيرًا

ويشرق كالشّمع المنير بين الملل لأنّ العلم أنوار والشّخص العالم مثل السّراج الوهّاج.
جميع الخلق أموات والعلماء أحياء وجميع الخلق بلا صيت والعلماء مشاهير. لاحظوا مشاهير العلماء السّالفين الّذين تلمع نجمة عزّتهم من الأفق الأبديّ وهم باقون إلى أبد الآباد.
لهذا فإنّني في غاية السّرور لحضوري في هذه الكلّيّة كلّيّة العلوم والفنون وأملي أن يصبح هذا المركز عظيمًا وينوّر جميع الآفاق بأنوار العلوم فيبصر العمي ويسمع الصّمّ ويحيي الموتى ويبدّل ظلمة الأرض إلى نور. فالعلم نور والجهل ظلمة كما ورد في الإنجيل عن حضرة إشعيا أنّه تفضّل: "إنّ هؤلاء النّاس لهم عيون ولكنّهم لا يبصرون ولهم آذان ولكنّهم لا يسمعون ولهم عقول ولكنّهم لا يفقهون". وتفضّل حضرة المسيح في الكتاب المقدّس" "إنّني أشفي هؤلاء".
إذن ثبت أنّ الجاهل ميّت والعالم حيّ والجاهل أعمى والعالم بصير والجاهل أصمّ والعالم سميع وأنّ أشرف مناقب العالم الإنسانيّ هو العلم.
الحمد لله إنّ العلم في هذا الإقليم في ارتقاء مستمرّ ولقد تأسّست مدارس وكلّيّات للعلوم والفنون ويجهد التّلاميذ في هذه المدارس بمنتهى جهدهم ويكشفون حقائق العالم الإنسانيّ وأملي أن تقتدي سائر الممالك بهذه المملكة وتشيد مدارس عديدة لتربية أولادهم وترفع راية العلم حتّى يتنوّر العالم الإنسانيّ وتظهر حقائق وأسرار الكائنات فلا تبقى هذه التّعصّبات الجاهليّة وتزول هذ التّقاليد الموهومة الّتي هي السّبب في الاختلاف بين الأمم. وأملي أن يتبدّل الاختلاف بالائتلاف ويرتفع علم وحدة العالم الإنسانيّ وتظلّل خيمة الصّلح العمومي جميع الأقطار في العالم.

إنّ العلم يوحّد جميع البشر والعلم يجعل كلّ الممالك مملكة واحدة ويجعل جميع الأوطان وطنًا واحدًا. والعلم يوحّد جميع الأديان في دين واحد لأنّ العلم يكشف الحقيقة. والأديان كلّها حقيقة واحدة ولكنّ العالم البشريّ الآن غريق بحر التّقاليد. وهذه التّقاليد أوهام محضة. إنّ العلم يستأصل هذه التّقاليد من جذورها ويشتّت هذه السّحب المظلمة الّتي تحجب شمس الحقيقة وتظهر حقيقة الأديان الإلهيّة وحيث إنّ الحقيقة واحدة فإنّ جميع الأديان الإلهيّة تتّحد وتتّفق ولا يبقى اختلاف وينهدم النّزاع والجدال وتتجلّى وحدة العالم الإنسانيّ.
إنّ العلم هو الّذي يزيل الأوهام وإنّ العلم هو الّذي يظهر نورانيّة الملكوت ولهذا فإنّني أرجو الله أن ترتفع راية العلم يومًا فيومًا ويسطع كوكب العلم سطوعًا أشدّ حتّى يستنير جميع البشر من نور العلم وترتقي العقول وتزداد المشاعر الإنسانيّة وتتزايد الاكتشافات ويرتقي الإنسان في جميع مراتب الكمالات وتتحقّق منتهى السّعادة في ظلّ الإله الأكبر ولا يمكن تحقّق هذه المسائل تحقّقا واقعيًّا بغير العلم الحقيقيّ.
لقد جئت من بلاد بعيدة حتّى أحضر في هذه المجامع المحترمة العلميّة وأشاهد هذه الأنظمة وهذه التّشكيلات وأنال منتهى السّرور ولعل هذه النّظم العلميّة والفنيّة تجري في ممالك الشّرق ويروّج العلم في الشّرق وعندما أعود إلى الشّرق سأشوّق الجميع على تحصيل العلوم والفنون المفيدة.
وأملي أن تبذلوا أنتم الهمّة أيضًا وتؤسّسوا في ممالك الشّرق مدارس مهمّة.
وكذلك أبناء الشّرق من هنود وصينيّين ويابانيّين وعرب وأرمن وممّن ينهلون العلوم والفنون من مناهل هذه البلاد حينما يعودون إلى

أوطانهم يقومون بنشر العلوم والصّنائع والمخترعات حتّى تصبح الأقطار الشّرقية مطابقة للأقطار الغربيّة لأنّ أهالي الشّرق ذوو استعداد كبير ولكنّ وسائل التّربية العامّة لم تكن مهيّئة حتّى الآن فليست هناك مدارس مثل هذه المدارس.
ولهذا فأملي أن ينال الشّرق في القريب العاجل نصيبًا وافرًا من أنوار العلوم والحكمة الإلهيّة والفنون العصريّة حتّى يسطع نور العلم على جميع الآفاق وينوّر جميع الأقطار ويتحقّق بين البشر ارتباط تامّ وتتجلّى سعادة العالم الإنسانيّ وتنتشر تجلّيات العلوم الإلهيّة في آفاق الشّرق والغرب انتشارًا كلّيًّا وتبقى حقوق العموم محفوظة ويرتقي أفراد النّاس يومًا فيومًا في الفضائل ويحصل منتهى الاتّحاد والاتّفاق بين الأمم. هذا منتهى أملي وهذا هو المقصود من سفري إلى أمريكا.

وحدة أساس الأديان
الخطبة المباركة ألقيت في مجمع الأحرار الأميركيّين
في مدينة بوسطن بقاعة فرد في مساء 24 أيّار 1912
هو الله
أيّها الطّالبون للحقيقة! لقد نزلت الأديان الإلهيّة من أجل المحبّة بين البشر ومن أجل الألفة ومن أجل وحدة العالم الإنسانيّ لكن وللأسف بدّل أصحاب الأديان النّور بالظّلمة وصار كلّ واحد يعتبر كلّ نبيّ عدوًا للنّبي الآخر.
فمثلاً يعتبر اليهود حضرة المسيح عدوًّا لحضرة موسى، ويعتبر المسيحيّون حضرة زرادشت عدوًّا لحضرة المسيح ويعتبر البوذيّون حضرة زرادشت عدوًّا لحضرة بوذا والجميع يعتبرون حضرة محمّد مخالفًا لجميع الأنبياء وجميعهم ينكرون حضرة الباب وحضرة بهاء الله في حين أنّ مبدأ هؤلاء العظماء واحد وحقيقة شريعتهم واحدة ومقصدهم واحد وأساس تعاليمهم واحد وجميعهم متّحدون ومتّفقون وجميعهم يرشدون إلى إله واحد مروّجين شريعة إله واحد.
فمثلاً كان حضرة زرادشت نبيًّا متّفقا تمامًا في رأيه مع رأي حضرة المسيح بحيث لم يوجد تفاوت بين تعاليمهما. وكذلك فإنّ تعاليم بوذا ليست مخالفة لتعاليم حضرة المسيح وكذا سائر الأنبياء.

فالأنبياء جميعًا مبدؤهم واحد ومقصدهم واحد وشريعتهم واحدة وتعاليمهم واحدة ولكن وللأسف حلّت فيما بعد التّقاليد بين النّاس وصارت تلك التّقاليد سبب الاختلاف لأنّ هذه التّقاليد لم تكن حقيقة بل كانت أوهامًا، وهي مخالفة تمامًا لشريعة المسيح ومعاكسة للتّعاليم والنّواميس الإلهيّة ولذلك فقد أضحت سبب النّزاع والجدال في حين أنّ الأديان يجب أن تكون في منتهى الألفة في ما بينها لكنّها أوجدت منتهى الاختلاف. وبدل أن يتقرّب بعضها من بعض قامت على القتال وبدل أن يتعاون ويتعاضد بعضها مع البعض الآخر راحت تحارب بعضها للبعض الآخر ولهذا لم يرَ العالم الإنسانيّ منذ بدايته حتّى الآن راحة بال وكانت هناك دومًا حروب ومشاحنات بين الأديان ولو نظرتم إلى حقيقتها لبكيتم ليلاً ونهارًا لأنّها جعلت أمر الله الّذي هو أساس المحبّة سببًا للخلاف لأنّ شريعة الله هي بمثابة العلاج فإنّ أُخذ العلاج بطريقة صحيحة صار سبب الشّفاء ولكن وللأسف كانت هذه العلاجات في يد طبيب غير حاذق فصار العلاج الّذي هو سبب الشّفاء سببًا للمرض وبدل أن يكون سبب الحياة صار سبب الممات ولا يمنح الطّبيب غير الحاذق شفاء ولا يجدي علاجه نفعًا بل يكون سبب الممات لأنّ العلاج وقع بيده وهو غير الحاذق.
لقد ظهر حضرة بهاء الله في إيران منذ ستّين سنة وكانت إيران عند ظهوره مسرحًا لعداوات بين الأديان والمذاهب والأجناس المختلفة بحيث كان الرّؤساء يسبّون بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا وشرب بعضهم دماء البعض الآخر. وقد أعلن حضرة بهاء الله وحدة العالم الإنسانيّ وأعلن أنّ الدّين يجب أن يكون سبب المحبّة والألفة وسبب الحياة، فإن أصبح الدّين سبب العداواة كان عدمه خيرًا من وجوده. لأنّ المقصد من الدّين هو إيجاد المحبّة بين البشر، وعندما تحصل العداواة بين البشر بسببه فلا شكّ أنّ عدمه أحسن من وجوده.

وكذلك أعلن حضرة بهاء الله أنّ الدّين يجب أن يطابق العلم لأنّ العلم حقيقة والدّين حقيقة ويستحيل ظهور الاختلافات في الحقيقة الواحدة. فإن كانت مسألة من المسائل الدّينيّة مخالفة للعقل والعلم فإنّه وهمٌ محض ولا أساس لها أبدًا، لأنّ كلّ ما هو ضدّ العلم والعقل فهو جهل وهذا أمر واضح وضوح الشّمس.
إنّ عالم البشر مستظلّ في ظلّ الإله الأكبر والجميع عبيد الله وهم مرتاحون في ظلّ الشّجرة الإلهيّة. وقد خلق الله الجميع وهو يرزق الجميع ويربّي الجميع ويحفظ الجميع وما دام هو رؤوفًا بالجميع فلماذا نكون نحن قساة؟ وما دام الله يحبّ عباده فلماذا نبغض ونعادي؟ وما دام الله في صلح مع الجميع فلماذا نشغل أنفسنا بالحروب والمشاحنات؟ ولقد خلقنا الله من أجل المحبّة والأخوّة لا للعداوة. وخلقنا الله للصّلح والسّلام لا للحرب والنّزال. فلماذا نبدّل هذه الصّفات الرّحمانيّة بالصّفات الشّيطانيّة؟ ولماذا نقاوم هذه النّورانيّة بالظّلمة؟ ولماذا نقابل هذه المحبّة الإلهيّة بالعداوة؟ فلقد تخاصمنا وتنازعنا مدّة ستة آلاف سنة والآن في هذا القرن النّورانيّ يجب أن نتحابّ ونتآلف. وهناك اليوم عداوة وبغضاء عظيمة بين الأديان فأيّة ثمرة حصلت من ذلك؟ وأيّة فائدة ترتّبت على ذلك البشر؟ ألا يكفي هذا؟
إنّ هذا العصر عصر نورانيّ. هذا عصر يتوجّب علينا فيه أن نتحرّر من هذه الأوهام، هذا عصر يجب أن تمحى فيه الخصومة والبغضاء. وهذا عصر يجب أن تصبح فيه الأديان دينًا واحدًا. وهذا عصر يجب فيه أن تتّحد المذاهب وتتآلف في ما بينها بالمحبّة واللّطف. لأنّنا جميعنا عبيد إله واحد. وقد جئنا إلى الوجود برحمة عظمى واحدة وكلّنا استنرنا من شمس واحدة ووجدنا الحياة من روح واحدة وغاية ما في الأمر أنّ بعضنا مريض تجب معالجته بمنتهى الرّأفة وبعضنا جاهل

يجب تعليمه وبعضنا طفل تجب تربيته كي تبدّد شمس الأخوّة السّماويّة هذه السّحب المظلمة. يجب أن لا نبغض أحدًا ويجب أن لا نعادي أحدًا. فالجميع آباء والجميع أمّهات والجميع إخوان والجميع أخوات. والاتّحاد الّذي أوجده الله يجب أن لا نكون سببًا في زواله وأن لا نخرّب البنيان الّذي أسّسه الله من أجل محبّته وأن لا نقاوم الإرادة الإلهيّة بل نتّبع السّياسة الإلهيّة ونسلك سبيلها ولا شكّ أنّ السّياسة الإلهيّة فوق سياسة الإنسان لأنّ الإنسان مهما ارتقى فإنّه يبقى ناقصًا غير كامل أمّا السّياسة الإلهيّة فكاملة لذلك يجب علينا أن نقتبس من السّياسة الإلهيّة ونسلك مع الآخرين بنفس السّلوك الّذي يسلكه الله مع عباده ونقتدي بالله. فنحن نشاهد آثار الله الباهرة ونشاهد حكمته ورحمته وقوّته وقدرته لذلك يجب أن نترك الأوهام والتّقاليد جانبًا ونتمسّك بالحقّ ونتجنّب الاختلاف والتّباعد ومعاذ الله أن يكون أنبياء الله راضين بهذا فأنبياء الله جميعهم روح واحدة وكلّهم علّموا البشريّة تعليمًا واحدًا. وتعاليم أنبياء الله روح محضة وحقيقة محضة ومحبّة محضة وألفة محضة. لذا يجب أن نتّبع أنبياء الله.

التّقرّب إلى الله
الخطبة المباركة ألقيت في كنيسة المعمدانيّين في
نيويورك – أمريكا مساء 26 أيّار سنة 1912
هو الله
لقد جاء هذه اللّيلة في أثناء النّشيد شيء من ذكر التّقرب إلى الله. إنّ التّقرب إلى الله هو أعظم موهبة في العالم الإنسانيّ، وكلّ شرف وكلّ فضيلة وكلّ موهبة يتيسّر حصولها للإنسان إنّما تتيسّر بالتّقرّب إلى الله.
إنّ جميع الأنبياء والرّسل كانوا يريدون التّقرّب إلى الله وكم من ليالٍ بكوا وكم من أيّام تضرّعوا وابتهلوا فيها طلبًا للتقرّب إلى الله ولكنّ الحصول عليه ليس بأمر يسير فقد كان جميع البشر طالبين التّقرّب إلى الله في اليوم الّذي ظهر فيه حضرة المسيح ولم يفز أحد بهذا المقام إلاّ الحواريّون فقد فازت تلك النّفوس المباركة بالتّقرّب إلى الله لأن التّقرّب إلى الله مشروط بشرط محبّة الله والتّقرب إلى الله مشروط باكتساب معرفة الله وبالانقطاع عمّا سوى الله.
ويتمّ التّقرب إلى الله بالتّضحية بالرّوح ويتمّ بالفداء بالنّفس وبالرّوح وبالمال وبجميع الشّؤون. ويتمّ التّقرب إلى الله بالتّعميد بالرّوح وبالنّار وبالماء لأنّه يتفضّل في الإنجيل بأنّ كلّ نفسٍ يجب أن تتعمّد

بالماء والرّوح ويتفضّل في مكان آخر بأنّه يجب التّعميد بالنّار والرّوح، في حين يجب أن نعلم أنّ المقصود بالماء ماء الحياة والمقصود بالرّوح الرّوح القدس والمقصود بالنّار نار محبّة الله والمقصود من كلّ ذلك هو أنّ الإنسان يجب أن يتعمّد بماء الحياة وبالرّوح القدس وبنار محبّة الله حتّى يحصل على التّقرب إلى الله بعد حصوله على المقامات الثّلاثة.
هذا هو التّقرب إلى الله ولا يمكن الحصول عليه بالسّهولة ويتمّ الحصول عليه كما حصل عليه عشرون ألف بهائيّ بفدائهم أرواحهم. فالبهائيّون فدوا أموالهم وفدوا عزّتهم وفدوا راحتهم وفدوا أنفسهم العزيزة وتوجّهوا بمنتهى السّرور إلى مشهد الفداء فقطّعت أجسادهم إربًا إربًا وخرّبت بيوتهم ونهبت أموالهم وأسر أطفالهم وقد قبلوا جميع هذه البلايا بمنتهى السّرور والابتهاج بلى بمثل هذه التّضحيات يتحقّق التّقرب إلى الله.
ومن المعلوم أنّ التّقرب إلى الله لا يحدّد حدود الزّمان والمكان. فالتّقرب يتمّ بصفاء القلب ويتحقّق ببشارات الرّوح. لاحظوا المرآة تروها، حينما تكون صافية ومجرّدة من الصّدأ قريبة من الشّمس رغم وجود مسافة مائة ألف مليون ميل بينهما وبمجرّد الصّفاء واللّطافة تسطع الشّمس في تلك المرآة وكذا القلوب حينما تكون صافية لطيفة تقترب من الله وتسطع فيها شمس الحقيقة وتشتعل فيها نار محبّة الله وتنفتح عليها أبواب الفتوحات المعنويّة ويطّلع الإنسان على الرّموز والأسرار الإلهيّة ويقوم باكتشافات روحانيّة ويشاهد عالم الملكوت.
ولقد حصل جميع الأنبياء على التّقرّب إلى الله بهذه الواسطة إذن فنحن كذلك يجب أن نتّبع أثر تلك النّفوس المقدّسة ونترك أهواءنا وننجو من لوث العالم البشريّ حتّى تصبح القلوب مثل المرايا وتشرق منها أنوار الهداية الكبرى. ويتفضّل حضرة بهاء الله في الكلمات المكنونة بأنّ الله يخاطب البشر بواسطة أوليائه وأنبيائه ويقول: "فؤادك

منزلي قدّسه لنزولي وروحك منظري طهرّها لظهوري".
إذن فقد فهمنا من هذا أنّ التّقرب إلى الله يتمّ بالتّوجّه إلى الله والتّقرّب إلى الله يتمّ بالدّخول في ملكوت الله والتّقرّب إلى الله يتمّ بخدمة العالم الإنسانيّ والتّقرّب إلى الله يتمّ بمحبّة البشر والتّقرب إلى الله يتحقّق بالعطف على جميع البشر والتّقرّب إلى الله يتحقّق باتّحاد واتّفاق جميع الأمم والأديان والتّقرّب إلى الله يتحقّق بتحرّي الحقيقة ويتحقّق بتحصيل العلوم والفضائل ويتحقّق بخدمة الصّلح العموميّ ويتحقّق بالتّنزيه والتّقديس ويتحقّق بإنفاق الرّوح والمال والعزّة والمنصب.
لاحظوا أنّ الشّمس تشرق على جميع الكائنات لكنّ أنوار الشّمس تسطع في الصّفحة الطّاهرة المقدّسة سطوعًا قويًّا أمّا الحجر الأسود فلا نصيب له منها. والأرض الجرداء لا تنال شعاعًا من ذلك الإشراق والشّجرة اليابسة لا تنمو من حرارتها والعين العمياء لا تشاهد الأنوار في حين أنّ النّفوس ذوات الأعين الطّاهرة تشاهد الشّمس وتنال الأشجار النّضرة نصيبًا من إشراقها. إذًا يجب على الإنسان أن يعدّ نفسه وأن تكون له قابليّة. وما لم يكن لدى الإنسان استعداد وقابليّة فإنّ الفيوضات الإلهيّة لا تظهر فيه ولا تتجلّى.
ولو أمطرت سحب الرّحمة الإلهيّة ألف سنة على أرض سبخة فإنّها لا تنبت الورود والرّياحين. إذن يجب أن نجعل مزرعة القلب طيّبة طاهرة حتّى يمطر عليها مطر الرّحمة الإلهيّة وتنبت منها الورود والرّياحين ويجب أن نحصل على عيون مبصرة لكي نشاهد أنوار الشّمس ويجب أن نطهّر المشامّ حتّى نستنشق رائحة حديقة الأزهار ونعدّ المسامع حتّى نستمع نداء ملكوت الله.
أمّا إذا كانت الآذان صمّاء فإنّها لن تسمع أيّة نغمة تأتي من الملأ الأعلى ولن يبلغ سمعها نداء الملكوت. والمشامّ المزكوم لا يستشمّ

الرّائحة العطرة. إذًا يجب اكتساب القابليّة والاستعداد وما لم تحصل القابليّة والاستعداد فلن تؤثّر الفيوضات الإلهيّة، ويتفضّل حضرة المسيح في الإنجيل بأنّ البيانات الّتي أقولها لكم إنّما هي كالبذور الّتي يبذره الزّارع فبعض تلك البذور يقع على الصّخر والبعض يقع على أرض بور والبعض يقع بين الحشائش والبعض الآخر يقع في أرض طيّبة مباركة، فالبذر الّذي وقع في الأرض السّبخة يفسد ولا ينبت بأيّ وجه من الوجوه والبذرة الّتي تقع على صخرة تنمو نموًّا قليلاً ولكنّها بسبب قصر جذورها تجفّ والبذرة الّتي تقع بين الحشائش تختنق ولا تنبت. أمّا تلك البذرة الّتي تقع على الأرض الطّيبة فإنها تنبت إنباتًا وتخضرّ اخضرارًا وتصبح سنبلاً ثمّ بيدرًا. كما أنّ ما اتّحدث بها فإنّها لا تؤثّر أبدًا في بعض القلوب وتؤثّر في البعض الآخر تأثيرًا قليلاً تنساه بعد قليل. والبعض الآخر يغرق وصاياي ونصائحي في بحر أوهامهم الكثيرة. أمّا النّفوس المباركة فحينما يسمعون الوصايا والنّصائح تنبت تلك البذرة الطّاهرة في قلوبهم وتخضرّ وتزدهر فيرتقون يومًا بعد يوم رقيًّا لا نهاية ويلمعون لمعان النّجوم في أفق الهداية فلاحظوا أنّه ما لم تحصل اللّياقة والاستعداد لن يصل نداء الملكوت إلى السّمع.
إذن يجب علينا أن نبذل الجهد حتّى نحصل على الاستعداد واللّياقة وحتّى نسمع نداء الملكوت الأبهى وحتّى نسمع البشارات الإلهيّة فنحيا بنفثات الرّوح القدس ونصير سببًا لاتّحاد جميع الملل والأمم ونرفع علم وحدة العالم الإنسانيّ وننشر الأخوّة الرّوحانيّة بين البشر ونفوز بالرّضى الإلهيّ وبالحياة الأبديّة.
"يا إلهي الغفور إنّ هؤلاء العباد متوجّهون إلى ملكوتك ويطلبون الفيض والعناية. فيا إلهي اجعل القلوب طيّبة طاهرة حتّى تحصل على قابلية محبتك وطهّر الأرواح حتّى تتجلّى فيها أنوار شمس الحقيقة وطهّر العيون حتّى تشاهد أنوارك وطهّر الآذان وقدّسها حتّى تسمع نداء

ملكوتك. يا إلهي نحن ضعفاء وأنت القدير ونحن فقراء وأنت الغنيّ ونحن سائلون وأنت المقصود. إلهي ارحم واعفُ وأنعم علينا بالقابليّة والاستعداد حتّى نستحقّ ألطافك وننجذب إلى ملكوتك ونرتوي من ماء الحياة ونشتعل بنار محبّتك ونحيا بنفثات الرّوح القدس في هذا القرن النّورانيّ. إلهي إلهي تلطّف على هذا الجمع بنظرة عنايتك واحفظ الجميع وصنهم في حفظك وحمايتك وأنزل البركة السّماويّة لهؤلاء النّفوس واجعلهم مستغرقين في بحور رحمتك وأحيهم بنفثات الرّوح القدس. إلهي أيّد هذه الحكومة العادلة ووفّقها فهذا الإقليم هو في ظلّ حمايتك وهذه الملّة أرقّاؤك. إلهي فابذل عنايتك وامنحنا فضلك وموهبتك وعزّز هذه الملّة المحترمة واقبلها في ملكوتك. إنّك أنت المقتدر وإنّك أنت القدير وإنّك أنت الرّحمن وإنّك أنت المنعم العطوف وإنّك أنت كثير الإحسان".

حوار في المصيف
البيانات المباركة في بيت السّيّد بن شو في
مصيف ميلفرد في أمريكا في 3 حزيران سنة 1912
هو الله
نرجو أن نتذوّق في مجلسكم هذا من المائدة السّماويّة فإنّ ذلك يوافق تمامًا مذاقنا لأنّ هذه الجماعة الّتي اجتمعت هنا إنّما اجتمعت بالمحبّة وكلّ جماعة تجتمع بالمحبّة فهناك لا شكّ تكون المائدة السّماويّة.
وأصل المائدة السّماويّة هو المحبّة. وفي الإنجيل مذكور أنّ المائدة السّماويّة نزلت على بطرس. ومشهور لدى أهل الشّرق أنّها نزلت على حضرة المسيح. وكذلك مشهور أنّ المائدة الإلهيّة كانت تنزل على حضرة مريم. ولا شكّ أنّ هذا صحيح. فالمائدة السّماويّة نزلت على حضرة المسيح وعلى حضرة مريم كليهما. إنّ المائدة السّماويّة تكون وفقًا لمقتضى السّماء وإنّ مائدة الرّوح تكون بمقتضى الرّوح ومائدة العقل تكون بمقتضى العقل وتلك المائدة الّتي كانت تنزل على حضرة المسيح وعلى حضرة مريم كانت محبّة الله وبها كانت تحيا الرّوح الإنسانيّة وكانت غذاء القلوب. إنّ تأثيرات هذا الغذاء الجسماني مؤقّتة أمّا تأثيرات ذلك الغذاء السّماويّ فأبديّة. وفي هذا الغذاء حياة الجسم أمّا في ذاك فحياة الرّوح.

فعرض أحدهم: إنّ في الجرائد خبرًا يشير إلى أنّكم اشتريتم بيتًا في مونت كلير وتفكّرون في التّوطّن فيه.
فتفضّل: إنّهم صادقون في قولهم ولكنّهم لم يفهموا أي نوع من المساكن. فجميع العالم وطني وأنا متوطّن في كلّ مكان وفي أيّ مكان أجد فيه نفوسًا مثلكم فهناك وطني والأصل في الوطن وطن القلوب. ويجب على الإنسان أن يستوطن في القلوب لا في التّراب وهذا التّراب ليس ملكًا لأحد وهو يخرج من يد الجميع. وهو أوهام لكنّ الوطن الحقيقيّ هو القلوب.
وسأل آخر عن الحياة بعد الموت وماذا يحدث لروح الإنسان؟
فتفضّل: إنّ الجسد يذهب تحت التّراب من حيث أتى. فمنه جاء وإليه يذهب. وكلّ ما تشاهدونه يعود إلى حيث جاء منه. جسم الإنسان لمّا كان من التّراب فإنّه يعود إلى التّراب. أمّا الرّوح الإنسانيّة فإنّها جاءت من الله وتعود إلى الله فأنتم مسرورون وفي منتهى البهجة وهذا المكان جنّة وهو مكان بهج جدًّا وفيه روحانيّة كثيرة لذا فالرّوح الإنسانيّة تهتزّ هنا وتجد بهجة عظمى ولقد اخترتم مكانًا طيبًا.
وسألت امرأة: هل هذا المكان الهادئ مناسب للأطفال أيضًا أم إنّهم يحتاجون إلى مؤانسين من سنّهم؟
فتفضّل: إنّه مناسب جدًّا للأطفال وهو مناسب لعيونهم ولفكرهم ولعقلهم ولكلّ شيء. وإذا كان الأطفال مؤدّبين فيجب أن يجتمعوا سويّة في بعض الأوقات. لاحظوا أنّه عندما يبلغ الطّفل سن الثّانية يميل إلى اللّعب مع الأطفال ولاحظوا الطّيور كيف أنّها تطير مع بعضها وكيف تجتمع ببعضها؟ وهل تتذكّرون طفولتكم وكم كنتم تأنسون بالأطفال من سنّكم وكم كنتم تفرحون بهم؟
كان حضرة بهاء الله يفرح كثيرًا بمثل هذه المناظر الطّبيعية وقال

إنّ المدينة عالم الأجسام أمّا الجبال والسّهول فعالم الأرواح ومع ذلك فقد كان حضرته طوال أيّام حياته سجينًا مبتليًا ببلايا شديدة.
يجب أن تكونوا ممتنّين شاكرين لكولمبس على اكتشافه هذه القارّة العظيمة لكم ومن أغرب الغرائب أنّه اكتشفها ولكنّها اشتهرت باسم "أمريك" ويجب أن يكون اسمها في الحقيقة "كولمبيا". هذا هو الحقّ والعدل.
كلّ كائن من الكائنات النّاسوتيّة مهما كانت له فوائد فلا بدّ أن تكون له أضرار أيضًا ولكنّنا يجب أن ننظر هل فائدته أكثر أم أضراره؟ والآن نرى العالم حسب الظّاهر قد ابتلي بمتاعب ومشقّات نتيجة اكتشاف كولمبس. فمثلاً لو لم يكتشف كولمبس أمريكا لما بنيت باخرة مثل تيتانيكا ولما غرقت كلّ هذه النّفوس ولكنّ هذه الأضرار ليست شيئًا بالنّسبة للمنافع. ولهذا يجب أن ننظر إلى الفوائد الأخرى. والشّيء الّذي هو خير محض في هذا اليوم هو الأمور الرّوحية الّتي هي خير محض وخير بحت وليس لها أبدًا ضرر من أيّة ناحية لأنّها نور ولا ضرر من النّور.
وتفضّل: وأمّا نيويورك فإنّ بيوتها مخنقة وتشبه الأقفاص وتشبه خلية النّحل. أمّا هنا فالبيوت طيّبة وحينما ركبنا السّيارة ووصلنا هذا المصيف دخلناه وكأنّنا دخلنا من الجحيم إلى الجنّة. واليوم بعد وصولنا ذهبنا إلى الشّلال وعند عودتنا أمطرت السّماء فتبلّلنا قليلاً فلجأنا إلى أحد البيوت القريبة. لقد ورد في ألواح حضرة بهاء الله أنّ حضرة المسيح كان ذات يوم في الصّحراء وكان الوقت ليلاً والظّلام حالكًا وكان يهطل مطر شديد على حضرته فتوجّه إلى مغارة فلاحظ أنّ فيها حيوانات ضارية فوقف خارجًا تحت المطر وكانت السّماء تمطر مطرًا غزيرًا على رأس حضرته فتفضّل: "يا إلهي خلقت للطّيور أوكارًا وللحيوانات الضّارية كهوفًا وللأغنام مكانًا أمّا ابن الإنسان فلم يجد له
مكانًا يحفظ فيه نفسه من المطر. يا إلهي ترى أنّ فراشي التّراب وغذائي علف الصحراء وسراجي في اللّيالي النّجوم! ثمّ تفضّل: "أيّ إنسان أغنى منّي؟ لأنّ تلك الموهبة الّتي لم تعطها للملوك ولم تعطها للفلاسفة ولم تعطها للأغنياء أنعمت عليّ بها فمن هو أغنى مني؟ وفي آثار حضرة بهاء الله نجد بعض القضايا الّتي ليست مذكورة في الإنجيل وهي روايات عن حضرة المسيح وهي تدور حول سموّ المسيح وعظمة المسيح. وأقصّ لكم قصّة أخرى: "يقال إنّ حضرة المسيح دخل ذات يوم قرية وكانت الحكومة قد منعت الأهلين أن يستضيفوا غريبًا لأنّه وجد في تلك الأطراف كثير من اللّصوص. ووصل حضرة المسيح إلى بيت امرأة عجوز فاستحت من منعه وحينما وقعت عينها على جمال حضرته ولاحظت وقار حضرته لم تحبّ أن تقول: "إنّني لا أستطيع أن أنزلك ضيفًا عندي." ولهذا استقبلته بكمال الاحترام ثمّ التفتت هذه المرأة العجوز إلى هيئة حضرته فشاهدت أنّ آثار العظمة بادية على أطواره وسيماه فتقدّمت وقبّلت يد حضرته وعرضت: "إنّ لي ولدًا وليس لي غيره. وكان هذا الولد عاقلاً كاملاً. كان يشتغل وكنّا نعيش بمنتهى السّعادة. وقد حدث في الآونة الأخيرة أن اضطربت أفكاره وكأنّه في مأتم وعزاء. وقد ملأ بيتنا همًّا وحزنًا فهو يشتغل نهارًا ولكنّه يأتي ليلاً مضطرب الأحوال ولا ينام وكلّما أسأله لا يجيبني". فتفضّل حضرته: "ادعيه إليّ". وحلّ المساء وجاء الولد فقالت له أمّه: "يا ولدي إنّ هذا شخص عظيم فإن كان لديك همّ فأخبره به". ثمّ جاء الولد وجلس في حضور حضرته. فتفضّل مخاطبًا إيّاه: "أخبرني هل فيك مرض أو داء؟" فعرض: "ليست بي علّة" فتفضّل: "لا تكذب بك داء لا دواء له. فقل وأنا أمين لا أكشف سرّ أحد بل أستره. وكن مطمئنًّا. فقل وأنا لا أكشف سرّك." فعرض: "إنّ لي داء لا دواء له." فتفضّل: "قل وأنا أعالجك". فعرض: "بما أنّه ليس له دواء فلا تمكن معالجته" فتفضّل:

"قل وأنا عندي العلاج" فعرض: "لأيّ مرض كان؟" فتفضّل: "لأيّ مرض كان". فعرض: "إنّني أخجل وأستحي أن أقول". فتفضّل: قل إنّك ولدي". ففكّر الولد قليلاً وقال: "لا أستطيع أن أنطق به بلساني وهذا من سوء الأدب". فتفضّل: "أنا أعفو عنك" فعرض: "إنّ في المدينة المجاورة ملكًا وقعت في حبّ ابنته وأنا مهنتي بيع الأشواك اليابسة وماذا أقول بعد هذا؟" فتفضّل: "اطمئن فإنّني إن شاء الله أوصلك إلى مرادك". وخلاصة القول فقد هيّأ حضرته الأسباب له وذهب الولد وتزوّج تلك البنت وفي ليلة دخوله غرفة الزّفاف خطر بباله أمر وهو يدخل الغرفة ويرى الجمال والجلال فقال في نفسه: إنّ هذا الشّخص قد حقّق لي أمرًا عظيمًا كهذا فلماذا لم يحقّق لنفسه؟ وما دام أنّه هيّأ لي فهو يستطيع أن يهيّء هذا أيضًا لنفسه وبرغم امتلاكه هذه القوى المعنويّة إنّه يقطع الصحارى ويأكل الأعشاب وينام على التّراب ويجلس في الظّلام ويعيش في منتهى الفقر. وبمجرّد خطور هذه الفكرة بباله قال للبنت: "ابقي هنا وأنا لي شغل سأذهب إليه وأعود" وخرج وذهب إلى الصّحراء يفتش عن حضرته. فوجده وقال له: "يا مولاي إنّك لم تعاملني بالعدل" فتفضّل: "لماذا؟" فعرض: "إنّك حقّقت لي خيرًا لا تريده لنفسك ولا شكّ في أنّ لديك أمرًا أعظم من هذا ولو كان هذا مقبولاً لاخترته لنفسك. لهذا صار معلومًا أنّ لديك شيئًا أعظم من هذا فأنت لم تنصفني. فقد أعطيتني شيئًا غير مرغوب لديك". فتفضّل حضرته: "إنّ ما تقوله صحيح ولكن هل لديك استعداد وقابليّة لما عندي؟" فعرض: "أرجو أن يكون لي" فتفضّل: "هل تستطيع أن تغمض عينيك عن كلّ هذا؟" فعرض: "نعم" فتفضّل: "إنّ لدي هداية الله وهي أعظم من كلّ هذه الأشياء وإن تستطع ذلك فتعال" فسار وراء حضرته حتّى ورد إلى الحورايّين وتفضّل: "كان عندي كنز مخفيّ في هذه القرية فأخرجته الآن وها هو كنزي الّذي أخرجته من باطن الأرض وأقدّمه لكم."

وأبدى أحد الحاضرين أسفه لأنّه لا يستطيع التّحدث باللّغة الفارسيّة.
فتفضّل: الحمد لله ليس حجاب اللّغة موجودًا في عالم القلوب. فالقلوب تحادث القلوب الأخرى وفي ذات وقت تشكّلت في إيران جمعيّة أساسها التّحدث بدون استعمال اللّغة وبأقلّ إشارة كانوا يحلّون قضية مهمّة كلّيّة وقد ارتقت هذه الجمعية كثيرًا بحيث وصلت إلى درجة أنّها صارت توضّح بإشارة إصبع واحد قضيّة كلّيّة فخافت الحكومة من تشكيلهم جمعيّة لا يستطيع أحد فهم مقاصدها وتكون لها أضرار بالغة على الحكومة لهذا منعتهم باستعمالها القوّة ضدّهم. وأقصّ لكم حادثة حدثت في تلك الجمعيّة فقد كان كلّ من يريد الدّخول فيها يأتي إلى الباب فيقف وكانوا يشاورون في ما بينهم بالإشارات ويبدون آراءهم بدون كلام، فجاء ذات يوم رجل عجيب الخلقة ووقف لدى الباب فنظر الرّئيس إليه ورأى أنّه عجيب الخلقة وكان أمامه قدح ماء فصب الماء فيه حتّى امتلأ القدح إلى حافته وكانت هذه إشارة إلى رفضه دخول الرّجل وهذا يعني أنّ مجلسنا لا مجال فيه لهذا الرّجل. ولكنّ ذلك الرّجل كان ذكيًّا فأخذ ورقة زهرة رقيقة جدًّا ودخل الغرفة وبكمال الاحترام وضعها بكلّ لطف فوق سطح الماء في القدح بحيث لم يتحرّك ماء القدح. ففرح الجميع حين فهموا أنّ هذا يعني أنّني لا أحتاج إلى مكان كبير وأنا لطيف مثل ورقة هذه الزّهرة هذه ولا أحتاج إلى مكان. فصفّقوا له وقبلوه. وكانت جميع محادثاتهم بالإشارات وقد ارتقوا كثيرًا واكتسبوا توقّد ذهن وذكاء وزادت فراستهم وكانوا غالبًا يتّحدثون بالأعين ويتكلّمون بنهاية الإتقان بتحريك العين في اتّجاهات مختلفة.
ثمّ تفضّل في المناسبة: "بمرور الزّمن سوف تدخل جميع ممالك أمريكا مثل المكسيك وكندا وأمريكا الجنوبية والوسطى في اتّحاد عام."
وبخصوص الحرب العظمى الّتي كان يتوقّع البعض انفجارها بين دول العالم تفضّل حين سأله أحدهم: "لا بدّ أن تحدث وسوف لا

تدخلها أمريكا لأنّ هذه الحرب تحدث في أوروبّا وأنتم في زاويتكم لا شأن لكم بالآخرين ولا تفكّرون في امتلاك أوروبّا ولا أحد يطمع في اغتصاب أرضكم وأنتم مرتاحون لأنّ لديكم المحيط الأطلسي قلعة طبيعيّة محكمة".
وبخصوص وضع الحكومات الجمهوريّة والدّستورية تفضّل: "ستضطرّ أوروبّا وسائر البلاد إلى تطبيق أنظمتكم وستحدث في جميع أوروبّا تغييرات عظيمة وستنتهي المركزيّة في الحكم إلى الاستقلال الدّاخلي للولايات وفي الحقيقة ليس من الإنصاف أن يحكم مركز واحد على مملكة واحدة لأنّه مهما كانت كياسة أعضاء الحكومة المركزيّة وعقولهم كبيرة فإنّها لا علم لها بالاحتياجات المحليّة علمًا تامًّا، ولا ينصفون أعضاءها في بذل الجهد لرقيّ جميع أنحاء المملكة فمثلاً جميع ألمانيا تخدم اليوم برلين وجميع فرنسا تخدم باريس وجميع الممالك والمستعمرات تخدم لندن وتسعى في تجميلها ولكنّ حكومتكم فيها أنظمة طيّبة".
وعرض شخص من الحاضرين حول المشاكل السّياسيّة والاقتصاديّة فتفضّل: "إنّ أمريكا لا يمكن قياسها بأوروبّا فمشاكل أمريكا لا شيء بالنّسبة لمشاكل أوروبّا. فإحدى المشاكل في أوروبّا كثرة الجيوش. ففي فرنسا وألمانيا عامّة الشّعب جنود ولكنّكم أنتم مرتاحون من هذه المصيبة الكبرى. فاشكروا الله على أنّه نجّاكم من هذا البلاء. وفي داخل أمريكا أمن وأمان وهنا ترتفع أوّل راية للصّلح العموميّ فأيقنوا بحدوث ذلك لأنّ الإنسان يتوصّل إلى نتيجة كلّيّة من الأوّليات وهي أنّ الصّلح قد استقرّ هنا أوّلاً بين جميع الأمّة وسوف يسري من هنا إلى بقيّة الأطراف.
وسأل أحد الحاضرين: "هل يجب أن يكون حكم الأمّة بيد الأمّة بصورة مطلقة أم بيد العقلاء؟"
فتفضّل: "من المعلوم أنّ عموم الأمّة لو انتخبت أفضل رجالها وهؤلاء انتخبوا رؤساء الجمهورية فإنّ هذا أحسن. أي أنّ الرّئيس يكون منتخب المنتخبين لأن عموم الأمّة عوام وليسوا مثقّفين في المسائل السّياسيّة كما ينبغي ويليق بل يجرون وراء حبّ الشّهرة. وفي الحقيقة إنّ كلّ موضوع هامّ يروّجه العقلاء فالعوامّ يلتفون حولهم وإنّ العمل يجب أن يكون في أساسه بيد العقلاء لا بيد العوام ولكنّ العقلاء ينبغي أن يكونوا في منتهى الصّدق والإخلاص ونيّتهم خدمة عموم الأمة وحفظ مصالحها وصيانتها. لاحظوا الأمور الكلّيّة عندما تسلمون مقاليد هذه الأمور إلى يد العوامّ فإنها تنهدم. فإذا تركتم العمل بيد العمّال فإنّ البيت لن يبنى ولا بدّ أن يكون هناك مهندس عاقل. فالعمل يعمله العقلاء والعوامّ يتحملون العناء. والقائد يرسم الخطّة الحربية ولكنّ العوام يحاربون ولا يمكن تسليمهم خريطة المعركة. وهل يمكن أن يكون أفراد الجيش مسؤولين عن إدارة فرقتهم؟ فإذا أردنا الفتح والظّفر وجب علينا تعيين رجل مجرّب عاقل قائدًا".
وسأل سائل حول العلاقات الاقتصاديّة بين الرّأسماليّين والعمّال فتفضّل: "إنّ هذه إحدى المبادئ الأساسيّة لحضرة بهاء الله ولكنّها يجب أن تعالج بالاعتدال لا بالتّهور وإن لم يفصل في هذه المسألة بطريق المحبّة فإنّ الأمر سيؤول أخيرًا إلى الحرب. وإنّ الاشتراك والتّساوي التّام غير ممكنين لأنّ أمور العالم ونظامه يختلاّن. ولكن هناك طريق واحد معتدل وهو أن لا يبقى الفقراء على هذه الحال من الاحتياج ولا يبقى الأغنياء على هذه الحال من الغنى بل يعيش الفقراء ويعيش الأغنياء حسب درجاتهم براحة واطمئنان وسعادة. وقد فكّر بهذا الموضوع قديمًا شخص واحد كان ملكًا لمملكة أسبارطة وضحّى بعرشه من أجل هذا الأمر وكان قد عاش قبل ولادة الإسكندر اليوناني وفكّر في أن يقوم بخدمة لا تفوقها خدمة ويصبح سببًا في سعادة فئة في هذا

العالم. لهذا قسم أهالي أسبارطة إلى ثلاثة أقسام أوّلها أهالي المدينة الأصليّون الّذين كانوا زرّاعًا، وثانيها أهل الصّناعة والتّجارة، وثالثها الطّبقة الحاكمة وهم يونانيون من أصل فينيقي. وأراد هذا الملك المدعو ليكارغوس أن يوجد المساواة الحقيقيّة بين هذه الأقسام الثّلاثة وبهذه الطّريقة يؤسّس حكومة عادلة فقال إنّ الأهالي الأصليّين وهم الزّرّاع ليسوا مكلّفين بشيء ما عدا إعطاء عشر حاصلاتهم وليسوا مكلّفين بشيء آخر. وأهل الصّناعة والتّجارة كذلك يقدّمون سنويًّا الخراج وليسوا مكلّفين بشيء آخر. أمّا الطّبقة الثّالثة أي النّجباء والسّلالة الحاكمة الّذين كانت وظيفتهم إشغال المناصب والدّفاع عن الوطن وقت الحرب وإدارة المملكة. فقد مسح جميع أراضي أسبارطة وقسمها بالتّساوي بين أفرادها. فمثلاً كانوا تسعة آلاف شخص فقسّم الأراضي إلى تسعة آلاف قسم وأعطى كلّ شخص من هذه الطّبقة سهمه وقال إنّ عشر الحاصلات في كلّ أرض يعود إلى صاحبها. وكذلك وضع للأهلين بعض القوانين والأنظمة الأخرى وبعد أن وضع أحكام هذه القوانين حسب ما كان يحبّ دعا الأمّة للحضور إلى المعبد وقال لهم إنّي أريد السّفر إلى سوريّة ولكنّني أخاف بعد ذهابي أن تلغوا هذه القوانين ولهذا يجب أن تقسموا اليمين وأن لا تلغوا هذه القوانين أبدًا قبل رجوعي. فأقسموا في المعبد قسمًا غليظًا أن لا يغيّروها وأن يبقوا متمسّكين بها دائمًا حتّى يرجع الملك ولكنّه خرج من المعبد وسافر توًّا وما رجع وترك الملك لكي تبقى هذه القوانين محفوظة. ولم يمضِ زمن طويل على هذه المسألة الاشتراكيّة حتّى دبّت أسباب الخلاف، فقد ولد لأحدهم خمسة أولاد وللآخر ثلاثة أولاد وللثّالث ولدان وحدث التّفاوت بينهم واضطربت الأمور.
لهذا فمسألة المساواة مستحيلة وبقي أن يرحم الأغنياء الفقراء طوعًا لا كرهًا ولو فعلوا ذلك كرهًا لما كانت له فائدة. فلا يكون ذلك

جبرًا بل بالقانون حتّى يعرف كلّ واحد واجبه حسب القانون العموميّ. فمثلاً شخص غنيّ عنده حاصلات كثيرة وشخص فقير حاصلاته قليلة أو نقول بصورة أوضح إنّ شخصًا غنيًّا له حاصلات تعادل عشرة آلاف كيلو وشخصًا فقيرًا حاصلاته عشرة كيلوات فليس من الإنصاف أن تؤخذ ضرائب متساوية من الاثنين بل يجب إعفاء هذا الفقير في هذه الحال من الضرائب. فلو أعطى الفقير ضريبة العشر وأعطى الغني ضريبة العشر فليس هذا إنصافًا. إذن يجب وضع قانون لإعفاء هذا الفقير الّذي عنده عشرة كيلوات فقط يحتاجها لمعيشته الضّروريّة ولكنّ الغني الّذي عنده عشرة آلاف كيلو لو أعطى عشرًا أو عُشْرَيْن لن يصيبه ضرر. فلو أعطى الغنيّ لبقيت عنده ثمانية آلاف أخرى. وإنسان آخر عنده خمسون ألف كيلو فإنه لو أعطى عشرة آلاف كيلو لبقي لديه بعد ذلك أربعون ألف كيلو. لهذا يجب وضع القوانين على هذا المنوال.
أمّا قوانين الأجور الموجودة فيجب إلغاؤها تمامًا. فلو زاد أصحاب المعامل أجور العمال اليوم فإنّهم بعد شهر أو سنة أخرى يتظاهرون أيضًا ويضربون ويطلبون المزيد. وليست لهذا نهاية.
والآن أخبركم بشريعة الله في هذا الباب. فبموجب شريعة الله لا تُعطى أجور فقط لهؤلاء بل يكونون في الحقيقة شركاء في كلّ عمل. فمثلاً زارع في قرية يزرع ويجمع حاصلات زراعيّة فتؤخذ ضريبة العشر من الزّرّاع أغنياء وفقراء حسب حاصلاتهم ويؤسّس في تلك القرية مخزن عموميّ فيه تجمع جميع الضّرائب والحاصلات ثمّ ينظر أيّ النّاس فقير وأيّهم غني. فالزّرّاع الّذين يحصلون على حاصلات تساوي طعامهم ومصروفاتهم لا يؤخذ منهم شيء. وخلاصة القول فإنّ جميع الضّرائب من الحاصلات تجمع في مخزن عموميّ وإن وجد في القرية عاجز يعطى له بقدر معيشته الضّروريّة. وإذا وجد غنيّ يحتاج إلى خمسين ألف كيلو فقط ولكنّ حاصلاته تزيد على مصروفاته بمقدار

خمسمائة ألف كيلو يؤخذ منه عُشران وكلّ ما يبقى في المخزن آخر السّنة ينفق على المصروفات العموميّة.
إنّ مسألة الاشتراكيّة مهمّة جدًّا ولا تحلّ بإضراب العمّال ويجب أن تتّفق جميع الدّول وفي مجلس ينتخب أعضاؤه من برلمانات الأمم وأعيانها ويقرّر هؤلاء الأعضاء في منتهى العقل والكفاءة قرارًا لا يتضرّر بموجبه الرّأسماليون كثيرًا ولا يبقى العمال محتاجين، ويضعون قانونًا بمنتهى الاعتدال ثمّ يعلنون أنّ حقوق العمال مضمونة بضمان قويّ وكذلك تحفظ حقوق أصحاب رؤوس الأموال. وإذا تمّ تطبيق هذا القرار برضى الطّرفين فإنّ أيّ إضراب ينشأ فيما بعد يكون عرضة لمقاومة جميع الدّول له. وإلاّ انتهى الأمر إلى خراب أكثر وأكثر وخاصّة في أوروبّا حيث يحدث فيها اضطراب عظيم. ومن بين أسباب الحرب العامّة في أوروبّا هذه المسألة نفسها. فمثلاً يملك أحد الرّأسماليّين منجمًا ويملك الآخر مصنعًا فإذا أمكن أن يشرك صاحب المنجم وصاحب المصنع عمّالهم في الأرباح وبصورة معتدلة بأن يعطوا العمّال نسبة مئويّة من الأرباح فإنّ العمال سيكون لهم بالإضافة إلى أجورهم قسط من الأرباح العامّة ويبذلون الجهد بأرواحهم، فسوف لا يبقى في المستقبل احتكار وسوف تلغى الاحتكارات بالكلّيّة وكذلك يخصّص كلّ مصنع يملك عشرة آلاف سهم ألفي سهم من هذه الآلاف العشرة للعمّال وباسمهم حتّى تكون ملكًا لهم وما يبقى آخر الشّهر أو السّنة من الأرباح يقسّمه أصحاب الأموال بعد دفع الأجور والمصروفات تقسيمًا متناسبًا مع الأسهم بين الطّرفين. وفي الحقيقة قد جرى حتّى الآن ظلم كبير بحقّ العامّ فيجب وضع قوانين لأنّه لا يمكن أن يرضى العمال بالأوضاع الحاضرة فهم يضربون في كلّ شهر وفي كلّ سنة ويكون الضّرر آخر الأمر على الرّأسماليّين. وقد حدث قديمًا إضراب في معسكر عثمانيّ فقال الجيش للحكومة: إنّ رواتبنا قليلة تجب

زيادتها فزادت الدّولة رواتبهم مجبرة. ثمّ بعد مرّة أضربوا أيضًا وأخيرًا ذهبت كلّ الضّرائب في جيب الجيش ووصل الأمر إلى درجة أنّ الجنود قتلوا السّلطان قائلين لماذا لم تزد الضّرائب حتّى تزداد رواتبنا؟ فلا يمكن أن تجد مملكة راحة بدون القانون ويجب وضع قانون قويّ في هذه القضيّة بحيث تحمي جميع الدّول هذا القانون. وخلاصة القول إنّ الإضراب سبب الدّمار أمّا القانون فسبب الحياة ويجب وضع قانون وتتمّ المطالبات بالحقوق وفق القانون لا بالإضراب وبالقوّة وبالعنف. وأنتم في هذه اللّيلة تحدّثتم في السّياسة وليست عادتنا أن نتكلّم في السّياسة بل نحن نتكلّم عن عالم الرّوح ونتكلّم عن الثّروة الملكوتيّة لا عن الثّروة النّاسوتيّة. فمقتضى السّياسة هو العنف وأمّا السّعادة لا تتحقّق بالعنف ولا تجتمع السّعادة والقوّة الجبريّة. ما هي السّعادة؟ والمراد من السّعادة أن تعيش الأمّة في منتهى فضائل العالم الإنسانيّ وبقوّة الملكوت الإلهيّ فتلك قصّة وهذه قصّة أخرى غيرها.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى