منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

خطب حضرة عبد البهاء فى أوروبا وأمريكا 7

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
السّعادة الرّوحيّة
ألقيت هذه الخطبة المباركة في بيت السّيّدة بارسنز في دوبلن
في 31 تموز 1912
هو الله
إنّي ممتنّ جدًّا من السّيّدة بارسنز لأنّها كانت سبب لقائي بكم وتحدّثي إليكم. إنّني إنسان شرقيّ وأنتم من أهالي هذه البلاد الغربيّة ولم يكن اجتماعنا في مكان واحد ممكنًا وقد صارت السّيّدة بارسنز سبب مجالستي ولقائي بكم لذا فإنّني ممتنّ جدًّا منها لأنّها عرّفتني بكم.
لقد جئت من الشّرق وعندما وصلت إلى هذه البلاد وزرت أمريكا رأيت أنّ الأمّة قد ارتقت في المادّيّات رقيًّا عظيمًا في التّجارة وفي الصّناعة وفي العلوم المادّيّة على حدّ سواء وأصبحت البلاد معمورة من كلّ جهة وكذا أصبحت التّرقّيات المادّيّة في أوروبّا في منتهى درجة وهي تزداد يومًا فيومًا.
ولكنّني لاحظت أنّ التّرقّيات الرّوحانيّة قد تدنّت وأنّ الإحساسات الرّوحانيّة الملكوتيّة تضاءلت وقلَّ التّوجّه إلى الله واتّجهت جميع القلوب إلى أمور الدّنيا وصار كلّ واحد يتمنّى أن ترتقي حياته الجسمانيّة وينال ثروة دنيويّة ويحصل على راحة وطمأنينة ناسوتيّة.

وخلاصة القول إنّ الإحساسات المادّيّة كثيرة والإحساسات الملكوتيّة قليلة نسبيًّا وهذا هو الأمر في جميع أطراف الدّنيا.
ولكنّ سعادة العالم الإنسانيّ غير ممكنة دون حصول الإحساسات الرّوحانيّة ولن تكون للبشر راحة واطمئنان إلاّ بالتّوجه إلى ملكوت الله. فالجسد يتلذّذ من المواهب المادّيّة. أمّا الرّوح فتحيا من الفيوضات الإلهيّة ولن يكون السّرور الحقيقيّ والفرح الرّوحي ممكنين إلاّ بالإحساسات الملكوتيّة. لأنّ عالم البشر محاط بالبلايا والرّزايا والإنسان عرضة لكلّ بلاء ومصيبة. وكلّ إنسان لا بدّ أن يكون له همّ ومشكلة. فكلّ واحد مبتلىً من جهة ما. فمثلاً هناك شخص في منتهى الغنى ولكنّ صحّته عليلة ولذا فهو في همّ من هذه النّاحية. وهناك شخص في منتهى الصّحّة ولكن تصيبه مصيبة بوفاة طفل من أطفاله أو واحد من أقرب أقربائه أو أحسن أصدقائه فيصبح حزينًا من هذه الجهة. ونرى شخصًا آخر له عدوّ وعدوّه يتعقّبه لذا فإنّه مهموم من هذه النّاحية. وإن كمل سرور الإنسان من جميع الجهات صار النّاس يحسدونه فيقع في همّ وغمّ من هذ النّاحية.
وخلاصة القول ليست هناك في هذه الدّنيا راحة لإنسان. ولا تستطيع أن تجد شخصًا فارغًا من الهمّ والغمّ.
أمّا إذا كانت للإنسان إحساسات روحانيّة وتوجّه إلى الملكوت الإلهيّ فإنّ هذا مدار تسليته. فهو حينما يتوجّه إلى الله ينال إحساسات روحانيّة وينسى كلّ همّ وغمّ فلو هجمت عليه البلايا من جميع الجهات فإنّ لديه التّسلية لأنّه حينما يتوجّه إلى الله تزول جميع هذه الهموم والغموم والأحزان ويحصل على منتهى الفرح والسّرور وتحيط به البشارات الإلهيّة ويرى العزّة وهو في منتهى الذّلّة ويرى نفسه غنيًّا وهو في منتهى الفقر.

وقد حدث في الزّمن القديم أن جاء وقت سيطرت فيه المادّيّات ولم تبقَ هناك إحساسات روحانيّة وانحصرت جميع أفكار البشر في النّاسوت ولم يبقَ إنسان يتوجّه إلى الله. فسدّت أبواب معرفة الله وخمدت نار محبّة الله خمودًا كلّيًّا وغرق جميع البشر في بحر المادّة فظهر حضرة إبراهيم فماج بحر الرّوحانيّات وطلعت أنوار الملكوت ونفثت نفحة الحياة في القلوب وظهرت الرّوحانيّات وبرزت القوّة الملكوتيّة وتغلّبت على القوّة المادّيّة واشتعلت نار الهداية إلى أن أحاطت أنوار الملكوت الإلهيّة بعالم البشريّة.
وبعد مدّة انطفأت تلك الأنوار مرّة أخرى وأحاطت بالعالم ظلمات المادّيّة وغفل الخلق عن الله ولم يبقَ هناك توجّه إلى الملكوت فظهر حضرة موسى ورفع راية الدّيانة وشرع ببيان الملكوت وأشعل سراج الهداية فسطعت أنوار الملكوت من كلّ جهة وانجذب الإسرائيليّون إلى ملكوت الله.
وبعد مدّة انطفأ ذلك السّراج مرّة أخرى وأحاطت بالعالم الظّلمات وشغل النّاس بالأمور الجسمانيّة وأصبحت إحساسات جميع البشر مادّيّة وتعلّقت القلوب جميعًا بالنّاسوت وتنزّل جميع النّاس في أعماق الأرض تنزّل الحشرات وأصبح جميع النّوع الإنسانيّ كالحيوان فلم تبقَ أبدًا إحساسات روحانيّة ولم يبقَ نور هداية قطّ وغرقت جميع الملل في المادّيّات. ففي مثل هذه الحال طلع كوكب المسيح وتنفّس صبح الهدى وسطعت أنوار الملكوت وفاضت الإحساسات الرّوحانيّة على المادّيّات وبلغ الأمر إلى درجة لم يبقَ فيها للمادّيّات حكم أبدًا وجرت الأمور على هذا المنوال مدّة من الزّمان. ثمّ بعد ذلك أظلمت الجزيرة العربيّة وظهرت الوحشيّة وظهر سفك الدّماء فحاربت الأقوام العربيّة بعضها بعضًا وسفك بعضها دم البعض الآخر ونهب بعضها أموال البعض الآخر وأسر بعضها أبناء البعض الآخر. ففي مثل هذه الحال

ظهر حضرة الرّسول في الجزيرة العربيّة وربّى مثل هذه القبائل الوحشيّة وهذه النّفوس التّائهة ونوّر هؤلاء الجهلاء بأنوار المدنيّة وربّى النّفوس فنالت إحساسات روحانيّة وازداد توجّهها إلى الله.
ثمّ انقلبت الأمور مرّة أخرى وغرب كوكب نور الهداية وأحاطت ظلمة الضّلالة وظهرت القوى المادّيّة واختفت الإحساسات الدّينيّة وأظلمت القلوب وتدنّت العقول ففي هذا الوقت ظهر حضرة الباب في إيران وطلع كوكب حضرة بهاء الله وأشرقت أنوار الملكوت أشدّ إشراق وتلاشت القوى المادّيّة في الشّرق ولم تبقَ إحساسات مادّيّة وطلعت النّورانيّة السّماويّة وزالت الوحشية وظهرت التّربية الإلهيّة وبدأت القوى المعنويّة تظهر آثارها وقلّت غفلة الخلق وضلالهم وقد أحاطت نورانيّة حضرة بهاء الله بإيران اليوم إلى درجة تربّت نفوس مثل الملائكة وظهرت أنفس توجهت بقلوبها وأرواحها إلى ملكوت الله وغرقت في بحر الرّوحانيّات فهي رحمانيّة وهي نورانيّة وهي سماويّة وهي لا تعنى أقل عناية بهذه الدّنيا فهي تشتغل في صناعتها لتحصيل معاشها بمنتهى الهمّة لكنّ قلوبها متوجّهة إلى الله وأرواحها مستبشرة ببشارات الله وارتقت أخلاقها كثيرًا فلم يبقَ لديها من الأخلاق الذّميمة شيء. وصاروا رحماء بجميع الخلق ويحبّون جميع البشر ويعتبرون الجميع أهلهم وأقرباءهم وصاروا يسمّون عالم الإنسانيّة باسم شجرة واحدة ويرون جميع أفراد البشر بمثابة أوراق وبراعم وأثمار لتلك الشّجرة وغاية أملهم الصّلح العمومي وعقيدتهم وحدة العالم الإنسانيّ وهم مشتاقون إلى الرّقيّ في العلوم والفنون وساعون وراء ما يسبّب علوّ العالم الإنسانيّ وليست لدى هؤلاء تعصّبات: فلا تعصّب مذهبي ولا تعصّب جنسيّ ولا تعصّب وطنيّ ولا تعصّب سياسيّ ولا تعصّب لغويّ، فهم متحرّرون من جميع هذه التّعصّبات ويعتبرون سطح الأرض وطنًا واحدًا ويعتبرون جميع البشر أمّة واحدة ويرون جميع النّاس عبادًا لله

ويعرفون الله رؤوفًا بجميع البشر ولهذا فهم رحماء بجميع البشر وليس لهم مقصد غير رضاء الله ولا أمنية لهم غير محبّة القلوب الإنسانيّة.
وقد تحمّل هؤلاء البلايا الكثيرة من أجل الحصول على هذا المقام فهاجمتهم سائر الأحزاب وثارت عليهم بمنتهى التّعصب ونهبت أموالهم وأغارت عليهم إلى درجة أحرقت أجساد بعضهم ولكنّهم لم يهنوا أبدًا فأصبحوا كلّ يوم هدفًا لسهم وكانوا في كلّ حين يضحّون بأرواحهم وقبلوا الشّهادة بكلّ فرح وسرور إلى أن مات ناصر الدّين شاه وقلَّ التّعرض لهم ونالوا شيئًا من الأمن وهم الآن يبذلون الجهد أكثر من ذي قبل من أجل أن يصبح النّاس رؤوفين ببعضهم ويكون النّوع الإنسانيّ في حكم عائلة واحدة. وهم يبذلون منتهى التّضحية في هذا المجال كي يصبح العالم الإنسانيّ نورانيًّا وتنعكس في العالم الإنسانيّ انعكاسات لاهوتيّة وتصبح القلوب المظلمة نورانيّة وتزول رذائل البشريّة وتتجلّى الفضائل السّماويّة.
ومن أجل هذا الهدف قمت بهذا السّفر البعيد إلى أمريكا وجئت إلى هنا وذلك كي يلتئم الشّرق والغرب ويتحقّق كامل الارتباط بينهما فيعاون الواحد الآخر ويصبح سبب راحته. فإن ائتلف الشّرق والغرب رفرف علم الصّلح العموميّ وتجلّت وحدة العالم الإنسانيّ وحصل الكلّ على الرّاحة والطّمأنينة.
ولهذا أتضرّع إلى الملكوت الإلهيّ ملتمسًا أن ينير هذه الوجوه ويجعل هذه القلوب نورانيّة ويبشّر الأرواح بالبشارات السّماويّة حتّى نكون جميعنا في حمى الله وننال السّعادة تحت ظلّه وننال الرّاحة الجسمانيّة ونبتغي السّعادة الرّوحانيّة ونبلغ منتهى آمالنا وأمانينا من جميع الجهات هذه هي آمالي وهذه هي مناجاتي لله.

التّربية نوعان
ألقيت هذه الخطبة في كنيسة الموحّدين في دوبلن –أمريكا-
في 11 آب سنة 1912
هو الله
من المسلّم به لدى عموم العقلاء أنّ عالم الطّبيعة ناقص ومحتاج إلى التّربية. فإنّكم تلاحظون أنّ الإنسان إذا لم يُربَّ فإنّه يكون في نهاية التّوحّش. فالتّربية هي الّتي تجعل الإنسان إنسانًا وإذا ترك على الطّبيعة فإنّه يكون مثل سائر الحيوانات.
انظروا إلى الممالك المتمدّنة تروا حينما يتربّى الإنسان ويكتسب الفضائل يصبح متمدّنًا ويصير عاقلاً ويصير عالمًا ويصبح كاملاً ولكنّه في البلاد المتوحّشة مثل أواسط أفريقيا عندما لا يربّى يبقى على حالة التّوحّش.
والفرق بين بلدان أمريكا وأواسط أفريقيا هو أنّ النّاس هنا تربّوا وهناك لا توجد تربية. وأهل أفريقيا باقون على حالتهم الطّبيعية أمّا أهالي أمريكا فقد نالوا من التّربية قسطًا موفورًا.
التّربية تجعل الغصن المعوجّ مستقيمًا وتجعل الأجمة حديقة وتجعل الشّجرة عديمة الثّمر مثمرة وتجعل الأرض الشّائكة حقلاً للسّنابل. والتّربية تعمّر الدّيار المنهدمة وتجعل المتوحّش متمدّنًا والتّربية

تجعل الجاهل كاملاً. التّربية تجعل الإنسان عالمًا بالملكوت الإلهيّ وتجعله ينال معرفة الله وتجعل الإنسان روحانيًّا وكاشفًا لأسرار الطّبيعة ومطّلعًا على حقائق الأشياء.
والخلاصة أنّ من المسلّم به لدى الجميع أنّ عالم الطّبيعة ناقص وأن كمال الطّبيعة منوط بالتّربية فإن لم تكن هناك تربية فإنّ الإنسان يكون مثل سائر الحيوانات مفترسًا بل أحطّ منها.
مثال ذلك أنّه تصدر في بعض الأحيان من الإنسان بعض التّصرفات الّتي لا تصدر من الحيوان. فالحيوان عديم التّربية مهما يكن مفترسًا فإنّه يفترس في اليوم حيوانًا واحدًا أمّا الإنسان عديم التّربية المفترس يفترس يوميًّا مائة ألف نفر.
لاحظوا النّفوس السّفّاحة الّتي جاءت في التّاريخ تروها كانت أشدّ افتراسًا من الذّئب وأحطّ من الحيوان.
إذن فالإنسان إن لم ينل تربية يصبح أحطّ من الحيوان.
والتّربية على قسمين: تربية مادّيّة وتربية إلهيّة. فقد كان فلاسفة العالم معلّمين مادّيّين. كانوا يربّون النّاس تربية طبيعيّة لهذا صاروا سبب التّربية والرّقيّ الطّبيعي. لكنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة كانوا مربّين إلهيّين ربّوا الأرواح والقلوب وعالم الأخلاق.
ولقد ربّى الفلاسفة عالم الأجسام وربّت المظاهر المقدّسة عالم الأرواح. مثال ذلك حضرة المسيح عليه السّلام كان مربّيًا روحانيًّا. وكان ملكوتيًّا وكان مربّيًا إلهيًّا ربّى الأرواح وربّى عالم الأخلاق وروّج الحقائق المعقولة. أمّا حضرات الفلاسفة فقد خدموا المدنيّة وربّوا البشر من حيث المادّة.
وفي الحقيقة إنّ الإنسان محتاج إلى الاثنين: إلى التّربية الطّبيعيّة وإلى التّربية الإلهيّة. فهو إن لم ينل التّربية السّماويّة يكن مثل سائر

الحيوانات ويكن مجرّد كاشف للحقائق المحسوسة. لكنّ الله وضع في الإنسان قوّة يصبح بها كاشفًا للحقائق المعقولة وكاشفًا للحقائق الملكوتيّة، تلك القوّة الإلهيّة كاشفة للفيوضات وهي سبب للحياة الأبديّة وتلك القوّة سبب حصول الكمالات المعنويّة وتلك القوّة تجعل الإنسان ممتازًا عن الحيوان لأنّ الحيوان كاشف للحقائق النّاسوتيّة والإنسان كاشف للحقائق اللاّهوتيّة.
إذًا فالإنسان مهما يحصل على ترقّيات مادّيّة فإنّه لا يزال محتاجًا إلى نفثات الرّوح القدس ومحتاجًا إلى التّربية الإلهيّة ومحتاجًا إلى الفيض الملكوتيّ وما لم ينل الإنسان هذه التّربية لا يصير كاملاً.
لهذا فقد ظهرت المظاهر المقدّسة في كلّ كور لتربّي النّفوس تربية إلهيّة ولتزيل نقائص الطّبيعة ولتظهر الكمالات المعنويّة.
والطّبيعة أشبه ما تكون بالغابة وحضرة المسيح بستانيّ إلهيّ حوّل هذه الغابة إلى حديقة وجعل الأشجار عديمة الثّمر مثمرة وجعل هذه الأراضي المليئة بالشّوك والعوسج بحكم الطّبيعة بستانًا مليئًا بالورود والرّياحين فقلّب التّربة وأخرج الحشائس الضّارّة عديمة النّفع فرماها خارجًا وقلع وقمع جميع الأشواك الّتي كانت قد نمت بمقتضى الطّبيعة وبعد أن كانت أرض أشواك أصبحت مزرعة وحديقة أزهار. ولو كانت تبقى على حالة الطّبيعة فلا شكّ أنّها كانت تصبح غابة أو أرضًا شائكة لكنّ الزّارع يحوّل الغابة إلى حديقة والأرض الشّائكة إلى مزرعة ويجعل هذه الأشجار عديمة الثّمر مثمرة ويجعل أرض الحشائش مزرعة.
وخلاصة القول هو إنّ الإنسان مهما يرتقِ رقيًّا طبيعيًّا ويكتسب كمالات مادّيّة فإنّه يعدّ حيوانًا ولهذا فهو محتاج لنفثات الرّوح ومحتاج للتّربية الإلهيّة لكي تظهر الحقيقة الإنسانيّة في نهاية الجمال والكمال ولتصير مصداق آية التّوراة فتكون صورة ومثالاً إلهيًّا وتستفيض من

الحقائق الملكوتيّة، وبعد أن كانت أرضيّة تصبح سماويّة وبعد أن كانت ناسوتيّة تصبح لاهوتيّة وبعد أن كانت جسمانيّة تصبح روحانيّة، وبعد أن كانت ظلمانيّة تصبح نورانيّة وهذا غير ممكن إلا بنفثات الرّوح القدس فتنال حياة أبديّة وإلا فليس لها بأيّ وجه من الوجوه امتياز عن الحياة الحيوانيّة.
إنّ المظاهر المقدّسة تنفث روحًا جديدًا في الأجساد وتهب النّفوس عقلاً جديدًا وتمنحها ترقّيات عظيمة وتنير العالم، ولكن لا تمضي مدّة إلاّ ويعود مظلمًا مرّة أخرى فلا تبقى النّورانيّة السّماويّة بل تتغلّب الإحساسات الطّبيعية مثال ذلك زارع يعمّر أرضًا فبعد أن كانت أرض أشواك وحشائش يجعلها مزرعة طيّبة الخيرات والمحاصيل أمّا لو يتركها فإنّها تعود أرض أشواك وحشائش.
وهكذا كان العالم بقوّة المظاهر المقدّسة مزرعة ذات بركة وكان حقلاً وبستانًا لم تكن فيه ظلمة جهل بل كانت النّورانيّة الإلهيّة ساطعة فيه ولكنّه بعد مدّة غدا مظلمًا بالكلّيّة ولم تبقَ النّورانيّة الإلهيّة أبدًا ولم يدم الفيض الإلهيّ ولم تبقَ هناك تربية روحانيّة.
ففي مثل هذا الوقت ظهر حضرة بهاء الله في زمن كانت فيه ملل الشّرق في نهاية النّزاع والجدال وكان أتباع الأديان فيه يسفك بعضهم دماء بعضهم الآخر وكانت المذاهب مشغولة في الحرب والجدال في ما بينها فلم تكن هناك أبدًا آثار للمحبّة ولم تكن هناك نورانيّة سماويّة. ففي وقت كهذا ظهر حضرة بهاء الله وأعلن وحدة العالم الإنسانيّ متفضّلاً أنّ البشر كلّهم عبيد لله وجميع الأديان في ظلّ رحمة الله وكلّ ما في الأمر هو أنّ البعض جاهل وناقص وطفل يجب أن يصبح عالمًا كاملاً بالغًا والبعض غرقى ظلمة الطّبيعة يجب أن يصبحوا نورانيّين والله رؤوف بالكلّ وألطافه الإلهيّة شاملة للكلّ والجميع مستغرقون في بحر رحمته ومستفيضون من الفيوضات الإلهيّة.

وخلاصة القول فقد أزال حضرته النّزاع والجدال وأزال العداوة من ذات البين وجعل جميع الأديان تلتئم ببعضها وألّف بين المذاهب بعد أن كانت في منتهى البغضاء وحصل بينها منتهى المحبّة وهناك اليوم في إيران قوم أطاعوا أمر حضرة بهاء الله فأصبحوا في منتهى الألفة والوئام وأصبحوا جميعًا ممتزجين في منتهى المحبّة وقد تفضّل حضرة بهاء الله أنّ عالم البشريّة مثل شجرة واحدة وجميع الملل والأجناس عبارة عن أوراق تلك الشّجرة وأفنانها. والله البستانيّ لا يفرق بينها فقد ربّى الجميع وغاية ما في الأمر أنّ البعض جاهل يجب تعليمه والبعض ناقص يجب إكماله والبعض مريض تجب معالجته والبعض أطفال وتجب تربية الطّفل حتّى يصل إلى سنّ البلوغ ولكنّ الجميع عباد الله والله أب للجميع ورؤوف بالجميع والكلّ مستغرقون في بحر رحمته وما دام هو رؤوف بالكلّ فلماذا نكون نحن قساة؟ وما دام هو في صلح مع الجميع فلماذا يحارب بعضنا بعضًا؟ ولماذا نحاول تحطيم بعضنا بعضًا فنتذرّع بذريعة الأمّة ونتذرّع بذريعة المذهب ونتذرّع بذريعة الوطن ونتذرّع بذريعة السّياسة ونتذرّع بذريعة الأسماء فيحارب بعضنا بعضًا، ولأقل ذريعة وحجّة يسفك بعضنا دم البعض الآخر ونهدم البيوت، أهذا لائق بنا؟ مع أنّنا في ظلّ إله عطوف مثل هذا الإله الّذي يعفو عن خطايانا ويرحمنا ولا يبدّل لحاظ عنايته مهما كان عصياننا وطغياننا. فهل يليق بنا أن نخالف مثل هذا الإله؟ فهو رؤوف بالكلّ ونحن نكون قساة.
والخلاصة أنّ حضرة بهاء الله قد أسّس مثل هذا التّأسيس وروّج الصّلح العموميّ وكتب قبل خمسين سنة رسائل إلى جميع الملوك ودعاهم جميعًا إلى الصّدق والألفة وعبادة الحقيقة.
نعم ليست هناك آفة أعظم من الحرب المنبعثة من التّعصّبات والمخالفة للرّضاء الإلهيّ. لاحظوا أنّه منذ بداية التّاريخ إلى الوقت الحاضر كان بين البشر حرب وجدال وكانت الحروب منبعثة إمّا من

التّعصّب السّياسيّ وإمّا من التّعصّب الجنسيّ وإمّا من التّعصّب الوطنيّ وإمّا من التّعصب المذهبيّ.
إنّ جميع هذه التّعصّبات هادمة للبنيان الإنسانيّ وليس عند الله تعصّب فلماذا يكون عندنا تعصّب؟ والله يعاملنا جميعًا معاملة واحدة فلماذا يعامل بعضنا بعضًا معاملة مختلفة. وجميع الأرض وطن واحد وكرة الأرض كرة واحدة وجميع البشر من وطن واحد ومن سلالة آدم ولهذا فهم عائلة واحدة وجنس واحد لا أجناس مختلفة فلماذا نحن يجب أن نختلف؟ ولِمَ هذه الحروب بيننا؟ ولماذا هذا الجدال والقتال؟
يجب أن نتابع الرّضاء الإلهيّ ولا شكّ أنّ رضاء الله هو في المحبّة والألفة لأنّ الحرب هادمة للبنيان الإنسانيّ وما دامت الحرب مستمرّة فلن يرتاح العالم الإنسانيّ.
ومبدأ آخر هو أنّ التّقاليد الموجودة بين أيدي أولي الأديان مانعة للاتّحاد والاتّفاق لأنّ التّقاليد مختلفة واختلاف التّقاليد سبب للنّزاع، والنّزاع سبب للقتال.
ولهذا يجب ترك التّقاليد وتحرّي الحقيقة لأنّ الحقيقة واحدة وإذا تحرّى الجميع الحقيقة فلا شكّ أنّ الجميع يصبحون متّحدين متّفقين لأنّ كلّ هذا النّزاع هو من التّقاليد أمّا أساس الأديان الإلهيّة فواحد وهو الفضائل الإنسانيّة فلا يختلف أحد في الفضائل بل الكلّ متّفقون على أن الفضائل نور والرّذائل ظلمة، إذن فيجب علينا الرّجوع إلى أساس الأديان الإلهيّة وترك التّقاليد ومن المؤكّد أنّنا نتّحد ولا يبقى اختلاف بأيّ وجه من الوجوه.
ومن مبادئه أيضًا هو أنّ الدّين يجب أن يطابق العقل ويطابق العلم لأنّه إن لم يطابق العقل والعلم فإنّه يكون أوهامًا ولقد أعطانا الله قوّة عاقلة حتّى نتوصّل بها إلى حقيقة الأشياء وندرك حقيقة كلّ شيء

فإذا كان الدّين مخالفًا للعلم والعقل فلا شكّ أنّه أوهام وإذا كان الدّين مانعًا للألفة فعدمه خير من وجوده لأنّ الدّين هو لأجل المحبّة والألفة فإن أصبح الدّين سبب النّزاع والجدال فلا شكّ أنّ عدم الدّين أحسن لأنّه بمنزلة العلاج فإن أصبح العلاج سبب المرض فلا شكّ أنّ عدمه أحسن من وجوده.
ثمّ إنّ الله خلقنا جميعًا على حدّ سواء فأعلن حضرة بهاء الله المساواة بين الرّجال والنّساء وأنّ الرّجل والمرأة كليهما عبيد لله وجميعهم بشر متساوون في الحقوق وليس عند الله رجل أو امرأة وكلّ شخص تكون أعماله أحسن وإيمانه أحسن يكون أكثر تقرّبًا من العتبة الإلهيّة. وفي العالم الإلهيّ ليس هناك ذكور وإناث وليس في عالم الملكوت ذكور وإناث والجميع واحد ولهذا فالرّجال والنّساء يجب أن يتّحدوا ويتساووا.
وخلاصة القول لمّا كان أكثر أهل العالم جهلاء فقد أعلن حضرة بهاء الله أنّ الكلّ يجب أن يحصِّلوا العلوم والفنون ويجب عليهم أن يدخلوا جميع الأطفال المدارس سواء في المدن أم في القرى وهذا فرض محتوم فإن عجز الأب وجب على المجتمع البشريّ أن يعينه حتّى لا تبقى نفس بدون تربية.
وفي المدارس يجب أن تدرّس التّربية الجسمانيّة كما تدرس التّربية الرّوحانيّة لأنّ العلوم المادّيّة بمثابة الجسد والعلوم الإلهيّة بمثابة الرّوح ويجب أن تنفخ في الجسد روح لينال الحياة. أمّا إذا لم تكن هناك روح فالجسد يكون ميتًا مهما يكن في منتهى الجمال لأنّه حينما يكون محرومًا من فيض الرّوح فإنّه يغدو عديم الثّمرة وبدون نتيجة بل إنّ عدمه أحسن لأنّه يفسد ويتعفّن فإنّ فناءه أحسن من بقائه ويتفضّل في الإنجيل: "المولود من الجسد جسد هو والمولود من الرّوح هو روح"، أي أنّ المادّيّات هي بمنزلة الجسد أمّا نفثات الرّوح القدس فهي

روح وهذا الجسد يجب أن يحيا بهذه الرّوح ولهذا السّبب جعل حضرة المسيح الولادة الثّانية لازمة والمقصود بهذا هو أن الإنسان حينما كان في عالم الرّحم كان محرومًا من جميع هذه الفيوضات وحينما جاء إلى هذا العالم انفتحت عيناه وصارت أذناه سامعتين وأصبح ذا عقل وقوى جسمانيّة وحصل على قوى روحانيّة فهذه المواهب أعطاها الله له في عالم الرّحم ولكنّها ما كانت ظاهرة في عالم الرّحم فلمّا ولد ظهرت هذه المواهب وتجلّت فشاهد أن له عينًا وأنه كان قد وهب أذنًا فأصبح يرى جميع الكائنات فيرى البحر ويشاهد هذه الصّحراء ويرى الحديقة والبستان وما كان له علم بجميع هذه الأشياء حين كان في عالم الرّحم.
وبمثل هذه الكيفية أيضًا يجب أن يولد الإنسان من عالم الطّبيعة ليدخل عالم ما وراء الطّبيعة أي ينجو من نقائص عالم الطّبيعة لينال نصيبًا من فضائل العالم الإلهيّ لأنّ الطّبيعة ناقصة وبدون هذا لا يستطيع كشف الرّوحانيّات وكشف الملكوت ولا يكون له علم بالعالم الإلهيّ.
والطّفل في عالم الرّحم كان يستحيل عليه أن يكون له علم بهذا العالم فكان منكرًا لهذا العالم ولو قيل له بأنّ هناك عالمًا غير عالم الرّحم هو أوسع، فيه شمس وقمر وحديقة وبستان لأنكر ذلك وقال ليس هناك عالم غير عالم الرّحم ولكنّه بعد أن وُلد رأى جميع هذه المواهب في حين أنه لم يكن مطّلعًا على ذلك في عالم الرّحم.
وبنفس هذه الكيفية ما لم يولد الإنسان من عالم الطّبيعة فإنّه لن ينال خبرًا عن عالم الملكوت ولا يكون له علم بالله ولا ينال خبرًا عن الرّوحانيّات ولا يكون مطّلعًا على الفيوضات الإلهيّة ولكنّه حينما يولد من الطّبيعة يشاهد أنوار المواهب وبعدها يعرف أنّ الملكوت الإلهيّ منوط بالولادة الثّانية.
ولقد جاءت المظاهر الإلهيّة من أجل تربية البشر ليولدوا ولادة

ثانية لينالوا معرفة الله وليطّلعوا على الملكوت الإلهيّ وليطّلعوا على الحقائق الإلهيّة، مثال هذا جزيرة العرب الّتي كانت في منتهى الظّلمات وكانت النّفوس الإنسانيّة مظاهر شيطانيّة وكانت الآفاق محرومة بالكلّيّة من إشراق النّور الرّحمانيّ وكانت القوانين والآداب مخلّة بسعادة العالم الإنسانيّ وكانت الفضائل منسوخة والرّذائل مقبولة ومشروعة وما كان هناك خبر عن العالم الإلهيّ وما كان هناك أثر من الفيوضات غير المتناهية وفجأة أشرق النّور المحمّديّ من مطلع الحجاز وأشرقت شمس الحقيقة من أفق البطحاء فتنوّرت جزيرة العرب وقام المعلّم الإلهيّ بالتّعليم وقام المربّي الحقيقيّ على التّربية فأفاق النّائمون وانتبه عديمو الشّعور وارتقى النّوع الإنسانيّ وتدنّت الآداب القديمة وأنشد العرب انشودة المدنيّة باللّحن الحجازيّ بصوت عالٍ ظلّ يتردّد صداه أبدًا في آذان البشريّة.
يا إلهنا الغفور إنّ هذا الجمع مرتصدون لدى بابك وعاشقون لجمالك وقد اجتمعوا في هذا المعبد طالبين رضاءك وملتمسين ألطافك وآملين عفوك وراجين غفرانك. إلهي نحن أطفال وأنت الأب الرّؤوف. ونحن أذلاّء وأنت العزيز الفريد الوحيد. إلهي نحن في منتهى العجز وأنت القدرة المحضة ونحن فقراء وأنت الغنيّ ونحن عاجزون وأنت القدير. إلهي فاعفُ عن ذنوبنا وأجرنا في جوارك ونجّنا من ظلمات النّاسوت وأنرنا بنورانيّة اللاّهوت. نجّنا من عالم الطّبيعة وأوصلنا إلى عالم الحقيقة. إلهي نحن عطاش هبنا عذب فراتك ونحن جياع أكرمنا من المائدة السّماويّة ونحن مرضى أنعم علينا بالشّفاء الأبديّ ونحن فقراء هبنا من كنز الملكوت وآونا إلى ظلّ عنايتك حتّى تتنوّر العيون بمشاهدة أنوارك وحتّى نصغي بآذان واعية إلى ندائك. إلهي افتح مشامّنا حتّى تستنشق رائحة حديقة عنايتك. إلهي هبنا قوّة حتّى نسلك في سبيلك ونحن في عالم النّاسوت اهدنا إلى عالم اللاّهوت وافتح لنا أبواب الملكوت واشملنا بألطافك وأكمل علينا فيضك. إنّك أنت الغفور إنّك أنت الرّحمن إنّك أنت الرّحيم وإنّك أنت الوهّاب الرّؤوف.

وصيّتي في توديعكم
الخطبة المباركة ألقيت في منزل السّيّدة بارسنز في دوبلن
في 15 آب سنة 1912
هو الله
لقد مضت عليّ ثلاثة أسابيع وأنا في دوبلن. إنّ دوبلن في الحقيقة مكان لطيف وبديع جدًّا ومكان عليل الهواء خاصّة وأنّ النّفوس الموجودة في دوبلن نفوس محترمة: أخلاقهم طيّبة، يكرمون الضّيف ويعبدون الغريب ولقد شاهدت منهم أقصى الرّعاية ولن أنسى محبّتهم ورعايتهم هذه وهي في خاطري دائمًا ولهذا فإنّني أدعو الله أن يؤيّدهم تأييدًا كلّيًّا وأن يبارك هذه النّفوس المحترمة وأن تشمل ألطافه الجميع حتّى يرتقوا يومًا بعد يوم.
هذا وإنّني حينما جئت إلى أمريكا شاهدت آثار الرّحمة الإلهيّة من كلّ الجهات ورأيت مملكة واسعة جدًّا شملتها كمالات الطّبيعة بأجمعها، أمّة في منتهى الشّهامة ورجالها ونساؤها في ارتقاء ولهذا فإنّني ممتنّ مسرور جدًّا من ذلك.
ولكنّني حينما جئت من الشّرق جئت برسالة إلهيّة فالرّوحانيّات في هذه البلاد لم ترتقِ ولهذا جئت برسالة إلهيّة وجئت ببشارة سماويّة وبشّرت الجميع بسطوع أنوار الملكوت وبيّنت تعاليم حضرة بهاء الله

وجئت ببراهين ودلائل عقليّة على وجود الألوهيّة وجئت بدلائل عقليّة على وجود الوحي. وقد أقمت الحجج العقليّة على أن رحمة الله لا انقطاع لها وأنّ أبواب الملكوت مفتوحة وأنّ الفيض الإلهيّ أبديّ وأنّ أنوار شمس الحقيقة ساطعة ولا انقطاع لسطوعها لحظة واحدة وحيث إنّ السّلطنة الإلهيّة دائمة ولهذا فإنّ الفيض الإلهيّ دائم وكلّ من يحدّد الفيوضات الإلهيّة بحدود فإنّه يحدّد الله بحدود وما دام الله غير محدود بحدود فليست للفيوضات الإلهيّة من نهاية.
وخلاصة القول لقد بيّنت كلّ برهان وأوضحت كلّ دليل على أنّ في العالم الإنسانيّ قوّة روحانيّة واحدة وروحًا فعّالة واحدة وبها يمتاز الإنسان عن غيره. فالإنسان يشترك مع جميع الكائنات في جميع المراتب ولكنّه يمتاز عنها بموهبة الرّوح. إنّ هذه الرّوح نفحة من النّفحات الإلهيّة وشعاع من شمس الحقيقة.
ولقد أقمت البراهين القاطعة على بقاء الرّوح وأوضحت جليًّا أنّ الرّوح الإنسانيّ يظلّ في ظلمة بدون هداية الله.
لهذا يجب أن تتوجّه القلوب إلى الملكوت الإلهيّ حتّى تتجلّى أنوار الفيوضات الّتي لا منتهى لها وحتّى ترقى الأمة الأميركية النّجيبة رقيًّا روحانيًّا كما سبق لها أن ارتقت تمام الرّقيّ في المادّيّات حتّى تعرف عن عالم ما وراء الطّبيعة وتشاهد ببصيرتها السّلطنة الإلهيّة وحتّى تتعمّد بالرّوح القدس وتتعمّد بماء الحياة وتتعمّد بنار محبّة الله كما يتفضّل حضرة المسيح حتّى ينالوا الحياة الأبديّة وحتّى يشاهدوا أنوار الملكوت الإلهيّ وحتّى يدخلوا ملكوت الله.
خلاصة القول إنّ هذا هو آخر يوم لمكوثي هنا وغدًا أنا عازم على السّفر ونصيحتي إليكم أن تكون هممكم عالية ومقاصدكم سامية. إنّ هذا العالم الجسمانيّ حياة مؤقّتة لا بدّ أن تنتهي وإنّ حياة هذا العالم

ولذائذه فانية. تنتهي راحته بمشقّة وتنتهي عزّته بذلّة وتنتهي حياته بالممات وينتهي بقاؤه بالفناء.
وكلّ شيء لا بقاء له لا جلوة له لدى العقلاء لأنّ الإنسان العاقل لا يتوجّه إلى العالم الفاني بل إنّه يهتمّ بالعالم الباقي ولا يقنع بالحياة المؤقّتة بل يطلب حياة أبديّة ولا يبقى في ظلمة الطّبيعة بل يتمنّى ملكوت الأنوار.
ولهذا لا تقنعوا بهذه الحياة الفانية بل اطلبوا حياة لا نهاية لها واطلبوا عزّة أبديّة سرمديّة واطلبوا راحة سماويّة واطلبوا روحانيّة ربانيّة واطلبوا كمالات معنويّة وابحثوا عن فضائل ملكوتيّة وتمنّوا القرب الإلهيّ وتوجّهوا إلى ملكوت الله وفوزوا بما هو منتهى كمالات العالم الإنسانيّ واطلبوا منتهى الفيوضات السّماويّة.
لاحظوا العقلاء السّابقين والعلماء السّابقين والأنبياء السّابقين فإنّهم أنقذوا أنفسهم من ظلمات عالم الطّبيعة ونالوا نصيبًا من أنوار عالم الملكوت ولم يأبهوا بحياة هذه الدّنيا المؤقّتة بل طلبوا الحياة الأبديّة. ولو أنّهم كانوا على الأرض لكنّهم كانوا يسيرون في الملكوت الإلهيّ. ولو أنّ أرواحهم كانت أسيرة لهذا الجسد ولكنّهم كانوا يرجون حرّيّة عالم البقاء إلى أن صعدت أرواحهم المقدّسة إلى الملكوت الأبهى ونالوا الحياة الأبديّة.
لاحظوا أنّ جميع عظماء الدّنيا انعدموا ولم يبقَ منهم أثر أمّا تلك النّفوس المقدّسة فآثارها باقية إلى الأبد. فقد انطفأت شموع جميع الملوك ولكنّ شمعهم يتّقد يومًا فيومًا.
كم من ملكات جئن إلى هذا العالم وكنّ في منتهى السّطوة وانعدمن كلّهنّ ولم يبقَ منهنّ غير الاسم في بعض الكتب التّاريخيّة ولكنّ مريم المجدليّة كانت امرأة قرويّة فلمّا تنوّرت بأنوار الملكوت

أصبحت نجمة ساطعة تشرق إلى الأبد في أفق العزّة الأبديّة وقيسوا على ذلك. ما أعظم العزّة الّتي تنالها النّفوس الّتي تدخل الملكوت الأبهى! فإنّ صيتهم يبقى إلى الأبد ويسطعون كالنّجوم في أفق الملكوت. أولئك حياتهم أبديّة وأولئك أسماؤهم أبديّة وأولئك ذكرهم أبديّ وأولئك آثارهم أبديّة.
فاجهدوا إذن لتنالوا أنوار الملكوت ولتحيوا بفضل الله ولتنالوا حياة بنفثات الرّوح القدس. هذه وصيّتي وإنّي لأدعو من أجلكم حتّى ينزل الله عليكم ألطافه الّتي لا منتهى لها وإنّي لن أنسى محبّتكم أبدًا وقد ذكرت في رسائلي جميع ما قمتم به نحوي وسأذكركم.

تعاليم بهاء الله
الخطبة المباركة ألقيت في كنيسة الموحّدين في مونتريال – كندا
في 1 أيلول سنة 1912
هو الله
لفد خلق الله تعالى الجميع من التّراب وخلق الكلّ من عنصر واحد ومن سلالة واحدة وعلى كرة أرضيّة واحدة، وخلق الجميع تحت ظلّ سماء واحدة وخلق الكلّ مشتركين في الإحساسات ولم يوجد بين الخليقة تفاوتًا فالكلّ متساوون وهو يرزق الجميع ويربّي الجميع ويحفظ الجميع وهو رؤوف بالجميع ولم يوجد أيّ فرق بين البشر في فضله ورحمته. وبعث الأنبياء وأرسل التّعاليم الإلهيّة للجميع وهذه التّعاليم الإلهيّة هي سبب الألفة بين البشر وسبب المحبّة بين القلوب. وأعلن وحدة العالم الإنسانيّ وهو يذمّ كلّ ما يمنع الاتّحاد ويمدح كلّ ما يسبب الاتّفاق والاتّحاد وهو يحثّ جميع البشر على اختلاف مراتبهم إلى الاتّحاد.
وقد بعث جميع أنبياء الله من أجل المحبّة بين البشر ونزّلت جميع الكتب الإلهيّة من أجل اتّحاد العالم الإنسانيّ، وكان جميع الأنبياء خادمين للحقيقة وتعاليمهم كلّها حقيقة، والحقيقة واحدة لا تقبل التّعدّد. لهذا فإنّ أساس الأديان الإلهيّة واحد.

ولكن برغم هذا فقد حلّت بينها التّقاليد ويا للأسف ولا صلة لها بأساس تعاليم الأنبياء. وحيث إنّ هذه التّقاليد مختلفة لهذا صارت سبب الاختلاف وحصل بين البشر نزاع وجدال وحلّ بينهم حرب وقتال حتّى صاروا يهدمون البنيان الإلهيّ ويقتل بعضهم بعضًا كالحيوانات المفترسة ويخرّب بعضهم بيوت البعض الآخر ويهدم بعضهم مملكة البعض الآخر.
وقد خلق الله الإنسان من أجل المحبّة وتجلّى بالمحبّة على العالم الإنسانيّ وكانت المحبّة سبب اتّحاد الكائنات وكان جميع الأنبياء مروّجين للمحبّة. والآن يقاوم الإنسان رضاء الله ويعمل بكلّ ما يخالف رضاء الله. لهذا لم يجد الرّاحة منذ بداية التّاريخ حتّى يومنا هذا. فكان دائمًا في حرب وقتال وكانت القلوب متنافرة بعضها من بعض وتعمل بكلّ ما يخالف الرّضاء الإلهيّ.
وكلّ الحروب الّتي وقعت وما سفك فيها من دماء كانت ناتجة إمّا من التّعصّب الدينيّ أو منبعثة من التّعصّب الجنسيّ، أو منبعثة من التّعصّب الوطنيّ أو من منبعثة من التّعصّب السّياسيّ. لهذا فالعالم الإنسانيّ في عذاب دائم وقد كان التّعصّب في الشّرق شديدًا جدًّا لأنّه لم تكن هناك حرّيّة وقد بلغ درجة تعذَّر فيها وجود الرّاحة فسيطرت ظلمة التّقاليد وعاشت جميع الطّوائف والأديان والأجناس في منتهى العداوة والنّزاع.
في هذا الوقت ظهر حضرة بهاء الله وتفضّل:
أوّلاً: بإعلان وحدة العالم الإنسانيّ وأنّ جميع الخلق عبيد الله وأنّ جميع الأديان في ظلّ رحمة الله، وأنَّ الله رؤوف بالجميع وهو يحبّ الجميع، وأنَّ جميع الأنبياء كانوا في منتهى الألفة في ما بينهم وأنّ الكتب السّماويّة يؤيّد بعضها بعضًا. ومع وجود هذا لماذا يجب أن يكون هناك بين البشر نزاع وجدال ما دام جميع البشر خلقًا لإله واحد

وما داموا جميعًا أغنامًا في ظلّ راعٍ واحد، والرّاعي يرعى الجميع. إذن يتوجّب على الأغنام الإلهيّة أن تآلف بعضها بعضًا ولو افترقت واحدة منها فعلى الجميع أن تجلبها وتدلّها السّبيل وكلّ ما في الأمر أنّ البعض جهلاء تجب تربيتهم وناقصون يجب إكمالهم ومرضى يجب علاجهم وعمي يجب إبصارهم.
ثانيًا: أعلن حضرة بهاء الله أنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والمحبّة فإذا أصبح الدّين سبب العداوة فلا تكون نتيجة منه وفي هذه الحال يصبح عدم التّديّن أحسن لأنّ الدّين صار سبب العداوة والبغضاء، وكلّ ما يسبب العداوة مبغوض عند الله وكلّ ما يسبّب الألفة والمحبّة مقبول وممدوح لديه. وإذا صار الدّين سبب القتال والافتراس فإنّ ذلك ليس بدين وعدم التّدين خير منه لأنَّ الدّين بمثابة العلاج فإن أصبح العلاج سببًا لحدوث المرض فعدم العلاج خير منه. لهذا فإن أصبح الدّين سبب الحرب والقتال فلا شكّ أنّ عدم التّديّن أحسن.
ثالثًا: يجب أن يكون الدّين مطابقًا للعلم والعقل فإن لم يكن كذلك كان مجرد أوهام لأنَّ الله أعطى الإنسان عقلاً كي يدرك به حقائق الأشياء وكي يعبد الحقيقة فإذا أصبح الدّين مخالفًا للعلم والعقل فمن المستحيل أن يكون سببًا لاطمئنان القلب وإذا لم يكن سببًا للاطمئنان كان مجرّد أوهام ولا يعود يسمّى دينًا. لهذا يجب توفيق المسائل الدّينيّة مع العقل والعلم كي يطمئنّ القلب ويكون الدّين سببًا لسعادة الإنسان.
رابعًا: إنّ التّعصّب الدّينيّ والتّعصّب المذهبيّ والتّعصب الوطنيّ والتّعصّب السّياسيّ كلّها هادمة للبنيان الإنسانيّ. فالأديان عبارة عن دين واحد لأنّ الأديان الإلهيّة هي الحقيقة. وقد نادى حضرة إبراهيم بالحقيقة وأعلن حضرة موسى الحقيقة وأسّس حضرة المسيح الحقيقة وروّج حضرة الرّسول الحقيقة. وكان جميع الأنبياء خدّامًا للحقيقة

وكانوا كلّهم مؤسّسين للحقيقة وكانوا جميعًا مروّجين للحقيقة إذًا فالتّعصّب باطل لأنّ هذه التّعصّبات مخالفة للحقيقة. أمّا التّعصّب الجنسيّ فحيث إنّ جميع البشر من عائلة واحدة وعبيد لإله واحد وكلّهم من جنس واحد فلا تعدّد في الأجناس وما داموا جميعًا أولادا لآدم فإن تعدّد الأجناس أوهام فليس لدى الله إنكليزيّ ولا فرنسيّ ولا تركيّ ولا فارسيّ والجميع جنس واحد لدى الله. ولم يخلق الله هذه التّقسيمات بل خلقها البشر لهذا فهي مخالفة للحقيقة وباطلة. فكلّ واحد من البشر له عينان وآذنان ورأس واحد وقدمان وليس بين الحيوانات تعصّب جنسيّ وليس بين الطّيور هذا التّعصب فالحمامة الشّرقيّة تألف الحمامة الغربيّة والأغنام كلّها جنس واحد فلا يقول خروف لآخر أنت خروف شرقيّ وأنا غربيّ وأينما يكونون فإنّهم متآلفون. والحمامة الشّرقيّة إذا جاءت إلى الغرب فإنّها تتآلف تمامًا مع الحمامة الغربيّة ولا تقول للحمامة الغربيّة أنتِ غربيّة وأنا شرقيّة. إذًا فالشّيء الّذي لا يقبله الحيوان هل يليق بالإنسان أن يقبله؟
وأمّا التّعصّب الوطنيّ فإنّ وجه الأرض بأكمله كرة واحدة وأرض واحدة ووطن واحد. والله لم يقسّمها بل خلقها كلّها متساوية وليس لديه فرق فالتّقسيم الّذي لم يعمله الله كيف يجوز للإنسان أن يعمله؟ إنّ هذه جميعها أوهام. فأوروبّا قارّة واحدة وقد جئنا فعيّنّا خطوطًا وهمية وقرّرنا نهرًا واحدًا وقلنا إنّ هذه الضّفة فرنسا وتلك الضّفة ألمانيا والحال أنّ النّهر يعود للطّرفين، فأيّة أوهام هذه؟ وأيّة غفلة هذه؟ فالشّيء الّذي لم يخلقه الله نتخيّله ونجعله سبب النّزاع والقتال. إذن فجميع هذه التّعصّبات باطلة ومبغوضة لدى الله ولقد أوجد الله المحبّة والوحدة وأراد من عبيده الألفة والمحبّة وعنده العداوة مردودة والاتّحاد والألفة مقبولان.
خامسًا: ومن بين تعاليم حضرة بهاء الله أنّ جميع العالم يجب أن

يكتسبوا المعارف حتّى يزول سوء التّفاهم بينهم ويتّحد جميع البشر ويزول سوء التّفاهم عن طريق نشر المعارف لهذا يجب على كلّ أب أن يربّي أولاده فإذا عجز عن ذلك في يوم من الأيّام توجّب على الهيئة الاجتماعية أن تساعده حتّى تعمّ المعارف ويزول سوء التّفاهم بين البشر.
سادسًا: إنّ النّساء كنّ أسيرات وقد أعلن حضرة بهاء الله وحدة حقوق الرّجال والنّساء وإنّ الرّجل والمرأة كليهما إنسانان وعبدان لإله واحد. وليس لدى الله ذكور وإناث بل كلّ من كان قلبه أطهر وعمله أحسن كان مقرّبًا أكثر لدى الله سواء أكان رجلاً أم امرأة وهذا التّفاوت المشهود الآن بين الرّجل والمرأة ناتج عن تفاوت التّربية لأنّ النّساء لا يربّين مثل الرّجال فإن ربّي النّساء والرّجال على حدّ سواء فإنّهم يتساوون في جميع المراتب لأنّهم كلّهم بشر ومشتركون في جميع المراتب ولم يجعل سبحانه وتعالى تفاوتًا بينهم.
سابعًا: وحدة اللّغات: يجب إيجاد لغة يتعلّمها جميع البشر ويحتاج كلّ إنسان إلى لغتين إحداهما لغة خصوصية والأخرى لغة عموميّة بها يعرف جميع البشر حديث بعضهم الآخر. وبهذا يزول سوء التّفاهم من بين الملل لأنّ الجميع يعبدون إلهًا واحدًا والكلّ عبيد لإله واحد وقد كان سوء التّفاهم سببًا لهذا الاختلاف فعندما يعرف بعضهم لغة البعض الآخر لا يبقى سوء التّفاهم ويتحابّ الجميع ويتآلفون ويتّحد الشّرق ويتّفق مع الغرب.
ثامنًا: إنّ العالم محتاج إلى الصّلح العموميّ وما لم يتمّ إعلان الصّلح العمومي لن يرتاح العالم ولا بدّ أن تشكّل الدّول والملل محكمة كبرى حتّى يرجعوا إليها في الاختلافات وتفصل تلك المحكمة في تلك الاختلافات وكما تفصل المحكمة في الاختلافات الّتي تحصل بين الأفراد وكذلك تفصل المحكمة الكبرى في اختلافات الدّول والملل حتّى لا يبقى مجال للحرب والقتال. وقد كتب حضرة بهاء الله قبل

خمسين سنة إلى جميع الملوك وجميع هذه التّعاليم مدوّنة في ألواح الملوك وسائر الألواح وقد طبعت في الهند قبل أربعين سنة حتّى امّحى التّعصب من بين البشر. فالّذين اتّبعوا حضرة بهاء الله صاروا متّحدين في ما بينهم ومتآلفين. فإذا دخلت مجلسهم رأيت المسيحيّين واليهود والزرادشتيّين والمسلمين في منتهى الألفة والمحبّة وجميع نقاشهم يدور حول رفع سوء التّفاهم.
وخلاصة القول إنّني حينما جئت إلى أمريكا رأيت أهاليها محترمين جدًّا وحكومتها عادلة وشعبها نجيبًا جدًّا. وأرجو الله أن تكون هذه الدّولة العادلة وهذه الأمة المحترمة سببًا لإعلان الصّلح العموميّ ووحدة العالم الإنسانيّ وأن تصبح سببًا لألفة الملل، وأن تشعل مصباحًا ينير العالم وهو وحدة العالم الإنسانيّ والاتّحاد العمومي.
وأملي أن تصبحوا سببًا لارتفاع علم الصّلح العموميّ هنا وأعني أن تصبح الدّولة والأمة الأمريكيّة سببًا لراحة العالم الإنسانيّ ولكسب الرّضاء الإلهيّ وإحاطة الألطاف الإلهيّة بالشّرق والغرب.
يا إلهي الرّؤوف إنّ هذا الجمع متوجّه إليك ويناجيك بمنتهى التّضرّع وإنّه متبتّل إلى ملكوتك ويطلب منك العفو والغفران. فاجعل يا إلهي هذا الجمع محترمًا وقدّس هذه النّفوس واجعل أنوار الهداية ساطعة ونوّر القلوب، واجعل النّفوس مستبشرة، وأدخل الجميع في ملكوتك وأنل مرادهم في كلا العالمين. يا إلهي نحن أذلاّء فاجعلنا أعزّاء وعجزاء فأنعم علينا قدرة، ونحن فقراء اغننا من كنز الملكوت، ومرضى فأنعم علينا بالشّفاء. يا إلهي اهدنا إلى رضائك وقدّسنا عن شؤون النّفس والهوى واستقمنا يا إلهنا على محبّتك واجعلنا رؤوفين بجميع الخلق ووفّقنا على خدمة العالم الإنسانيّ حتّى نخدم جميع عبيدك ونحبّ جميع عبيدك ونحبّ جميع خلقك ونكون مشفقين بجميع البشر. إنّك أنت المقتدر الرّحيم وإنّك أنت الغفور العظيم.

عالم الطّبيعة ناقص
الخطبة المباركة ألقيت بمنزل السّيّد والسّيّدة
مكسويل في مونتريال مساء 3 أيلول سنة 1912
هو الله
لقد جاءنا قبل ساعة شابّ وبحثنا معه موضوع هل أنّ الطّبيعة كاملة أم ناقصة، منيرة أم مظلمة، والآن أريد أن أكمل البحث في هذا الموضوع.
إنّ الطّبيعة من حيث المجموع هي العالم الجسمانيّ وإذا نظرنا إلى عالم الطّبيعة بالنّظر الدّقيق واطّلعنا على عمقها وأسرارها فإنّنا نلاحظ أنّ عالم الطّبيعة ناقص ومظلم. لاحظوا لو أنّنا تركنا أرضًا لتبقى على حالتها الطّبيعية فإنّها ستصبح منبتًا للأشواك والنّباتات غير النّافعة ولو تركنا المناطق الجبليّة على حالها فإنّها تنبت أشجارًا لا ثمرة فيها وتصبح غابات لا فائدة فيها ولا انتظام، إذًا فعالم الطّبيعة مظلم تجب إنارته وبماذا تتمّ إنارته؟ تتمّ إنارته بحرث تلك الأرض الّتي أنبتت بحكم الطّبيعة أشواكًا وأعشابًا غير نافعة وببذر البذور حتّى تنمو فيها أزهار معطّرة وتنبت حبوب وفيرة البركة الّتي هي رزق الإنسان. وهذه الغابات المتروكة على حالتها الطّبيعية المظلمة لا بركة فيها ولا خير فنقوم بتربيتها ونجعل الأشجار عديمة الأثمار مثمرة فتصبح بستانًا بعد

أن كانت غابة وتغدو منتظمة بعد أن كانت متشابكة، ولقد كانت في البدء مظلمة فلمّا استحالت بستانًا أصبحت نورانيّة. وكذا الإنسان لو تركناه على طبيعته فإنّه يصبح أحطّ من الحيوان فيبقى جاهلاً بليدًا مثل أهالي أواسط أفريقيا. إذًا فكلّما أردنا أن نجعل هذا العالم المظلم نورانيًّا وجب علينا أن نربّيه فيكون المحروم من الأدب ذا أدب ويكون سيّئ الخلق طيّب الأخلاق، ولكنّنا لو تركناه على حالته الطّبيعية ولم نقم بتربيته فمن المؤكّد أنّه أسفل من الحيوان يقتل أبناء نوعه ويفترسهم ويأكلهم. إذًا اتّضح أنّنا لو تركنا الطّبيعة على حالها فإنّها تصبح مظلمة. ولهذا يجب أن نربّي الإنسان حتّى يصبح هذا الإنسان المظلم نورانيًّا ويصبح هذا الجاهل عالمًا ويصبح هذا المحروم من الأدب أديبًا ويصبح النّاقص كاملاً ويصبح سيّئ الأخلاق خلوقًا ويصبح هذا الحيوان إنسانًا. وممّا لا مِرية فيه أنّ الإنسان يكون بدون التّربية أحطّ من الحيوان. إذًا فقد اتّضح أنّ الطّبيعة ناقصة تلزمها التّربية لتصبح كاملة. يقول الفلاسفة اليوم جميعًا قولاً يلقونه على عواهنه وهو "إنّ عالم الطّبيعة كامل" غير ملتفتين إلى أنّه ناقص يجب بالتّربية إكماله، تُرى لماذا يربّون التّلاميذ في المدرسة ما دام عالم الطّبيعة كاملاً؟ فإن صحّ قولهم يجب أن يتركوا البشر وشأنهم حتّى يربّوا أنفسهم بأنفسهم. إنّ جميع هذه الاختراعات قد ظهرت بنتيجة التّربية لأنّ هذه الاختراعات لم تكن موجودة في عالم الطّبيعة، وهذه الاكتشافات إنّما حصلت من التّربية فالكهرباء والتّلفون والبرق والحاكي وسائر الاختراعات الحديثة إنّما ظهرت جميعها من التّربية، ولو لم ينل البشر التّربية وتركوا على حالتهم الطّبيعية لما ظهر أيّ واحد من هذه الاختراعات ولما كانت هذه المدنيّة والتّرقّيات في العالم الإنسانيّ. ترى ما الفرق بين الفيلسوف الكامل والشّخص الجاهل؟ الفرق هو أنّ الجاهل ترك ليبقى على حاله في حين أنّ الفيلسوف ربّي حتّى أصبح كاملاً وإلاّ فكلاهما

بشر. من أجل هذا أرسل الله الأنبياء وأنزل الكتب السّماويّة ونفخ نفثات الرّوح القدس وفتح أبواب الملكوت وأبدع الإلهامات الغيبيّة. ولقد منح الخلق قوى عقلية حتّى تسدّ نقائص الطّبيعة فتكمّلها وحتّى تزول ظلمات رذائل الطّبيعة يزول جهل عالم الطّبيعة وتزول الأخلاق الذّميمة من عالم الطّبيعة ويزول ظلم عالم الطّبيعة. ولقد بعث الأنبياء من أجل هذا المقصد حتّى يربوا نفوس البشر تربية إلهيّة لتنجو من نواقص عالم الطّبيعة.
ومثل الأنبياء كمثل البستانيّ ومثل الخلق كمثل الأجمة أو الأرض البور فالأنبياء الّذين هم بستانيّون إلهيّون يربّون الأشجار الإنسانيّة ويقوّمون الأغصان المعوجّة ويحوّلون الأشجار عديمة الأثمار مثمرة ويقلّبون الغابة غير المنتظمة إلى بستان يبهج القلب. ولو كان عالم الطّبيعة منيرًا كاملاً لما كانت الحاجة ماسّة للتّربية ولما كانت المدارس والمعاهد ضروريّة ولما كانت هناك حاجة إلى الاختراعات لأنّ عالم الطّبيعة كامل ولما كان محتاجًا إلى الأنبياء ولا إلى معلّم ولا إلى كتب ولا إلى إله لأنّ عالم الطّبيعة كامل. وإنّ كلّ هذه الأمور وجدت لأنّ عالم الطّبيعة ناقص. فهذه القارّة الأمريكيّة ماذا كانت؟ لقد كانت غابة وكانت أرضًا خالية وذلك من مقتضيات الطّبيعة فما الّذي عمّرها؟ لقد عمّرتها العقول الإنسانيّة إذًا فالطّبيعة ناقصة وقامت العقول الإنسانيّة فأكملت هذه النّواقص فبعد أن كانت أرضًا جرداء وغابة أصبحت الآن مدنًا عامرة وقبل أن يأتي كولومبس ماذا كانت أمريكا؟ لقد كانت مثالاً لعالم الطّبيعة أمّا الآن فقد أصبحت مثالاً لعالم الإنسان ولو كان عالم الطّبيعة كاملاً لوجب أن تبقى القارّة كما كانت فانظروا الآن إنّها كانت في أوّل الأمر مظلمة وأصبحت الآن منيرة وكانت خربة فأصبحت عامرة وكانت غابة فأصبحت بستانًا وكانت منبت أشواك فأصبحت حديقة أزهار. إذًا ثبت أنّ عالم الطّبيعة ناقص ومظلم ولو ولد طفل وما قمنا

بتربيته وتركناه على حالته الطّبيعية فماذا تكون النّتيجة لا شكّ أنّه سيبقى جاهلاً لا إدراك له وسيصبح حيوانًا. لاحظوا أواسط أفريقيا تجدوا أهليها مثل الحيوانات بل وأحطّ من الحيوانات. من هذا نلاحظ ماذا عملت التّربية الإلهيّة في العالم الإنسانيّ. إنّ عالم الطّبيعة هو عالم الحيوان والحيوان باقٍ على حالته الطّبيعية والحيوانات الوحشيّة لا الأهليّة باقية في الصّحارى والغابات على حالتها الطّبيعية وكلّها في عالم الطّبيعة. وليس هناك تعليم وتربية في عالم الحيوان وليس في عالم الحيوان خبر عن عالم الرّوح والحيوان لا خبر عنده عن الله والحيوان لا خبر له مطلقًا عن العقل الإنسانيّ ولا خبر عنده عن القوّة الرّوحانيّة الإنسانيّة والحيوان يتصوّر الإنسان شبيهًا له ولا يرى امتيازًا بينهما، لماذا؟ لأنه باقٍ على حالته الطّبيعية وجميع الحيوانات طبيعيّة وجميع المادّيّين مثل الحيوانات لهم إحساسات جسمانيّة وليست لهم إحساسات روحانيّة فهم منكرون لوجود الله لا يعرفون شيئًا عن الله ولا خبر لهم عن الأنبياء ولا خبر لهم عن الجنّة الإلهيّة، وجميع الحيوانات كذلك لا خبر لها عن التّعاليم الإلهيّة وجميع الحيوانات أسرى المحسوسات. والواقع أنّ شبيه الفلاسفة في هذا اليوم هو الحيوانات فكما أنّ هؤلاء الفلاسفة لا خبر لهم عن الأنبياء ولا عن الإحساسات الرّوحانيّة ولا عن فيض الرّوح القدس ولا عمّا وراء الطّبيعة فكذلك كلّ حيوان حائز على هذه الكمالات بدون عناء. والفلاسفة بعد دراسة عشرين سنة ينكرون الله وينكرون القوى الرّوحانيّة والإلهامات الإلهيّة في حين أنّ الحيوان بدون عناء فيلسوف كامل مثل حضرة الثّور لا خبر عنده عن كلّ شيء فلا خبر عنده عن الله ولا خبر عنده عن الإحساسات الرّوحانيّة وجميع الحيوانات لا خبر لها عن الرّوح وهؤلاء الفلاسفة لا خبر عندهم عن أيّ شيء غير المحسوسات وهم كالحيوانات، ومع هذا فإنّهم يقولون إنّنا فلاسفة لأنّنا لا نعلم غير المحسوسات. والحال أنّ حضرة الثّور

عنده هذه الفضيلة بجميع أوصافها بدون اكتساب للعلوم. ليس هذا فخرًا إنّما الفخر أن يطّلع الإنسان على الإحساسات الرّوحانيّة وأن يتنسّم أخبار ما وراء الطّبيعة وأن يستفيض من نفثات الرّوح القدس ويجب أن يكون فخر الإنسان في اطّلاعه على التّعاليم الإلهيّة، وما عدا هذا فعدم الاطلاع ليس بفخر إنّما هو جهل. وهل من الممكن أن تطّلع النّفوس الّتي هي أسفل درجة الجهل على الكمالات الإلهيّة وأن تطّلع على الحقيقة وأن تنال علمًا بحضرة المسيح وجميع المظاهر المقدّسة؟ وهل من الممكن أن تكون إدراكات هذه النّفوس أعظم من إدراك المظاهر المقدّسة؟ لقد كان حضرة المسيح إلهيًّا سماويًّا ملكوتيًّا روحانيًّا ولا شكّ أنّه يفهم أحسن من فهم هؤلاء الفلاسفة فقد كان عقله أكبر وإدراكه أوسع وقواه أعلى وشعوره أسمى. إذًا فكيف صرف حضرته النّظر عن كلّ شيء وعن هذه الحياة الجسمانيّة وعن الرّاحة والنّعمة وقبل جميع البلايا وتحمل جميع الرّزايا؟ لماذا؟ لأنّه كان ذا إحساسات روحانيّة وكان ذا قوّة من الرّوح القدس. كان يشاهد الملكوت وكانت له فيوضات إلهيّة وكانت له قوى معنويّة وكانت له روحانيّة محضة وكذا كان جميع المظاهر المقدّسة الإلهيّة.

وحدة العالم الإنسانيّ
الخطبة المباركة في جامعة ستانفورد – كاليفورنيا
في 8 تشرين الأوّل سنة 1912
هو الله
العلم أعظم منقبة في العالم الإنسانيّ لأنّه يكشف حقائق الأشياء وحيث إنّني أجد نفسي اليوم في مركز العلم في هذه الكلّيّة الّتي طبّقت شهرتها الآفاق لهذا فإنّني مسرور جدًّا.
إنّ أشرف مجمع ينعقد في العالم هو مجمع العلماء وأشرف مركز في العالم الإنسانيّ هو مركز العلوم والفنون.
إنّ العلم هو سبب نورانيّة العالم، والعلم سبب الرّاحة والاطمئنان، والعلم سبب عزّة العالم الإنسانيّ. ولو أمعنتم النّظر لو وجدتم أنّ دولة العلم أعظم من دولة الملوك إذ إنّ سلطنة الملوك تنهدم ويخلع القياصرة والأباطرة وتنقلب سلطنتهم رأسًا على عقب أمّا سلطنة العلم فهي أبديّة وسرمديّة ولا انقراض لها. لاحظوا الفلاسفة القدامى كيف دامت سلطنتهم في حين انقرضت سلطنة الرّومان مع عظمتها وانقرضت سلطنة اليونان مع عظمتها وانقرضت سلطنة الشّرق برغم عظمتها لكنّ سلطنة أفلاطون ظلّت باقية وسلطنة أرسطو باقية وذكرهم باقٍ حتّى الآن في جميع الكلّيّات والمجامع العلميّة في حين

أنّ ذكر الملوك قد أصبح نسيًا منسيًّا بصورة تامّة. إذن فسلطنة العلم أعظم من سلطنة الملوك. فالملوك يسخِّرون الممالك بسفك الدّماء لكنّ الإنسان العالم يفتح ممالك القلوب بعلمه ويضعها تحت تصرّفه وهكذا تصير سلطنته أبديّة من هذه النّاحية. وحيث إنّ هذا المكان هو مركز العلوم والفنون فإنّني مسرور جدًّا لحضوري إلى هذا المركز وأرجو التّأييدات والتّوفيقات الإلهيّة حتّى تصلوا في العلوم والفنون إلى منتهى الدّرجات وتشرقوا كالمصابيح المنيرة في مجمع العالم الإنسانيّ.
إنّ أعظم تعاليم حضرة بهاء الله هو وحدة العالم الإنسانيّ لهذا فإنّني أريد أن اتّحدث حول وحدة الكائنات وهذه المسألة من المسائل الفلسفيّة الإلهيّة.
من الواضح أنّ جميع الموجودات شيء واحد وكلّ كائن من الكائنات عبارة عن جميع الكائنات يعني أن كلّ شيء في كلّ شيء. لاحظوا أنّ الكائنات تكونت من الجزيئات الفرديّة وهذه الجزيئات الفرديّة تسير في جميع مراتب الوجود. فمثلاً كلّ ذرّة من الذّرّات الفردية الموجودة في هيكل الإنسان كانت في وقت من الأوقات في عالم النّبات وفي وقت من الأوقات في عالم الحيوان وفي وقت من الأوقات في عالم الجماد فهي على الدّوام تنتقل من حال إلى حال ومن صورة إلى صورة ومن كائن إلى كائن آخر في صور لا تتناهى في الطّول والعرض ولها في كلّ صورة كمال. وحركة الكائنات هذه مستمرّة. لهذا فإنّ كلّ كائن عبارة عن جميع الكائنات وغاية ما في الأمر أنه يقتضي امتداد مدّة حتّى يطوي هذا الجوهر الفرد الموجود في جسم الإنسان جميع مراتب الوجود ففي وقت من الأوقات كان ترابًا وكانت له انتقالات في الصّور الجماديّة وبعد ذلك انتقل إلى عالم النّبات وكانت له انتقالات في الصّور النّباتية وبعد ذلك انتقل في الصّور الحيوانيّة والآن جاء إلى العالم الإنسانيّ ليسير في المراتب الإنسانيّة ثمّ يعود بعد

ذلك إلى عالم الجماد وعلى نفس التّرتيب يسير في جميع المراتب، ويتجلّى في صور كائنات لا تتناهى ويكون له كمال في كلّ صورة من الصّور. فقد كانت له كمالات جماديّة في عالم الجماد. وفي عالم النّبات كانت له كمالات نباتيّة. وفي عالم الحيوان كانت له كمالات حيوانيّة وله في عالم الإنسان كمالات إنسانيّة. إذن فقد اتضح أن كلّ جوهر فرد من الكائنات له انتقالات في صور لا تتناهى وفي كلّ صورة لا تتناهى وفي كلّ صورة يتجلّى له كمال من الكمالات ومن هذا يتّضح أنّ الكائنات كلّها واحد وأنّ عالم الوجود واحد. فلمّا كانت في عالم الوجود وحدة كهذه يا ترى أيّة وحدة تكون في عالم الإنسان؟ فمن الواضح بالبرهان أنّ هناك وحدة في الوحدة وأنّ الوحدة هي مبدأ الوجود ومنتهاه.
وهل يجوز مع وحدة العالم الإنسانيّ ووحدة جميع الكائنات أن يكون هناك نزاع وجدال في هذا العالم؟ ومع أنّ الإنسان أشرف الكائنات لأنّ الجسم الإنسانيّ له الكمالات الجماديّة وله الكمالات النّباتية ففيه قوّة النّمو وله الكمالات الحيوانيّة ففيه قوى الإحساس وله الكمالات الإنسانيّة ففيه العقل السّليم برغم وجود هذه الوحدة العظيمة فهل يجوز أن يتنازع ويتجادل؟ وهل يجوز أن يتحارب ويتقاتل؟ وجميع الكائنات في صلح بعضها مع البعض الآخر وجميع العناصر في صلح بعضها مع البعض الآخر والإنسان الّذي هو أشرف الكائنات هل يجوز أن يكون في نزاع وجدال؟ أستغفر الله.
لاحظوا أنّ هذه العناصر عندما تلتئم في ما بينها تكوّن الحياة واللّطافة والنّورانيّة والرّاحة والاطمئنان وأنّ هذه الكائنات الّتي ترونها تعيش كلّها في صلح مع بعضها البعض فالشّمس والأرض في صلح والماء والتّراب في صلح والعناصر في صلح مع بعضها البعض لأنّ أقلّ مصادمة تحصل تحدث زلزلة مثل زلزلة سان فرانسيسكو وأنّ أقلّ مصادمة تحصل يحدث نتيجتها

حريق عموميّ وتحصل جميع هذه الأضرار. هذه هي الحال في عالم الجماد إذن بعد ذلك لاحظوا كم من البلايا تحصل نتيجة المصادمة في العالم الإنسانيّ؟ خاصّة وأنّ الله قد خصَّ الإنسان بالعقل وهذا العقل هو أشرف الكائنات وهو في الحقيقة قوّة من قوى التّجلّيات الإلهيّة وهذا شيء ظاهر مشهود.
لاحظوا مثلاً أنّ جميع الكائنات أسيرة للطّبيعة وجميعها خاضعة لقانون الطّبيعة لا تتجاوز هذا القانون قيد شعرة فمثلاً هذه الشّمس مع عظمتها أسيرة للطّبيعة لا تستطيع تجاوز قانون الطّبيعة وكذلك الأمر في الأجرام العظيمة في هذا الفضاء الّذي لا يتناهى فكلّها أسيرة للطّبيعة ولا تستطيع أن تتجاوز قانون الطّبيعة. والكرة الأرضيّة أيضًا أسيرة لقانون الطّبيعة. وجميع الأشجار والنّباتات أسيرة للطّبيعة وكذلك جميع الحيوانات. فالفيل برغم عظمته وقوّته لا يستطيع أن يتجاوز قانون الطّبيعة. لكنّ الإنسان بحجمه الصغير وجسمه الضّعيف يستطيع أن يكسر قانون الطّبيعة ويقلّبها لأنّه مؤيّد بالعقل الّذي هو من التّجلّيات الإلهيّة فبموجب قانون الطّبيعة نرى الإنسان ذا روح ترابيّ لكنّه يكسر هذا القانون ويصير طائرًا يطير في الهواء ويصير سمكة تسير تحت سطح الماء ويبني سفينة يتسابق بها فوق سطح الماء. وجميع هذه العلوم والفنون الّتي عندكم والّتي تدرسونها في الجامعات كانت كلّها أسرارًا للطّبيعة ويفترض أن تبقى أسرارًا بمقتضى قانون الطّبيعة. لكنّ عقل الإنسان كسر هذا القانون وكشف حقائق الأشياء ونقلها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود فظهرت هذه العلوم، وهذا شيء يخالف قانون الطّبيعة. فمثلاً القوّة الكهربائيّة سرّ من أسرار الطّبيعة المكنونة يجب أن تبقى خفيّة لكنّ عقل الإنسان كشفها وكسر قانون الطّبيعة وجاء بها من حيّز الغيب إلى حيّز الشّهود وحبس هذه القوّة العاصية داخل زجاجة وهذا شيء خارق للعادة ومخالف للطّبيعة، وهو يخابر من الغرب إلى

الشّرق بدقيقة واحدة وهذه معجزة. ويأخذ الإنسان الصّوت ويحبسه في مسجّل الصّوت مع أنّ الصّوت يجب أن يبقى حرًّا لأنّ قانون الطّبيعة يقتضي هذا، وعلى هذا النّحو سائر الاكتشافات فإنّ جميعها أسرار للطّبيعة ويجب أن تكون بمقتضى قانون الطّبيعة مستورة. لكنّ عقل الإنسان الّذي هو أعظم تجلِّ إلهيّ يكسر قانون الطّبيعة هذا ويخرج دومًا هذه الأسرار الطّبيعية من أجهزة الطّبيعة نفسها.
وإذا كنّا نمتلك قوّة إلهيّة كهذه فهل يجوز أن نكون كالحيوانات المفترسة، وكالذّئاب يمزّق بعضنا بعضًا ونصرخ وندعو إلى القتل والتّنكيل؟ فهل يليق هذا بمقام العالم الإنسانيّ؟
فلو أنّ حيوانًا يفترس فإنّه يفعل ذلك من أجل طعامه ولا عقل له ليفرّق به بين الظّلم والعدل وليست له قوّة مميزة. أمّا الإنسان فإنّه حينما يفترس فهو لا يفترس من أجل طعامه بل بسبب طمعه وجشعه. فهل يليق الآن بمثل هذا الوجود الشّريف أي الإنسان المستفيض من العقل وذي الأفكار العالية كهذه الأفكار والمحيط بهذه العلوم والفنون وبهذه الاختراعات العظيمة وبهذه الآثار العقلية وبهذه الإدراكات جميعها وبكلّ هذه الاكتشافات أن يدخل ميدان الحرب مرّة أخرى ويسفك بعضه دم البعض الآخر؟ والحقيقة أنّ الإنسان بنيان إلهيّ وليس بنيانًا بشريًّا فلو أنّكم هدمتم بناءً بشريًّا فلا شكّ أنّ صاحب البناء يتكدّر، كيف بالإنسان الّذي هو بناء إلهيّ إذا هدم؟ فلا شكّ أنّ هذا يكون سببًا للغضب الإلهيّ.
ولقد خلق الله الإنسان شريفًا وفضّله على جميع الكائنات واختصّه بمواهب كلّيّة فأعطاه العقل وأعطاه الإدراك وأعطاه قوّة الحافظة وأعطاه قوّة التّخيل وأعطاه الحواس الخمس الظّاهريّة وأعطاه جميع هذه المواهب العظيمة وجعله مصدرًا للفضائل كي يسطع كالشّمس ويكون سببًا للحياة وسببًا للعمران ونحن الآن نغضّ الطّرف عن جميع هذه

المواهب ونخرّب هذا البناء الإلهيّ ونقوّض هذا التّأسيس الإلهيّ من أساسه. والحال أنّنا لسنا أسرى الطّبيعة بل نحن الّذين نأسر أنفسنا ونتحرّك بمقتضى الطّبيعة.
ففي الطّبيعة نزاع على البقاء فإذا لم يُربَّ الإنسان فإنّ النّزاع والجدال من مقتضيات الطّبيعة. وكلّ هذه المدارس وكلّ هذه الكلّيّات لماذا تأسّست؟ لقد تأسّست من أجل أن ينجو الإنسان من مقتضى الطّبيعة وأن يتخلّص من نقائص الطّبيعة وأن ينال الكمالات المعنويّة.
لاحظوا لو أنّنا تركنا هذه الأرض على حالتها الطّبيعية فإنّها تصبح منبتًا للأشواك وتنمو فيها أعشاب غير نافعة أمّا عندما نربّيها فإنّها تصبح أرضًا طيّبة وتحصل على فيض وبركة عظيمة. وإذا تركتم هذه الجبال على حالتها الطّبيعية فإنّها تصبح غابة ولا تنمو فيها أبدًا شجرة مثمرة أمّا حين تربّى فإنّها تصير بستانًا وتعطي غلَّة وتعطي ثمرًا وتنتج منها أنواع الأزهار والرّياحين.
إذن فلا يليق بالعالم الإنسانيّ أن يصبح أسيرًا للطّبيعة ولهذا فهو محتاج إلى التّربية وبصورة خاصّة إلى التّربية الإلهيّة.
إنّ المظاهر المقدّسة الإلهيّة كانوا مربّين وكانوا بستانيّين إلهيّين حتّى يجعلوا هذه الغابات الطّبيعية بساتين مثمرة، ويحوّلوا منابت الأشواك هذه إلى حدائق أزهار. إذًا فما هو واجب الإنسان؟ واجب الإنسان هو أن ينجي نفسه من نقائص الطّبيعة تحت ظلّ المربّي الحقيقيّ وأن يتّصف بالفضائل المعنويّة.
فهل يجوز لنا أن نجعل هذه المواهب الإلهيّة وهذه الفضائل المعنويّة فداءً للطّبيعة؟ والحال أنّ الله تعالى أعطانا قوّة لنكسر بها قوانين الطّبيعة ولنأخذ السّيف من يد الطّبيعة وننهال به على هامة رأسها. فهل يجوز أن نجعل أنفسنا أسرى للطّبيعة ونسير على مقتضى

التّنازع على البقاء الّذي هو من الانبعاثات الطّبيعية فيمزّق بعضنا بعضًا كالحيوانات المفترسة ونعيش حياة لا يختلف فيها الإنسان عن الحيوان؟
في الحقيقة ليست هناك حياة أسوأ من هذه الحياة وليس هناك تحقير للعالم الإنسانيّ أسوأ من هذ التّحقير. وليس للعالم الإنسانيّ وحشيّة أسوأ من وحشيّة الحرب لأنّها سبب الغضب الإلهيّ وسبب هدم البنيان الرّحمانيّ.
الحمد لله إنّني أجد نفسي اليوم في مجمع كلّهم يرجون الصّلح ومقاصد جميعهم انتشار الصّلح العموميّ وجميع أفكارهم وحدة العالم الإنسانيّ وجميعهم خادمون للنّوع البشريّ وإنّي أرجو الله أن يؤيّدكم ويوفّقكم كي يصبح كلّ واحد منكم علامة عصره وسببًا في نشر العلوم وسببًا في إعلان الصّلح العمومي وسببًا في ارتباط القلوب.
ولقد أعلن حضرة بهاء الله قبل خمسين سنة مبدأ الصّلح العموميّ بين الدّول وأعلن الصّلح العموميّ بين الملل وأعلن الصّلح العموميّ بين الأديان وأعلن الصّلح العموميّ بين الأوطان وتفضّل قائلاً إنّ أساس الأديان واحد وجميع الأديان أساسها الألفة والوئام وإنّما الاختلاف في التّقاليد ولا دخل لهذه التّقاليد في التّعاليم الإلهيّة. وحيث إنّ التّقاليد مختلفة فقد أصبحت سببًا للنّزاع والقتال. أمّا لو جرى تحرٍّ للحقيقة فإنّ جميع الأديان تتّحد وتتّفق.
ويتفضّل أنّ الدّين يجب أن يكون سبب الألفة والاتّحاد وسبب الارتباط بين قلوب البشر. فإذا أصبح الدّين سبب النّزاع والجدال فلا شكّ أنّ عدم التّدين أحسن لأنّ عدم الشّيء المضرّ أحسن من وجوده. وإنّ الدّين علاج إلهيّ وهو دواء لكلّ مرض من أمراض النّوع الإنسانيّ وهو مرهم لكلّ جرح أمّا إذا أُسيء استعماله وأصبح سببًا للحرب والجدال وعلّة لسفك الدّماء فلا شكّ أنّ عدمه خير من وجوده.

وكذلك صرّح حضرة بهاء الله بضرورة الصّلح العموميّ بين الدّول والملل وبيّن مضار الحرب لأنّ النّوع الإنسانيّ أمّة واحدة والجميع سلالة آدم وآدم واحد والجميع أبناء أب واحد وأفراد عائلة واحدة وغاية ما في الأمر أنّها عائلة كبيرة. ولو أمكن تصوّر وجود أجناس مختلفة في عائلة واحدة لأمكن القول بجواز الاختلاف والنّزاع ولكن ما دام الجميع أفراد عائلة واحدة فإنّهم لا يمكن أن يكونوا أجناسًا مختلفة. لهذا فإنّ التّمييز كقولنا هؤلاء إيطاليّون أولئك ألمان وهؤلاء إنكليز والآخرون روس وهؤلاء إيرانيّون والآخرون أمريكيّون – إنّما هو مجرد أوهام. فالجميع بشر وكلّهم خلق الله وكلّهم سلالة واحدة وكلّهم أولاد آدم واحد وهذه الاصطلاحات والتّعابير وهميّة.
أمّا بالنّسبة للتّعصّبات الوطنيّة فإنّ الكرة الأرضيّة موطن لكلّ إنسان وهي موطن واحد لا مواطن متعدّدة وهي وطن واحد للنّوع الإنسانيّ أمّا الحدود الوهميّة الّتي لا أساس لها فقد اخترعها بعض المستبدّين في القرون الماضية وبها أحلّوا الحرب والقتال بين البشر وكان هدفهم الشّهرة واغتصاب الممالك ولهذا خلقوا إحساسات حبّ الوطن لترويج مقاصدهم الشّخصيّة وكانوا هم يعيشون في القصور العالية ويصيبون نصيبًا موفورًا من كلّ نعمة فيأكلون أغذية لذيذة وينامون في فرش منضودة من الرّيش ويسيرون ويتنزّهون في الحدائق الملكيّة وعندما كان يصيبهم السّأم كانوا يرقصون في صالات الرّقص مع النّساء الجميلات كالأقمار ويصغون إلى الموسيقى السّاحرة ولكنّهم يقولون لهؤلاء الكادحين ولهؤلاء الرّعايا ولهؤلاء المساكين ولهؤلاء الفلاحين اذهبوا إلى ميدان الحرب ليسفك بعضكم دماء البعض الآخر وليهدم بعضكم بيوت البعض الآخر فأنتم الجنود ونحن أصحاب الرّتب والمناصب والرّؤساء والقادة. ويقول البعض لماذا تخرّبون مملكتنا؟ فيجيبهم البعض الآخر: لأنّكم أنتم ألمان ونحن فرنسيّون. لكنّ

مؤسّسي كلّ هذه الحروب مشغولون بالأفراح في قصورهم لا ينفكّون عن سرورهم وفرحهم. أمّا دماء هؤلاء المساكين فلماذا تُسفك؟ إنّها تُسفك من أجل الأفكار الوهميّة في أنّ هذه أمّة فرنسيّة وتلك أمّة ألمانيّة في حين أنّ الاثنين بشر وأفراد عائلة واحدة وكلاهما أمّة واحدة ويجعلون اسم الوطن سببًا في هذا السّفك للدِّماء والحقيقة أنّ هذه الكرة الأرضيّة وطن واحد.
إذن يجب أن يتحقّق الصّلح في جميع الأوطان. فلقد خلق الله كرة أرضيّة واحدة وخلق نوعًا إنسانيًّا واحدًا وهذه الكرة الأرضيّة موطن للجميع. ونحن جئنا ففرضنا حدودًا وهميّة مع أنّ هذه الحدود وهم من الأوهام. فقلنا إنّ أحدهما ألمانيا والآخر فرنسا وشرعنا نحارب بعضنا البعض الاخر قائلين إنّ هذا هو الوطن الألمانيّ المقدّس وهو يستحقّ العبادة ويستحقّ الحماية ولكنّ تلك القطعة غير صالحة يجب قتل أهلها ونهب أموالها وأسر أطفالها ونسائها. فلماذا يسفك الإنسان الدّماء من أجل هذه الخطوط الوهميّة ويقتل أبناء نوعه من أجل ماذا؟ من أجل محبّة هذا التّراب الأسود. في حين أنّ الإنسان يعيش بضعة أيّام فوق هذه الأرض وبعد ذلك تصبح هذه الأرض قبرًا أبديًّا له.
فهل يليق أن نسفك كلّ هذه الدّماء من أجل هذا القبر الأبديّ؟ سوف يخفي هذا التّراب أجسامنا في جوفه إلى الأبد وهذا التّراب قبرنا فلماذا نتحارب ونتعارك من أجل هذا القبر الأبديّ؟ أيّة جهالة هذه؟ وأيّة ضلالة هذه؟ وأيّة غباوة هذه؟
أملي أن تعيش جميع الملل في منتهى المحبّة والألفة مثل عائلة واحدة كإخوان وأخوات لأمّهات وآباء، واحدة في صلح وسعادة.

وصاياي لكم
الخطبة المباركة ألقيت في نيويورك في يوم 5 كانون الأوّل 1912
هو الله
هذا هو اليوم الأخير. وهذا هو اللّقاء الأخير. وبعد هذا سنركب الباخرة ونذهب. وهذه آخر وصاياي لكم.
لقد تحدّثت إليكم مرارًا ودعوتكم إلى وحدة العالم الإنسانيّ وإلى اعتبار جميع البشر عباد الله. والله رؤوف بالجميع. يرزق الكلّ ويهب الحياة للكلّ، وفي محضر الرّبوبيّة كلّ عبيد له وهو يمنح لهم فيوضاته الإلهيّة بالتّساوي ولهذا يجب أن نكون نحن في منتهى الشّفقة مع جميع ملل العالم وأن ننسى هذه التّعصّبات الدّينيّة والجنسيّة والتّعصّبات الوطنيّة والسّياسيّة. فهذه الأرض كرة واحدة وجميع الأمم سلالة واحدة والكلّ عبيد إله واحد. إذن فكلّ نفس تسبّب الكدر للآخرين تعتبر عند الله من الخطاة. والله يريد السّرور للجميع حتّى يعيش كلّ فرد من الأفراد في منتهى السّعادة وحتّى يتبرّأوا من الاختلافات والتّعصّبات الدّينيّة والمذهبيّة والتّعصّبات الجنسيّة والسّياسيّة والوطنيّة ويجتنبوها. وأنتم ولله الحمد قد أبصرت عيونكم وأصبحت آذانكم صاغية ووعت قلوبكم فيجب عليكم بعد الآن أن لا تنظروا إلى التّعصّبات والاختلافات بل تنظروا إلى الألطاف الإلهيّة فالله هو الرّاعي الحقيقيّ وهو رؤوف

بجميع أغنامه. ومع أنّ الله رؤوف بالجميع فهل يجوز لنا نحن عبيده أن يكون بعضنا في حرب وخصام مع البعض الآخر؟ لا والله. بل يجب أن نشكر الألطاف الإلهيّة وأن يألف بعضنا بعضًا ويلتئم بعضنا مع بعض وأن نحبّ العموم ونرأف بهم.
وخلاصة القول إيّاكم أن تُحزنوا قلب أحد أو تغتابوا أحدًا وكونوا مع جميع الخلق متّحدين واعتبروهم أقرباءكم وليكن مقصدكم دائمًا أن تُفرحوا قلبًا وتطعموا جائعًا وتكسوا عاريًا وتعزّوا ذليلاً وتكونوا فرجًا للمساكين وملجأ ومأوى للمضطرّين. هذا هو الرّضاء الإلهيّ وهذه هي السّعادة الأبديّة وهذه هي نورانيّة العالم الإنسانيّ. وحيث إنّني أريد لكم العزّة الأبديّة لهذا أنصحكم بمثل هذه النّصيحة.
أنتم تشاهدون ما يجري في البلقان وكم من الدّماء تسفك وكم من الأطفال يتيتّمون. وكم من الأموال تنهب وكم من النّيران تشعل. ومع أنّ الله خلق هؤلاء للمحبّة فإنّهم يسفكون دماء بعضهم البعض. وقد خلق الله هؤلاء من أجل أن يتعاونوا ويتعاضدوا لكنّهم الآن ينهب بعضهم بعضًا ويهجم بعضهم على بعض، وبدل أن يكونوا سبب راحة البشر يؤذي بعضهم بعضًا.
فأنتم إذًا يجب أن تظهروا همّة عالية وتجهدوا بقلوبكم وأرواحكم لعلّ أن تسطع نورانيّة الصّلح العموميّ وتزول ظلمة التّجانب هذه ويصبح جميع البشر عائلة واحدة ويرجو كلّ فرد الخير للعموم ويتعاون الشّرق والغرب ويساعد الغرب الشّرق لأنّ الكرة الأرضيّة وطن واحد والنّوع الإنسانيّ تحت فيض وحماية راعٍ واحد.
لاحظوا أيّة بلايا ومشاق تحمَّلها أنبياء الله من أجل أن يحبّ البشر بعضهم بعضًا وأن يتشبّثوا بحبل الألفة والاتّفاق حتّى إنّ هذه النّفوس المقدّسة فدت حياتها من أجل ذلك.
فانظروا ما أشدّ غفلة الخلق فهم مع كلّ هذه المشاق لا يزالون

في حرب وخصام. ومع كلّ هذ النّصائح لا يزالون في حرب وخصام. ومع كلّ هذه النّصائح لا يزالون يسفك بعضهم دم بعضهم الآخر. فما أجهلهم! وما أشدّهم غفلة وظلمة!
فعندهم إله بمثل هذه الشّفقة يعامل الجميع بالتّساوي ومع هذا فإنّهم يسلكون خلاف الرّضاء الإلهي وهو رؤوف لطيف بالجميع وهؤلاء في منتهى العداوة الطّغيان، وهو يهب الحياة للجميع وهؤلاء يسبّبون الممات، وهو يعمّر الممالك وهؤلاء يطمر بعضهم بيوت البعض الآخر. لاحظوا ما أغفلهم!
والآن بقي واجب آخر عليكم حيث إنّكم اطّلعتم على الأسرار الإلهيّة ولكم عين بصيرة وأذن صاغية. لهذا يجب عليكم أن تعاملوا العموم بمنتهى الرّأفة وليس لكم أيّ عذر أبدًا لأنّكم عرفتم أنّ الرّضاء الإلهيّ هو في الخير والصّلاح للعموم وسمعتم نصائح الحقّ واستمعتم إلى البيانات والتّعاليم الإلهيّة. فعليكم أن تعاملوا بالمحبّة حتّى مع الأعداء وترجوا الخير لمن يريد لكم سوءًا وأن تصادقوا من يخالفكم واعملوا بموجب هذه التّعاليم آملين أن تزول ظلمات الحرب والخصام وتنجلي النّورانيّة الإلهيّة ليتنوّر الشّرق ويتعطّر الغرب ويعانق الجنوب الشّمال وتعاشر أمم العالم بعضها بعضًا بمنتهى المحبّة والألفة. وما لم يبلغوا هذا المقام لن يجد العالم الإنسانيّ الرّاحة ولن يحصل على السّعادة الأبديّة. فإن عملوا بموجب هذه التّعاليم المقدّسة فإنّ عالم النّاسوت يصبح مرآة الملكوت ويصبح سطح الغبراء الجنّة الأبهى وغبطة للفردوس الأعلى.
وأتمنّى أن تتوفّقوا إلى العمل بالتّعاليم حتّى تنيروا العالم الإنسانيّ كالسّراج وحتّى تصبحوا كالرّوح تحرّك جسد عالم الإمكان. هذه هي العزّة الأبديّة. هذه هي الصّورة والمثال الإلهيّ الّتي أوصيكم بها وأملي أن تتوفّقوا إلى ذلك.

مجيء السّيّد المسيح
الخطبة المباركة ألقيت في منزل اللّيدي بلومفيلد في لندن
في23 كانون الأوّل سنة 1912
هو الله
حضرت ليلة أمس تمثيليّة ولادة حضرة المسيح وكانت التّمثيليّة في الحقيقة في منتهى الإتقان ولكنّها كانت سببًا للعبرة والموعظة بحيث ظنّ هذا الجمع جميعًا أنّهم منتظرون مجيء المسيح وأنّهم يعرفونه.
لكنّ حضرة المسيح حينما جاء بقي غريبًا ووحيدًا وفريدًا وجاء ولم ينتبه أحد لمجيئه وظلّ النّاس يتحرّون عن مجيء المسيح.
وقد ظهر المسيح واليهود الّذين كانوا ينتظرونه ويتمنّون ظهوره ظلّوا محرومين منه بل إنّهم أنكروه وقالوا إنّ هذا المسيح ليس المسيح الحقيقيّ بل أطلقوا عليه لقبًا أخجل أن أتفوّه به. ولا شكّ أنّكم قرأتم الإنجيل ورأيتم ذلك اللّقب الّذي لقّبوا به حضرة المسيح وخلاصة القول إنّهم لقّبوا حضرة المسيح بلقب بعلزبول هذا الّذي يعني الشّيطان وبهذا اللّقب أشهروا حضرة المسيح. فوا ألف أسف فوا ألف أسف على أنّهم لم يعرفوه ووا ألف أسف على ما دعوا ذلك الجمال الرّحمانيّ بلقب بعلزبول، فوا ألف أسف ووا ألف أسف على ما ستروا تلك الشّمس –شمس الحقيقة- وراء سحب الأوهام وما زال اليهود

حتّى اليوم منتظرين مجيء المسيح كي يأتي مع أنّ المسيح قد جاء منذ ألفي سنة ولكنّ اليهود لا يزالون منتظرين. فلاحظوا ماذا تفعل الغفلة.
لقد كانوا يترقّبون وفقًا لنصّ إشعيا أنّ المسيح يأتي من السّماء وأنّه يأتي من مكان غير معلوم وحينما يأتي المسيح تنشقّ الجبال وتتلاشى وتحدث زلازل عظيمة وهذه حدثت في الواقع لكنّهم لم يفهموا رموزها ولم يطّلعوا على الرّمز المقصود من كلمة الجبال فإنّه لم يكن المقصود الجبال الصّخرية بل النّفوس الّتي كانت مثل الجبال ثمّ تلاشت.
وكذلك كان المقصود بالزّلازل الزّلازل في عالم الأفكار لا في عالم التّراب.
وقد حدث جميع ما أخبر بها الأنبياء ولكنّ ذلك كلّه كان رمزًا ولم يكن المقصود منه المعنى الظّاهري لأن الكلمات الإلهيّة رموز وأسرار وهي كالخزينة فالخزينة مستورة لأنّها معدن الجواهر والمعدن مستور دائمًا.
فمثلاً يتفضّل حضرة المسيح إنّني أنا الخبز السّماويّ وواضح أنّه لم يكن خبزًا، ولم يأتِ بحسب الظّاهر من السّماء بل جاء من رحم مريم. لكنّ المقصود بالخبز هو النّعمة السّماويّة والكمالات الرّحمانيّة.
ولا شكّ أنّ حقيقة المسيح كانت من السّماء وتلك الكمالات كانت من السّماء وكانت من عالم اللاّهوت. ويتفضّل قائلاً أيضًا كلّ من يتناول من هذا الخبز ينال حياة أبديّة يعني أنّ كلّ من يستفيض من هذه الكمالات الإلهيّة فإنّه يحيا دون شكّ. لكنّ النّاس لم يفهموا ذلك واعترضوا قائلين إنّ هذا يقول إنّه خبز سماويّ فهل نستطيع أن نأكله؟
وخلاصة القول إنّ المسيح ولو أنّه جاء من رحم مريم ولكنّه جاء في الحقيقة من السّماء.

فما هو السّبب الّذي جعل الملل المنتظرة تنكره؟ السّبب هو أنّهم كانوا ينتظرون أن يأتي من السّماء بحسب الظّاهر ولما رأوا أنّ هذا لم يتحقّق أنكروه.
والحقيقة أنّ المقصود كان حقيقة المسيح لا جسد المسيح.
ولا شكّ في أنّ حقيقة المسيح أتت من السّماء ولمّا لم تفهم الأمم هذه الحقيقة أنكرته وبقيت محرومة منه حتّى اليوم.
إذن يجب فهم أسرار الكتاب المقدّس والتّوصل إلى فهم معنى التّوراة والإنجيل. لأنّ الجميع رموز وأسرار وما لم يدرك الإنسان هذه الأسرار فإنّه يبقى محرومًا ولا يتوصّل إلى الحقيقة وأملي أن تتوصّلوا أنتم إلى أسرار الكتب وتفهموا معناها فهمًا صحيحًا كي تتوصّلوا إلى الحقيقة.
اكتشفوا دائمًا أسرار الحقيقة ولا تحتجبوا عنها أبدًا بأيّة أستار.
انظروا إلى الله واطلبوا دائمًا منه التّأييد والتّوفيق كي لا تُحرموا من جمال الحقيقة وكي تستفيضوا من أنوار شمس الحقيقة وتقفوا على الأسرار الإلهيّة حتّى تدخلوا في الملكوت الإلهيّ وتقبلوا في العتبة الإلهيّة وتنالوا الحياة الأبديّة.
هذا هو أملي وهذا هو منتهى أمل الرّوحانيّين.

التّربية بالأعمال لا بالأقوال
الخطبة المباركة في منزل اللّيدي بلومفيلد
في لندن في 24 كانون الأوّل 1912
هو الله
على كلّ إنسان أن يفكّر قبل كلّ شيء في تربية نفسه ويفكّر في إكمال نفسه لأنّ تربية النّفس لازمة قبل كلّ شيء.
لاحظوا أنّ جميع الكائنات محتاجة إلى التّربية، ونرى أنّ كلّ نبات مهما كان ضعيفًا يزداد قوّة عند الاعتناء به. وأنّ الأزهار مهما كانت صغيرة تصبح كبيرة بفضل التّربية والشّجرة عديمة الثّمر حين تربّونها تصبح مثمرة والأرض المليئة بالعوسج والأشواك حين تربّونها تصبح حديقة الرّياحين والحيوان ينقلب بالتّربية من حال إلى حال والحيوانات الوحشيّة حين تربّونها تصبح أليفة أنيسة.
إذن اتّضح أن للتّربية تأثيرًا في جميع الأشياء ولكنّ تأثيرها أعظم في العالم الإنسانيّ. والإنسان بدون التّربية حيوان بل أحطّ من الحيوان فمثلاً لو بقي الأطفال في الصّحراء فإنّهم لن يتربّوا بل يبقون جهلاء حتمًا. ولا شكّ أنّهم يبقون ولا علم لهم بالمدنيّة. فلا صناعة ولا تجارة ولا زراعة. مثل أهالي أواسط أفريقية الّذين هم في منتهى الوحشيّة.

ما الّذي ميّز العالم الأوروبّيّ عن العالم الأفريقيّ؟ لا شكّ أنه التّربية. لأنّ أهالي أوروبّا حازوا على التّربية وأهالي أفريقيا حرموا منها وواضح ومشهود أنّ الإنسان يحتاج إلى التّربية.
والتّربية على نوعين: تربية روحانيّة وتربية جسمانيّة. تربية طبيعيّة وتربية إلهيّة. إنّ أنبياء الله مربّون روحانيّون ومعلّمون إلهيّون وهم يربّون النّاس بالتّربية الإلهيّة فيربّون قلب الإنسان وأخلاقه.
وعندما تتربّى روح الإنسان وقلب الإنسان وأخلاق الإنسان فإنّ التّربية الجسمانيّة تتحقّق حتمًا. فتحصل التّرقّيات الجسمانيّة ضمن التّرقّيات الرّوحانيّة. فأتمنّى إذن أن تبذلوا الجهد لتربية أنفسكم أوّلاً وتربية أخلاقكم وتنظيم أقوالكم حتّى تتبرّأوا من النّواقص وتتزيّنوا بفضائل العالم الإنسانيّ وعند ذلك تقومون بتربية النّاس لأنّ العالم الإنسانيّ مظلم. وإنّكم تلاحظون أنّ الحرب والقتال والنّزاع والجدال والخصام مستمرّة فالتمسوا من الله لعلّه يوفّقكم ويؤيّدكم في سبيل خدمة العالم الإنسانيّ وتصبحوا سبب نورانيّة هذا العالم.
وكذلك فإنّ قوّة التّعليم والتّربية على نوعين: نوع تتمّ فيه تربية النّاس بواسطة الأقوال ونوع تتمّ فيه تربية النّاس بواسطة الأعمال. فبإمكان الإنسان أن يربّي النّاس بالأقوال ولكنّ التّربية بالأعمال أعظم من التّربية بالأقوال لأنّ تأثير الأعمال أشدّ فمثلاً إنسان يتكلّم عن الوفاء ويدعو النّاس بلسانه إلى المحبّة والوفاء في حين لو يقوم هو بواجب المحبّة والوفاء فإنّ عمله له تأثير أكبر، أو مثلاً إنسان يدعو النّاس إلى الكرم في حين لو يكون هو نفسه كريمًا فإنّ عمله له تأثير أكبر. أو مثلاً إنسان يدعو إلى الرّأفة في حين لو يكون هو رؤوفًا فإنّ تأثيره يكون أكبر. فالإنسان الّذي يدعو إلى شيء تكون دعوته أكثر تأثيرًا لو قام هو بتطبيق ما يدعو إليه. أمّا لو أنّه دعا النّاس إلى حسن

الأخلاق وكان هو سيّئ الأخلاق فلن يؤثّر فيهم أبدًا. ولو دعا النّاس إلى العدل وكان هو غير عادل فأيّة فائدة يجني من ذلك؟ ولو دعا النّاس إلى وحدة العالم الإنسانيّ وكان هو غير عامل بها فأيّة ثمرة تظهر من ذلك.
إذن يجب على الإنسان أن يربّي الآخرين بأعماله لأنّ الإنسان ما لم يكن جوهر التّقديس وما لم يكن عنده إيمان تامّ وما لم يكن مضحّيًا فاديًا وما لم تكن إحساساته إلهيّة وروحه منجذبة بالرّوح القدس وأفكاره نورانيّة وقلبه مقدّسًا وأعماله خيريّة فلا شكّ أنّ كلامه لن يؤثّر أبدًا وأفكاره لن تثمر أبدًا وكلّ ما يقوله وما يكتبه عبث وهباء.
إذن فاسألوا الله أن يوفّقنا إلى أعمال خيريّة ويوفّقنا إلى أخلاق روحانيّة فعند ذاك نستطيع أن نخدم العالم الإنسانيّ وعند ذاك نستطيع أن نكون سبب نورانيّة العالم الإنسانيّ وعند ذاك نستطيع خدمة وحدة العالم الإنسانيّ وعند ذاك نستطيع القيام بنشر الصّلح العموميّ. وأرجو أن تتوفّقوا إلى هذه الأعمال الخيريّة.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى