منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

جواهر الأسرار 1 لحضرة بهاء الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
جواهر الأسرار

في معارِجِ الأسفار لمن أراد
أن يتقرّب إلى الله المقتدر الغفّار
فهنيئاً للأبرار الّذين يشربون من هذه الأنهار

1
هو ‌العليّ ‌الأعلى

1 يا أيّها السّالك في سُبل العدل والنّاظر إلى طلعة الفضل، قد بلغ كتابك وعرفتُ سؤالك وسمعتُ لحناتِ قلبك فِي سرادق فؤادك، إذاً قد رُفعتْ سحاب الإرادة لتمطرَ عليك من أمطار الحكمة، لتأخذ عنك كلَّ ما أخذت من قبلُ، وتقلّبك عن جهات الضّدّية إِلى مكمن الأحديّة، وتصلك إلى شريعة القدسيّة، لتشرب عنها وتستريح نفسك فيها ويسكن عطشك ويبرد فؤادك، وتكون من الّذينهم كانوا اليوم بنور الله لمهتدين.

2 ولو أنّي في تلك الأيّام الّتي أحاطتني كلابُ الأرض وَسَبُعُ البلاد خفيتُ في وَكْرِ سرّي، وأكون ممنوعاً عن إظهار ما أعطاني الله من بدائعِ علمه وجواهر حكمته وشئونات قدرته، ولكن مع كلّ ذلك ما أحبُّ أنْ أخيّبَ من قام لدى حرم الكبرياء ويُريد أنْ يَدْخُلَ في رَفْرَفِ البقاء، ويحبُّ أن يطير في سماء هذا البَداء في فجر القضاء. لذا أذكرُ لك بعضَ ما أكرمني الله عمّا تطيقُه النّفوس وتحمله العقول، لئلاّ يُرْفَعَ ضوضاءُ المبغضين وأعلامُ المنافقين. وأسئَلُ اللهَ بأن يؤيّدني بذلك، إذ هو أرحم الرّاحمين ومُعطي السّائلين.

3 فاعْلمْ بأنّ لجنابك ينبغي بأن تفكّر في أوّل الأمر بأنّ أمم المختلفة الّذينهم كانوا اليوم في الأرض لِمَ ما آمنوا بُرسُل الله الّذين أرسلهم الله بقدرته وأقامهم على أمره وجعلهم سراج أزليّته في مشكواة أحديّته، وبِمَ أعرضوا عنهم واختلفوا فيهم وخالفوا بهم ونازعوا معهم و‌حاربوا بهم، وبأيّ جهةٍ ما أقرّوا برسالتهم ولا بولايتهم، بل كفّروهم

وسبّوهم حتّى قتلوهم وأخرجوهم‌.

4 وإنّك يا أيّها الماشي في بَيداء المعرفة والسّاكنُ في سفينة الحكمة، لو‌لا تعرف سرّ ما ذكرناه لك ما تصل إلى مراتب الإِيمان، ولستَ بموقنٍ في أمر الله ومظاهر أمره ومطالع حُكْمِهِ ومخازن وَحيه ومعادن علمه، وتكون من الّذين ما‌ جاهدوا في أمر الله وما وجدوا رائحة الإِيمان من قُمُص الإيقان، وما بلغوا إلى معارج التّوحيد و‌ما وصلوا إلى مدارج التّفريد في هياكل التّحميد وجواهر التّجريد.

5 فاجهدْ يا أخي في معرفة هذا المقامِ لِيُكْشَفَ الغِطاءُ عن وجه قلبك وتكون من الّذين جَعَلَ الله بصرَهم حديداً، لتشهدَ جراثيم الجبروت و‌تَطَّلِعَ بأسرار الملكوت ورموزات الهويّة في أراضي النّاسوت، وتَصِلَ إلى مقام الّذي ما ترى في خَلْق الرّحمن من تفاوتٍ، ولا في خَلْق السّموات والأرض من فُطُوْرٍ. (3)

6 فلمّا بلغ الأمر إلى هذا المقام الأَوْعَرِ الأعلى

وهذا الرّمز الخَشِن الأسنى، فاعرفْ بأنّ هؤلاء الأمم من اليهود والنّصارى لمّا ما عرفوا لحن القول، وما بلغوا إلى ما وعدهم الله في كتابه، أنكروا أمر الله وأعرضوا عن رُسُلِ الله و‌أنكروا حُجَجَ الله، وإنّهم لو ‌كانوا ناظرين إلى الحجّة بنفسها وما اتّبعوا كلّ هَمَجٍ رُعاعٍ من علمائهم ورؤسائهم، لبلغوا إلى مخزن الهدى ومكمن التُّقى، وشربوا من ماء الحيّ الحَيَوان في مدينة الرّحمن وحديقة السّبحان وحقيقة الرّضوان. وإنّهم لمّا ما شهدوا الحُجّة بعيونهم الّتي خَلَقَ الله لهم بهم، وأرادوا بغير ما أراد الله لهم من فضله بَعُدوا عن رَفْرَفِ القرب و‌مُنِعوا عن كوثر الوصل ومنبع الفضل، وكانوا في حجبات أنفسهم ميّتين.

7 وإنّي بِحَوْلِ الله وقوّته حينئذٍ أَذكُرُ بعض ما ذكره الله في كتب القبل، وعلائمَ ظهورات الأحديّة في هياكل الأنزعيّة، لتعرف مقام الفجر في هذا الصّبح الأزليّة، وتشاهد هذه النّار المشتعلة في سِدرةٍ لا‌ شرقيّة ولا غربيّة(4) وتفتحَ عيناك في وصولك إلى

6

مولاك، ويَمْذُقَ قلبُك من نَعْماء المكنونة في هذه الأوعية المخزونة، وتشكر الله ربّك فيما اختصّك بذلك، وجعلك من ا‌لّذينهم كانوا بلقاء ربّهم موقنون.

8 هذا صورة ما نُزّل من قبلُ في إنجيل المتّى في سِفْرِ الأوّل؛ فيه يَذْكُرُ علائمَ ظهور ا‌لّذي يأتي بعده و‌يقول: ﴿‌الويل للحَبالى والمرضعات في تلك الأ‌يّام﴾،(5) إلى أنْ تَغَنَّ الورقاء في قطب البقاء وَ‌يَدْلَعَ ديكُ العرش في شجرة القُصوى وسدرة المنتهى ‌‌ويقول: ﴿‌‌وللوقت من بعد ضيق تلك الأيّام تُظلِم الشَّمسُ والقمرُ لا يُعطي ضوئَه، والكواكبُ تتساقط من السّماء، و‌قُوّاةُ الأرض تَرْتَجُّ. حينئذٍ يظهر علامةُ ابن الإنسان في السّماء، وينوح حينئذٍ كلّ قبائل الأرض، و‌يَرَوْنَ ابنَ الإنسان آتياً على سحاب السّماء مع قوّاةٍ و‌مجدٍ كبير، ويُرسل ملائكته مع صوت السّافور العظيم﴾ (6) انتهى.

9 وفي سِفْرِ الثّاني في إِنجيل المُرْقُس، فيما يتكلَّمُ حمامة القدس، فيقول بأنَّ ﴿في تلك الأيّام ضيق لم يَكُنْ مثله من البَدْوِ الَّذي خلق الله إلى الآن

ولا يكون﴾(7) انتهى. وبعدُ تَرِنّ بمثل ما رنَّت من قبلُ من دون تغيير ولا تبديل، وكان الله على ما أقول وكيل.

10 وفي سِفْرِ الثّالث في إنجيل اللّوقا يقول: ﴿‌علاماتٌ في الشَّمس والقمر والنّجوم، وتحدث على الأرض ضيق الأمم من هول صوت البحر والزّلازل وقواةُ السّماء، ويضطرب، وينظرون ابن الإنسان آتياً في السّحاب مع قوّاةٍ ومجدٍ عظيم. وإذا رأيتم هذا كلَّهُ كائناً اعلموا أنَّ ملكوت الله قد اقتربت‌﴾(Cool انتهى.

11 وفي سِفْرِ الرّابع في إنجيل اليوحنَّا يقول: ﴿‌اذا جاء المُعزّي الّذي أرسله إليكم روحُ الحقّ الآتي من الحقّ، فهو يشهد لي وأنتم تشهدون﴾.(9) وفي مقامٍ آخر يقول: ﴿وإذا جاء روحُ القدس المُعزّي الّذي يُرسله ربّي باسمي، فهو يُعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم كلَّما قلت لكم.(10) والآن فإنّي مُنطلِقٌ إلى مَن أرسلني، وليس أحدٌ منكم يسئلني إلى أين أذهب لأ‌نّي قلتُ لكم هذا﴾.(11) وفي مقامٍ آخر يقول: ﴿إنّي

أقول لكم الحقَّ؛ إنَّه خيرٌ لكم أن أنطلق لأنّي إنْ لم أنطلقْ لَمْ يَأتِكُمُ المُعزّي. فإذا انطلقتُ أرسلتُه إليكم﴾،(12) ﴿فإذا جاء روح الحقّ ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بما يسمع ويخبركم بما يأتي﴾.(13)

12 هذا صورة ما نُزّل من قبلُ، وإنّي فوالله الّذي لا إله إلاّ هو لاختصرتُ، ولو أريد أن أذكر كلمات الأنبياء فيما نُزّل من جبروت العظمة وملكوت السّلطنة لَتُملأ الأوراق والألواح من قبل أن أصل إلى آخرها. وفي كلّ الزّبرات و‌المزامير و‌الصّحائف لَموجود و‌مذكور بمثل ما ذكرتُ لك و‌ألقيتُ عليك، بل أعلى وأعظم عن كلّ ما ذكرتُ وفصّلتُ. وإنّي لو أريد أن أذكر كلّما نُزّل من قبلُ لأقدر بما أعطاني الله من بدائع علمه وقدرته، ولكن اكتفيتُ بما بيّنتُ لك لئلاّ تكسِل في سَفَرك ولا تنقلب على عَقِبَيْكَ، ولئلاّ يأخذك من حزنٍ ولا كدورةٍ ولا من نَصَبٍ ولا من ذلٍّ ولا من لُغُوْبٍ.

13 إذاً فأنصفْ ثمّ فكّر في تلك العبارات


المتعاليات، ثمّ اسئل عن الَّذين يَدَّعُوْنَ العلم من دون بيّنةٍ من عند الله ولا‌ حُجّة من لَدُنْهُ، وغفلوا‌ عن تلك الأيّام الّتي أشرقَت شمسُ العلم والحكمة عن أفق الألوهيّة، وتُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقّه وكلَّ ذي قَدْرٍ مقداره و‌مقامه. ما يقولون في هذه الإشارات الّتي ذُهِلَتِ العقولُ عن إدراكها وحارت النّفوسُ المقدّسة عن عرفان ما سُتِرَ فيها من حكمة الله البالغة وعلم الله المودعة؟

14 إنْ يقولون هذه الكلمات من عند الله و‌لم يكن لها من تأويلٍ وتكون على ظاهر القول في ظاهر الظّاهر، فكيف يعترضون على هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب؟ لأ‌نَّهم لمّا شهدوا في كتابهم ما ذكرناه لك، وفسّروا لهم علمائُهم على ظاهر القول، لذا ما أقرّوا بالله في مظاهر‌ التَّوحيد ومطالع التَّفريد وهياكل التَّجريد، و‌ما آمنوا بهم و‌ما أطاعوهم، لأنّهم ما شهدوا بأن تظلمَ الشَّمس وتساقطَ الكواكب من السّماء على وجه الأرض، و‌تنزلنّ الملائكة على ظاهر الهيكل على الأرض، لذا اعترضوا على النّبيّين

والمرسَلين. بل لمّا وجدوهم مخالفاً لدينهم وشرائعهم وردوا عليهم ما أستحيي أن أذكر لك من الكذب والجنون و‌الكفر و‌الضّلال. فأرجع البصرَ في القرآن لتجد كلَّ ذلك وتكون فيه من العارفين. ومن يومئذٍ إلى حينئذٍ ينتظرون هذه الفئةُ ظهورات ما عرفوا من علمائهم وأيقنوا من فقهائهم، و‌يقولون: متى تظهر هذه العلامات إنّا‌ حينئذ لآمنون. ولو‌ كان الأمر كذلك، كيف أنتم تَدْحَضُوْنَ حُجّتهم و‌تُبطلون برهانَهم وتحتجّون بهم في أمر دينهم وما عرفوا من كتبهم وسمعوا من صناديدهم؟

15 وإن يقولون هذه الأسفار الّتي تكون بين يديْ هذه الفئة و‌يسمّونها بالإنجيل و‌ينسبونها بعيسى بن مريم ما نَزَلَتْ من عند‌ الله و‌مظاهر نفسه، يلزمُ تعطيلُ الفيض عن مبدء الفيّاض، و‌لم تكن الحجّة من عند الله بالغةً على عباده، ولم تكن النّعمة كاملةً ولا العناية مشرقةً و‌لا الرّحمة واسعةً، لأنَّه لمّا رُفِع عيسى إلى السّماء ورُفعَ كتابه، فبأيّ شيءٍ يَحْتَجُّ اللهُ بهم يوم القيمة ويعذّبهم، كما هو المكتوب من أئمّة

الدّين و‌المنصوص من علماء الرّاشدين.

16 إذاً فكّر في نفسك؛ لمّا تشهدُ الأمر كذلك، ونشهدُ كذلك، من أين تفرُّ وإلى مَن تركضُ وإلى من تتوجّه وبأيّ أرض تسكن وبأيّ فراش تجلس وبأيّ صراط تستقيم وبأيّ ساعة تنوم وبأيّ أمر تنتهي أمرك وبأيّ شيء تشدّ عروةَ دينك و‌حبلَ طاعتك؟ لا فوالّذي تجلّى بالوحدانيّة وَتَشَهَّدَ لنفسه بالفردانيّة، لو يحدث في قلبك قَبَساً من نار محبّة الله، ما تنومُ وما تسكن وما تضحك وما تستريح، بل تَفِرُّ إلى قُلَل الجبال في ساحة القرب والقدس والجمال، وتنوح كَنَوْحِ الفاقدين و‌تبكي كَبُكاء المشتاقين، و‌لا ترجع إلى بيتك ومحلّك إلاّ بأن يكشف الله لك أمره.

17 وإنَّك أنت يا أيّها المتعارج إلى جبروت الهدى و‌المتصاعد إلى ملكوت التُّقى، لو تُريد أن تعرفَ هذه الإشارات القدسيّة و‌تشهدَ أسرار العلميّة وَ‌تَطَّلِعَ على كلمة الجامعة، لا بدّ لجنابك أن تسأل كلَّ ذلك وكلّما يَرِدُ عليك في أمر مبدئك و‌مَعادك عن الَّذين جعلهم الله منبع علمه و‌سماء حكمته و‌سفينة سرّه،

لأنّ من دون هذه الأنوار المشرقة عن أفق الهويّة ما يعرفون النّاسُ يمينَهم عن شمائلهم، وكيف يقدرنّ أن يتعارجنّ إلى أفق الحقايق أو يصلنّ إلى مخزن الدّقائق! إذاً نسأل الله بأن يُدخِلنا في هذه البحور المتموّجة و‌يشرّفنا إلى هذه الأرواح المرشّحة ويُنزِلنا في هذه المعارج الإلهيّة، لننزعَ عن هياكلنا كلّما أخذنا من عند أنفسنا، و‌نخلعَ عن أجسادنا كلّ الأثواب العارية الّتي سرقنا عن أمثالنا، ليُلبسَنا الله من قُمُص عنايته وأثواب هدايته،

18 و‌يدخلَنا في مدينة العلم الّذي من دخل فيها لَيَعْرِفُ كلّ العلوم قبل أن يلتفت إلى أسرارها، ويعرف كلّ العلم والحكمة من أسرار الرّبوبيّة المودعة في كنائز الخليقه من أوراقها الّتي تورّقت من أشجارها. فسبحان الله موجدها ومُبدعها عمّا خُلِق فيها و‌قُدّر لها. وإنّي، فوالله المهيمن المقتدر القيّوم، لو أُرِيَنَّكَ أبواب هذه المدينة الّتي خُلقت عن يمين القدرة والقوّة لَتَرى ما لا رأى أحدٌ من قبلك، وتشهد ما لا شهدت نفسٌ دونك، و‌تعرف غوامض


الدّلالات وَمُعْضِلات الإشارات، وتُبَرْهَنُ لك أسرار البَدْئيّة في نقطة الخَتْمِيّة، و‌تسهل عليك الأمورُ وتُجعل النّارُ لك نوراً و‌علماً و‌رحمةً، وتكونَ في بساط القدس لَمِن المستريحين.

19 و‌من دون ذلك، كلّ ما ألقيناك من جواهر أسرار الحكمة في غياهب هذه الكلمات المباركة الرّوحيّة، ما تقدر أن تعرفَ رشحاً من طَمطام أبحُر العلم و‌قَمقام أَنْهُرِ العزّ، و‌تكونَ من إصبع الهويّة على قلم الأحديّة في أمّ الكتاب بالجهل مكتوباً، و‌لن تحلّ لك حرفاً من الكتاب و‌لا كلمات آل الله(14) في أسرار المَبْدَءِ والمآب.

20 إذاً فأنصفْ يا أيّها العبد الّذي ما رأيناك في الظّاهر ولكن وجدنا حبّك في الباطن، ثمّ اجعلْ محضرك بين يديّ الّذي إنَّك إنْ لن تراه إنّه هو يراك، وإنَّك إنْ لن تعرفه إنَّه هو يعرفك. هل يقدر أحدٌ أن يفسّر تلك الكلمات بدلائل متقَنةٍ وبراهين واضحة و‌إشارات لائحة على قَدْر الّذي يستريح قلبُ السّائل وَ‌يَسْكُنُ فؤادُ المخاطِب؟ لا فَوَ‌الّذي نفسي بيده، لن

14

يقدر أحدٌ أن يشرب رشحاً منها إلاّ مَنْ يدخل في ظلّ هذه المدينة الّتي بُنيَت أركانُها على جبال الياقوت المُحْمَرَّةِ و‌جدارُها من زبرجد الأحديّة وأبوابُها من ألماس الصّمديّة وترابُها من طِيْبِ المكرُمة.

21 و‌لمّا ذكرنا و‌ألقينا عليك من بعض الأسرار مع الحُجُبِ والأستار، نرجع إلى ما كنّا فيه في ما عرفنا من كتب القَبْل لئلاّ يَزَلَّ قدمُك في شيء وتكون موقناً في كلّ ما رَشَحْنا عليك من تموّجات أَبْحُرِ الحياة في لاهوت الأسماء والصّفات.

22 وهو مكتوبٌ في جميع أسفار الإنجيل، و‌هو هذا حين الّذي تكلّمت الرّوحُ(15) بالنّور، و‌قال لتلاميذه: ﴿فاعلموا بأنّ السّموات والأرض يُمكن أن تزولان ولكنّ كلامي لن يزول أبدا﴾.(16) وكان معلوم عند جنابكم بأنّ المعنى في هذا الكلام على ظاهر العبارة لن يَدُلّ إلاّ بأنّ هذه الأسفار من الإنجيل تكون باقيةً بين العباد إلى أبد الدّهر ولا تَنْفَدُ أحكامُها ولا يبيد برهانُها. وكلُّما شُرِّع فيها و‌حُدّد لها و‌قُدّر بها يبقى ولا يفنى أبداً.

23 إذاً يا أخي، طهّرْ قلبك و‌نوّرْ فؤادك وَ‌حَدِّ بصرَك لتعرف ألحان طيور الهويّة و‌نغمات حمامات القدسيّة في ملكوت البقائيّة لتعرف تأويل الكلمات وأسرارَها. وإلاّ لو تفسّر على ظاهر العبارة لن تقدر أن تُثبت أمْرَ من جاء بعد عيسى، ولا تستطيع أن تُلزم الخصم وتفوق على المعاندين من هؤلآء المشركين، لأنّ بهذه الآية تستدلّون علماءُ الإنجيل بأنّ الإنجيل ما يُنسَخ أبداً. و‌لو تظهر تلك العلامات الّتي كانت مكتوباً في كتبنا ويَظهر هيكلُ المعهودُ لا بُدّ له بأن يحكم بين العباد بأحكام الإنجيل، ولو تظهر كلُّ العلامات المكتوبة في الكتب و‌يحكم بغير ما حكم به عيسى ما نُقِرّ بِهِ وما نتّبعه، لأنّ هذا المطلب من مسلَّمات مطالبهم.

24 بمثل ما أنتم تشهدون اليوم من علماء القوم و‌جُهلائهم فيما يعترضون ويقولون بأنّ الشّمس ما أشرقت من المغرب، وما صاح الصّائح بين السّماء و‌الأرض، و‌ما غَرِقَ بعضُ البلاد، وما ظهر الدّجالُ،(17) وما قام السُّفياني،(18) و‌ما ظهر

الهيكل في الشّمس. و‌إنّي بسمعي سمعتُ عن واحدٍ من علمائهم يقول: لو يَظْهَرُ كلُّ تلك العلامات وَ‌يَظْهَرُ قائمُ المأمولُ و‌يحكم بغير ما نُزّل في القرآن فيما يكون بين أيدينا من الفروع لنكذّبه ونقتله وما نُقِرّ به أبداً، وأمثال ذلك عمّا يقولون هؤلاء المكذِّبون بعد ‌الّذي قام القيمة و‌نُفِخ في الصّور و‌حُشر كلُّ مَن في السّموات و‌الأرض، والميزان نُصِبت و‌الصّراط وُضِعت و‌الآيات نُزِّلت والشَّمس أشرقت والنّجوم طُمِست والنّفوس بُعِثت والرّوح نُفِخت والملائكة صُفَّت و‌الجنّة ‌أُزلفت و‌النّار سُعِّرت، وقُضي كلّ ذلك و‌إلى حينئذٍ ما عرف أحدٌ منهم، كأنّهم في غَشَواتهم ميّتون إلاّ الّذينهم آمنوا ورجعوا إلى الله وكانوا اليوم في رضوان القدس يُحْبَرُوْنَ وفي رضى الله يَسْلُكُوْن.

25 وكلّ النّاس لمّا احتجبوا بغَشَوات أنفسهم ما عرفوا ألحان القدس وما شمّوا روائح الفضل وما سَئَلوا عن أهل الذّكر بعد الّذي أَمَرَهُمُ اللهُ بذلك؛ قال و‌قوله الحقّ: ﴿فاسئلوا أهل الذّكر إنْ كنتم لا تعلمون﴾.(19) بل أعرَضوا عن أهل الذّكر واتّبعوا

السّامريّ(20) بأهوائهم، و‌بذلك بَعُدُوا عن رحمة الله و‌ما فازوا بجماله يوم لقائه بعد الّذي كلٌّ انتظروا يوم ظهوره وَدَعُوا الله في اللّيالي و‌الأنهار بأن يحشرهم بين يديه ليُسْتَشْهَدُوا في سبيله وَ‌يَسْتَهْدُوا بهدايته وَ‌يَسْتَنْوِرُوا بنوره. فلمّا جائهم بآيةٍ من عند ‌الله و‌حجّةٍ من لدنه كفّروه وسبّوه وفعلوا به ما فعلوا على مقامٍ لا أنا أقدر أن أذكر و‌لا أنت تقدر أن تسمع، والقلمُ حينئذٍ يَضِجُّ والمداد يبكي ويصرخ. و‌إنّك لو تتوجّهْ بسمع الفطرة فوالله لَتسمعْ ضجيج أهل السّموات، ولو تكشف الحجابَ عن عينيك لتشهدْ بأنّ الحوريّات مَغْشِيّاتٌ و‌الأرواحَ منصعقاتٌ وَيَضْرِبْنَ على وجوههنّ وَجَلسْنَ على وجه التّراب.

26 فآهٍ آهٍ عمّا ورد على مظهر نفس الله وما فعلوا به وبأحبّائه، بحيث ما فعل أحد على أحدٍ ولا نفسٌ إلى نفسٍ ولا كافرٌ إلى مؤمنٍ و‌لا مؤمنٌ إلى كافرٍ. فآهٍ آهٍ قد جلس هيكل البقاء في التّراب السّوداء، وناحت روح القدس في رفارف الأعلى، وتهدّمت أركان العرش في لاهوت الأسنى، و‌تبدّلت عيشُ
الوجود في أرض الحمراء، وخرست لسان الورقاء في جبروت الصّفراء. أُفٍّ لهم و‌بما اكتسبت أيديهم و‌عن كلّ ما هم كانوا أن يعملون.

27 فاستمعْ ما غنّت الورقاء في شأنهم بأحسن نغماتٍ بديعٍ واكمل تغرّداتٍ منيعٍ ليكون حسرةً عليهم من يومئذٍ إلى يوم الّذي يقوم النّاس لربّ العالمين. وكانوا من قبلُ يستفتحون علی الّذين كفروا، فلمّا جائهم ما عرفوا كفروا به، فلعنةُ الله علی الكافرين.(21) هذا شأنهم وَمَبْلَغُهُمْ في حيوة الباطلة، وسيُرَدُّون إلی عذاب السّعير ولن يجدوا لأنفسهم لا ‌من وليٍّ ولا من نصير.

28 و‌لا يحجبك كلُّ ما نُزّل في الفرقان وما سمعت عن آثار شموس العصمة وبدور العظمة(22) في تحريف الغالين وتبديل المتحرّفين؛ ما كان مقصودُهم في تلك الكلمات إلاّ في بعض الموارد المخصوصة المنصوصة، وانّي مع عجزي وفقري لو أريد أن أذكر لجنابك ما هو المذكور لأقدر، و‌لكن يغرُب عنّا المقصود ونبعُد عن هذا الصّراط الممدود

ونغرق في إشارات المحدود ونخرج عمّا هو المحبوب في ساحة المحمود.

۲۹ وإنّك أنت يا أيّها المذكور في هذا الرّقّ المنشور، والمُسْتَنْوِرُ في هذه الظُّلُمات الدَّيجور فيما تجلىّ عليك من أنوار الطّور في سيناء الظّهور، نَزِّهْ نفسَك عن كلّ ما عرفت من قبلُ من إشارات السُّوئيّة والدّلالات الشّركيّة لتجد رائحة البقاء عن يوسف الوفاء وتكون داخلاً في مصر العَماء وتجد روائح طِيْبِ السّناء عن هذا اللّوح الدّرّيّ البيضاء فيما رَقَّمَ فيه القلمُ من أسرار القِدَم في أسماء ربّه العليّ الأعلى لتكون من الموقنين في ألواح القدس مكتوباً.

۳۰ ثمّ اعلمْ يا أيّها الحاضر بين يديّ العبد حين غفلتك عن ذلك، لا بدّ لمن يُريد أن يقطع الأسفار في معارج الأسرار بأن يجاهد في الدّين على قَدْرِ طاقته وقدرته ليَظهر له السّبيلُ في مناهج الدّليل. وإنْ يَجِدْ نفساً يدّعي أمراً من الله، وكان في يده حجّةٌ من مولاه الّتي تعجز عنها العالمين لا مفرّ له إلاّ بأن يتّبعه في كلّ ما يأمر ويقول ويحكم، ولو يُجري على
السّماء حكم الأرض أو على الأرض حكم السّماء أو فوق ذلك أو تحت ذلك، ولو يحكم بالتّغيير أو بالتّبديل، لانّه اطَّلَعَ بأسرار الهويّة ورموزات الغيبيّة وأحكام الإلهيّة.

۳۱ و‌لو أنّ كلّ العباد من أمم المختلفة يعملون بما ذكرنا، حينئذٍ لَيَسْهُلُ عليهم أمرُهم، و‌ما يمنعهم تلك العبارات والإشارات عن الورود في غمرات الأسماء والصّفات. ولو ‌عرفوا ذلك ما كفروا بأنعُم الله وما حاربوا مع النّبيّين وما جاحدوهم وما أنكروهم، وبمثل تلك العبارات تجدون في القرآن لو أنتم فيه تتفكّرون.

۳۲ ثم أعلم بأنّ بمثل تلك الكلمات يُمَحِّصُ اللهُ عبادَهُ ويغربلنّهم، يَفْصُلُ بين المؤمن والكافر والمنقطع والمتمسّك والمحسن والمجرم والتّقيّ والشّقيّ وأمثال ذلك كما نطق بذلك ورقاء الهويّة: ﴿‌الم، أَحَسِبَ النّاس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنّا و‌هم لا يُفتنون﴾.(23)

۳۳ لا بدّ للمسافر إلی الله والمهاجر في سبيله بأن

ينقطع عن كلّ من في السّموات والأرض وَيَكُفَّ نفسه عن كلّ ما سواه ليُفتَح علی وجهه أبواب العناية وَتَهُبَّ عليه نسمات العطوفة، وإذا كتب على نفسه ما ألقيناه من جواهر المعاني والبيان لَيعرف كلّ الإشارات من تلك الدّلالات، ويُنزِلُ الله على قلبه سَكينةً من عنده ويجعلُه من السّاكنين. و‌بمثل هذه الكلمات المتشابهات المُنزَلة فاعرفْ ما سئلتَ عن هذا العبد الّذي جلس علی نقطة الذّلّة وما يمشي في الأرض إلاّ كمثل غريب الّذي لن يجد لنفسه لا من معين ولا من مونس ولا من حبيب ولا من نصيرا، ويكون متوكّلاً علی الله، ويقول في كلّ حين:﴿إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾.(24)

۳٤ وإنّ ما ذكرنا الكلمات بالمتشابهات، هذا لم يكن إلاّ عند الّذين لن يتعارجوا إلی أفق الهداية، وما وصلوا إلی مراتب العرفان في مكامن العناية، وإلاّ عند الّذين هم عرفوا مواقع الأمر وشهدوا أسرار الولاية فيما ألقى الله على أنفسهم كلُّ الآيات مُحْكَماتٌ عندهم وكلُّ الإشارات مُتْقَناتٌ لديهم،

وإنّهم يعرفون أسرار المودعةَ في قُمُص الكلمات بمثل ما أنتم تعرفون من الشّمس الحرارة ومن الماء الرّطوبة بل أظهر من ذلك، فتعالى الله عمّا كنّا في ذكر أحبّائه، فتعالى عمّا هم يذكرون.

۳٥ إذاً لمّا وصلنا إلی ذلك المقام الأسنى، وَبَلَغْنا إلى ذِروة الأحلى فيما يجري من هذا القلم من عناية الكبرى من لدى الله العليّ الأعلى، أردنا بأن نذكر لك بعضاً من مقامات سلوك العبد في أسفاره إلی مبدئه، ليكشف على جنابك كلّما أردت وتريد، لتكون الحجّةُ بالغةً والنّعمةُ سابغةً.

۳٦ فاعلمْ ثمّ اعرفْ بأنّ السّالك في أوّل سلوكه إلی الله لا بدّ له بأن يَدْخُلَ في حديقة الطّلب. وفي هذا السّفَر ينبغي للسّالك بأن ينقطع عن كلّ ما سوى الله، ويُغمض عيناه عن كلّ من في السّموات والأرض، ولم يكن في قلبه بُغْضُ أحدٍ من العباد ولا حبُّ أحدٍ على قَدْرِ الّذي يمنعه عن الوصول إلی مَكْمَنِ الجمال، ويقدّسَ نفسَه عن سُبُحات الجلال. وله حَقٌّ بأن لا يفتخر علی أحد في كلّ ما أعطاه الله

من زخارف الدّنيا أو من علوم الظّاهرة أو غيرها، ويطلب الحقّ بكمال جِدّه وسعيه ليعلِّمه الله سُبُلَ عنايتهِ ومناهجَ مكرُمته، لأنّه خيرُ معينٍ بعباده وأحسنُ ناصرٍ لأرقّائه؛ قال وقوله الحقّ: ﴿الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا﴾،(25) وفي مقام آخر: ﴿‌اتّقوا الله يعلّمكم الله‌﴾.(26)

۳۷ وفي هذا السّفر يشهد السّالك التّبديلات والتّغييرات والمختلفات والمتقارنات، ويشهد عجائب الرّبوبيّة في أسرار الخليقة، ويطّلع علی سُبُلِ الهداية وَطُرُقِ الإلهيّة. هذا مقام الطّالبين ومعارج القاصدين.

۳۸ وإذا استرقى عن ذلك المقام يَدْخُلُ في مدينة العشق والجَذْب. حينئذٍ تَهُبُّ أرياحُ المحبّة وَتَهِيْجُ نسماتُ الرّوحيّة ويأخذ السّالكَ في هذا المقام جذباتُ الشّوق ونفحاتُ الذَّوق بحيث لن يعرف اليمين عن الشّمال ولا البرّ من البحر ولا الصَّحارى عن الجبال. وفي كلّ حينٍ يحترق بنار الاشتياق وَيُوْقَدُ من سطوة الفراق في الآفاق ويركض في فاران
العشق وَحُوْرِيْبِ الجذب؛ مرّةً يضحك ومرّةً يبكي ومرّةً يَسْكُنُ ومرّةً يضطرب، ولا يُبالي من شيءٍ ولا يمنعه من أمرٍ ولا يَسُدُّهُ من حُكْمٍ، وينتظر أمرَ مولاه في مَبدئِه ومُنتهاه، ويُنفق روحه في كلّ حين، ويَفدي نفسه في كلّ آنْ. ويقابل صدرَه في مقابلة رماح الأعداء، ويرفع رأسه لسيف القضاء، بل يُقَبِّلُ أيدي من يقتله، ويُنفق كلَّ ما له وعليه لِيَفدي روحه ونَفْسَهُ وجسده في سبيل مولاه، ولكنْ بإذنٍ من محبوبه لا بهواء من نفسه. وتجده بارداً في النّار ويابساً في الماء، وَيَسْكُنُ على كلّ أرضٍ ويمشي في كلّ طريق، ومَن يَمَسُّهُ في تلك الحالة لَيجد حرارة المحبّة منه، وإنّه يمشي في رَفْرَفِ الانقطاع ويركض في وادي الامتناع، ولم يزل كانت عيناه منتظراً لبدائع رحمة الله ومشاهدة أنوار جماله، فهنيئاً للواصلين. وهذا مقام العاشقين وشأن الْمُجْتَذَبِيْنَ.

۳۹ وإذا قطع هذا السّفر واسترقى عن هذا المقام الأكبر يدخل في مدينة التّوحيد وحديقة التّفريد وبساط التّجريد، وفي هذا المقام يُلقي السّالكُ كلَّ

الإشارات والدّلالات والحُجُبات والعبارات، ويشهد الأشياء بعين الّتي تجلّى الله له به بنفسه، ويشاهد في هذا السّفر بأنّ المختلِفات كلّها ترجع إلى كلمةٍ واحدةٍ، والإشارات تنتهي إلى نقطةٍ واحدةٍ، كما شهد بذلك قول من ركب علی فُلْكِ النّار ومشى في قطب الأسفار حتّى وصل إلى ذِروة الأعلى في جبروت البقاء بأنّ ﴿العلم نقطة كثّرها الجاهلون﴾،(27) وهذا مقام الّذي ذُكر في الحديث بأنّي ﴿أنا هو وهو أنا إلاّ أنّه هو هو وأنا أنا﴾.(28)

٤۰ في ذلك المقام لو يقول هيكل الخَتْم بأنّي أنا نقطة البدء لَيَصْدُقُ، ولو يقول بأنّي أنا غيرها لحقٌّ، ولو يقول بأنّي صاحب المُلك والملكوت أو مَلِكُ الملوك أو سلطان الجبروت أو محمّد أو عليّ أو أبنائُهم أو غير ذلك لَيكون صادقاً من عند الله وحاكماً على الممكنات وعلى كلّ ما سوّاه. أما سمعتَ ما ورد من قبلُ بأنّ ﴿أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد﴾، وفي مقام آخر بأنّ ﴿كلّهم من نور واحد﴾.

٤۱ وفي ذلك المقام يَثْبُتُ حكمُ التّوحيد وآياتُ التّجريد، وتجد بأنّ كلّهم رفعوا رؤسهم عن جيب قدرة الله ويدخلون في أكمام رحمة الله من غير أن تشاهد الفرق بين الأكمام والجيب، والتّغيير والتّبديل في هذا المقام شِرْكٌ صرف وكفر محض لأنّ هذا مقام تجلّي الوحدانيّة وتَحكّي الفردانيّة وإشراق أنوار فجر الأزليّة في مرايا الرّفيعة المنطبعة. وإنّي فوالله لو أذكر هذا المقام على قَدْرِ الّذي قَدّر الله فيه لتنقطع الأرواح عن أجسادها وتنزّلت الجوهريّات من أماكنها، وتنصعق كلّ مَن في لُجَجِ الممكنات، وتنعدم كلّ ما يتحرّك في أراضي الإشارات.

٤۲ أما سمعت ﴿لا تبديل لخلق الله﴾؟(29) وأما قرأتَ ﴿ولن تجد لسنّته من تبديل﴾؟(30) وأما شهدت ﴿ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت﴾؟(31) بلى وربّي، من كان من أهل هذه اللُّجّة وركب في هذه السّفينة لم يشهد التّبديل في خلق الله ولا يرى التّفاوت في أرض الله. ولمّا لم يكن التّبديل والتّغيير في خلق الله، فكيف يجري على مظاهر نفس الله؟


فسبحان الله عمّا كنّا في وصف مظاهر أمره، وتعالى عمّا هم يذكرون.

٤۳ ألله اكبر هذا البحر قد ذخرا
وهيّج الرّيح موجاً يقذف الدُّررا
فاخلغ ثيابك واغرق فيه ودَعْ
عنك السبّاحة وليس السَّبْحُ مفتخَرا

٤٤ وإنّك أنت لو تكون من أهل هذه المدينة في هذه اللُّجّة الأحديّة لَترى كلّ النّبيّين والمرسَلين كهيكلٍ واحد ونفسٍ واحدة ونورٍ واحد وروحٍ واحدة، بحيث يكون أوّلُهم آخرَهم وآخرُهم أوّلَهم، وكلّهم قاموا على أمر الله وشرّعوا شرائع حكمة الله وكانوا مظاهر نفس الله ومعادن قدرة الله ومخازن وحي الله ومشارق شمس الله ومطالع نور الله، وبهم ظهرت آيات التّجريد في حقائق الممكنات وعلامات التّفريد في جوهريّات الموجودات وعناصر التّمجيد في ذاتيّات الأحديّات ومواقع التّحميد في ساذجيّات الصّمديّات، وبهم يبدَء الخَلْقُ وإليهم يُعيد كلّ المذكورات، كما أنّهم في حقائقهم كانوا أنوار

واحدة وأسرار واحدة، وكذلك فاشهدْ في ظواهرهم لتعرف كلَّهم على هيكلٍ واحدٍ، بل تجدهم علی لفظ واحد وكلام واحد وبيان واحد.

٤٥ وإنّك في ذلك المقام لو تُطلق أوَّلَهم باسم آخرهم أو بالعكس لحقٌّ، كما نَزَلَ حكمُ ذلك عن مصدر الألوهيّة ومنبع الرّبوبيّة ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن أيّاً ما تدعوا فلَهُ الأسماء الحسنى﴾،(32) لأنّهم مظاهر اسم الله ومطالع صفاته ومواقع قدرته ومجامع سلطنته، وإنّه جلّ وعزّ بذاته مقدّس عن كلّ الأسماء ومنزّه عن معارج الصّفات. وكذلك فانظرْ آثار قدرة الله في آفاق أرواحهم وأنفس هياكلهم ليطمئنّ قلبك وتكون من الّذينهم كانوا في آفاق القرب لسائرين.

٤٦ ثمّ أُجَدِّدُ لك الكلام في هذا المقام ليكون لك مُعيناً في عرفانك بارئك؛ فاعلمْ بأنّ الله تبارك وتعالى لن يَظْهَرَ بكينونيّته ولا بذاتيّته، لم يزل كان مكنوناً في قِدَمِ ذاته ومخزوناً في سرمديّة كينونيّته، فلمّا أراد إظهار جماله في جبروت الأسماء وإبراز

جلاله في ملكوت الصّفات أظهر الأنبياءُ من الغيب إلى الشّهود ليمتاز اسمُه الظّاهر من اسمه الباطن، ويظهر اسمُه الأوّل عن اسمه الآخِر لِيَكْمُلَ القولُ بأنّه ﴿هو الأوّل والآخِر والظّاهر والباطن وهو بكلّ شيءٍ محيط﴾.(33) وجعل مظاهر تلك الأسماء الكبرى وهذه الكلمات العليا في مظاهر نفسه ومرايا كينونيّته.

٤۷ إذاً ثَبُتَ بأنّ كلّ الأسماء والصّفات ترجع إلى هذه الأنوار المقدّسة المتعالية وتجد كلّ الأسماء في أسمائهم وكلّ الصّفات في صفاتهم. وفي ذلك المقام لو تدعوهم بكلّ الأسماء لَحَقٌّ بمثل وجودهم. إذاً فاعرفْ ما هو المقصود في هذا البيان، ثم اكتُمْها في سُرادق قلبك لتعرف حكم ما سئلتَ وتصل إليه على قَدْرِ ما قَدَّرَ اللهُ لك، لعلّ تكون من الّذين هم كانوا بمراد الله لَمِنَ الفائزين.

٤۸ وكلُّ ما سمعت في ذكر محمّد بن الحسن(34) روح من في لُجَجِ الأرواح فداه حقٌّ لا ريب فيه، وإنّا كلٌّ به موقنون. ولكن ذكروا أئمّةُ الدّين بأنّه كان في

مدينة جابُلقا،(35) ووصفوا هذه المدينة بآثارٍ غريبةٍ وعلامات عجيبة، وإنّك لو تريد أن تفسّر هذه المدينة علی ظاهر الحديث لن تقدر ولن تجدها أبداً لأنّك لو تفحّص في أقطار العالم وأطراف البلاد لن تجدها بأوصاف التّي وصفوها من قبلُ ولو تسير في الأرض بدوام أزليّة الله وبقاء سلطنته، لأنّ الأرض بتمامها لن تَسَعَها ولن تحملها. وإنّك لو تدلّني إلى هذه المدينة أنا أدُلُّكَ إلی هذه النّفس القدسّية التّي عرفوه النّاس بما عندهم لا بما عنده. ولمّا أنت لن تقدر على ذلك، لا بدّ لك التّأويل في هذه الأحاديث والأخبار المرويّة عن هؤلاء الأنوار. ولمّا تحتاج إلی التّأويل في هذه الأحاديث المرويّة في ذكر هذه المدينة المذكورة وكذلك تحتاج إلی التّفسير في هذه النّفس القدسيّة، ولمّا عرفت هذا التّأويل لن تحتاج إلی التّبديل ولا غيره.

٤۹ ثمّ اعلمْ بأنّه لمّا كان الأنبياء كلّهم روح ونفس واسم ورسم واحد، وإنّك بهذا العين لَتَرى كلّ الظّهورات اسمهم محمّد وآبائهم حَسَن وظهروا من

جابُلقاء قدرةِ الله ويظهروا من جابُلصاء رحمةِ الله. وجابُلقا لم يكن الاّ خزائن البقاء في جبروت العَماء ومدائن الغيب في لاهوت العلاء، وتشهد بأنّ محمّد بن الحسن كان في جابُلقاء وظهر منها، ومَن يُظهره الله يكون فيها إلی أن يُظهره الله على مقام سلطنته، وإنّا بذلك مُقِرّون وبكلّهم مؤمنون. وإنّا اختصرنا في معاني جابُلقا في هذا المقام، ولكنْ تعرف كلّ المعاني في أسرار هذه الألواح لو تكون من الموقنين.

٥۰ ولكنّ الّذي ظهر في السّتّين لا تحتاج في حقّه لا التّبديل ولا التّأويل لأنّه كان اسمه محمّد وكان من أبناء ائمّة الدّين، اذاً يَصْدُقُ في حقّه بأنّه ابن الحسن، وهذا معلومٌ عند جنابك ومشهودٌ لدى حضرتك، بل إنّه خالق الاسم ومبدعه لنفسه لو انتم بطَرْف الله تنظرون.

٥۱ حينئذٍ أردنا أن نترك ما كنّا في ذكره، وأذكر ما جرى علی نقطة الفرقان(36) ونكون فيه من الذّاكرين، ولتكون علی بصيرةٍ في كلّ الأمور من لدن عزيز جميل.

٥۲ فاعلمْ ثمّ فكّرْ، أيّامَهُ حين الّذي أقامه الله على أمره وأظهرهُ على مقام نفسه كيف هجموا عليه العباد واعترضوا به وحاججوا معه، وكلّما مشى قدّامهم في المعابر والأسواق استهزئوا به، وحرّكوا عليه رؤسهم وسخروا به، وفي كلّ حين أرادوا قتله بحيث ضاقت عليه الأرض بأوسعها وحارت في أمره سكّان مَلأ الأعلى وتبدّلت أركان البقاء بالفناء وبكت عليه عيون أهل العَماء، وأصابه من هؤلاء الكَفَرَة الفَجَرة ما لا يقدر أحدٌ أن يسمعه من أولو الوفاء.

٥۳ ولو انّ هؤلاء الفَسَقة كانوا أن يفكّروا في أمرهم ويعرفوا نغمات تلك الورقاء على أفنان هذه الشّجرة البيضاء ويرضوا بما نَزّل الله عليهم فيما أنعمهم به ويجدوا أثمار الشّجرة علی أغصانها، لِمَ اعترضوا عليه وأنكروه بعد الّذي كلّهم كانوا أن يرفعوا أعناقهم لبلوغهم إليه، ويسئلوا الله في كلّ حين بأن يشرّفَهم جمالُهُ ويرزقَهم لقائَهُ.

٥٤ بلى لمّا ما عرفوا لحن الاحديّة وأسرار الهويّة وإشارات القدسيّة عمّا ظهر عن لسان

الأحمديّة وما تفكّروا في أنفسهم، واتّبعوا علماء الباطل الذين صدّوا عباد الله عن أدوار القَبْل ويصّدون الناس في أكوار البَعد، لذا احتجبوا عن مُراد الله وما شربوا عن كوثر الهويّة وصاروا محرومين عن لقاء الله ومظهر كينونته ومطلع أزليّته، وبذلك سلكوا في مناهج الضّلالة وسُبُل الغفلة ورجعوا إلى مقرّهم في نار التّي كانت وقودها أنفسهم وكانوا في كتاب القدس من قلم الله بالكفر مكتوباً، وما وجدوا ولن يجدوا إلى حينئذٍ لأنفسهم لا من حبيب ولا من معيناً.

٥٥ ولو أنّ هؤلاء يتمسّكون بنفس عُروة الله في قميص المحمّديّة، ويُقبِلون إلی الله بتمامهم ويُلقون كلّ ما في أيديهم من علمائهم لَيهديهم الله بفضله ويعرّفهم معاني القدسّية في كلماته الأزليّة، لأنّ الله أجلّ وأعظم من أن يَرُدّ السّائل عن بابه أو يُخيّب الآمِل عن فِنائه أو يَطْرُدَ من استجار في ظلّه أو يحرم من تشبّث بذيل رحمته أو يُبعد فقير الّذي نزل في شريعة غَنائه. فلمّا هؤلاء ما أقبلوا إلی الله بكلّهم وما

تشبّثوا بذيل رحمته المنبسطة في ظهور شمس الأحديّة خرجوا عن ظلّ الهداية ووردوا في مدينة الضّلالة، وبذلك فسدوا وأفسدوا العباد، وضلّوا وأضلّوا كلّ من في البلاد، وكانوا من الظّالمين في كتب السّماء مسطوراً.

٥٦ وحينئذٍ لمّا بلغ هذا الخادم الفاني إلی هذا المقام العالي في بيان رموز المعاني أذكرُ لك علّة إعراض هؤلاء الغِلاظ علی غاية الإيجاز، ليكون دليلاً لأولي الألباب من أولي الأبصار، وليكون موهبةً من هذا العبد علی المؤمنين جميعاً.

٥۷ فاعلمْ بأنّ نقطة الفرقان ونور السّبحان لمّا جاء بآياتٍ محكَمات وبراهين ساطعات من الآيات التّي تَعْجَزُ عنها كلّ من في جبروت الموجودات أَمَرَ الكلَّ على القيام على هذه الصّراط المرتفعة الممدودة في كلّ ما جاء به من عند الله، ومَن أقرّ عليه واعترف بآيات الوحدانيّة في فؤاده وجمال الازليّة في جماله حُكِم عليه حُكْم البعث والحشر والحيوة والجنّة، لأنّه بعد إيمانه بالله ومظهر جماله بُعِث من مرقد

غفلته وحُشِر في أرض فؤاده وَحَيَّ بحيوة الإيمان والإيقان ودخل في جنّة اللّقاء. هل يكن الجنّة أعلى من ذلك أو الحشر أعظم من هذا أو البعث أكبر من هذا البعث؟ لو يطّلع أحدٌ بأسراره لَيعرف ما لا عرف أحدٌ من العالمين.

٥۸ ثمّ اعلمْ بأنّ هذه الجنّة في يوم الله أعظم من كلّ الجنان وألطفُ من حقائق الرّضوان لانّ الله تبارك وتعالى بعد الّذي ختم مقام النّبوّة في شأن حبيبه وصفيّه وخيرته من خَلقه، كما نُزّل في ملكوت العزّة ﴿ولكنّه رسول الله وخاتَمُ النّبييّن﴾،(37) وعد العباد بلقائه يومَ القيمة لعظمة ظهور البَعْد، كما ظهر بالحقّ. ولم يَكُنْ جنّةٌ أعظم من ذلك ولا رتبةٌ أكبر من هذا إنْ أنتم في آيات القرآن تتفكّرون. فهنيئاً لمن أيقن بلقائه يوم ظهور جماله.

٥۹ وإنّي لو أذكر لك آيات النّازلة في هذه الرّتبة العالية لَيطول الكلامُ ونَبعُد عن المرام، ولكنْ أذكر هذه الآية ونكتفي بها لِتَقرَّ عيناك وتصل إلی ما كُنِزَ فيها وخُزِنَ بها، وهي هذه: ﴿الله الّذي رفع


السّموات بغير عُمُد ترونها ثمّ استوى على العرش وسخّر الشّمس والقمر كلٌّ يجري لأجلٍ مُسمَّى يدبّر الأمر يفصّل الآيات لعلّكم بلقاء ربّكم توقِنون﴾.(38)

٦۰ إذاً فالتَفِتْ يا حبيبي في ذكر الإيقان في هذه الآية، كأنّ السَّموات والأرض والعرش والشّمس والقمر كلّهنّ خُلِقْنَ لإيقان العباد لقائَهُ في أيّامه. فوالله يا أخي، فانظرْ عظمة هذا المقام وشأن هولاء العباد في هذه الايّام ﴿كأنّهم حُمُرٌ مستنفرة﴾(39) فرّت عن طلعة الإلهيّة وجمال الهويّة. لو تفكّر فيما نزّلناك لَتجد ما أردنا في ذكر هذا البيان وتعرف ما أحببنا أن نُعلّمك في هذا الرّضوان، لِتقرّ عيناك عن النّظر فيها وَتَلَذَّ سمعُك عن استماع ما قُرِءَ فيها وتُحَظَّ نفسُك عن إدراكها وينوّر قلبك عن عرفانها وتَسْتَبْشِرَ روحُك عن عِطْرِ الّذي نَفَحَ منها وتصل إلی غاية فيض الله وتكون في رضوان القدس لَمِن الخالدين.

٦۱ ومَن أعرض عن الله في حقّه، وأدبر وطغى ثمّ كفر وشقى، حُكِم عليه حُكْمُ الشّرك والكفر والموت والنّار. وأيّ شرك أعظم من إقباله إلى مظاهر


الشّيطان واتّباعه علماء النّسيان وأصحاب الطّغيان؟ وأيّ كفر أعلى عن إعراضه عن الله في يوم الّذي يُجَدَّدُ فيه الإيمانُ من الله المقتدر المنّان؟ وأيّ موت أذّل عن فِراره عن منبع الحيّ الحَيَوان؟ وأيّ نار أحرّ عن بُعده عن جمال الهويّة وجلال الأحديّة في يوم التّغابن والإحسان؟

٦۲ وإنّ أعراب جاهليّة بهذه العبارات والكلمات اعترضوا عليه وحكموا عليه ما حكموا، وقالوا هؤلاء الّذين آمنوا بمحمّدٍ هم كانوا معنا وراودونا في كلّ ليل ونهار، متى ماتوا وبأيّ يوم رجعوا؟ فاسمعْ ما نُزّل فيما قالوا: ﴿إن تعجَب فعجبٌ قولهم أئِذا كنّا تراباً وعظاماً أئِنّا لمبعوثون﴾،(40) وفي مقام آخر: ﴿ولئن قلت إنّكم مبعوثون من بعد الموت ليقولنّ الّذين كفروا إنْ هذا إلاّ سحرٌ مبينٌ﴾.(41) وبذلك استهزؤا به وسخروا عليه لانّهم شهدوا في كتبهم وسمعوا من علمائهم لفظ الموت والحيوة، وفسّروهما بالموت الظّاهريّة والحيوة العنصريّة، فلمّا ما وجدوا ما عرفوا من ظنونهم المُجْتَثَّة

وعقولهم الإفكيّة الخبيثة رفعوا أعلام الاختلاف ورايات الفساد واشتعلوا نار الحرب ولو أطفأها الله بقدرته كما تشهد اليوم من هؤلاء المشركين وهؤلاء الفاسقين.

٦۳ وإنّي حينئذٍ لمّا هبّت عليّ رائحةُ الجذب عن مدينة البقاء، وأحاطتني غَلَباتُ الشّوق من شطر الإشراق فيما لاحت شمس الآفاق من ركن العراق، وأسمعتني نغماتُ الحجاز في أسرار الفراق، أريد أن أذكر لجنابك بعض ما غنّت الورقاء في قطب العَماء في معنى الحيوة والموت، ولو أنّ هذا ممتنع؛ لأنّي لو أريد أن أفسّر لك كما هو المكتوب في ألواح المحفوظ لن تحمله الألواح ولن تسعه الأوراق ولن تطيقه الأرواح، ولكن أذكر على ما ينبغى لهذا الزّمان وهذه الأوان ليكون دليلاً لمن أراد أن يدخل في رَفْرَفِ المعاني ويسمع نغمات الرّوحاني من هذا الطّير المعنوي الالهيّ ويكون من الّذينهم انقطعوا إلی الله وكانوا اليوم بلقاء الله يستبشرون.

٦٤ فاعرف بأنّ للحيوة مقامين؛ مقام يتعلّق بظاهر
البشريّة في جسد العنصريّة، وهذا معلومٌ عند جنابك وعند كلّ من علی الأرض بمثل الشّمس في وسط السّماء، وهذه الحيوة تَفْنى من موت الظّاهريّة، وهذا حقّ من عند الله ولا مفرّ لأحد؛ وأمّا الحيوة التّي هي المذكور في كتب الأنبياء والأولياء لم يكن إلاّ الحيوة العرفانيّة، أي عرفان العبد آية تجلّي مجلّيه بما تجلّى له به بنفسه وإيقانه بلقاء الله في مظاهر أمره، وهذه هي الحيوة الطيّبة الباقية الدّائمة التّي مَن يَحْيَ به لن يموت أبداً ويكون باقياً ببقاء ربّه ودائماً بدوام بارئه.

٦٥ والحيوة الأوّليّة التّي كانت متعلّقةً بالجسد العنصّرية يَنْفَدُ بما نَزَلَ من عند الله: ﴿كلّ نفس ذائقة الموت﴾.(42) والحيوة الثّانويّة التّي كانت من المعرفة ما تَنْفَدُ كما نَزَلَ من قبلُ: ﴿فلنحيينّه حيوة طيّبة﴾.(43) وفي مقام أُخرى في ذكر الشهداء: ﴿بل أحياء عند ربّهم يُرزَقون﴾.(44) وما ورد في الأخبار: ﴿المؤمن حيّ في الدّارين‌﴾.(45) وبمثل تلك الكلمات كثير في كتب الله ومظاهر عدله، وإنّا ما أردنا ذكرها للاختصار واكتفينا بذلك فيما أردنا لك.

٦٦ إذاً يا أخي، فأعرضْ عن هواك ثم أَقْبِلْ إلی مولاك ولا تتّبع الّذين كان إلههم هواهم لتدخل في قطب الحيوة في ظلّ النّجاة من مربّي الأسماء والصّفات، لأنّ الّذينهم اليوم أعرضوا عن ربّهم أموات ولو يمشون على الأرض، وصمّاء ولو يسمعون، وعمياء ولو يشهدون، كما صرّح بذلك مالك يوم الدّين: ﴿ولهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها﴾(46) إلى آخر القول، بل إنّهم يمشون على شِفا جُرفٍ هارٍ أو في شِفا حفرة من النّار،(47) لم يكن لهم نصيب من هذا البحر المتموّج الزّخّار وكانوا في زخارف أقوالهم يلعبون.

٦۷ وحينئذ نُلقي عليك في هذا المقام في ذكر الحيوة ما نُزّل من قبلُ ليقلّبك عن إشارات النّفس ويخلّصك عن ضِيْقِ القَفْسِ في هذا الجَوار الخَنِس وتكون في ظُلمات الأرض لَمِن المهتدين.

٦۸ قال وقوله الحقّ: ﴿‌أوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في النّاس كمن مثله في الظّلمات ليس بخارج منها﴾.(48) هذه آلاية نزلت في

شأن الحمزة وأبو جهل لمّا آمن الأوّل وكفر الثّاني، وبذلك استهزؤا أكثرُ العلماء، ومن علماء الجاهليّة، وتبلبلوا وتهزّلوا وتصاحوا وقالوا: كيف مات الحمزة وكيف رجع إلى حيوة الأولى؟ وبمثل ذلك كثيرٌ في الكتاب لو أنتم في آيات الله تتفرّسون.

٦۹ فيا ليت وجدتُ قلوباً صافيةً لأُلقي عليهم رشحاً من أبحر العلم الّذي علّمني ربّي لِيطيرنّ في الهواء كما يمشون علی الأرض ويركضنّ على الماء كما يركضون على التّراب ويأخذوا أرواحهم بأيديهم ويفدوها في سبيل بارئهم، ولكنْ جاء الإذن على القضاء في هذا الرّمز العُظمى. ولم يزل كان هذا السّرّ مخزوناً في كنوز القدرة، وهذا الرّمز مكنوناً في خزائن القوّة، لئلاّ يُهلكون العبادُ أنفسَهم رجاءً لهذا المقام الاعظم في ممالك القِدَم، ولن يصله الّذين يمشون في ظلمات الصَّيْلَمِ المظلم.

۷۰ ولقد كرّرنا القول يا أخي في كلّ المقام ليوضح لك بإذن الله كلّ الأمور عمّا سُطر في السّطور، ولِيُغنيك عن الّذينهم يخوضون في أنفس

الدّيجور ويمشون في وادي الكِبْر والغرور، ولتكون في فردوس الحيّ الحَيَوان لَمِن السّائرين.

۷۱ قل يا أهل الملأ، إنّ شجرة الحيوة قد غُرِست في وسط فردوس الله ويُعطى الحيوة عن كلّ الجهات، كيف أنتم لا تشعرون ولا تعرفون؟ ويؤيّدك في كلّ ما ألقيناك من جواهر أسرار الهوّية من هذه النّفس المطمئنّة تَغَنِّي حمامة القدس في فردوس البقاء، وأذكرُ لك لتلبس قميص الجديد من زُبُر الحديد ليحفظك عن رَمْيِ الشّبهات في تلك الإشارات، وهي هذه: ﴿إنّ من لم يلد من الماء والرّوح لن يقدر أن يدخل في ملكوت الله لانّ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الرّوح فهو الرّوح فلا تتعجّبنّ من قولي إنّه ينبغي لكم بأن تُولدوا مرةً أخرى﴾.(49)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى