منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الدرر البهية 3 لأبى الفضائل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
(
(مقالة مخصوصة)
(في بيان معنى المعجزات وأقسامها)
(وبيان مقدار دليلية كل قسم منها)

اتفقت الأمم على أن مظاهر أمر الله والقائمين على تشريع دينه لابد أن يكون لهم سمة مخصوصة وعلامة معلومة تميزهم عن دونهم وتفرزهم عن غيرهم لتكون شاهداً لهم ودليلا إليهم وبرهاناً على حقيقتهم وحجة لتصديقهم، والأمم الأولى الى زمان ظهور سيدنا الرسول عليه السلام كانوا يعبرون عن هذه العلامة بالآية، والآية لغة هي العلامة، فكانوا إذا إدعى مدع أنه رسول من الله، يسألونه عن آية ترشدهم الى صدق قوله وتثبت حقيّة إدعائه. كما ورد في إنجيل متى في الاصحاح الثاني عشر أن قوماً من الكتبة والفريسيين سألوا عيسى عليه السلام أن يريهم آية، فأجابهم أن الجيل الفاسق الشرير يطلب الآيات ولا يعطى آية إلا آية يونس النبي. وفي الاصحاح السادس عشر منه، أنه جاء اليه الفريسيون والصدوقيون ليجربوه، فسألوه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم قائلا: إذا كان المساء، قلتم صحو، لأن السماء محمرة. وبالغداة، اليوم مطر، لأن السماء محمرة كالحة. أفتعلمون أن تميزوا وجه السماء وعلامات الأزمنة لا تستطيعون أن تعرفوها. إن الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى آية إلا آية يونس النبي، ثم تركهم ومضى. ومعنى الجميع أن علماء اليهود كانوا يطلبون منه على سبيل الامتحان أن يريهم معجزة، فأجابهم عليه السلام بما سنوضحه فيما يأتي من الكلام. وجاء في القرآن الشريف نقلاً عن قريش وغيرهم فليأتنا بآية كما أرسل الأولون وقوله تعالى (لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) الى كثير من أمثالها مما يثبت أن ألفاظ المعجزة أو خارق العادة أو الكرامة وأمثالها مستحدثة من مصطلحات المتأخرين ولم يكن لها ذكر عند الأولين. وعلماء النصارى بعد انتشار ديانة سيدنا عيسى عليه السلام وثبوت كلمته، بدلوا لفظ الآيات بالعجائب، ولعلها مأخوذة من مصطلحات ديانة الصابئة التي كانت ديانة أهالي أوربا وآسيا ما عدا الهنود والصينيين قبل ظهور موسى وعيسى وسيدنا الرسول عليهم السلام. فإن بعض الآثار العتيقة المصرية المحفوظة في متحفها الشهيرة، ترجمت أيام اقامتي في مصر، تدل على أن المصريين في زمان الفراعنة كانوا يعبرون عن الأمور الخارقة للعادة بالعجائب. وأما علماء الاسلام أي المتقدمين منهم، لما رأوا أن الله تعالى أمر النبي عليه السلام بأن يستدل على صدق إدعائه بالقرآن الكريم وعبر عن عباراته بآيات الكتاب، والقوم كانوا يطلبون منه آية غيره، ورأوا أن الآيات مختلفة بحسب مفاهيمها وآثارها قسموها الى قسمين كما يظهر جلياً من التفاسير.
(القسم الأول) الآيات الكتابية، أي الوحي السماوي وهو عبارة عن الحقائق والمعاني التي نزلت بوساطة الروح الأمين على قلوب الأنبياء والمرسلين ثم ظهرت على هيأة الكلمات من ألسنتهم وتجلت في قوالب الألفاظ والعبارات من أفواههم، وتلك المعاني والألفاظ الدالة عليها حادثة عند الشيعة. فالمعاني عندهم علوم إلهية لدنية غير تحصيلية، والألفاظ الدالة عليها هي الكلام الإلهي ولا يعقل عندهم كلام غيره، إذ الكلام كما هو معلوم لدى أهله ليس إلا عبارة عن مجموع ألفاظ موضوعة حاصلة من الأصوات، والأصوات كما هو مقرر عند أهل العلم والحكمة ليست إلا الكيفية الحاصلة من تموج الهواء المضغوط بين قارع ومقروع وليس ثمة كلام ثاني فلا يعقل الكلام النفساني. والمعاني قديمة عند أهل السنة والجماعة وهي عندهم من صفات الله تعالى ويعبرون عنها بالكلام القديم وعندهم حدوث الألفاظ لا ينافي قدم المعاني المعبر عنها بالكلام النفساني كما ان تبدل الأجسام وحدوثها لا ينافي بقاء الأرواح وثبوتها، إذ ليست هذه الألفاظ إلا دوالا على الكلمات النفسانية التي هي في الحقيقة عبارة عن الحقائق القديمة الثابتة لذات الله تعالى، وهذه هي الآيات الإلهية والكلمات السماوية كما أشير اليه في الآيات القرآنية. ويعرف كلام الخالق عن كلام المخلوق بعلامات وامارات. (العلامة الأولى) وهي أظهر العلامات وأعظمها أن ينسب ويعزى الى الله تعالى كما ورد في المصحف المجيد (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، فإنه ان كان كذباً ومختلقاً يزهق من نفسه ويبطل بذاته. وقد وعد الله تعالى في سابق حكمه وقديم أمره بإهلاك المتقوّل عليه وإبادة ما يعزى بغير إذنه اليه، فلا يبقى الباطل الزاهق ولا ينجح مقصد الكاذب المختلق. (والعلامة الثانية) أن يكون قاهراً لمن يقاومه وغالباً على من يغالبه ونافذاً في أذهان ما يخالفه. (والعلامة الثالثة) أن يكون مؤثراً في إيجاد الأمة وبقاء الشريعة ونفوذ الحكم وثبوت الكلمة. وهذه العلامة لا تعقل ولا تتبين إلا إذا كان الكلام مشتملا على الشريعة الحديثة والسنن والأحكام الجديدة، والا يعزى التشريع الى الرسول السابق والتأثير والنفوذ الى الكلمة القديمة، وقد تكفلت بيان العلامتين الأخيرتين هذه الآية الكريمة النازلة في الكتاب المبين (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)، ولكلام الله علامات أخرى من قبيل تأثيراته في الأمور الشخصية وبيان غوامض الآثار المودعة في الصحف السابقة السماوية ومزاياه الظاهرة اللفظية وغيرها مما يعرفه أهله ضربنا عن ذكرها صفحاً رعاية للاختصار لعدم الفرصة اللازمة للمسابقة في ذلك المضمار وفي ما قلناه كفاية لأهل الاستبصار.
(والقسم الثاني) الآيات الاقتراحية، وهي عبارة عن أمور غير ممكنة عادة تقترحها الأمة أو بعض منها على مدّعي مقام النبوة أو الرسالة ويعلقون تصديقهم له على اظهارها ويجربونه باقتراحها من قبيل انطاق الأحجار وطلب الأشجار وإجراء العيون والأنهار أو إحياء الموتى وقلب العصا بالأفعى وانفلاق البحر بالعصا وغيرها مما لا يعد ولا يحصى ولا يشبع منه ولا يروى. ومن خصائص الآيات الاقتراحية كما يستفاد من القرآن الشريف والانجيل المقدس أنها جالبة للهلاك موجبة للدمار لا تفيد اليقين والهداية لأهل الاستبصار ولا يطلبها ولا يقترحها إلا الفسقة والأشرار كما سنوضح أسبابها لأرباب النباهة والاعتبار. وفي القرون الوسطى أطلقوا لفظ المعجزة وخارق العادة على المعنى المستفاد من الآية مجازاً باعتبار أنها تعجز الخلق عن الاتيان بمثلها وتخرق العوائد التي تعودت الأمم على فعلها حتى صارت حقيقة ثانوية. ثم قسمها المتأخرون تقسيما آخر، فقالوا إذا صدر خارق من نفس قبل بعثتها للنبوة يسمى هذا الخارق إرهاصاً، واذا ظهر بعد البعثة مقارناً للتحدي والاحتجاج يسمى معجزة، ولا تعزى المعجزات الا الى الأنبياء، واذا صدر هذا الخارق عن إنسان بلا تحد وادعاء وتشريع واحتجاج يسمى كرامة وهي لا تعزى الا الى الأولياء، وإذا صدر الخارق من نفس خبيثة شيطانية يسمي سحراً واستدراجا، وهذا هو المروى عن السحرة القدماء، ومن عرف الحقائق يمكنه أن يعرف مقدار تفاهة هذه المصطلحات وبعد أصحابها عن معرفة حقائق الآيات والبينات، فتم فيهم قول الرحمن (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)، إلا أنه لا يجوز لأهل العلم أن يضايقوا القوم في مصطلحاتهم ويشاحنوهم في عباراتهم فقد قيل (لا مشاحة في المصطلحات) فلنترك القوم وآراءهم ونتكلم في مقدار دليلية المعجزات وحجية خوارق العادات.
ومن المعلوم أن الدليل والبرهان لابد أن يكون مرتبطاً مع المدلول والأمر المبرهن وإلا لا يعد برهاناً ودليلاً مهما كان مدهشاً وعجيباً. مثلا إذا ادعى أحد أنه طبيب عالم بفنون حفظ الصحة وعلاج الأمراض، واستدل على صحة دعواه بأنه يطير الى السماء، فطار، لا يدل بالضرورة طيرانه الى السماء على كونه طبيباً، وإن كان الطيران مدهشاً عجيباً، لأنه ليس من صفات الفعل ولا رابطة بينه وبين موضوع الطب، بل حفظ الصحة وإبراء المرضى عن الأمراض من صفات الفعل ودليل مرتبط على صحة الدعوى وصدق الادعاء. قال الاستاذ كرنيليوس فنديك الأمريكاني في الجزء الثامن من كتاب النقش في الحجر وهو في المنطق (وبما أن الانسان معرّض للخطأ في الأمور العقلية يوافقه أن يستعين بآلة قانونية تعصمه من الخطأ وترشده الى الصحيح حتى لا يحسب علة ما ليس بعلة ولا نتيجة ما ليس بنتيجة، ولا يبني على أساس فاسد ولا يعد برهاناً ما ليس ببرهان. قال الامام الغزالي: لو قال قائل أربعة أكثر من عشرة وأنا أبرهن ذلك بإحالة هذه العصا حيّة، ثم فعل ذلك وتحولت العصا حيّة، لكنت أندهش من حيلة العامل ولكني كنت أبقى على يقيني بأن أربعة أقل من عشرة الى آخر قوله. معناه أن لا تعلق بين البرهان والأمر المبرهن، وإذ ذاك فلا يعد برهانا. انتهى).
فإذا عرفت هذه المقدمة يمكن أن تفهم بغاية السهولة أنه لا ارتباط بين إدعاء الرسالة والقدرة على الأمور المستحيلة عادة إذ نفس إدعاء الرسالة لا تقتضي القدرة على الأشياء التي هي من صفات المرسل. مثلا إذا إدعى رجل أنه رسول من قبل السلطان لاجراء حكم او تبليغ أمر أو نهي، فنفس إدعاء الرسالة لا توجب ولا تقتضي أن يكون الرسول قادراً على أفعال السلطان ومتصفاً بأوصافه من قبيل القدرة على جرّ العساكر وفتح الحصون وقتل النفوس ونصب الوزراء وعزل الأمراء وأمثالها، بل لو كان الرسول قادراً على بعض تلك الأمور لا يظهره حين الاقتراح والطلب لعدم الارتباط والتعلق بنفس الادعاء. مثلا إذا ادعى أحد أنه والي مملكة بنجاب من ممالك الهند من قبل ملكة انكلترا، وعارضه قوم من الأهالي وطلبوا منه برهاناً على صحة دعواه هو بالضرورة يستدل بفرمان الملكة وكتابها الذي أعطته إثباتاً لمنصبه وحجة على ولايته. فلو فرضنا أن القوم ما أذعنوا لكتابه ولم يعتنوا بفرمانه بحجة أنه يمكن أن يكتبه كل نفس ويختلقه كل شخص وطلبوا منه آية من آيات الملوك أو فعلا من أفعال الأمراء من قبيل حبس نفوس وقتل أشخاص ونصب آحاد وعزل أفراد كما هو معهود من شؤون الولاة والأمراء ليذعنوا ببرهانه ويخضعوا لسلطانه، هو بالبداهة لا يتنازل إجابة مسؤلهم واسعاف مأمولهم ولا يستدل إلا بكتاب الملكة ولا يتمسك إلا بفرمان مالكة المملكة ولو كان قادراً على ما طلبوا منه من النصب والعزل والحبس والقتل، لأن لهذه الأمور أوقاتاً وأحوالا ومقتضيات ورجالا لا يمكنه أن يغيرها من قبله أو يبدل شيئاً منها من تلقاء نفسه. وهذا سرّ قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، فإنه ليس إرسال الرسل وتشريع الشرائع الدينية في عالم الروح إلا كإرسال الأمراء ونصب الولاة وتشريع الشرائع الوضعية المدنية في عالم الملك.
ومما قررناه يظهر جلياً أن قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، إنما هو تعليم الدليل العقلي والبرهان الواضح على أن ادعاء الرسالة لا تقتضي ولا تستلزم القدرة على أمور غير ممكنة في العادة فإن من يدّعي مثلاً أنه يعلم الغيب يرتبط امتحانه في معرفة غيب مخصوص بنفس المدّعى، لأن هذا الغيب المخصوص فرد من أفراد كلي معرفة الغيب الذي إدعاه المدّعي وبينهما رابطة الكلية والجزئية ووجوب صدق الكلي على أفراده. ومن يدّعي مثلا أن له قدرة على خزائن السموات والأرض، يرتبط امتحانه في إيجاد شيء مخصوص منها بنفس المدعى، لما قلناه أنه فرد من أفراد ذلك الكلي ولابد من انطباق الكلي على أفراده وصدقه عليها. وأما الرسالة فليست كلياً لتلك المقترحات وصورة منتزعة منها، فليس بينهما إذاً أدنى رابطة. فالمقصود من الآية المباركة ليس نفي القدرة بل نفي التعلق والرابطة بين إدعاء الرسالة والقدرة على ما هو فوق العادة. وكذلك الآية النازلة في سورة الإسراء، حيث قال جلّ وعلا (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، فإن ما أمر الله تعالى أن يقوله الرسول عليه السلام جواباً على مقترحات القوم ليس إلا تصريحاً على أن إدعاء الرسالة لا تقتضي القدرة على المقترحات المذكورة، أعني أن قوله عليه السلام (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) إنما ينفي الارتباط والتعلق بين الرسالة والقدرة على تلك المقترحات ولا ينفي القدرة عليها. إذ يمكن عقلا أن يكون الرسول قادراً على تلك الأمور ولكن إدعاء الرسالة لا توجب ولا تستلزم إظهارها، كما ان الوالي قادر على نصب نفوس وعزل آخرين ولكن لا ينصب ولا يعزل إثباتاً لولايته، بل حين ما يجيزه القانون وتقتضيه الأعمال والأوقات.
إذا تقرر هذا وثبت ارتباط الكتاب بادعاء الرسالة فنقول أن للآيات الكتابية أي الوحي السماوي مزايا ظاهرة على الآيات الاقتراحية التي عبروا عنها بالمعجزات أو العجائب بوجوه.
(المزية الأولى) أن الكتاب له دلالة أولية على صدق الدعوى لما أودع فيه من الهداية التي بسببها أرسل الرسل وبعث الأنبياء وهي من صفات الفعل بخلاف سائر المعجزات فإنها إما منذرة الى الهلاك إذا صدرت بعد الاقتراح وإما تدل دلالة ثانوية تأييدية إذا صدرت بلا اقتراح بسبب أنها ليست من صفات الفعل ولا رابطة بينها وبين النبوة والرسالة كما سبق ذكره مبسوطا. قال القاضي العلامة محمد بن احمد بن رشد الأندلسي في كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بعدما بسط الكلام في هذه المسألة {ولما كان هذا كله إنما فضل فيه صلى الله عليه وسلم لأنه فضلهم في الوحي الذي به استحق النبي اسم النبوة قال عليه السلام منبهاً على هذا المعنى الذي خصه الله به. "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما على مثله آمن جميع البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة"، وإذا كان هذا كله كما وصفنا، فقد تبين لك ان دلالة القرآن على نبوته صلى الله عليه وسلم ليست مثل دلالة انقلاب العصا حيّة على نبوة موسى عليه السلام ولا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص على نبوة عيسى عليه السلام فإن تلك وإن كانت أفعالا لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء وهي مقنعة عند الجمهور فليست تدل دلالة قطعية إذا انفردت لأنها ليست من أفعال الصفة التي سمي بها النبي نبياً، وأما القرآن فدلالته على هذه الصفة مثل الإبراء على الطب}. (الى آخر كلامه). والى هذه النكتة التي غفل عنها الأكثرون أشيرت في الآية الكريمة النازلة في سورة العنكبوت وهي قوله تعالى (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فهذه الآية تدل دلالة واضحة صريحة على مطالب مما ذكرناه في هذه المقالة، (الأول) أن سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ما استدل على اثبات صحة رسالته بالمعجزات حتى كان القوم ينادون على رؤوس الأشهاد لو أن محمداً هو نبي حق ورسول صادق، لِمَ لمْ يعطه الله معجزات. (والثاني) إن إظهار المعجزات إنما هو من شؤون الله تعالى. وفحواه أنه ليس من شؤون الأنبياء عليهم السلام، إذ ليس شأن النبي إلا الإنذار. (الثالث) أن الكتاب دليل كاف وبرهان واف على صحة دعواه وصدق قوله. ثم علل ذلك بأن في الكتاب وحده أودع الله الرحمة والهداية والذكرى والوعظة التي بسببها أرسل الرسل وشرعت الشرائع. بل ولها وضعت المعارف وأنشات المدارس إذ هي مرقاة المدنية وسلم الصعود الى مدارج الانسانية وقوادم العقل للطيران الى العوالم الرحيبة الروحانية.
(والمزية الثانية) أن الكتاب من الآثار الباقية الخالدة بخلاف سائر المعجزات وخصوصاً المقترحات فإنها من الآثار الزائلة البائدة.
(والمزية الثالثة) أن الكتاب سهل التناول يمكن أن يرسل الى كل البلاد ليراه كل طالب ويتناوله كل قاصد، بخلاف سائر المعجزات فإنها تختص بالحاضرين دون الغائبين. ولهذين السببين الأخيرين أي البقاء وسهولة التناول سمي الكتاب بالحجة البالغة، لأنه يمكن أن يرسل الى أقصى المعمورة ويبقى الى انقضاء الدورة. فهب ان عيسى عليه السلام أحيى ميتاً أو أبرأ أبرصاً وأنطق أخرساً، وان سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شق القمر وانطق الحجر وأطاعه النجم والشجر، أين هذه الأمور من الانجيل والقرآن وما أودع الله فيهما من النور والبرهان؟ فإن الكتاب يقرؤ في كل ناد ويشاهد في كل قطر ويراه كل رآء ويسمعه كل سامع ويتعظ به كل مستعد ويستفيد منه كل مستفيد لتبلغ الحجة وتكمل البيّنة الى أن ينقضي الأجل المسمى وتبلغ الحقائق الى الغاية القصوى وتستعد للظهور في النشأة الأخرى.
(والمزية الرابعة) أن العلم والكتاب إنما هو أشرف الأشياء ليكون حجة أشرف الخلق. وهذه المسألة من المسائل الضرورية بل هي فطرية غريزية لا تحتاج الى مزيد بيان أو إقامة برهان إذ ليس شرف وراء العلم والعرفان. ومن المعلوم أن شرف الانسان بالعلم ومستودع العلم هو الكتاب وهذا معنى قوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، وقوله تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، والى هذا أشير فيما جاء في أول كتاب الحجة من كتاب الكافي عن أبي عبد الله جعفر ابن محمد أحد أئمة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما سأله زنديق بم أثبت الأنبياء؟ فقال: لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشرونه ويحاجهم ويحاجونه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه الى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز وهم الأنبياء وصفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم مؤيدين عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته. (الى آخر كلامه). وفي هذه المقالة الشريفة ملامح الولاية وصبغة وراثة النبوة والرسالة حيث خصص امتياز سفراء الله عن سائر الخلق بالعلم والحكمة من دون إشارة الى ما عند القوم من دلائل المعجزات وخوارق العادات.
(والمزية الخامسة) أن خاصية طلب المعجزات واقتراح الآيات ضد خاصية ارسال الرسل وبعث الأنبياء بالخط المستقيم. لأن الفائدة الكبرى والسبب الأعظم لارسال الرسل وتشريع الشرائع إنما هي أولا ابتلاء العباد وتمحيص الأفئدة وتخليص القلوب لتمييز الخبيث من الطيب والفاجر من البار والكافر من المؤمن والشاك من الموقن ولتحقق الكينونات وبروز الحيثيات. فإن أراضي القلوب وأشجار الكينونات قبل ظهور الأنبياء ونزول الآيات ساكنة هادئة ساكتة هامدة، فإذا أنزل الله ماء الوحي وهطلت من غمام الألطاف أمطار الآيات اهتزت كل أرض وربت وأنبتت وبسقت كل شجرة وأورقت وأزهرت، فتظهر الحقائق المكنونة وتبرز الآثار المخبوأة، فيعلم الجيد من الردي والصالح من الفاسد والطيب من الخبيث، وهكذا يتم التمحيص ويتحقق التخليص كما وُعدنا في الصحف الأولى بغاية التصريح والتنصيص. وأما اقتراح الآيات على الأنبياء وطلب المعجزات منهم، إنما هو عبارة عن امتحان نفس الأنبياء وتجريبهم، بل هو عين ابتلائهم وتخليصهم، وهو كما قلنا ضد فائدة ارسال الرسل ونقيض خاصية بعث الأنبياء، بل هو عين التكبر على الله والمكاشفة لارادته والمضادة لمشيئته والمعاكسة لحكمته. وهذا كما قلنا آنفاً ينذر الى الهلاك والدمار ويوجب الذلة والبوار. فتذكر قوله تعالى (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)، وهذا هو المقصود مما ورد في التوراة المقدس (لا تجرّب الرب)، وهذا هو المراد مما جاء في الانجيل الشريف (ان الجيل الفاسق الشرير يطلب الآيات). ومن تصفح أحوال طبقات الناس أوان ظهور الأنبياء وبدء النشأة الدينية، يرى أن الطبقة العليا من المؤمنين كتلامذة عيسى عليه السلام وأصحاب سيدنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ما جربوا مظاهر أمر الله وما اقترحوا عليهم آية، بل أذعنوا لظهور سلطانهم وسطوع برهانهم أو بتلاوة آياتهم ونفوذ كلماتهم، فآمنوا وأيقنوا وما شكّوا ولا ارتابوا، فقاموا بهذه القوة التي ليست وراءها قوة على نصرة دين الله ونشر أمره وإنفاذ كلمته وإعلاء ذكره، فأخرجوا أمما من الظلمات الى النور وأدخلوا أقواما من الشرك الى التوحيد وهدوا شعوبا من عبادة الأوثان الى عبادة الرحمن، فأبقوا آثاراً باهرة وأعمالا ظاهرة مما لا يشك فيه بصير ولا يرتاب فيه خبير. وأما الذين طلبوا المعجزات واقترحوا الآيات وجربوا رسلهم بالخرافات، جُربوا قبل أن يجرّبوا وامتُحنوا حينما أرادوا أن يمتحنوا، فما آمنوا ولا أذعنوا، بل تمادوا بكفرهم وعموا في غيّهم، فهلكوا فيمن هلك من الغابرين وبقيت قصصهم مثلا وعبرة للآخرين.
هذه هي بعض مآثر الكتاب ووجوه رجحانه على سائر المعجزات من المقترحات وغير المقترحات. تلوناها عليك بمقدار ما أفاض علينا ربنا من غمام فضله وانعم به علينا من بحار علمه، ومنها يعلم سبب امتناع سيدنا عيسى عليه السلام عن إجابة اليهود حينما اقترحوا عليه الآيات وطلبوا منه المعجزات، كما نقلناه عن الاصحاح الثاني عشر والسادس عشر من إنجيل متى، وأمثاله كثيرة في مواضيع أخرى. وأما القرآن الشريف ففيه من الآيات الصريحة في الامتناع عن إظهار المعجزات ووخامة عواقب اقتراح الآيات ما لا يمكن الإتيان بجميعها في هذه الوجيزة، فنتلوا بعضاً منها على أرباب الأذواق السليمة وأصحاب الآذان الواعية والقلوب الفهيمة، لعلهم يعرفون معنى البيّنات وينتبهون الى خطارة اقتراح المعجزات ووخامة عواقب طلب الآيات. منها قوله تبارك وتعالى في سورة الإسراء (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا). ومن تدبر في هذه الآية الكريمة يرى أن فيها تصريحاً غير قابل للتأويل أن الله تعالى أبى وأمتنع أن يظهر المعجزات بسبب أن الأولين كذبوا بها وأنكروا معجزات الأنبياء فأهلكهم الله تعالى بتكذيبهم وإبادتهم بإنكارهم كما أن ثمود ظلمت بالناقة وكفرت بهذه الآية فأهلكت وأعدمت. ثم علل هذه النكتة بان الله تعالى لا يرسل بالآيات إلا إنذاراً بالهلاك واشعاراً بالدمار، ويشعر بهذه النكتة أيضا قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ)، ومن المعلوم أن ما يستعجله كفار مكة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنما هو أن يظهر لهم آية كما هو الشأن عند ظهور كل نبيّ أو رسول أو داع الى الله، فإنه لم يظهر رسول إلا وأول ما يقترحه الناس عليه هو إظهار معجزة من غير أن يلتفتوا الى دليليتها وعدم دليليتها، فإذا أبى الرسول إجابة مسؤلهم، يصرون على الطلب ويظهرون اللجاج في الاقتراح، كما يدلك عليه قوله تعالى في سورة الأنعام (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ). فإن أكابر العرب، لما ظهر النبي عليه السلام وجرى بينه وبينهم من المناظرات ما يعرفه الخواص والعوام، كانوا يحلفون أشد الحلف ويقسمون بأعظم الايمان ويقولون والله الحي القديم وبالله الحق العظيم، لو أظهر محمد آية، أي معجزة، لنؤمنن به، وكرروا الحلف وأصروا على اليمين. فأجابهم الله تعالى بأن الآيات عند الله، يعني أنه تعالى قادر على إظهار المعجزات، إلا أنه لو أظهر معجزة لا يؤمنون بها، لأنه تعالى يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويتركهم في حال العمه والترديد مثل حالهم قبل صدور المعجزة المطلوبة فيمتنعون عن الايمان والاذعان كامتناعهم قبل ظهور البرهان. وسبب ذلك ما قلنا أن المعجزات لا دلالة لها ذاتاً على الرسالة والنبوة ولا رابطة بين ادعاء النبوة والقدرة على ما هو خارج عن الامكان في العادة. إلا أن الناس بأجمعهم إلا قليلا ممن أيقظ الله فؤاده بروح النباهة وأوقد في مشكوة قلبه مصباح اليقظة كانوا غافلين عن هذه النكتة جاهلين بعدم الارتباط بين الرسالة والقدرة على إظهار المعجزة، غريقين في بحار الأوهام الموروثة عن الجاهلية القديمة. ولذا كانوا يقترحون المعجزات على رسلهم بلا تروّ ولا تأمل أولا ، فلو فرض ان النبي أجاب مسؤولهم وأظهر لهم الآية المطلوبة والمعجزة المقترحة ينتبهون بفطرتهم الى عدم الدلالة وفقدان الرابطة فينكرونها ويكذبون بها ويحملونها أما على السحر والشعوذة او غيرها من الأمور الموهومة الباطلة فيتحتم حينئذ عليهم الهلاك وينزل عليهم العذاب لما نقضوا من ايمانهم وحنثوا في حلفنهم ونكثوا من عهودهم كما أخبرنا عن الأمم الغابرة الجاحدة والملل الداثرة البائدة. وهذا معنى ما علل الله تعالى عدم ايمانهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، أي تبديل أفكارهم وأنظارهم وتغيير مجاري ادراكهم وأشعارهم. فإذا قلب الله تعالى أفئدتهم وأبصارهم الى الالتفات بعدم الدلالة لفقدان الرابطة بقوا ولا شك في حالتهم الأولى من الشك والترديد، إذ ليس الايمان إلا اطمئنان القلوب، ولا يطمئن القلب إلا بالبرهان المرتبط، ولا ارتباط بين الرسالة وما كانوا يطلبون، فصح أن الله تعالى يذرهم في طغيانهم يعمهون أي يترددون. ثم أن الله تعالى أخبر رسوله الكريم عليه السلام، أنه لو أظهر المعجزات الهائلة والآيات الكبيرة الخطيرة من قبيل نزول الملائكة الى هؤلاء وقيام الموتى وتكلمهم مع الأحياء وحشر كل شيء ظاهراً عيانا على تلك الأمة العمياء، لا يؤمن الكفار بها، أي لا تؤثر هذه المعجزات في هدايتهم ولا تنجيهم من ضلالتهم، لأن الهداية موقوفة بإرادة الله تعالى ومشيئته وموكولة الى إذنه وقدرته، لا الى ظهور تلك الآيات ورؤية شيء من المقترحات، وسببه ظاهر عند أهل البصارة، لأن الهداية والضلالة تابعتان لما أكسبته القلوب في النشأة الأولى والديانة السابقة من الرقة والقسوة والنور والظلمة والنقاوة والكدورة لما قررناه أن الديانات بأجمعها شرعت بإذن الله وأنشأت وحفظت وبقيت الى أمد معلوم وأجل مسمى بكلمته، وكلها طرق للوصول الى الغاية القصوى وأبواب للدخول في الجنة العليا، فالتخطي عنها بالضرورة يوجب الضلالة والسلوك فيها يوصل الى الهداية، فلا تجزى نفس إلا بما اكتسبت يداها في طيّ هذا البرزخ البعيد والأمد المديد، وما ربك بظلام للعبيد. ومنها قوله تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، هذه الآيات الكريمة نزلت حينما كانت الأحزان أحاطت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واشتدت به الأحوال وضاقت عليه المذاهب من كثرة ما اقترحوا عليه من المعجزات وكذبوا واستهانوا بالآيات حتى كانوا ينسبون آيات القرآن الى الشعر والإفتراء وأساطير الأمم الأولى وحتى غلا بعضهم في التثريب وبالغ في التكذيب وقال ودعا (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، مشعراً بأنه قاطع مستيقن في تكذيبه غير شاكٍ وغير مريب في إنكاره. فأنزل الله تعالى هذه الآيات تسلية لنبيه عليه السلام مشعرة بأنه جلّ وعلا يعلم مقدار ما أحاطت به من الأحزان واستولت عليه من الاشجان، ونبأه بأن هؤلاء الظالمين لا يكذبون رسول الله، بل هم في الحقيقة يجحدون بآيات الله مشيراً الى ان تكذيب الرسول كأنه ليس بشيء في مقابل جحود الآيات ومعارضة الكتاب، وفيها من شديد التهديد ومخيف الوعيد ما لا يخفى على ذي النظر الثاقب والبصر الحديد، فإنه ما من جبار أنكر الكتاب واستهان بالآيات وجاحد بالبينات إلا وقصم الله ظهره وفلّ حده وكسّر أنيابه وأذل أعقابه فقطع دابره وأهلك ناصره حتى يضرب به الأمثال ويعتبر به في القرون والأجيال. ثم ذكّر نبيه عليه السلام بمن مضى من كبار الأنبياء وسبقه من البررة الأصفياء بانهم كذّبوا وأوذوا قبله فصبروا على مضض البلاء وتحملوا شدائد الابتلاء حتى أتاهم نصر الله وغلبوا على أعداء الله، فلابد له أن يصبر كما صبروا ويتحمل الأذى كما تحملوا، لأن كلمة الله لا تتبدل وسنته في كيفية ارسال الرسل وتشريع الشرائع لا تتغير. ولقد أخبره الله تعالى بقصص الأولين وحكايات السابقين ليكون على بصيرة من أمره وواثقاً بربه ومتيقناً بغلبته ونصره. ثم خرج من مقام التسلية والتعزية الى مقام التشديد والتنديد، فقال جل ذكره وجلّت عظمته ما معناه أنه لو صعب عليك الصبر على تكذيب الكفار واستهزاء الأشرار فاطلب ان استطعت نقباً في الأرض او سلماً في السماء لعلك تظفر بمعجزة وتأتيهم بآية ليسكتوا عن تكذيبك ويكفوا عن مخاصمتك. ثم نبه رسوله الكريم بأن الله تعالى لو شاء ليمكنه أن يجمعهم على الهدى ويهديهم جميعاً الى شريعته المثلى. أليس الذي هدى وجهاء العرب وزعماء القبائل الى محجة الايمان وموهبة الاذعان مع ما هم معروفون به من شدة العصبية والأنفة العربية والنخوة البدوية والصلابة الجاهلية قادراً على هداية الجميع. أليس الذي بدّل عداوة الأوس والخزرج بالاخوة الدينية والمحبة الروحانية بعدما أهرق بينهم من الدماء ورسخت فيهم العداوة والبغضاء قادراً على جمع كلمة العرب على الايمان وترك الخصومة والعدوان. ولكن لو فعل لبطل حكم التمحيص والتخليص ولا يفرق بين الطيب والخبيث ولضاعت فوائد الامتحان والابتلاء وخفيت حقائق الأشياء. وخلاصة القول أنه لو تدبر بصير فيما أودع الله تعالى في هذه الآيات المذكورة من التسلية والتعزية والحث على الصبر والتذكر بما وقع في الأمم الماضية والملل السابقة ثم التوبيخ والتنديد في حب إظهار المعجزة لكفاه علماً بمواقع الآيات ونتائج طلب المعجزات كما هو معلوم عند أولي الألباب ومن عنده علم الكتاب.
ومنها قوله تعالى في سورة البقرة (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ). يعني قال الذين لا يعلمون معنى الدليل والبرهان ولا يعرفون نتائج طلب المعجزات وتأثير المقترحات لو كان محمد رسولا من الله لم لا يكلمنا الله تعالى كما كلم بني اسرائيل في أيام موسى أو يظهر معجزة كما أظهرها السابقون من الأنبياء، فأجابهم الله تعالى بأن هذا القول شبيه بما قاله الكفار من قبل رداً على الأنبياء وجحداً لرسالتهم. ومماثلة أقوالهم دليل على تشابه قلوبهم. فإن الأقوال تنبعث من القلوب وكما قال عيسى عليه السلام من الأثمار تعرف الأشجار، فإذا كان اقتراح المعجزات من السابقين دليلاً وموجباً للتكذيب والإنكار وجالباً للهلاك والدمار، كذلك سيكون في اللاحقين الى أن ترجع الحقائق الأولى في يوم الدين يوم يقوم الناس لرب العالمين، كما أشير اليه في قوله تعالى (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ).
ومنها قوله تعالى في سورة آل عمران (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وتحرير الخبر أن اليهود قابلوا سيدنا النبي عليه السلام وقالوا كانت سنة الله تعالى في تمييز الحق عن الباطل أنه إذا إدعى نبي أنه رسول من الله وعارضه قوم، كانا يقربان قرباناً الى الله تعالى فتنزل نار من السماء وتأكل قربان النبي الصادق لتكون علامة له وحجة على خصمه، إشارة الى ما وقع بين هابيل وقابيل إبني آدم وبين إيليا النبي أي الياس عليه السلام والأنبياء الوثنيين في زمان أحاب ملك اسرائيل، كما هو مذكور في الفصل الثامن عشر من كتاب الملوك الأول من كتب العهد العتيق. فطلب اليهود من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يظهر لهم معجزة ليروها ويؤمنوا به. ولكن الله تعالى أمر النبي عليه السلام أن يجيبهم ويرد عليهم بأن الأنبياء والمرسلين جاؤا من قبل بالبينات وبهذه المعجزة المطلوبة فلِمَ قتلوهم وكذبوهم إن كانوا صادقين في قولهم أنهم يؤمنون به بعد ما أظهر لهم هذه المعجزة ويصدقونه بظهور تلك الآية. إلا أن اليهود دهشوا من هذا الجواب وتحيروا في توجيه هذا الخطاب لأن السامريين أنكروا إلياس النبي عليه السلام لا اليهود، واليهود الذين طلبوا تلك المعجزة من النبي عليه السلام لم يكونوا موجودين في زمان الياس حتى يؤخذوا بجريرتهم ويؤآخذوا بإنكارهم وتكذيبهم، لأن إلياس كان قبل النبي عليه السلام بأكثر من ألف وخمسمائة عام، فلا يصح ولا ينطبق عليهم توجيه هذا الملام. فلما أخطؤا المرمى وجهلوا المعنى، حسروا لثام الإنكار والتكذيب وأبدوا صفحة الاستكبار والتثريب جهلا منهم بكيفية الخلقة والانشاء وغفلة عن الحقائق المقصودة من الموت والحياة والقيامة والرجعة. فتم فيهم قوله تعالى في محكم تنزيله (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ). ومنها قوله تعالى في سورة القصص (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، ومنها قوله تعالى في سورة الرعد (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). الى كثير من أمثال هذه الآيات الصريحة والبيانات الواضحة الدالة على أن الله تعالى أبى عن إظهار المعجزات حين اقتراح المكابرين واحتجاج المجرّبين ولا يرى في الانجيل المقدس ولا في القرآن العظيم أدنى استدلال بالمعجزات وأقل إشارة في إجابة طلب المقترحات وليس ذلك إلا لعدم التعلق والرابطة وفقدان التأثير والفائدة وجهل الناس بمواضع الدليل والحجة. فظهر مما ذكرناه وفصلناه وأطلنا الكلام فيه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استدل على صدق إدعائه بالكتاب لما جعل الله فيه من النور والهداية والرحمة وأبى عن إظهار المعجزات المقترحة لما فيها من الهلاك والضلالة والنقمة. فينتج مما تقدم أن ما روي من المعجزات في السير والأخبار إن لم يكن فيها منافاة مع صريح القرآن يمكن أن يعتمد عليها وتتخذ من الأدلة التأييدية والبراهين الثانوية وإن وجدت فيها مخالفة مع صريح القرآن والانجيل فلا صحة فيها ولا يستدل بها. وليست في فهم هذه المسألة صعوبة وإشكال إن لم تكن في القلوب أكنة وأقفال. والقاعدة الكلية المعتبرة عند أهل العلم والحكمة هي أن من المعجزات ما يرجع الى كلية الروح المقدس واحاطتها وقوتها فهي حق لا ريب فيها كما ثبت لدينا من السابقين ورأينا وشاهدناه من اللاحقين. وما سواها فأباطيل وأضاليل وأوهام وأحلام برقها خلب وغمامها جهام. هذا ما بدا لنا من حجية المعجزات وقد بسطنا القول فيها بالدليل العقلي المنطبق على الكتاب الإلهي مما فيه كفاية لطلاب الهداية وغنية لأرباب الدراية.
فلنتكلم في مسألة سبب حجية الكتاب وإعجاز الوحي السماوي فإنها أيضا من المسائل التي كثرت فيها الأقوال وتشعبت فيها الآراء وانتهت الى الجدال بين العلماء، فالتبس الأمر عليهم وضاعت الحقيقة من بينهم لبعدهم عن معين الحياة واكتفائهم بالملح الأجاج عن العذب الفرات.
فاعلم أيها السيد السند سقاك الله من الرحيق الطهور وقربك الى مطلع النور ومشرق الظهور، إنه لا كلام ولا نزاع بين الأمم في حجية الكلام الإلهي والوحي السماوي وإنما النزاع والكلام في العلامة التي بها يعرف كلام الخالق عن كلام المخلوق ويفرق بها بين الوحيّ الإلهي والخواطر البشرية، ونحن وإن أشرنا اليها آنفاً بما يكفي لانتباه أولي البصائر، إلا أنه بسبب إجماله واختصاره لا يفي غالباً بالمرام بما تراكم على أفئدة الطلبة من صدأ الأوهام واستهوتها ملفقات العقائد وزخارف الكلام. فنكتب آراء الأمم أولا في هذه المسألة ثم نتبعها بما هو رأينا فيها ونترك الحكم لأصحاب الأذواق السليمة والأفكار المستقيمة متوكلين على الله ربنا ورب العالمين ومقصودنا ومقصود من في السموات والأرضين. أما الأمة الانجيلية من الأمم النصرانية كما بينه وقرره القس الفاضل فاندر النمساوي في كتاب ميزان الحق وغيره في غيره تعتقد أن كل كلام اسكت اقتضاء الروح في طلب النجاة فهو الكلام الإلهي والوحي السماوي. إذ لا شك أن الروح بطبيعتها مقتضية وطالبة للوصول الى الطمأنينة بالنجاة الحقيقية والحيوة الأبدية واللذة الدائمية. فإذا وجد كلام اطمأنت به الروح في الوصول الى هذه الدرجة المطلوبة والغاية المرغوبة، فلا يبقى فيه شك أنه كلام الله، وهذه العلامة مخصوصة بالانجيل المقدس دون كتب سائر الملل مثل كتب الأمة الاسلامية والأمة البوذية والأمة البرهمية وغيرها. هذه هي خلاصة تقريرهم في معرفة كلام الله وتمييزه عن كلام البشر. إلا أن العالم النبيه يلتفت ويدرك أن هذه العلامة ليست علامة ظاهرة يفحم بها المكابر ويقطع بها حجة المجادل، بل هي عين الدعوى وموضع المسألة، إذ كل أمة وخصوصاً علماءهم يدعون ويعتقدون أن هذه الفائدة مخصوصة بكتابهم دون غيره. أليس القرآن الشريف يصرح وينادي (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). أليست الأمة البوذية تعتقد بكتاب كنفوشيوس مؤسس دينهم وشارع قوانينهم بأنه هو سبب النجاة ومأخذ الحياة وموجب لاطمئنان القلوب وسبب لانشراح الصدور. أليست الأمة البرهمية تعتقد بكتاب بيّد والأمة الفارسية بكتاب أوستاوزند بمثل ما تعتقد الأمم النصرانية بالانجيل واليهود بالتوراة بل وكثيراً ما انجذبت وتنجذب قلوب الأمم واطمأنت وتطمئن بكتب دون الكتب السماوية في ديانتهم كانجذاب الصوفية بكتب مشايخهم والدروز والغلاة بكلمات أكابرهم. فما هو الفارق إذاً بين هذه الدعاوى الطائلة، وما هو المرجح بين تلك الكتب المتباينة؟ فثبت أن هذه العلامة التي قررها ذلك الفاضل ليست من العلامات الظاهرة والفروق الواضحة.
وأما علماء الاسلام فبعد ما رأوا أن في القرآن الشريف تصريحات بأنه هو الحجة الإلهية والآية السماوية ولا يمكن لأحد إلا الله تعالى أن يأتي بسورة من مثله ولا يأتي الباطل بين يديه ولا من خلفه. فاختلفوا في سبب هذا الامتناع وعلة هذا الاعجاز، إذ من المعلوم أن مجرد تصنيف كتاب أو تلفيق عبارات ولو كان المصنف أمياً، لا يعد معجزة ولا يتخذ برهانا، فذهب بعضهم أن نفس سياق الآيات القرآنية وسبكها معجزة لا يمكن لأحد أن يرتب كلمات بهذا السبك المخصوص أو يسبك المعاني في قوالب الألفاظ بهذا الترتيب المعين. وقال بعضهم ان اشتمال القرآن على الأخبار بالأمور الآتية هو سبب اعجازه كاخباره عن غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، يعني قبل اكمال عشر سنوات من نزول الآية وكثير من أمثاله مما لا يمكن أن تدركه العقول البشرية قبل وقوعه أو تبلغ اليه أفكار الناس قبل حصوله. وبطلان هذين القولين وضعف الاحتجاج بهما لا يحتاج الى مزيد تكلف وما اعتبرهما أكثر العلماء شيئاً في مقام الاحتجاج. إذ من المعلوم أن نفس سوق الألفاظ والكلمات بهذا السياق ليست من الأمور المستحيلة عادة مهما كان سبكها وترتيبها، وكذلك القول في الثاني فإن الآية حجة بنفسها قبل أن تتحقق الأخبار المندرجة فيها. ولو كان الايمان موقوفا بتحقق ما أخبر به في الآيات، لكان الناس معذورين في بقائهم على الكفر والانكار الى زمان تحقق الخبر، وهذا أمر ظاهر البطلان ولا تستقيم به الأديان.
نعم لا شك أن في القرآن المجيد وسائر الكتب المقدسة السماوية كثير من الأخبار عن الأمور الآتية مما تهم الأمم معرفته ويرتبط به نجاتهم وهلاكهم كمجيء الساعة التي عبرت عنها في كتب الله تعالى بأسماء عظيمة وأوصاف شتى من قبيل يوم الله ويوم الرب ويوم القيامة ويوم الحسرة ويوم التلاق وأمثالها مما فسرته الأحاديث النبوية بيوم ظهور المهدي وقيام روح الله. حتى جاء في الكتاب الكريم ذكر جميع حوادث هذا اليوم الفخيم ومجيء النبأ العظيم بجزئياته وكلياته وإشراطه وعلاماته ومطلعه وميقاته كما عرفه أهله وأدركه حملته. ولا شك أن الاحاطة بعلم تلك الأمور العظيمة المزمعة أن يلدها عالم الكون والأخبار عنها مؤرخاً معيناً مشروحاً مفصلاً من أعظم العجائب وأكبر العظائم التي لا ينكرها إلا الجاهل المكابر أو المجادل المتعنت. فيمكن والحالة هذه أن يعتبره العاقل من هذه الجهة معجزة كبيرة وآية عظيمة. والى هذه النكتة أشار من خصه الله بأفضل الرغائب وأعظم المواهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في كثير من خطبه البليغة وكلماته النفيسة. منها ما أورده ابن عبد ربه في العقد الفريد رواية عن الحارث الأعور الهمداني، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل. هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الردّ ولا تنقضي عجائبه هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين والذكر العظيم والصراط المستقيم، خذها إليك يا أعور. (انتهى). فثبت مما قلنا ان في القرآن الشريف من الأخبار عن الأمور الآتية ما لا يمكن أن تدركه العقول البشرية قبل وقوعها، إلا أن موهبة فهم تلك الدقائق وإدراك هذه الحقائق من بطون آيات الكتاب ليست من المواهب العامة والمطالب المكشوفة الظاهرة حتى تدركها كل نفس ويفهمها كل شخص فتتم الحجة على الكل وتكمل البينة على الجميع ويصير القرآن من هذه الجهة حجة بالغة ومعجزة دامغة. كيف لا وفي نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها أي معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا في اليوم الأخير. يعني يوم قيام روح الله ومجيء مظهر أمر الله وإشراق آفاق الأرض مشارقها ومغاربها ببهاء وجه الله. وقبل مجيء ذلك اليوم الرهيب العظيم وقيام الرب القديم فالحقائق الأصلية المقصودة من البشارات مستورة مختومة بختم الله والأبواب دون فهمها مسدودة مردودة بقدرة الله. ولذلك جاءت تفاسير العلماء من لدن نزول التوراة الى نزول البيان تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة محرّفة مفسدة. وقد أشار الرسول عليه السلام الى هذه الحقيقة في الحديث المشهور حيث قال: سيأتي زمان على أمتي لا يبقى عندهم من الاسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه يدعون الايمان وهم أبعد الناس عنه مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى فقهاء ذلك الزمان أشرّ فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة واليهم تعود. وهذا الحديث الشريف صريح في اختلال التفاسير وبعدها عن الحقيقة، إذ لو كان التفاسير الموجودة عندنا على كثرتها على شيء من الحقيقة لما يتم قوله عليه السلام (ولا من القرآن إلا رسمه)، ولقد أعجبتني في هذا المعنى خطبة من خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المندرجة في نهج البلاغة نأتي بها تذكرة لأصحاب الضمائر المطهرة والبصائر المنورة فإنها على وجازتها بلغت في حسن البيان والانطباق على الحديث والقرآن وما عليه الأمة الاسلامية في هذا الزمان مبلغاً ليس وراءه بعد كلام الله ورسوله مطلع لناظر ولا مرتقى لخاطر وهي هذه حيث قال في أثناء خطابته. وأنه سيأتي عليكم زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبوَر من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه ولا في البلاد شيء أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته فالكتاب وأهله يومئذ طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤوٍ فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ومعهم لأن الضلالة لا توافق الهدى وان اجتمعا فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم فلم يبق عندهم إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مُثله وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم حتى نزل بهم الموعود الذي تردّ عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة. (انتهى). والمراد بالموعود في الخطبة الشريفة هو من وعد الله تعالى كل أمة أن يظهره في آخر أجلها وانقضاء أمدها كالمهدي في الأمة الاسلامية والمسيح في الأمة الموسوية وقيام الروح لجميع الأمم حيث تنتهي الآجال وتنقضي الأيام في يوم ينزل الرب في ظلل من الغمام لا كما فسره بعض الشراح بالموت، فإن موت الأشخاص ليس سبب هلاك الأمم ولا يختص بأمة دون أمة ولا بنفس دون نفس ولا يغلق باب التوبة على أمة بأسرها بهلاك أفرادها بالموت العادي بل يغلق باب التوبة على أمة بأسرها حين ظهور الموعود وانقضاء الأجل المحدود كما أشير اليه في الحديث المشهور: لا يغلق باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
وخلاصة القول أنه إذا تدبر وتعمق الانسان النبيه فيما أخبر به كل رسول في كتابه عن مجاري حالات أمته وكيفية أدوارها وصعودها وهبوطها الى انقضائها وسقوطها يعرف بعد التفاسير الموجودة عندها عن حقيقة مقاصد كتابها كما صرحت به الأحاديث والآثار النبوية في حالات الأمة الاسلامية وكررته وشرحته الخطبة العلوية فلا يبقى شك عند من لا يريد أن يغرر بنفسه أن تلك التفاسير على ضخامتها وتطويلاتها وشقوقها وتفننها في أساليب البيان بعيدة عن المقاصد الأصلية زائغة عن الحقائق المودعة في الكتب الإلهية مبعدة الأمم عن الموهبة الأخيرة الكبرى والمنحة الجليلة الخطيرة العظمى التي صرح ونادى بها الأنبياء في البشارات النبوية وتضمنتها وحفظتها جميع الصحف القديمة السماوية ويكفي في اثبات شدة غموض تلك المعاني أي الأخبار الواردة عن الأمور الآتية أنه مع اشتمال الكتب على جميع جزئياتها وكلياتها وميعادها وميقاتها، أنكرتها الأمم وجهلها أهل العالم إلا من خصهم الله بنور اليقظة وأيقظهم بروح النباهة وهم قليلون معدودون بل كما قال الامام هم متروكون مطرودون. وأما الأكثرون فجهلوا معانيها حتى ظنوا أن القيامة غير يوم قيام روح الله والساعة غير ساعة مجيء مظهر أمر الله، فخلقت أوهامهم وظنونهم في معنى هذا اليوم العظيم أموراً مستحيلة مجهولة وحوادث عجيبة غير معقولة فكتبوا في تفاسيرهم في معاني الصراط والميزان والحساب والكتاب والحشر والنشر وأمثالها ما يتحير منه العالم اللبيب ويدهش منه النبيه الأريب. وناهيك في بعدهم وغفلتهم عن حقائق الكتاب أن ابن خلدون المغربي شك في صحة أخبار ظهور المهدي الموعود وظن أن خبر ظهوره متروك في القرآن وما نزلت به آية من آي الفرقان. وكفى ذلك جهلا منه بمعنى القيامة وحقيقة الرجعة والمقصود من الساعة(1)، والمفهوم من الطامة والمستفاد من الراجفة وما يتبعها من الرادفة فان كل تلك المفاهيم العظيمة حقائق فسرتها الأحاديث النبوية بظهور المهدي ثم قيام روح الله وتجديد العالم وانقضاء آجال الأمم واشراق الأرض بنور الرب الكريم وخشوع الأصوات لدى ارتفاع ندائه العظيم. ومن مضحكات العجائب بل من مبكيات الغرائب أن جماعة ممن ظهروا بعد ابن خلدون وهم من المعتقدين بحجية الاجماع اتبعوه في هذه المسألة التي كادت أن لا توجد مسألة اجماعية مثلها في الأمة الاسلامية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الساعة الصغرى.
فإنك لو تصفحت جميع الكتب المصنفة قبل وجود ابن خلدون لترى العلماء الماضين رحمة الله عليهم أجمعين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم مجمعين متفقين في صحة ظهور المهدي وانه من الأمور المحتومة والقضايا المبرمة، حتى سموه بالقيامة الأولى والساعة الصغرى، ولا ترى في مدة سبعة قرون وأزيد من لدن وفاة النبي عليه السلام الى ولادة ابن خلدون أحداً من العلماء تجرأ على إنكار ظهوره وانبرى على تضعيف جميع أخباره. فخالفوا الجمهور وخرقوا هذا الاجماع المشهور وأفسدوا أكبر رجاء أهل الصلاح وقطعوا على الأمة حبل الفلاح وسدوا على وجوههم أبواب النجاح. ولذلك ترى أكثر فقهاء أهل السنة والجماعة في حالة عجيبة من اليأس عن عواقب الأمة وإمكان صعودها الى مدارج العزة والرفعة واثقين بالتقهقر والهبوط والانحلال والسقوط. والى هذا أشير في الحديث أن المهدي لا يخرج إلا حين الأياس والقنوط. وأعجب من هذا وذاك، أنهم بعدما شكّوا في ظهور المهدي وضعفوا جميع أخبار ظهوره، أيقنوا بنزول عيسى عليه السلام وصححوا أحاديث نزوله. فلو تسألهم عن مصادر هذه الأخبار(1) في المصحف المجيد حيث صرّح أن فيه تبيان كل
شيء وفيه تفصيل كل شيء، لتراهم عاجزين عن الجواب مبهوتين في الخطاب جاهلين بحقائق ما وعدوا به في الكتاب لا يعرفون من آيات القرآن إلا رسومها ولا يذوقون من أثمار الفردوس إلا قشورها، فصح فيهم قول الإمام وتم عليهم نبأ الرسول عليه السلام.
(1) إن العلماء في زماننا إذا سألهم سائل عن خبر مجيء عيسى عليه السلام في القرآن يستدلون بقوله تعالى "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته" مع أن هذه الآية لا تخبر بمجيء عيسى بل تخبر بايمان أهل الكتاب به قبل موته وإنما المطلوب خبر مجيئه. على انه يجوز ويحتمل أن يكون مرجع ضمير "موته" لفظ أهل الكتاب أي وما من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام لوضوح حجته وظهور حقية دينه إذ ليس هناك دليل على أن مرجع ضمير موته هو عيسى عليه السلام.
فإذا عرف المقصود مما جمح به القلم وجرى بنا في موضوع وعر خشن صعب قبوله على الأمم ثبت ما ذكرناه أن موهبة فهم الحقائق المودعة في الكتاب من الأخبار الآتية ليست من المواهب العامة حتى يدركها الكل وتتم الحجة على الجميع، بل هي من المواهب الخاصة التي خص الله بها أصفياءه وألهم أولياءه وأحباءه. فلا يصح والحالة هذه أن يسمى القرآن من هذه الجهة حجة بالغة ومعجزة كافية وكثير من العلماء خصوصاً في القرون الوسطى ذهبوا الى أن سبب إعجاز القرآن هو فصاحة آياته وبلاغة عباراته حيث عجزت الأمم عن مجاراته وقصرت قوة أهل العالم عن مباراته. وسبب حدوث هذا الرأي أن علماء القرن الثاني والثالث والرابع الاسلامي راجت وانتشرت بينهم علوم اللغة العربية ونبغوا وتقدموا في الفنون الأدبية ونالوا الرتب العليا والحظوة الكبرى في الخلافة العباسية والفاطمية والأموية، فأورقت وأزهرت بينهم فنون الكتابة والخطابة وبسقت وأثمرت غصون الفصاحة والبلاغة وجلهم إن لم نقل كلهم كانوا منهمكين في شهواتهم منغمسين في غمرات لذاتهم كما يشهد به صريح مصنفاتهم وينطبق به تواريخ أدوار حياتهم. وهذه لا شك مما يعمي بصيرة الفؤاد ويبعد المرء عن سبيل السداد ويضله عن طريق الهداية والرشاد. فلما وجدوا بلاغة آيات القرآن في الدرجة العليا وحسن نظمها ولطف ترتيب ألفاظها في الحد الأسمى ووجدوا نفوسهم عاجزة عن مباراتها وأقلامهم قاصرة عن مجاراتها، اعتقدوا بأن صفة الفصاحة والبلاغة هي سبب إعجازها وموجب امتيازها، فانتشرت هذه العقيدة بين الأمة وأقبل اليها أكثر أفاضل الملة وروجها العلماء في جهاتهم ودونوها في مصنفاتهم حيث كانت هذه هي رأي الكتاب والوزراء وعقيدة أكابر دار الانشاء الذين كانت بيدهم السلطة العليا في الخلافة العظمى. وقد قيل الناس على دين ملوكهم إذ كان الأكثرون يتبعونهم في آرائهم وسلوكهم. وخلاصة تقرير الدليل على رأيهم هي ان الرسول عليه السلام تحدى بالقرآن وصرح في مواضيع منه أن العرب إذا لم يذعنوا بان القرآن من الله تعالى، فليأتوا بسورة من مثله، وأخبر وصرح بانه لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولو اتفق جميع من على الأرض وساعد وأعان بعضهم البعض. وكذلك أخبر وصرّح بان الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه. يعني لا يتمكن الدعاة الكذبة والذين يدعون النبوة والرسالة بدون إذن من الله، أن يلفقوا كتاباً مثل القرآن وينسبونه الى الله فيروج في العالم ويثبت وينتشر بين الأمم.
ومن المعلوم أن أمراء العرب ورؤساء هذه الأمة المعروفة بالصلابة والخشونة وشعراؤهم وخطباؤهم على ما أظهروه في مقاومة النبي عليه السلام حتى بذلوا كل مرتخص وغال واقتحموا الشدائد والأهوال في محو أمره وتوقيف دينه وقهر أتباعه ومحاربة أشياعه، عجزوا عن اتيان مثل القرآن وأفحموا بهذا البرهان، إذ لولا عجزهم لجاؤا بمثله وما احتاجوا الى تقحم الأهوال وبذل الدماء والأموال في مقاومة دينه. فنتج مما تقدم أن الأمة العربية عجزت عن اتيان مثل القرآن وأفحمت في مقاومة هذا البرهان. فإذا ثبت عجز فصحاء العرب وخطبائهم على ما هم معروفون به من فصاحة اللسان وبلاغة البيان، يثبت عجز سائر الأمم بالضرورة والبداهة، إذ لا يعقل من الأعجمي الذي لا يعرف من اللغة العربية شيئاً، أن يأتي بكتاب عربي عجزت عن مثله فصحاء القبيلة القرشية وفحول رجال الأمة العربية. فثبت مما تقدم عجز أهل العالم وإفحام الأمم من العرب والعجم. وهذا هو معنى المعجزة الظاهرة والآية السماوية الباهرة.
هذه هي خلاصة احتجاجهم وغاية استدلالهم في إثبات إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة وقد استهوتهم طلاوتها الظاهرة وغفلوا عما ينجم منه في الآخرة. فملؤا منها الدفاتر والصحف وأفردوا لها الرسائل والكتب وناهيك كتاب الباقلاني في إعجاز القرآن، فإنه اطنب وأسهب وبزعمه أطرب وأعجب، حيث وشحه بنفائس مقالات آل أبي سفيان وأردفه بجلائل خطب بني مروان، كأن خطب زياد وحجاج تزيد في قوة الدليل واتقان الاحتجاج. ولكن من أمعن في الفحص وتعمق في البحث وأوتي البصيرة في النظريات وسلامة الذوق في العقليات، يرى ضعف حجتهم ووهن استدلالهم هذا من وجوه شتى. نذكر هنا طرفاً منها لعل الله تعالى يحفظ بفضله أهل زماننا من عثرات الأولين وينهضهم من كبوة المتقدمين ويشيلهم من صرعة السابقين.
(الوجه الأول) أنه لو كان سبب إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته لما يصدق عليه أنه هو الحجة البالغة ولما يوجد فرق بينه وبين سائر المعجزات، لأن الفصاحة والبلاغة وصفان لا يدركهما إلا علماء هذا الفن. ومن المعلوم أنهم قليلون جداً بالنسبة الى غير العالم بهما. فالأمم العظيمة مثل عامة العرب والفرس والترك والهنود والصينيين وأهل أوروبا وأمريكا وأفريقيا ممن لا يعرفون من اللغة العربية شيئاً لا سبيل لهم الى معرفة أعجاز القرآن ولا يمكنهم أن يذعنوا لحجيته إلا بقبول قول تلك النفوس المعدودة القليلة من علماء هذا الفن. وهذا هو عين التقليد وقبول قول الغير من غير دليل كما قبلت كل أمة قول أفراد قليلين في صدور خوارق العادات عن الأنبياء والمرسلين، بل وعن المشايخ والمرتاضين. فما بقي إذاً فرق بينه وبين سائر المعجزات وخوارق العادات مما ترويه الأمم عن أكابرها ومشائخها وينتهي بلا شك الى تناقض الحجج وتصادم البراهين وضيق المخرج، كما لا يخفى على المتبصرين والمنصفين، هذا إذا ثبت اتفاق علماء البيان في مسألة عجزهم عن اتيان مثل القرآن وأنه فوق طاقة البشر في حسن النظم والاتقان. وأما إذا لم يثبت هذا الاتفاق فلا يبلغ القرآن إذاً حدّ سائر المعجزات فضلاً عن كونه حجة بالغة ومعجزة دامغة. ومعلوم عند أرباب العلم والاطلاع أن فصحاء الأمة العربية من لدن ظهور النبي عليه السلام الى زماننا هذا، ما اتفقت على هذه المسألة في قرن من القرون، وما انقضى قرن إلا وكان فيه من العلماء من لا يعترف بأن القرآن بلغ حد الاعجاز في فصاحة الكلام وبلاغة البيان، كما سنذكر لمعاً من عباراتهم ونشير الى نبذ من انتقاداتهم وهل يشك عاقل أن كبار أهل التصنيف والتأليف مثل بطرس البستاني صاحب محيط المحيط والعلامة الشهير الشيخ ناصيف اليازجي صاحب مجمع البحرين ونجله المحقق الشيخ ابراهيم وغيرهم من كبار الفصحاء وأئمة اللغة ممن يضيق نطاق الرسالة عن ذكر أسمائهم ومصنفاتهم من الأمة النصرانية لا يرون من القرآن الشريف ما تراه الأمة الاسلامية ولا يعترفون بأنه بلغ حدّ الاعجاز في الفصاحة والبلاغة كما اعترف به أهل الملّة المحمدية. والسبب العقلي لاختلاف الفصحاء في هذه المسألة هو أن صفة الحسن في المحسنات المحسوسة كحسن البيان وحسن الصوت وحسن الحظ وحسن الخلق وأمثالها، إنما هي من الأمور الاعتبارية التي ليس لها حدود معينة ومراتب محدودة وكمية معلومة حتى يحكم العقل بتاتاً بأن الدرجة الفلانية إنما هي الحد الفاصل ومنتهى ما تبلغ اليه الطاقة البشرية. وينتج من هذه المقدمة، إن العالم بفن الفصاحة لا يمكنه أن يعين هذه الدرجة ويحكم بها، فكيف الجاهل بها؟ ولذلك ترى ان فصحاء العرب وزعماء قريش مثل نضر ابن الحارث وعتبة بن ربيعة وأبي سفيان بن حرب وشيبة بن ربيعة وكعب بن الأشرف، كانوا يستخفون بالقرآن الكريم ويستسهلون الاتيان بمثله وينادون ويقولون على رؤوس الأشهاد لو نشاءُ لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين. ولكن الأميين من المسلمين مثل سلمان الفارسي وبلال الحبشي ومقداد وأبي ذر، ممن لا يشار اليهم بالبنان ولا يعدون من فرسان مضمار البيان، اعترفوا وأذعنوا بأن القرآن هو كلام الله النازل من السماء والحجة الكافية لجميع من في عوالم الانشاء. وذلك لأن إدراك حلاوة الذكر ولذة الخطاب متسبب عن نقاء القلب وصفاء الفؤاد لا عن معرفة فنون البلاغة وحسن الانشاد.
(والوجه الثاني) إنه لو كان سبب حجية القرآن، فصاحته وبلاغته، ليلتزم التصديق به معرفة هذا الفن وليجب على من أراد الايمان به أن يتعلم العلوم العربية من اللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وأمثالها، لأن التصديق بشيء قبل معرفته، هو عبارة عن التصديق بالشيء المجهول، وهذا لغو بالضرورة وايجاب التعلم بالعلوم المذكورة على طالب الهداية ينتهي الى الحرج وصعوبة المخرج بالبداهة، وهذا باطل باتفاق أرباب العقول. ولتوضيح المسألة نأتي بمثال واضح فنقول: مثلا إذا دعا حضرة الفاضل أحداً من الأمة النصرانية او الهنود البرهمية الى الشريعة الاسلامية والديانة النبوية كما هو مأمور به في قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وقوله جل وعلا (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ). فهو بالبداهة يطلب من حضرة الفاضل برهاناً على صحة مبدأ الاسلام وصدق النبي عليه السلام. فإذا استدل الفاضل بالمعجزات المأثورة في الأخبار، هو يردها بصريح آيات القرآن كما شوهد في كثير من الأحيان. ولا يفيد هناك انتقاض قوله بما ورد في الانجيل المقدس أيضا من رد المعجزات وعدم إجابة سيدنا عيسى عليه السلام شعب اليهود حين اقترحوا الآيات لأن تقليد الآباء في الأديان الوراثية لا يستلزم التقليد الأعمى من غير دليل في الديانة الاجتهادية. فأخيراً ينتهي بالبداهة هذه المناظرة الى الاستدلال بالقرآن العظيم والكتاب الكريم. حينئذ يردّ على حضرة الفاضل بأن تصنيف كتاب ولو كان المصنف أمياً لا يستلزم أن يكون نبياً. فما هي العلامة المخصوصة بالقرآن لنتيقن بها أنه نزل من لدن ربنا الرحمن. فيجيبه حضرة الفاضل بأن القرآن العظيم بلغ في مراتب الفصاحة والبلاغة الى درجة لا يمكن لجميع أفراد البشر ولو اجتمعوا وتظاهروا واتفقوا وتعاونوا أن يأتوا بسورة من مثله ولو من السور الصغرى، كما لا يمكنهم إحياء الموتى وقلب العصا بحيّة تسعى والصعود الى السماء وغيرها من الآيات الكبرى. فلو أجاب الرجل حضرة الفاضل بأنك أحسنت التبيان واتقنت البرهان، فأمهلني برهة من الزمان لأتعلم علم المعاني والبيان لأكون على بصيرة في أمر الدين ولا أكون من الجاهلين. حينئذ بالضرورة تسقط حجة حضرة الفاضل ولا تفيده المجادلة بالباطل. وهو محق في خطابه مصيب في جوابه. وهب أنه في مدة عشر سنوات او أكثر تعلم اللغة العربية وتقدم وبرع في الفنون الأدبية حتى صار فصيحاً بليغاً وخطيباً منطقياً، فمن يضمن لنا بعد طول هذه المدة أنه يعترف مثل علماء الاسلام بأن القرآن بلغ حدّ الاعجاز في الفصاحة والبلاغة ولا يعتقد مثل أكابر قريش في صدر الاسلام وعلماء النصارى في هذه الايام بأنه من أساطير الأولين وليس له مزية على تصانيف كبار الكتّاب والمصنفين.
(والوجه الثالث) انه ليس في القرآن الشريف ذكر ولا أدنى إشارة الى أنه حجة ومعجزة من حيث الفصاحة والبلاغة. والحال أنه تعالى وسع في هذا الكتاب المبين مجال الأدلة ونطاق البراهين على حقية رسالة النبي عليه السلام وصدق القرآن بجميع أنواعها وأقسامها مما يعرفه العلماء وحوته صدور الأصفياء الذين طابت سرائرهم واطمأنت ضمائرهم ويجهله الأغبياء ويستنكره الجهلاء الذين اكتفوا من الاسلام باسمه ومن القرآن برسمه. وقد نزل في وصف القرآن الشريف كما ذكرناه سابقاً أن فيه تبيان كل شيء وقال تعالى شأنه (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وقال جل وعلا في سورة يوسف (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وهذه الآيات صريحة في أن الله تعالى ما ترك شيئاً يتعلق بالديانة الإلهية والشريعة النبوية أصولا وفروعا وحجة وبرهانا ومصدراً ومآلاً، إلا وفصله وبينه وأظهره وأعلنه في هذا السفر المجيد والكتاب العزيز الحميد حتى قيل في وصفه أنه لا تزيغ به الأهواء ولا يشبع منه العلماء، ومن تركه قصمه الله ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله. ولا يصح هذا الوعد والوعيد والتشويق والتهديد إلا بعد إتمام النعمة واكمال الحجة وتوضيح البينة وايضاح المحجة. فهل يعقل بعد ذلك كله أن الله الذي فصّل كل شيء في كتابه، أجمل في كيفية الاستدلال به وترك بيان سبب أعجازه وأوهم وأبهم في ذكر علّة حجيته حتى يحتاج الى ان يفصله العلماء ويكمله الأدباء ويستشهدوا له بخطب بني مروان ويزينوه بمناقب آل أبي سفيان. فلله درّ من قال:
أمور تضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب
هذه هي بعض وجوه ضعف الاحتجاج ووهن الاستدلال بالبلاغة جئنا بها تذكرة لأولي الأبصار وتوسعة لمجال الأفكار في حقائق الآثار. وليس المقصود مما ذكرناه أن القرآن الكريم والسفر القديم لم يبلغ الدرجة العليا في الفصاحة والبلاغة أو يمكن لأحد من دون الله أن يأتي بمثله في اللطافة والرشاقة حاشا ثم حاشا. فإن أهل البهاء والمتمسكين بالكلمة المباركة العليا يعتقدون أن مظاهر أمر الله جميع أوصافهم ونعوتهم ومناقبهم وشؤونهم معجزة للخلق مفحمة للخصم مقدسة عن الأشباه والأمثال منزهة عن النظائر والأعدال لا يشابههم أحد في وصف من الأوصاف ولا تضاهيهم نفس في عمل من الأعمال.
فيتفرع مما ذكرناه أن الرسول عليه السلام كما فاق الناس بأجمعهم في جوده وسخائه وجماله وبهائه وصبره وشجاعته وعلمه وحكمته وحلمه ورأفته، فاقهم أيضاً في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه. ولذا نزل في غير موضع من البيان بأنه لا يمكن لجميع البشر ولو تمسكوا بكل الأسباب أن يأتوا بمثل آية واحدة من آيات الكتاب. إلا أن الفصاحة والبلاغة ليست من الأمور الظاهرة الواضحة التي يدركها بالسهولة كل انسان وتعرفها كل نفس لتكون الحجة بالغة وذريعة الاعتذار مقطوعة ويكون العدل شاملا لجميع أفراد الناس والدليل ظاهراً والسبيل واضحاً لكافة أصناف البشر. بل هي من الأوصاف الدقيقة الغامضة ومقولة بالتشكيك على اصطلاح المنطقيين لها مراتب غير محصورة ودقائق غير مكشوفة حتى على فرسان مضمار الخطابة وأعلام أصحاب الكتابة. ولذلك قلنا أن علماء الفن وجهابذة البيان عجزوا عن تحديد حد معلوم يفرق به من حيث البلاغة والفصاحة بين كلام الخلق وكلام الرحمن وفيه كفاية لأهل العرفان.
وأما أهل البهاء وأصحاب السفينة الحمراء الذين نبذوا أعباء التقليد وتسنموا أعلام التحقيق يعتقدون أن كلام الله تعالى يمتاز من غيره بالنفوذ والغلبة في هداية الخلق وإنشاء أمة مستقلة وابقاء شريعة جديدة. ويعبرون عن هذه العلامة في مصطلحاتهم بالخلاقية والقاهرية ويعتبرونها علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية والآيات السماوية. وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام الذي يتحدى الداعي به وينسبه الى الله إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة وقهر الأمم المنكرة المانعة، فأوجد أمة مستقلة نامية وشريعة جديدة باقية فلا يبقى ثمة شك أنه هو كلام الله النازل من السماء والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء. والى هذه النكتة أشير في المصحف المجيد حيث قال الله تعالى (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) وقال أيضاً جل وعلا (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ). وهذه العلامة لا توجد إلا في كتب الله تعالى ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها، سواء كان عالماً أو أمياً عربياً او عجمياً شرقياً أو غربياً. فمن الذي يشك ان بني اسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل الى نور الايمان وعن ذلة العبودية الى عز الاستقلال إلا بسبب التوراة. ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما بلغوا الى رتبة التوحيد بعد الشرك وما وصلوا الى عبادة الله تعالى بعد عبادة الأوثان إلا بواسطة الانجيل. ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى من حدود الشرق الأقصى الى أقاصي أفريقيا ما خرجوا عن ربقة الوثنية وعبادة النار الى التوحيد وعبادة الله إلا بهداية القرآن العظيم وما تحرروا عن أغلال العقائد الفاسدة والأعمال القبيحة وما وصلوا الى الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة إلا بنور هذا السفر الكريم.
نعم قد ينتقد من لا يعرف الحقائق أن الديانة الاسلامية نفذت وغلبت بسيوف أمراء العرب لا بالكلمة الإلهية والغلبة الروحانية كما ينتقد اليهود وغيرهم من البوذية والهنود على النصارى بعين ما ينتقد النصارى على الديانة الاسلامية، ويقولون أن ديانة النصارى انتشرت بمساعدة قياصرة الروم وجبابرة أروبا وأقيمت بالسيف والنار وأجريت في سبيل إنفاذها من الدماء أنهار كما تشهد وتنادي به تواريخ الكنيسة في جميع الأقطار. وهذا الانتقاد كما يعرفه أهل الحق وهم باطل لا يعبأ به أهل النباهة ولا يتمسك بحبله الموهون إلا أرباب السفاهة، لأن الدين الاسلامي انتشر ونفذ بين العرب قبل الهجرة، كما ان الديانة المسيحية انتشرت ونفذت قبل تنصر قسطنطين الكبير. ولعمر الله أن السيوف التي سلّت في إعلاء منار الحق ونشر كلمة الايمان لولا الانجيل ولولا القرآن، لسلت في نصرة الشرك وعبادة الأوثان، فهذه السيوف المسلولة والجيوش الجرارة والدول القوية أيضاً وجدت وتمهدت وتشكلت بتاثير كلمة الله وإرادته وإذنه ومشيئته. ولولاها لما وجدت هيأة اجتماعية تحت اسم النصرانية أو الاسلامية ولما حصلت تلك القوة التي ليست وراءها قوة في العوالم البشرية. ولقد قدر الله تعالى في سابق علمه وبالغ حكمته أن يرسل الرسل ويبعث الأنبياء من الأميين البسطاء المحتاجين الفقراء مطرودين مضطهدين من الملوك والسلاطين والمترفين والمستكبرين حتى ومن عشيرتهم الأقربين، منزهين عن كل ما يمكن أن يسود الانسان بسببه من العلوم الكسبية او الغنى والثروة المالية او المنعة والعزة المكتسبة من العصبية القومية، ليعلم كل منصف حتى الفلاسفة متتبعي الأسباب والعلل ان تلك القوة والقدرة الظاهرة من نفوذ كلامهم وغلبة دينهم وإعلاء كلمتهم وبقاء شريعتهم ليست مسببة من تلك الأسباب المذكورة التي كانت متوفرة عند أعدائهم ومقاوميهم الغيبية السماوية. والى هذا المعنى أشير في قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). ولقد فسر في الايقان المقدس لفظ السموات بالديانات. فعلم منه ان الله تعالى رفع سموات الأديان بإرادته الصرفة ومشيئته الخالصة لا بعماد المال والثروة أو الملك والسلطة أو العزة والمنعة او العلم والفلسفة مما يراه ويعتبره الناس عماداً في تأسيس المقامات الرفيعة الدنيوية والرتب السامية الملكية. فاستعير لفظ السماء للديانة لسموها ورفعتها وعلوها ومنعتها ولفظ العماد للأسباب المذكورة، لأن بناء كل مقام رفيع شاهق من المقامات الرفيعة الملكية البشرية من السلطنة والامارة والرياسة والعزة وأمثالها، إنما يبنى ويستقر عليها ويسند ويتوكأ عليها. فهي استعارة في غاية البراعة والرشاقة وتعبير في نهاية الحسن والبلاغة ولا يمكن أن يفسر لفظ السماء في الآية الكريمة بالسماء الظاهرة فإن من له إلمام بالفلكيات يعرف أنه لا يمكن أن يكون للسماء الظاهرة عماد. إذ لا يعقل ولا يتصور مرتكز لهذا العماد سواء نعتمد في الفلكيات على الهيئة القديمة البطليموسية او الهيئة الجديدة الأوروبية.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى