منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

محمد خاتم النبيين للدكتور محمد ابراهيم ختم ( 4 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
تجدد الدين بعد موته
الروحاني

إن البراهين التي قُدّمت في الفصل السابق تكفي لإزالة السحب المظلمة التي حجبت المعنى الحقيقي والهدف من كلمة "خاتَم". الآن وبعد أن أُزيلت غمامة سوء التفاهم دعونا نتْبَعُ الضوءَ الذي يفيضه أروعُ كتب الله ألا وهو القرآن الكريم على هذا الموضوع البالغ الأهمية, ونسمح لذلك الكتاب المنزل بأن يرشدنا إلى المفهوم أو الغاية الحقيقيّة من سنّة الله وإرادته الأبدية للبشر التي لا تتبدّل. يمكن تصنيف نبوءات القرآن إلى ثلاث فئات:

▪ تلك التي تُنبِّئ بالموت الروحاني للمسلمين ونهاية الدورة الإسلامية في وقت محدد من التاريخ.
▪ تلك التي تُنبِّئ بظهور رسول جديد من عند الله لإعادة أو إحياء الحياة الروحانية للبشر أجمعين بما في ذلك المسلمين.
▪ تلك التي تُنبِّئ بمجئ دين جديد بعد الإسلام.

يركز هذا الفصل على الموضوع الأوّل، وتركّز الفصول التالية على الموضوعين الثاني والثالث.

الحياة والموت الروحاني

لكي نحلّ الرموز الخاصة بالنبوءات التي تشير إلى الموت الروحاني للإسلام والمسلمين، نحتاج أولاً إلى مراجعة بعض آيات القرآن الكريم. فجميع الكتب المقدّسة تستعمل تعابير "الموت" و "الحياة" للتعبير عن الحياة الروحانيّة والموت الروحاني, فالوثنيين الذين أقروا واعترفوا بوحدانية الله لم يكونوا أمواتاً (جسدياً ) قبل قبولهم الإسلام، ومع ذلك قيل لهم:

"وكنتم أمواتًا فأحياكم". سورة 2, آية: 28.

"يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ...". سورة 8, آية: 24.
(إذا دعاكم لما يحييكم) من أمر الدين لأنه سبب الحياة الأبدية. المصحف الرقمي, تفسير الجلالين.

فإنّك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصُّمّ الدّعاء إذا ولّوا مدبرين" (سورة 30, آية: 52؛ أنظر أيضًا سورة 27, آية: 80)
إنك -أيها الرسول- لا تقدر أن تُسمع الحق مَن طبع الله على قلبه فأماته..... التفسير الميسر.

وكذلك لم يكن اليهود جسدياً أمواتاً عندما قبلوا نور الإيمان، ومع ذلك فقد قيل لهم:

"ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلّكم تشكرون". سورة 2, آية: 56.

"أوَ من كان ميّتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في النّاس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها". سورة 6, آية: 122؛ أنظر أيضًا سورة 18, الآية: 30؛ سورة 36, آية: 70؛ سورة 16, آية: 21؛ سورة 17, آية: 17.
وكثيرا ما تستعمل كلمة "الحياة" و "الموت" في الإنجيل المقدّس للتعبير عن الحياة الروحانية والموت الروحاني:

"الحقّ الحقّ أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد." (إنجيل يوحنّا 8: 51).

كما سنرى ، تعلن الكتب السماوية المقدسة بأنه كما أن للإنسان دورة حياة, فإن للأديان أيضاً دورة حياة, وعند إنتهاء الدورة الروحانية للدين، تنتهي أيضاً الحياة الروحانية لأتباع هذا الدين. فماذا يفعل الله بعد ذلك؟ أليس من شأنه أن يحيي الناس عن طريق إرسال رسول جديد؟ يُخبر سيدنا محمد المؤمنين برسالته بأنهم بعد إيمانهم أصبحوا أحياءً فيقول القرآن الكريم: "وكنتم أمواتًا فأحياكم" (سورة 2, آية: 28). وتنبّأ سيدنا محمد أن التاريخ سيعيد نفسه وأنه في الوقت المعيّن سوف تفقد الأمّة الإسلامية حياتها الروحانية كما فقدتها الأمم السابقة. هل يبقى الله الرحمن الرحيم صامتاً ؟ لا بل في الوقت المحدد وحسب سنّة الله التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، سيأتي لإنقاذهم ويبعث برسول جديد لينقذ الإنسانيّة من غفلتها، ويهب كل من كان له رغبة أو متعطّشاًًًً لمعرفة الحقيقة بصيرة روحانية للإيمان بهذه الهبة الإلهية.

الوقت المحدد للأمّة الإسلامية

إن النبوءات التي تشير إلى انتهاء الحياة الروحانية للمسلمين واضحة وحاسمة. ولكن بما أن هذه النبوءات تقوّض الإدّعاء المتأصّل عند المسلمين بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ولن يعفي عليه الزمن، فقد تعهّد علماء المسلمين على تشويه معنى هذه النبوءات بطريقة فذة وماهرة من تغيير وطمس لمعنى ثلاث كلمات رئيسة مكّنهم من ابطال تلك النبوءات وإزالتها وتعطيل الوعود التي قدّمت للإنسانية أعظم نبأ وأكثرها بهجة ، وهو نبأ ظهور رسول جديد من لدى الله.
إنه من الضروري إظهار المعاني المحددة لهذه الكلمات الثلاثة التي أسيء فهمها. كما أن هذه الكلمات هي مفتاح لمعاني ومفاهيم لآيات قرآنية أخرى. هذه الكلمات هي:
▪ أمّة
▪ أجل
▪ وسط
وبما أن القرآن الكريم يستعمل الكلمتين الأولى والثانية معاً فلنبدأ بتعريف معانيهم من القاموس:


أمّة

1) إنها مجموعة من الناس يُرسَلُ لها رسول من عند الله.
2) إنها أتباع دين معيّن، مثال ذلك: "الأمّة الإسلامية".
3) إنها الدين.(مجموعة من الناس ذات ثقافة واحدة وتنتمي لدينٍ أو فكرٍ واحدٍ).
4) مجموعة من الناس، أو قوم.


أجل

1) زمن محدّد، مدّة محدّدة، أو زمن معيّن؛ والأجل هو فترة من الزمن تكتمل وتنقضي أو تنتهي بالموت.
2) نهاية الوقت لشيء ما؛ نهاية الحياة؛ ميعاد الموت.
3) الموت.


فلندرس الآن آية تحتوي على الكلمتين السابقتين وكما تُرجِمتْ على نهجٍ تقليدي:


ترجمة داوود


ولكل أمّة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. سورة 7, آية: 34

يترجم داوود هذه الآية بأن هناك وقت معين (أجل) لكل مجتمع أو جمهور, لنقارن هذه الترجمة بذلك المعنى الصحيح الدقيق للكلمتين العربيتين.
إن الموت الروحاني ( الأجل) أمر محتوم على أتباع كل دين أي ( الأمة ), وعندما يأتي أجلهم لا يستأخرون الأجل ساعة ولا يستقدمون.
إننا نلاحظ الفرق الشاسع بين الترجمتين, فالمترجم بتغيير معنى الكلمتين أمة وأجل قد أخفى تماما الغرض الحقيقي من تلك النبوءة.
كيف يمكن أن يُخفى معنى الكلمة عن العرب المسلمين, فلنلاحظ النقاط التالية:

• ألم يقرأ اليهود الكتب العبرية (التوراة), وهي مُنزَلة بلغتهم ؟ لماذا إذاً رفضوا السيد المسيح؟
• ألم يقرا علماء المسيحيين الإنجيل بلغته الأصلية, لماذا إذاً واصلوا رفضهم لسيدنا محمد؟
• ألم يقرأ العرب المسيحيون القرآن بلغتهم لماذا هم أيضاً رفضوا سيدنا محمد؟

يبيّن لنا التاريخ أن أصحاب السلطة أو "قادة الدين" كانوا دائما يحرّفون أو يسيئون تفسير الآيات التي تمس أو تهدد الإعتقادات الموروثة، وبالأخص الآيات التي تقوِّض منفعة أو مصلحة المؤسسات الدينية. إن عامة الناس تثق في سلطة رجال الدين وعادةً لا يجرؤ المرء في الشك أو الاعتراض على هذه السلطة. إن الأفكار الجديدة وبعد النظر خلافا للمعتقدات السائدة تُقمَع بسرعة.
دعونا نواصل تحقيقاتنا للكلمتين الخطيرتين واللتين تحملان الطابع الانتقادي وهما أمة وأجل لذلك سوف نتطرق إلى ترجمة تقليدية أخرى لنفس الآية ( سورة الأعراف آية: 34 ) لعالم مسلم آخر وهو شاكر.

ترجمة شاكر

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ. سورة 7, آية: 34

مرة أخرى ترجم شاكر هذه الآية بأن كل شعب أو ملة لها مدة وفترة محددة فهي لا تستطيع أن تؤخر أو تُقّدَِم فترتها المحددة, ولكن هذه الآية تُبَيِّن بوضوح تام أن لكل أمّة أجلٌ محدود (ومنها الأمة الإسلامية) وحيث أن هذا المفهوم الواضح من قوله تعالى يخالف التقليد الموروث بأنه لن تأتي أي "أمّة" بعد الأمّة الإسلامية ، لذلك لجأ " قادة الدين" إلى إساءة تفسير الآية بقولهم أن كلمة "أمّة" في هذه الآية تعني "شعب أو ملة أو دولة"، ونرى نتائج هذا التفسير الخاطئ في بعض تراجم القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية.
كما ترون فإن الترجمة السابقة تتيح معنى واضحاً وبسيطاً ومعقولاً. وببساطة تصرِّح بأنه كما أن للفرد فترة زمنية من العمر في هذه الحياة كذلك يصدق الحال على أتباع كل دين. ومن الواضح أن هذه الرسالة البسيطة تقوض وجهة النظر التقليدية السائدة وهي أنه لن تتبع أيُّ أمةٍ الأمةَ الإسلامية.

ثم ما الذي أنجزه رجال الدين بتغيير معنى الكلمة الهامة (الأمة) في هذه الآية الكريمة. إنهم تمكنوا من صرف انتباه المؤمنين عن الموضوع الحقيقي ونجحوا في تحويل أفكارهم من "أمّة" إلى "شعب وقوم"؟ نجحوا في صرف نظر المؤمنين عن الفكرة الأساسية، فبتغيير الموضوع من "الدين" إلى "الشعب"، نجحوا في تبديل معنى كلمة "الأمّة الإسلاميّة" (مثال ذلك الأمّة المسيحية أو الأمّة اليهودية)، إلى كلمة "شعب" والتي لا معنى لها في هذا الموضوع وكما جاء أيضاً: ( أمة: هي جماعة اجتمعت على الكفر بالله وتكذيب رسله, وأيضاً: لكل قوم وقت لانقضاء مدتهم وأجلهم, إذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم... المصحف الرقمي: التفسير الميسر والجلالين). فبدلاً من القول بأن لكل دين أجل، حُرّف المعنى إلى أن لكل جماعة أجل وبتغيير كلمة واحدة فقط، قام رجال الدين الذين هم أكثر ولاءً للمعنى التقليدي الموروث عن المعنى الحقيقي بالقضاء على الغاية التي أرادها الله سبحانه وتعالى من هذه الآية الكريمة للمسلمين. فحوَّلوا المعنى والهدف وهي الحياة الروحانية المقدّرة للأمّة الإسلامية ومصيرها، إلى الحياة الدنيوية الغير دينية المقدّرة لكل شعب! فغدت الآية أوالأحرى كلمة " أمة" كما فُسِرت من قبل الفقهاء لا صلة لها بـ الدين. فتحوّل المعنى الرئيسي من تحذير الأمّة الإسلامية بأن حياة المسلمين الروحانية لها أجل، إلى معنى آخر لا علاقة له بالآية المذكورة.

أنظر إلى الآية التالية كيف تصف أولئك الذين يغيرون كلمة الله سبحانه وتعالى:

فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم. سورة 7, آية: 162.

إن تغيير وتحريف كلمات الله لإخراجها عن مضمونها، هو شيء ليس بجديد في تاريخ الأديان. ففي تاريخ جميع الأديان، نجد بعض المؤمنين يحرّفون ويعدّلون أو يُضعِفون الحقيقة التي لا يرغبون أن يرونها في كتبهم.

من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضيعه... فلا يؤمنون إلاّ قليلاً. سورة 4, آية: 46.

ما الذي يمكن أن يحققه رجال الدين من تغيير أو تحريف معنى كلمة أو آية؟ يمكن لهم أن يخفوا المعنى الحقيقي أو المغزى من الكلمة؛ كما قام المسيحييون بإخفاء النبوءات الخاصة بسيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل المقدس ، فيشير إليها القرآن الكريم قائلاً:

يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب. سورة 5, آية: 15. أنظر أيضاً سورة 5, آية: 13.


كيف يستعمل القرآن الكريم
كلمة "أمة"؟

كما لاحظنا فإن المترجمين قد اختاروا كلمة غير دينية مثل ملة أو جماعة لتفسير كلمة أمة, هل هذا يبرر موقفهم؟ وحيث أن معرفة معنى كلمة أمة هي في غاية الأهمية دعونا نواصل تحقيقاتنا, ولعل أفضل طريقة لفهم معنى كلمة "أمّة" هي في مراجعة كيفيّة إستعمالها في القرآن الكريم نفسه، فلنتأمل الآية التاليه:

كل أمّةٍ تُدْعَى إلى كتابها. سورة 45, آية: 28.

تصرِّحُ هذه الآية أنه عندما يأتي رسول جديد، يذكّر أتباع الأديان السابقة بأن ظهورَه ومجيئه قد حقق نبوءات كتبهم المقدسة. فقد دُعِي اليهود لإختبار أو دراسة ما قيل في كتابهم عن السيد المسيح عليه السلام. وينطبق الأمر ذاته على المسيحيين والمسلميين. فالآية السابقة تشير بوضوح أن كلمة "أمّة" تشير إلى أتباع كتاب معيّن، لا إلى شعب أو قوم.

ولنفرض هنا أن كلمة "أمّة" تعني شعب معيّن. فمعنى هذا أن لكل شعب كتاب. فلنسأل أنفسنا، ما هو كتاب أمريكا مثلاً؟ وما هو كتاب الهند، أو كتاب ايطاليا، أو إيران؟ فمن الواضح هنا أن كلمة " شعب " ليس لها صلة بموضوع الآية السابقة، ولكن إذا أخذنا معنى الآية كما هي بأن "كل أمّةٍ تُدْعىٰ إلى كتابها" أي بمعنى الأمّة اليهودية تُدعى إلى كتابها أو الأمّة المسيحية تُدعى إلى كتابها أو الأمّة الاسلامية تُدعى إلى كتابها، فتعطينا هذه الآية الكريمة المعنى الحقيقي المراد.

ولننظر أيضا إلى الآيات التالية:

ولكل أمّة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله. سورة 22, آية: 34 و67 أيضًا.

وهمّتْ كل أمّةٍ برسولهم. سورة 40, آية: 5.

إن أنت إلاّ نذيرٌ إنّا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ... وإن من أمّةٍ إلاّ خلا فيها نذيرٌ. سورة 35, آية: 23-24.

وكما نلاحظ أن القاموس أدرج كلمة "دين" كمعنى آخر لكلمة "أمة", والقرآن الكريم يؤكد هذا المعنى. فلنتأمل الآن الآيتين التاليتين حيث يصف القرآن الكريم المؤمنين أي أتباع الدين الواحد بأنهم قسّموا الدين إلى طوائف وفرق:

وإن هذه أمّتكم أمة واحدةً ... فتقطّعوا أمرهم بينهم. سورة 23, آية: 52-53.

{ (فتقطعوا) أي الأتباع (أمرهم) دينهم { تفسير الجلالين.

إنا وجدنا آباءنا على أمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون. سورة 43, آية: 23.

إن الآية التالية والتي ورد ذكرها مرتين في القرآن الكريم تشتمل على كلٍ من الكلمتين الهامتين وهما "أمّة" و "أجل":

ما تسبق من أمّةٍ أجلها وما يستأخرون. سورة 23, آية: 43، أنظر أيضًا سورة 15, آية: 5.

ولننظر الآن إلى آية أخرى في القرآن الكريم والتي تثبت ما ذكرناه في أول هذا الفصل، وهو أن للإسلام أجل معيّن ومحدد من عند الله سبحانه وتعالى، فتؤكد الآيات التالية وتحمل نفس المفهوم الذي ورد في الآية التي درسناها سابقاً ( سورة 7, آية:34) ولكن بتعبير أو صياغة أخرى:

ولكل أمّة رسول فإذا جاء رسولهم قضيَ بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل... لكل أمةٍ أجلٌ إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. سورة 10, آية: 47-49.

تحتوي الآية السابقة على جميع الكلمات المهمة التي درسناها. فبالإضافة إلى الكلمتين المهمتين،

• أمّة
• أجل

يوجد أيضا ثلاث كلمات أخرى مهمة:

• الرسول
• الوعد
• الساعة

إن الآية السابقة تؤكّد المعنى الذي شرحناه من قبل وهو أن كلمة "أمّة" تعني أتباع رسول من عند الله. ولكنها تكشف لنا عن فكرة أخرى لم يسبق شرحها. تلك الفكرة تم التعبير عنها في هذا السؤال: متى يتحقق هذا الوعد؟ تنص الآية الكريمة أن نهاية كل "أمّة" مرتبطة بوعد. فما هو هذا الوعد؟ أيُّ وعد سيكون أكثر عقلانية من مجيء رسول جديد ليحيي "الأمّة" في تلك الساعة الحاسمة من موتها روحانياً؟
يمكننا أن نفهم معنى هذه الكلمة بكل بساطة وبغض النظر عن الاستخدام القرآني لكلمة "أمّة" ذلك إذا تركنا العقل يرشدنا إلى المعنى المنطقي لهذه الكلمة فنجد حينئذ بأن المفسّرين يفترضون أن الآية تشير إلى جماعة مدنية مثل "شعب". هل لافتراضهم أي معنى؟ إن شعوباً مثل أهالي الصين والهند ومصر وإيران قد وُجِدت منذ آلاف السنين وقدّمت حضارة غنيّة للعالم. فلماذا ينبغي أو ربما سوف يختفي شعب ما ؟ كيف يمكن لشعب مثل أهالي كندا, أستراليا وأمريكا تختفي من على وجه الأرض في ساعةٍ معينة؟ لقد تم فتح بعض البلدان مراراً وتكراراً وعلى مر السنين وما زال أبناؤها يعيشون كدول أو أمم. فما السبب لتغيّر هذا النظام؟ وماذا سوف يجني العالم إذا اختفت أمم مثل الأرجنتين أو البرازيل أو المملكة المتحدة (بريطانيا) ؟

إذا كانت كلمة "أمّة" تشير إلى مجموعة من مواطنين يعيشون في بلد ما، فبماذا يسمّى المواطنون المسلمون الذين يعيشون في بلاد غير إسلاميّة مثل الصين أو الهند؟ وإذا كانت كلمة "أمّة"تعني المواطنين المسلمين، بغض النظر عن البلد أو الدولة التي يعيشون فيها، ففي هذه الحالة يكون لكلمة "أمّة"معنى معيّن ثابت مثل: الأمّة الإسلامية.

ولو فرضنا أن كلمة "أمّة" تعني شعب، فهذا المعنى يشمل الشعوب كلها بما في ذلك الأمة الإسلامية، وسيكون لهذه الدول الإسلامية وغير الإسلامية أجلٌ أو نهاية لأن الآية تشير إلى كل أمة وبالتالي علينا أن ننتهي إلى أن جميع الشعوب الإسلامية سوف تموت أو تختفي. ماذا سوف يحدث بعد ذلك؟ هل سيظل الله سبحانه وتعالى صامتاً ؟ ألن يرسل رسولاً آخر ليحييهم؟

إن هذه الملاحظات ترشدنا إلى النتيجة التالية: إذا كان المفهوم من كلمة "أمّة" هو أن كل أمّة سوف تزول أو تُدَمَّّر في ساعة معيّنة من التاريخ، فليس لهذا المفهوم معنى أو مغزى ولكن إذا كان المفهوم من كلمة "أمّة" هم أتباع دين من الأديان وأن لحياتهم الروحانية أجل، فهذا صحيح, أي أنه سيظهر رسول جديد في ساعة محددة ويُعلن نهاية عصر الدين السابق وبزوغ فجر يوم جديد.

دعونا نتمعُّن مرة أخرى في الآيات 47-49 من سورة يونس, إن الآيات التي تشير إلى نهاية حياة كل أمة تتنبأ أيضاً بأن الوقت المعين لموتها سوف يحين في الساعة المحددة. يوجد الآن أكثر من مئتي دولة وشعوب ودول تابعة في العالم، فلماذا نحتاج أن نعرف بأن كلاً منها سوف يأتي أجلها أو تختفي في ساعة محددة؟ ماهي قيمة معرفة شيءٍ كهذا؟ ولكن العكس هو الصحيح : عند بزوغ فجر دين جديد وظهور الرسول ينتهي أجل الدين السابق وتفقد تعاليمه الروحانية قوتها وعندئذٍ يفقد أتباع الدين أو أمته حياتهم الروحانية, في هذه الحالة يكون لكلمة "أمّة" معنى ومغزى ؟ يقول القرآن الكريم:

"كنتم أمواتًا فأحياكم". سورة 2, آية: 28.

إن كل أمّة ستواجه في آخر المطاف موت روحاني، فهذه حقيقة يجب علينا أن نقبلها مهما صعُب الأمر. ألا تشير أحوال العالم اليوم إلى ذلك؟ فلننظر إلى ما تنبّأ به السيد المسيح:

ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض (إنجيل لوقا 18: Cool.

ولننظر أيضاً لما ذكره القرآن الكريم:

يا ربّ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا. سورة 25, آية: : 30.
ألم يحن الوقت في هذا العصر لإحياء الروح الإنساني؟ أليس العالم اليوم في أشد الحاجة لرسولٍ جديد من عند الله لكي يجمع شمل البشر ويعيد السلام والطمأنينة إلى هذا العالم المنقسم والذي يفتقر إلى الروحانية ؟ ألسنا اليوم في أشد الحاجة إلى الهداية والنعم الإلهيّة والتحذير من عواقب الابتعاد من تلك البركات السماوية ؟

إن أجل كل دورة دينية أو عصر يتمثل في الموت الروحاني الذي تتجاهله البشرية في كل دورة. هذا لهو نوع من الموت ( أي الموت الروحاني) والذي يجب أن تعترف به البشرية في كل عصر عند مجيء رسولٍ جديد. والقرآن الكريم كتاب شامل فيه تفصيل كل شيء:

وتفصيل كلّ شيء. سورة 12, آية: 111.

فقد تنبأ بهذا الإنكار, فما أبدعه! إن هذا الكتاب السماوي البديع موسوعة العلم والحكمة يتنبّأ بأن هذه الظاهرة ستعود مرةً أخرى ويُنكر البشر موتهم الروحاني:

وأن عَسَى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأيّ حديث بعده يؤمنون. سورة 7, آية: 185.

إن الآية السابقة تطرح لنا أسئلة مثل:
إن موعد أجلهم قريب، هل يؤمنون بذلك؟
إن موعد أجلهم قد إقترب، كيف ينكرون ذلك؟

إن الآية السابقة تشير إلى المستقبل، فما هو المقصود بـ "هم" في كلمة "أجلهم"؟ عند نزول هذه الآية، أي أجل لم يأتِ ولم ينته بعد؟ إنه أجل الإسلام ( أي الأمة الإسلامية) فمن هم الذين أنكروا أن أجلهم أو موتهم قد إقترب؟ المسلمون فقط، الذين كانوا يعيشون وقت نزول هذه الآية الكريمة وبعدها. إن لآية تُصَّرِّح وبمهارة هذه الرسالة وهي: ما الذي يمكن أن يقوله الله أكثر من هذا لإقناع المسلمين بأن أجلهم أو نهاية حياتهم الروحانية قد إقتربت؟ إن الآية الكريمة هي فعلاً وحي إلهي، فهي تتنبّأ بالمفهوم الخاطئ عند المسلمين بأن حياة الإسلام وحياتهم الروحانية لن يكون لها نهاية.

الآية القرآنية الكريمة التالية تشير إلى نفس مفهوم الآية السابقة:

هو الذي خلقكم من طين ثمّ قضى أجلاً وأجلٌ مسمَّى عنده ثمّ أنتم تمترون. سورة 6, آية: 2.
الآية السابقة تشير إلى أجلين أو مدّتين محدَّدتين. الأجل الأول أي الموت فهو خاص بجسد الإنسان، وجميع البشر خلقوا "من طين"، والمسلمون جميعاً لا ينكرون هذا الأجل. فما هو الأجل الآخر المحدد من عند الله، والذي ينكره المسلمون؟ الأجل الآخر هو أن كل دين أيضاً له أجل أو مدة محددة، مثلما يموت الإنسان، كذلك الديانات لها وقت محدد يحدده الله سبحانه وتعالى.

يحتوي القرآن الكريم على آية قصيرة تشير إلى الوقت المحدد لكل رسالة ولكن يستعمل فيها كلمة نبأ:

لكل نبإ مستقرٌ وسوف تعلمون. سورة 6, آية: 67.

لقد ترجم يوسف علي كلمة نبأ بالرسالة.

إن كلمة نبأ أي رسالة أو خبر، لها مفهوم ديني. فالآية الكريمة توضح بجلاء الآيات التي درسناها من قبل وهي أن لكل رسالة "أجل" أو وقت محدد. تُختم الآية السابقة بالكلمتين "وسوف تعلمون". فمن الواجب إذاً السؤال: ما هو الخبر الذي "سوف تعلمون"؟ نبأ مجيء رسول جديد من عند الله. إن عبارة "سوف تعلمون" تدل على شيء قريب، ولكن كما نعلم أنه يوجد في كلٍ من الكتابين المقدسين القرآن والإنجيل عن أن اليوم عند الله بألف سنة: "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون". سورة 32, آية: 5.


معنى كلمة "أجل"

لكي نختم نقاشنا، فإنه يجب علينا أن لا نتجاهل المعنى الدقيق للكلمة الحاسمة الأخرى في هذا الموضوع وهي كلمة " أجل". كما أشير من قبل، يستعمل القرآن الكريم كلمة "أمّة" مع كلمة "أجل" في تحديد الوقت المقدّر للأمّة الإسلامية. ومرة أخرى، لجأ المفسّرون في اتخاذ نفس السياق لتخفيف المعنى المراد من كلمة "أجل" وذلك بتفسيرها بمرادفات أكثر "ملاءمة" مثل "زمن معيّن" بدلاً من المعنى القاطع مثل "زمن محدد ينتهي بالموت". فباختيار مرادفات مثل هذه نجحوا في صرف النظر عن المعنى المراد من كلمة "أجل" وهو "الموت". بعض الناس فقط يُوَدّون التفكير بأنهم هالكون ولهم ميعاد محدد مع الموت. ففكرة الموت فكرة غير محببة للنفس سواء أكانت خاصة بحياة الفرد أو بدينه، وبالأخص حين يفترض المؤمنون أن دينهم خالد وأبدي. كما نعلم، فكلمة " أجل" حسب القاموس يحمل معنيين:

• الموت
• مدّة من الزمن

ليس هناك فرق في المعنى الذي نختاره من المعنيين السابقين، هل من الممكن أن يكون هناك:
"مدّة من الزمن" بدون "نهاية"؟ , الموت هو النهاية!

على الرغم من أن معنى كلمة "أجل" واضح تماما، ولكنه من المفيد أن ننظر في كيفيّة إستعمال القرآن الكريم لهاتين الكلمتين في سياق مواضيع أخرى. في إحدى الآيات المباركة يشير القرآن الكريم (سورة 40, آية: 67) إلى أطوار حياة الإنسان – طور الطفولة والشباب – ويستعمل بعد ذلك كلمة "أجل" للطور الذي ينتهي بالموت. توضّح الآية التالية المعنى المراد من كلمة "أجل":

ولن يؤخّر الله نفسًا إذا جاء أجلها. (سورة 63, آية: 11).

يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمّى إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون. (سورة 71, آية: 4، وسورة 6, آية: 60، وسورة 22, آية: 5).

إن دراسة هاتين الكلمتين الهامتين "أمّة" و "أجل" مفيدةٌ ومنوّرة للأذهان ، وإن فهمهما لا يعطينا درساً هاماً فقط، بل يجعلنا على علم بنتيجةٍ وأهميةٍ بعيدةِ الأثر:

الدرس : مقدرة العقل البشري غير المحدودة على تحريف مفهوم آيات
بسيطة وواضحة إن لم تكن تتماشى مع الموروث الثقافى أو
الأفكار المحدودة المكتسبة.

النتيجة البعيدة الأثر: النتائج الوخيمة والتي لا يمكن تصورها نتيجة تحريف
معنى كلمة رئيسة واحدة.

سوف ندرس في الفصل التالي الكلمة الثالثة الحاسمة المستعملة في القرآن الكريم والتي تشير إلى الفترة الزمنية المحددة للإسلام. وهذه الكلمة هي "وسط" وهي كلمة أخرى حرّف العلماء معناها لحماية المفهوم المفترض والمتعلِّق في الأذهان لكلمة "أجل".

-٥-

أمة وسطا

إن النبوءات التي تشير إلى انتهاء الرسالة أوالشريعة الإسلامية والتي تبشر بمجيء رسلٍ من عند الله عديدة وكثيرة. لنبحث سوياً إحدى النبوءات التي لديها الميزات التالية:

• إنها موجّهة إلى المسلمين خاصة.
• تدعو المسلمين بعبارة أمة.
• تضعهم أمةً وسطا بين الأمم الأخرى.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً... (سورة 2, آية: 143)
الفعل جعل له عدة معان في قاموس اللغة ( المنجد مثلا) ومن معانيه:

1- صنع , خلق, نحو: جعل الله الظلمات.
2- أخذ وشرع, نحو: جعل يكتب.
3- وضع, صيَّر, نحو: تجاعلوا الشيء: وضعوه بينهم.

أي من المعاني السابقة هي أقرب معنى لكلمة وسطا ؟ إن المعنى الثالث يشير إلى موقع وموضع, أي أننا وضعنا أمتكم وسطا. كيف يمكن أن يكون الإسلام هو آخر دين وآخر رسالة ويكون المسلمون أمةً وسطا ؟

إن الآية السابقة تشكِّل تهديدا خطيراً لاعتقادٍ راسخ مدعومٍ من قبل المسلمين المتعصبين. ومرة أخرى نلاحظ بأن علماء الدين يبادرون بإيجاد معنى آخر لهذه الآية وإخفاء المعنى الحقيقي بطريقة ما. لقد استخدم اليهود والنصارى نفس الاستراتيجية لإخفاء الدلالات من الكتاب المقدس والتي تشير إلى ظهور الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ... (سورة 5, آية: 15)


وعلماء المسلمين استخدموا نفس الأسلوب والذي تم تطبيقه على الكلمات الأخرى غير المرغوب فيها. إن كلمة " وسط" هي الكلمة غير المرغوب فيها في الآية السابقة. لنتمعن في معنى كلمة (وسط ) من القاموس ثم نراجع الاستراتيجية التي اعتمدها العلماء لتغيير معناها. إن من معاني الكلمة:
1- توسط القوم أو المكان : جلس وسطهم.
2- كل موضع يصلح فيه وضع "بين" عوضاً من "وسط" , يقال "هو في وسط القوم وفي وسطهم" أي بينهم.
3- الوسط للمذكر والمؤنث والواحد والجمع: المعتدل.
متوسط , في المثلث مثلاً : مستقيم يصل بين رأس ما ومنتصف الضلع المقابل.

لو تمعَّنَّا في المعاني السابقة نجد بأن أكثرها تدور حول التوسط أي أخذ الوسط بين الأشياء, وعلى أساس القائمة السابقة هل هناك سببٌ لرفض المعنى الأساسي لكلمة وسط وهو المرادف الصحيح له بالإنجليزية. ولكن بقبول المعنى الشائع لكلمة وسط في حد ذاته من شأنه أن يُقَوِّض أو على الأقل يُضعف عقيدة المسلمين لمسألة خاتم النبيين. ما هي الخيارات الأخرى عند علماء المسلمين لمعنى كلمة وسط؟ بإمكانهم إختيار : عادي , متوسط. لكن اعتمد العلماء معنى واحداً لكلمة "وسطا" وهو (معتدل) , وعلى الرغم من أن هذا ليس تفسيرا معقولا لكلمة " وسطا" إلا أنه هو الذي اختاره العديد من علماء الدين. البعض منهم قد خطا خطوة أبعد من ذلك. إنهم يزعمون بأنه مادام الشخص المعتدل ليس متطرفاً فأنه يكون منصفاً أيضاً. ولذلك يستنتجون بأن ما يُعنيه الله بقوله أن المسلمين هم أمة وسطا أي أنهم أمة منصفة وعادلة في أفعالها وأنماط حياتها وسياساتها.

هناك عدد قليل من العلماء مثل الباحث يوسف علي وهو من الموثوقين بهم والذي اتبع نهجاً مختلفاً , إنه ممن يزعم بأن كلمة وسط تعني " معتدل بإنصاف" أو منصف باعتدال. هل يعقل هذا التفسير؟ أولاً إنني (الكاتب) لم أجد في أيٍّ من القواميس التي فحصتها الكلمتين منصف ومعتدل كمعنى لكلمة وسط. ثانياً ماذا يعني أن يكون الشخص معتدل بإنصاف ؟ هل يمكن أن يكون الشخص معتدلاً بلا إنصاف؟ أو منصفاً بلا اعتدال؟ إن الخيارات المختلفة التي قدمها علماء الدين تثبت مرةً أخرى هذه الحقيقة وهي أن الناس عندما لا يحبون ما تتضمنه الآية من معنى محدد يغيرون المعنى كي تناسب رغباتهم وتوقعاتهم الخاصة.
دعونا نضرب مثالا لكي نرى لماذا وكيف يغير المسلمون الكلمة الإلهية. لنفترض أنك شاركت في سباق الدراجات ومن ثَمَّ في نهاية السباق سمعت أن القاضي يقول إنك أنهيت المباراة وأحرزت رتبة المنتصف أي كنت في مرتبة الوسط . بالطبع ليس هذا ما كنت تريد أن تسمعه, إذاً ماذا سوف تفعل؟ من المحتمل أنك تحاول إنكارالموقف ورفضه, فتقول: كان يدور في مخيلة القاضي أمراً آخراً. فكما أعتقد ــ إنني إنسان عظيم والقاضي ربما بكلمة "وسط" كان ينوي أن يقول بأنني إنسان عادل وأقر بالمنافسة العادلة. إن هذه الاستراتيجية هي تلك التي اعتمدها علماء الدين وعزَّزوا من شأنها. من الذي يرغب أو حتى يجرؤ على رفض تفسير يقرُّه العلماء؟ إن الناس يحبون أن يستمعوا إلى قادة أديانهم الذين قاموا بإعلاء شأن ديانتهم ورفع مكانتها فوق سائر الأديان. يود أتباع الأديان أن يكون لهم مبررات لمعتقداتهم لا سيما إذا كانت هذه المعتقدات تجعل دينهم مميزاً وفريداً من نوعه. هذا هو سر بقاء علماء الدين على رأس السلطة حيث يُفوَّضُُ إليهم كل الأمور ويبقى العالم في حالة من الفوضى والانقسام.

لقد أحَبَّ المسيحيون أن يستمعوا إلى علمائهم وهم يقولون لهم أن يسوع هو المنقذ الوحيد. وينطبق الشيء نفسه مع الغالبية العظمى من أتباع الديانات الأخرى. فالمؤمن نادراً ما يتجرأ أن يشك في المعتقدات السائدة لأسلافه رغم كونها غير عقلانية.

إن النبوءة التالية لا تنطبق على المسيحيين واليهود فقط, بل تنطبق على المسلمين أيضاً.

فإنه سيأتي زمان لا يطيق الناس فيه التعليم الصحيح بل تبعاً لشهواتهم الخاصة يكدسون لأنفسهم معلمين ( يقولون لهم كلاماً) يُداعب الآذان. تيموثاوس 2 , 4:3

القول بأن المسلمين هم أمة وسطا يتفق بانسجامٍ تام مع الآيات التي درسناها خاصةً تلك التي تصّرِّح بالمبدأ التالي:

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ. سورة 7 , آية: 34

إذا كان لكلِّ أمةٍ أجلٌ فلابد لها أن تواجه الموت (بالطبع الموت الروحاني) في الوقت المحدد. وهل يخلف الله بوعده من إرسال الرسل لكي ينعموا علينا بفيض من كنوز علمه؟ لا يمكن لربٍ رحيم ورؤوف بعباده أن يتخلى عنهم.

ومن سنة الله الأبدية أن الموت يعقبه دائما هبة حياة جديدة. وهذا هو السبب في إرسال الرسل بين حين وآخر. ولكن تسمية المسلمين بأنهم أمة وسطا في حد ذاته يبين لنا أن الله كان على اطلاع كامل بالاعتقاد السائد بين المسلمين بأنهم آخر أمة وإلا لم يكن المسلمون بحاجة إلى التذكير بأنهم يقعون في المرتبة الوسطى من التسلسل الأممي.

سوف نقوم الآن بدراسة التفسير الشائع لكلمة "وسطا" ثم بعد ذلك نراجع القرآن الكريم لمعرفة ما إذا كان يؤكد التفسير الذي نقدمه هنا.

• إذا كان الله يريد أن يُصّرِّحَ بأن المسلمين هم إما منصفون أو معتدلون أو معتدلون بإنصاف, فلماذا لم يختار سبحانه وتعالى كلمة محددة ليعبر بوضوح عن هذه الصفات؟ لماذا اختار كلمة وسطا ويراد بها معتدلون؟
• الكلمتان اللتان تعرِّفان كلمة وسطا أي عادل (منصف) و معتدل, ليستا مترادفتين أو منسجمتين. علينا أحياناً أن نتخذ إجراءات صارمة لنكون عادلين ومنصفين. ماذا لو كان عومل هيتلر باعتدال ولطف؟ الاعتدال في هذه الحالة سوف يكون الظلم بعينه.
• إن الاعتدال هو فضيلة تكون في مظاهر معينة من الحياة فقط. على سبيل المثال هل هي من الصفات الحسنة أن نكون معتدلين في الفضائل مثل العدالة والأمانة؟ عندما يتعلق الأمر بالفضائل الاعتدال هنا يمكن أن يعني الوسطية. في الحقيقة هذه هي إحدى المعاني الأقل شيوعاً لكلمة "وسطا" .
• أليس في اختلاف علماء الدين الذين اختاروا ثلاثة معان مختلفة لكلمة "وسطا" تكمن حقيقة واضحة بأن المعاني كلها هشة. فكما لاحظنا أن القاموس لم يعدد أو يسجِّل كلمة معتدل أو متوازن كمعنى مختلف لكلمة "وسطا".
• الآية كما تُرجِمت بصورة تقليدية تُصرِّح بأن:
جعلناكم أمةً عادلة ومنصفة. (سورة 2, آية: 147)
ماذا تعني الآية بأن نقول " جعلناكم أمةً معتدلة ومنصفة" ؟ هل الله سبحانه وتعالى خلق المسلمين أو أجبرهم بأن يكونوا معتدلين؟ ألا يتضمن هذا الافتراض (جعلناكم أمةً معتدلة ومنصفة) بأن الله سبحانه وتعالى بطريقة أو بأخرى ساعد المسلمين ليكونوا معتدلين, ولكن ترك سائر أتباع الديانات الأخرى لتصبح ظالمة ومتطرفة.
• هل توجد آية في القرأن تؤكد مثل هذا التفسير؟
• هل يوجد في التاريخ الإسلامي أي دليل أو إشارة إلى أن المسلمين كانوا إما أكثر إعتدالا أو أكثر عدلا من أتباع الديانات الأخرى, مثل الهندوس والبوذيين واليهود والمسيحيين والزردشت وغيرهم؟
• لقد انقسم الإسلام إلى طائفتين رئيسيتين مع معتقدات مختلفة جذرياً حول خلافة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. هل يمكن لكلتا الطائفتين أن تكونا معتدلتيْن أو عادلتيْن فيما يتعلق بأكثر المسائل أهميةً ألا وهي: من هم الذين كانوا أحقا بخلافة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
• إن الآية التي تدعو المسلمين بأنهم أمة " وسطا" تؤكد إلى مدى أبعد الأدلة المقدمة مسبقاً والتي توضح بأن الأمة في هذه الآية لا تعني دولة أو شعب. وإن المسلمين ليسوا شعباً بل هم أفراد يؤمنون بالإسلام وينتمون إلى شعوب عديدة.

بعيداً عن كل الأدلة المقدمة سابقاً لتبيين أن " وسطا" في الآية تعني حقاً أن المسلمين هم أمة " وسطا" نجد أن من خلال دراسة العبارتين الأخيرتين للآية يمكننا أن نتبين المعنى الحقيقي لكلمة "وسطا".
لنتمعن في معنى الآية مرة أخرى ونصنفها إلى ثلاثة بنود:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً... سورة 2, آية : 143

• منزلة المسلمين هي: أنهم أمة وسطا.
• ليكونوا شهداء على الناس.
• ويكون الرسول عليكم شهيدا, أي ليرى كيف تتصرفون.

ترجمة أخرى:
إخترناكم أمة خيارا عدولا, لتشهدوا على الأمم بأن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم, ويكون الرسول شهيدا عليكم أنه بلَّغكم رسالة ربه. ( كما جاء في تفسير الجلالين والتفسير الميسر في المصحف الرقمي).
إلى ماذا تلمِّح فقرة لتكونوا شهداء على الناس؟ ماذا تطلب من المسلمين أن يفعلوا؟ إنها تطلب منهم التفكر والتأمل في الطريقة التي كان الناس يسلكونها وقد استمروا بالتقيد بها, إذاً هذه الآية تذكِّر المسلمين علَّهم يتعلمون درساً من التاريخ. إن الآيات القرآنية الأخرى تطلب منَّا مراراً أن نعتبر من أفعال الأمم السابقة لأن التاريخ يعيد نفسه, [ وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَتَتَّبِعنَّ سُننَ مَن كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم . قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قال: فَمَن؟]
والناس قد اعتادوا بتقليد الأجداد السلف فعندما يُبعَثُ رسول جديد يصدون عنه كما فعل أجدادهم القدماء تماماً.

إلى ماذا تُلمِّح فقرة ويكون الرسول عليكم شهيدا؟ ماذا تُبلِّغ المسلمين؟ إنها تُقدِّم لهم هذا التحذير : كما أنكم أيها المسلمون تتأملون أتباع الديانات الأخرى لكي تتعلموا من دروس التاريخ, فسوف يتأمل تصرفاتكم الرسول الكريم ليرى ما إذا كنتم تتعلمون من دروس الأمم السابقة وتأخذون العِبَر منها أم لا. فالآية إنما هي تحذير للمؤمنين لأنها تصرِّح بهذا الخطاب : تدَّبروا وتفكَّروا في تاريخ ديانة الملل السالفة. هذا الخطاب يتكرر في سورة قرآنية أخرى :

... لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ... سورة 22, آية: 78

إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. سورة 73, آية: 15
تأمل هذه الآيات أيضاً:
وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ.... ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. سورة10, آية: 13-14

ماذا تعلمنا الآيات السابقة ؟ بأن الناس دائماً رفضوا أنبياءهم بسبب محدودية عقولهم والتي خيمت عليها سحب التقليد حتى أن براهين الله لم تُقْنِعْهم. ألسنا نحن ورثة هؤلاء الأقوام؟ سوف نكون في موقفهم يوماً ما. ويتعين علينا آنذاك أن نقبل أو نرفض الرسول الجديد الذي بعثه الله سبحانه وتعالى. ألا ينبغي لنا أن نتعلم ونعتبر من دروسهم؟ هل علينا أن نكون أُسراء للتقاليد أو هل ينبغي أن نعترف بحجج الله التامة والكاملة والتي تؤكدها الآيات التي تُثبت بأن الله سوف يبعث رسولا جديداً. إذاً لماذا أخبر الله المسلمـيـن بـأنـه سـوف يكـون عليهـم شهيـدا وكمـا ذكـرت الآيـــة (لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)؟

يبين القرآن الكريم بأن الله يبعث رسله بمهام خاصة مثل:

• تأكيد صدق الرسالات السابقة.
• يبشر المؤمنين برحمة ربهم كما يبشرهم بمجيء الرسل الذين وعدهم الله.
• يحذر الناس من عواقب رفضهم لأولئك الرسل.
• يكون شاهداً على أتباعه لينظر كيف يعملون.
الآية التالية تشير إلى ثلاث من تلك المهام:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. سورة 33, آية: 45

كان عيسى عليه السلام شهيداً على أتباعه فعندما سأله الله عن أتباعه الذين أساؤوا فهم وتفسير تعاليمه, أجاب حضرته:

كُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ...... إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ... سورة 5, آية 117:118

تنص الآية التالية أن المسلمين كانوا أيضاً شهداء:

هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس. سورة 22, آية: 78

ظهور سيدنا محمد
عليه السلام







سيدنا محمد: شاهد على المسلمين الذين عاشوا بعد ظهور الإسلام – لينظر كيف يعملون.
المسلمون: شهداء على أتباع الديانات السابقة ـــ أي المسلمون الذين عاشوا قبل ظهور الإسلام وبعده ـــ (لأن اتباع الديانات كلهم بشهادة القرآن مسلمون) ليروا كيف كانوا يعملون ولازالوا يتصرفون.









الإسلام

الإسلام الإسلام مستمر للأبد الإسلام الإسلام


تماما كما جاء الرسل لهداية المسلمين الذين عاشوا قبل ظهور الإسلام فإنهم سوف يأتون لهداية المسلمين الذين سوف يعيشون بعد ظهور الإسلام. فقد وصف الله الأمم السابقة بالمسلمين فصار الإسلام وصفاً شاملاً وشرطاً لكل الرسالات الإلهية. فالإسلام هو وصف للأمم التي سبقت ظهور الدين الإسلامي وللمؤمنين الذين سوف يفوزون بعرفان الرسل من بعد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
إن هذه الدلالة ترفع من شأن الإسلام وتجعله عظيماً.

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ. سورة 35, آية: 39

إن الآية السابقة تخاطب المسلمين الذي هم بالفعل على الصراط المستقيم ولم ينكروا الحقيقة. ماذا يمكن أن ينكر المسلمون غير الرسول الذي سوف يأتي بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. تتنبأ الآية وبطريقة مهذبة وبارعة بأنه رغم كون المسلمين شهداء على مصير الأمم الماضية ولكن الكثيرين منهم لن يعتبروا ويتعلموا الدرس المطلوب.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلا نُفُوراً..... يَنظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً . سورة 35, آية: 42-43

عندما ندرس الآيات السابقة, نُدرِك ما يلي :
• يجب على المسلمين أن يكونوا شهداء على مصير الأمم السابقة.
• إن المسلمين سوف لن يأخذوا العِبَر, وكثيراً منهم سوف ينكر الرسل في المستقبل.
• إن أتباع أي دين جديد يقسمون بأنهم ليكونن أهدى من إحدى الأمم أي الأمم الذين من قبلهم.
• عندما جاءهم رسول جديد اتبعوا سبيل مَن سبقهم من الأمم فاستكبروا واستهزؤوا به.
• هل الناس - بمن فيهم المسلمين – سوف يسلكون طريقاً آخراً؟ وهل يعتقدون بأنهم سوف لا يتبعون سبل الأمم السابقة؟
• إنهم ( المسلمون) سوف لن يغيروا طريقة استجابتهم لرسل الله, ولن يغير الله في طريقته لإرسال الرسل.

إن الآيتين الأخيرتين التي تتبع الآيات السابقة تُعرِبُ عن صبر الله وعدله.


عدالة الله

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً. سورة 35, آية: 44


صبر الله وعدالته

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً. سورة 35, آية: 45


ينبغي لنا أن نلاحظ بأن الإنذار النهائي دائماً ما يُعبَّر عنه بصيغة المستقبل:

وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ.... سورة 35: آية 45

إن كثيراً من الآيات القرآنية تصرِّح بأن الله سبحانه وتعالى يُنزِل العقاب الإلهي على الناس كما ورد في الآية السابقة بعد رفضهم الرسول الجديد. إن التحذير السابق والموضح بصيغة المستقبل يشير إلى أن معارضة جمهور الناس سوف يتكرر مرة أخرى ويُسجَّل في التاريخ.

إن البشر يميلون عادةً إلى الاعتقاد بأنهم مستثنون من هذه القاعدة وأنهم منفتحون ونيَّتهم سليمة. إن الدراسات النفسية تشير إلى أن الناس يُغالون في الحديث عن أنفسهم فهل التقيتَ بفرد من طائفةٍ ما يفضِّل معتقـدات طائفة أخرى, هل قابلت على سبيل المثال أتباع الشيعة المتدينين يفضلون معتقدات أهل السنة أو أتباع السنة الملتزمين يفضلون معتقدات أهل الشيعة؟ لماذا إذاً يكون صعباً أن نجد مؤمناً من هذا القبيل؟ لأن الناس سعداء بما لديهم ؟ قال تعالى:

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. سورة 30, آية: 32

إن الشعور بالرضاء عن الذات والنفس هو السائد تقريبا بين جميع البشر. ففكرة إننا سوف لن نسلك سبل الأمم السابقة هو مثال آخر على تلك النزعة ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. المؤمنون 53 ). تأملوا كيف يتعامل المسيحيون مع الإسلام والنهج الذي يسلكونه اتجاهه. هل أظهر المسيحيون حسن نواياهم وأنهم أصحاب عقول غير متحفظة أم هل كانوا متمسكين بتقاليدهم أي بما سمعوه عن آبائهم ورؤساء دينهم. ألم تكن الأمم تتصرف وفق الآية التالية من الإنجيل على مر العصور.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. إنجيل متى 23:29

إذا كان من السائد أن تتَّبِع الأمم سنة معينة فلماذا إذاً يكون المسلمون مستثنون عن هذه القاعدة العامة؟ هل كان المسلمون أولَ أمةٍ تعتقد بأن دينهم هو آخِر الأديان؟ كلا, إن الاعتقاد بختمية الدين يعود إلى ما قبل عهد الإسلام.

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ ....... حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً. سورة 40, آية: 34

ينبغي أن نلاحظ بأن فكرة الختمية قد تم اعتمادها وروَّجَ لها تقريباً جميع المسيحيين. تأملوا العبارة التالية من عالم الإلهيات الشهير الدكتور جيمس كندي:

لقد كان موسى نجماً عظيماً لعصر العهد القديم وكان الأنبياء يعتبرونه الرسول العظيم الذي بواسطته أظهر الله كلمته ومشيئته. ومع ذلك أعطى موسى بني إسرائيل الأمل بأنه سوف يظهر نبي عظيم آخَر. هذا النبي ( يسوع ) سـوف يأتي بالوحـي النهائي للبشـريـة.[ الرسالة إلى العبرانيين, الإصحاح الأول الآيات 1-3] 1 فهل يسوع نبيكم؟ هل تنظرون إليه بأنه الظهور النهائي والأخير لمشيئة الله وصفته وغايته؟ هل أذعنتم بأنه هو مصدر الحقيقة كلِّها؟ إن هذا هو المطلوب منَّا كمسيحيين. 2

الآن لنتتأمل الآيات التالية كما فسَّرها أحد العلماء المسلمين:

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً. وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً. سورة 72, آية: 6-7

التفسير: وأنتم يا معشر المؤمنين المنافقين زعمتم كما زعم المسلمون الصادقون بأن الله سوف لن يبعث أحداً (لكي يكون رسولا).

نرى أن كلمة بعث المذكورة في الآية السابقة والتي تُرجِمت بالبعث بعد الموت , لها معنيان أساسيان:
• أحيا , أيقظ , بعثه بعد الموت.
• أرسله أو رفعه إلى مرتبة النبوة.
استُخدمت كلمة بعث في القرآن غالباً فيما يتعلق بإرسال الرسل.

فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِين. سورة 2, آية: 213

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً. سورة 17, آية: 15

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ. سورة 7, آية: 103

لنتأمل السورة 72 آية 7 : "وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدا" مرة أخرى: وأنتم يا معشر المؤمنين المنافقين زعمتم كما زعم المسلمون الصادقون بأن الله سوف لن يبعث أحداً (لكي يكون رسولا).

أي من المعاني تكون ذات صلة بالآية السابقة: رفع إنسانٍ إلى مرتبة النبوة أم إحياء الإنسان من بعد الموت. إذا كان موضوع الآية هو إحياء الموتى فإنه من الأرجح أن يشير إلى الناس بصفة عامة. بالنظر إلى كلا المعنين لكلمة "بعث" فإن الإشارة إلى شخص مفرد, تدل أن الآية تشير إلى إرسال رسول بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من كونها أن تشير إلى بعث شخص ما من الموت. إن بعض التراجم كتلك التي هي من قِبل الدكتور الهلالي تؤكد الترجمة المذكورة سا بقاً عن إرسال الرسول.

[ وهم ظنوا كما ظننتم بان الله لن يبعث رسولا.] د. الهلالي.

من هم الجن؟ إنهم غالباً وليس دائماً متحفظون وذو وجهين وإنهم يضللون المؤمنين الصادقين. فتنص الآية السابقة أن المؤمنين المنافقين والذين يُطلق عليهم الجن يُخبرون المؤمنين الصادقين (الإنس) بأنه لن يبعث الله رسولا.

وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً. سورة 72, آية: 7.

تخاطب هذه الآية المسلمين, وتصرح بأن بعض المؤمنين المنافقين في الماضي أمثال المسيحيين اعتبروا كما أنتم أيها المسلمون تعتبرون بأنه لن "يُبعَثَ" أحداً. فالفعل يبعث لا تشير إلى إحياء الموتى, وكما هو مسلَّم به فالمسلمون على إيمان بأن الموتى سوف يُبعَثون حيث يوم البعث هو الموضوع الرئيسي والجوهري في القرآن. إن الأمر الذي يتصوره المسلمون بهتاناً هو أن الله سوف لن يبعث أي رسولٍ بعد سيدنا محمد. إن الآية 6 من سورة الجن هي الأكثر دلالةً على بهتان العقيدة السائدة بخاتم النبيين.
إن مقارنة الآيتين التاليتين سوف تُساعدُنا لكي ندرك ونعزز المعنى الحقيقي لكلمة بعث.

قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً. سورة 40, آية: 34

وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً. سورة 72, آية: 7

كما أن الآية التالية توضح الدور المميز للجن في تضليل أتباعهم ذوي العقول الساذجة.

وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ. سورة 6, آية: 128.

من هم الناس الذين لهم دور في تضليل الآخرين؟ أليسوا هم رجال الدين؟ ولكن الآية تصرِّح بأن المؤمنين الصادقين (الإنس) الذين ضلّوهم رؤساءهم (الجن) لا يستطيعون أن يسامحوا أنفسهم أو يبرروا موقفهم. إنهم مسؤولون لسماحهم لهؤلاء القادة بتضليلهم. كما يبين لنا القرآن, كلا الفريقين مثواه جهنم. وهناك آيات كثيرة من القرآن الكريم تبيِّن أن زعماء الدين يصدّون الناس عن الحقيقة وخاصة عند بزوغ فجر جديد لرسالة سماوية.

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً. سورة 33, الآيات: 66, 68
تأملوا أيضاً : سورة 41, آية: 29, سورة31, آية: 33-34 , سورة 27, آية: 33-37.

من هم الذين يمكن أن يُضِّلوا الآخرين بمن فيهم المسلمين؟ أليسوا هم رجال الدين وزعمائه؟ ولكن كما تصرِّح الآية فإن المؤمنين الصادقين قد أضلوهم زعماءهم (الجن) لأنهم أولا لديهم السلطة لعمل ذلك, وثانياً لأنهم يخشون فقدان مراكزهم. ماذا تعتقد سيحدث إذا ما أعلن قسيس أو كاهن يوما ما هذه الرسالة في كنيسته : إن محمداً هو رسول الله. ماذا لو أعلن شيخ مسلم أو إمام مسجد هذه الرسالة في مسجده: لقد كنا على خطأ, إن محمداً ليس خاتم الأنبياء.
هنا علينا أن نضع بعين الاعتبار أن زعماء الدين ليسوا جميعاً على شاكلة واحدة. إن بعضهم يضيء ويتلألأ كالنجوم في السماء. إنهم نموذج للعدالة والحكمة أي نموذج حي لهذه الآية من القرآن الكريم.

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. سورة 49, آية: 13 .

ولكن هناك رجال دين آخرين هم العكس تماماً. إنهم يثيرون التعصب والعنف والحرب. ومعظم الآيات القرآنية تخاطب هؤلاء الزعماء. ولقد تم مناقشة هذا الموضوع بمزيد من التفصيل في فصل آخر من الكتاب.
لكي نختم هذا الفصل دعونا نراجع الاسترتيجيات التي استخدمها الناس على مرِّ العصور لكي يرفضوا أنبياءهم. نُدْرِجُ فيما يلي أكثر الأسباب التي أدّت إلى إعراض الأمم:
• شرح وتفسير الكلمة الإلهية وخاصة النبوءات بناءً على المعاني الظاهرية والحرفية لتلك العبارات, وذلك كالآتي :
• تفسير كلمة "وسطا" بأنها لا تعني وسط , بل معتدل ومنصف.
• تفسير كلمة "أمة" بأنها لا تعني جماعة دينية كالمسيحيين والمسلمين بل تعني مجتمع أو شعب أو جماعة غير محددة من الناس.
• تفسير كلمة "بعث" الواردة في الآيات كما تناولناها سابقاً بأنها تشير إلى إحياء الموتى ولا تشير إلى بعث الرسل.
• تفسير كلمة "خاتم" بأنها النهاية لأن الناس عادةً يضعون خاتمهم أو يوقعون على الرسالة أو الوثيقة في نهايتها وليس في بدايتها.

مما سبق يتضح لنا كما ذكر القرآن الكريم في سورة الأعراف كيف كان الناس يفسرون الآيات ويتدبرون معانيها عند بزوغ فجر جديد لرسالة سماوية. قال تعالى:

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ. سورة 7, آية: 162

إنه من الصعب جدا للدليل والبرهان أن ينتصر على القوى القاهرة للعقائد التي كانت ولاتزال راسخة في أذهان الأمة, وإن وعد مجيء رسل من عند الله بعد سيدنا محمد هي من إحدى الوعود المؤكدة التي ذكرها الله في القرآن الكريم, وهي تضيء في سماء الذكر الحكيم كالشمس الساطعة ولكن للأسف قد تم إخفاء هذه الحقيقة خلف سحب من النظريات والافتراضات الدينية المتعصبة ويسيطر عليها زعماء الدين المغالون بحيث لا يسمحون لنور العرفان أن يصل إلى قلوب وعقول المؤمنين الصادقين.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى