منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حضرة بهاء الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 حضرة بهاء الله في 2010-12-03, 09:44

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

مَوْلِدُ الظّهُورِ الجَدِيد

استهلَّ بهاء الله مهامّ بعثته في سجن تَحت الأرض في طهران في شهر آب (أغسطس) عام 1852. وكان قد رفضَ الوظائف الوزاريّة المتاحة له، وهو سليل أسرة نبيلة تحدّرت من الأسر المالكة الفارسيّة العريقة، واختار عوضاً عن جاه الوزارة أن يصرف جلَّ وقته في أعمال الخير والإحسان. وبحلول عام 1840 ذاع صيته الخيّر واشتهر بين النّاس فَلُقِّبَ "بأبي الفقراء". وبدأت الامتيازات الاجتماعيّة التي كان يتمتّع بها بالانحسار بعد عام 1844، عندما أصبح أحد المناصرين الرّئيسيّين لحركة كان لها أن تُحَوِّل مجرى التّاريخ في بلاده.

ساد معظم البلدان في السّنوات الأولى للقرن التّاسع عشر الميلاديّ شعورٌ عميق من التّرقّب والانتظار بعودة السّيّد المسيح. وتوجّه المؤمنون المخلصون من خلفيّات دينيّة مختلفة إلى كتبهم الدّينيّة المقدّسة يستقرئونها تفسيراً لما لمسوه من تحوّلاتٍ متلاحقة سريعة في الشّؤون الإنسانيّة، وقد أقلقهم إلى حدٍّ كبير إدراكُهم للنّتائج المترتّبة على الثّورة


الصّناعية والأبحاث العلميّة الجارية. فقامت مجموعات في أوروبا وأمريكا مثل "الهيكليّون" و"الميلاريّون" اعتقدت أنها وجدت في الآثار المقدّسة المسيحيّة دليلاً يثبت صحّة اعتقادها بأنّ التّاريخ قد انتهى، وأنَّ المجيء الثّاني للسيّد المسيح بات وشيك الحدوث. وقامت ضجّة مشابهة في الشّرق الأوسط حول النّبوءات المختلفة الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النّبويّة الشّريفة مشيرةً إلى أنّها هي أيضاً وشيكة التّحقّق.

وكانت أكثر الحركات المتعلّقة بالمجيء الثّاني للسيّد المسيح وعودة عيسى ابن مريم إثارةً وأهميّة، تلك الحركة التي ظهرت في بلاد فارس وكان محورها شخصيّة تاجر شاب من شيراز، والتّعاليم التي جاء بها. وعَرَفَ التّاريخ ذلك التّاجر الشّاب باسم "الباب" . بشّر الباب بأنّ يوم الله قريب وأنّه هو الموعود في القرآن والحديث. فأثارت دعوته هذه، ولمدّة تسع سنوات من عام 1844 إلى عام 1853، عاصفةً من الأمل والانفعال أحاطت بالأمّة الفارسيّة على اختلاف طبقاتها. وأعلنَ البابُ أيضاً أنَّ الإِنسانيّة تقفُ على عتبة عصر جديد سيشهد إعادة بناء الحياة من كلّ ناحية من نواحيها، وأنَّ ميادين للعلم ستُكتشف ولا يمكن إدراكها الآن، ستمكّن أطفال العصر الجديد من التّفوّق على أعلم العلماء من معاصريه. وأنَّ الله قد دعا الجنس البشري ليتبنّى هذه التّغيّرات والتّحوّلات فيأخذ النّاس على عواتقهم مسؤوليّة تغيير حياتهم الرّوحيّة والخلقيّة. وأعلن الباب أنّ لبعثته هدفاً هو إعداد

الجنس البشريّ وتهيئته لاستقبال ذلك الحدث الذي يكمن في لُبّ هذه التّطوّرات، ألا وهو ظهور ذلك الرّسول الذي سوف يبعثه الله إلى العالم بأسره، أي مَنْ "سوف يُظهره الله" ومَنْ ينتظر مجيئه أتباعُ الأديان السّماويّة كلّها.

أثارت الدّعوةُ هذه علماءَ المسلمين، فقاموا يحاربونها بعنف وشراسة، مدّعين بأنّ الرّسالة الإلهيّة انتهت بمحمّد، وأنّ أيّ إقرار مخالف لذلك يمثّلُ ارتداداً عن الدّين عقابه القتل. وسرعان ما انضمّت السّلطات الفارسيّة إلى العلماء تساندهم في حملة تشهيرهم بالباب. وقُضيَ على الآلاف من أتباع الدّين الجديد فسقطوا ضحايا سلسلة من المذابح المروّعة في كلّ أنحاء البلاد، وأُعدم الباب علناً في التّاسع من تموز (يوليو) عام 1850. وأثارت هذه الأحداث اهتماماً وشعوراً بالتّعاطف مع الضّحايا في الأوساط الأوروبيّة ذات النّفوذ. فحياة الباب الطّاهرة الشّريفة، وتعاليمه السّامية النّبيلة، وبطولة أتباعه وبسالتهم، ونور الأمل الذي أشعله هؤلاء في أرضٍ خيّم عليها الظّلام بما اقترحوه من إصلاحات وتغييرات جذريّة – كلّ هذا كان له تأثير عميق في نفوس عدد من الشّخصيّات العالميّة المرموقة، أمثال ارنست رينان، وليو تولستوي، وسارة برنار، والكونت دي غابينو.

وكان أن اشتهر بهاء الله كأبرز المدافعين عن أمر الباب، فألقي القبض عليه وأحضر إلى طهران سيراً على الأقدام مكبّلاً بالسّلاسل والأغلال.

ولم يصدر حكم بإعدام بهاء الله، كما كان يطالب بذلك بعض الشّخصيّات ذات النّفوذ في البلاط الإمبراطوريّ. ولعلّ ذلك كان إلى حدٍّ ما بسبب ما كان يتحلّى به بهاء الله من سمعة مرموقة، وما كان لأسرته من مكانة اجتماعيّة، بالإِضافة إلى موجة الاستنكار التي عمّت السّفارات الغربيّة احتجاجاً على المذابح ضدّ البابيّين. فكان السّجن بديل الإعدام، وأُلقِيَ ببهاء الله في سجن "سياه چال"، المشؤوم والمعروف "بالقَعر المُظلِم"، وهو سجن في باطن الأرض تملأ أرجاءه الحشرات والفئران والجرذان، وكان أصلاً خزّاناً للمياه حُوِّل إلى سجن للمجرمين. ولم توجّه إلى بهاء الله تهمة معيّنة، وأُبقِيَ هو وثلاثون من أصحابه رهن الاعتقال دون أن يكون لهم حقّ المراجعة، وسُجنوا في تلك الحفرة المظلمة النّتنة يحيط بهم عتاة المجرمين ممّن صدرت بحقّهم أحكام الإِعدام. وَصُفِّد عنق بهاء الله بقيد غليظ يثقل حمله، كان من وطأته على حامليه أنَّهم أَعطَوْه اسماً خاصّاً به هو "قره كهر". ولم يهلك بهاء الله في السّجن بسرعة كما توقّع أعداؤه. فكان أن دُسّ له السّمّ في طعامه، ولكنّه نجا من هذه المحاولة وعاش حاملاً أثر ذلك القيد البغيض مطبوعاً على عنقه مدى الحياة.

تُركّز آثار بهاء الله الكتابيّة على عرض مسهب للمسائل الكبرى التي شغلت علماء الدّين والفقهاء عبر القرون. فهي تتناول بالشّرح والتّفسير المواضيع التّالية: عظمة الله سبحانه وتعالى، دور الظّهور الإِلهيّ في التّاريخ الإنسانيّ، علاقة النّظم الدّينيّة في العالم بعضها ببعض، معنى

الإيمان، القواعد الخلقيّة كأساس لأيّ سلطة مسؤولة عن تنظيم المجتمع الإنسانيّ. وتحتوي هذه النّصوص المقدّسة مقاطع يتحدّث فيها بهاء الله بصراحة وحرارة عن اختباراته الرّوحيّة الخاصّة، ويصف لنا كيف لبّى النّداء الإلهيّ الذي وُجِّهَ إليه، ويشير إلى الحوار الذي جرى بينه وبين "الرّوح الأعظم"، وهو الحوار الذي يحدّد جوهر بعثته. ولأوّل مرّة في تاريخ أيّ دين من أديان البشر تسنح للباحث المدقّق فرصة يقف فيها وجهاً لوجه ليدرس بوضوح كامل ظاهرة "الظّهور الإِلهيّ".

وفي مغرب حياته كتب بهاء الله يستعيد ذكرى اختباراته الأولى فأورد وصفاً مختصراً للظّروف والأحوال التي مرّت به في سجن "سياه چال" بطهران:

"... وَعُيِّنَ لَنا مَقَرٌّ لِمُدّةِ أربَعَةِ أشْهُرٍ لا شَبيهَ لَهُ ولا مَثيل... وَبَعْدَ أنْ وَرَدْنا السِّجْنَ قادونا إلى دِهْليزٍ مُظْلِمٍ ثُمَّ هَبَطْنا ثَلاثَ دَرَكاتٍ وَبَلَغْنا الْمَقَرَّ الّذي عَيَّنوهُ. أمّا المكانُ فكانَ مُظْلِماً يَعيشُ فيهِ ما يَقْرُبُ مِنَ المائةِ والخَمْسينَ مِنَ اللُّصوصِ وَالقَتَلَةِ وَقُطّاعِ الطُّرُقِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ وُجودِ هذا الْجَمْعِ الْغَفيرِ فإنَّ الْمَكانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مَنْفَذٍ سِوى الطَّريق الذي وَرَدْنا مِنْهُ. إنّ الأقْلامَ لَتَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ، وَالبَيانَ يَكِلُّ عَنْ بَيانِ رَوائِحهِ الْمُنْتِنَةِ. وَكانَ مُعْظَمُ هذا الْجَمْعِ بِلا لِباسٍ وَلا فِراشٍ. اللهُ يَعْلَمُ ما وَرَدَ عَلَيْنا في ذاكَ الْمُقامِ الأنْتَنِ الأظْلَمِ."
(مترجم عن الفارسية)

وفي كلّ يومٍ من تلك الأيّام، كان الحرّاس ينزلون إلى قعْر السّجن عبر دركاتِه الثّلاث فيقبضون على واحدٍ أو أكثر من السّجناء ويسحبونهم سحباً إلى خارج السّجن لينفِّذوا فيهم حكم الإعدام. وروّع المراقبين الأجانبَ ما رأوه في شوارع طهران من مشاهد العنف التي ذهب ضحيّتها الشّهداء البابيّون. فتارةً كانوا يشاهدون هؤلاء الضّحايا وقد تناثرت أشلاؤهم بعد ربطهم إلى فُوَّهات المدافع، وتارة رأوهم وقد قُطِّعوا إرْباً إربْاً بالفؤوس والسّيوف، أو أُوقِدت الشّموعُ لتثبّت في أغوار جراحهم وهم يُساقون إلى أماكن إعدامهم. وفي خِضمّ هذه الأحداث والظّروف، ووسط توقّعات بهاء الله صدور حكمٍ بإعدامه، نزل عليه الوحي معلناً تباشير بعثته وبوادر التّجلّي الإِلهيّ على روحه:

"وَفي ذاتِ لَيْلَةٍ أَصْغَيْتُ إلى هذِهِ الكَلِمَةِ العُلْيا في عالَمِ الرُّؤْيا مِنْ جَميعِ الْجِهاتِ: إنَّا نَنْصُرُكَ بِكَ وَبِقَلَمِكَ. لا تَحْزَنْ عَمّا وَرَدَ عَلَيْكَ. وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنينَ. سَوْفَ يَبْعَثُ اللهُ كُنوزَ الأرْضِ، وَهُمْ رِجالٌ يَنْصُرونَكَ بِكَ وَبِاسْمِكَ الّذي بِهِ أحيا اللهُ أفْئِدَةَ العارِفينَ."
(الجملة الأولى فقط مترجمة عن الفارسية)

وهكذا يصفُ بهاء الله موضِّحاً تأثير القوّة المتدفّقة للنّداء الإلهيّ عليه، تجربةً تذكِّرنا بمواقف أخرى لبوذا وموسى والمسيح ومحمّد، لم يصلنا منها إلاّ المقتضبُ اليسير، ومن مصادر ثانويّة فقط، فيما بقي لدينا من سِيَر هؤلاء الرُّسُل. ويسترسل بهاء الله في وصف تلك التّجربة فيقول:

"وَبِالرًّغْمِ مِنْ أنَّ النَّوْمَ كانَ عزيزَ المَنالِ مِنْ وَطْأةِ السَّلاسِل وَالرَّوائِحِ المُنْتِنَةِ حينَ كُنْتُ رَهينَ سِجْنِ أرْضِ الطّاء [طهران] إلاّ أَنّني كُنْتُ في هَجَعاتي اليَسيرَةِ أُحسُّ كَأنَّ شَيْئاً يَتَدَفَّقُ مِنْ أعْلى رَأسي وَيَنْحَدِرُ على صَدْري كَأَنَّهُ النَّهْرُ العَظيمُ يَنْحَدِرُ مِنْ قُلَّةِ جَبَلٍ باذِخٍ رَفيعٍ إلى الأرضِ فَتَلْتَهِبُ جَميعُ الأعْضاءِ لذلِكَ. في ذلِكَ الحينِ كانَ اللِّسانُ يُرتِّلُ ما لا يَقْوى عَلى الإِصْغاءِ إلَيْهِ أحَدٌ."
(مترجم عن الفارسية)

3
النّفْي والإبْعَاد

أُطْلِقَ سَراحُ بهاء الله في آخر الأمر دون محاكمة أو مراجعة، ونُفِيَ على الفور مبعَداً عن وطنه. وصادرت السّلطات اعتباطاً ثروته وممتلكاته. فما كان من الممثّل الدّبلوماسيّ للحكومة الرّوسيّة الذي كان على معرفة شخصيّة ببهاء الله وتابعَ بأسىً متزايد الاضطهادات التي تعرّض لها أتباع الباب، ما كان منه إلاّ أنْ عرض حماية بهاء الله ووجّه الدّعوة إليه ليلجأ إلى المناطق الواقعة تحت نُفوذ حكومته. ولم يقبل بهاء الله هذا العرض في تلك الظّروف السّياسيّة لئلاّ يُفَسَّر الأمر تفسيراً خاطئاً ويُعْطى صبغة سياسيّة. واختار راضياً النّفي للأراضي المجاورة في العراق والتي كانت تابعة آنذاك للحكومة العثمانيّة. وبدأ بهاء الله بهذا الإِبعاد فترة من النّفي والسّجن والاضطهاد المرير استغرقت أربعين عاماً.

خصَّص بهاء الله أولى اهتماماته في الأعوام التي تلت مباشرة رحيله منفيّاً عن أرض فارس، ليلبّي احتياجات الجامعة البابيّة المجتمعة في بغداد. ووقعت هذه المسؤوليّة على عاتقه لأنّه كان الوحيد الذي سَلمَ

من المذابح من بين زعماء البابيّين ذوي النّفوذ. ففي آن معاً استُشْهِد البابُ وفُقِدَ معظَمُ الدّاعين للدّين الجديد والهادين إليه. ونتج عن ذلك تَفَرُّق جماهير المؤمنين وإضعاف معنويّاتهم. ولمّا شعر بهاء الله بأنّ مساعيه لجمع شمل أَتباع الباب الذين لجأوا إلى العراق قد أَثار الحسد والاختلاف، هجر بغداد وتركها قاصداً البرّيّة واعتكف في جبال كردستان العراق. وبخروجه إلى البرّيّة واعتزاله النّاس سَلَك بهاء الله الدّرب نفسه الذي سار عليه كلّ من سبقه من الرّسل والأنبياء. وكما أخبرنا هو في وقت لاحق: "قَسَماً بِاللهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدي نِيَّةُ الرُّجوعِ مِنْ هذِهِ المُهاجَرَةِ وَلا أمَلٌ في العَوْدَةِ مِنْ هذا السَّفَرِ." كان هدفه فقط كما قال: "أنْ لا أكونَ عِلَّةَ اخْتِلافِ الأحْبابِ، وَلا مَصْدَرَ انْقِلابِ الأصْحابِ". ورغم أنَّ فترة العامَيْن التي قضاها بهاء الله في البرّيّة كانت فترة قاسية اتّسمت بالعَوزَ والحرمان والمتاعب الجسديّة، فقد وصفها بأنّها كانت مليئة بالسّعادة الحقيقيّة، تمكّن فيها من التّأمُّل في عمق الرّسالة التي عُهِدَت إليه: "كنتُ مَشْغولاً [بِمُناجاةِ الرّوحِ] نابِذاً وَرائي العالَمَ وَما فيه".

وبعد تردّد طويل، وإيماناً منه بأنّ عليه واجباً يؤدّيه تجاه أمر الباب، وافق بهاء الله أخيراً أن يعود إلى بغداد، استجابة للرّسائل الملحّة التي وردت إليه من جموع المنفيّين اليائسين في بغداد، مِمَّن توسّلوا إليه بعد أن اكتشفوا مكان وجوده ليعود إليهم ويأخذ بزمام قيادتهم.

من أهمّ الآثار التي أنزلها بهاء الله في هذه الفترة الأولى من فترات النّفي في حياته، وقبيل الإِعلان عن بعثته في عام 1863، كتابان. الأوّل كتابٌ قصير أسماه "الكلمات المكنونة"، وهو بمثابة أمثلة من الحِكَمِ والأقوال المأثورة ذات الطّابع الخُلُقيّ، تمثّل في مجملها لُبَّ التّعاليم الخلقيّة التي نزلت في رسالته. وفي آيات ينعتها بهاء الله بأنّها جوهر الهداية الرّوحيّة التي جاءت بها كلّ المظاهر الإِلهيّة السّابقة، نَسمَعُ فيها النّداء الإِلهيّ وهو يخاطب مباشرة بتلك الكلمات روح الإِنسان:

"يا ابْنَ الرّوحِ ـ أحَبُّ الأشْياء عِنْدي الإِنْصافُ، لا تَرْغَبْ عَنْهُ إنْ تَكُنْ إليَّ راغباً، وَلا تَغْفَلْ مِنْهُ لِتَكونَ لي أميناً، وَأنْتَ تُوَفَّقُ بِذلِكَ أنْ تُشاهِدَ الأشْياءَ بِعَيْنِكَ لا بِعَيْنِ العِبادِ، وَتَعْرِفَها بِمَعْرِفَتِكَ لا بِمَعْرِفَةِ أحَدٍ في البِلادِ. فَكِّرْ في ذلِكَ كَيْفَ يَنْبَغي أنْ تَكونَ، ذلِكَ مِنْ عَطِيَّتي عَلَيْكَ وَعِنَايَتي لَكَ، فَاجْعَلْهُ أمام عَيْنَيْكَ.

يا ابْنَ الوُجودِ ـ أَحْبِبْني لأُحِبَّكَ. إنْ لَمْ تُحِبَّني لَنْ أُحِبَّكَ أبَداً، فَاعْرِفْ يا عَبْدُ.

يا ابْنَ الإِنْسانِ ـ لا تَحْزَنْ إلاّ في بُعْدِكَ عَنّا، ولا تَفْرَحْ إلاّ في قُربِكَ بِنا وَالرُّجوعِ إلَيْنا.

يا ابْنَ الوُجودِ ـ صَنَعْتُكَ بأيادِيَ القُوَّةِ، وَخَلَقْتُكَ بِأنامِلِ القُدْرَةِ، وَأوْدَعْتُ فيكَ جَوْهَرَ نوري، فاسْتَغْنِ بِهِ عَنْ كُلِّ

شَيءٍ، لأنَّ صُنْعِيَ كامِلٌ، وَحُكْمِيَ نافِذٌ، لا تَشُكَّ فيهِ وَلا تَكُنْ فيهِ مُريباً."

أمّا الكتاب الثّاني من هذَيْن الأثرين المهمّين من آثار بهاء الله الكتابيّة إبّان هذه الفترة فهو "كتابُ الإِيقان". يقدّم الكتاب عرضاً مسهباً لجوهر الدّين والأهداف التي يأتي من أجلها. وتستشهد فقراته ليس فقط بآياتٍ من القرآن الكريم، بل أيضاً بآيات من الكتاب المقدّس بعهدَيْه الجديد والقديم. وفي كلا الحالين نجد سلاسة التّعبير وعمق الإِدراك. ويصوّر لنا الكتاب الرُّسُلَ والأنبياء على أنّهم جميعاً واسطة واحدة لتنفيذ تدبير إلهيّ مستمرّ لا انقطاع له، غرضه إيقاظ الجنس البشريّ ليدرك إمكاناته الرّوحيّة والخلقيّة زمناً بعد زمن. ويبيّن أنَّ الإنسانيّة، وقد بلغت سنّ الرّشد، لَمْ تعد بحاجة إلى لغة الأمثال والقصص والحكايات، وأنَّ الإِيمان بالله لم يعد مسألة إيمان أعمى، بل هو عرفان واعٍ وإحساس صادق. وأنّنا لم نعد بحاجة بعد الآن لنخبة من رجال الدّين يَصْطفون أنفسَهم لإِرشاد النّاس وهدايتهم، فنعمة العقل تسبغ على كلّ فرد في هذا العصر الجديد من التّنوّر والعلم القدرةَ على قبول الهداية الإلهيّة. أمّا المحكّ الذي به يُعرف الإِيمان فهو الإِخلاص وصِدْقُ النّيّة:

"البابُ المَذْكورُ في بَيانِ أنَّ العِبادَ لَنْ يَصِلوا إلى شاطئ بَحْرِ العِرْفانِ إلاّ بالانْقِطاعِ الصِّرْفِ عَنْ ُكلِّ مَنْ في السَّمواتِ

والأرْضِ... جَوْهَرُ هَذا البابِ هُوَ أنَّهُ يَجِبُ على السّالِكينَ سَبيلَ الإِيْمانِ والطّالِبين كُؤوسَ الإِيْقانِ أنْ يُطَهِّروا أنْفُسَهُمْ وَيُقَدِّسُوها عَنْ جَميعِ الشُّؤوناتِ العَرَضِيَّةِ ـ يَعْني يُنَزِّهونَ السَّمْعَ عَنِ اسْتِماعِ الأقْوال، وَالقَلْبَ عَنِ الظُّنوناتِ المُتَعَلِّقَة بِسُبُحاتِ الجَلالِ، وَالرّوحَ عَنِ التَّعَلُّقِ بالأسْبابِ الدُّنْيَويَّةِ، وَالعَيْنَ عَنْ مُلاحَظَةِ الكَلِماتِ الفانِيَةِ، وَيَسْلُكونَ في هذا السَّبيلِ مُتَوَكِّلينَ عَلى اللهِ، وَمُتَوَسِّلينَ إلَيْهِ حَتّى يُصْبحَنّ قابِلينَ لِتَجَلِّيات إشْراقاتِ شُموسِ العِلْمِ وَالعرْفانِ الإِلهيِّ، وَمَحَلاًّ لظُهوراتِ فُيوضاتِ غَيْبٍ لا يَتَناهى. لأنَّ العَبْدَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَ أَقْوالَ العِبادِ مِنْ عالِمٍ وَجاهِلٍ وَأعْمالَهُمْ وَأفْعَالَهُمْ ميزاناً لِمَعْرفَةِ الحَقِّ وَأوْلِيائِهِ فَإنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أبَداً رِضْوانَ مَعْرفةِ رَبِّ العِزَّةِ، وَلَنْ يَفوزَ بِعُيونِ عِلْمِ سُلْطانِ الأحَدِيَّةِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَنْ يَرِدَ مَنْزِلَ البَقاءِ وَلَنْ يَذوقَ كَأسَ القُرْبِ وَالرِّضا.

انْظُروا إلى الأيّامِ السّالِفَةِ. كَمْ مِنَ العِبادِ مِنْ شَريفٍ ووَضيعٍ كانوا دائِماً يَنْتَظِرونَ ظُهوراتِ الأحَدِيّةِ في الهياكِلِ القُدْسِيَّةِ، عَلى شَأنٍ كانوا في جَميعِ الأوْقاتِ والأزْمِنَةِ يَتَرَصَّدونَ وَيَنْتَظِرونَ، يَدْعونَ وَيَتَضَرّعونَ، لَعَلَّ يَهُبُّ نَسيمُ الرَّحْمَةِ الإِلهيَّةِ، وَيَطْلُعُ جَمالُ المَوْعودِ مِنْ خَلْفِ سُرادِقِ الغَيْبِ إلى عَرْصَةِ الظُّهورِ. وَعِنْدَما كانَتْ تَنْفَتِحُ أبْوابُ العِنايَة، وَيَرْتَفِعُ غَمامُ المَكْرُمَةِ، وَتَظْهَرُ شَمْسُ الغَيْبِ عَنْ أُفُقِ القُدْرَةِ، يَقومُ

الجَميعُ عَلى تَكْذيبها وَإنْكارِها وَيَحْتَرِزونَ عَنْ لِقائِها الّذي هُوَ عَيْنُ لِقاءِ الله، كَما هُوَ مَذْكورٌ وَمَسْطورٌ تَفْصيلُهُ في جَميعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ...

وَإذا ما أُوْقِدَ في القَلْبِ سِراجُ الطَّلَبِ وَالمُجاهَدَةِ، والذَّوْقِ وَالشَّوْقِ، والعِشْقِ والولَهِ، وَالجَذْبِ وَالحُبِّ، وَهَبَّ نَسيمُ المَحَبَّةِ مِنْ شَطْرِ الأحَدِيَّة، تَزولُ ظُلْمَةُ ضَلالَةِ الشَّكِ وَالرَّيْبِ، وتُحيطُ أنْوارُ العِلْمِ وَاليَقينِ بكُلِّ أرْكانِ الوُجودِ. فَفي ذلِكَ الحينِ يَطْلُعُ البَشيرُ المَعْنَويُّ كَالصُّبْحِ الصّادِقِ، مِنَ المَدينَةِ الإِلهيّة بالبشارَةِ الرّوحَانِيَّةِ، وَيَسْتَيْقِظُ القَلْبُ وَالنَّفْسُ وَالرّوحُ مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ بِصُوَرِ المَعْرِفَةِ، وَيُمْنَحُ حَياةً جَديدَةً بديعَةً بتأييداتٍ وَعِناياتٍ من روحِ القُدْسِ الصَّمَدانيّ، بِحَيْثُ يَرى نَفْسَهُ صَاحِبَ بَصَرٍ جَديدٍ، وَسَمْعٍ بَديعٍ، وَقَلْبٍ وَفُؤادٍ جَديدٍ. وَيَرى الآياتِ الواضحَةَ في الآفاق، وَالحَقائِقَ المَسْتورَةَ في الأنْفُسِ. وَيُشاهِدُ بِعَيْنِ اللهِ البَديعَةِ في كُلِّ ذَرَّةٍ باباً مَفْتوحاً لِلوصولِ إلى مَراتِبِ عَيْنِ اليَقينِ، وَحَقِّ اليَقينِ وَنورِ اليَقينِ. وَيُلاحِظُ في جَميعِ الأشْياءِ أَسْرارَ تَجَلّي الوِحْدانِيَّة، وَآثارَ الظُّهورِ الصَّمَدانِيَّةِ...

وَإذا ما تَطَهَّرَ مَشامُ الرّوحِ مِنْ زُكامِ الكَوْنِ وَالإِمْكانِ، لَوَجَدَ السّالِكُ حَتْماً رائِحَةَ المَحْبوبِ مِنْ مَنازِلَ بَعيدَةٍ،

وَلَوَرَدَ مِنْ أثَرِ تِلْكَ الرّائِحةِ إلى مِصْرِ الإِيْقانِ لِحَضْرةِ المَنّانِ وَلَشَاهَدَ بَدائِعَ حِكْمَةِ الحَضْرَةِ السُّبْحانِيَّةِ، في تِلْكَ المَدينَةِ الرّوحانِيَّةِ...

أَما تِلْكَ المَدينَةُ فَهيَ الكُتُبُ الإِلهيَّةُ في كُلِّ عَهْدٍ. فَمَثَلاً في عَهْدِ موسى كانَتِ التَّوْراةُ، وَفي زَمَنِ عيسى كانَ الإِنْجيلُ، وَفي عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ كانَ الفُرْقانُ. وَفي هذا العَصْرِ البَيانُ. وَفي عَهْدِ مَنْ يَبْعَثُهُ اللهُ كِتابُهُ الذي هُوَ مَرْجِعُ كُلِّ الكُتُبِ والمُهَيمنُ عَلى جَميعِها. وَفي هذِهِ المَدائِنِ أرْزاقٌ مُقَدَّرَةٌ، وَنِعَمٌ باقِيَةٌ مُقَرَّرَةٌ، تَهَبُ الغِذاءَ الرّوحانِيَّ، وَتُطْعِمُ النِّعْمَةَ القِدَميَّةَ، وَتَمْنَحُ نِعْمَةَ التَّوْحيدِ لأهْلِ التَّجْريدِ، وَتَجودُ عَلى مَنْ لا نَصيبَ لَهُمْ بِنَصيبٍ. وَتَبْذُلُ كَأْسَ العِلْمِ لِلهائِمينَ في صَحْراءِ الجَهْل. وَفي هذِهِ المَدائِنِ مَخْزونُ وَمَكْنونُ الهِدايَةِ وَالعِنايَةِ، وَالعِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ، وَالإِيْمانِ والإِيْقانِ لكُلِّ مَنْ في السَّمواتِ وَالأرْضِ."
(مترجم عن الفارسية)

يخلو "كتاب الإيقان" من أيّة إشارة علنيّة إلى بعثة بهاء الله نفسه، فهو لم يكن قد أعلن عنها بعد. وجدير بالقول إنّ مادّة الكتاب تتناول بعثة الباب الشّهيد بالشّرح والبيان في عرض مفصّل يتّسم بالقوّة والحجّة. كان للكتاب أبلغ التّأثير في أوساط الجامعة البابيّة التي كان

ضمن أفرادها عددٌ من العلماء ونفرٌ من الذين أمّوا المعاهد الفقهيّة سابقاً. ولعلّ من الأسباب التي لا يستهان بها للتّأثير القويّ الذي أحدثه الكتاب في هذه الأوساط بالذّات، ما ظهر من امتلاك مؤلّفه لناصية العلوم المتّصلة بالفكر الإسلاميّ والتّعاليم الإِسلاميّة. وخاصّة في مجال شرحه لدعوة الباب وما حقّقته من النّبوءات التي جاء بها الإِسلام. ومن ثمّة حثّ بهاء الله أتباع الباب أن يكونوا أهلاً للثّقة التي وضعها فيهم الباب نفسه، جديرين بالسّير على درب العديد من الشّهداء الأبطال الذين قُتِلوا في سبيله، ووضع نصب أعينهم تحدّياً لم يقتصر فقط على مطالبته إيّاهم بأنْ يصوغوا نمط حياتهم على نسقٍ يتوافق مع التّعاليم الإِلهيّة، بل أهاب بهم أيضاً أن يجعلوا من جامعتهم أنموذجاً مثاليَّاً تحذو حَذْوَه العناصر المتباينة من السّكان في بغداد، العاصمة الإقليميّة للعراق.

حرّكت هذه الرّؤيا مشاعر البابيّين وشحذت قواهم، رغم ما كانوا يقاسونه من شظف العيش في ظروف ماديّة ضيّقة. ووصف أحدهم المعروف باسم النّبيل، الحياة الرّوحيّة العارمة لتلك الأيّام، وترك لنا فيما بعد تاريخاً مفصَّلاً لولايتيّ الباب وبهاء الله. كتب النّبيل واصفاً تلك الأيّام فقال:

"كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ لَمْ يَزِدْ فيها طَعامُ العَشَرَةِ مِنْهُمْ عَنْ حُفْنَةٍ مِنَ التَّمْرِ تُشْتَرى بِفِلْسٍ. وَلَمْ يَكُنْ أحَدُهُمْ يَدْري عَلى وَجْهِ

التَّحْقِيق شَيْئاً عَمّا يَجِدُهُ في بَيْتِهِ مِنَ الأحْذِيَةِ وَالعَباءاتِ وَالمَلابِسِ أهيَ مِلْكُهُ هُوَ أمْ مِلْكُ غَيْرِهِ. وَلكِنَّ كُلَّ مَنْ ذَهَبَ إلى السّوقِ ادَّعى أنَّ الحِذاءَ الذي يَنْتَعِلُهُ حِذاؤهُ، وَكُلَّ مَنْ يَحْظى بِمَحْضَرِ حَضْرَةِ بهاء الله يُؤَكِّدُ أنَّ الثَّوْبَ الذي يَلْبَسهُ هُوَ ثَوْبُهُ. أمّا أسْماؤهُمْ فَقَدْ نَسَوْها، أمّا قُلوبُهُمْ فَقَدْ فَرَغَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلاّ ذِكْرِ مَحْبوبِهِمْ وَتَقْديسِهِ. فَآهٍ آهٍ لِهاتيكَ الأيّامِ الغَوالي وَلِحَلاوَةِ تِلْكَ السُّوَيْعاتِ العَجيبَةِ."
(مترجم عن الفارسية)

تمكّنت جامعة المنفيّين من أتباع الباب من أن تصبح تدريجيّاً عنصراً مؤثِّراً في العاصمة الإِقليميّة والمدن المجاورة لها، وتمتّع أفرادها باحترام النّاس وتقديرهم. فهال ذلك السّلطات القنصليّة الفارسيّة وأزعجها بعد أن كانت قد اقتنعت بأنَّ "القصّة البابيّة" قد شارفت نهايتها. أضِف إلى ذلك أنّ المنطقة التي سكنها البابيّون احتوت عدداً من أهمّ الأضرحة المقدّسة لدى المسلمين الشّيعة. وكان الحجّاج الفارسيّون الزّائرون لتلك الأضرحة عرضة لكي يتأثّروا بالنّهضة البابيّة الجديدة في ظروف جدّ مؤاتية. وكان من بين علّيّة القوم الذين زاروا تلك الدّيار، وقاموا أيضاً بزيارة بهاء الله في المنزل البسيط الذي كان يسكنه في بغداد، أمراء من البيت المالك الفارسيّ. وقد أُخِذَ أحد هؤلاء بما أحسّ به من مشاعر في الغرفة التي استقبله فيها بهاء الله، فجال في خاطره أمرٌ اتّسم بالسّذاجة إذ فكّر في تشييد غرفة مماثلة لتلك الغرفة

في حديقة قصره علّه يتمكّن من أنْ يخلق عنده جوّ الطّهارة الرّوحيّة والانقطاع اللّذين عرفهما لبرهة وجيزة في محضر بهاء الله. وأميرٌ آخر بلغ به التّأثّر، إثر زيارته لبهاء الله، مبلغاً عظيماً، فقال يصفُ مشاعرهُ لأحد أصدقائه: "لا أدْري كَيْفَ أصِفُها لَكَ، وَلكِنْ إذا جَثَمَتْ كُلُّ الأحْزانِ على صَدْري شَعَرْتُ بِأنَّها تَبَدَّدَتْ في مَحْضَرِ حَضْرَةِ بهاء الله. فَكَأنَّما دَخَلْتُ الجَنَّةَ."
(مترجم عن الفارسية)

4
إعْلان حَدِيقَة الرّضْوَان

وبحلول عام 1863 قرّر بهاء الله أنّ الوقت قد حان لكي يبدأ بإعلام من حوله نبأ الرّسالة التي عهدت إليه أثناء وجوده في غياهب ظلام سجن "سياه چال".

وقد كان هذا القرار الذي اتّخذه بهاء الله بإعلان أمر دعوته قد صادف بدء مرحلة جديدة من حملة المعارضة لنشاطه، وهي الحملة التي شنّها دون هوادة رجال الدّين من الشّيعة وممثّلون عن الحكومة الفارسيّة. وإزاء مظاهر التّرحيب والتّأييد التي بدأ يحظى بها بهاء الله في أوساط الزّوّار الفُرس من ذوي النّفوذ القادمين إلى العراق، شعرت حكومة الشّاه بالقلق وتوقّعت أن يُلهب ذلك مشاعر الحماسة الشّعبيّة مرّة أخرى تجاه الدّين الجديد في بلاد فارس. وقامت حكومة الشّاه تضغط لدى السّلطات العثمانيّة طالبةً نقل بهاء الله إلى داخل الإِمبراطورية العثمانيّة بعيداً عن حدود المملكة الفارسيّة. ورضخت الحكومة العثمانيّة أخيراً للضّغوط الفارسيّة، فوجّهت الدّعوة إلى بهاء

الله، وهو السّجين المنفيّ، ليحلّ ضيفاً عليها ويتّخذ من عاصمتها الآستانة مقرّاً لسكناه. ورغم اللهجة المؤدّبة التي وجّهت بها رسالة الدّعوة، فقد كان واضحاً أنّ الهدف من ذلك لم يكن إلاّ فرض القبول للأمر الصّادر والامتثال له.

وكان رجال تلك الفئة القليلة من المنفيّين المخلصين، بحلول تلك الآونة، يركّزون جلّ اهتمامهم على شخص بهاء الله وعلى بياناته الكريمة التي شرح فيها رسالة الباب وتعاليمه. وساور عدداً متزايداً منهم الاعتقاد بأنّ بهاء الله ما كان يتحدّث كمدافعٍ عن أمر الباب فحسب، بل إنّه كان يتحدّث نيابة عن ذلك الأمر الأخطر شأناً الذي أعلن عنه الباب ووعد بأنّه وشيك الظّهور. وتأكَّد هذا الاعتقاد نهائيّاً ليصبح حقيقة واقعة في أواخر شهر نيسان (إبريل) عام 1863 حين دعا بهاء الله نفراً من صحابته إلى حديقةٍ سُمّيت فيما بعد "بحديقة الرّضوان" وأَسرَّ إليهم كُنهَ رسالته. وكان ذلك عشيّة رحيله عن بغداد إلى الآستانة. وبالرّغم من أنّ الأمر لم يكن يستدعي حينئذٍ إعلاناً مفتوحاً، فقد قام في غضون السّنوات الأربع التّالية أولئك الذين أنْصتوا إلى بهاء الله يعلن دعوته، بإشراك أحبّائهم المخلصين بما علموا من أنّ وعود الباب قد تحقَّقت، وأنَّ "يوم الله" قد انبلج فجُره.

أمّا الظّروف والملابسات الصّحيحة لهذا الإعلان الخاصّ فقد غرقت، حسب ما ذكره أحد الثّقاة البهائيّين الأكثر إحاطةً بسجلّ احداث تلك الفترة، "... في غموض سوف يجد مؤرّخو المستقبل أنّه ليس

من السّهل عليهم اختراقُ غياهبه." غير أنّه قد يمكن لنا أنْ نستخلص ماهيّة ذلك الإعلان وندرك مدى أهميّته من فحوى الإِشارات المختلفة إلى بعثته والتي أوردها بهاء الله فيما نزل من قلمه في وقت لاحق:

"إنًّ غايَةَ خَلْقِ الوُجودِ ظُهورُ هذا اليَوْمِ الأمْنَعِ الأقْدَسِ، الذي جاءَ ذِكْرُهُ في صُحُفِ اللهِ وَكُتُبِهِ وَزُبُرِهِ وَلُقِّبَ بِيَوْمِ اللهِ، وَهُوَ يَوْمٌ طَلَبَ لِقاءَهُ كُلُّ الأنْبِياءِ وَالأولِياءِ وَالأصْفِياء..."
(مترجم عن الفارسية)

"هذا يَوْمُ المُشاهَدَةِ وَالإِصْغاءِ، لَقَد ارْتَفَعَ النِّداءُ، وَلاحَتْ أنْوارُ الوَجْهِ مِنْ أفُقِ مشْرِقِ الظُّهورِ، وَعَلى الكُلِّ أنْ يَمْحوا ما سُمِعَ مِنْ قَبْلُ، وَأنْ يَنْظُروا بِالعَدْلِ وَالإنصافِ في آياتِهِ وَبَيَاناتِهِ وَظُهوراتِهِ..."
(مترجم عن الفارسية)

وكما يؤكّد لنا بهاء الله مراراً في بياناته التي يشرح فيها بعثة الباب، أنّ الغاية الأساسيّة لله في إظهار مشيئته هي تغيير نفوس البشر، فينمّي في أولئك الذين يستجيبون لدعوته ويُقبلون عليه تلك الصّفات والمزايا الرّوحيّة والخلقيّة الكامنة في جوهر الإِنسان:

"قُلْ يا قَوْمُ زَيِّنوا لِسانَكُمْ بِالصِّدْقِ وَنُفوسَكُمْ بِالأمانَةِ. إيّاكُمْ يا قَوْمُ، لا تخانوا في شَيْءٍ. وَكونوا أُمناءَ اللهِ بَيْنَ بَرِيَّتِهِ، وَكونوا مِنَ المُحْسِنينَ."

"أنْ أنيروا قُلوبَكُمْ وَطَهِّروها مِنْ أشْواكِ الضَّغينَةِ وَالبَغْضاءِ، إنَّكُمْ أهْلُ عالَمٍ واحِدٍ، وَخُلِقْتُمْ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فِطوبى لِنَفْسٍ تُعاشِرُ كُلَّ الأنامِ بِتَمامِ المَحَبَّةِ وَالوِئامِ..."
(مترجم عن الفارسية)

ويُعلن بهاء الله أنَّ مظاهر العنف والإكراه التي اتّسمت بها الجهود المبذولة لنشر الأديان في سالف العصور والأزمان، باتت الآن لا تليق "بيوم الله". فواجب كلّ مَنْ آمن بالظّهور الإلهيّ أن يُبلّغ أولئك الذين يعتقد بأنّهم يبحثون عن سبل العرفان، على أن يترك لهم كامل الخيار فيما يتّخذونه من قرار:

"أنْ اسْلُكوا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِالمَحَبَّةِ وَالرِّفْقِ وَالمُداراة، فَإذا عَجِزَتْ نَفْسٌ عَنْ إدْراكِ بَعْضِ مَراتِبِ الحَقيقَةِ، أوْ قَصَّرَتْ في الوُصولِ إلَيْها، عَلَيْكُمُ التَّكَلُّمُ مَعَها بِتَمامِ اللُّطْفِ وَالشَّفَقَةِ..."
(مترجم عن الفارسية)

"إنَّ الأصْلَ في هذا اليَوْمِ هُوَ الاغْتِرافُ مِنْ بَحْرِ فُيوضاتِهِ، وَلَيْسَ النَّظَرَ إلى مِقْدارِ ما يَصِلُنا مِنْ فَيْضٍ قَليلاً كانَ أمْ كَثيراً..."
(مترجم عن الفارسية)

وإزاء خلفيّة الأحداث الدّمويّة التي جرت في بلاد فارس خاطب بهاء الله أتباعه آمراً إيّاهم ليس فقط بقوله: "أنْ تُقْتَلوا خيرٌ لَكُمْ مِنْ أنْ تَقتُلوا"، بل حثّهم أيضاً على أن يكونوا مضرب المثل في إطاعة السّلطات المدنيّة، إذ قال ما ترجمته "إنَّ هذا الحِزْبَ إذا أقام في نِطاقِ أيَّةِ دَوْلَةٍ مِنَ الدُّوَلِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ مَعَ تِلْكَ الدَّوْلَةِ مَسْلَكَ الأمانَةِ وَالصِّدقِ وَالصَّفاءِ."

برهنت الظّروف التي أحاطت برحيل بهاء الله عن بغداد على صدق هذه التّعاليم وأكّدت نفوذها بصورة مثيرة. ففي غضون سنواتٍ قليلة تحوّلت تلك الزّمرة من المنفيّين الغرباء، الذين استقبلهم جيرانهم لدى وصولهم إلى المدينة بالرّيبة والامتعاض، لتصبح أكثر القطاعات الشّعبيّة احتراماً ونفوذاً. فقاموا بأود أنفسهم بما كان لهم من تجارة رابحة، ونالوا كطائفة إعجاب النّاس لما تحلّوا به من كرمٍ وجود، وما أظهروه من أمانة في معاملاتهم ومسلكهم. ولم يعد الرّأي العام ليتأثّر بعد ذلك بالادّعاءات والمزاعم الشّنيعة من التّعصّب والعنف، يروّجها دون كلل موظفو السّلك القنصليّ الفارسيّ ورجال الدّين من الشّيعة. وكان

بهاء الله قد غدا، بحلول الثّالث من أيار (مايو) عام 1863، وهو اليوم الذي غادر فيه بغداد إلى الآستانة على صهوة جواده ـ تصحبه عائلته ومن تمّ اختيارهم من أصحابه وخدمه ـ كان قد غدا شخصيّة أحبّها النّاس وأجلّوها، واكتسبت عندهم شعبيّة جارفة. وشهدت الأيّام التي سبقت الرّحيل والوداع مباشرةً سيلاً من الوجهاء الزّوّار بما فيهم الوالي نفسه، جاءوا إلى "حديقة الرّضوان" التي كان بهاء الله قد اختارها مقرّاً مؤقّتاً لإقامته، ليقدّموا له فروض الاحترام. وقد قطع الكثير منهم مسافات شاسعة لوداعه. وصوّر شهود عيان ذلك الرّحيل بكلمات تثير المشاعر، فوصفوا ما لَقِيَهُ بهاء الله من تكريم وتهليل، وما ذرفه الحاضرون من دموع، وما ساور السّلطات العثمانيّة والموظّفين المدنيّين من حرصٍ في إظهار كامل الاحترام والتّبجيل لزائرهم العظيم.


5
"هذا دينُ اللهِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ..."

بدأ بهاء الله بعد إعلان دعوته عام 1863 بشرح موضوعٍ سَبَقَ أنْ ذكره في "كتاب الإيقان"، تناول فيه المشيئة الإِلهيّة وعلاقتها بسياق النّموّ والتّطوّر الذي تظهر فيه القدرات الرّوحيّة والخلقيّة الكامنة في جوهر الإِنسان. ويحتلّ عرض هذه المسألة مكاناً رئيسيّاً في آثاره الكتابيّة لمدّة السّنوات الثّلاثين التّالية من حياته. ففي إطار هذا العرض يؤكّد لنا بهاء الله أنَّ الحقيقة الإِلهيّة مستورة وستبقى مستورة عن العقول والأذهان. وأنّه مهما حاول العقل الإنسانيّ من الإِتْيان بوصفٍ للحقيقة الأزليّة المنزّهة عن الإدراك، فكلّ وصفٍ قاصر وليس سوى محاولة إنسانيّة، نابعة من الوجود الإِنسانيّ، ولا تصف إلاّ تجربة إنسانيّة صرفاً:

"فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ مِنْ أنْ تُذْكَرَ بِذِكْرٍ أوْ تُوْصَفَ بِوَصْفٍ أوْ تُثْنى بِثَناءٍ. وَكُلَّ ما أمَرْتَ بِهِ عبادَكَ مِنْ بَدايعِ ذِكْرِكَ وَجَواهِرِ ثَنائِكَ هذا مِنْ فَضْلِكَ عَلَيْهمْ لِيَصْعَدُنَّ بِذلِكَ إلى

مَقَرِّ الّذي خَلَقَ في كَيْنونيَّاتِهمْ مِنْ عِرْفانِ أنْفُسِهِمْ، وَأَنَّكَ لّمْ تَزَلْ كُنْتَ مُقَدَّساً عَنْ وَصْفِ ما دونكَ وَذِكْرِ ما سِواكَ، وَتَكونُ بِمِثْلِ ما كُنْتَ في أزَلِ الآزال، لا إله إلاّ أنْتَ المُتَعالي المُقْتَدِرُ المُقَدَّسُ العَليمُ".

"مِنَ الواضِح لَدى أولي العِلْمِ وَالأفْئِدَةِ المُنيرَةِ، أنَّ غَيْبَ الهُوِيَّةِ وَذاتَ الأحَدِيَّةِ كانَ مُقَدَّساً عَنِ البُروزِ وَالظُّهورِ، وَالصُّعودِ وَالنُّزولِ وَالدُّخولِ وَالخُروجِ، وَمُتَعالِياً عَنْ وَصْفِ كُلِّ واصِفٍ وَإدراكِ كُلِّ مُدْرِكٍ، وَلَمْ يَزَلْ كانَ غَنِيّاً في ذاتِهِ وَلا يَزالُ يَكونُ مَسْتوراً عَنِ الأبْصارِ وَالأنْظارِ..."
(مترجم عن الفارسية)


فالبَشَر في حالة توجّههم لخالق الوجود كلّه إنّما يمرّون بتجربة تقودهم إلى اكتشاف الأسماء والصّفات المرتبطة بالمظاهر الإِلهيّة التي تترى وتتتابع:

"وَلَمّا أنْ كانَتْ أبْوابُ عِرْفانِ الأزَلِ مَسْدودَةً عَلى وَجْهِ المُمْكِناتِ لِهذا باِقْتِضاء رَحْمَتهِ الواسِعَةِ في قَوْلِهِ ’سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ وَوَسِعَتْ رَحْمَتي كُلَّ شَيْءٍ‘ قَدْ أظْهَرَ بَيْنَ الخَلْقِ جَواهِرَ قُدْسٍ نورانِيَّةٍ، مِنْ عَوالِمِ الرّوحِ الرّوحانِيِّ عَلى هَياكِلِ العِزِّ الإِنْسانِيِّ، كَيْ تَحْكِيَ عَنْ ذاتِ الأزَلِيَّةِ وَسَاذَجِ القِدَمِيَّةِ..."
(مترجم عن الفارسية)

"وَهذِهِ المَرايا القُدْسِيَّةُ وَمَطالِعُ الهُوِيَّةِ تَحْكي بِتَمامِها عَنْ شَمسِ الوُجودِ وَجَوْهَرِ المَقْصودِ، فَمَثَلاً عِلْمُهُمْ مِنْ عِلْمِهِ، وَقُدْرَتُهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وسَلْطَنَتُهُمْ مِنْ سَلْطَنَتِهِ، وَجَمالُهُمْ مِنْ جَمالِهِ، وَظُهورُهُمْ مِنْ ظُهورِهِ..."
(مترجم من الفارسية)

لا تختلف المظاهر الإِلهيّة فيما بينها ولا تفترق من حيث جوهرها، رغم أنَّ كلّ مظهر قد ينفرد في كيفيّة استجابته لمقتضيات البشر تلبيةً لاحتياجاتهم حسب العصر والزّمان:

"إنَّ هذِهِ الصّفاتِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِبَعْضٍ دونَ بَعْضٍ وَلَمْ تَكُنْ كَذلِكَ فيما مَضى، بَلْ إنَّ جَميعَ الأنْبِياءِ المُقَرَّبينَ وَالأَصْفِياءِ المُقَدَّسينَ مَوْصوفونَ بِهذِهِ الصِّفاتِ وَمَوْسومونَ بِتِلْكَ الأسْماء. نِهايَةُ الأمْرِ أنًّ بَعْضَهُمْ يَظْهَرُ في بَعْض المراتِبِ أشَدَّ ظُهوراً، وَأعْظَمَ نوراً..."
(مترجم عن الفارسية)

وفي هذا المجال ينبّه بهاء الله الدّارسين للدّين والباحثين فيه إلى عدم السّماح للعقائد الفقهيّة واللاّهوتيّة أن تؤثّر مسبقاً على أحكامهم فيفرّقوا ويميّزوا بينَ مَن اختارهم الله ليكونوا مصابيح هدايته:

"إيّاكُمْ يا مَلأَ التَّوْحيدِ، لا تُفَرِّقوا في مَظاهِرِ أمْرِ اللهِ وَلا فيما نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، وهذا حَقُّ التَّوحيدِ إنْ أنْتُمْ لَمِنَ الموْقِنينَ. وَكَذلِكَ في أفعالِهِمْ وَأعْمالِهِمْ وَكُلَّ ما ظَهَرَ مِنْ عِنْدِهمْ وَيَظْهَرُ مِنْ لَدُنْهِمْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكُلٌّ بِأَمْرِهِ عامِلينَ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَلِماتِهِمْ وَما نَزَلَ عَلَيْهِمْ أو في أحْوالِهِمْ وَأفْعالِهِمْ في أقَلّ ما يُحْصى لَقَدْ أشْرَكَ بِاللهِ وَبِآياتِهِ وَبِرُسُلِهِ وَكانَ مِنَ المُشْرِكينَ."

ويقارن بهاء الله بين تعاقُبِ المظاهر الإِلهيّة وبين فصول الرّبيع تذهب لتعود. ويشير إلى أنَّ رسل الله ليسوا فقط مربّين للبشر، وإن كان ذلك وظيفة من وظائفهم الرّئيسيّة، بل إنّ الكلمة التي يأتون بها، بالإِضافة إلى الحياة المثاليّة التي يحيونها، لديها القدرة على شحذ الهمم من جذورها وإحداث تغييراتٍ أساسيّة دائمة. وهكذا تفتح هذه المظاهر الإِلهيّة بقوّة نفوذها آفاقاً جديدة أمام البشر تتوسّع فيها المدارك وتتحقّق فيها الإنجازات العظيمة:

"وَحَيْثُ أنَّهُ لا رابِطَ إطْلاقاً بَيْنَ الخَلْقِ وَالحَقِّ، وَالحادِثِ وَالقَديمِ وَالواجِبِ وَالمُمْكِنِ، وَلا مَجالَ لِلمُشابَهَةِ أو المُطابَقَةِ أو المُناسَبَةِ، يَبْعَثُ اللهُ في كُلِّ عَهْدٍ وَعَصْرٍ نَفْساً طاهِرَةً لِتَظْهَرَ في عالَمِ المُلْكِ وَالمَلَكوتِ... وَما هذِهِ النُّفُوسُ المُجَرَّدَةُ وَالحقائِقُ النَّيِّرَةُ إلاّ وَسائِطَ الفَيْضِ الكُلِّيِّ

في ظِلِّ الهِدايَةِ الكُبْرى وَالرُّبوبِيَّةِ العُظْمى لِتَسْتَنيرَ وَتَتَطَهَّرَ بِها قُلوبُ المُشتاقينَ وَسَرائرُ الأصْفِياءِ بِتَأثيرِ الإِلْهاماتِ الغَيْبِيَّةِ وَالفُيوضاتِ الحَقيقيَّةِ وَالنَّسائِمِ القُدْسِيَّةِ. وَبِهذا تُصْقَلُ أفْئِدَةُ المُقَرَّبينَ وَتُجْلى مِنَ الصَّدَأ لِتُشِعَّ الوَديعَةُ الإِلهيَّةُ المَسْتورَةُ في الحقائق كَنُورِ الشَّمْسِ المُشْرِقَةِ مِنَ الفَجْر الإِلهيِّ، فَيَنْكَشِفُ السِّتارُ وَيُرْفَعُ الحِجابُ، وَيَرْتَفِعُ عَلَمُ الظُّهورِ عَلى رَبَواتِ الأفْئِدَةِ وَالقُلوبِ..."
(مترجم عن الفارسية)

وبدون هذا النّفوذ الإِلهيّ والتّأثير الرّبّانيِّ في حياة البشر، تبقى الطّبيعة البشريّة أسيرةَ الغرائز، وفريسةً لافتراضات لا واعية وأنماطٍ من السّلوك تحدّدها البيئة الثّقافيّة للإِنسان دون غيرها:

"فَبَعْدَ أنْ خَلَقَ اللهُ كُلَّ المُمْكِناتِ وَبَعَثَ المَوْجوداتِ وَتَجَلّى بِاسْمِهِ المُخْتارِ، خَصَّ الإِنْسانَ مِنْ بَيْنِ المَخْلوقاتِ جَميعِها لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، فَكانَ أنْ خَلَقَ الكائِناتِ كُلِّها لأَجْلِ هذِهِ الغايَةِ... وَتَجَلَّى في كَيْنونةِ الأشْياءِ جَميعِهَا باسْمٍ مِنْ أسْمائِهِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ الإِنْسانَ مَظْهَرَ كُلِّ أسْمائِهِ وَصِفاتِهِ لِيَكونَ مِرآةً لٍذاتِهِ مُخْتَصّاً إيّاهُ بِعَظيمِ فَضْلِهِ وَقديمِ رَحْمَتِهِ. وَلكِنَّ تَجَلِّياتِ أنْوارِ صُبْحِ الهِدايَةِ وَإشْراقاتِ شَمْسِ العِنايَةِ مَسْتورَةٌ في حَقيقَةِ الإِنْسانِ كَشُعْلَةِ النّورِ مَسْتُورَةٌ في حَقيقَةِ الشَّمْعِ وَالسِّراجِ. وَقَدْ يَخْتَفي

إشْعاعُ الشَّمْسِ المُشْرِقَةِ فَلا تَنْعَكِسُ نوراً في المَرايا التي كَسَتْها غُبارُ الشّؤونِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا في المَجالي التي عَلاها الصَّدأ. فَمِنَ الواضِحِ إذاً أنَّ هُناكَ حاجَةً لِمَنْ يُشْعِلُ هذا السِّراجَ وَمَنْ يَصْقُلُ صَفْحَةَ هذه المَرايا وَالمَجالي، فَبدونِ النّارِ لَنْ يُشْعَلَ السِّراج، وإنْ لَمْ تُصْقَلِ المِرْآةُ صافِيَةً مِنَ الغُبارِ فَلَنْ يَنْعَكِسَ فيها إشْراقُ الشَّمْسِ وَنورُها."
(مترجم عن الفارسية)

أعلن بهاء الله أنّه قد جاء الوقت الذي أصبحت فيه الإنسانيّة تمتلك القدرة، وأمامها الفرصة، لكي تبصر المشاهد الكاملة لنموّها الرّوحيّ في إطار نَسَقٍ موحَّد: "هذا يَوْمٌ لا شَبيهَ لَهُ، فَهُوَ كَالعَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِما مَضى مِنَ القُرونِ وَالعُصورِ، وَكالنّورِ بِالنِّسْبَةِ لِظَلامِ الحِقَبِ وَالأَزْمانِ." ومن هذا المنظور يتحتّم على أتباع الأديان المختلفة بذل الجهد ليدركوا معنى ما وصفه بهاء الله بقوله: "هذا دينُ اللهِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ" ، وأن يميّزوا بين الغاية الإِلهيّة لظهور دين من الأديان وبين الشّرائع والمفاهيم المتغيّرة والتي تنزل تلبيةً لمتطلّباتٍ آنيّةٍ لمجتمع إنسانيّ دائم التّطوّر والنّموّ:

"إنَّ الرُّسُلَ وَالأنْبِياءَ هُمْ بِمَثابَةِ الأطِبّاءِ يَقومونَ بِمُعالَجَةِ العالَمِ وَأهْلِهِ فَيَصِفونَ دَواءَ الوَحْدَةِ وَالاتِّحادِ لِشِفاءِ أمْراضِ الفُرْقَةِ وَالاخْتِلافِ... وَلا عَجَبَ إذا وَجَدْنا أنَّ الطَّبيبَ

يَصِفُ عِلاجاً لِهذا اليَوْمِ يَخْتَلِفُ عَمّا وُصِفَ في الماضي. وَكَيْفَ لا يَكونُ ذلِكَ، فَلِكُلِّ يَوْمٍ عِلاجٌ يُناسِبُ أمْراضَهُ. وَبِالمِثْلِ فَإنَّ رُسُلَ اللهِ وَأنبِياءَهُ كُلَّما أناروا العالَمَ بِإشْراقِ شَمْسِ المَعْرِفَةِ الإِلهيَّةِ دَعَوا النّاسَ إلى الاسْتِفاضَةِ مِنْ نورِ اللهِ بِالوَسائلِ المُناسِبَةِ لمُقْتَضَياتِ العَصْر".
(مترجم عن الفارسية)

وليس من المفروض أنْ يقوم القلب وحده بتكريس نفسه لاكتشاف هذا النّسق من التّحوّل والتّطوّر، بل على العقل أيضاً أن يفعل ذلك. ويؤكّد لنا بهاء الله أنّ العقل نعمة من أعظم النّعم أسبغها الله على الإنسان، فهو "النَّفْسُ النّاطِقَةُ" و"آيةُ تَجلّي سُلْطانِ الأحَدِيّةِ." فإذا تحرّر العقل من ربقة العقائد والتّقاليد الموروثة، دينيّة كانت أم دنيويّة، عندئذٍ فقط يمكنه أن يباشر تحرّيه للعلاقة القائمة بين كلمة الله وبين ما تتركه من أثرٍ ونفوذ في حياة بني البشر. ولعلّ العقبة الرّئيسيّة في مثل هذا البحث والتّحرّي هو التّعصّب: "ذَكِّرْ يا سَلْمانُ أحِبّاءَ الحَقِّ بِأَلاَّ يَعْتَرِضوا عَلى كَلِماتِ أحَدٍ... بَلْ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى هؤلاءِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ."

6
المظْهَرُ الإلهِيّ

يشترك كلّ الذين يؤمنون بواحدٍ أو آخر من النّظم الدّينيّة في العالم في الاعتقاد بأنَّ الواسطة بين عوالم الله وروح الإنسان هي المظاهر الإِلهيّة. وأنّ هذه العلاقة بالذّات هي التي تُعطي الحياة معنىً حقيقيّاً. إنّ من أهمّ الفقرات شأناً في آثار بهاء الله الكتابيّة تلك التي يعالج فيها بإسهاب طبيعة ودور أولئك الذين يختارهم الله واسطة الظّهور الإِلهيّ، أي "الرّسل والأنبياء" أو "المظاهر الإِلهيّة". ويعطينا بهاء الله الأمثلة واحداً بعد آخر قياساً، فيشبّه المظاهر الإلهيّة بالشّموس. وضرب المثل بأنّ الشّمس تشارك غيرها من السّيّارات التي تدور في مدارها بعض الخواصّ إلاّ أنَّها تختلف عن تلك السّيّارات كلّها لأنَّها المصدر الذي ينبعث منه النّور. فالأقمار والكواكب عاكسةٌ لنور الشّمس، بينما الشّمس وحدها تبعث النّور وتنشره كخاصّة لا تنفصل عن طبيعتها. فالنّظام الشّمسيّ كلّه محوره الشّمس ذاتها ويدور كلّه حولها، وكلّ عنصر من عناصر هذا النّظام يتأثّر بالشّمس ليس من حيث تكوينه الخاص بل أيضاً يتأثّر من حيث علاقته بالشّمس، مصدر الضّوء وباعث النّور في النّظام كلّه.

وعلى هذا القياس نفسه يؤكّد لنا بهاء الله أنَّ الشّخصيّة الإِنسانيّة التي يتمتّع بها المظهر الإِلهيّ مشاركاً فيها باقي البشر، تختلف عن غيرها بصورة تجعلها مؤهّلةً لتكون واسطة الظُّهور الإِلهيّ. ويبدو أنَّ من الأسباب العديدة للبلبلة والانشقاق الدّينيّ عبر التّاريخ تلك الإِشارات التي تحمل تناقضاً ظاهريّاً بالنّسبة لهذه الثُّنائيّة في المقام، والمنسوبة مثلاً إلى السّيّد المسيح. يعلّق بهاء الله على هذا الموضوع فيقول:

"إنَّ ما في السَّمواتِ وما في الأرْضِ مَهابِطُ لِظُهورِ أسْماءِ الله وَصِفاتِهِ... وَيَنْطَبِقُ هذا عَلى الإِنسانِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ، فَقَد اخْتَصَّهُ اللهُ دونَ غَيْرِهِ مِنَ المَوْجوداتِ فَشَرَّفَهُ وَمَيَّزَهُ... وَتَجَلَّتْ في الإِنْسانِ صِفاتُ اللهِ وأسْمَاؤهُ عَلى نَحْوٍ أشْرَفَ وَأكْمَلَ مِنْ غَيْرِهِ... وأكْمَلُ النّاس وأفْضَلُهُمْ وألْطَفُهُمْ هُمْ مَظَاهرُ شَمْسِ الحَقيقَةِ، لا بَلْ كلُّ مَنْ سِواهُمْ مَوْجودُونَ بإرادَتِهِمْ وَيَحْيَوْنَ وَيَتَحَرَّكُونَ بِفَيْضِهِمْ..."
(مترجم عن الفارسية)

إنَّ قناعة المؤمنين في أيّ دين من الأديان بأنّ مؤسّس دينهم يتمتّع بمقام متميّز عن غيره من مؤسّسي الأديان الأخرى، ولّد عبر التّاريخ الكثير من الحدس والتّخمين حول طبيعة المظهر الإِلهيّ وجوهره. وفي كلّ حالة من الحالات نجد أنّ هذا الحدس والتّخمين قد حدّته حدود صارمة، فهو مبنيّ على إشارات مجازيّة مجزّأة ومتفرّقة وردت في الأقوال القليلة الموثّقة لمؤسّس الدّين نفسه. ولم تسفر محاولات بلورة

هذه الآراء المبنيّة على الحدس والتّخمين في شكل عقائد دينيّة إلاّ عن الفرقة والشّقاق بدلاً من الوحدة والوفاق. وفي الحقيقة فإنّه رغم ما بُذل من طاقات هائلة في الدّراسات الفقهيّة والأبحاث اللاّهوتيّة -أو لعلّه بسببها- نجد أنّ هناك اليوم خلافات عميقة قائمة بين المسلمين أنفسهم حول المقام الحقيقيّ للنّبيّ الكريم. كذلك الحال بالنّسبة لمقام كلٍّ من السّيّد المسيح بين المسيحيّين، وموسى عليه السّلام بين اليهود، ومقام مؤسّس الدّين البوذيّ بين أتباعه والمؤمنين به. وكما هو واضح كلّ الوضوح فإنَّ الجدل النّاتج عن مثل هذه الخلافات وغيرها ضمن محيط الدّين الواحد، برهن على الأقلّ أنّها خلافات لا تقلّ حدّةً عن تلك التي تفصل الدّين الواحد نفسه عن غيره من الأديان الشّقيقة الأخرى.

لذلك، ولكي نفهم تعاليم بهاء الله حول موضوع وحدة الأديان، يُصبح من الأهميّة بمكان الاطّلاع بصورة خاصّة على بياناته بالنّسبة لمقام المظاهر الإِلهيّة المتتابعة والوظائف التي قاموا بتنفيذها عبر التّاريخ الرّوحي للبشر:

"لِكُلِّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظاهِرِ الحَقِّ مَقامانِ: مَقامُ التَّجَرُّدِ الصِّرْفِ والتَّفَرُّدِ البَحْتِ. فَإذا نَظَرْتَ إلى هذا المَقامِ وَوَصَفْتَ الكُلَّ بِاسْمٍ واحِدٍ وَنَعْتٍ واحِدٍ فَلا خَطَأ وَلا حَرَج...

أمّا المَقامُ الآخَرُ فَهُوَ مَقامُ التَّفْصيلِ المُتَعَلِّق بِعالَمِ الخَلْقِ وَمَحْدودِيّاتِ البَشَر. فَإذا نَظَرتَ إلى هذا المَقامِ لَوَجَدْتَ أنَّ

لِكُلِّ مَظْهرٍ هَيكَلاً مُعَيَّناً، وَأمْراً مُقَرَّراً، وَظُهوراً مُقَدَّراً، وَمَحْدودِيَّةً مُخَصَّصَةً. وَلِكُلٍّ اسْمٌ يَخْتَلِفُ عن الآخَرِ، وَوَصْفٌ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلِكُلٍّ أمْرٌ بَديعٌ يُنَفِّذُهُ وَشَرْعٌ جَديدٌ يُجْريهِ... وَفي هذا المَقامِ الثّاني تَجِدُهُمْ جَميعاً مَظاهِرَ العُبودِيَّةِ الصِّرْفِ، وَالفَقْرِ الخَالِصِ، والفَناءِ التّامِّ وَلسانُ حالِ كُلٍّ مِنْهُمْ يَقولُ: إنّي عَبْدُ اللهِ وَما أنا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ... وَمِنْ جِهَةٍ أخْرى إذا صَرَّحَ أحَدُ هذِهِ المَظاهِرِ الجامِعَةِ قائلاً: إنّي أنا اللهُ، فإنَّ قَوْلَهُ الحَقُّ وَلا رَيْبَ فيهِ. فَبِواسِطَةِ ظُهوراتِهِمْ وَأسْمائِهِمْ وَصِفاتِهِمْ يَظْهَرُ اللهُ بِأسْمائِهِ وَصِفاتِهِ في الأرْضِ... وَبِالمِثْلِ إذا قالَ أحَدُهُمْ إنّي رَسولُ اللهِ فَإنَّ قَوْلَهُ الحَقُّ وَلا رَيْبَ فيهِ... وَفي هذا هُمْ جَميعاً رُسُلٌ بَعَثَ بِهْمْ سُلْطانُ الحَقِّ وَكَيْنونَةُ الأزَلِ... فإِذا قالوا نَحْنُ عِبادُ اللهِ فَقَوْلُهُمُ الحَقُّ وَلا شَكَّ فيما يَقولونَ، لأنَّهُمْ ظَهَروا في أدْنَى مَراتِبِ العُبوديَّةِ عَلى نَحْوٍ لا مَثيلَ لَهُ في الإِمْكانِ وَلا يُجاريهمِ فيهِ إنسانٌ..."
(مترجم عن الفارسية)

"فَكُلُّ ما يَنْطِقونَ بِهِ وَيَذْكُرونَهُ مِنَ الألوهِيَّةِ وَالرُّبوبيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسالَةِ وَالوِلايَةِ وَالإِمامَةِ وَالعُبودِيَّةِ حَقٌّ لا رَيْبَ فيهِ... لِذَلِكَ يَجبُ التّأمُّلُ في ما ذُكِرَ مِنَ البَياناتِ حَتّى لا تَضْطَرِبَ النُّفوسُ وَتَتَزَلْزَلَ إذا وَجَدَتِ اخْتِلافاً في أقْوالِ المَظاهِرِ الغَيْبِيَّةِ وَالمَطالِعِ القُدْسِيَّة..."
(مترجم عن الفارسية)

7
مَدَنِيّة دَائِمَة النّموِّ وَالتّطور

تحمل هذه المقتطفات في مضمونها منظوراً فكريّاً يمثّل أكثر الجوانب إثارة للتّحدّي في هذا العرض الذي يبسطه أمامنا بهاء الله شارحاً وظيفة المظهر الإِلهيّ ومهمّته. فالظّهور الإِلهيّ كما يقول بهاء الله هو القوّة الباعثة للحضارة الإِنسانيّة. فمع كلّ ظهور إلهيّ جديد تُحدِث قوّته النّافذة تغييراً في الذين يستجيبون له يُصيب نفوسهم وعقولهم. ويتردّد صدى هذه القوّة أيضاً في المجتمع الجديد الذي يبدأ تدريجيّاً بتكوين نفسه على أساس خبرات تلك النّفوس وتجاربها. ومن ثمّة يبرز إلى الوجود قطب جديدٌ للولاء يستطيع أن يفوز بالتزام شعوبٍ وأمم متباعدة الثّقافات بأهدافه. وتتّسع الموسيقى والفنون والآداب آفاقاً لتتّخذ رموزاً لها تستدرّ إلهاماً أكثر وفرةً ونضجاً. ويعاد النّظر في تعريف مفاهيم الخير والشّرّ من الأساس تعريفاً جديداً يجعل في الإِمكان صياغة قواعد جديدة تنظّم السّلوك العامّ وتساعد على سَنّ القوانين المدنيّة. وأخيراً تنشأ مؤسّسات جديدة لتترجم عمليّاً غاية المسؤوليّة الأخلاقيّة التي تمّ تجاهلها أو كانت غير معروفة في السّابق:

"لَقَدْ كَانَ مَوْجوداً في العاَلمِ، وَبِواسِطَتِهِ خُلِقَ عالَمُ الوُجودِ، وَلكِنَّ العالَمَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ".

وهكذا تنمو الثّقافة الجديدة وتتطوّر لتصبح حضارة إنسانيّة. وتستوعب في طور نموّها هذا حِكْمَةَ الماضي وإنجازات العصور السّابقة لتحيلها إلى العديد من المعادلات الجديدة والتّرتيبات الحديثة. أمّا المعالِمُ المتّصلة بثقافات قديمة لا يمكن استيعابها أو دمجها في الإِطار الجديد، فإمّا أنْ تندثر أو تتبنّاها فئات هامشيّة من النّاس. إنّها كلمة الله تحيي الوعي الفرديّ إمكانياتٍ جديدة، وتصوّر العلاقات الإِنسانيّة فتغنيها أسباباً مبتكرة:

"كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ إنَّهُ لَمُحْيي الأبْدانِ لَوْ أنْتُمْ مِنَ العارِفينَ. كُلّ ما أنْتُمْ تَشْهَدونَ في الأرْضِ إنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بأمْرِهِ العالي المُتَعالي المُحْكَمِ البَديعِ، إذا اسْتَشْرَقَ عَنْ أُفُقِ فَمِهِ شَمْسُ اسْمِهِ الصّانِعِ بها تَظْهَرُ الصّنايعُ في كُلّ الأعْصارِ، وَإنَّ هذا لحَقٌّ يَقينٌ. وَيَسْتَشْرِقُ هذا الاسْمُ عَلى كُلِّ ما يَكونُ، وَتَظْهَرُ مِنْهُ الصّنايعُ بأسْبابِ المُلْكِ، لَوْ أنْتُمْ مِنَ الموْقِنينَ. كُلَّ ما تَشْهَدونَ ظُهورات الصُّنْعِيَّةِ البَديعةِ، كُلُّها ظَهَرَ مِنْ هذا الاسْمِ وَسَيَظْهَرُ مِنْ بَعْدُ ما لا سَمِعْتُموهُ مِنْ قَبْلُ، كَذلِكَ قُدِّرَ في الألْواحِ وَلا يَعْرِفُها إلاّ كُلُّ ذي بَصَرٍ حَديدٍ. وَكَذلِكَ حينَ الذي تَسْتَشْرِقُ عَنْ أفُقِ البَيانِ شَمْسُ اسْميَ العَلاّمِ،

يَحْمِلُ كُلُّ شَيءٍ مِنْ هذا الاسْمِ بَدايِعَ العُلومِ عَلى حَدِّهِ وَمِقْدارِهِ، وَيَظْهَرُ مِنْهُ في هذِهِ الأيّامِ بأمْرٍ مِنْ لَدُنْ مُقْتَدِرٍ عَليمٍ. وَكَذلِكَ فَانظُرْ في كُلِّ الأسْماءِ وَكُنْ عَلى يَقينٍ مَنيعٍ. قُلْ إنَّ كُلَّ حَرْفٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله إنَّها لأُمُّ الحُروفَات، وَكَذلِكَ كُلُّ كَلِمَةٍ تَظْهَرُ مِنْ مَعْدِنِ الأمْر إنّها لأُمُّ الكَلِماتِ، وإنَّ لَوْحَهُ لأُمُّ الألْواحِ فَطوبى للعارِفينَ..."

ويؤكّد الباب بأنّ التّتابع المتعاقب للمظاهر الإِلهيّة "سياقٌ لا بدايَةَ لَهُ ولا نِهايَة" وأنَّ رسالة كلّ مظهر إلهيّ محدودة من حيث دورتها الزّمنيّة، والوظائف المنوطة بها، رغم كونها جزءاً لا يتجزّأ بأيّة حال من المشيئة الإِلهيّة والقوّة الرّبّانيّة في أطوار ازدهارها وتقدّمها المستمرّ:

"فَانْظُرْ بِطَرْفِ البَدْءِ فيما نَظَرْتَ إلى آدَمَ الأولى ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إلى أنْ يَصِلَ الأمْرُ إلى عَليّ قَبْلَ نَبيلٍ، قُلْ تاللهِ كُلُّهُمْ قَدْ جَاءوا عَنْ مَشْرِقِ الأمْر بِكتابٍ وصَحيفَةٍ ولَوْحٍ عَظيم، وَأُوتوا كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلى مَا قُدِّرَ لَهُم وَهذا مِنْ فَضْلِنا عَلَيْهِمْ إنْ أنْتُمْ مِنَ العارِفين..."

وأخيراً حين تستهلك الحضارة الإنسانيّة الدّائمة التّطوّر قواها الرّوحيّة، تبدأ مرحلة من التّفكّك والتّفسّخ تماماً كما هي الحال في العالم الظّاهريّ. ويعود بهاء الله فيورد لنا قياساً نجده في عالم الطّبيعة، فيشبّه هذه الفترة

التي هي بمثابة انحطاطٍ بين حضارتين ببداية فصل الشّتاء. وفي هذه الفترة نجد حيويّة الخُلُق وقد تضاءلت، وتماسُك المجتمعِ وقد تناقص. ويتحوّل عندئذٍ كلّ تحدٍّ فيصبح عقبة كؤوداً لا يمكن تخطّيها، بعد أنْ كان من الممكن في زمن سابق التّغلّب على مثل هذا التّحدّي أو ترجمته إلى فرص وإمكانات تحقّق اكتشافات وإنجازات. وفي مثل هذه الفترة يفقد الدّين موقعه، وتتبعثر الجهود في مجالات البحث والاختبار تبعثراً متزايداً، وتتفاقم الانقسامات والخلافات الاجتماعيّة عمقاً، وأخيراً يتعاظم الشّكّ ويزداد فقدان الثّقة بمعنى الحياة وقيمتها، فيولّد ذلك القلقَ والحيرة والاضطراب. ويصف بهاء الله هذه الحالة في عصرنا الرّاهن فيقول:

"نُشاهِدُ بوُضوحٍ كَيْفَ أحاطَتْ بالعَالَمِ مِنْ كُلِّ الجِهاتِ البَلايا العَظيمَةُ والرَّزايا العَديدَة. ونَرى العَالَمَ طَريحَ فِراشِ المَرَضِ تُبَرِّحُهُ الآلام، ووَقَفَ أولئِكَ الذينَ أسْكَرَهُمْ غُرورُ النَّفْسِ والهَوَى حائِلاً بَيْنَ هذا المَريضِ وَذلِكَ الطّبيبِ الحاذِقِ. فَانْظُروا كَيْفَ أوْقَع هؤلاءِ النّاسَ جَميعاً، بِما فيهم أنفُسَهُمْ، في حَبائِلِ مكائِدِهِمِ. فَهُمْ عاجِزونَ عَنِ اكْتِشافِ عِلَّةِ المَرَضِ، لا يَعْلَمونَ كَيْفَ يَصِفونَ الدَّواءَ، يَنْظُرونَ إلى ما اسْتَقامَ مِنَ الأمورِ فَيَرَوْنَهُ مُعْوَجّاً، وَيَتَراءى لَهُمُ الصَّديقُ فَيَحْسَبونَهُ عَدُوّاً..."
(مترجم عن الفارسية)

وعندما تتحقّق كلّ واحدة من هذه البواعث الإِلهيّة يتكرّر هذا السّياق، فيظهر ظهور إلهيّ جديد مدعوم بقسطٍ كامل من الوحي والإِلهام لمواجهة المرحلة التّالية من مراحل إيقاظ الجنس البشريّ وتربيته ليخلق حضارة جديدة:

"لاحِظوا أنَّهُ حينَ ظُهورِ المَظْهَرِ الكُلِّيِّ وَقَبْلَ أنْ يَكْشِفَ ذاتُ القِدَمِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَنْطِقَ بِالكَلِمَةِ الآمرَةِ، كانَ اللهُ عَليماً بِكُلِّ شَيءٍ وَلا مَنْ يَعْلَمُ، وَكانَ اللهُ خالِقُ الوُجودِ كُلِّهِ دونَ أنْ يَكونَ هُناكَ مِنْ مَخْلوقٍ... إنَّهُ اليَوْمُ الذي نَزَلَتْ فيهِ الآيَةُ ’لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟‘ دونَ أنْ يَكونَ هُناكَ مِنْ مُجيبٍ..."
(مترجم عن الفارسية)

وإلى حين أنْ يبدأ قسم من البشر بالاستجابة لدعوة الظّهور الجديد، ويبدأ النّموذج الرّوحانيّ والاجتماعيّ الجديد باتّخاذ شكله وصورته، يستطيع النّاس سدّ رمقهم الرّوحيّ والخلقيّ معتمدين في ذلك على آخر ما تبقّى من آثار النّعمة التي أغدقت عليهم في الماضي. وسواء أكانت المهامّ اليوميّة للمجتمع منفَّذةً أم غير منفَّذَة، والقوانين تحظى باحترام النّاس أو مخالفتهم لها، والاختبارات الاجتماعيّة والرّوحيّة ناجحة أو فاشلة، تبقى المسألة أنَّ جذور الإِيمان حينئذٍ قد ذَوَت واضمحلّت. وفي مثل هذه الحال لا يمكن لأيّ مجتمع أنْ يدوم بدون

إيمان. فَعِند "نهاية العالم" أو في "آخر الزّمان" أو عند "نهاية كلّ عصر" تحاول النّفوس المستعدّة روحيّاً التّوجّه من جديد نحو المصدر الخلاّق. ومهما كانت هذه المحاولة مشوبة بالفوضى والاضطراب، ومهما كانت الخيارات مشوّشة وتعيسة، فما سعيهم إلاّ استجابة غريزيّة لإحساسهم بحدوث صَدْعٍ رهيب في الحياة المنتظمة للجنس البشريّ. ويشير بهاء الله إلى تأثيرات الظّهور الجديد فيقرّر أنّها تشمل الوجود كلّه، وأنّها ليست محدودة فقط بحياة المظهر الإِلهيّ وتعاليمه. ولكنّ المظهر الإلهيّ يبقى قطب الظّهور كلّه. ورغم أنّه ليس في الإِمكان الإِحاطة بمؤثّرات الظّهور الإِلهيّ فإنّها تنفذ نفوذاً متزايداً إلى قرارة الشّؤون الإِنسانيّة جميعها. فيُكشَفُ النّقاب عن التّناقضات الكامنة في المجتمع وفي الافتراضات التي يتداولها البشر، ويُكَثَّفُ البحث عن سبل التّفاهم والتّراضي.

بالإضافة إلى كلّ هذا يصرّح بهاء الله بأنّ تتابع المظاهر الإِلهيّة يمثّل بُعْداً من الأبعاد التي يتكوّن منها الوجود لا يمكن فصله، وأنّ هذا التّتابع سيستمرّ طوال حياة هذا العالم: "بَعَثَ اللهُ رُسُلاً بَعْدَ موسى وعيسى وسَيُرْسِلُ مِنْ بَعْدُ إلى آخر الذي لا آخِرَ لَهُ بِحَيْثُ لَنْ يَنْقَطِعَ الفَضْلُ عَنْ سَماءِ العِنايَةِ."

8
يَومُ الله

ولنا أنْ نَسأل: ما هو الهدف من نُموّ الوعي الإِنسانيّ وارتقائه في نظر بهاء الله؟ مِنْ منظور العالم الأبَدِيِّ يكون الجواب أنّ الله سبحانه وتعالى إنّما يرغبُ في مشاهدة كمالات ذاته منعكسةً على أوضح صورة في مرآة خلقه، وأنّه حسب ما جاء في كلمات بهاء الله:

"... لِيَشْهَدَ الكُلُّ في نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ في مَقامِ تَجَلّي رَبِّهِ بأنَّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ، وَليَصِلَ الكُلُّ بِذلِكَ إلى ذُرْوَةِ الحَقائِقِ حَتّى لا يُشاهِدَ أحَدٌ شَيْئاً إلاّ وَقَدْ يَرى اللهَ فيهِ."

وأمّا من حيث ما يحدث في هذا العالم الفاني، وفي إطار سياق التّاريخ، فإنّ الهدف من تتابع المظاهر المقدّسة هو تهيئة الوعي الإنسانيّ لتحقيق الوحدة والاتّحاد للنّوع البشريّ، ليصبح فعلاً كائناً عضويّاً واحداً باستطاعته تحمّل مسؤوليّته تجاه المستقبل الجماعيّ للإِنسان. يقول بهاء الله: "إنَّ رَبَّكُمُ الرَّحمنَ يُحِبُّ أنْ يَرى مَنْ في الأكْوانِ كَنَفْسٍ

واحدةٍ وَهَيْكَلٍ واحِد." ولن تستطيع الإنسانيّة مواجهة التّحدّيات الرّاهنة، ناهيك عمّا يمكن أن يواجهها في المستقبل، حتّى تعترف بوحدتها العضويّة وتقبل بها قضيّة مسلّمة. ويؤكّد لنا بهاء الله أنّه "لا يُمْكِنُ تَحقيقُ إصْلاحِ العالَمِ واسْتِتْبابِ أمْنِهِ وَاطْمِئْنانِهِ إلاّ بَعْدَ تَرْسيخِ دَعائِمِ الاتِّحادِ وَالاتِّفاق." ولن يجد بنو البشر اطمئناناً حقيقيّاً إلاّ بتأسيس مجتمع عالميّ موحَّد. وهو ما أشار إليه بهاء الله ضمناً في أحد أدعيته إلى الله: "فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ مِنْ أنْ تُذْكَرَ بِذِكْرٍ أوْ تُوْصَفَ بِوَصْفٍ أو تُثْنى بِثَناءٍ. وَكُلَّ ما أمَرْتَ بِهِ عبادَكَ مِنْ بَدائعِ ذِكْرِكَ وَجَواهِرِ ثَنائِكَ هذا مِنْ فَضْلِكَ عَلَيْهِمْ لِيَصْعَدُنَّ بِذلِكَ إلى مَقَرِّ الذي خَلَقَ في كَيْنونيَّاتِهِمْ مِنْ عِرْفانِ أنْفُسِهِمْ ..." ولعلّه من قبيل المفارقات، أنّه من غير الممكن للإِنسانيّة أنْ تحافظ على التّعدديّة والفرديّة محافظةً سليمة إلاّ بعد أنْ تتحقّق الوحدة الحقيقيّة. وهذا هو الهدف الذي سعت من أجله كلّ رسالات المظاهر الإِلهيّة التي عرفها التّاريخ الإِنسانيّ: إنَّه اليوم الذي يتوحّد فيه العالم وهناك "تَكونُ رَعِيَّةٌ واحِدَةٌ وَراعٍ واحِدٌ." ويبشّرنا بهاء الله بأنّ تحقّق مجيء هذا اليوم هو المرحلة الرّاهنة من مراحل التّطوّر الحضاريّ التي ولجها الجنس البشريّ الآن.

ومن أمثلة القياس المليئة بالإِيحاء، ليس فقط في آثار بهاء الله، ولكن أيضاً في آثار الباب من قبله، المقارنةُ بين نموّ الجنس البشريّ وارتقائه كمجتمع وحياة الإنسان كفرد. فقد مرّت الإنسانيّة بمراحل مختلفة


إبّان تطوّرها الجماعيّ تذكّرنا بالمراحل التي يمرّ الفرد بها في نموّه، كعهود الطّفولة والمراهقة والشّباب حتى الوصول إلى مرحلة النّضج والرّشاد. وها نحن بدأنا ندخل مرحلة نضجنا الجماعيّ وقد أُغدقت علينا نِعَمٌ كثيرة تمثّلت في قدرات وإمكانات جديدة لا يزال إدراكنا لها مبهماً.

وليس من الصّعب، والأمر كذلك، أنْ نفهم الأولويّة التي خصّ بها بهاء الله مبدأ الوحدة والاتّحاد في تعاليمه. فالميزة الرّئيسيّة لهذا العصر الذي بدأنا دخوله هي مبدأ وحدة العالم الإِنسانيّ، وما هذا المبدأ إلاّ ميزانٌ صحيحٌ لتقويم الاقتراحات كلّها المتعلّقة بإصلاح المجتمع الإنسانيّ وتحسين أوضاعه. وجَزَمَ بهاء الله بأنّ الجنس البشريّ جنسٌ واحد لا اختلاف بين أفراده، وأنَّ النّظريّات الموروثة التي تميّز مجموعة عرقيّة أو إثْنيّة من البشر فتعطيهم منزلة أسمى من غيرهم نظريّات باطلة لا أساس لها من الصّحّة. وبالمثل فإنَّ الوحي الذي جاء به كلّ رسول هو جزء لا يتجزّأ من التّراث الجماعيّ للجنس البشريّ ككلّ، وكلُّ فرد في هذا العالم إنما هو وريثٌ شرعيّ لهذا التّراث الرّوحي بأكمله، ذلك أنَّ المظاهر الإِلهيّة كلّها ما جاءت إلاّ لتنفيذ المشيئة الواحدة لله سبحانه وتعالى. فالإِصرار على التّمسّك بالتّعصّبات مهما كانت ألوانها يُلحقُ الضّررَ بمصالح المجتمع الإِنسانيّ، ويُشكّل انتهاكاً لمشيئة الخالق وما قدّره من أهداف لهذا العصر:

"أيَّتُها الأحْزابُ المُخْتَلِفَةُ تَوَجَّهوا نَحْو الاتِّحادِ وَنوِّروا أَنْفُسَكُمْ بِنورِ الاتِّفاقِ، أنِ اجْتَمعوا لِوَجْهِ اللهِ في مَقَرٍّ واحِدٍ وَأزيلوا كُلَّ ما هُوَ سَبَبُ الاخْتِلافِ فيما بَيْنَكُمْ... فَلا رَيْبَ في أنَّ أحْزابَ العالَمِ وَشُعوبَها مُتَوَجِّهَةٌ إلى الأفقِ الأعْلى وَمُنَفِّذَةٌ لأمْرِ الحَقِّ. وَما الاخْتلافُ بَيْنَ الشّرائِعِ وَالأحْكامِ التي تُجْريها إلاّ نَتيجَةَ مُقْتَضَياتِ العَصْرِ وَالزَّمانِ، فَكُلُّها مِنْ عِنْدِ اللهِ أنْزَلَها بِمَشيئَتهِ سِوى بَعْضِ ما خَلَقَهُ العِناد... أَنِ اكْسِروا بِيَدِ الإِيقانِ أصْنامَ الاختلافِ وَالأوْهامِ."
(مترجم عن الفارسية)

فموضوع الوحدة والاتّحاد خيط ذهبيّ يربط كلّ ما أنزله بهاء الله من آثار: "قَدِ ارْتَفَعَتْ خَيْمَةُ الاتِّحادِ، لا يَنْظُرُ بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ كَنَظْرَةِ غَريبٍ إلى غَريبٍ..." و"عاشِروا مع الأدْيان كُلِّها بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحانِ..." وأيضاً "كُلُّكُمْ أثْمارُ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ وَأوْراقُ غُصْنٍ واحِدٍ."

إنَّ مَسيرة الإِنسانيّة نحو بلوغ سنّ الرّشد وصلت غايتها أثناء تطوّر النّظام الاجتماعيّ في العالم. فابتداءً من وحدة النّظام العائليّ وامتداداته المختلفة، طوَّر الجنس البشريّ بدرجات متفاوتة من النّجاح مجتمعات قامت على أساس النّظام العشائريّ ثمّ القبليّ ثمّ نظام المدينة - الدّولة ومؤخراً نظام الأمّة - الدّولة. وبتوسّع البيئة الاجتماعيّة المطّرد وازدياد

أمورها تعقيداً تُشحَذ الإِمكانات الإِنسانيّة ويتّسع أفق نموّها، وهذا النّموّ يُنْتِج بدوره تعديلات مستحدثة وجديدة في نسيج المجتمع. ولبلوغ الإِنسانيّة سنّ الرّشد يَستلزمُ إذاً حدوث تحوّل شامل في النّظام الاجتماعيّ الرّاهن، بحيث يصبح نظاماً قادراً على استيعاب التّعدّديّة الموجودة في الجنس البشريّ بصورة شاملة، وعلى الاستفادة استفادةً كاملة من المجال الواسع لمختلف المواهب والمعارف التي هذّبتها آلافُ السّنين من الخبرات الثّقافيّة والتّجارب الإِنسانيّة:

"اليَوْمُ يَوْمُ الفَضْلِ الأعْظَمِ وَالفَيْضِ الأكْبَرِ، وَعَلى الجميعِ أنْ يَجِدوا الرّاحَةَ والاطْمِئْنانَ بِتَمامِ الاتِّحادِ وَالاتِّفاقِ في ظِلِّ سِدْرَةِ العِنايَةِ الإِلهيَّةِ... فَلَسَوْفَ يُرفَعُ بِساطُ هذا العالَمِ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ بِساطٌ آخَرُ. إنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الحَقُّ عَلاّمُ الغُيوبِ."
(مترجم عن الفارسية)

أمّا إقامة العدل في الشّؤون الإنسانيّة، كما يؤكّد لنا بهاء الله، فهو الوسيلة الرّئيسيّة لإحداث التّحوّل والتّغيير في المجتمع، وتحقيق وحدة العالم الإِنسانيّ واتّحاده. ويحتلّ هذا الموضوع مكاناً رئيسيّاً في تعاليمه:

"العَدْلُ سِراجُ العِبادِ فَلا تُطفِئوهُ بأرْياحِ الظُّلْمِ وَالاعْتِسافِ المُخالِفَةِ، وَالمَقْصودُ مِنْهُ ظُهورُ الاتِّحادِ بَيْنَ العِبادِ. وَفي هذِه الكَلِمَةِ العُلْيا تَمَوَّجَ بَحْرُ الحِكْمَةِ الإِلهِيَّةِ وَإنَّ دَفاتِرَ العالَمِ لا تَكفي تَفْسيرَها..."
(مترجم عن الفارسية)

يوضّح بهاء الله في آثاره الكتابيّة اللاّحقة النّتائج المترتّبة على تنفيذ هذا المبدأ في عصر بلغت فيه الإِنسانيّة نضجها. فهو يؤكّد لنا بأنّ "النِّساءَ والرِّجالَ كانوا وَسَيَكونونَ أبَداً مُتساوينَ في نَظَرِ اللهِ." وأيضاً بأنّ تقدّم الحضارة يتطلّب من المجتمع تنظيماً لشؤونه بحيث تبرز هذه الحقيقة واضحة إلى الوجود، وأنَّ موارد الأرض ملكٌ للإِنسانيّة جمعاء وليس لشعب من الشّعوب، كما أنَّ الإِسهامات المختلفة التي تفيد الصّالح الاقتصاديّ العامّ جديرة بأن يُعْتَرَف بدورها وتُكافَأ بما يتناسب مع حجمها المختلف، وأخيراً فإنّه يجب إزالة الفوارق الشّاسعة بين الأغنياء والفقراء، وهي ما ابتليت به معظم أمم الأرض، بغضّ النّظر عمّا تعتنقه هذه الأمم من فلسفات اجتماعيّة واقتصاديّة.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى