منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حضرة بهاء الله والعصر الجديد ( 1 )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

البشارات

"قد ظهر موعود جميع الأمم، وكانت جميع الأمم والمذاهب تنتظر ظهور الموعود، وحضرة بهاءالله أعظم المعلّمين والمربّين الذّين ظهروا في العالم الإنسانيّ"
(عبدالبهاء – مترجمًا)

أعظم حدثٍ في التّاريخ

لو رجعنا إلى ما هو مدوّن في صفحات التّواريخ بخصوص مسألة كيفيّة "تقدّم الإنسان" لوجدنا أنّ العامل المهم في الرّقي البشريّ هو ظهور رجال من وقتٍ لآخر يتخطّون الآراء والأفكار المسلّم بها في عصرهم، ويكتشفون الحقائق التّي لم تكن معلومةً للبشر قبل ظهورهم، ثمّ يعلنونها. فالمخترع والرّائد والنّابغة والرّسول هم الذّين يتوقّف عليهم مبدئيًّا تطوير العالم. وكما يقول كارلايل:

"إنّ الحقيقة الواضحة بل الواضحة جدًّا... أنّ رجلاً واحدًا يمتلك حكمةً أسمى وحقيقةً روحانيّةً كانت مجهولة قبل مجيئه، إنّما يمتلك قوّةً لا تزيد على قوّة عشرة من أبناء جنسه فحسب أو

عشرة آلاف منهم ممّن لم تكن عندهم تلك الحكمة، بل تزيد قوّته على قوّة جميع الذّين لم يمتلكوها، وتراه يقف فيهم بقوّة ملائكيّة علويّة، كمن يكون مقلّدًا بسلاح من أسلحة السّماء، لا تقاومهم أيّة دروع أو أيّة أبراج من النّحاس."( )

ففي تواريخ العلوم والآداب والموسيقى، نرى أمثلةً كثيرةً لهذه الحقيقة، إلاّ أنّه ليس هناك في أيّ أفق شيء أوضح من أهميّة الرّجل العظيم، ولا أبين من رسالته، في أفق الدّين. ففي جميع العصور، كلّما انحطّت حياة البشر الرّوحانيّة، وفسدت أخلاقهم، يظهر رسولاً هو أعجب الرّجال وأعمقهم، فيقوم وحده أمام جميع العالم، كرجل بصير بين رجالٍ عميّ، ليعلن بشارة الحقّ والصّدق، بينما لا يوجد معه من يشاركه في إنجاز مسؤولياته، أو من يفهمه، أو من يعلّم النّاس ويهديهم.

ومن الرّسل من كانت له مهمّة سامية خاصّة. وكلّما انقضت بضعة قرون، ظهر رسول إلهيّ في الشّرق، أمثال كريشنا وزردشت وموسى وعيسى ومحمّد، ليضيء عقول البشر المظلمة، ويوقظ أرواحهم الرّاقدة، كالشّمس الرّوحانيّة. ومهما تكن آراؤنا حول العظمة النسبيّة لهؤلاء الرّسل المؤسّسين للأديان، فإنّنا يجب أن نعترف بأنّهم كانوا أقوى العوامل في تعليم بني البشر. وقد اتّفقوا جميعًا في تصريحهم، بأنّ الكلمات التّي يتكلّمون بها ليست من أنفسهم، بل من إلهام إلهيّ يلهمون به، وأنّها رسالة إلهيّة هم حملتها. وقد امتلأت أقوالهم المدوّنة بإشارات ووعود تبشّر بظهور

معلّم عظيم للعالم، يظهر في "وقت المنتهى"، ليتمّم عملهم حتّى يؤتي ثمرته، وهو يؤسّس حكم السّلام والعدل على الأرض، ويجمع في أسرة واحدة كلّ الأجناس والأديان والأمم والقبائل، ليكون هناك "قطيع واحد وراع واحد" وليعرفوا الله ويحبّوه "من أصغرهم إلى أكبرهم".

حقًا إنّ مجيء هذا "المربّي للإنسانيّة" في آخر الأيّام هو أعظم حدثٍ في التّاريخ البشريّ. ولقد أعلنت الدّيانة البهائيّة للعالم بشارة ظهور هذا "المربّي" ظهورًا فعليًا، وأنّ أمره قد تمّ وتدوّن، وأنّه يمكن لكلّ باحث غيّور أن يدرسه، وأنّ فجر "يوم الرّب" قد تنفّس، وأنّ "شمس الحقيقة" قد أشرقت. نعم، لم يشاهد أحد للآن تلك الشّمس البهيّة سوى القليلون ممّن هم على قلل الجبال، ولكنّ أشعّتها قد أضاءت الأرض والسّماء، وعن قريب سوف ترتفع فوق رؤوس الجبال، وتشرق بأشدِّ إشراق على الأودية والبطاح، وتهب الحياة والهدى لكافّة النّاس.

عالم يتبدّل

قد أصبح معلومًا لدى العموم، اختراق العالم في القرن التّاسع عشر وابتداء القرن العشرين سكرات موت العصر القديم وطلقات ولادة العصر الجديد، وقد أخذت أصول المادّيّة القديمة والمصلحة الفرديّة والتّعصّبات والعداوات الوطنيّة والمذهبيّة بالاضمحلال، وصارت أمورًا مفضوحةً يجب نبذها، بسبب التّدميرات التّي نشأت عنها، وفي كلّ جهة من جهات العالم نرى علامات روح إيمان جديد وأخوّة دوليّة تكسر القيود القديمة وتتجاوز الحدود العتيقة.

وتجري الآن في جميع شؤون الحياة الإنسانيّة تحوّلات ثوريّة ذات شأن عظيم لم يسبق لها مثيل، وترى العصر القديم في صراع دائم مع العصر الجديد، وفي تقلّب بين الحياة والموت، ولم يتم للآن إحتضاره. وهناك شرور عديدة لا تزال قويّةً هائلةً، ولكنّها قد انكشف سترها، وأخذ العالم في محاربتها والهجوم عليها بقوّة جديدة وبأمل وطيد. نعم إنّ السّحب قد تكاثفت، وامتدّت، وهدّدت، ولكنّ النّور آخذ في تبديدها وتقويضها، وهو ينير طريق التقدّم، ويكشف العقبات والمهاوي التّي تعترض الطّريق المستقيم.

أمّا في القرن الثّامن عشر، فقد كان الأمر على خلاف ذلك، فإنّ الظّلمة الرّوحانيّة والأخلاقيّة التّي استولت على العالم فيه لم يكد يخترقها أيّ شعاع من النّور، بل كانت كالظّلمة الحالكة التّي تتقدّم ظهور الفجر، ولم تستطع المصابيح والشّموع القليلة التّي كانت حينذاك موجودة، أن تبيّن شيئًا من الظلام إلاّ قليلاً. وممّا كتبه كارلايل عن القرن الثّامن عشر في كتابه (فردريك العظيم) ما يأتي: "إنّه قرنٌ ليس له تاريخٌ مهم، بل تاريخه نزر قليل يكاد يكون معدومًا، وهو قرن مشحون بالأباطيل المتراكمة... ممّا لا يوجد له شبيه في القرون الأولى! ولم يكن عند أهله شعور بما كان قرنهم عليه من الضّلال الذّي نما فيه، بل انغمس فيه واختلط به لحمًا ودمًا، وطفح به الكيل إلى أن انتهى بالثّورة الفرنسيّة...

وهي خاتمة لائقة جدًا بمثل هذا القرن، كما أشعر بسرور لذلك... لأنّ بني البشر الذّين استولى عليهم الطّيش والبلادة كانوا في حاجةٍ إلى "دين إلهيّ جديد"، لئلا يسقطوا في هاوية التّوحش

والتّقليد"( ).

والوقت الحاضر، بالنّسبة إلى القرن الثّامن عشر، بمثابة الفجر بعد الظّلام، وكظهور الرّبيع بعد الشتاء، فترى العالم يموج بحياة جديدة، ويصدع بأفكار سامية جديدة، وآمال جديدة، وأنّ الأمور التّي كانت منذ سنين قليلة تعدّ حلمًا مستحيلاً، قد أصبحت الآن من الحقائق الثّابتة، وكذلك الكثير من الأمور التّي كانت تُعتبر بعيدةً وغير محتملة الوقوع إلاّ بعد مرور أجيال عديدة، أصبحت "مناهج عمليّة"، وشاهدنا عجائب عديدةً لا تحصى، فقد طرنا في الهواء وغصنا في أعماق البحار، وأصبحنا نرسل الرّسائل حول الأرض بسرعة البرق، وخلال عقود السّنوات الأخيرة رأينا عجائب لا تحصى.

شمس الحقيقة

فما هو السّبب يا ترى في هذه اليقظة الفجائيّة في العالم؟
يعتقد البهائيّون أنّها ترجع إلى نفثات الرّوح القدس الفائضة من الرّسول بهاءالله الذّي ولد في إيران سنة 1817 وصعد في الأرض المقدسّة سنة 1892.

ولقد علم بهاءالله أنّ الرّسول أو "المظهر الإلهيّ" هو الذّي يجلب النّور من العالم الرّوحانيّ كما تجلب الشّمس النّور إلى عالم الطّبيعة. فكما تشرق الشّمس الماديّة فوق الأرض، وتسبب نموّ

الأجسام الماديّة وتطوّرها، فكذلك شمس الحقيقة تضيء من خلال المظهر الإلهيّ على عالم القلوب والأرواح، وتربّي العقول والآداب والأخلاق البشريّة. وكما أنّ أشعّة الشّمس الماديّة لها القدرة على اختراق أظلم نواحي العالم لتهب الحياة والحرارة حتّى للمخلوقات التّي لم تر في حياتها الشّمس، فكذلك نفثات الرّوح القدس الفائضة من المظهر الإلهيّ تؤثّر على حياة الجميع وتلهم العقول المستعدّة، حتّى بين الذّين لم يسمعوا باسم الرّسول أبدًا. فمجيء المظهر هو كمجيء الرّبيع، وهو يوم القيامة الذّي يقوم فيه أموات الرّوح إلى حياة جديدة، وتتجدّد فيه، بل وتتأسّس من جديد حقائق الأديان الإلهيّة، وفيه تظهر "سماء جديدة وأرض جديدة".

ولكنّ مجيء الرّبيع في عالم الطّبيعة لا يقتصر على إنماء الحياة الجديدة وبعثها فقط، بل يتسبّب عنه زوال كلّ قديم وعتيق وفناؤه، لأنّ الشّمس التّي تنمّي الأزهار وتربّي الأشجار تسبّب بذاتها اضمحلال وانحلال كلّ ما هو هزيل وبالٍ قديم. فهي تذيب ثلوج الشّتاء، وترسل الفيضان والأعاصير التّي تنظّف الأرض وتطهرّها. وعلى هذا المنوال يكون العالم الرّوحانيّ، فيسبّب إشراق الشّمس الرّوحانيّة تغييرًا وحركةً مشابهةً، وكذلك يكون يوم القيامة يومًا للجزاء، فتزول فيه وتنبذ كلّ أشكال الفساد الأفكار والعادات العتيقة وكلّ الخرافات والتّقاليد، وتذوب ثلوج الأوهام والتّعصّبات التّي تراكمت في أزمنة الشّتاء، وتنطلق القوى التّي تجمّدت طويلاً، لتغمر العالم وتجدّده.

رسالة بهاءالله

صرّح بهاءالله مرارًا، وبكلّ وضوح، أنّه هو المرّبي والمعلّم المنتظر، وأنّه معلّم جميع الأمم، وأنّه ينبوع الرّحمة الواسعة العجيبة التّي تفوق كلّ فيض سابق، والذّي فيه تندمج جميع الأديان السّابقة كما تنصبّ الأنهار في المحيط. وقد أسّس أساسًا يكون قاعدةً متينةً لاتحاد جميع العالم ولافتتاح ذلك العصر المجيد، عصر السّلام على الأرض والتآخي بين الأنام، كما أخبر به الرّسل وتغنّى به الشّعراء.

وقد نزلت من قلم بهاءالله قبل مئة عام تعاليمه في كتب متعدّدة وألواح كان الكثير منها موجّهًا إلى الملوك وحكّام العالم. وهذه التعاليم هي: تحرّي الحقيقة، ووحدة الجنس البشريّ، واتحاد الأديان والأجناس والأمم في الشّرق والغرب، واتّفاق العلم والدّين، ومحو التّعصّبات والخرافات والأوهام، ومساواة المرأة والرّجل، وتأسيس العدل والحق، وإنشاء محكمة دوليّة عليا، والاتفاق على لسان واحد من بين اللّغات، والتّعليم الإجباريّ وغيرها.

وأمّا رسالته الفريدة في شمولها ومداها، فإنّها مطابقةً لحاجات هذا العصر وعلاماته تطابقًا عجيبًا. ولم تَكُن المشاكل المستجدّة التّي تجابه البشر قد بلغت في أيّ عصر من الضّخامة والتّعقيد ما بلغته الآن، ولم تكن حلولها المقترحة قد بلغت كذلك ما بلغته من الكثرة والتّضارب، ولم يكن الاحتياج إلى معلّم للعالم في أي

عصر أشدّ إلحاحًا منه في هذا العصر، ولا الشّعور بالحاجة إليه بأوسع، ولم يكن انتظار ظهور مثل هذا المعلّم بأمكن ولا أثبت منه ولا أعمّ.

انطباق النّبوّات

كتب عبدالبهاء خصيصًا لهذا الباب ما تلي ترجمته:

"عندما ظهر السّيد المسيح منذ عشرين قرنًا، كان اليهود منتظرين مجيئه بشوق، وفي كلّ يوم يتضرّعون قائلين "اللّهم عجّل ظهور المسيح"، ومع ذلك، حينما أشرقت شمس الحقّ، أنكروه وقاموا ضدّه بأعظم العداء، وأخيرًا علّقوه على الصّليب، مع أنّه كان الرّوح القدس وكلمة الله، وسمّوه بـ (بعلزبول) أي الشّيطان، كما هو مذكور في الإنجيل. والسّبب في كلّ ذلك، كما قالوا، هو أنّ ظهور المسيح، حسب نصوص التّوراة الواضحة له علامات خاصّة، وما دامت هذه العلامات لم تظهر، فإنّ كلّ من يدّعي أنّه المسيح كاذب. وهذه العلامات هي: أنّ المسيح يجب أن يأتي من مكان مجهول، في حين أنّنا نعرف بيت هذا الرّجل في النّاصرة، وهل يمكن أن يظهر من النّاصرة شخصٌ صالح؟ والعلامة الثّانية: أنّ عصاه يجب أن تكون من حديد، أي أنّه يرعى الأغنام بالسّيف، ولكن هذا المسيح لم تكن عنده حتّى عصا من الخشب. ومن العلامات والشّروط: أنّه يجلس على كرسيّ داود ويؤسّس سلطنة داود، ففضلاً عن عدم تتويجه، فإنّه لا يملك الآن حصيرًا يجلس عليها. ومن بين الشّروط: أنّه يروّج شريعة التّوراة، ولكنّ هذا الرّجل نسخ شريعة التّوراة نسخًا كليًا، وكسر يوم السّبت مع وجود

نص قاطع في التّوراة يقضي بأنّ كلّ من يدّعي النّبوّة ثم يكسر يوم السّبت يجب قتله، ولو أظهر العجائب والمعجزات. ومن العلامات أنّه في مدّة حكمه يسود العدل والحقّ والصّلاح، حتّى يتجاوز من الإنسان إلى الحيوان، فيعيش الثعبان والفأر في حفرة واحدة، والصّقر والحجل في وكر واحد، والأسد والغزال في مرعى واحد، والذّئب والحمل يشربان من مَعين واحد ولكنّ الظّلم والعدوان قد اشتدّا الآن إلى درجة أنّهم صلبوه! ومن الشّروط الأخرى: أنّ اليهود في زمان المسيح يسودون وينتصرون على جميع أمم الأرض، ولكنّهم الآن مقيمون على العبوديّة والهوان في إمبراطوريّة الرّومان، فكيف إذن يكون هذا هو المسيح الموعود في التّوراة؟

"وبهذه الكيفيّة اعترضوا على شمس الحقيقة، مع أنّ روح اللّه ذاك كان هو الموعود في التّوراة، ولكنّهم لمّا لم يفهموا معنى هذه العلامات، صلبوا (كلمة الله).

"ويقول البهائيّون اليوم أنّ العلامات المدوّنة كلّها ظهرت في مجيء السّيد المسيح، غير أنّ ظهورها لم يكن بالمعنى الذّي فهمه اليهود، وأنّ الوصف الموجود في التّوراة وصف مرموز.

"فمثلاً من ضمن العلامات علامة السّلطنة: فالبهائيّون يقولون أنّ سلطنة السّيد المسيح كانت سلطنة إلهيّة سماويّة أبديّة، وليست مثل سلطنة نابليون التّي زالت في وقتٍ قصير، فقد توطّدت سلطنة السّيد المسيح حوالي ألفيّ سنة، وهي للآن باقية، وسيبقى هذا الوجود المقدّس معتليًا عرشه السّرمدي إلى الأبد، وهكذا بقيّة العلامات التّي ظهرت ولم يدركها اليهود، وهم للآن ينتظرون مجيء

المسيح، مع أنّه قد مرّ الآن عشرون قرنًا على ظهوره بظهور إلهيّ ساطع ويعتقدون أنّهم على الحقّ وأنّ السيّد المسيح كان باطلاً معاذ الله. "

لو طلب اليهود من السّيد المسيح تفسير معاني النّبوات الخاصّة به، لأخبرهم بها. فلنعتبر بهذا المثال، وقبل أن نحكم إذا كانت النّبوات الخاصّة بظهور المعلّم الأعظم في اليوم الأخير قد تمّت أم لا، فلنرجع إلى ما كتبه بهاءالله نفسه خصيصًا حول تفسيرها، لأنّ كثيرًا من النّبوات ولا شك "مختوم"، وأنّ المرّبي الحقيقي هو الشّخص الوحيد الذّي يمكنه أن يفضّ ختمها، ويكشف معانيها المكنونة في أصداف عباراتها.

وقد كتب بهاءالله الكثير حول تفسير النّبوّات القديمة، ولكنّه لا يجعل البرهان على أحقيّة رسالته متوقفًا على هذه النّبوات. فجميع العقلاء يعلمون أنّ الشّمس هي حجّة بذاتها، وفي وقت شروقها لا نحتاج إلى نبوّات سابقة تطمئننا عن شروقها، وهكذا الأمر مع المظهر الإلهيّ حين ظهوره، فإنّه يكون بنفسه حجّة كافية لكل من له إحساس روحانيّ، حتّى ولو نسيت جميع نبوّات الرّسل السّابقين.

براهين الرسّالة

إنّ بهاءالله لم يطلب من أيّ شخص أن يقبل أقواله ودلائله قبولاً أعمى بدون تحقيق، بل بالعكس من ذلك، وضع في مقدّمة تعاليمه إنذارات شديدة لكلّ من يقبل أيّة سلطة قبولاً أعمى، وحثّ الجميع على أن يفتحوا أعينهم وآذانهم، ويحكموا بأنفسهم بدون

خوفٍ، وبتمام الحريّة والاستقلال، حتّى يعرفوا الحقيقة. وهو يدعو إلى التّحري التّام، ولم يخفِ نفسه مطلقًا، بل جعل البرهان الأعلى على رسالته نفس كلماته وأعماله وأثارها في تغيير أخلاق النّاس وحياتهم. وإنّ الأدلّة التّي ذكرها هي التّي وضعها سلفه العظماء من الرّسل، فقال موسى في التوراة:

"وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذّي لم يتكلّم به الرّب؟ فما تكلّم به النّبي باسم الرّب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذّي لم يتكلّم به الرّب، بل بطغيان تكلّم به النّبي فلا تخف منه."( )

وبمثل ذلك قرّر المسيح دليله بوضوح وبيّن البرهان على دعوته بقوله:

"احترزوا من الأنبياء الكذبة يأتونكم بثياب الحملان ولكنّهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم. هل يجنون من الشّوك عنبًا، أو من الحسك تينًا؟ هكذا كلّ شجرة جيّدة تصنع أثمارًا جيّدة، وأمّا الشّجرة الرّديئة فتصنع أثمارًا رديئة. لا تقدر شجرة جيّدة أن تصنع ثمارًا رديئة، ولا شجرة رديئة أن تصنع أثمارًا جيّدة، كلّ شجرة لا تصنع ثمرًا جيّدًا تقطع وتلقى في النّار، فإذن من ثمارهم تعرفونهم."( )

وسنجتهد فيما يأتي من الأبواب أن نُبيّن إذا كانت دعوة بهاءالله للرّسالة ثابتة بمقتضى هذه الأصول، وهل الأمور التّي نطق بها تحقّقت أم لا، وهل كانت ثماره طيّبة أم رديئة، وبعبارة أخرى،

هل نبوّاته تحقّقت، وأحكامه قد نفذت، وهل عمله في الحياة قد ساعد على تهذيب الإنسانيّة ورفعتها وعلى تحسين الأخلاق أو بالعكس من ذلك.

صعوبة التّحريّ

قد تعرض بالطّبع صعوبات كثيرةً في سبيل الطّالب الذّي يرغب في تحرّي الحقيقة بخصوص هذا الأمر. فالدّين البهائيّ مثل جميع الدّعوات الأخلاقيّة والرّوحانيّة العظمى، قد أسيء عرضه وتمثيله وأخطئ فهمه. نعم، قد اتفقت روايات الأحباء والأعداء اتفاقًا تامًا بخصوص الاضطهادات الفظيعة والآلام التّي حصلت لبهاءالله وأتباعه، أمّا بخصوص أهميّة الدّعوة وصفات مؤسّسيها، فقد اختلفت أقوال المنكرين عن أقوال المؤمنين اختلافاً كليًّا كما اختلف مؤرخو المسيحيين واليهود في زمان السيد المسيح... وبينما يقول المؤمنون أنّ عيسى قد أتمّ وأكمل شريعة موسى والأنبياء، يصرّح المنكرون أنّه كسر قوانينها، ونسخ قواعدها، وأنّه كان مستحقًا للموت.

وفي الدّين كما في العلم، تكشف الحقيقة أسرارها للطّالب المجدّ الوقور المتواضع الذّي يستعد لأن يطرح جانبًا كلّ تعصب ووهم ويبيع ما عنده ليشتري "الجوهرة الفريدة ذات الثّمن العظيم". ولأجل فهم الدّين البهائيّ بكامل معناه، يجب أن نقوم بدراسته بروح الإخلاص وعدم الأنانيّة في البحث عن الحق، مثابرين في طريق التّحرّي، ومتّكلين على الهداية الرّبانية. وسنجد في الآثار

الكتابيّة لمؤسّسيها المفتاح الأعظم لأسرار هذه اليقظة الرّوحانيّة والمعيار الأتم لأهميّتها وقيمتها.


والغاية التّي نتوخاها في ما يأتي من الأبواب، هي أن نبسط على قدر الإمكان، باعتدال وبدون تعصّب وإجحاف، معالم تاريخ الأمر البهائيّ، وبالأخص تعاليمه، حتّى يتمكّن القرّاء بذلك من إصدار حكم صحيح حول أهميّتها، وربمّا يؤول بهم البحث إلى زيادة التعمّق في الموضوع بأنفسهم لأنفسهم.

وتحرّي الحقيقة، مع أنّه أمر مهم، إلاّ أنّه ليس الغاية الوحيدة والغرض النّهائي من الحياة، فالحقّ ليس أمرًا مواتًا يبحث عنه، وعند العثور عليه يوضع في متحف الآثار، فتوضع له بطاقة، ويصنّف بين الآثار، ويرصد في قائمة، ثمّ يعرض في المتحف، ليبقى هناك متروكًا جافًا قاسيًا عقيمًا، بل هو أمر حي يجب أن تتأصّل جذوره في قلوب النّاس، ويكون له ثمر في حياتهم من قبل أن يجنوا مكافأة بحثهم.

فالغرض الحقيقي إذن من نشر معرفة الظّهور الإلهيّ هو أنّ يشرع الذّين يقتنعون بصحّته في تطبيق أوامره ومبادئه "والسيّر في الحياة" بمقتضاه، ونشر بشارته، فيعجّلون بذلك تحقّق ذلك اليوم المبارك الذّي فيه تظهر مشيئة الله على الأرض كما هي في السّماء.



"قل إنّ الظّالم قتل محبوب العالم، ليطفئ بذلك نور اللّه بين ما سواه ويمنع النّاس عن سلسبيل الحيوان، في أيّام ربّه العزيز الكريم"
(بهاءالله – لوح الرئيس)
مهد الظّهور الجديد

إنّ لإيران، التّي هي موطن الظّهور البهائيّ، تاريخًا مجيدًا فريدًا في العالم. ففي أيّام عظمتها الأولى، كانت بين الأمم أشبه بملكة مبجّلة، لا تضارعها أيّة أمّة في مدنيّتها وقوتّها وعظمتها، وقد أبرزت للعالم ملوكًا وساسةً عظامًا ورسلاً وشعراء وفلاسفة وفنّانين، فزردشت، وكورش، ودارا، وحافظ، والفردوسي، وسعدي، وعمر الخيّام، هم بعض أبنائها المشهورين، وكان صنّاعها لا يدانيهم أحد في مهارتهم، وكان سجّادها لا يضارعه سجّاد في العالم، وأسلحتها الفولاذيّة لا يدانيها غيرها، وحازت أوانيها الفخّاريّة شهرةً عالميّة، ولا تزال آثار عظمتها الأولى موجودةً في جميع أطراف الشّرقين الأوسط والأدنى.

إلاّ أنّها سقطت في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر إلى وهدةٍ

مزرية يرثى لها، وكأنّما ضاع مجدها القديم إلى الأبد، فأصبحت حكومتها فاسدة، وأحوالها الماليّة في حال يأس وضيق، وكان بعض ملوكها ضعيفًا، والبعض الآخر مستبّدًا طاغيًا كالوحوش، وأصبح علماؤها متعصّبين غير متسامحين... وكان عامّة أهلها يتّبع مذهب الشّيعة ومنهم جمّ غفير من الزردشتيين واليهود والمسيحيين والمذاهب الأخرى المتباغضة. وكلهّم يدّعون أنّهم يتّبعون معلّمين رفيعين يأمرونهم بعبادة إله واحد، وبأن يعيش بعضهم مع البعض الآخر بالمحبّة والاتحاد، إلاّ أنّهم كانوا في الحقيقة يبغض بعضهم بعضًا ويحتقره ولا يعاشره. وكان كلّ مذهب يعتبر المذاهب الأخرى نجسةً كأنّها الكلاب أو كأنّها الكفّار الوثنيين، فيتبادلون اللّعن والطّعن بينهم بدرجة مخيفة، حتّى أصبح من الخطر على اليهودي أو الزّردشتي أن يسير في الشّارع في يوم مطير، لأنّه لو فرض ومسّ رداء الزردشتي المبلّل بالمطر مسلمًا فإنّه ينجّس المسلم ولا يقدر الزردشتي أن يكفّر عن جريمته إلاّ بضياع حياته، وإذا أخذ المسلم نقودًا من يهودي أو زردشتي أو مسيحي، فإنّه لا محالة يغسلها قبل أن يضعها في جيبه. وكذلك لو شاهد اليهودي إبنهُ يعطي قدحًا من الماء إلى سائل مسلم، فإنّه لا بدّ وأن يكسر القدح من يد الطّفل، اعتقادا منه بأنّ الكفّار لا يستحقون الرّأفة بل اللّعنة! هذا وقد انقسم المسلمون منهم إلى جملة فرق، اشتدّت بينها العداوة، ولم يشتبك الزّردشتيون كثيرًا في هذه المشاحنات المتبادلة، بل عاشوا وحدهم منعزلين في جماعات منفصلة، وامتنعوا عن معاشرة مواطنيهم من أصحاب الأديان الأخرى.

وتدهورت الشّؤون الاجتماعيّة والأمور الدّينيّة تدهورًا لا أمل في علاجه، فأهمل أمر التّعليم، وأصبحت العلوم والفنون الغربيّة في نظهرهم رجسًا ومخالفة للدّين، ومسخت العدالة، وصارت اللّصوصيّة والنّهب والسّلب من الأمور المعتادة، وأصبحت الطّرق رديئةً غير مأمونة للأسفار، وأضحت الشؤون الطّبيّة ناقصةً نقصًا معيبًا.

وبالرّغم من ذلك، لم تكن أنوار الحياة الرّوحيّة قد انطفأت في إيران، لأنّه في وسط تلك الحالة المادّية السّائدة والخرافات المنتشرة، كانت تظهر هنا وهناك بعض النّفوس المقدّسة، كما حدث قبيل ظهور السّيد المسيح حينما بُعث في قلوب الكثيرين شوق وحنين لمظهر الله، كالشّوق الذّي غمر قلبي "حنّة" و"سمعان". وهكذا كان الكثيرون قبيل ظهور الباب ينتظرون ظهور الرّسول الإلهيّ الموعود، موقنين بأنّ وقت مجيئه قد حان.

وهذه خلاصة ما كانت عليه إيران عندما ظهر السّيد الباب بشير العصر الجديد، فحرّك جميع إيران من أعماقها برسالته الفريدة.

نشأته

ولد سيّد "علي محمد"، الذّي اتّخذ فيما بعد لقب "الباب"، في مدينة شيراز من جنوب إيران، في اليوم العشرين من أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1819 ميلاديّة الموافق ليوم أوّل محرّم سنة 1235 هجريّة، وكان سيّدًا أي من سلالة الرسول محمد (ص)، وبعد قليل من ميلاده توفي والده الذّي كان تاجرًا معروفًا فكفله خاله أحد

التجّار في شيراز، وفي أثناء طفولته تعلّم القراءة وحصل على التّعليم الأوليّ العادي للأطفال) (.

ولمّا بلغ سنّ الخامسة عشرة، اشتغل بالتّجارة أوّلاً مع وليّ أمره، ثمّ بعد ذلك مع خالٍ آخر له في "بوشهر" على شاطئ الخليج جنوبيّ إيران. واشتهر في صباه بحسن الخلق والخُلق والورع والنّبل الفريد، ولم يكن يتوانى عن الصّلوة والصّيام وغيرهما من الأوامر الإسلاميّة سالكًا على مقتضى روح الشّريعة فضلاً عن اتّباع النّصوص، وتزّوج في السّن الثّانية والعشرين وولد له ولد توفي وهو طفل قبل سنة من إعلان دعوته) (.

إعلان الدّعوة

وعندما بلغ الباب السّن الخامسة والعشرين، أجاب الأمر الإلهيّ، وأعلن "أنّ الله سبحانه وتعالى قد اختاره لمقام البابيّة". وفي كتاب "مقالة سائح" نقرأ ما يأتي مترجمًا:

"وكان مقصوده من كلمة "الباب": أنّه واسطة فيوضات من شخص عظيم، و يزال خلف حجاب العزّة، حائز لكمالات لا عداد لها ولا إحصاء، وأنّه متحّرك بإرادته ومشيئته، ومعتصم بحبل ولائه ومحبّته"( ).

وكان الاعتقاد بقرب ظهور الموعود الإلهيّ سائدًا في تلك الأيّام، خصوصًا فيما بين الطّائفة التّي تُدعَى بالشّيخيّة. وقد أعلن الباب بعثته أوّلاً لعالم جليل من تلك الطائفة يدعى "الملاّ حسين بشروئي" وتاريخ هذا الإعلان مذكور بالضّبط في "كتاب البيان"، الذّي هو أحد كتب الباب، وهو في ساعتين وإحدى عشر دقيقة بعد الغروب، ليلة الخامس من شهر جُمادى الأولى سنة 1260 هجريّة، الموافق ليوم 23 مايو (أياّر) سنة 1844 ميلاديّة. وحيث أنّ اليوم البهائيّ يبدأ بعد الغروب، لا بعد منتصف اللّيل كما في بلاد الغرب، لذا يحتفل بعيد بعثة حضرة الأعلى( ) في الخامس من جمادى الأولى المطابق لليوم الثاّلث والعشرين من شهر مايو (أيّار).

وقد ولد عبدالبهاء في تلك اللّيلة نفسها، لكن ساعة ميلاده لم تُعيَّن( ).

وبعد بحث شديد وتحر مستفيض، اقتنع "الملاّ حسين بشروئي" اقتناعًا يقينيًّا، بظهور الموعود المنتظر عند الشّيعة. ولم يمض الكثير من الزّمن حتّى شاركه في هذا الحماس كثير من الأصحاب. وبعد قليل آمن بالباب أغلب الشّيخيّة، وتسمّوا بالبابييّن، وابتدأت شهرة السّيد الباب الشّاب تنتشر كالنّار في طول البلاد وعرضها.

انتشار دعوة الباب

إنّ تلاميذ الباب الثّمانية عشر الأولين عُرفوا بـ "حروف الحيّ"( ) وهؤلاء هم الذّين أرسلهم الباب إلى جهاتٍ مختلفة من إيران وتركستان لنشر خبر ظهوره، وسافر بنفسه في نفس الوقت للحج إلى مكّة، فوصلها في ديسمبر (كانون الأول) سنة 1844، وفيها أعلن بعثته جهارًا.

وعند عودته إلى "بوشهر" وقع إضراب عظيم بسبب إعلانه دعوة البابيّة. فمن جهة حرّك قوّة الحماس في أتباعه بحرارة نار تبيانه وعجيب سرعة جريان كتاباته وعظيم علمه ووفور حكمته وشجاعته وإقدامه واشتعاله وحماسه في الإصلاح، ومن جهة أخرى أثار في المتعصّبين من المسلمين العداء والذّعر، وقام علماء الشّيعة

بكلّ شدّة على تكذيبه ومقاومته، وأقنعوا حاكم فارس المدعوّ "حسين خان" الذّي كان حاكمًا متعصّبًا مستبدًّا بأن يقمع هذه البدعة الجديدة. ومن ثمّ ابتدأت للباب سلسلة حوادث عديدة من الحبس والنّفي والمحاكمات أمام المجالس والجلد والإهانة انتهت بشهادته سنة 1850 ميلاديّة.

دعوة الباب

إنّ العداء الذّي أثير بسبب دعوة البابيّة، قد تضاعف عندما أعلن الشّاب المصلح العظيم أنّه هو المهدي الذّي تنبّأ بمجيئه محمّد (ص)، فقد قالت الشّيعة أنّ ظهور المهدي هو بالذّات ظهور الإمام الثّاني عشر، الذّي قالوا أنّه اختفى عن الأنظار منذ ألف سنة، وهم يعتقدون أنّه حيّ، وأنّه سيظهر بجسده الأوّل، وفسّروا النّبوّات الخاصّة بسلطنته ومجده وفتوحاته و"علامات" ظهوره تفسيرًا ماديّا محسوسًا، كما فسّر اليهود في زمان ظهور المسيح النّبوّات الخاصّة بمجيئه، فتوقّعوا مجيئه بسلطنة دنيويّة، وبجيش جرّار، ليعلن دعوته، ويقيم الأموات، ويعيد لهم الحياة وغير ذلك، فلمّا لم تظهر لهم بحسب الظّاهر هذه العلامات، رفضت الشّيعة قبول دعوة الباب، وواجهته بنفس الغلظة والقسوة التّي واجه اليهود بها السيّد المسيح. أمّا البابيّون فكانوا من جهة أخرى يفسّرون كثيرًا من النّبوّات تفسيرًا مجازيًا، واعتبروا سلطنة الموعود سلطنة غيبيّة مثل سلطنة السّيد المسيح الجليليّ "رجل الأوجاع" فإنّ سلطنته كانت سلطنة روحانيّة لا سلطنة أرضيّة، وكانت فتوحاته هي فتحه مدائن

قلوب البشر. وقد وجدوا البراهين العديدة على صحّة دعوة الباب في حياته المدهشة التّي عاشها، وفي تعاليمه العظيمة، وفي إيمانه الذّي لا يتزعزع، وثباته الذّي لا يضارع، وقدرته في نفخ روح الحياة الرّوحيّة وتجديدها فيمن كانوا في قبور الخطأ والجهل راقدين.

ولكنّ الباب لم يكتف بدعوة المهدويّة، بل تلّقب بلقب "النّقطة الأولى"... حتّى أنّ الأئمّة أنفسهم كانوا يعدّون مقام "النّقطة" التّي كانوا يستمدّون منها إلهامهم وحجّتهم. فابتّخاذ الباب هذا اللّقب كانت دعواه أنّه في عداد كبار مؤسسي الأديان...

ولهذا السّبب كانت الشّيعة تعدّه باطلاً كما اعتبر النّاس قبلهم موسى وعيسى ومحمّد عليهم السّلام من المفترين، وزاد على ذلك فوضع تقويمًا جديدًا افتتح به العصر الجديد ابتداءً من سنة إعلانه دعوته.

ازدياد الاضطهاد

كانت نتيجة إعلان الباب للدّعوة، وما تبعها من إجابة النّاس لها إجابةً سريعةً مذهلةً من جميع الطّبقات سواء الغنيّ منهم والفقير والعالم والجاهل، أن قام علماء إيران وحكاّمها على إطفاء الدّعوة بعزم مقرون بطيش، فنهبت المنازل وهدّمت، وأخذت النّساء، وقتل الجمّ الغفير من المؤمنين في طهران ومازندران وجهات أخرى، وقطّعت رؤوس الكثيرين وشنق الآخرون، أو قذفوا من أمام فوّهات المدافع، أو أحرقوا، أو قطّعوا إربًا إربًا، وكانت الدّعوة

تسير قدمًا وتتسّع بالرّغم من كلّ الجهود التّي بذلت لقمعها، بل أنّ نفس الاضطهاد كان سببًا في ازدياد إيقان المؤمنين، إذ تحقّقت بذلك النبوّات الخاصّة بمجيء المهدي تحقّقًا حرفيًّا، ففي الحديث الذّي رواه جابر والذّي تعتقده الشّيعة حديثًا صحيحًا جاء ما ينطبق على هذه الاضطهادات:-

"عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، فيذلّ أولياؤه في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم، فيقتلون، ويحرّقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرّنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقًا، بهم أدفع كل فتنة حندس، وبهم أكشف الزّلازل، وأرفع الأوصاد والأغلال".

استشهاد الباب

وفي يوليو (تمّوز) سنة 1850 وقع الباب نفسه ضحيّة لثائرة تعصّب مضّطهديه، وكان يبلغ إذ ذاك من العمر 31 سنة، وقد أخذ إلى مكان الاستشهاد في ثكنة عسكريّة قديمة في تبريز، مع شاب مؤمن به يُدعَى "محمّد علي"، كان قد التمس بتوسل السّماح له بأن يشارك سيّده في شهادته. وقبل الظّهر بساعتين تقريبًا علّق الإثنان، بأن أوثقا بحبال من تحت آباطهما بطريقة وضع فيها رأس "محمّد علي" على صدر سيّده المحبوب، واستدعي فوج من العسكر الأرمن، وأصدرت له الأوامر بإطلاق الرّصاص، وفي الحال دوّت المقذوفات، إلاّ أنّه لمّا انقشع الدّخان، وجد أنّ الباب ورفيقه أحياء، ولم تعمل فيهما المقذوفات شيئًا، سوى أنّها قطعت الحبال

التّي كانا معلّقين بها، وبذلك وقعا على الأرض، دون أن يصيبهما ضرر، وذهبا توًا إلى غرفة مجاورة حيث وجدا يتحدّثان إلى أحد المؤمنين. وقبيل الظّهر علّقا مرة أخرى، ولكنّ الأرمن الذّين رأوا عدم إصابة مقذوفاتهم معجزةً من المعجزات، امتنعوا عن إعادة إطلاق الرّصاص، ولذلك استبدلوا بفرقة أخرى من العسكر الذّين حضروا، أطلقوا الرّصاص حينما أمروا، وفي هذه المرّة أصابت المقذوفات المرمى فتمزّق جسدا الضحيّتين وتفتّت أعضاؤهما، عدا الوجه، فإنّه لم يكد يصب بشيء تقريبًا.

بهذه الفعلة الشّنعاء أصبح ميدان ثكنة تبريز محل قطع الرّؤوس و"الجلجلة" الثّانية. وابتهج أعداء الباب بنشوة هذا الظّفر الإجرامي، ظانّين أنّ شجرة دين الباب التّي يبغضونها قد قطّعت من جذورها، وأنّه قد أصبح من السّهل استئصالها، ولكنّ انتصارهم كان ذا أمد قصير، لأنّهم لم يفهموا أنّ شجرة الحقّ لا يمكن قطعها بأيّة فأس ماديّة، و يا ليتهم عرفوا أنّ هذه الجريمة التّي أجرموها كانت وسيلةً لتقوية هذا الأمر وتثبيت دعائمه، فشهادة الباب قد حقّقت أمنيةً كان يتمنّاها، كما ألهمت المؤمنين به حماسًا لا حدود له، فاشتعل حماسهم الرّوحانيّ إلى درجة زادت رياح الاضطهاد الهوجاء لهيبه ضرامًا، فضلاً عن فشلها في إخماده، وكلّما تعاظمت جهود الأعداء في الإطفاء، زاد لهيبه علوًا واشتعالاً.

ضريحه على جبل الكرمل

وبعد شهادة الباب، نقلوا رفاته ورفات رفيقه المخلص إلى حافّة الخندق خارج المدينة، وفي اللّيلة التّالية خلّص بعض البابيّين

جسديهما في منتصف اللّيل. وبعد إخفائهما سنوات عديدة في أماكن سريّة في إيران، جيء بهما بصعوبة وتحت الخطر إلى الأرض المقدّسة، ودفنا في مقام جميل في موقعه في سفح جبل الكرمل على مقربة من كهف إيليّا النّبي وعلى بضعة أميال فقط من المكان الذّي قضى فيه بهاءالله سنواته الأخيرة والذّي دفن فيه.

وليس هناك من بين آلاف الزّائرين الذّين يأتون من جميع بقاع الأرض لزيارة مقام بهاءالله المقدّس من تفوته زيارة مقام مبشّرهِ الفريد المخلص المحبّ البار، إجلالاً ووفاءً.

آثار الباب الكتابيّة

ملأت آثار الباب المجلّدات الضّخمة، وكانت سرعة كتابتِه وتفاسيره المسهبة وبياناته العميقة ومناجاته البليغة التّي كان يمليها على البديهة، تعتبر من البراهين على إلهامه السّماوي، وتتلخّص فحوى آثاره الكتابيّة المتنوعة فيما ننقله من كتاب مقالة سائح:

"لقد بقي في أيدي النّاس من آثار الباب الكتابيّة ما بعضه في موضوع تفسير وتأويل الآيات القرآنيّة والآخر في المناجاة، والخطب، والإشارات. وكان البعض في المواعظ والنّصائح، وبيان مراتب التّوحيد، وإثبات النّبوة الخاصّة لسيّد الكائنات محمّد (ص) والمفهوم من مضامينها التّرغيب في تهذيب الأخلاق والانقطاع عن شؤون الدّنيا والتّمسّك بنفحات الله. لكن فحوى كلماته، ومقصود مصنّفاته، إنّما كان يدور حول نعت الحقيقة الشّاخصة التّي مقصوده ومحبوبه ومطلوبه. وقد اعتبر ظهوره في مقام التّبشير به، كما اعتبر

حقيقة ذاته واسطة لظهور الكمالات العظيمة من تلك الحقيقة الشّاخصة. وفي الحقيقة، ظلّ ليلهُ ونهاره متبتّلاً له في ذكره، بحيث لم يغفل عنه لحظة واحدة. وكان يدلّ جميع أتباعه إلى ترصّد شروقه، بحيث أوضح في تآليفه:

"إنّي حرف من ذلك الكتاب الأعظم، ورذاذ من ذلك البحر الذّي لا ساحل له. وعند ظهوره، تتجلّى حقيقتي وأسراري ورموزي وإشاراتي، ويعرّج جنين هذا الأمر في مراتب الوجود ويفوز بمقام "أحسن تقويم"، ويلبس خلعة "فتبارك الله أحسن الخالقين"...

وكان مشتعلاً بناره، بحيث صار ذكره له في ليالي سجنه الدّاجية في قلعة "ماه كو" سراجه المنير، وتذكاره له وهو في ضيق سجن "جهريق" نعم الأنيس الرفيق، فابتهج بالانشراح الرّوحانيّ قلبه، وثمل من رحيق كأسه، وامتلأ جذلاً بذكره"( ).

من يظهره الله

قارن البعض الباب بيوحنا المعمدان، في حين أنّ مقام الباب ليس مجرّد كونه مبشّرًا بظهور بهاءالله، بل إنّ الباب في ذاته كان مظهرًا من المظاهر الإلهيّة، ومؤسّسًا لدين مستقل، ولو أنّه كان دينًا محدودًا في مدّته، ومقتصرًا على فترة قصيرة من السنوات. ويعتقد البهائيّون أنّ الباب وبهاءالله كانا المؤسّسين اللّذين اشتركا في تأسيس دينهم، وتشهد كلمات بهاءالله التّالية على صدق هذه

الحقيقة حين يقول ما ترجمته:

"أمّا وقد اقتضى أن تفصل هذا الظهور الأعظم البديع عن ظهوري السّابق فترةً قصيرةً جدًا كهذه، فإن ذلك سرّ لا يستطيع أحد كشفه وغيب لا يستطيع عقل أن يسبر غوره، وقد سبقت التّقديرات الإلهيّة فعيّنت مدّة امتداد تلك الفترة، ولن يستطيع أحد أبدًا أن يكتشف سببها، إلاّ بعد أن يطلع على ما في كتابي المكنون".

ومع وجود هذا، فإنّ الباب حينما أشار إلى بهاءالله، أظهر أقصى درجات إنكار الذّات وأعلن:

"إنّ الذّي يسمع في يوم ظهور "من يظهره الله" آيةً واحدةً من آياته ويتلوها خير له من أن يتلو كتاب البيان ألف مرّة"( ).

وقد عدّ الباب نفسه سعيدًا في تحمّل كلّ ألم في سبيل تهيئة الطّريق، وصرّح أنّه حين يتحمّل ذلك، إنّما يفعل القليل ممّا يجب عليه عمله في سبيل "من يظهره الله"، الذّي هو مصدر إلهامه الوحيد، ومقصود محبّته الفريد.

القيامة والجنّة والنّار

إنّ جزءًا مهمًّا من تعاليم الباب خاص بتفسير عبارات القيامة ويوم الجزاء والجنّة والنّار، فقد قال أنّ معنى القيامة هو ظهور مظهر جديد لشمس الحقيقة، وأنّ معنى قيام الأموات هو اليقظة الرّوحانيّة لمن هم نيام في قبور الجهالة والغفلة والشّهوات، وأنّ

يوم الجزاء يعني يوم الظّهور الجديد الذّي فيه يحصل الفصل بين أغنام الله الذّين يقبلون ظهوره وبين الذّين لا يقبلونه، لأنّ الأغنام تعرف صوت الرّاعي الصّالح فتتبعه، وأنّ الجنّة هي السّرور بمعرفة الله، كما أنزل ذلك مظهره، وبه يصل المرء إلى أسمى الكمال الذّي يستطيع الوصول إليه، وبه يدخل بعد الموت إلى ملكوت الله والحياة الأبديّة، وأمّا النّار فهي الحرمان من عرفان الله، وينتج عنها عدم الوصول إلى الكمال الإلهيّ وضياع السّعادة الأبديّة. وقد صرّح تصريحًا أكيدًا أنّ عبارات القيامة لم يكن لها معنى بغير هذا، وأنّ الأفكار السّائدة بين الأمم الخاصّة بقيام أجساد الموتى وبالجنّة والنّار الماديّة وأمثالها إنّما هي من اختراع الخيال. وقد بيّن أيضًا بأنّ للإنسان حياة أخرى بعد الموت، وبأنّ التّقدم نحو الكمال في الحياة الأخرى ليست له حدود.

تعاليمه الأخلاقيّة والاجتماعيّة

يخبر الباب أتباعه في آثاره الكتابيّة بأنّهم يجب عليهم أن يمتازوا بالمحبّة الأخويّة وبالأدب، وأن ينشروا بينهم الفنون والصّنائع النّافعة، وأن يكون التّعليم الابتدائي عامًا، وأن يكون للنّساء في هذا الدّور الإلهيّ العظيم الذّي افتتحه بذاته قسطًا أكبر من الحريّة، وأن يصرف على الفقراء من الخزانة العامّة، وقد منع التّسوّل منعًا باتًا وكذلك استعمال الخمور والمسكرات، وأمر أن يكون الدّافع الذّي يهدي الفرد البابيّ هو المحبّة الخالصة لله بدون رجاء للثّواب أو خوف من العقاب، ولذلك يقول في كتاب البيان:

"فاعبد الله، بحيث لو كان الجزاء على عبادتك النّار، لا تفتر عن عبادتك له. فإنّك لو عبدت الله خوفًا، فلن تليق لعتبة قدسه الإلهيّة، وكذلك لو نظرت إلى الجنّة، وعبدت الله رجاءً لها، فقد جعلت خلق الله شريكًا له"( ).

العذاب والانتصار

تدلّ هذه الفقرة الأخيرة التّي اقتبسناها على الرّوح التّي أنعشت حياة الباب كلّها، حيث كان مرماه الوحيد والغرض الفريد من وجوده هو عرفان الله ومحبّته، وإظهار صفاته من مرآته، وتهيئة الطّريق للمظهر الآتي بعده. ولم تكن للحياة عنده أيّة مخاوف ولا للموت أيّ اضطراب، لأنّ الحبّ طرد عنه الخوف، ولم يكن الاستشهاد ذاته لديه سوى ابتهاجه في إلقاء كلّ ما لديه تحت أقدام محبوبه.

عجبًا لمثل هذه النّفس الطّاهرة البديعة ولمثل هذا المعلّم للحقيقة الإلهيّة ولمثل هذا العاشق الإلهيّ، ولمثل رفاقه، كيف قوبلوا بالعداوة الشّديدة، وحكم عليهم بالموت على يد فقهاء العصر!

حقًا لا يعمي النّاس عن معرفة الرّسول الإلهيّ سوى التعصّب الأعمى والجهل، فالرّسول الإلهيّ لا يملك من زخارف الدّنيا وعظمتها شيئًا، ولكن كيف يمكن إثبات القوّة والسّلطنة الرّوحانيّة

إلاّ باستغناء المظهر الإلهيّ عن كلّ معونة دنيويّة وبانتصاره وفوزه على كلّ مقاومة أرضيّة مهما كان عُنفُها وشدّتها؟ بل كيف يمكن إظهار المحبّة الإلهيّة أمام أعين العالم الكافر بها إلاّ بقدرة تلك المحبّة على تحمّلها أقصى ضربات البلايا وسهام الرزايا وضغائن الأعداء وخيانة الأودّاء، وسموّها فوق هذا كلّه بكلّ هدوء وقرار وبدون أدنى وجل أو حقد سابغةً عفوها وبركتها؟

نعم قد تحمّل الباب، وانتصر، وشهدت الألوف على إخلاصها في حبّها له بفدائها أرواحها وكلّ ما ملكت في خدمته، ويحقّ للملوك أن يغبطوا سلطانه على قلوب النّاس وقدرته على تطوير حياتهم.

وفضلاً عن ذلك كلّه فإنّ "من يظهره الله" قد ظهر وأيّد دعوة مبشّرهِ الفريد، وأعلن قبوله ورضاه عن إخلاصه وجعله شريكًا له في مجده وبهائه.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى