منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حضرة بهاء الله والعصر الجديد (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

بهاءالله

"أيّها المنتظرون لا تنتظروا، فإنّه قد أتى، فانظروا إلى سرادقه الذّي استقرّ فيه بهاؤه، إنّه لهو البهاء القديم في ظهور جديد"
(بهاءالله - مترجمًا)

مولده ونشأته

إنّ الميرزا حسين علي، الذّي اتّخذ فيما بعد لقب بهاءالله، كان أكبر أولاد الميرزا عبّاس النّوري وزير الدّولة. وكانت عائلته غنيّة ومرموقة، وكثير من أعضاءها شغلوا مناصب مهمّةً في الوظائف المدنيّة والعسكريّة في الحكومة، وكان مولده في طهران عاصمة إيران بين الفجر والشّروق يوم 12 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1817 الموافق 2 محرّم سنة 1233 هجرية. ولم يذهب إلى مدرسة أو كليّة ما، بل تلقّى تعليمه البسيط في المنزل، مع ذلك حينما كان طفلاً ظهرت منه حكمةً فائقةً ومعرفةً مدهشةً. ومات والده وهو شاب فتركه مسؤولاً عن إخوته وأخواته الصّغار، وعن إدارة أملاك الأسرة الواسعة.

وقد حكى عبدالبهاء أكبر أولاد بهاءالله لمؤلّف هذا الكتاب في

إحدى المناسبات التّفاصيل الآتية عن أوائل أيّام حياة والده فقال ما ترجمته:

"كان منذ طفولته شفوقًا سخيًّا للغاية، وكان محبًّا للعيشة في الأرياف، فكان يقضي أغلب أوقاته في البساتين أو الحقول، وكانت له قوّة جاذبيّة خارقة يشعر بها الجميع، فكان النّاس يلتفون حوله كما كان الوزراء ورجال البلاط يحبّون مجالسته، وكذلك كان يحبّه الأطفال. ولما بلغ السّن الثّالثة عشرة أو الرّابعة عشرة اشتهر بدرايته الواسعة وعلمه الغزير، فكان يتكلّم في أيّ موضوع ويحلّ أيّة معضلة تعرض عليه، ويتباحث في المجامع مع العلماء، ويفسّر المسائل الدينيّة المعضلة، وكان الكلّ ينصتون إليه بكل ارتياح.

ولمّا بلغ سنّ الثّانية والعشرين، توفي والده، وأرادت الحكومة أن تسند إليه منصب والده في الوزارة، كما هي الحال في إيران، ولكنّ بهاءالله لم يقبل ذلك المنصب، وعندئذ قال رئيس الوزراء: "إتركوه لنفسه فإنّ هذا المنصب لا يليق به، فإنّ له غرضًا أسمى تحت نظرِه، ولا أقدر أن أفهمه، ولكنّني مقتنع بأنّ مهمّة سامية قد قدّرت له، فإنّ أفكاره ليست كأفكارنا، فاتركوه لنفسه".

حبس بهاءالله بسبب البابيّة

لمّا أعلن الباب بعثته سنة 1844، اعتنق بهاءالله أمر الدّين الجديد بشجاعته، وكان إذ ذاك في السّابعة والعشرين من العمر، وصار معروفًا بكونه أحد مروّجي البابيّة الشّجعان، حبس مرّتين لأجل هذا الأمر. وتحمّل ذات مرّة عذاب الجلد على الأقدام.

وفي أغسطس (آب) سنة 1852 حصلت حادثة مريعة للبابيين،

فإنّ أحد أتباع الباب، وهو شاب يدعى صادق التّبريزي، كان قد تأثّر من استشهاد سيّده المحبوب حينما شاهد ذلك عيانًا، فاختلّ عقله، ومن باب الانتقام كمن للشّاه وأطلق عليه بندقيّة صيد كان قد حشاها رشًّا( ) بدلاً من الرّصاص، فلم يصب الشّاه بأذىً بليغ، ولو أنّه أصيب من الرّش. وكان الشّاب قد سحب الشّاه من فوق جواده، إلاّ أنّ مرافقي صاحب الجلالة قبضوا عليه، وأعدموه في الحال في المكان ذاته، ثمّ اعتبر البابيّون جميعًا مسؤولين عن هذا الحادث ظلمًا، وابتدأت فيهم المذابح الفظيعة نتيجة ذلك الحادث وأعدم منهم ثمانون في طهران بأشّد أنواع العذاب، وقبض على الكثيرين وزجّوا في السّجون، ومنهم بهاءالله، وقد كتب بهاءالله عن ذلك فيما بعد في "لوح ابن الذّئب" ما ترجمته( ):-

"لعمر الله لم يكن لنا دخل في هذا الأمر المنكر أبدًا. وقد ثبتت براءتنا أيضًا في مجالس التّحقيق، ومع ذلك أخذونا وسيّرونا مترجّلين عاري الرّأس والأقدام مقيّدين بالسّلاسل من "نياوران" التّي كانت في تلك الأيّام مقرّ السّلطنة إلى أن أوصلونا إلى سجن طهران، وقد أخذ أحد الخيّالة الظّالمين القلنسوة من رأسي، وألجأنا المأمورون والجلاّدون على السّير بسرعة عظيمة، ووضعونا مدّة أربع أشهر في مكان لم تر العيون له مثيلاً. أمّا السّجن الذّي كان محل ورود المظلوم والمظلومين، فكانت في الحقيقة أفضل منه حجرة مظلمة ضيّقة، وعند ورودنا فيه أدخلونا ممرًا مظلمًا،

ومنه نزلنا ثلاث درجات عميقة، حتّى وصلنا إلى المقرّ المعيّن لنا. أمّا ذلك المقرّ، فكان مظلمًا ظلامًا حالكًا، وكان يرافقنا فيه ما يقارب المائة والخمسين مسجونًا من السّارقين وقطّاع الطّرق والقاتلين. ومع وجود هذا الازدحام، لم تكن له نافذةً سوى الطّريق الذّي دخلنا منه، وتعجز الأقلام عن وصفه، وتقصر العبارة عن بيان رّوائحه المنتنة، وكان ذلك الجمع أكثرهم من غير لباس وفراش [الله يعلم ما ورد علينا في ذلك المقام الأنتن الأظلم]، وكنّا نفكّر في ذلك السّجن في اللّيالي والأيّام في أحوال البابييّن وأعمالهم وحركاتهم، ومع علوّ وسموّ إدراك هذا الحزب، نعجب كيف ظهر منهم مثل هذا العمل يعني تلك الجسارة والتهجّم الحاصل على ذات الشّاه. وبعد ذلك عزم هذا المظلوم بعد خروجه من السّجن، أن يقوم بتمام الهمّة على تهذيب هؤلاء النّفوس. وفي ليلة من اللّيالي، في عالم الرّؤيا، سُمِعَت هذه الكلمة العليا من جميع الجهات: [إنّا ننصرك بك وبقلمك، لا تحزن عمّا ورد عليك ولا تخف إنّك من الآمنين. سوف يبعث الله كنوز الأرض وهم رجال ينصرونك بك وباسمك الذّي به أحيَى الله أفئدة العارفين]".

النّفي إلى بغداد

وامتّد هذا السّجن الرّهيب مدّة أربعة أشهر، ولكنّ بهاءالله وأصحابه كانوا في حماس وسرور عظيم. وكان الجلاّدون يقتلون في كلّ يوم تقريبًا واحدًا أو أكثر أو يعذّبونهم، ويذكّرون الباقين بأنّ دورهم سيأتي، وكلّما أتى الجلاّدون ليأخذوا أحد الأصحاب، كان

الذّي ينادون اسمه يرقص طربًا، يقبّل أيدي بهاءالله، ويعانق الباقين من زملائه المؤمنين، ثمّ يسرع بشوق عظيم إلى مكان الاستشهاد.

وأخيرًا، تحقّق أنّ بهاءالله لم يشترك في جريمة الاعتداء على الشّاه، وشهد سفير الرّوس بطهارة أخلاقه( )، وفضلاً عن ذلك، فقد اشتدّ مرضه لدرجة أنّهم كانوا يظنّون أنّه سيقضي نحبه، ولذلك أمر الشّاه بنفيه إلى العراق، بدلاً من الحكم عليه بالإعدام، فتوجّه بهاءالله بعد أسبوعين إلى تلك البلاد، ورافقته أسرته وعدد من المؤمنين، وفي سفرهم الطّويل في فصل الشّتاء، عانوا قسوة البرد، وغيرها من المصاعب، إلى أن وصلوا بغداد، في حال من الفاقة يرثى لها.

وبمجرّد عودة الصّحة لبهاءالله ابتدأ يعلّم الطّالبين، ويشجّع المؤمنين، وينصحهم، فاستقامت أحوال البابييّن، وشملتهم السّعادة والرّاحة بوقتٍ قصير( ). إلاّ أنّ هذه الفترة لم يطل أمدها، لأنّ أخ بهاءالله لأبيه، المسمّى بالميرزا يحيى والمعروف بـ (صبح أزل) وصل إلى بغداد، ولم يمض زمن كبير، حتّى ظهرت الاختلافات العدائيّة، الّتي كان هذا الأخ يثيرها سرًّا، وأخذت تتفاقم. وقد سبق حصول مثل هذه الإنشقاقات بين تلامذة السّيد المسيح. وهذه

الاختلافات التّي ازدادت فيما بعد في أدرنة وضوحًا وعنفًا، كانت شديدة الألم لبهاءالله، الذّي كان غرضه في حياته كلّها ترويج الإتّحاد بين أهل العالم.

هجرته مدّة سنتين في الفيافي

وبعد مرور سنة على وروده بغداد، غاب وحيدًا في فيافي السليمانيّة، ولم يأخذ معه سوى بدلة واحدة من الملابس. وقد كتب عن هذه الفترة في كتاب الإيقان:-

"إنّ هذا العبد في أوائل أيّام وروده، في هذه الأرض (بغداد)، لمّا رأى علائم الحوادث المقبلة، اختار المهاجرة قبل وقوعها، وهام في فيافي الفراق. وقضيت سنتين، وحيدًا، في براري الهجر، فجَرَت العبرات من عيوني كالعيون، وسال بحور الدم من قلبي. فكم من ليال لم أجد قوتًا، وكم من أياّم لم أجد للجسد راحةً. ومع كلّ هذه البلايا النّازلة، والرّزايا المتواترة، فو الذّي نفسي بيده، كان كمال السّرور موجودًا ونهاية الفرح مشهودًا، حيث لم يكن عندي خبر من ضرّ أحد أو نفعه وصحتّه أو سقمه. كنت مشغولاً بنفسي، نابذًا ورائي العالم وما فيه، وما كنت أدري أنّ شرك قضاء الله أوسع من ميدان الخيّال، وسهم تقديره مقدّس عن التّدبير. فلا نجاة لأحد من شرك قضاءه، ولا مفرّ له إلاّ بالرّضاء في إرادته. قسمًا بالله، لم يكن عندي نيّة الرّجوع من هذه المهاجرة، ولا أمل في العودة من هذا السّفر.

وكان مقصودي من ذلك – أن لا أكون علّة اختلاف

الأحباب( )، ولا مصدر انقلاب الأصحاب، وأن لا أكون سببًا في ضرّ أحد، ولا علّةً لحزن قلب. فلم يكن في فكري قصد آخر غير ما ذكرت، ولا أمام نظريّ أمر سواه، ولو أنّ كلّ إنسان قد حمله على غير محمله، وفسّره على حسب أهوائه وميوله. وأخيرًا صبرنا، إلى أن صدر حكم الرّجوع من مصدر الأمر، ولا بدّ من التّسليم له، فرجعنا ولاحظنا بعد الرّجوع ما يعجز القلم عن ذكره. وها قد مضت الآن سنتان والأعداء قائمون بنهاية الجدّ والاهتمام على إهلاك هذا العبد الفاني، كما هو معلوم عند الجميع"( ).

مقاومة العلماء

وبعد رجوع بهاءالله من هذه العزلة، اشتهر صيته أكثر من قبل، وهرع النّاس إلى بغداد، من القريب والبعيد، ليروه ويسمعوا تعاليمه، واهتم اليهود والنّصارى والزّردشتيون اهتمام المسلمين بالرّسالة الجديدة.

ولكنّ فقهاء المسلمين قاموا على المقاومة، وتآمروا على القضاء عليه، وفي ذات يوم أرسلوا واحدًا منهم لمقابلته وسؤاله بعض الأسئلة فوجد الرّسول أنّ أجوبة بهاءالله مقنعة، وأنّ حكمته مدهشة، لدرجة أنّه اضطّر للاعتراف بأنّ بهاءالله لا يضارعه أحد في العرفان والإدراك. ولأجل أن يقتنع العلماء الذّين أرسلوه

بحقيّة رسالة بهاءالله، سأل هذا الرّسول من أن يظهر له معجزةً لتكون حجةً، فأظهر بهاءالله استعداده لقبول اقتراحه بشروط معيّنة، وصرّح له بأنّ العلماء، لو كانوا يتّفقون على طلب معجزة معيّنة، ويكتبون طلبهم ويختمونه، ويصرّحون فيه أنّهم يؤمنون بصحّة رسالته، ويكفّون عن مقاومته، فإنّه يظهر لهم المطلوب، وإن لم يظهره فإنّه لا يكون على الحقّ. نعم، لو كان غرض العلماء الوصول إلى الحقّ لكانت الفرصة سانحةً لهم إذ ذاك، ولكنّ أغراضهم كانت بعيدة عن ذلك، ومتّجهةً إلى إصدار حكمهم في صالحهم، سواء أكان حقًا أم باطلاً، لأنّهم خافوا من الحقّ، وهربوا من هذا التحدّي الجريء.

وقد دفعهم فشلهم هذا، إلى نصب مكائد جديدةً لإبادة هذه الطّائفة المظلومة، وساعدهم في ذلك القنصل الإيراني العام في بغداد، فأرسل جملة رسائل متتابعة إلى الشّاه، مضمونها أنّ بهاءالله يضرّ بالدّين الإسلامي أكثر من قبل، وأنّ له تأثيرًا سيّئًا في إيران، ولذلك يجب نفيه إلى مكان أبعد.

وكان من حكمة بهاءالله، في هذه الأزمة الحاصلة من اتفاق الحكومة التركيّة مع الحكومة الإيرانيّة وبذلهما جهدًا مشتركًا لاستئصال أمر الله بتحريض من الفقهاء، أنّه بقي هادئًا ساكنًا، يشجّع أتباعه ويرشدهم، ويكتب من كلمات التّسلية والهداية ما لا يبيد ولا يفنى على ممَر الدّهور.

وقد قصّ عبدالبهاء كيف كتب بهاءالله "الكلمات المكنونة" في ذلك الوقت، فقال بأنّ بهاءالله كان يذهب للنزهة على شاطئ

دجلة، ثمّ يعود وهو فرحان جذل، فيكتب هذه اللئالئ الوجدانيّة، وفيها النصّائح الحكيمة التّي كانت عونًا وشفاءً لألوف القلوب الجريحة المتألّمة. ولم يكن يوجد من " الكلمات المكنونة" سوى بضع نسخ لمّدة سنوات عديدة، وكان من الضّروري سترها بكلّ احتراس، لئلا تقع في أيدي الأعداء الذّين كثروا هناك، ولكن هذا المجلّد الصّغير أصبح الآن يتلى في كلّ جهة من جهات المعمورة.

أمّا "كتاب الإيقان" فهو كذلك من الكتب الشّهيرة التّي كتبها بهاءالله في نفس الوقت، قبيل انتهاء إقامته في بغداد بين سنتي 1862 و1863.

إعلان الدّعوة في الرّضوان في ضواحي بغداد

صدر أمر الحكومة التركيّة باستدعاء بهاءالله إلى الآستانة( ) بناءً على طلب الحكومة الإيرانيّة، بعد مفاوضات كثيرة معها، ولمّا وصلت هذه الأخبار، وقع أحبّاؤه في اضطّراب، وحاصرت الدّولة منزل مولاهم المحبوب، لدرجة أنّ أسرته اتخذت حديقة نجيب باشا خارج المدينة مقرًّا لها مدّة اثني عشر يومًا، ريثما تتجهز القافلة للسّفر الطويل.

وفي اليوم الأوّل من هذه الإثني عشر يومًا (من 22 إبريل (نيسان) على 3 مايو (أيّار) سنة 1863) أي في السّنة التّاسعة عشرة بعد إعلان بعثة الباب، أعلن بهاءالله للعديد من أتباعه البشارة بأنّه هو الموعود الذّي أخبر بظهوره الباب، وأنّه هو المختار الذّي

اختاره الله والموعود الذّي أخبرت بمجيئه جميع رسل الله. وقد عرفت تلك الحديقة التّي أعلنت فيها هذه الدّعوة الشّهيرة بحديقة الرّضوان، وخلّدت ذكرى الأيّام التّي صرفها بهاءالله فيها بـ (عيد الرّضوان) الذّي يحتفل به البهائيّون سنويًا مدّة اثني عشر يومًا.

وفي أثناء تلك الأيّام، أظهر بهاءالله أعظم الفرح والرّفعة والقوّة بدلاً من الحزن والغم، وازداد أتباعه حماسًا وسرورًا، وجاءت الجموع الكثيرة لتقدّم له احترامها وإجلالها، وحضرت جميع شخصيّات بغداد، حتّى الوالي نفسه، لتكريم ذلكم السّجين قبيل رحيله.

اسطنبول وأدرنة

دام السّفر إلى اسطنبول بين ثلاثة أشهر وأربعة أشهر. ولمّا وصلت الجماعة المؤلّفة من بهاءالله وعدد من أفراد عائلته وستّ وعشرين من أصحابه إلى اسطنبول، وجدوا انفسهم مسجونين في منزل صغير ازدحم بهم. وأخيرًا نقلوا إلى مكان أوسع قليلاً، ولكنّهم بعد أربعة أشهر رحِّلوا إلى أدرنة، وهذا السّفر إلى أدرنة، ولو أنّه دام بضعة أيّام، لكنّه كان أفظع سفر قاسوه حتّى ذلك الوقت، فقد سقط الثّلج عليهم بشدّة طيلة تلك الأيّام، ولم يكن لديهم طعام ولا ألبسة كافية، فتضاعفت آلامهم لذلك. وفي مدّة الشّتاء الأوّل، أسكن بهاءالله وأسرته البالغين اثني عشر نفرًا في منزل صغير مكوّن من ثلاث غرف، ليست فيها أسباب الرّاحة، ومليئة بالحشرات وغيرها ولماّ جاء الرّبيع، نقلوهم إلى مكان أوسع. ومكثوا في أدرنة ما يزيد على أربع سنوات ونصف.

وهنا استأنف بهاءالله تعليمه، وجمع حوله العديدين، وأعلن دعوته جهارًا، فتحمّس لها معظم البابيّين، وعرفوا منذ ذلك الحين باسم " البهائيّين". ولم تتخلّف إلاّ أقليّة، اتّبعت الميرزا يحيى (صبح أزل)، الأخ غير الشّقيق لبهاءالله، وناصبتهُ العداء الشّديد، وانضمّت على الأعداء السّابقين من الشّيعة وتآمرت على القضاء عليه. وأعقب ذلك جملة صعوبات، وأخيرًا قامت الحكومة التركية بنفي البهائيّين والبابيّين من أدرنة، فنفت بهاءالله وأتباعه إلى عكّا في فلسطين حيث وصلوها، حسب تاريخ النبيل( ) في 31 أغسطس (آب) سنة 1868، بينما نفت الميرزا يحيى وجماعته إلى قبرص.

رسائله للملوك

في ذلك الوقت كتب بهاءالله سلسلة رسائله الشّهيرة، إلى سلطان تركيا، وإلى العديد من ملوك الأرض المتوّجين، وإلى "البابا" وإلى شاه إيران. وخاطب في الكتاب الأقدس فيما بعد ملوكًا آخرين، كما خاطب حكّام أمريكا ورؤساءها، ورجال الدّين عامّةً، بالإضافة إلى عموم بني الإنسان معلنًا وداعيًا إياهم إلى أن يوجّهوا جهودهم نحو تأسيس الدّين الحقيقي والحكم العادل والسّلام العالميّ. وفي رسالته إلى الشّاه، دافع بقوّة عن أمر البابيين

المظلومين، وطلب منه أن يجمعه مع العلماء الذّين حرّضوه على اضطهاده وجهًا لوجه. ولا حاجة إلى القول بأنّ هذا الطّلب لم ينل الاستجابة، كما أنّ "بديع" ذلك الشّاب البهائيّ المخلص الذّي سلّم بيده الشّاه رسالة بهاءالله قد أُلقي القبض عليه، وعذّب تعذيبًا بالكيّ، وبالآجر( ) المشوي على لحمه، وهكذا تجرّع كأس الشّهادة!

وفي هذه الرّسالة ذاتها يقصّ بهاءالله، بعبارة مؤثّرة، آلامه وآماله، فيقول بالنص:

"يا مَلِك! قد رأيت في سبيل الله ما لا رأت عين ولا سمعت أذن. قد أنكرني المعارف، وضاق عليَّ المخارف. قد نضب ضحضاح السّلامة، واصفرّ ضحضاح الرّاحة. كم من البلايا نزلت، وكم منها سوف تنزل، امشي مقبلاً إلى العزيز الوهّاب، وعن ورائي تنساب الحباب. قد استهّل مدمعي إلى أن بلَّ مضجعي، وليس حزني لنفسي – تالله رأسي يشتاق الرّماح في حبّ مولاه، وما مررت على شجر، إلاّ وقد خاطبه فؤادي: (يا ليت قطّعت لاسمي وصلب عليك جسدي في سبيل ربّي) – بل بما أرى النّاس في سكرتهم يعمهون ولا يعرفون. رفعوا أهوائهم، ووضعوا إلۤههم، كأنّهم اتخذوا أمر الله هزوًا ولهوا ولعبًا، ويحسبون أنّهم محسنون، وفي حصن الأمان هم محصّنون، ليس الأمر كما يظنّون، غدًا يرون ما ينكرون. فسوف يخرجنا أولو الحكم والغنى من هذه الأرض التّي سميّت بأدرنة إلى مدينة عكّا. وممّا يحكون، أنها أخرب مدن

الدّنيا، وأقبحها صورةً وأردأها هواءً وأنتنها ماءً، كأنّها دار حكومة الصّدى، لا يسمع من أرجائها إلا صوت ترجيعه. وأرادوا أن يحبسوا الغلام فيها، ويسدّوا على وجوهنا أبواب الرّخاء ويصدّوا عنّا عرض الحيوة الدّنيا فيما غبر من أيّامنا. تالله لو ينهكني اللّغب، ويهلكني السّغب، ويجعل فراشي من الصّخرة الصّماء ومؤانسي وحوش العراء، لا أجزع، وأصبر، كما صبر أولو الحزم، وأصحاب العزم، بحول الله مالك القدم وخالق الأمم. وأشكر الله على كلّ الأحوال، ونرجو من كرمه تعالى بهذا الحبس يعتق الرّقاب من السّلاسل والأغلال، ويجعل الوجوه خالصةً لوجهه العزيز الوهّاب، إنّه مجيب لمن دعاه، وقريب لمن ناجاه. ونسأله أن يجعل هذا البلاء الأدهم درعًا لهيكل أمره، وبه يحفظه من سيوف شاحذة، وقضب نافذة. لم يزل بالبلاء علا أمره، وسنا ذكره، هذا من سنّته قد خلت في القرون الخالية والأعصار الماضية".

سجن عكّا

كانت عكّا في ذلك الوقت مدينة السّجون، وكان يسجن فيها كبار المجرمين الذّين يرسلون إليها من جميع أنحاء الإمبراطوريّة العثمانيّة. وقد حبس بهاءالله وأتباعه عند وصولهم إليها في القلعة العسكريّة، بعد سفرتهم البحريّة المزرية، وكانوا حوالي ثمانين إلى أربع وثمانين من الرّجال والنّساء والأطفال، وكان المكان قذرًا موحشًا للغاية، ولم يكن عندهم فراش، ولا أسباب للرّاحة من أيّ نوع كانت، وكان الطّعام الذّي يقدّم لهم رديئًا وغير كاف، إلى درجة التمس المحبوسون بعد مدّة قليلة السّماح لهم بشراء الطّعام

لأنفسهم، وكان الأطفال يبكون على الدوام في الأيّام الأولى، وكاد النّوم يكون مستحيلاً. ولم يلبثوا أن تفشّت بينهم الملاريا والزّحار وغيرها من الأمراض، حتّى وقعوا جميعًا فريسةً للمرض عدا شخصين، وقد توفي منهم ثلاثة من المرضى، أمّا آلام الذّين بقوا أحياء فقد كانت خارجةً عن الوصف( ).

واستمرّ هذا الحبس الشّديد مدّة سنتين، وفي أثنائه لم يسمح لأحد من البهائيّين بالخروج خارج باب السّجن، سوى لأربعة أنفار كانوا يخرجون يوميًا لشراء الطّعام تحت الحراسة المشدّدة.

وفي أثناء الحبس في القلعة، كان الزّائرون ممنوعين منعًا باتًا من الزّيارة، ولم يؤذن للعديد من البهائيّين الذّين حضروا من إيران مشيًا على الأقدام من أجل لقاء مولاهم المحبوب أن يدخلوا جدران مدينة السّجن، فكانوا يذهبون إلى مكان فوق السّهل خارج الخندق الثّالث، ومنه كانوا يتمكّنون من رؤية نوافذ مسكن بهاءالله في القلعة، وكان بهاءالله يظهر لهم من إحدى النّوافذ، فكانوا بعد النّظر إليه يبكون، ثمّ يعودون إلى بلادهم، وهم في حماس واشتعال جديد من أجل الخدمة والفداء.

تخفيف القيود

وأخيرًا تخفّف السّجن. فقد جرى تجنيد جيوش تركيّة واحتاجت الحكومة إلى القلعة العسكريّة للجنود، وبناءً على ذلك نقلوا بهاءالله وأسرته إلى منزل منفرد لهم، وأسكنوا باقي الجماعة في خان في المدينة، وفي هذا المنزل، حبس بهاءالله سبع سنوات أخرى في غرفة صغيرة، وسكن في الغرفة المجاورة أفراد أسرته، وكان عددهم ثلاثة عشر شخصًا رجالاً ونساءً وأطفالاً، وكان عليهم أن يرتّبوا أنفسهم فيها على قدر استطاعتهم! وفي أوائل أيّام سكناهم، كانوا يقاسون ضيق المسكن، وفقدان وسائل الرّاحة، وقلّة الطّعام، وعدم وجود أسباب العيش الاعتياديّة، إلاّ أنّهم بعد قليل، تمكّنوا من العيش براحة نسبيًّا، عندما أضيفت إلى منزلهم غرف أخرى. ومنذ ترك بهاءالله وأصحابه القلعة سمح للزّائرين بمقابلتهم، وابتدأت القيود والموانع التّي أوجبت الفرامين العمل بها تزول تدريجيًّا، ولو أنّها كانت في بعض الأحيان تعود إلى شدّتها الأولى.

فتح أبواب السّجن

كان ثبات البهائبّبن وقت اشتداد السّجن لا يتزعزع، ولم يضطربوا مطلقًا. وحينما كانوا مسجونين في القلعة العسكريّة في عكّا، كتب بهاءالله إلى بعض أحبائه ما ترجمته:-

"لا تضطربوا، فإنّ الأبواب ستفتح، ويرتفع خبائي فوق جبل الكرمل، ويتحقّق الفرح الأعظم".

فكان هذا التّصريح مصدر سلوى عظيمة لأتباعه. وبالفعل لم يمض إلاّ القليل، حتّى تحقق هذا الوعد. وقد حكى عبدالبهاء قصّة فتح أبواب السّجن بأبدع عبارات ترجمها حفيده الأكبر شوقي أفندي( ) للإنكليزيّة وفيما يلي تعريبها:-

"كان بهاءالله يحبّ جمال الأرياف وخضرتها. وفي ذات يوم لمّح إليّ متفضلاً: "إنّني لم أنظر خضرةً منذ تسع سنوات، فالأرياف من عالم الرّوح والمدينة من عالم الأجساد". فلمّا سمعت ذلك منه علمت من لحن القول أنّه يشتاق إلى التّوجه للريف وكنت متأكّدًا من أنّ كلّ ما أعمله تنفيذًا لرغبته يكون ناجحًا.

"وكان هناك في عكّا في ذلك الوقت رجل معاد لنا يدعى محمّد صفوت باشا، وكان له قصر يسمّى (المزرعة) على بعد أربعة أميال شمالي المدينة، وهو محل جميل تحفّه الحدائق وبه نهر ماء جار. فذهبت لزيارة هذا الباشا في منزله، وقلت له: "يا باشا إنّك تركت القصر، وسكنت في عكّا. " فقال: "إنّني عليل، ولا أقدر على ترك المدينة، وإذا ذهبت هناك استوحشت للإخوان". فقلت له: "ما دمت لا تسكن هناك، وما دام المكان خاليًا، فأجّره لنا". فلمّا سمع ذلك الاقتراح، استغرب، ولكنّه سرعان ما وافق. فاستأجرت المنزل منه بإيجار بسيط جدًا، أي بخمسِ جنيهات سنويًا، ودفعت له إيجار خمس سنوات مقدّمًا، وتعاقدت معه بعقد، وأرسلت

عمّالاً لترميم المنزل وإصلاح الحديقة وبناء حمّام، ثمّ أعددت عربة لنقل الجمال المبارك( ).

"وفي ذات يوم، ذهبت لرؤية المحل بنفسي. ورغمًا عمّا ورد في الفرامين المتعدّدة من الأوامر المتكرّرة بأنّنا لا يمكننا أن نتعدّى حدود أسوار المدينة بأيّ حال من الأحوال، فإنّي تمّشيت خارج باب المدينة، وكان الحرّاس من الجنود على الباب، ولكنّهم لم يعارضوني في شيء. فذهبت توًا إلى القصر. وفي اليوم الثّاني ذهبت مرّة أخرى مع بعض الأحبّاء والموظّفين دون أن يعارضنا أحد أو يعترض سبيلنا معترض مع أنّ الحرّاس والخفراء كانوا واقفين على جانبي أبواب المدينة. وفي يوم آخر أولمت وليمةً وأعددت مائدةً تحت أشجار الصّنوبر في البهجة( ). وجمعت حولها موّظفي البلدة وأعيانها، ثمّ رجعنا إلى البلدة جميعًا في المساء.

"وفي ذات يوم، ذهبت إلى حضور الجمال المبارك وقلت: "إنّ قصر المزرعة قد أعدّ لأجلكم، وأعدّت عربةً لانتقالكم إليه" (ولم تكن في عكّا وحيفا حينذاك عربات) فرفض الذّهاب متفضلاً: "إنّني سجين". وبعد مدّة عرضت عليه ذلك ثانيةً إلاّ أنني سمعت نفس الجواب، ثمّ ذهبت إلى أبعد من ذلك فسألته للمرّة الثّالثة ولكنّه عاد فتفضّل: "لا" فلم أتجاسر بعدها على الإلحاح أبعد من ذلك.

"وكان هناك قي عكّا شيخ مسلم مرموق الجانب كان يحبّ بهاءالله كما كان بهاءالله يحبّه، فاستدعيت هذا الشّيخ، وشرحت

له الموقف، وقلت له: "إنّك جسورٌ فاذهب الليلة إلى محضره الأقدس، واركع أمامه، وخذ بيده المباركة، ولا تتركها، حتّى يعدك أن يترك المدينة". وكان هذا الشّيخ عربيًّا. فذهب توًا إلى بهاءالله وركع أمامه، وأخذ بيد الجمال المبارك وقبّلها وقال: "لماذا لا تترك المدينة؟" فأجابه: "إنّني سجين". فقال الشّيخ: "لا سمح الله! ومن ذا الذّي يستطيع أن يسجنك؟ أنت الذّي أبقيت نفسك في السّجن، وتلك كانت إرادتك أن تكون سجينًا، والآن أرجوك أن تخرج وتذهب إلى القصر، فإنّه جميل في خضرته، وفيه الأشجار البديعة، وكأنّ البرتقال فيه كراتٌ من النّار". وكلّما تفضّل الجمال المبارك: "إنّ هذا غير ممكن، لأنّي سجين"، كان الشّيخ يأخذ بيده ويقبّلها، واستمّر يتضرع ساعةً كاملةً، وأخيرًا تفضّل بهاءالله: "حسن جدًا"، وبهذه الإجابة كوفئ الشّيخ لصبره وثباته. وجاءني بفرحٍ عظيم، ليبشّرني بقبول حضرته. ورغمًا عن وجود فرمان السّلطان عبد العزيز الذّي منع لقائي بالجمال المبارك أو الاتّصال به، فإنّي أخذت العربة في اليوم التّالي، وذهبنا إلى قصر المزرعة. ولم يعترض علينا أيّ إنسان، وتركت حضرته هناك، ورجعت وحدي إلى المدينة.

"ومكث حضرته في ذلك المكان السّاحر البديع مدّة سنتين. ثمّ عزمنا على الانتقال إلى مكان آخر في "البهجة"، وكان قد حدث وباء في "البهجة" فهرب صاحب القصر وجميع أفراد أسرته مذعورين، ووافق على إعطاء القصر مجانًا إلى أيّ طالب، فأخذنا القصر بإيجار زهيد جدًا. وهناك فتحت أبواب العظمة والسّلطنة

الحقيقيّة على مصاريعها.

"وكان بهاءالله سجينًا اسميًّا (لأنّ فرامين السّلطان عبد العزيز لم تلغ مطلقًا)، إلاّ أنّه كان في الواقع ذا حشمةٍ ووقار ظاهرين في هيأته وفي حياته وأحواله، وكان محترمًا من الجميع، حتّى أنّ حكّام فلسطين، كانوا يغبطونه على نفوذه وهيبته. وكان الحكّام، والمحافظون، وقادة الجيش، والموظّفون المحليّون يلتمسون التّشرّف بلقائه، لكنّه كان لا يأذن إلا قليلاً، وذات مرةٍ، تضرّع حاكم المدينة للتّشرّف، مدّعيًا أنّه أمر من السّلطات العالية بزيارة الجمال المبارك مع أحد قادة الجيش، فأجيب طلبه، وكان القائد، وهو أوروبيّ سمين، قد تأثّر جدًا من عظمة محضر بهاءالله، حتّى أنّه استمرّ راكعًا على الأرض بالقرب من الباب. وكان تهيّب الزائرين شديدًا لدرجة أنّهما لم يشربا الأركيلة التّي قدّمت لهما، إلاّ بعد تكرار الطّلب من بهاءالله. وعندئذٍ وضعاها على شفاههما فقط، ثمّ تركاها جانبًا، وطويا ذراعيهما، ووضعا أيديهما على صدريهما، وجلسا بغاية الخضوع، بدرجة أدهشت جميع الحاضرين.

"وكان إجلال الأحباء ومحبّتهم له، واحترام الموظّفين والأعيان، وتوافد الزّائرين والقصّاد من طلاّب الحقيقة، وروح الإخلاص والخدمة التّي تحفّ به، وسيماء الجمال المبارك الملوكيّ وجلال وجهه، ونفوذ أمره، وكثرة المخلصين المفدين الملتفّين حوله – كلّها شهود ناطقة بأنّ بهاءالله لم يكن في الحقيقة سجينًا بل كان ملك الملوك.

"فقد قام ضدّه سلطانان مستبدّان، كانا حاكمين ظالمين، قويّين، ومع ذلك خاطبهما بعبارات صارمة، وهو مقيم في سجنهما، كملك يخاطب رعاياه. وكان يعيش في (البهجة) كأمير، رغمًا عن الفرامين الشّديدة بالسّجن. وكان كثيرًا ما يقول: "حقًا إنّ أتعس السّجون قد انقلب إلى جنّات عدن". وفي الحقيقة، لم تر عينٌ شبيهًا لهذا منذ أن خلق العالم".

حياته في البهجة

وكما أظهر بهاءالله في أيّام المصاعب الأولى كيف يمجّد الله في حال الفقر والذّلة، فإنّه أظهر في أيّامه في (البهجة) كيف يمجّد الله في حال العزّة والقدرة. وكانت هبات مئات الألوف من أتباعه المخلصين قد وضعت تحت تصرّفه مبالغ من المال كبيرة، كان عليه أن يدبّرها. ومع أنّ حياته في (البهجة) كانت موصوفةً بأنّها ملكيّة بكلّ معنى الكلمة، إلا أنّها لم تتميّز بطابع البهرجة الماديّة أو التّرف والتّبذير، بل على العكس من ذلك، عاش الجمال المبارك وأفراد عائلته في حالة بساطة واحتشام، ولم يعرف في بيته شيء من الكماليّات الأنانيّة.

وقد أعدّ أحباؤه حديقةً جميلةً بالقرب من مسكنه في (البهجة) كانت تدعى بـ "الرّضوان" فكان يصرف فيها أيّامًا متتاليةً أو أسابيع، وينام ليلاً في كوخ صغير في الحديقة، وأحيانًا كان يتنزّه في الحقول.

وقد زار عكّا وحيفا مرارًا، وفي مرة أو أكثر، نصب خيامه على جبل الكرمل، كما تنبّأ بذلك حينما كان سجينًا في قلعة عكّاء

العسكريّة. وكان بهاءالله يصرف أغلب وقته في التبتّل والتأمّل، وفي كتابة الكتب المقدّسة، وفي إنزال الألواح، وفي تربية الأحبّاء تربية روحانيّة.

ولأجل أن يتفرّغ لهذا العمل العظيم تفرّغًا كاملاً، أخذ عبدالبهاء على عاتقه ترتيب جميع الشّؤون الأخرى: كمقابلة العلماء والشّعراء ورجال الحكومة. وكان هؤلاء جميعًا سعداء بلقاء عبدالبهاء وممتنّين من بياناته ومحادثاته. ومع أنّهم لم يقابلوا بهاءالله نفسه، فإنّهم كانوا يمتلؤون محبّةً له، بسبب تعرّفهم بنجله، لأنّ هيئة عبدالبهاء عرّفتهم مقام والده.

وقد دوّن المستشرق الشّهير إدوارد براون البروفسور في كليّة كمبردج خاطراته التّالية عن زيارته بهاءالله في البهجة سنة 1890:-

"انتظر دليلي لحظة من الزّمن ريثما خلعت حذائي، وبحركة سريعة من يده سحب ستارةً، وبمروري من الباب أعادها، فوجدت نفسي في غرفةٍ كبيرةٍ، في صدرها امتدت أريكةً منخفضةً، ووضع في مقابل الباب كرسيّان أو ثلاثة كراسي. وإنّي وإن كنت متصوّرًا تصوّرًا مبهمًا المكان الذّي أنا ذاهب إليه، ومن أنا قادم لرؤيته، إذ لم تعطَ لي إيماءةً واضحةً حول ذلك، إلاّ أنّه قد مرّت ثانية أو ثانيتان من الزّمن، وأخذتني الرّهبة والذّهول، قبل أن أعرف معرفةً تامةً بوجود من فيها، وحانت منّي التفاتةً إلى الرّكن. وحيث تلتقي الأريكة بالجدار، كان يجلس هيكلٌ عظيمٌ، تعلوه المهابة والوقار، وتتوّج رأسه قلنسوة من الصّوف، من النّوع المسمّى عند الدراويش

"بالتّاج"، تمتاز بطولها، وحول أسفل "التّاج" عمامة بيضاء صغيرة.

"وإنّما الوجه الذّي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النّافذة التّي تقرأ روح الشّخص. وتعلو جبينه الوضّاح العريض القدرة والجلال، بينما أسارير وجهه وجبهته تنمّ عن عمرٍ لا يصدّقه الشّعر الأسود القاتم، مع لحيةٍ كانت تتماوج بوفرة مألوفة لغاية وسطه، فلم أكُ إذ ذاك في حاجة للسّؤال عن الشّخص الذّي امتثلت في حضوره، ووجدت نفسي منحنيًا، أمام من هو محطّ الولاء والمحبّة التّي يحسده عليها الملوك، وتتحسّر لنوالها عبثًا الأباطرة! وسمعت صوتًا هادئًا يأمرني بالجلوس، ثمّ استمرّ يقول:

(الحمد لله إذ وصلت،.. جئت لترى مسجونًا ومنفيًّا... نحن لا نريد إلاّ إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقّين للحبس والنّفي... فأيّ ضرر في أن يتّحد العالم على دينٍ واحدٍ وأن يكون الجميع إخوانًا، وأن تستحكم روابط المحبّة والإتّحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدينيّة وتمحى الاختلافات العرقيّة؟... ولا بدّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة، وسيأتي "الصّلح الأعظم"... ألستم تحتاجون إلى ذلك في أوروبّا أيضًا؟ أليس ذلك ما تنبّأ به السّيد المسيح؟... ومع ذلك فإنّا نرى ملوككم وحكّامكم ينفقون خزائنهم على وسائل تدمير الجنس البشريّ، بدلاً من إنفاقها على ما يؤدّي إلى سعادته،... ولا بدّ من زوال هذه المشاحنات والبغضاء وهذا

السّفك للدّماء وهذا الاختلاف، حتّى يكون جميع النّاس جنسًا واحدًا وأسرةً واحدةً... فلا يفتخر الإنسان أنّه يحبّ وطنه، بل يفتخر بأنّه يحبّ جنسه..)

"هذه كانت على ما أتذكر بعض الكلمات التّي سمعتها من بهاءالله مع غيرها من الكلمات، فلينظر الذّين يقرأونها، وليحكموا بأنفسهم هل هذه الآراء تستحق القتل والسّجن؟ وهل ينتفع العالم بانتشارها أم يخسر؟"( )

الصّعود

وهكذا قضى بهاءالله أواخر أيّامه على الأرض بكلّ بساطة وهدوء، وبعد إصابته بالحمّى، صعد في 29 مايو (أيّار) 1892، في الخامسة والسّبعين من العمر.

وكانت وصيّته المعروفة بـ "كتاب عهدي" من الألواح الأخيرة التّي نزلت، وكتبت بخطه، وأمضاها وختمها. وقد فضّ ختمها بعد مضيّ تسعة أيّام من صعوده، بيد نجله الأكبر، بحضور أعضاء أسرته وبعض الأصحاب، فاتّضحت مضامين تلكم الوثيقة الشّهيرة.

وبمقتضى هذه الوصيّة، أصبح عبدالبهاء مركز عهد بهاءالله وميثاقه ومبيّنًا لتعاليمه. وقد أمر بهاءالله أسرته وأقرباءه وجميع المؤمنين بالتوّجه إليه وبإطاعته.

وبهذا التّرتيب امتنع ظهور الانقسامات المذهبيّة في الدّين البهائيّ، وضمنت وحدة الأمر الإلهيّ ضمانًا كاملاً.

رسالة بهاءالله

من المهم أن نكوّن لأنفسنا فكرةً واضحةً عن رسالة بهاءالله، فإنّ أقواله مثل أقوال سائر المظاهر الإلهيّة، تنقسم إلى قسمين، ففي أحدهما يتكلّم أو يكتب كبشر أمر من الله برسالة للنّاس، بينما في القسم الآخر تفيد كلماته بأنّها صادرةً رأسًا عن الله ذاته، فقد كتب في كتاب الإيقان:-

"إنّ للشّموس المشرقة من المشارق الإلهيّة مقامين، أحدهما مقام التّوحيد ورتبة التّفريد كما سبقت الإشارة إليه من قبل "لا نفرّق بين أحد منهم"( )، وثانيهما مقام التّفصيل ومقام عالم الخلق ورتبة الحدودات البشريّة، ففي هذا المقام لكلّ واحد منهم هيكل معيّن، وأمر مقرّر، وظهور مقدّر، وحدود مخصوصة. بمثل ما إن كلّ واحد منهم موسوم باسم، وموصوف بوصف، ومأمور بأمر بديع، وشرع جديد، كما يقول "تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض، منهم من كلّم الله، ورفع بعضهم درجات، وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات، وأيدناه بروح القدس"( ).

"وبالنّظر لاختلاف هذه المراتب والمقامات، تظهر بيانات وكلمات مختلفة، من تلك الينابيع للعلوم السّبحانيّة، وإلاّ فإنّها في الحقيقة، تعتبر جميعها لدى العارفين بمعضلات المسائل الإلهيّة في حكم كلمة واحدة. ولمّا لم يطّلع أكثر النّاس على المقامات

المذكورة، لهذا يضطربون، ويتزلزلون من الكلمات المختلفة الصّادرة من تلك الهياكل المتّحدة.

"إذن أصبح معلومًا أزلاً وأبدًا، أنّ جميع هذه الاختلافات في الكلمات، هي من اختلافات المقامات. ولهذا أطلقت، ولا تزال تطلق، على جواهر الوجود هؤلاء، في مقام التّوحيد وعلوّ التّجريد، صفات الرّبوبيّة، والإلوهيّة، والأحديّة الصّرفة، والهويّة البحتة، لأنّ جميعهم جالسون على عرش ظهور الله، ومستقرّون على كرسيّ المكنونات الربانيّة، أعني أنّ ظهور الله ظاهر بظهورهم، وجمال الله مشرق من وجوههم، لهذا قد ظهرت نغمات الرّبوبيّة من هذه الهياكل الأحديّة، ولكن في المقام الثّاني الذّي هو مقام التّمييز، والتّفصيل والتّحديد، ومقام الإشارات، والدّلالات الملكيّة، تظهر منهم العبوديّة الصّرفة، والفقر البحت، والفناء البات كما يقول: "إنّي عبد الله"، "وما أنا إلاّ بشر مثلكم"...

"وإذا ما سمع من المظاهر الجامعة "إنّي أنا الله"، فهو حق ولا ريب فيه، إذ قد ثبت مرارًا أنّ بظهورهم، وبصفاتهم، وبأسمائهم يظهر في الأرض، ظهور الله، واسم الله، وصفة الله، ولهذا يقول: "وما رميت إذ رميت، ولكنّ الله رمى"( ) وكذلك يقول: "إنّ الذين يبايعونك، إنّما يبايعون الله".( )

"وإذا ما تغنّوا بنغمة: "إنّي رسول الله"، فإنّه أيضًا صحيح ولا

شكّ فيه، كما يقول: "ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله"( ). وفي هذا المقام هم جميعًا مرسلون من لدن ذلك السلطان الحقيقي والكينونة الأزليّة. وإذا ما نادى كلّ واحد منهم بنداء: "أنا خاتم النبيّين"، فهو أيضًا حق ولا سبيل إلى الرّيب فيه، ولا طريق إلى الشّبهة. لأنّ الجميع حكمهم حكم ذات واحدة، ونفس واحدة، وروح واحدة، وجسد واحد، وأمر واحد. وكلّهم مظهر البدئيّة والختميّة، والأوليّة والآخريّة، والظاهريّة والباطنيّة، لروح الأرواح الحقيقي، وساذج السواذج الأزلي. ولو يقولون: "نحن عباد الله" فإنّ هذا أيضًا ثابت وظاهر، حيث قد ظهروا في الظّاهر، بمنتهى رتبة العبوديّة، تلك العبوديّة التّي لا يستطيع أحد في الإمكان أن يظهر بنحو منها.

"وكذلك قد ظهرت أذكار الرّبوبيّة والإلوهيّة من جواهر الوجود هؤلاء، في حين استغراقهم في بحار القدس الصّمديّ، وارتقائهم إلى معارج المعاني للسّلطان الحقيقيّ. وإذا ما نظر بعين التدقيق، يرى أنّهم في هذه الرّتبة قد اعتبروا أنفسهم في منتهى العدم والفناء، أمام الوجود المطلق، والبقاء الصّرف، حتّى كأنّهم عدّوا أنفسهم عدمًا صرفًا، وجعلوا ذكرهم في تلك السّاحة شركًا. لأنّ مطلق الذّكر في هذا المقام، دليلٌ على عدم الوجود والبقاء. وإنّ هذا لخطأ كبير عند الواصلين...

"والخلاصة، أنّه بالنّظر إلى هذا المقام، قد ظهر منهم ذكر

الرّبوبيّة وأمثالها. وفي مقام الرّسالة، اظهروا الرسالة، وهكذا في كل مقام جاؤوا بذكر حسب اقتضائه، ونسبوا كلّ هذه الأذكار إلى أنفسهم، فهي أذكار من عالم الأمر إلى عالم الخلق، ومن عوالم الرّبوبيّة إلى العوالم الملكيّة، لهذا فمهما يقولون، ومهما يذكرون، من الإلوهيّة والرّبوبيّة، والنّبوّة والرّسالة، والولاية والإمامة والعبوديّة كلّه حق ولا شبهة فيه"( ).

وعندما يتكلّم بهاءالله كإنسان، فإنّ المقام الذّي يدّعيه لنفسه هو التّواضع التام و"الفناء في الله"، فالأمر الذّي يميّز المظهر في شخصيّته البشريّة عن باقي البشر، إنّما هو إنكار ذاته إنكارًا تامًا وقدرته الكاملة كذلك. ففي جميع الأحوال، يمكنه أن يقول كما قال المسيح في جبل الزّيتون( ) في موضع جثسيماني: "ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت"( ) كما قال بهاءالله في رسالته إلى الشّاه بالنّص:

"يا سلطان، إنّي كنت كأحدٍ من العباد، وراقدًا على المهاد، مرّت عليّ نسائم السّبحان، وعلّمني علم ما كان، ليس هذا من عندي، بل من لدن عزيز عليم. وأمرني بالنّداء، بين الأرض والسّماء، بذلك ورد عليّ ما تذرّفت به عيون العارفين. ما قرأت ما عند النّاس من العلوم، وما دخلت المدارس، فاسأل المدينة التّي

كنت فيها، لتوقن بأنّي لست من الكاذبين. هذا ورقة حرّكتها أرياح مشيّة ربّك العزيز الحميد، هل لها استقرار عند هبوب أرياح عاصفات؟ لا ومالك الأسماء والصّفات، بل تحرّكها كيف تريد. ليس للعدم وجود تلقاء القدم. قد جاء أمره المبرم، وأنطقني بذكره بين العالمين. إنّي لم أكن إلاّ كالميّت تلقاء أمره، قلّبتني يد إرادة ربّك الرّحمن الرّحيم. هل يقدر أحد أن يتكلّم من تلقاء نفسه، بما يعترض به عليه العباد، من كلّ وضيع وشريف؟ لا فوالذّي علّم القلم أسرار القدم، إلاّ من كان مؤيّدًا من لدن مقتدر قدير."

وكما غسل السّيد المسيح أرجل التّلاميذ، فكذلك بهاءالله كان أحيانًا يهيئ الطّعام بنفسه، ويخدم أحبّاءه، ولا يفتخر إلاّ في عبوديّته، وكان يقنع بالنّوم على الأرض من غير سرير، إذا لزم ذلك، ويعيش على الخبز والماء، وأحيانًا على ما يدعى "بالغذاء الإلهيّ، أي الجوع". ويظهر تواضعه التّام من احترامه للطبيعة ومن تقديره لطبيعة الجنس البشريّ، وخاصّة من إجلاله للرّسل والشّهداء والأولياء. وهو يرى أنّ المخلوقات من الأدنى إلى الأعلى تحكي عن الذّات الإلهيّة.

لقد اختار الله شخصه البشريّ، ليكون حاكيًا ومتكلمًا عنه، أي ليكون فمًا وقلمًا إلهيًّا ولم يكن بارادته أن ادّعى المقام المملوء بالمصاعب والمتاعب التّي ليس لها نظير. وكما قال السّيد المسيح: "يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عنّي هذه الكأس"( )، كذلك قال بهاءالله: "لو وجد مبيّن أو ناطق، ما جعلت نفسي عرضةً

لشماتة العباد ولا لاستهزائهم ومفترياتهم"( )

إلاّ أنّ النّداء الإلهيّكان صريحًا، وإلزاميًّا له، وقد أطاعه، فكانت إرادة الله إرادته، ورضاء الله رضاه. وقد قبل الأمر "بمنتهى التّسليم والرّضاء"، فقال في لوح ابن الذّئب ما ترجمته:-

"لعمر الحق،ّ كلّما ورد عليّ في سبيل الله، إنّه محبوب روحي ومقصود فؤادي. والسّم المهلك في سبيله، شهد فائق، وعذابه شراب عذب لائق".

وكما سبق لنا ذكره، إنّ بهاءالله يتكلّم في أحيان أخرى من "مقام الإلوهيّة". ففي هذا النّوع من أقواله هذه، ينمحي ذكر شخصيّته البشريّة بالكليّة، وبواسطته يخاطب الله خلقه، ويعلن لهم محبّته، ويعلّمهم صفاته، ويشهر إرادته، ويعلن قوانينه، لأجل هدايتهم، وطلب محبّتهم وولائهم، وخدمتهم.

وفي آثار بهاءالله الكتابيّة، كثيرًا ما ينتقل الخطاب من أحد هذين النّوعين إلى النّوع الآخر، فأحيانًا يكون من الواضح أنّ المتكلّم رجل، ثمّ يستمرّ الكلام دون توقّف وكأنّ الله هو النّاطق بضمير المتكلّم، وحتّى حينما يتكلّم بهاءالله كرجل، فإنّه يتكلّم كرسول من الله وكمثال حيّ للإخلاص الصّرف لإرادة الله، فالمحرّك لجميع أطوار حياته هو الرّوح القدس، ولذلك لا يمكن وضع حدود فاصلة بين الوجهتين البشريّة والإلهيّة، سواء في حياته أو في تعاليمه، فيخبره الله في سورة الهيكل بالنّص:

"قل لا يرى في هيكلي إلاّ هيكل الله، ولا في جمالي إلاّ

جمال الله، ولا في كينونتي إلاّ كينونته، ولا في ذاتي إلاّ ذاته، ولا في حركتي إلاّ حركته، ولا في سكوني إلاّ سكونه، ولا في قلمي إلاّ قلمه العزيز المحمود. قل لم يكن في نفسي إلاّ الحقّ، ولا يرى في ذاتي إلاّ الله".

بعثته

إنّ الغرض من بعثة بهاءالله إلى العالم هو إيجاد الإتّحاد، أي اتّحاد البشريّة في الله، عن طريق إيمانها بالله، وقد قال:-

"إنّ أبهى ثمرة لشجرة العرفان، هي هذه الكلمة العليا:

"كلّكم أثمار شجرة واحدة، وأوراق غضن واحد، [ليس الفخر لمن يحبّ الوطن، بل لمن يحبّ العالم]"( ) .

ولقد بشّر الأنبياء السابقون النّاس بمجيء عصر السّلام والصّلاح بين البشر، وكانوا قد ضحّوا أنفسهم حتّى يعجّلوا مجيئه، ولكن كلّ واحد منهم صرّح، بكلّ وضوح، إنّ هذه النهاية السّعيدة والغاية المباركة لن تحصل إلاّ بعد "مجيء الرّب"، في آخر الأيّام، عندما يدان الأشرار، ويثاب الصّالحون.

فلقد تنبّأ زردشت، قبل ثلاثة آلاف سنة، بوقوع المشاحنات والحروب قبل مجيء "شاه بهرام"، مخلّص العالم، الذّي يغلب "أهرمن" روح الشّر، ويؤسّس حكم الحقّ والسّلام...

وقال السّيد المسيح: "لا تظنّوا إنّي جئت لألقي سلامًا على

الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا"( ). وأخبر بأنّ فترة حروب وإشاعات حروب ومحن وبلايا سوف تستمرّ حتّى يأتي ابن الإنسان "في مجد أبيه".

وصرّح محمّد (ص) أنّه، بسبب سوء أعمال اليهود والنّصارى سوف تظهر بينهم العداوة والبغضاء التّي تستمرّ إلى يوم القيامة، حيث يظهر الله ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون( ).

أمّا بهاءالله فيعلن في هذا اليوم أنّه هو موعود جميع هؤلاء الرّسل، وأنّه هو المظهر الإلهيّ الذّي في عصره يتأسّس حكم السّلام فعلاً، وهذا القول لم يسبقه به أحد، وهو فريد في بابه، وتنطبق عليه علامات الأزمنة انطباقًا عجيبًا، وتؤيّده نبوّات جميع الرّسل العظام.

وقد كشف بهاءالله، بوضوح تام، وبشمول منقطع النّظير، عن الوسائل التّي بها يحصل السّلام على الأرض والإتّحاد بين بني البشر. حقًا منذ مجيء بهاءالله للآن، وقعت ولا تزال تقع حروب وتدميرات، بمقياس لم يسبق له مثيل، ولكنّ هذا هو تمامًا ما أخبرت بوقوعه جميع الرّسل، في فجر ظهور "يوم الرّب العظيم المخيف"، وليس ذلك إلا تأييدًا للرّأي القائل بأنّ "مجيء الرّب" لم يكن فقط على الأبواب، بل أنّه حقيقة وقعت بالفعل.

وفي المَثَل الذّي ضربه المسيح، لا بدّ لربّ الكرْم من أن يهلك الكرامين الأشرار هلاكًا مهينًا، قبل أن يأخذ منهم الكرْم، ويعطيه لآخرين غيرهم ممّن يؤدّون إليه الثّمرة في فصولها. أفلا يفهم من هذا المثل، أنّ الهلاك المريع عند مجيء الرّب، ينتظر الحكومات الجائرة، ورجال الدّين الطمّاعين المتعصّبين، والقادة المستبدّين، الذّين حكموا الأرض حكمًا جائرًا قرونًا واغتصبوا ثمارها كالكرامين الأشرار؟

وربّما تحصل على الأرض حوادث مريعةً وكوارث فظيعةً، ليس لها مثيل، لمدّة من الزمان، ولكن بهاءالله يؤكّد لنا: "عن قريب سوف تنمحي هذه المشاحنات العقيمة، وسوف تمضي هذه الحروب المدّمرة، وسوف يأتي الصّلح الأعظم". ( ) وقد أصبحت الحروب من الفظاعة في التّدمير والتّخريب إلى درجة لا تطاق، وعلى البشريّة أن تكتشف لنفسها طريق الخلاص، وإلاّ فإنّها تفنى، وها قد أتى "وقت المنتهى"، وأتى معه "المخلص الموعود".

آثاره الكتابيّة

إنّ آثار بهاءالله الكتابيّة واسعة في مداها إلى أبعد الحدود، فهي تبحث في كلّ شأن من شؤون الحياة البشريّة، سواء أكانت فرديّة أم اجتماعيّة، ماديّة أم روحانيّة، وتبحث في تفسير الكتب المقدّسة القديمة والحديثة، وتبحث في النبوّات الخاصّة بالمستقبل القريب والبعيد.

أمّا مدى معارفه ودقّتها، فإنّها أدهشت الآفاق، فقد اقتبس الآيات المقدّسة من مختلف الكتب السّماويّة، وفسّرها للذّين كانوا يسألون عنها بأسلوب مهيمن وبراهين مقنعة، مع أنّه بحسب الظّاهر، لم يملك الوسائل المألوفة التّي تمكنّه من الوصول إلى العديد من الكتب التّي أشارهم إليها. وقد صرّح في "لوح ابن الذئب" بأنّه لم يقرأ أبدًا "كتاب البيان" في حين يظهر من آثاره، أنّه كان على إطلاع تام ومعرفة كاملة بجميع آثار الباب، وقد قرّر الباب، كما ذكرناه، أنّ كتابه "البيان" قد ألهمه إياه "من يُظهرُهُ الله"!.

وإذا استثنينا زيارة البروفسور براون له، الذّي حادثه أربع مرّات سنة 1890، ولم تزد كلّ زيارة منها على العشرين أو الثلاثين دقيقة، فإنّه لم تكن عنده أيّة فرصة للتّكلم مع أيّ واحد من مفكّري الغرب، ومع ذلك فإنّ آثاره تنمّ عن الإحاطة التّامة بجميع أحوال ومشاكل الغرب الاجتماعيّة والسّياسيّة والدّينيّة، حتّى اضطرّ أعداؤه إلى الاعتراف بأنّ حكمته لم يكن لها نظير في الوجود. فظروف سجنه الطّويل المعلوم للعموم تنفي الشّك في أنّ كثيرًا من العلم الغزير الواسع الذّي ظهر منه لا بدّ وأن يكون مكتسبًا من منبع روحانيّ آخر مستقلّ تمام الاستقلال عن وسائل البحث والتّعليم العادي، وعن الكتب والمعلّمين( ).

وكان أحيانًا يكتب باللّغة الفارسيّة الحديثة، وهي لغة مواطنيه الممزوجة إلى حد كبير بالعربيّة، وفي أحيان أخرى يكتب باللّغة الفارسيّة الخالصة عندما يخاطب العلماء الزّردشتيين. وكذلك كان يكتب باللّغة العربيّة بنفس السّلاسة بلغة بسيطة أحيانًا، أو بلغة وأسلوب عال... وأمّا تمكّنه من هذه اللّغات المختلفة وأساليبها، فكان مدهشًا، لأنّه لم يتلق أي تعليم لغوي.

وفي بعض كتاباته، يوضّح طريقة التّقديس بعبارات سهلة بحيث "من سلك في الطّريق حتّى الجهّال لا يضل"، وفي البعض الآخر من كتاباته، هناك الكثير من تصوّرات الأسفار الرّوحانيّة، والفلسفة العميقة الشّعريّة، والإشارات إلى الآيات والكتب المقدّسة الإسلاميّة والزّردشيّة والكتب السّماويّة الأخرى، أو إلى الآداب والحكايات العربيّة والفارسيّة ممّا لا يقدّره حقّ قدره سوى الشّاعر أو الفيلسوف أو العالم، ويتعلّق البعض الآخر بمراحل الحياة الرّوحانيّة العالميّة، ممّا لا يفهمه إلاّ من سبق له السّلوك في المراحل الأولى وكانت كتاباته أشبه شيء بالمائدة المهيّأة التّي تحتوي على جميع أنواع الأطعمة واللّذائذ، والموافقة لرغبات واحتياجات جميع طلاّب الحقيقة الصادقين.

ولهذا السّبب، نرى لأمره تأثيرًا كبيرًا على المتعلّمين والمهذّبين، والشّعراء الرّوحانيّين، والكتّاب المشهورين، حتّى أنّ بعض رؤساء المذاهب الصّوفيّة، والمذاهب الأخرى، وبعض الوزراء السّياسيّين،

الذّين اشتهروا بالكتابة، أعجبوا بكلماته، لأنّها فاقت جميع كتابات الكتّاب الآخرين في طلاوتها، وفي عمق معانيها الرّوحانيّة.

الرّوح البهائيّة

حرّكت روح بهاءالله، من محلّ سجنه البعيد في عكّا موطنه في إيران في أعماقه، ولم تحرّك إيران فقط، بل حرّكت العالم ولا زالت تحرّكه. والرّوح التّي كانت تحرّكه وتحرّك أتباعه كانت روحًا لطيفةً فاضلةً صابرةً لا تكلّ، ومع ذلك كانت ذات حيويّة مدهشة، وقدرة فائقة، وكانت تعمل من الأعمال ما يبدو مستحيلاً، وكانت تغيِّر الطبيعة البشريّة.

أمّا الذّين خضعوا لتأثيرها، فقد تجدّدت خلقتهم، فامتلؤا بالمحبّة والإيمان والحماس الذّي لو قورنت به جميع مباهج الأرض وأحزانها، لظهرت كالهباء في الميزان، فكانوا دائمًا على استعداد لمجابهة الآلام الطّويلة والموت الفظيع بكلّ هدوء، بل بفرح مشرق من عظيم توكلّهم على القوّة الإلهيّة توكّلاً لا يساوره خوف أو ارتياب.

وأعجب من كلّ ما سبق، أنّ قلوبهم كانت طافحةً بالفرح بالحياة الجديدة التّي لم تترك مجالاً في قلوبهم لمرارة حبّ الانتقام من ظالميهم. وقد تركوا بالكليّة استعمال القوّة والعنف في الدّفاع عن النّفس، وبدلاً من أن يرتفع منهم الضّجيج على ما أصابهم، فإنّهم اعتبروا أنفسهم أسعد النّاس، لتشرّفهم بهذا الظهور الجديد الجليل، ويفدون أنفسهم لأجله، ويقبلون سفك دمائهم للشّهادة على حقيِّته، وتطرب قلوبهم فرحًا لأنّهم يعتقدون أنّ الله العليّ الأزليّ المحبوب

قد كلّمهم بشفاه بشريّة، ودعاهم لأن يكونوا عبيده وأصحابه، وأنّه جاء ليؤسس مملكته على الأرض، ولينعم على العالم بنعمة الصّلح والسّلام، بعد أن أنهكته الحروب، وأضناه الطّعان.

وهكذا كان الدّين الذّي أوحى به بهاءالله. فقد أعلن بعثته كما بشّر بذلك الباب، واستعدّت الآلاف لقبول أمره وللهتاف بمجيئه، شاكرين بشيره العظيم على فدائه، وكانت الآلاف من أتباعه ممّن طرحوا الأوهام والخرافات منتظرين بقلوب طاهرة وعقول نيّرة مجيء مظهر الله في مجده الموعود، ولم يكن الفقر ولا السّلاسل ولا الذلّة الظّاهرة بقادرة على أن تحجب عنهم جلال ربّهم ومجده الرّوحانيّ، بل إنّ هذه الظّلمة الدّنيويّة المحيطة به ساعدت في زيادة تألّق بهائه الحقيقي.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى