منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حضرة عبد البهاء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 حضرة عبد البهاء في 2010-12-05, 10:17

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

عبدالبهاء

"إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدء في المآل، توجّهوا إلى من أراده الله الذّي انشعب من هذا الأصل القديم"
(بهاءالله – الكتاب الأقدس)

ميلاده وصباه

كان عبّاس أفندي، الذّي اتخذّ لنفسه فيما بعد لقب "عبدالبهاء" أكبر أولاد بهاءالله. وكان قد ولد في طهران قبيل منتصف ليلة 23 مايو (أيّار) سنة 1844، في نفس اللّيلة التّي فيها أعلن الباب بعثته.

ولمّا كان عمره تسع سنوات، زُجّ بوالده بهاءالله في السّجن المظلم بطهران. وكان عبدالبهاء حتّى في تلك السّن المبكّرة شديد الولاء والتعلّق ببهاءالله، ونهبت الغوغاء منزلهم، وجرّدت الأسرة من كلّ ممتلكاتها، وتركت في حالة ضيق وعوز.

ويخبرنا عبدالبهاء كيف أنّه ذات يوم سمح له بالدّخول إلى ساحة السّجن ليرى والده المحبوب عند خروجه للرّياضة اليوميّة. وكان بهاءالله قد تغيّر تغيّرًا فظيعًا، وكان مريضًا إلى درجة أنّه ما كان يقدر على المشي إلاّ بغاية الصّعوبة، ولم يكن شعره ولا لحيته

ممشّطًا، وقد انتفخ عنقه وتسلّخ من أثر السّلاسل الحديديّة، وانحنى جسمه من أثر ثقلها وضغطها، فأثّر هذا المنظر على فكر الفتى عبدالبهاء وإحساسه المرهف بصورة لا يمكن نسيانها.

وفي السّنة الأولى من إقامتهم في بغداد، وقبل إعلان بهاءالله بعثته بعشر سنوات، عرف عبدالبهاء بفراسته ذلك الأمر الخطير: وهو أنّ والده هو "الموعود" الذّي ينتظر ظهوره جميع البابيّن. وكان عبدالبهاء حينذاك قد بلغ التّاسعة من عمره. وبعد حوالي ستّين سنة من ذلك التّاريخ وصف لنا اللّحظة التّي فيها استولى هذا الاعتقاد فجأةً على جميع وجوده، فقال:-

"إنّي عبد لجمال القدم( ). وفي بغداد كنت طفلاً، وفي ذلك الزّمان والمكان ألقى عليّ الكلمة فآمنت. وبمجرّد إلقائه تلك الكلمة، ارتميت على قدميه المباركتين وتضّرعت إليه وتوسّلت به أن يقبل دمّي فداءً في سبيله، فداء! ما أحلى كلمة "فداء" في مذاقي! فليست لي موهبة أعظم من هذا! وأيّة عزّة لي أعظم من أن تكون عنقي هذه رهن السّلاسل من أجله، وترصف أقدامي في الأغلال في سبيل محبّته، ويقطع هذا الجسد إربًا إربًا، أو يلقى في أعماق البحار لأمره! فلو كنّا في الحقيقة أحبائه المخلصين – ولو كنت أنا في الحقيقة خادمهُ الصّادق، لوجب عليّ أن أفدي بحياتي له، وأضحّي على عتبته المقدّسة بكلّ وجودي".( )

ومنذ ذلك الوقت، ابتدأ أحباؤه يدعونه بـ"سرّ الله" وهو لقب

لَقَّبهُ به بهاءالله، وقد عرف بهذا الاسم مدّة إقامته في بغداد.

ولمّا ذهب والده بعيدًا عن الأسرة مدّة سنتين في فيافي السليمانية، حزن عبدالبهاء. وكانت تسليتُهُ الوحيدة كتابة ألواح الباب وحفظها، وقضاؤه أغلب أوقاته في التأمّل والمناجاة. وأخيرًا لما عاد والده لم يملك نفسه من السّرور وطار فؤاده فرحًا.

شبابه

ومنذ ذلك الوقت، كان أقرب رفيق لوالده بل حارسًا له. ومع أنّه كان شابًا، فقد أظهر حكمةً وحصافةً مدهشتين، وأخذ على عاتقه محادثة جميع الزوّار الذّين حضروا لرؤية والده. وإذا وجد أنّهم طلاّب حقيقة، كان يأذن لهم بلقاء والده، وإلاّ فإنّه ما كان يسمح لهم أن يتعبوا بهاءالله. وكثيرًا ما كان يساعد والده في الإجابة على الأسئلة الواردة وفي حلّ معضلات المسائل للزّائرين. فمثلاً لمّا طلب أحد رؤساء الصّوفيّة، المدعوّ علي شوكت باشا، تفسيرًا للحديث "كنت كنزًا مخفيًّا"( )، أحاله بهاءالله إلى "سرّ الله" عبّاس، وطلب منه أن يكتب له التفسير، فكتب في الحال، وهو فتى في السّن الخامسة عشرة أو السّادسة عشرة، رسالةً هامّةً فيها شرح مستنير أدهش الباشا. وهذه الرّسالة منتشرة الآن بين البهائيّين، كما يعرفها الكثيرون ممّن ليسوا بهائيّين.

وقد كان عبّاس في ذلك الوقت يكثر من زيارة المساجد، وهناك

يتباحث في المسائل الإلهيّة مع العلماء، مع أنّه ما ذهب أبدًا إلى أيّة مدرسة أو كليّة، بل كان معلّمه الوحيد والده، وكانت نزهته الوحيدة ركوب الخيل، فكان مغرمًا بها.

وبعد أن أعلن بهاءالله الدّعوة في حديقة الرّضوان خارج بغداد، اشتدّ إخلاص عبدالبهاء له، وازداد عشقه أكثر من ذي قبل. وخلال السّفر الطويل إلى القسطنطينيّة، كان يقوم على حراسة بهاءالله ليل نهار، وكان يركب بجوار عربته ويحرس حول خيمته. وكان على قدر المستطاع يريح والده من جميع المتاعب المنزليّة والمسؤوليّات، حتّى أصبح هو السّلوى لجميع الأسرة ومحطّ آمالها.

وخلال إقامته في أدرنة، كان عبدالبهاء عزيزًا على الجميع، ويكثر من تبليغ الأمر، وكان يدعونه بـ "المولى". وفي عكّاء عندما كانت الجماعة كلّها تقريبًا مريضةً بالحمّى التيفوئيديّة وبالملاريا وبالزّحار، كان يغسل المرضى، ويقوم على خدمتهم، ويطعمهم، ويحرسهم، ولم يذق طعم الرّاحة، إلى أن أصيب بعد التّعب الشّديد بالزّحار، وكانت حالته خطرةً مدّة شهر تقريبًا. وفي عكّا، كما في أدرنة، أجمع النّاس على احترامه ومحبّته على اختلاف طبقاتهم من الوالي الأمير إلى المسكين الفقير.

الزّواج

إنّ ما يأتي من التّفاصيل الخاصّة بزواج عبدالبهاء، كتبه مؤرّخ فارسي للدّين البهائيّ وتكرّم بإرساله للكاتب:

"كانت مسألة تزويج عبدالبهاء في أثناء شبابه بزواج لائق من

المسائل الهامّة عند الأحبّاء. وتقدّم إليه أشخاص كثيرون ليحظوا عنده بتاج الإفتخار بانتساب عائلتهم إليه. ولم يظهر عبدالبهاء ميلاً للزواج مدّةً مديدةً، ولم يعرف أحد حكمة ذلك. ولكن علم فيما بعد، أنّ إحدى البنات قدّر لها أن تكون زوجةً لعبدالبهاء، وهي تلك التّي ولدت بعد تبريك السّيد الباب لوالديها في إصفهان. وكان والدها ميرزا محمّد علي عم "سلطان الشّهداء" و"محبوب الشّهداء" وأسرتها من أشهر وأنبل الأسر في إصفهان. وأثناء وجود الباب في إصفهان، لم يكن للميرزا محمّد علي أبناء، وكانت زوجته تشتاق إلى طفل. فلمّا سمع السّيد الباب بذلك، أعطاه شيئًا من طعامه وأوصاه أن يقتسمه مع زوجته. وبعد أن أكلاه تحقّقا من نيل آمالهما في الذّريّة، حيث ولدت لهما بنت سمّياها منيرة خانم( ). وبعد ذلك ولد لهما ولد سمّي سيّد يحيى، ثمّ ولد لهما غيرهما. وبعد مدّة توفي الوالد، واستشهد أبناء عمّها بأمر ظلّ السّلطان وفتوى العلماء، ووقعت الأسرة في متاعب واضطّهادات مريرة لأنّها كانت بهائيّة. فأذن بهاءالله لمنيرة خانم ولأخيها سيّد يحيى بالحضور إلى عكّا حمايةً لهما. وأظهر بهاءالله وزوجته "نوّاب" والدة عبدالبهاء رأفةً ومحبّةً لمنيرة، بدرجة أنّ النّاس فهموا أنّهما يرغبان في أن تكون زوجةً لعبدالبهاء. وأصبحت إرادة الوالدين أرادة عبدالبهاء أيضًا. وقد تمّ القران بكمال الألفة والمحبّة ومرّت الأيّام بالرّوح والرّيحان".

وكان زواجهما سعيدًا وموفّقًا وعاش لهما من الأبناء أربع بنات بقين أحياء رغم مشاق السّجن الطويل، وصرن عزيزات على جميع الذّين تشرّفوا بمعرفتهن بسبب تخصيصهن حياتهن الجميلة للخدمة.

مركز العهد والميثاق

أشار بهاءالله بطرق متعدّدة بأنّ عبدالبهاء هو الذّي يدير الأمر بعد صعوده. وكتب ذلك في كتابه الأقدس قبل الصعود بطريقة رمزيّة، وكان يشير إلى عبدالبهاء مرارًا بأنّه هو "مركز العهد والميثاق" وسمّاه "الغصن الأعظم" و"الفرع المنشعب من الأصل القويم". وكان يدعوه عادةً باسم "المولى" ويطلب من جميع أسرته أن يعاملوه باحترام فائق، وطلب من الجميع في لوح عهده وميثاقه المسمّى بـ (كتاب عهدي) أن يتوجّهوا إليه ويطيعوه.

وبعد صعود الجمال المبارك تقلّد عبدالبهاء المقام الذّي عيّنه له والده بكلّ وضوح وصراحة كرئيس للأمر وصاحب الحقّ في تبيين التّعاليم، وأن كان ذلك لم يرق في نظر بعض أقربائه وغيرهم، فشرعوا يقاومون عبدالبهاء بكلّ عداء كما فعل "صبح أزل" مع بهاءالله، واجتهدوا في خلق انشقاقات بين الأحباء. وإذ خابوا في هذا العمل، ابتدأوا يدّسون الدّسائس ضدّ عبدالبهاء لدى الحكومة التّركيّة.

واتّباعًا للأوامر التّي أمره بها والده، شرع عبدالبهاء بإقامة بناء على سفح جبل الكرمل في أعلى حيفا، ليكون مقرًا أبديّا لرفات السّيد الباب، وفيه غرف للمجالس والاجتماعات. وقد وشى أعداء عبدالبهاء لدى الحكومة التّركيّة بأنّ عبدالبهاء يقصد من إقامة هذا

البناء عمل قلعة ليتحصّن فيها هو وأتباعه، ويتحدّوا الحكومة، ويستولوا على جهات من سوريا المجاورة.

السّجن من جديد

وبناءً على ما تقدّم من التّهم، وبناءً على تهم أخرى لا نصيب لها من الصّحة، حبس عبدالبهاء سنة 1901 وأسرته مرّة أخرى، لمدّة تزيد على سبع سنوات داخل أسوار مدينة السّجن عكّاء، بعد أن سبقت لهم خلال أكثر من عشرين سنة حريّة تجاوزها بضعة أميال. ولكنّ ذلك السّجن الجديد لم يمنع عبدالبهاء من نشر الرّسالة البهائيّة في آسيا وأوروبا وأمريكا. وقد كتب المستر (هوريس هولي) عن هذه الفترة ما يلي:-

"كان يحضر لزيارة عبدالبهاء والانتفاع بهدايته ومحبّته الجم الغفير من الرّجال والنّساء من كلّ جنس ودين وأمّة، وهم يجلسون على مائدته ضيوفًا مكرّمين، يسألونه عن كلّ ما يخالج ضمائرهم من أمور اجتماعيّة وروحانيّة وأدبيّة، وبعد أن يمكثوا عنده مدّة تتراوح بين بضع ساعات أو بضعة شهور، يرجعون إلى مواطنهم، وهم متحدّون مستنيرون ملهمون. فلم ترَ عين الإبداع شبيهًا لدار ضيافته هذه.

" ففي داخلهما تبطل جميع الفوارق التّي تباعد بين المذاهب المتنابذة في الهند، وينمحي التّعصب اليهودي والمسيحي والإسلامي، ويصبح في خبر كان، وتنكسر كلّ القيود ولا يبقى سوى القانون الأصلي الأساسي الذّي يجمع كلّ القلوب على

المحبّة الخالصة، وبه تحيى الأفئدة من أثر عواطف الوحدة الفائضة من ربّ البيت، فكأنّه الملك آرثر جالسًا حول مائدته المستديرة... إلاّ أنّ الفرق بينهما هو أنّ عبدالبهاء يهيّئ النّاس جميعًا رجالاً ونساءً لأن يكونوا فرسانًا روحانيّين ويقلّدهم "الكلمة" لا "السّيوف"( ).

وكان عبدالبهاء في أثناء هذه السّنين يقوم بمراسلات هائلة يراسل بها جميع الأحبّاء والمسترشدين من جميع أنحاء العالم. وكان يساعده في هذا العمل بناته وجملة من الكتبة والمترجمين.

وكان يقضي أغلب أوقاته في عيادة المرضى والمصابين في منازلهم الخاصّة، ولم تشهد أفقر أحياء عكّاء زائرًا أحبّه الجميع ورحبّوا به ترحيبًا عامًّا كترحيبهم "بالمولى". وقد حكى أحد الزائرين لِـ عكّاء في هذا الوقت ما يأتي:

"إنّ عادة عبدالبهاء في صباح كلّ يوم جمعة أن يوزّع المساعدات على المساكين، ويعطي من مخزنِهِ الضّئيل لكلّ شخص من المعوزين والمساكين، الذّين يحضرون طلبًا لمساعدته شيئًا قليلاً. وفي صباح هذا اليوم جلس له نحو مئة شخص في صفّ واحد على الأرض في السّاحة التّي يقع فيها منزل عبدالبهاء، وهم مجموعة غريبة من البشر متنوّعة من الرّجال والنّساء والأطفال – فقراء بائسون وفي منظرهم كالعرايا وأغلبهم عجزة وعميان وشحّاذون – فهم حقًّا بؤساء ولا تفي العبارة بوصف فقرهم

المدقع. وكانوا ينتظرون بلهف خروج عبدالبهاء من الباب... فيمرّ بينهم سراعًا، من واحد لآخر، وأحيانًا ينتظر قليلاً ليواسي مسكينًا أو يشجّعه ملقيًا قطعةً من النقود في كلّ كف ممدودة، أو يلمس –أحيانًا– وجه طفل، أو يأخذ بيد عجوز تتعلّق بذيل ردائه في وقت مروره، ويتفوّه ببعض العبارات الرّحيمة للعجزة والعميّ من الرّجال، ويسأل عن الضّعفاء الذّين يمنعهم ضعفهم عن الحضور لأخذ نصيبهم الضّئيل، فيرسله لهم مع عبارات المحبّة والتّسلية( ).

وأمّا احتياجات عبدالبهاء الشّخصيّة فقد كانت قليلةً، وكان يشتغل مبكّرًا وإلى ساعة متأخّرة ويكفيه غذاءان بسيطان في اليوم. وكانت ملابسه عبارةً عن بضعة ألبسة غير ثمينة. فلم يرضَ بمعيشة التّرف، بينما يرى الآخرين في الاحتياج.

وكان يحبّ الأطفال محبّة عظيمة، وكذلك الزّهور، وجمال الطّبيعة. وكانت جميع أسرته تجتمع معه يوميًا في الصّباح حوالي السّاعة السّادسة أو السّابعة لتناول الشّاي. وكان الأطفال يترنّمون بالمناجاة حينما يتناول المولى الشّاي. وممّا كتبه المستر "ثورنتون تشايس" عن هؤلاء الأطفال:-

"لم أر طوال حياتي أطفالاً مؤدّبين غير أنانيّين وأذكياء غير مزعجين يهتمّون بغيرهم متناسين ذواتهم في الأشياء الصّغيرة التّي يحبّها الأطفال"( ).

وقد حمل كلّ زائر عائد من عكّاء ذكريات عطرة عن "ولاية الأزهار" التّي كانت إحدى مظاهر الحياة في عكّاء. وقد كتبت السّيد لوكاس:

"إنّ الإنسان ليندهش عندما يستنشق عبدالبهاء رائحة الزّهور، حتّى أنّه ليخيّل له أنّ زهرة الخزامى تخبر عبدالبهاء بأمر ما عندما يغمس وجهه في أوراقها، وكأنّ آذانه تجتهد في أن تسمع منها نغمةً بديعةً وهي بكمال الاهتمام في الاصغاء"( ).

وكان يحبّ أن يقدّم لزائريه العديدين زهورًا بديعةً ذات رائحة عطرة. وقد لخّص المستر "ثورنتون تشايس" انطباعته عن حياة السّجن التّي عاشها في عكّا فقال:

"مكثنا خمسة أيّام داخل الأسوار، فكنّا مسجونين مع السّاكن في "السّجن الأعظم" وهو سجن السّلام والمحبّة والخدمة. فلم يكن لنا فكر ولا رغبة في أمر سوى خير ومنفعة العالم وسلام الدّنيا والاعتراف بأبوّة الله وبحقوق البشر المتبادلة، فهم مخلوقاته وأبناؤه. حقًا إنّ السّجن الحقيقي، والجوّ الخانق، والبعد عن الأماني الحقيقيّة للقلوب، وكذلك الإرتباط بالشؤون الدّنيويّة – كلّ ذلك كان خارج تلك الأسوار الحجريّة من عكّاء. أمّا داخلها فكانت ترفرف الحريّة الصّرفة والإنطلاق التّام، وتفوح نسمات روح الله الخالصة. فالمتاعب والهموم والقلق على الأمور الدّنيويّة كلّها كانت خارج تلك الأسوار"( ).

إنّ متاعب السّجن تظهر لمعظم النّاس كأنّها مصائب شديدة، ولكنّ عبدالبهاء لم يكن يخشى بأسها، فلمّا كان مسجونًا كتب:

"لا تحزن من سجني وبلائي لأنّ السّجن جنّتي العليا وحديقتي الغنّاء وعرش عزّي بين العالمين وأنّ بلائي في سجني هو تاجي الذّي به أفتخر بين ملأ الأخيار"( ).

"إنّ كلّ إنسان يستطيع أن يكون مسرورًا في حال الرّاحة واليُسر وفي أوقات الصّحة والنّجاح والسّرور والانشراح، ولكنّه إذا أمكنه أن يكون مسرورًا راضيًا في وقت الضّيق والمصائب والأمراض، فهذا هو دليل النّبل وعنوان الشّرف"( ).

لجان التّحقيق التّركيّة

عيّنت الحكومة التّركيّة سنة 1904 وسنة 1907 لجانًا للتّحقيق في التّهم الموجّهة إلى عبدالبهاء، وتقدّم شهود شهدوا ضدّه زورًا. وبينما كان عبدالبهاء يدحض هذه التهم، كان يصرّح باستعداده التام لقبول أي حكم تصدره اللجنة ضده. وقال بأنّهم لو رموه في أعماق السّجون، أو سحبوه في الشّوارع، أو لعنوه، أو بصقوا عليه، أو رجموه، أو رشقوه بكلّ أنواع الاهانات، أو علّقوه على المشانق، أو رموه بالرّصاص، فإنّه يكون جذلاً مسرورًا.

وبينما كانت لجان التّحري منعقدةً لتجمّع الأدلّة ضدّه، كان يزاول أعماله اليوميّة وأشغاله العاديّة بكلّ اطمئنان وهدوء، ويزرع

أشجارًا في حديقته، أو يرأس حفل زواج برفعة وحريّة روحانيّة نوراء. وقد عرض عليه القنصل الإيطالي أن يسهّل له طريق الفرار آمنًا إلى أيّة ميناء أجنبيّة يختارها، ولكنّه رفض، مع الشّكر، هذا العرض رفضًا باتًا قائلاً بأنّه مهما تكن النتائج، فإنّه يجب عليه أن يحذو حذو الباب والجمال المبارك، اللّذين لم يحاولا أبدًا إنقاذ نفسيهما أو الهرب من أعدائهما. ومع هذا فقد شجّع أغلب البهائيّين على أن يهاجروا من عكّا التّي أصبحت خطرًا عليهم، ومكث وحده مع القليل من المؤمنين ينتظر القدر المقدور.

وقد وصلت آخر لجنة من لجان التّحقيق مكوّنة من أربعة من الموظّفين المرتشين إلى عكّا في أوائل شتاء 1907، ومكثت شهرًا واحدًا، وسافرت إلى القسطنطينيّة بعد إتمام "تحقيقها"، وكانت على استعداد لتقديم تقريرها بثبوت التّهم ضدّ عبدالبهاء مقترحةً نفيه أو إعدامه. ولكن لم يمض زمن طويل على رجوعهم إلى تركيّا حتّى قامت الثّورة، وفيها هرب الموّظفون الأربعة لأنّهم كانوا من أنصار العهد القديم. وإذ ذاك استطاع حزب تركيّا الفتاة أن يؤسّس سيادته، وأطلق سراح جميع المسجونين السياسيّين والدّينيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة. وفي سبتمبر (أيلول) سنة 1908، أطلق سراح عبدالبهاء من السّجن، وفي السّنة التّالية أصبح السّلطان عبد الحميد نفسه سجينًا.

أسفاره في الغرب

بعد إطلاق سراح عبدالبهاء، استمّر على عمله المتواصل في التّبليغ بنفس الحياة الرّوحانيّة وبدون كلل أو ملل، وعلى إرسال

الرّسائل، وعلى العناية بالمساكين والمرضى. ولم يغيّر شيئًا سوى تبديل إقامته من عكّا إلى حيفا ثمّ إلى الإسكندريّة، إلى أن قام في أغسطس (آب) 1911 برحلته الأولى إلى عالم الغرب. وفي أثنائها قابل عبدالبهاء رجالاً عديدين من مختلف العقائد، ونفّذ بكلّ معنى الكلمة أمر بهاءالله التّالي: "عاشروا مع الأديان بالرّوح والرّيحان". وقد وصل إلى لندن في بداية سبتمبر (أيلول) 1911، وأمضى هناك شهرًا واحدًا، قام فيه بمحادثاته اليوميّة مع الطّالبين بالإضافة إلى أعمال عديدة أخرى، كما ألقى في أثنائه خطبةً في كنيسة "ستي تمبل" خاطب بها جماعة المصّلين مع القس "ر. ج. كامبل"، وكذلك خطب في كنيسة "سانت جونس وسمنستر" حيث رئيسها الأرشديكن ولبر فورس، وتناول طعام الإفطار مع أمين العاصمة في لندن، ثمّ انتقل عبدالبهاء إلى باريس حيث قضى أوقاته بإلقاء الخطب اليوميّة ومحادثة الطّالبين المتشوّقين من جميع القوميّات والفئات.

وفي ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1911 رجع إلى مصر وسافر في الرّبيع التّالي 1912 إلى الولايات المتّحدة إجابةً لالتماس الأحبّاء الأمريكيين، ووصل إلى نيويورك في إبريل (نيسان) 1912 وفي أثناء الأشهر التّسعة التّالية سافر في أنحاء أمريكا من الشّاطئ الشّرقي إلى الشّاطئ الغربي، وهو يخطب في مجموعات من النّاس في مختلف مناحي الحياة – في طلاّب الجامعات وفي الإشتراكيين وفي المورمون وفي اليهود والمسيحيّين وجماعة اللاّأدريين "القائلين بعدم كفاية العقل لفهم الوحي الإلهيّ" وجماعات

الإسبرانتيين وجمعيّات السّلام وجمعيّات الأفكار الجديدة وجمعيّات النّساء المطالبات بحقوق الإنتخاب. وخطب في الكنائس التّابعة لمختلف المذاهب وتحدّث بما يناسب المقام ويناسب السّامعين.

وفي 5 ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1912 سافر راجعًا إلى بريطانيا وقضى فيها ستّة أسابع زار خلالها: ليفربول ولندن وبرستول وأدنبرغ. وبعد قضاء شهرين في باريس بالمقابلات اليوميّة وفي الخطابات العامّة سافر إلى اشتتكارت في ألمانيا حيث عقد اجتماعات متتالية مع البهائيّين الألمان، ومنها سافر إلى بودابست وڤيينّا حيث أسّس جماعات بهائيّةً جديدةً، وعاد في مايو (أيّار) سنة 1913 إلى مصر.

وفي 5 ديسمبر (كانون الأوّل) سنة 1913 سافر إلى حيفا.

العودة إلى الأرض المقدّسة

وهنا كان عبدالبهاء قد بلغ السّبعين من عمره، وكانت أتعابه المستمرّة التّي انتهت بأسفاره المضنية إلى بلاد الغرب قد أنهكت جسمه، وبعد رجوعه إلى الشّرق كتب إلى المؤمنين في الشّرق والغرب اللّوح المؤثّر الشّجي التّالية ترجمته:-

"يا أحبائي سيأتي يوم لا أكون فيه معكم، وقد عملت كلّ ما أمكنني عمله، وخدمت أمر بهاءالله بمنتهى قوّتي، واشتغلت ليل نهار طوال أيّام حياتي.

"والآن ما أشدّني شوقًا إلى أن أرى الأحبّاء يحملون على أكتافهم أعباء مسؤوليّات هذا الأمر! فقد حان الآن وقت إعلان الملكوت

الأبهى، وحانت الآن ساعة الإتّحاد والاتّفاق! والآن يوم الوفاق الرّوحانيّ لأحبّاء الله!...

"إنّي أوجّه آذاني للشّرق والغرب وللشّمال والجنوب، لعليّ أسمع تغنيّات المحبّة والوفاق ترتفع في مجامع الأحبّاء. فإنّ أيّامي أصبحت معدودةً وليس لي فرح إلاّ في ذلك.

"فكم أحبّ أن أرى الأحبّاء متّحدين كأنّهم عقد لؤلؤ مضيء أو نجوم الثريّا أو أشعّة الشّمس الواحدة أو غزلان مرعى واحد! إنّ هذا البلبل المعنوي يغرّد لهم أفلا يسمعون؟ وطير الفردوس يغنّي أفلا ينصتون؟ وملاك الملكوت الأبهى يناديهم أفلا يلبّون؟ ورسول الميثاق يلتمس أفلا يصغون؟ إنّي منتظر، منتظر لأسمع الأخبار السّارة بأنّ الأحباء مظاهر الصّدق والإخلاص ومجسّم الوفاء والمحبّة ومطالع الألفة والاتّحاد! أفلا يفرحون قلبي؟ أفلا يحقّقون توسّلاتي؟ أفلا يسمعون تمنّياتي؟ أفلا يتمّمون آمالي؟ أفلا يلّبون دعائي؟

"ها أنذا منتظر، منتظر بفارغ الصّبر."

إنّ أعداء الأمر البهائيّ، الذّين تعالت آمالهم بمشاهدتهم الباب يسقط ضحيّة هياجهم، وبمشاهدتهم بهاءالله يُنفى من موطنه ويكون سجينًا مدى حياته، وبمشاهدتهم صعوده، قد ابتهجوا مرّة أخرى حين رأوا وهن جسم عبدالبهاء وضناه بعد رجوعه من أسفاره في بلاد الغرب. ولكنّ آمالهم قد خابت مرّة أخرى حين عاد عبدالبهاء بعد فترة قصيرة مقتدرًا على الكتابة. فكتب اللّوح التّالية ترجمته:

"لا شكّ إنّ الجسد الماديّ والقوى البشريّة لا تستطيع تحمّل المشاقّ المستمرّة... ولكنّ عون حضرة المقصود وصونه كان

حافظًا معينًا لعبدالبهاء العليل الضّعيف... ويزعم البعض أنّ عبدالبهاء سوف يودّع الدّنيا عن قريب، وأنّ قواه الجسمانيّة قد تحلّلت، واستولت عليه الأمراض التّي ستختم حياته عن قريب. كلاّ ليس الأمر كذلك، فالجسم الظّاهريّ ولو أنّه حسب ظنّ النّاقضين للميثاق وعقول أهل النّفاق النّاقصة في ضعف نتيجة تحمّل البلايا والشّدائد في سبيل الجمال المبارك، ولكنّ القوى الرّوحانيّة ولله الحمد في منتهى الجدّة والقوّة من عناية جمال القدم. والآن بفضل الله عادت القوى الجسمانيّة، وبألطاف حضرة بهاءالله تمّ السّرورالرّبانيّ، وتوالت بشارات الملأ الأعلى، وشمل السّرور الحقيقي"( ).

وخلال الحرب العظمى وبعد نهايتها، كان عبدالبهاء رغم المشاكل الأخرى التّي لا تعدّ ولا تحصى، قادرًا على أن يفيض سلسلةً من الرّسائل الملهمة العظيمة. وبمجرّد أن أعيدت المواصلات بعد الحرب، بعثت هذه الرّسائل في المؤمنين في أنحاء العالم حماسًا جديدًا للخدمة. ومن نتيجة تأثير إلهام هذه الرّسائل( ) تقدّم الأمر الإلهيّ بطفرات واسعة جدًا، وأظهر دين الله علائم قوّة وحيويّة جديدة في كلّ مكان.

زمن الحرب في حيفا

من الأمثلة الرّائعة الدّالة على بعد نظر عبدالبهاء ما ظهر منه في

الأشهر التّي سبقت الحرب مباشرةً. ففي زمن السّلم كان يحضر إلى حيفا عادةً عدد وفير من الزّائرين من إيران ومن جميع أطراف العالم. وقرابة ستّة أشهر قبل نشوب الحرب طلب أحد شيوخ البهائيّين المقيمين في حيفا إذنًا لكثيرين من أحبّاء إيران لزيارة المولى، ولكنّ عبدالبهاء لم يأذن بذلك، بل بدأ منذ ذلك الوقت يأذن بصورة تدريجيّة للزّائرين الموجودين في حيفا بالسّفر عنها، حتّى أنّه لم يبق أحد منهم في نهاية شهر يوليو (تمّوز) سنة 1914. وعندما أدهش العالم نشوب الحرب العظمى فجأة في أوائل أغسطس (آب)، ظهرت حكمة احتياطاته التّي أظهرها.

وعندما نشبت الحرب، أصبح عبدالبهاء في الواقع مرّة أخرى سجينًا للحكومة التّركيّة، بعد أن أمضى نحوًا من 55 عامًا في النّفي والسّجن. فانقطعت المخابرات تقريبًا مع الأحبّاء خارج ولاية سورية العثمانيّة وأصبح هو والفئة الصّغيرة من أتباعه المقيمين حوله في ضيق من العيش مرّة أخرى ونزر من الطّعام وخطر على حياتهم عظيم.

وخلال الحرب كان عبدالبهاء أكثر وقته مشغولاً في تدبير الشّؤون المادّية والرّوحانيّة للذّين كانوا حوله، وقد قام بنفسه بإدارة أعمال زراعيّة واسعة بالقرب من "طبريّة"، وبذلك حصل على محصول وافر من القمح أمكن به تفادي المجاعة التّي كادت تحصل لمئات من المساكين من مختلف الأديان فضلاً عن البهائيّين في حيفا وعكّا، فكان يمدّهم بما يكفييهم من المؤونة ويرعى الجميع ويخفّف آلامهم على قدر المستطاع ويحسن إلى مئات المساكين

يوميًّا بمبلغ مناسب من النقود. وكان يعطيهم بالإضافة إلى النّقود تمورًا أو أشياء أخرى مثلها إن لم يوجد الخبز. وكان كثيرًا ما يقوم بزيارة الأحبّاء في عكّا لمساعدة المؤمنين ومواساة المساكين هناك. وفي زمن الحرب كان يجتمع كلّ يوم بالأحبّاء. وكانوا جميعًا مسرورين مطمئنين هادئي البال بسبب تلك المساعدة أثناء تلك السّنين المليئة بالمتاعب والأهوال.

سنواته الأخيرة

كان لي الشّرف العظيم في شتاء سنة 1919 - 1920 أن أصرف شهرين ونصفًا ضيفًا على عبدالبهاء في حيفا. وكنت خلالها ألاحظ عن كثب بعين الوداد حياته اليوميّة. ومع أنّه كان إذ ذاك يبلغ من العمر ستًا وسبعين عامًا، إلاّ أنّه كان ذا قوّة غريبة، ينجز يوميًّا من الأعمال ما لا يكاد يصدّقه النّاظرون. ومع أنّه كان في أغلب الأحيان متعبًا جدًّا، فقد كانت تظهر عليه حيويّة عجيبة كأنّها عادت إليه من جديد. وكانت خدماته دائمًا موجّهة للذّين هم في حاجة شديدة إليها. فكان صبره الجميل ولطفه وبشاشته ودماثة أخلاقه قد جعلته نعمةً عظيمةً على الجميع. وقد اعتاد أن يصرف جزءًا كبيرًا من كلّ ليلة في التّأمل والمناجاة. وكان يشتغل منذ باكورة الصّباح إلى المساء، باسثناء فترة القيلولة القصيرة بعد طعام الظّهيرة، في القراءة وكتابة الإجابات على الرّسائل التّي ترد من جميع الجهات وفي الاعتناء بأمور المنزل العديدة وفي شؤون الأمر المبارك، ويخرج عصرًا للتنزّه وترويح النّفس مشيًا على الأقدام أو راكبًا عربة، وحتّى في ذلك الوقت كان يصحبه واحد أو اثنان أو جماعة

من الزّائرين الذّين كان يحادثهم في أمور روحانيّة أو يتحيّن الفرص للاهتمام بأمر بعض الفقراء أو زيارتهم. وعند عودته كان يدعو الأحبّاء عادةً لاجتماع المساء في بهوه، ويضيف طائفةً كبيرةً من الزّائرين والأحبّاء، ويتحفهم بالأحاديث الفكهة بالإضافة إلى أحاديثه الرّوحانيّة القيّمة في مواضيع متنوّعة جدًا. وكان يصرّح: "إنّ منزلي منزل السّرور والانشراح"، وحقيقةً، كان الأمر كما يقول، فقد كان يبتهج بجمعه الكثيرين من النّاس من أجناس مختلفة وألوان وأديان مختلفة بالمحبّة والوفاق التّام على مائدة كرمه.

صعود عبدالبهاء

استمّرت أعمال عبدالبهاء العديدة على حالتها، ولم تنقص إلاّ قليلاً، رغم ما بدا عليه من التّعب والضّعف الجسماني حتّى آخر يوم أو يومين من حياته. ففي يوم الجمعة 25 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1921 شهد صلاة الجمعة في مسجد حيفا، وبعد ذلك وزّع المساعدات بيده على الفقراء كعادته، وبعد الغداء أملى بعض الرّسائل، ولمّا استراح مشى داخل الحديقة وتكلّم مع البستانيّ، وفي المساء بارك زواج أحد الخدّام المخلصين في البيت المبارك في ذلك اليوم، وقدّم النّصائح إليه، وحضر بعد ذلك اجتماع الأحبّاء في بهوه، وبعد مرور ثلاثة أيّام، أي في السّاعة الواحدة والنّصف صباحًا من يوم الإثنين 28 نوفمبر (تشرين الثّاني) توفّي بسلام، حتّى أنّ ابنتيه اللّتين كانتا بجانبه ظنتّا أنّه نائم.

وذاعت الأخبار المحزنة في جميع المدينة، وأبرقت إلى جميع

أنحاء العالم. وفي ثاني يوم (أي الثّلاثاء 29 نوفمبر (تشرين الثّاني) سنة 1921) جرى تشييع الجثمان:-

"موكب لم تر مدينة حيفا ولا أرض فلسطين مثله... وكذلك كان شعور التأثّر الشّديد الذّي جمع آلاف المعزّين من أديان مختلفة وأجناس متنّوعة وألسن متعدّدة. وحضر المندوب السّامي... وكبار موّظفي الحكومة وقناصل الدّول المختلفة ورؤساء الأديان وجموع من اليهود والمسيحيّين والمسلمين والدّروز والمصريّين واليونانيّين والأتراك والأكراد وجموع كثيرة من أحبّائه الأمريكيّين والأوروبيّين ومن المواطنين رجالاً ونساءً وأطفالاً... وبلغ عددهم زهاء العشرة آلاف يندبون فقدانهم لمحبوبهم... ويصرخون بصوت واحد: "يا ربّنا! يا الله! قد تركنا والدنا! قد تركنا والدنا...

"وصعد النّاس جبل الكرمل صعودًا وئيدًا... وبعد مسيرة بطيئة وصلوا إلى حديقة مقام الباب... ولمّا اكتظّت الجماهير حوله في البهو الذّي يلي المقام، ارتفعت أصوات نوّاب المذاهب المختلفة... وقلوبهم جميعًا متأجّجة بنيران محبّة عبدالبهاء وألسنتهم تلهج بالثّناء والحزن الشّديد في وداعهم الأخير لمحبوبهم، وهم بنهاية الخضوع، وقد اتّحد الكلّ عند تأبينه في أنّه المعلّم الحكيم والمؤلّف للجنس البشريّ في هذا العصر الحاضر الحائر الكئيب. واسترسلوا في مراثيهم حتّى لم يتركوا للبهائيّين أنفسهم شيئًا يقولونه."( )

وقد خطب تسعة من الخطباء البارزين الذّين مثّلوا الهيئات الدّينيّة المختلفة، وبرهنوا بعبارات مؤثّرة بليغة على محبّتهم وإعجابهم بالحياة الطّاهرة النّبيلة التّي انتهت أخيرًا وكان عهدهم بها قريبًا. وبعد ذلك مرّ التّابوت بهدوء إلى مثواه المقدّس البسيط.

حقًّا إنّ ذلك كان ثناءً جميلاً في ذكرى من قضى أيّام حياته كلّها من أجل وحدة الأديان والأجناس والألسن، فهو ثناء وبرهان في الوقت ذاته على أنّ أعماله طيلة حياته لم تكن عبثًا وعلى أنّ المثل العليا التّي جاء بها بهاءالله والتّي كانت الإلهام له بل كانت حياته ذاتها، ابتدأت تخترق آفاق العالم، وتكسر الحواجز المذهبيّة المتنوّعة التّي أبعدت أهل الأديان بعضهم عن بعض مدّة قرون عديدة، وكذلك قضت على الانشقاقات التّي سيقت إليها الأسرة الإنسانيّة.

آثاره الكتابيّة وخطبه

إنّ آثار عبدالبهاء عديدة جدًّا، وأغلبها على هيئة رسائل للمؤمنين وأجوبة على أسئلة الطّالبين، وقد دوّنت أكثر خطبه وأحاديثه وطبع منها الكثير، كما قام ألوف الزّائرين والمسافرين الذّين زاروه في عكّا وحيفا بتدوين تفاصيل انطباعاتهم ومشاهداتهم. وكثير من هذه المدوّنات مطبوع الآن وفي متناول من يريد الاطّلاع عليه.

بذلك حفظت جميع آثاره وخطبه حفظًا تامًّا. وهي تشمل مواضيع عديدةً. وقد عالج العديد من مشاكل الشّرق والغرب ببيانات أوسع ممّا بيّنه والده، وطبّق عليها الأصول العامّة التّي

وضعها بهاءالله. ولم يترجم الكثير من كتاباته للآن إلى اللّغات الأجنبيّة، ولكن ما سبقت ترجمته منها ممّا هو في متناول اليد يكفي لأن تعرف منه أهم المبادئ الأساسيّة التّي عالجها معرفةً عميقةً تامّةً.

وكان يتكلّم الفارسيّة والعربيّة والتركيّة. وخلال أسفاره في بلاد الغرب كانت تترجم خطبه وأحاديثه. ومن الواضح أنّ التّرجمة تفقد كثيرًا من الجمال الأصلي والفصاحة والبلاغة، إلاّ أنّ قوّة الرّوح التّي رافقت كلماته كانت مؤثّرة نافذةً في جميع الذّين أصغوا إليه.

مقام عبدالبهاء

إنّ المقام الفريد الذّي خصّ الجمال المبارك به عبدالبهاء يعرف من العبارة التّالية التّي كتبها بيده بالنّص:

"إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدء في المآل، توّجهوا إلى من أراده الله الذّي انشعب من هذا الأصل القديم".( )

وكتب كذلك:

"أرجعوا ما لا عرفتموه من الكتاب إلى الفرع المنشعب من هذا الأصل القويم"( ).

وقد كتب عبدالبهاء نفسه ما يلي مترجمًا:

"بصريح الكتاب الأقدس، جعل بهاءالله مركز الميثاق مبيّنًا لكلمته – وهو ميثاق غليظ لم تشاهد الأدوار الدّينيّة شبهه منذ أوّل

الأزمنة حتّى اليوم".

وقد أدّت العبوديّة الخالصة التّي روّج بها عبدالبهاء دين بهاءالله في الشّرق والغرب إلى اضطراب آراء المؤمنين حول مقامه، فالبعض وقد أدركوا طهارة الرّوح التّي تتجلّى في أقواله وأفعاله صاروا يشعرون تحت تأثير عقائدهم السّالفة المنهارة أنّهم سوف يجلّونه إذا شبّهوه بـ "المسيح" أو سمّوه بـ "رجعة المسيح". ولم يحزن عبدالبهاء شيء أكثر من عدم انتباههم إلى أنّ قابليّة عبدالبهاء وقدرته على خدمة بهاءالله نشأت عن صفاء المرآة في توجّهها لشمس الحقيقة ولم تنشأ عن كونه الشّمس بذاتها.

وعلاوةً على ذلك فإنّ دين بهاءالله على خلاف الظّهورات السّابقة يحتوي على قدرة مجتمع إنسانيّ عالميّ. وخلال عهد عبدالبهاء بين سنتي 1892 و1921، تدرّج الدّين البهائيّ في مراحل متعاقبة من التطوّر نحو نظام عالميّ حقيقي، واقتضى تطوّره توجيهًا مستمرًّا وإرشادًا معيّنًا من جانب عبدالبهاء الذّي أحاط وحده عرفانًا بتمام الدّين المهيمن الجديد الذّي جاء إلى الكرة الأرضيّة في هذا القرن. وكان البهائيّون، قبل الوقت الذّي فيه فتحت وصيّة عبدالبهاء بعد صعوده حين شرح فحواها شوقي أفندي وليّ أمر الله، ينسبون إلى مولاهم المحبوب درجة السّلطة الرّوحانيّة المكافئة لسلطة المظهر الإلهيّ.

ولم يمض وقت طويل إلاّ وشعرت الجامعة البهائيّة بآثار هذا الحماس والاندفاع السّاذج، وأدركت سرّ العبوديّة والفناء المنقطع النّظير، وعرف البهائيّون في جميع أنحاء العالم طبيعة الرّسالة الفريدة التّي أنجزها عبدالبهاء. فالأمر الإلهيّ الذّي كان

يبدو سنة 1892 ضعيفًا لا حول ولا قوّة له ولا قوّة بسبب نفي وسجن مبيّنه الفريد، قد أقام منذ تلك السّنة حتّى اليوم جامعات بهائيّة بقوّة لم يمكن لأحد صدّها في الكثير من أقطار العالم( ) وتحدّى وهن المدنيّة وتفسّخها ببياناته التّي تستطيع وحدها أن تكشف عن مستقبل إنسانيّة يائسة، وقد أوضحت وصيّة عبدالبهاء وضوحًا تامًّا مقام الباب ومقام بهاءالله ومقام عبدالبهاء نفسه إذ تفضّل فيها ما ترجمته:

"إنّ حضرة الرّب الأعلى مظهر الوحدانيّة والفردانيّة الإلهيّة والمبشّر بجمال القدم وإنّ حضرة الجمال الأبهى روحي لأحبّائه الثّابتين فداء المظهر الكلّي الإلهيّ ومطلع الحقيقة المقدّسة الرّبانيّة وما سواه (كلّ عباد له وكلّ بأمره يعملون)".

وبهذا البيان وغيره من البيانات المتعدّدة أكّد عبدالبهاء أهميّة قيام الفرد البهائيّ ببناء معلوماته حول دين الله على رسائله العموميّة للعالم البهائيّ: وهو أساس تبنّى عليه وحدة العقيدة، وينتج عن هذا أيضًا اختفاء اختلاف الرّأي الناشىء من الرّجوع إلى رسائله التّي أرسلها إلى الأفراد جوابًا على أسئلتهم الشّخصيّة. وفوق كلّ هذا، كان تأسيس نظام إداريّ محدّد، على رأسه وليّ أمر الله، وقد نقل إلى المؤسّسات البهائيّة كلّ شكل من أشكال السّلطة والمقام والهيبة التّي اقتضى التّدبير أن يتمتّع بها سابقًا أفراد بهائيّون في جامعات محليّة مختلفة.

عبدالبهاء المثل الأعلى للحياة البهائيّة

كان بهاءالله هو المنزّل للكتاب. ولم يترك سجن الأربعين سنة له فرصةً تمكنّه من التحدّث إلى مواطنيه إلاّ قليلاً. لهذا ترتّب على عبدالبهاء العبء الكبير في أن يكون مبيّنًا للكتاب ومنفذًّا لكلمة الله ومثلاً أعلى للحياة البهائيّة في اتصاله الفعلي المباشر بعالم اليوم بما هو عليه من وجهات النّظر المختلفة والمجهودات المتنوّعة. وقد أرانا عبدالبهاء أنّ من الممكن لأيّ شخص أن يعيش عيشة الإخلاص التّام لله وخدمة النّاس كما يطلبها جميع رسل الله بالرّغم من كلّ المشاكل التّي أوجبتها الحياة الحديثة ورغم ما هو سائد في العالم من محبّة الذّات والتّنازع على السّعادة الماديّة. وقد قام بنفسه كالمنارة العظيمة المبنيّة على الصّخر وهي ثابتة لا تتزعزع من هبوب أرياح عاصفات في الشّتاء ولا من تلاطم أمواج البحار في الصّيف تحيط به المحن والرّزايا وتقلبّات الأيّام والافتراءات والخيانة من جهة وتحفّه المحبّة والإخلاص والاحترام والثّناء من جهة أخرى. فقد عاش عيشةَ الإيمان ودعا أتباعه على أن يتّبعوه ويحذوا حذوه فيها دون تأخير. فرفع راية الوحدة والسّلام وعلم العصر الجديد بين آفاق العالم المتحارب وأكّد للذّين هبّوا لمساعدته أنّ روح هذا اليوم الجديد سيلهمهم وهو نفس الرّوح القدس الذّي ألهم الرّسل والقدّيسين السّابقين إلاّ أنّه فيض جديد للرّوح القدس يلائم مقتضيات العهد الجديد.

2 رد: حضرة عبد البهاء في 2011-01-05, 15:31

الوردة البيضاء


عضو فضي
عضو فضي
سؤال: لماذا يعتبر حضرة عبد البهاء القدوة المثال لجميع البهائيين؟ وهل هذه الشخصية مخصوصة في الدورة البهائية؟ بمعنى آخر لقد كان الحواريين مثاليين أيضا وكان الصحابة قائمين على المباديء الإسلامية بمثالية تحذو أتباه هذه الديانات بإعتبارهم نموذجا يحتذى به أيضا، أيضا فلماذا حضرة عبد البهاء في الديانة البهائية؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى