منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الوحدة الدّينيّة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الوحدة الدّينيّة في 2010-12-06, 09:30

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

الوحدة الدّينيّة

"يا أهل الأرض إنّ الفضل في هذا الظّهور الأعظم أنّا محونا من الكتاب كلّ ما هو سبب الاختلاف والفساد والنّفاق وأثبتنا فيه ما هو علّة الألفة والاتّحاد والاتّفاق نعيمًا للعاملين".
(بهاءالله- لوح الدّنيا مترجمًا)

تعدّد المذاهب وتشتّت الآراء في القرن التّاسع عشر

لم يكنْ العالم في يوم ما بعيدًا عن الوحدة الدّينيّة كبعده عنها في القّرن التّاسع عشر. نعم عاشت الجامعات البشريّة العظمى الإسلاميّة والمسيحيّة والكليميّة والبوذيّة والزردشتيّة جنبًا لجنب، ولكنّها بدلاً من أنْ ترتبط ببعضها بوفاق ووئام في مجموعة متّحدة كانت في عداء مستديم وكفاح مرير بعضها مع البعض الآخر، بل كان الأمر أدهى وأمرّ حينما انقسمت كلّ جامعة منها وانشطرت شطرًا بعد شطر وتحولّت إلى مذاهب عديدة يناصب بعضها بعضًا العداء المرير، مع أنّ السّيد المسيح قال:

"بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي إنْ كان لكم حب بعضًا

لبعض".( )

وكذلك جاء في القرآن الكريم:

"شَرَعَ لكم من الدّين ما وصّى به نوحًا والّذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه".( )

وقد دعا مؤسّس كلّ دين من هذه الأديان العظيمة أتباعه إلى المحبّة والاتّحاد، ومع ذلك فقد أهمل الهدف الذي توخّاه مؤسّس كلّ دين وضاع في خِضَمْ من التّعصّبات والتقّاليد الشّكلية وعدم التّسامح والتّعصب الأعمى والرّياء والفساد والتّحريف والخصام والانقسام، وأصبح عدد الطّوائف والفرق المتباغضة في العالم في بداية العصر البهائيّ ربّما أكثر منه في أيّ عهد سابق في تاريخ البشر، وكأنّما الإنسانيّة في هذا الزّمان تجرّب كلّ نوع من أنواع العقيدة الدّينيّة وكلّ نوع من أنواع التّقاليد والرّسوم وكلّ نوع من أنواع القوانين الخلقيّة والاعتبارات الأدبيّة.

وفي الوقت نفسه ظهر الكثيرون ممّن كرّسوا جهودهم لتحرّي قوانين الطّبيعة وأصول المعتقدات وفحصها بالنّقد وسرعان ما اكتسبوا معارف علميّة جديدة ووجدوا حلولاً جديدة لكثير من مشاكل الحياة. وساعد ظهور المخترعات كالبخار والسّكك الحديديّة والصّحافة وأنظمة البريد على انتشار الأفكار وعلى امتزاج الأنواع المختلفة من الآراء وأساليب الحياة امتزاجًا واسعًا خصيبًا.

وأصبحت المعركة المسمّاة بـ "المعركة بين الدّين والعلم" معركة شديدة واجتمع في العالم المسيحي نقّاد الكتاب المقدّس مع علماء الطّبيعة على مخاصمة سلطان الكتاب المقدّس وعلى تفنيده إلى مدى معيّن – ذلك السّلطان الّذي ظلّ قرونًا عديدة الأساس الّذي بنيت عليه عموم العقائد السّائدة المقبولة، فازداد عدد المرتابين في صّحة التّعاليم الكنائسيّة زيادة سريعة، حتّى أعلن عدد كبير من القسس ورجال الدّين سرًّا وعلانية شكوكهم وتحفّظاتهم حول المعتقدات الّتي يتمسك بها أفراد مذاهبهم.

ولمْ يكنْ هذا الفيضان الفكري والاختمار العقلي الّذي رافق انتشار الاعتراف بفشل التّعصّبات القديمة والعقائد الماضية والّذي رافق الجهد من أجل الحصول على معارف أوسع ومعلومات أكمل – نعم لمْ يكنْ مقصورًا على الأقطار المسيحيّة بل كان واضحًا بين سكّان جميع الأقطار والأديان وظهر متباينًا هنا وهناك.

رسالة بهاءالله

ففي هذا الوقت الّذي بلغ فيه الخصام وبلغت فيه الفوضى أوجها، أعلن بهاءالله دعوته المدوية وكأنّها نفخة الصّور، داعيًا الإنسانيّة إلى:-

"أنْ يتّحد العالم على عقيدة واحدة وأنْ يكون الجميع إخوانًا وأنْ تستحكم روابط المحبّة والاتّحاد بين بني البشر وأنْ تزول الاختلافات الدّينيّة وتمحى الاختلافات العرقيّة... لا بدّ من زوال

هذه المشاحنات والبغضاء وهذا السّفك للدّماء وهذا الاختلاف حتّى يكون جميع النّاس جنسًا واحدًا وأسرةً واحدة"( ).

حقًا إنّها لرسالة مجيدة، ولكنْ كيف يمكن تطبيق مطالبها؟ فكم دعا الرّسل النّاس ووعظوهم، وكم تغنّى الشّعراء، وكم ابتهل القدّيسون من أجل هذه الأشياء آلافًا من السّنين! ولكنّ الفوارق الدّينيّة لا زالت حتّى الآن قائمة لم تنته، ولا زال سفك الدّماء والانشقاق إلى هذا الحين سنّة جارية لمْ تُنسخ! فما الّذي سيظهر يا ترى فتتحقق به اليوم هذه المعجزة وتتم؟ وهل هناك من عوامل جديدة ظهرت في الميدان؟ وأليست الطّبيعة البشريّة هي ذاتها لم تتبدل، وسوف تبقى على ما هي عليه لن تتبدل ما دام العالم باقيًا؟ وإذا اختلف شخصان أو اختلفت أمّتان على شيء واحد في المستقبل أفلا تتحاربان من أجله كما فعلا في الماضي؟

وإذا انقسمت الأمم السّالفة إلى مذاهب عديدة أفلن يشاركها الدّين البهائيّ ذلك المصير ذاته؟ فلننتظر الجّواب على ذلك من التّعاليم البهائيّة.

هل يمكن أنْ تتبدّل الطّبيعة البشريّة؟

إنّ علم التّربية والدّين كليهما يقومان على القول بأنّ الطّبيعة البشريّة يمكن تبديلها. وفي الواقع إننا لا نحتاج إلا إلى القليل من التّحريات لنثبت أنّنا نستطيع القول بالتّأكيد بأنّ كلّ حيّ من الأحياء لا يمكن أنْ يكون في منجاة عن التّغيير أبدًا، وبدون التّغيير لن

تكون هناك حياة، حتّى أنّ المعادن لا تستطيع أنْ تصدّ التّغيير فيها، وكلّما صعدنا في سلم الخليقة ازدادت التّغييرات تنوّعًا وتعقيدًا وغرابة. وفضلاً عن هذا، فإنّ هناك في تطوّر المخلوقات ورقّيها على اختلاف أصنافها نوعان من التّغيير – أحدهما بطيء تدريجي يكاد يكون غير محسوس، والآخر سريع فجائي يحيّر العقول، وقد يحدث النّوع الأخير في الوقت الّذي يسمى بـ "المرحلة الحرجة". ففي المعادن نرى مثل هذه "المرحلة الحرجة" مثلاً في الذّوبان والغليان حينما تتبدّل المّادة الصّلبة فجأة إلى مادة سائلة أو يصبح السّائل غازًا. ونرى مثل هذه "المرحلة الحرجة" في عالم النّباتات أيضًا عندما تشرع البذرة في الإنبات والبراعم في الانفجار مكونةً الأوراق ونرى "المرحلة الحرجة" نفسها في عالم الحيوان عندما تتبدّل الدّودة الصّغيرة فجأة إلى فراشة أو تخرج فراخ الدّجاج من قشور البيض أو يخرج الطّفل من رحم أمّه. ونشاهد تحوّلاً مشابهًا لهذا في حالات النّفس البشريّة الرّفيعة حينما يولد المرء "ولادة جديدة" فيتبدّل جميع كيانه تبدّلاً جذريًا يتجلى في أهدافه وفي أخلاقه وفي أطواره وفي أفعاله. ومثل هذه "المراحل الحرجة" يؤثّر غالبًا في جميع النّوع الواحد من الأحياء أو في مجموعات الأنواع من الأحياء تأثيرًا ذاتيًّا كما يحدث حينما تنفجر البراعم في جميع النّباتات فجأة نحو حياة جديدة في زمن الرّبيع.

ويصرّح بهاءالله أنّ "مرحلةً جديدةً" وزمان "ولادة جديدة" للبشريّة على الأبواب كما أنّ للأحياء أزمنة انتقال إلى حياة جديدة أتمّ وأكمل. وعندئذ ستتبدّل أوضاع الحياة التّي استمرت قائمةً منذ

فجر التاريخ حتّى وقتنا الحاضر تبدّلاً قطعيًّا سريعًا وستدخل الإنسانيّة إلى صفحة جديدة من الحياة تختلف عن الصّفحة القديمة اختلاف الفراشة عن الدّودة التي تحوّلت عنها أو اختلاف الطّير عن البيضة الّتي نشأ منها، وستنال الإنسانيّة جمعاء تحت نور الظّهور الجديد بصيرة جديدة تبصر بها الحقيقة، وكما أنّ بلدًا كاملاً يتنوّر عند شروق الشّمس كذلك البشر جميعهم سيرون رؤية واضحة، ولا شكّ أنّ كلّ شيء يكون مظلمًا معتمًا قبل ساعة واحدة من الشّروق وبعد الشّروق يصبح كلّ شيء منيرًا.

ويقول عبدالبهاء ما ترجمته:-

"إنّ هذا دور جديد للقوّة البشريّة. فقد تنوّرت جميع الآفاق، وسيصبح العالم حقًّا حديقة أزهار وجنّة."

وما نراه في الطّبيعة من التّشابه والتّوافق يؤيّد هذا الرّأي، فالرّسل السّالفون قد تنبّأوا بالإجماع بمجيء يوم عظيم كهذا اليوم، كما أنّ علامات الأزمنة تدلّ دلالة واضحة على أنّ التّبدلات والتّغيرات الثّوريّة العميقة في الأفكار والمؤسّسات البشريّة مستمرة حتّى الآن في تقدّمها. فما أعقم الجدل والتّشاؤم بعد هذا كلّه، والقول بأنّ الطّبيعة البشريّة لنْ تتبدّل، مع أنّ جميع الأشياء الأخرى في تبدّل مستمر؟

الخطوة الأولى نحو الاتّحاد

ومن أجل ترويج الوحدة الدّينيّة يوصي بهاءالله بالأخذ بالتّسامح والإحسان إلى أقصى الحدود، ويدعو أتباعه إلى "المعاشرة مع الأديان بالرّوْح والرّيحان". وكتب في آخر وصيّة أوصاها في لوح

وصّيته المعروف بـ (كتاب عهدي) بالنّص:-

"قد نهيناكم عن النّزاع والجّدال نهيًا عظيمًا في الكتاب( ). هذا أمر الله في هذا الظّهور الأعظم وعصمه من حكم المحو وزيّنه بطراز الإثبات..." إلى أنْ قال في هذه الوصيّة ذاتها ما ترجمته:-

"يا أهل الأرض إنّ مذهب الله هو من أجل المحبّة والاتّحاد فلا تجعلوه سبب العداوة والاختلاف. أرجو أنْ يتمسّك أهل البهاء بهذه الكلمة المباركة: (قلْ كلّ من عند الله) فإنّ هذه الكلمة العليا بمثابة الماء لإطفاء نار الضّغينة والبغضاء المخزونة المكنونة في القلوب والصّدور، وبهذه الكلمة الواحدة تفوز الأحزاب المختلفة بنور الاتّحاد الحقيقي. إنّه يقول الحقّ ويهدي السّبيل، وهو المقتدر العزيز الجّميل".

ويقول عبدالبهاء:-

"إنّ ترك التّعصّبات محتوم على الجميع، وعليهم جميعًا أنْ يذهبوا إلى كنائس ومعابد ومساجد بعضهم بعضًا، لأنّ ذكر الله يكون في جميع هذه المعابد، ففي الحين الّذي يجتمع فيه الجميع على عبادة الله ما الفرق يا ترى في اجتماعاتهم؟ إذ لا يعبد أحدهم الشّيطان! فعلى المسلمين أنْ يذهبوا إلى كنائس المسيحيّين وصوامع الكليميّين والعكس بالعكس: على الآخرين أنْ يذهبوا إلى مساجد المسلمين. ويتجنّب هؤلاء النّاس بعضهم بعضًا بسبب التّقاليد والتّعصّبات الّتي ما أنزل الله بها من سلطان. وفي أمريكا دخلت صوامع اليهود المشابهة لكنائس المسيحيّين ورأيتهم جميعًا منهمكين في عبادة الله.

"وفي كثير من هذه المجامع تحدّثت عن الأساس الأصلي الإلهيّ الّذي هو أساس الأديان جميعها، وأقمت الدّلائل والبراهين على حقيّة رسل الله ومظاهره المقدّسة، وشوّقت الجميع وحثثتهم على محو التّقاليد العمياء. فعلى جميع الرّؤساء الرّوحانيّين أنْ يذهب بعضهم إلى كنائس البعض الآخر، ويتحدّثوا عن أساس الأديان والتّعاليم الأصليّة الإلهيّة، ويعبدوا الله بكمال الاتّحاد والاتّفاق والألفة في معابد بعضهم، ويتركوا التّعصّبات العقيمة تركًا تامًّا"( ).

فلو تمّت هذه الخطوات الأولى وتأسّست حالة وديّة متبادلة من التّسامح بين الطّوائف الدّينيّة المتنوّعة لرأيتم ما أعظم التّغيير الّذي يحدث في العالم! ومن أجل تحقيق هذه الوحدة يلزمنا في الحقيقة شيء أعظم من هذا. فالتّسامح من المسكّنات لمرض تعدّد المذاهب، ولكنّه ليس بالدّواء الناجع له، لأنّه لا يستأصل سبب المرض.

مرجع الهداية

لقد عجزت المجتمعات الدّينيّة المتنوّعة في الماضي عن خلق هذه الوحدة، لأنّ أتباع كلّ واحد منها اعتبروا مؤسّس مذهبهم مرجع الهداية الوحيد وأنّ قانونه الّذي جاء به قانون إلهيّ واعتبروا أيّ رسول آخر أعلن رسالة تباين رسالته عدوًّا للحق. ولأسباب مماثلة كثرت المذاهب المختلفة في كلّ مجتمع، واتبّع أتباع كلّ

منها مرجعًا أصغر، واعتبروا تفسيرًا معيّنًا من تفاسير رسالة المؤسّس كأنّه كلّ الدّين الحقيقي لذلك المؤسّس وما عداه باطلاً وضلالاً. ومن الواضح أنّه ما دام الحال على هذا المنوال، فإنّ الوحدة الحقيقيّة مستحيلة، ولنْ تتحقق. أمّا بهاءالله فيعلمنا أنّ جميع الرّسل كانوا حملة الرّسائل الحقّة من الله وأنّ كل واحد منهم أعطى النّاس في يومه أسمى التّعاليم الّتي كانوا يستطيعون تحمّلها وربّى البشر ليستعّدوا لقبول التّعاليم الّتي يأتيهم بها من سيأتي بعده. وبهاءالله يدعوا أتباع كلّ دين إلى أنْ لا ينكروا الإلهام الإلهيّ الّذي جاءت به الرّسل الآخرون. بل يعترفوا بالإلهام الإلهيّ الّذي جاءوا به جميعًا ويروا تعاليمهم متّفقة في أساسها وأنّها أجزاء في خطّة عظمى لتربية الإنسانيّة وتوحيدها. وهو يدعو جميع النّاس على اختلاف تسمياتهم إلى احترام رسلهم عن طريق وقف حياتهم من أجل تحقيق الوحدة الّتي جاهد في سبيلها جميع الرّسل وتحمّلوا العذاب. وفي رسالته إلى الملكة فكتوريا يشبّه العالم برجل مريض تفاقم مرضه لأنّه وقع في أيدي متطبّبين. ويخبرنا بهاءالله بكيفيّة شفائه فيتفضّل بالنّص:-

"وما جعله الله الدّرياق الأعظم والسّبب الأتّم لصّحته هو اتّحاد من على الأرض على أمر واحد وشريعة واحدة، وهذا لا يمكن أبدًا إلا بطبيب حاذق كامل مؤيّد. لعمري هذا هو الحق وما بعده إلا الضّلال المبين. كلّما أتى ذلك السّبب الأعظم وأشرق ذاك النّور من مشرق القدم، منعه المتطبّبون وصاروا سحابًا بينه وبين العالم، لذا ما طاب مرضه، وبقي في سقمه إلى الحين".

تتابع الأديان وتطوّرها

يرى الكثيرون أنّ حجر العثرة العظيم في طريق الوحدة الدّينيّة هو الاختلاف الظّاهري بين الأديان الّتي جاءت بها الرّسل. فما أمر به أحدهم حرّمه الآخر فكيف إذن يكون الاثنان على صواب؟ وكيف يقال أنّهما يعلنان إرادة الله؟ نعم لا ينكر أنّ الحقيقة واحدة لا تتغيّر، وأنّ الحقيقة المطلقة واحدة لا يمكن أن تتغيّر، ولكنّ الحقيقة المطلقة هي بشكل غير محدود مستحيلة على الإدراك البشريّ الحاضر، وأنّ أفكارنا حولها يجب أنْ تتغيّر بصورة مستمرة. وبفضل من الله سوف تستبدل أفكارنا القديمة النّاقصة بمرور الزّمن بأفكار أنسب وأليق. ويقول بهاءالله في لوح إلى أحد البهائيّين الفرس ما ترجمته:-

"أيّها النّاس إنّ الكلمة تقال بمقدار معّين حتّى يصل النّاشئون إلى مرحلة البلوغ، ويجب أنْ يُعطَى اللّبن إلى أطفال العالم بمقدار معّين، حتّى يدخلوا العالم الأكبر ويستقّروا في خيمة الوحدة".

فاللبّن يقوّي الطّفل حتّى يستطيع أنْ يهضم فيما بعد طعامًا أصلب منه. وقولنا بأنّ أحد الرّسل كان على حق في إعطائه تعاليم في زمن من الأزمان وأنّ الرّسول الآخر لا بدّ أنْ يكون على خطأ وضلال في إعطائه تعاليم أخرى في زمن آخر كقولنا بأنّ اللّبن أحسن غذاء للطّفل منذ أوّل ولادته وهو وحده لا غيره يجب أنْ يُعْطى أيضًا للرجل البالغ وأنّ إعطاء أي غذاء غيره خطأ وضلال. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته ما ترجمته:

"إنّ كل دين من الأديان الإلهيّة ينقسم إلى قسمين (فالقسم

الأوّل) وهو الأساس والأصل ويختص بالعالم الباقي وبالأخلاق وبأساس التّعاليم الإلهيّة وببنيان الشّرائع الرّبانيّة، وهو عبارة عن محبّة الله الّتي لنْ تتغيّر ولنْ تتبدّل وهي هي لا غيرها، (والقسم الثّاني) وهو الفرع، ويختص بالجسمانيّات أي بالمعاملات، وهو يتغيّر ويتبدّل حسب رقيّ الإنسان وحسب مقتضى الزّمان والمكان. فمثلاً في زمان موسى لو سرق إنسان شيئًا مهما كان صغيرًا قطعت يداه، وكان قصاص العين بالعين والسّن بالسّن قصاصًا ساري المفعول، ولكنّ ذلك لم يعد ضروريًّا في زمان السّيد المسيح، فنسخ. وكذلك الطّلاق انتشر إلى درجة لم يبق فيها قانون صالح للزّواج لهذا نهى السّيد المسيح عن الطّلاق. وفي زمان موسى عليه السّلام كان الزّمان والمكان يقتضيان نزول أحكام القتل العشرة في التّوراة، وذلك لأنّ حفظ نظام الهيئة الاجتماعيّة لم يكن ممكنًا حينذاك، وكان يستحيل الأمن والاستقرار بدون تطبيق هذه الأحكام الشّديدة، لأنّ اليهود كانوا يعيشون في صحراء التّيه، ولم تكن هناك دار للحكومة ولا سجن أو زنزانة. لكنّ أمثال هذه الأحكام والقوانين لم يكن ضروريًّا في زمان السّيد المسيح. إذن اتّضح أنّ القسم الثّاني من الدّين لا أهمّية له لأنّه يختص بالمعاملات وبأساليب المعيشة. لكنّ أساس الدّين الإلهيّ واحد، وقد جدّد حضرة بهاءالله هذا الأساس الإلهيّ"( ).

ومع أنّ دين الله دين واحد قام بتعليمه جميع الرّسل، إلا أنّه شيء حيّ ينمو على الدّوام، وليس بشيء ميّت لن يتغيّر ولن

يتطوّر. ففي تعاليم موسى نرى البذرة، وفي تعاليم عيسى نرى البرعم، وفي تعاليم محمد نرى الزّهرة وفي تعاليم بهاءالله نرى الثّمرة. ولا تضّر الزّهرة بالبرعم، ولا تضّر الثّمرة بالزّهرة، بل تحقق آمالها، ولا بدّ أنْ يتشقّق الكأس ويسقط لتتفتّح الزّهرة، ولا بدّ أنْ تتناثر أوراق الزّهرة لتظهر الثّمرة وتنضج، فهل كان الكأس أو كانت أوراق الزّهرة عديمة النّفع حتّى وجب رميها ونبذها؟ كلاّ، فإنّهما كانا في وقتيهما لازمين صحيحين، وبدونهما ما كانت الثّمرة لتظهر. وهكذا الحال مع تعاليم الرّسل المتنوّعة، فإنّ ظواهرها تتبدّل من عصر إلى عصر، ولكنّ كلّ دين فيها يكمل سالفه، وليس أحدها بمنفصل عن الآخر، ولا هو بمناقض له، وإنّما المراحل المختلفة في تاريخ حياة دين الله الواحد هي الّتي جعلت الدّين مرّة بمثابة بذرة ومرّة أخرى بمثابة البرعم ومرّة أخرى بمثابة الزّهرة وجعلته الآن يدخل مرحلة الثّمرة.

عصمة الرّسل

يعلمنا بهاءالله أنّ كل من يوهب مقام الرّسالة يُعطى البراهين الكافية على رسالته ويخوّل بمطالبة النّاس بطاعته ويمنح سلطة نسخ تعاليم من سبقه من الرّسل أو تغييرها أو زيادتها، ففي كتاب الإيقان يقول ما ترجمته:-

"لأنّه بعيد جدًا عن فيض الفيّاض وبعيد عن واسع رحمته أنْ يجتبي نفسًا من بين جميع العباد لهداية خلقه ولا يؤتيها الحجّة الكافية الوافية، ومع ذلك يعذّب الخلق لعدم إقبالهم إليها، بل لم يزل جود سلطان الوجود محيطًا على كلّ الممكنات بظهور مظاهر

نفسه، وما أتى على الإنسان حين من الدّهر انقطع فيه فيضه أومنع نزول أمطار الرّحمة عن غمام عنايته... والمقصود من كلّ ظهور حصول التّغيير والتّبديل في العالم سرًّا وعلنًا ظاهرًا وباطنًا لأنّ شؤونات العالم إذا لم تتبدّل يكون ظهور المظاهر الكليّة عبثًا لا ثمرة منه"( ).

فالعصمة لله. أمّا الرّسل الإلهيّون فإنّهم معصومون لأنّهم حملة الرّسالة الإلهيّة إلى أهل العالم، وتبقى رسالة كلّ واحد منهم نافذة المفعول إلى أنْ تأتي رسالة أخرى تحلّ محلّها، يحملها إليهم نفس الرّسول أو رسول آخر غيره.

والله هو الطّبيب الأعظم الّذي يستطيع وحده أنْ يشخّص مرض العالم ويصف الدّواء المناسب له. وإذا ما وصف دواء في أحد العصور، فإنّ ذلك الدّواء لن يعود مناسبًا للعصر الّذي يليه حين تختلف أحوال المريض، وإنّ التّشبث بالدّواء القديم عندما يصف الطّبيب دواءً جديدًا عمل لا يكشف عن عدم الثّقة بالطّبيب وحسب بل يعتبر كفرًا به ونقضًا للعهد معه. وقد يضطرب اليهودي حين تقول له أنّ الأدوية الّتي وصفها موسى لعلاج مرض العالم قبل ثلاثة آلاف سنة قد أصبحت أدوية غير مناسبة وفات أوانها. وكذلك قد يضطرب المسيحي حين تقول له أنّ محمّدًا جاء بكلّ دواء لازم وثمين ليضيفه إلى ما وصفه السّيد المسيح وقد يضطرب المسلم إذا أوضحت إليه بأن الباب وبهاءالله كالرّسل السّابقين لهما الحقّ في تغيير الفروع الدّينيّة. إلا أنّ الإخلاص لله طبقًا لوجهة النّظر البهائيّة يتضمّن احترام جميع رسله والطّاعة إلى أحدث أوامره التي قدّمها

رسوله إلى عصرنا الحاضر، وبمثل هذا الإخلاص وحده نستطيع الوصول إلى الوحدة الحقيقيّّة.

المظهر الأعلى

وقد أوضح بهاءالله رسالته بعبارات جليّة لا يتطرّق إليها الشّك كجميع الرّسل السّابقين. ففي اللّوح الأقدس الّذي خاطب به المسيحييّن بصورة خاصّة يقول بالنّص:-

"قل قد جاء الأب وكمُل ما وعدتم به في ملكوت الله. هذه كلمة التّي سترها الابن إذْ قال لمن حوله أنتم اليوم لا تحملونها، فلمّا تمّ الميقات وأتى الوقت أشرقت الكلمة من أفق المشيئة. إيّاكم يا ملأ الابن أن تدعوها وراءكم. تمسّكوا بها، هذا خير لكم عمّا عندكم ... قد جاء روح الحق ليرشدكم إلى جميع الحق، إنّه لا يتكلّم من عند نفسه بل من لدن عليم حكيم. قل هذا لهو الّذي مجّد الابن ورفع أمره. ضعوا يا أهل الأرض ما عندكم وخذوا ما أمرتم به من لدن قويّ أمين".

وفي اللّوح الّذي أرسله إلى البابا من أدرنة سنة 1876 يقول بالنّص:-

"قل إيّاكم أن يمنعكم الذّكر عن المذكور والعبادة عن المعبود أنْ اخرقوا حجب الأوهام هذا ربّكم العزيز العلاّم قد أتى لحياة العالم واتّحاد من على الأرض كلّها، أنْ أقبلوا يا قوم إلى مطلع الوحي ولا توقّفوا أقل من آن. أتقرأون الإنجيل ولا تقرّون للرّب الجّليل؟ هذا لا ينبغي لكم يا ملأ الأحبار. قل إنْ تنكروا هذا الأمر بأيّ حجّة آمنتم بالله فأتوا بها...".

وكما أعلن بهاءالله في رسالته إلى المسيحييّن بتحقّق وعود الإنجيل، كذلك أعلن للمسلمين واليهود وللزردشتييّن ولأصحاب الأديان الأخرى عن تحقّق الوعود المكنونة في كتبهم السّماوية، وخاطب جميع البشر بأنّهم أغنام الله الّتي تفرّقت إلى قطعان مختلفة وآوت إلى حظائر مختلفة، وأنّ رسالته هي صوت الله وأنّه هو الرّاعي الصّالح الّذي جاء في "يوم المنتهى" ليجمع خرافه الّتي تفرّقت ويرفع الحواجز من بينها، "حتّى يكون هناك قطيع واحد وراع واحد".

موقف جديد

إنّ موقف بهاءالله من بين جميع الرّسل موقف فريد لم يسبقه به أحد، لأنّ حالة العالم وقت مجيئه كانت فريدة لم يسبق لها مثيل. وقد أصبح العالم اليوم ناضجًا مستعدًا لقبول مبدأ الوحدة نتيجة تطوّره الطّويل في آفاق الدّين والعلم والفن والحضارة البشريّة. وحينما ظهر بهاءالله أخذت الحواجز الّتي جعلت الوحدة العالميّة مستحيلة في القرون الماضية تبدأ بالانهيار. ومنذ ميلاده سنة 1817، وبصورة أخص منذ نشره تعاليمه، صارت هذه الحواجز تتكسّر الواحد تلو الآخر بشكل محيّر عجيب. ومهما يكن تفسير هذه الظّاهرة، فإنّها أصبحت حقيقة لا يتطرّق إليها الشّك.

وفي أيام الرّسل السّابقين كانت الحواجز الجّغرافيّة وحدها كافية تمامًا للحيلولة دون تحقق الوحدة العالميّة، والآن زال هذا الحاجز، لأنّ سكان الأرض استطاعوا لأوّل مرّة في تاريخ البشريّة أنْ يتحدّث بعضهم في أطراف الأرض إلى البعض الآخر في

الأطراف الأخرى بسرعة وسهولة، وصارت الأمور الّتي تحدث اليوم في أوروبا تطلع عليها جميع أقطار العالم في اليوم ذاته، والخطاب الّذي يلقى اليوم في أمريكا يقرأه غدًا النّاس في أوروبا وآسيا وإفريقيا.

والحاجز العظيم الثّاني دون الوحدة العالميّة كان اللّغة وصعوبة التّخاطب، ولكن ّهذا الحاجز قد تمّ التّغلب عليه إلى مدى كبير بفضل دراسة اللّغات الأجنبيّة. وهناك أكثر من سبب واحد يدعو للاعتقاد بأنّ لغة عالميّة سوف يتّم اختيارها وتقوم مدارس العالم بتدريسها، هنالك سيتم التّغلب على هذا الحاجز غلبة تامّة.

والحاجز العظيم الثّالث دون الوحدة العالميّة كان التّعصّبات الدّينيّة وعدم التّسامح الدينيّ، وهذا الحاجز أيضًا آيل إلى الزّوال. فقد تفتّحت عقول النّاس، وخرجت تربية الشّعوب وتعليمها من أيدي رجال الدّين، ولم يبق هناك ما يحول دون اقتحام الأفكار الحرّة أضيق الدّوائر وأكثرها محافظة.

وهكذا نجد بهاءالله أوّل رسول من الرّسل العظام اتّضحت رسالته في جميع أنحاء المعمورة في مدّة سنوات قليلة، فترجمت تعاليمه الأساسيّة في مدّة قصيرة من ألواحه الأصليّة، وصارت في متناول كلّ رجل وامرأة وطفل يقرأ ويكتب في العالم.

كمال الدّين البهائيّ

إنّ الدّين البهائيّ فريد لم يسبق له مثيل في أديان العالم بسبب كمال مدوّناته الأصليّة الأولى ودقّتها. فالكلمات المدوّنة الّتي يمكن إثبات نسبتها بكلّ اطمئنان إلى المسيح وموسى وزردشت

وبوذا وكرشنا قليلة جدًّا كما أنّها تترك كثيرًا من القضايا العصريّة ذات الأهميّة العمليّة دون معالجة. وكثير من التّعاليم الّتي شاعت نسبتها إلى مؤسّسي الأديان يشك في أصالتها، كما اتّضح أنّ بعضها تصريحات نسبت إليهم بعد حياتهم...

أمّا الباب وبهاءالله فقد كتبا آثارًا غزيرة بفصاحة وبلاغة تامّتين وبقوّة وجزالة عظيمة. وبما أنّهما كانا ممنوعين عن إلقاء الخطب على جموع النّاس وصرفا حياتهما في السّجن بعد إعلانهما دعوتيهما، لذا أوقفا معظم أوقاتهما على الكتابة. ونتج عن ذلك أنْ أصبح الدّين البهائيّ المسطور لا يدانيه أي دين جاءت به الرّسل السّابقون من ناحية غناه بمدوّناته الأصليّة. وقد أوضح في الدّين البهائيّ إيضاحًا كافيًا وتفسيرًا وافيًا العديد من الحقائق الّتي أشارت إليها الرّسالات السّابقة إشارات غامضة، كما وأنّ المبادئ الخالدة الحقيقيّة الّتي جاء بها الرّسل السّابقون قد جرى تطبيقها تطبيقًا عمليًّا على مشاكل العصر الحاضر، وهي مشاكل على شأنٍ من الحيرة والصّعوبة لم ينشأ لها مثيل في أيام الرّسل السّابقين. وواضح أنّ هذا السّجل الحافل من الآثار الإلهيّة المكتوبة الأصليّة لا بدّ وأنْ يكون له تأثير فعّال على منع حدوث سوء التّفاهم في المستقبل وعلى تصفية سوء التّفاهم الّذي حدث في الماضي فباعد بين المذاهب المختلفة بعادًا مريرًا.

العهد والميثاق البهائيّ

إنّ الدّين البهائيّ فريد لم يسبق له مثيل في شيء جديد آخر سنذكره الآن. فقد كتب بهاءالله قبل صعوده وبخط يده عهده

وميثاقه بتعيين ابنه الأكبر عبدالبهاء الذي يسمّيه في كتاباته باسم "الغصن" أو "الغصن الأعظم" مبيّنًا لتعاليمه وصرّح أنّ أيّ تبيين أو تفسير يقدّمه الغصن الأعظم مقبول ويعادل في صحّته كلمات بهاءالله نفسه ويقول في هذا العهد والميثاق بالنّص:-

"انظروا ما أنزلناه في كتابي الأقدس إذا غيض بحر الوصال وقضي كتاب المبدأ في المآل توجّهوا إلى من أراده الله الذي انشعب من هذا الأصل القديم (وإنّ المقصود بهذه الآية المباركة هو الغصن الأعظم)( )".

وفي (سورة الغصن) التي شرح فيها مقام عبدالبهاء يقول بالنّص:-

"قل يا قوم فاشكروا الله لظهوره "الغصن" لأنّه هو الفضل الأعظم عليكم ونعمته الأتّم لكم وبه يحيي كل عظم رميم. من توجّه إليه فقد توجّه إلى الله، ومن أعرض عنه فقد أعرض عن جمالي وكفر ببرهاني وكان من المسرفين".

وبعد صعود بهاءالله أتاحت الفرص لعبدالبهاء سواء في مسكنه أم في أسفاره الواسعة مقابلة النّاس من كلّ أطراف العالم ومن كلّ الأفكار والآراء، فسمع أسئلتهم ومشاكلهم واعتراضاتهم، وقدّم لهم تفسيرات وافية دوّنت تدوينًا. وفي سلسلة سنوات طويلة استمرّ عبدالبهاء على عمله في تلخيص المبادئ البهائيّة وفي توضيح كيفيّة تطبيقها لحل معظم مشاكل الحياة الحاضرة. وقد أحيلت إليه جميع اختلافات الرّأي الّتي نشأت بين المؤمنين، فقام بحلّها حسب السّلطة المخوّلة له، وهكذا تضاءلت أخطار سوء التّفاهم في المستقبل.

وفضلاً عن هذا فإنّ بهاءالله قد وضع التّرتيبات اللاّزمة لانتخاب "بيت العدل الأعظم" الّذي يمثّل جميع البهائيّين في أنحاء العالم والّذي يقوم بأعباء إدارة شؤون الأمر البهائيّ وتوجيه الجّهود المبذولة فيه وتوحيدها، ومنع حدوث الانقسامات والانشقاقات فيه، وتفسير الأمور المبهمة وحفظ التّعاليم من أيّ فساد وسوء عرض أو تفسير. ولم تنكر التّعاليم البهائيّة على هذه الهيئة الإداريّة العليا حق تشريع الأحكام الّتي لم يشرّعها بهاءالله بل خوّلتها كذلك حق تبديل الأحكام الّتي تشرّعها هي ذاتها حينما تستجدّ ظروف تتطلّب إجراءات جديدة، وبهذا مكّنت دين الله من الاتّساع ليلائم مقتضيات وحاجات الجامعة البشريّة المتطوّرة باعتبار دين الله حيًّا يتطوّر تطوّر الكائن الحي.

كما أنّ بهاءالله حرّم على كلّ إنسان تحريمًا قطعيًّا تفسير تعاليمه ما عدا المبيّن المنصوص، وقد عيّن عبدالبهاء شوقي أفندي في ألواح وصايا عهده وميثاقه وليّ أمر الله والمخوّل بتفسير الآيات الإلهيّة من بعده.

وبعد ألف سنة أو أكثر سوف يظهر مظهر إلهيّ جديد، تحت ظلّ بهاءالله، ببراهين قاطعة على رسالته. وحتّى يحين وقت ظهوره تبقى كلمات بهاءالله وعبدالبهاء وشوقي أفندي وقرارات بيت العدل الأعظم المرجع الّذي يهتدي المؤمنون بهداه. وليس لأيّ بهائيّ الحق في تأسيس مدرسة للرّأي أو فرقة مستندة إلى تفسير معيّن للتّعاليم البهائيّة أو لأيّ دين إلهيّ آخر معروف، وكلّ من

يخالف هذه الأوامر يعتبر ناقضًا للعهد والميثاق( ).

ويقول عبدالبهاء ما ترجمته:

"إنّ عدوّ أمر الله هو من يفسّر بيانات حضرة بهاءالله وآثاره حسب زعمه وإدراكه ويجمع حوله جماعة ويشكّل حزبًا ويقوم على العمل لإعلاء مقامه ولمدح نفسه ويخلق تفرقة في أمر الله"( ).

وكذلك يقول في لوح آخر:-

"إنّ هؤلاء النّاس، وأعني بهم مروّجي الاختلافات، إنّما هم بمثابة الزَّبَد الّذي يطفو فوق سطح البحر، فتقوم موجة من بحر الميثاق فتقذف به خارج البحر بقوّة الملكوت الأبهى. إنّ هذه الخيالات الفاسدة الّتي تنشأ عن الأنانيّة وسوء النيّة كلّها تذهب، أمّا العهد والميثاق الإلهيّ فإنّه يبقى دائمًا ثابتًا ومستقرًّا ومحفوظًا ومصونًا"( ).

ولا يوجد شيء يجبر النّاس على التدّيّن إذا كانوا يريدون تركه فيقول عبدالبهاء:-

"إنّ الله نفسه لا يجبر إنسانًا على أنْ يكونَ روحانيًّا، وإنّ التّمتع بحريّة الإرادة أمر ضروري".

لكنّ الميثاق الإلهيّ يجعل الانقسامات المذهبيّة داخل الجامعة البهائيّة أمرًا مستحيلاً.

انعدام الرّهبانيّة البهائيّة

يجب التنويه هنا بشكل خاص بذكر ميزة أخرى من مزايا النّظام الإداريّ البهائيّ وهي انعدام الوظائف الرهبانيّة. فالتّبرعات الاختياريّة لمصاريف المبلّغين البهائيّيّن مسموح بها. ويفدي الكثيرون أوقات حياتهم لخدمة أمر الله، ولكنّ البهائيّيّن جميعًا مفروض فيهم المشاركة في التّبليغ وغيره حسب فرصهم وقابلياتهم وليست هناك طبقة معيّنة تمتاز عن سائر المؤمنين بقيامها وحدها بوظائف الرّهبانيّة أو بمناصب مقصورة عليهم.

لقد كانت الرّهبانيّة في العصور الماضية ضروريّة، لأنّ النّاس كانوا أمييّن غير مثقّفين يعتمدون على الرّهبان في تربيتهم الدينيّة وفي إدارة مراسيمهم وطقوسهم الدّينيّة وفي إقامة العدل وغير ذلك، ولكنّ الزّمان قد تبدّل الآن. فالتّربيّة والتّعليم قد تقدّمت وتكاد تكون عالميّة. وإذا ما طبّقت أوامر بهاءالله، فإنّ كلّ ولد وبنت في العالم سينال تربية سليمة، وحينذاك يستطيع كلّ فرد أنْ يدرس الكتب المقدّسة بنفسه، وأنْ يستقي ماء الحياة بنفسه مباشرة من الينبوع الإلهيّ. وليس هناك في الكيان البهائيّ مجال لمراسيم وطقوس مفصّلة تتطلّب خدمات فئة محترفة أو طبقة معيّنة من النّاس، كما وأنّ إدارة العدل قد أنيطت بسلطات اختصّت بذلك الغرض.

نعم يحتاج الطّفل إلى المعلم، ولكنّ الغرض الأساسي من المعلم الحقيقي هو إعداد الطّفل للاستغناء عن المعلم فيرى الأشياء

بعينه ويسمع بأذنه ويفهم بعقله. وكذلك الأمر في طفولة الجنس البشريّ، فقد كان الكاهن ضروريًّا، ولكنّ عمله الحقيقي كان في تمكين البشر من الاستغناء عنه، فيَرَون الأمور الرّوحانيّة بعيونهم ويسمعونها بآذانهم ويفهمونها بعقولهم. والآن قد تمّ وانتهى عمل الكاهن، وجاءت التّعاليم البهائيّة الّتي تهدف إلى إتمام ذلك العمل وإلى جعل النّاس مستغنين عمّا سوى الله ليتوجّهوا إلى الله مباشرة أي إلى مظهره الإلهيّ. وعندما يتوجّه الجميع إلى مركز واحد لن تبقى هناك نوايا متضاربة أو فوضى ضاربة، وكلّما اقتربوا من المركز ازدادوا قربًا بعضهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى