منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

السّبيل إلى السّلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 السّبيل إلى السّلام في 2010-12-07, 17:45

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

السّبيل إلى السّلام

"قل قد جاء الغلام ليحيي العالم، ويتّحد من على الأرض كلّها. سوف يغلب ما أراد الله، وترى الأرض جنّة الأبهى"
(بهاءالله في لوح الرّئيس)

الخصام والوئام وجهًا لوجه

كرّس العلماء في القرن الماضي قسمًا عظيمًا من دراساتهم على موضوع التّنازع على البقاء في عالم الحيْوان والنّبات، ووضعوا مبادئ وطيدة نافذة في عالم الحيْوان الأدنى. وقد توجّه الكثيرون من النّاس إلى هذه المبادئ يلتمسون الهداية منها في حيرتهم ومشاكلها الاجتماعيّة الحاضرة، وتوصّلوا أخيرًا إلى اعتبار التّنازع والتّنافس من ضروريّات الحياة، واعتبروا قتل الضّعفاء في الهيئة الاجتماعيّة أمرًا حلالاً مشروعًا بل وضروريًّا لتحسين الجنس البشريّ. لكنّ بهاءالله يدعونا إنْ أردنا الصّعود في سلّم الارتقاء بدلاً من النّظر القهقرى إلى عالم الحيْوان، أنْ نوجّه أبصارنا نحو العلى، وأنْ نعتبرَ الرّسل الإلهيّين لا الحيْوانات هداة مرشدين لنا. ويؤكّد لنا أنّ مبادئ الوحدة والوئام والشّفقة، تناقض المبادئ

السّائدة في تنازع الحيْوانات من أجل الحفاظ على نفسها. وعلينا أنْ نختار أحد هذين المبدأين حيث لا يمكن الجّمع بينهما، ويقول عبدالبهاء:-

"إنّ التّنازع على البقاء معضلة من معضلات عالم الطّبيعة. ونتيجة هذا النّزاع هي بقاء الأنسب. وإنّ هذا القانون (أي بقاء الأنسب) هو أساس جميع المشاكل، فهو سبب الحروب والمنازعات، وهو سبب العداوة والبغضاء بين بني الإنسان. ففي عالم الطّبيعة نرى ظلمًا، ونرى أنانيّة، ونرى اعتداء، ونرى تسيطرًا، ونرى اغتصابًا لحقوق الآخرين، ونرى صفات ذميمة أخرى كثيرة، هي نقائص عالم الحيْوان. وما دامت هذه الخصائص الدّنيئة السّائدة في عالم الطّبيعة مستولية كذلك على أبناء الإنسان، فقد استحال عليهم النّجاح والفلاح. فالطّبيعة مُحبّة للحرب، والطّبيعة مُحبّة للدّماء، والطّبيعة غدّارة، لأنّ الطّبيعة لا علم لها ولا خبر لها عن الله تعالى. والسّبب في كلّ هذا هو أنّ هذه الصّفات الظّالمة من الخصائص الطّبيعيّة في عالم الحيْوان.

"ولهذا أرسل الله تعالى الرّسل، وأنزل الكتب رأفة منه وشفقة، حتّى تنجو النّفوس البشريّة عن طريق التّربية الإلهيّة من فساد الطّبيعة ومن ظلام الجهل، وحتّى تتّصف بالصّفات الرّوحانيّة، وتكون مشرق الألطاف الرّحمانيّة.

"ولكن يا للأسف وألف أسف، فقد صارت جهالة التّعصب والاختلافات الّتي لا أساس لها، والعداوات المذهبيّة، سببًا لفناء العالم وعلّة لتقهقره، ومانعًا لرقيّه. والسّبب في هذا التّدني والتّقهقر

هو تركهم تعاليم المدنيّة الإلهيّة تركًا تامًّا، ونسيانهم مبادئ الأنبياء"( ).

الصّلح الأعظم

لقد سبق لرسل الله أنْ تنبّأوا على مدى العصور بمجيء عصر السّلام على الأرض والوئام بين البشر. وقد سبق لنا أنْ رأينا بهاءالله يؤيّد هذه النّبوات بعبارات أكيدة تتوهّج أملاً ورجاءً بقرب تحقّقها، وكذلك يقول عبدالبهاء:-

"في هذا الدّور البديع يصير العالَم عالمًا آخر، ويبدو العالَم الإنسانيّ في كمال الزّينة والرّاحة، ويتبدّل النّزاع والجّدال والقتال بالصّلح والصّدق والوداد، وتحلّ المحبّة والمودّة بين الطّوائف والأمم والشّعوب والدّول، وتستحكم روابط الألفة والوئام، وفي النّهاية تمنع الحروب بالكليّة... ويرتفع سرادق الصّلح العمومي في قطب الإمكان، وتنمو شجرة الحياة المباركة حتّى تظلّل الشّرق والغرب. فالأقوياء والضّعفاء والأغنياء والفقراء والطّوائف المتنازعة والملل المتعادية الّذين هم بمثابة الذّئب والحَمَل والنّمر والجدي والأسد والعجل يعامل بعضهم بعضًا بنهاية المحبّة والائتلاف والعدالة والإنصاف، ويمتلئ العالم بالعلوم والمعارف والحقائق وأسرار الكائنات ومعرفة الله"( ).

التّعصّبات الدّينيّة

ومن أجل أنْ نفهم فهمًا واضحًا كيف سيتأسّس الصّلح الأعظم، لنقم بدراسة الأسباب الرّئيسيّة الّتي أدّت في الماضي إلى الحروب، ولنرى كيف يعالج بهاءالله كلّ سبب من هذه الأسباب.

فمن أعظم الأسباب الّتي أورثت الحروب قديمًا كانت التّعصّبات الدّينيّة. وتقول التّعاليم البهائيّة أنّ العداوة والصّراع بين أهل الأديان والمذاهب المختلفة لم يكن سببها الدّين الحقيقي بل سببها فقدان الدّين الحقيقي والاستعاضة عنه بالتّعصّبات وبالتّقاليد وبالتّفاسير الباطلة، فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس:-

"إنّ الدّين يجب أنْ يؤلّفَ بين القلوب والأرواح، ويؤدّي إلى زوال الحروب والمنازعات من وجه الأرض، ويجب أنْ يخلقَ الرّوحانيّة والحياة والنّورانيّة في كلّ إنسان. وإذا ما أصبح الدّين سببًا في العداوة والكراهية والاختلاف، فحينذاك تكون اللاّدينيّة خيرًا منه، ويكون ترك هذا الدّين هو التّديّن الحقيقي بذاته، إذ من الواضح أنّ المقصود بالدّواء هو الشّفاء، فإذا كان الدّواء سببًا في زيادة المرض فتركه أحسن وأولى. وكلّ دين لا يؤدّي إلى المحبّة والاتّحاد فهو ليس بدين".

ومرّة أخرى يقول عبدالبهاء:-

"منذ أوّل تاريخ البشريّة إلى يومنا هذا كفّر أتباع الأديان المختلفة في العالم بعضهم بعضًا ونسب بعضهم الباطل إلى البعض الآخر، وأخيرًا قام بعضهم بمعاداة البعض الآخر بكلّ وسائل الجّفاء والبعاد. لاحظوا تاريخ الحروب الدّينيّة تروا أنّ الحروب الصليبيّة

كانت إحدى هذه الحروب العظيمة، وقد دامت مائتي سنة، كان الصّليبيون خلالها يتغلّبون حينًا، فينهبون المسلمين ويأسرونهم، وحينًا كان المسلمون ينتصرون، فيقومون على سفك دماء الصّليبيّون المعتدين وإبادتهم.

"وكانت الحرب سجالاً مدّة قرنين بين شدّة وضعف، إلى أنْ رَحَلَ أصحاب تلك المذاهب الأوروبيّة عن الشّرق، وتركوا البلاد خرابًا يبابًا كما تترك النّيران أكوام الرّماد، ورجعوا إلى بلادهم، فشاهدوا أممهم في منتهى الفوضى والاضطراب والهياج. وخلاصة القول سمّيت هذه الحروب الصّليبيّة بالحروب المقدّسة، وكانت هناك حروب دينيّة كثيرة أخرى. فقد كان للمذهب البروتستانتي 900 ألف شهيد نتيجة النّزاع والاختلاف بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي، وكم من أرواح أزهقت في السّجون، وكم من الأسرى عوملوا بقسوة لا هوادة فيها ولا شفقة. وكان كلّ ذلك يجري باسم الدّين.

"واعتبر المسلمون والمسيحيّون اليهود شياطين أعداء الله ولعنوهم وآذوهم وقتلوا كثيرين منهم وأحرقوا بيوتهم أو نهبوها وأسروا أطفالهم، وكذلك اعتبر اليهود المسيحيّين كفّارًا والمسلمين أعداء هدموا شريعة موسى، فكانوا يتربّصون بهم الدّوائر انتقاما، وهم إلى يومنا هذا يسبّونهم ويلعنونهم.

"فعندما طلع حضرة بهاءالله من أفق الشّرق طلوع الشّمس المنيرة للآفاق أعلن بشارة وحدة العالم الإنسانيّ، وخاطب عموم البشر متفضّلاً: "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد".

فالشّجرة شجرة واحدة لا شجرتان رحمانيّة وشيطانيّة، لذا يجب أنْ يعامل بعضنا البعض الآخر بمنتهى المحبّة، فلا تعتبر طائفة طائفة أخرى شيطانًا، بل يجب علينا أنْ نؤمنَ أنّ جميع البشر عبيد الله وكلّ ما في الأمر أنّ بعضهم غافلون تجب تربيتهم، وبعضهم جهلاء يجب تعليمهم، وبعضهم أطفال تجب تربيتهم حتّى يصلوا مرحلة البلوغ. فهم مرضى فسدت أخلاقهم، ولا بُدّ من معالجتهم حتّى تتطهّر أخلاقهم. والمريض لا تجوز عداوته بسبب مرضه، وكذلك لا يجوز الابتعاد عن الطّفل بسبب طفولته، ولا يجوز احتقار الجّاهل بسبب جهله، بل تجب معالجته وتربيته وتنشئته بمنتهى المحبّة، ويجب أنْ نبذلَ الجّهد حتّى يرتاح البشر في ظلّ الله، ويعيشوا في منتهى الرّاحة والاطمئنان والسّرور الموفور"( ).

التّعصّبات العنصريّة والوطنيّة

إنّ العقيدة البهائيّة القائلة بوحدة الجنس البشريّ تضرب بمعولها على جذور عامل آخر من عوامل الحروب وهو التّعصب العنصري، فقد اعتبر عنصر من العناصر البشريّة نفسه متفوّقا على العناصر الأخرى، وآمن جريًا على قانون "بقاء الأنسب" بأنّ تفوّقه هذا يمنحه حقّ استغلال الشّعوب الضّعيفة بل حقّ إبادتها. وقد اسودّت كثير من صفحات تاريخ العالم بشواهد وأمثلة تطبيق هذا المبدأ تطبيقًا قاسيًا لا مروءة فيه. أمّا وجهة النّظر البهائيّة فتقول أنّ النّاس من أي عنصر كانوا متساوون في قيمتهم أمام الله، وكلّهم يمتلكون

من المَلَكات الفطريّة البديعة ما يحتاج إلى تربية تتناسب وتطوّرهم، وإنّ كلّ عنصر يستطيع أنْ يلعب دورًا، فيزيد حياة الجّامعة البشريّة غنى وكمالاً فيقول عبدالبهاء:-

"أمّا التّعصب الجنسي فهذا وَهْمٌ من الأوهام. لأنّ الله خلق البشر جميعهم. وكلّنا جنس واحد. وليست في الوجود أبدًا من حدود، ولم تتعيّن بين الأراضي ثغور. ولا تتعلّق قطعة من الأرض بأمّة أكثر من تعلّقها بأمّة أخرى وجميع الأجناس البشريّة واحدة لدى الله، لا امتياز بينها. إذن فلماذا يجب أنْ يخترعَ الإنسان تعصّبًا كهذا التّعصب؟ أفهل يجوز لسبب وهميّ أنْ نتنازعَ ونتحاربَ؟ فلم يخلق الله البشر من أجل أنْ يهلك بعضهم بعضًا. وإنّ لجميع الأجناس والملل والطّوائف والقبائل نصيب من فيض عناية الأب السماوي.

"ويمتاز البشر بعضهم عن بعض في الأخلاق وفي الفضائل وفي الإيمان وفي إطاعة شريعة الله، فبعضهم كالمشاعل مشتعلون وبعضهم كالنّجوم الدرهرهة في سماء الإنسانيّة ساطعون.

"والنّفوس الّتي تحب العالم الإنسانيّ ممتازة سامية، سواء أكانت سوداء أم صفراء أم بيضاء أم من أيّة ملّة أو عنصر وهي مقرّبة إلى الله"( ).

أمّا التّعصب السّياسي أو الوطني فلا يقلّ ضررًا ووبالاً عن التّعصب العنصري. وقد حان الوقت الّذي فيه تندمج الوطنيّة القوميّة في وطنيّة أوسع منها حين يكون العالم كلّه وطنًا لها.

ويقول بهاءالله في لوح الدّنيا ما ترجمته:-

"قد قيل في القرون السّابقة: "حبّ الوطن من الإيمان"، ولكنّ لسان العظمة في هذا اليوم، يوم الظّهور، يتفضّل: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحب العالم"، وبهذه الكلمات العاليات علّم طيور الأفئدة طيرانًا جديدًا، ومحا من الكتاب تحديد تقليديّ".

مطامع الدّول التّوسعيّة

لقد شُنّت حروب كثيرة من أجل أراضٍ تنافست على امتلاكها أُمّتان أو أكثر. وكان طمع الامتلاك سببًا قويًّا من أسباب النّزاع بين الأمم وبين الأفراد. وبمقتضى وجهة النّظر البهائيّة، لا تعود ملكيّة الأرض إلى الأفراد أو الأمّة بل إلى الإنسانيّة جمعاء، وتعود في الواقع إلى الله وحده، أمّا البشر فكلّهم سكّان على هذه الأرض. وقد قال عبدالبهاء بمناسبة معركة بنغازي:-

"إنّ قلبي حزين من حوادث حرب بنغازي( ). تُرى إلى متى تبقى الوحشيّة البشريّة قائمة في العالم؟ وكيف يجوز أنْ يتحاربَ النّاس من الصّباح إلى المساء يسفك بعضهم دم البعض الآخر؟ ولأيّة غاية يا ترى؟ نعم من أجل امتلاك حفنة تراب. فالحيْوانات تتحارب، وهناك دافع لحربها تتذرّع به، أمّا المصيبة في الإنسان فإنّه مع كونه ممتاز عن جميع الكائنات، فهو يتدنّى ويسف إلى

الدّركات السّفلى، فيقطّع أخاه إربًا إربًا من أجل قطعة من الأرض، ويصبغ أديم الغبراء بدم البشر. فترى أشرف المخلوقات يحارب أخاه من أجل أحقر الأشياء، ألا وهو التّراب.

"فهذه الأرض لا تعود ملكيّتها إلى أحد بل هي ملك لجميع الخلق، وليس هذا التّراب بيتًا لأحد بل قبرًا له.

"ومهما أحرز الإنسان من فتوحات عظيمة واستولى على ممالك كثيرة، فالّذي يبقى له من هذه الأرض الخربة شبران من التّراب هما قبره الأبدي.

"ولو يكون الدّافع للاستيلاء على الأرض تحسين أحوال سكّانها وترقّيهم ونشر المدنيّة بينهم فذلك أمر ممكن عن طريق المحبّة والوداد، ولكنّ النّاس اتّخذوا الحرب ذريعةً لتنفيذ أهوائهم ورغباتهم وأغراضهم الشّخصيّة ومنافعهم الدّنيويّة عن طريق السّيطرة على عدد من البؤساء. فكم من بيوت تتخرّب! وكم من أكباد ألوف النّساء والرّجال تتقطّع إربًا إربًا!

"لهذا أرى لزامًا أنْ يوجّه كلّ واحد منكم أفكاره ومشاعره نحو المحبّة والاتّحاد، وكلّما خطر بقلبه خاطر من الحرب قاومه بخاطر أكبر منه من الصّلح والوئام. ويجب محو فكرة العداوة بفكرة أكثر مهابة وجلالاً منها ألا وهي فكرة المحبّة. وكلّما اشتدّت سيوف العالم ورماحه سفكًا للدماء، اشتدّ هتاف جنود الله وعناقهم بعضهم بعضًا بكلّ محبّة ووداد. إذن تجب إبادة هذا التّوحش البشريّ بفضل الله وعنايته. وهو تعالى يقلّب القلوب الطّاهرة والنّفوس المخلصة. ولا تظنّوا أنّ الصّلح العالميّ أمر مستحيل، إذ

لا مستحيل على الألطاف الإلهيّة. ولو انبعثت من أعماق قلوبكم أمنية محبّة كلّ جنس من الأجناس البشريّة، لسَرَت أفكاركم وانتشرت ماديًّا وروحانيًّا فخلقت نفس الأماني في الآخرين، وازدادت قوّتها حتّى أصبحت فكرة عامّة شاملة للعالمين"( ).

اللّغة العالميّة

وبعد أنْ نظرنا سراعًا إلى الأسباب الرّئيسيّة للحروب وكيف يمكننا تجنّب تلك الأسباب، نستطيع أنْ نتقدّم الآن لدراسة الاقتراحات البنّاءة الّتي قدّمها بهاءالله من أجل الوصول إلى الصّلح الأعظم. فأوّل تلك الاقتراحات إيجاد لغة عالميّة بالإضافة إلى اللّغات القوميّة. ويشير بهاءالله في الكتاب الأقدس وفي ألواح أخرى إلى هذا الموضوع. ففي لوح الإشراقات يقول ما ترجمته:-

"الإشراق السّادس اتّحاد العباد واتّفاقهم، ولا يزال بالاتّفاق تتنوّر آفاق العالم بنور الأمر. والسّبب الأعظم لذلك معرفة بعضهم لغة بعض وخطّه. إنّا أمرنا أمناء بيت العدل من قبل في الألواح أنْ يختاروا لسانًا من الألسن الموجودة أو يبتدعوا لسانًا، ويختاروا أيضًا خطًّا من الخطوط. ويعلّموا الأطفال به في مدارس العالم، حتّى يُشاهد العالم وطنًا واحدًا وأقليماً واحداً"( ).

وقد قال عبدالبهاء في باريس في شباط فبراير سنة 1913:-

"إنّ أحد الأسباب الرّئيسيّة للمنازعات في أوروبا هو اختلاف

اللّغات فيها، فنقول هذا إنسان ألمانيّ وهذا إيطاليّ، ثم نرى إنساناً انكليزيًا ثم نلتقي بإنسانٍ فرنسيّ، مع أنّ الجميع من عنصر واحد، ولكنّ الحائل الأعظم الّذي يحول بينهم هو اللّغة. فلو وجدت لغة عامّة فإنّهم يتّحدون.

"وقد كتب حضرة بهاءالله قبل أربعين سنة عن اللّغة العالميّة المساعدة وتفضّل قائلاً: بأنّه ما لم تتعيّن لغة عامّة واحدة لا يتمّ الاتّحاد التّام بين الشّعوب، لأنّنا نرى سوء التّفاهم يمنع النّاس عن الاختلاط والتآلف، ولن يزول سوء التّفاهم هذا إلاّ بلغة عالميّة مساعدة.

"ونحن نتكلّم الآن كلامًا عامًّا فنقول إنّ أهل الشّرق لا علم لهم تمامًا بحوادث الغرب، ولا استطاع أهل الغرب الاختلاط بالشّرقييّن، فجميعهم قد وضعوا أفكارهم في صندوق مغلق ومفتاحه هو اللّغة العالميّة، فهذا المفتاح يستطيع أنْ يفتحَ الصّندوق المغلق. ولو وجدت لغة عالميّة لأمكن بسهولة ترجمة كتب الغرب إليها، واطّلع أهل الشّرق على مضامينها، وكذلك كُتُب أهل الشّرق تترجم إلى تلك اللّغة، وينتفع منها أهل الغرب. إذن فقد علمتم أنّ أعظم وسائل التّرقي والاتّحاد بين الشّرق والغرب وسيلة اللّغة الواحدة، فهي الّتي تجعل العالم كلّه وطنًا واحدًا، وتكون دعامة لرقّي البشر، وتُرفع راية وحدة العالم الإنسانيّ خفّاقة، وتكون الباعث على راحة جميع ممالك العالم وسرورها وعلى محبّة بني آدم من جميع العناصر والأجناس محبّة ملؤها الوداد..."

ولكنّ الأمر يبقى لبيت العدل الأعظم حتّى يبتّ بمسألة اللّغة

العالميّة وفقًا لأوامر بهاءالله( ). وليس الدّين البهائيّ بملزم بأيّة لغة حيّة أصليّة أو بأيّة لغة مخترعة حديثة.

عصبة الأمم

وهناك اقتراح ثانٍ كرّره بهاءالله وأكّد عليه وأوصى بالأخذ به بصورة مشدّدة هو تأسيس عصبة أمم عالميّة للحفاظ على السّلام

فقد كتب في لوحه إلى الملكة فكتوريا بينما كان سجينًا في عكا( ) ما نصّه:-

"يا معشر الأمراء! أصلحوا ذات بينكم، إذًا لا تحتاجون إلى كثرة العساكر ومهمّاتهم إلا على قدر تحفظون به ممالككم وبلدانكم... اتّحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم، وتستريح الرّعيّة ومن حولكم... إنْ قامَ أحد منكم على الآخر، قوموا عليه، إنّ هذا إلا عدل مبين".

وفي سنة 1875 توقّع عبدالبهاء تأسيس عصبة أمم عالميّة، وتبدو أهميّتها في الوقت الحاضر( ) من المحاولات الحماسيّة الّتي تبذل الآن من أجل تأسيس عصبة الأمم هذه. فكتب في "الرّسالة المدنيّة" ما ترجمته:-

"نعم إنّ راية المدنيّة الحقيقيّة لن ترفرف على قطب العالم إلا حينما يخطو عدد من الملوك العظام أولي العزم والهمّة والغيرة والحمية والحرص على خير البشريّة وسعادتها خطوات عزم ثابت ورأي راسخ، ويطرحون على بساط البحث مسألة الصّلح العام، ويتشبّثون بكلّ الوسائل، ويعقدون مؤتمرًا دوليًّا عالميًّا، ويؤسّسون معاهدة قويّة وميثاقًا وشروطًا محكمة ثابتة، ويعلنونها، ويشفعونها بمصادقة عموم الهيئة الاجتماعيّة البشريّة الّتي تؤكّد وتصادق على أنّ هذا الأمر الأتّم الأقوم الّذي هو في الحقيقة سبب راحة الخلائق وجميع سكّان الأرض أمر مقدّس وعلى جميع قوى العالم أنْ تنتبهَ

إلى بقاء هذا العهد الأعظم سالمًا ثابتًا، وفي هذه المعاهدة عليهم أن يعيّنوا حدود كلّ دولة وثغورها، ويوضعوا سلوك كلّ حكومة ومدى نفوذها، ويعينوا جميع المعاهدات والمناسبات الدّوليّة والرّوابط والضّوابط الّتي تربط الهيئات الحاكمة البشريّة، ويخصّصوا كذلك القوّة الحربيّة لكلّ حكومة بمقدار معلوم، لأنّ القدرة العسكريّة والمعدّات الحربيّة إذا ازدادت لدى دولة واحدة أدّى ذلك إلى ظنون الدّول الأخرى. وخلاصة القول أنّ أساس هذا الميثاق المتين يبنى على الأساس التّالي وهو:- أنّ أيّة دولة من الدّول تفسخ هذه الشّروط تقوم جميع دول العالم بل الهيئة الاجتماعيّة البشريّة متّحدة بكلّ قواها على تدمير تلك الحكومة. فلو يتوفّق جسم العالم المريض إلى استعمال هذا الدّواء الأعظم، فإنّه ينال الاعتدال الكلي، ويفوز بالشّفاء الأبدي الدّائم".

إنّ عصبة الأمم من وجهة النّظر البهائيّة لا تحقّق تعاليم بهاءالله الخاصّة بالسّلام العام. فالبهائيّون يرون نواقص عظيمة في تكوين عصبة الأمم، وهي بهذا تقصّر عن الوصول إلى مستوى المؤسّسة الّتي وصفها بهاءالله لتأسيس السّلام العالميّ( ). فقد كتب عبدالبهاء في 17 كانون الأوّل (ديسمبر) سنة 1919، ما ترجمته:-

"إنّ السّلام العام في الوقت الحاضر قضيّة بالغة الأهميّة، ولكنّ وحدة الوجدان والضّمير أساسيّة لازمة حتّى يكون أساس هذه القضيّة أمينًا ويكون تشييدها ثابتًا ويكون صرحها متينًا... ولو أنّ عصبة الأمم قد جاءت إلى الوجود، ولكنّها عاجزة عن تأسيس السّلام العام. أمّا

المحكمة العليا الّتي وصفها حضرة بهاءالله فسوف تقوم وحدها بإتمام هذه المهمّة المقدّسة بكلّ عظمة واقتدار".

التّحكيم الدّولي

يوصي بهاءالله كذلك بتأسيس محكمة دوليّة للتّحكيم تفصل في المنازعات الّتي تنجم بين الأمم فصلاً عادلاً حكيمًا بدلاً من لجوئها إلى محن الحروب. وكتب عبدالبهاء في رسالة وجّهها إلى سكرتير مؤتمر الصّلح في موهونك في أغسطس (آب) 1911 ما ترجمته:-

"أمر حضرة بهاءالله الكلّ قبل خمسين سنة في الكتاب الأقدس بتشكيل مجلس صلح دوليّ عام، ودعا أمم العالم إلى المائدة الإلهيّة- مائدة المحكمة الدّوليّة الكبرى، حتّى تنحلّ على يد بيت العدل جميع مشاكل الحدود والثّغور وحقوق الملكيّة والسّيادة والشّرف القومي وغير ذلك من المشاكل العظيمة الّتي تنشأ بين الدّول والملل، فلا تجرأ أيّة أمّة على مخالفة قرار تلك المحكمة أو الانحراف عنه. ولو نشأ نزاع بين أمّتين، وجب الفصل فيه في هذه المحكمة الدّوليّة الكبرى فصلاً عادلاً. وكما يصدر الحاكم حكمه في النّزاع بين شخصين، كذلك تصدر هذه المحكمة حكمًا قاطعًا. وفي أيّ وقت تتردّد فيه أيّة دولة من الدّول أو تتراخى في تنفيذ حكم المحكمة الكبرى يجب على جميع ملل العالم أنْ تقومَ بتدمير هذا العصيان".

وقال كذلك في إحدى الخطابات الّتي ألقاها في باريس سنة 1911:-

"تتشكّل المحكمة الكبرى من أمم العالم ودوله، أي تشترك في

انتخاب أعضائها كلّ أمّة وكلّ حكومة في العالم. ويجتمع أعضاؤها في دار الشورى العظيمة هذه بكلّ اتّحاد واتّفاق، وتعرض على هذه المحكمة جميع المنازعات الدّوليّة، ومن وظائفها المشاورة في كلّ قضيّة، والفصل في كلّ أمر من الأمور، وإلاّ فإنّها تصبح بدون هذا سببًا في الحروب، والوظيفة الملقاة على عاتق هذه المحكمة هي منع الحروب".

وخلال ربع القرن الّذي سبق تأسيس عصبة الأمم، تأسّست في لاهاي سنة 1900 محكمة دائميّة للتّحكيم الدّولي، وفيها وقّعت كثير من معاهدات التّحكيم، ولكنّ معظمها عجِزَ عن الوصول إلى مستوى مقترحات بهاءالله الشّاملة. ولم تعقد بين دولتين عظيمتين أيّة معاهدة تحكيم تتضمّن الفصل في جميع الشّؤون، ولهذا كان المتوقّع أنْ تظهرَ بين الدّول اختلافات تؤثّرعلى "المصالح الحيويّة" و"الشّرف" و"الاستقلال" في كلّ واحدة منها. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، بل إنّ بنود هذه المعاهدات كان ينقصها وجود ضمانات فعّالة تلتزم بها الأمم. ووراء هذه المقترحات البهائيّة ستكون هناك في عصبة الأمم العالميّة ضمانات عليا حول قضايا الحدود والشّرف القومي والمصالح الحيويّة، ولنْ يبلغَ التّحكيم الدّولي قدراته الخيّرة إلاّ بعد أنْ توضعَ هذه المقترحات موضع التّنفيذ، وتنمحي لعنة الحروب من عالم الوجود.

تحديد التّسلح

يقول عبدالبهاء:-

"على جميع دول العالم أنْ تتّفقَ على نزع السّلاح. وإذا ما ألقت

دولة واحدة أسلحتها، ولم تلقها الدّول الأخرى، فلن تكون لذلك أيّة ثمرة، بل يجب أنْ تعقدَ أمم العالم متّحدة ميثاقًا غليظًا في هذا الأمر الخطير على أنْ تتركَ نهائيًّا آلات الحروب الّتي تهدم بنيان الإنسانيّة. وما دامت إحدى الأمم تزيد في قوّاتها العسكريّة والبحريّة، فإنّ الدّول الأخرى تضطر إلى المنافسة المشؤومة هذه، فتزيد من قوّاتها"( ).

تحريم وسائل العنف والمقاومة

والبهائيّون باعتبارهم هيئة دينيّة، قد نبذوا طبقًا لأوامر بهاءالله الصّريحة استعمال القوّة المسلّحة لمصالحهم، حتّى ولو لأغراض دفاعيّة بحتة. ففي إيران قاست الألوف العديدة من البابيّين والبهائيّين صنوف الموت القاسية من أجل إيمانها بهذا الدّين. وفي أوائل أيّام هذا الدّين قام البابيّون في مناسبات مختلفة بالدّفاع عن أنفسهم وعن عوائلهم بسيوفهم. فأظهروا شجاعة وبسالة منقطعة النّظير، ولكنّ بهاءالله منع هذا الدّفاع أيضًا. وقد كتب عبدالبهاء العبارة التّالية ترجمتها:-

"حينما ظهر بهاءالله أعلن بأنّ نشر الحقيقة لا يجوز أبدًا بهذه الوسائل حتّى ولو كان استخدامها لغرض الدّفاع عن النفس، فنسخ آية السّيف... وتفضّل: "أنْ تُقتلوا خير لكم من أنْ تَقتلوا". فانتشار أمر الله وترويجه يتمّ عن طريق ثبات الأحباء وإيقانهم.

وحينما يقومون على إعلاء كلمة الله دون خوف واضطراب وبمنتهى الانقطاع ويغمضون أعينهم عن شؤونات العالم ويشغلون أوقاتهم في خدمة الله، فحينذاك تنتصر كلمة الحقّ. وتشهد هذه النّفوس المقدّسة بدمائها على حقيقة الأمر وعلى إخلاصها في إيمانها وعلى تضحيتها وعلى استقامتها. وهو سبحانه قادر على نشر أمره وخذلان أعدائه. ونحن لنْ نبتغيَ معينًا ولا ناصرًا إلاّ إيّاه. ونحن واقفون أمام المعتدين وأرواحنا فوق أكفّنا مرحّبين بالاستشهاد في سبيل الله لنبلغ به آمال قلوبنا وأمانينا".

وقد كتب بهاءالله إلى أحد الّذين قاموا على اضطهاد أمره ما ترجمته:-

"سبحان الله ما حاجة هذا الحزب إلى السّلاح بعد أنْ شمّر عن ساعد الجّد على العمل في إصلاح العالم!؟ فجنودهم الأعمال الطّيبة وسلاحهم الأخلاق المرضيّة وقائدهم تقوى الله طوبى لمن أنصف. لعمر الله إنّ هذا الحزب قد بلغ به صبره وسكونه إلى مقام مظاهر العدل في العالم، وبلغ به تسليمه ورضاؤه إلى مقام رضي بالقتل ولم يرض لنفسه أنْ يقتلَ أحدًا، مع أنّ ما أصاب المظلومين على الأرض في هذا اليوم شيء لم تر مثله عين التّاريخ ولا رأت شبهه عين الأمم. فما هو السّبب في قبولهم لهذه البلايا العظيمة، وعدم قيامهم على دفعها والرّد عليها؟ السّبب في ذلك هو القلم الأعلى الّذي منعهم عن ذلك صباحًا ومساءً، وأخذ مولى الورى أزِّمة الأمور بيد قدرته وكفّ اقتداره"( ).

وقد ثبت بالبرهان سلامة السّياسة الّتي رسمها بهاءالله في تحريم وسائل العنف والمقاومة وذلك من نتائجها. فقد كسب الدّين البهائيّ مقابل كلّ شهيد واحد استشهد في إيران مئة من المؤمنين دخلوا صفوفه، وكانت الطّريقة الّتي فيها ألقى هؤلاء الشّهداء تيجان حياتهم تحت أقدام مولاهم العظيم قد قدّمت للعالم أنصع برهان على أنّهم كسبوا حياة جديدة كان الموت بعدها لا يرعبهم وهي حياة ملؤها البهجة الحقيقيّة الكاملة الّتي إذا ما قورنت بمباهج الأرض بدت هذه أمامها وكأنّها الغبار في الميزان. وكانت أقسى وأخبث أنواع التّعذيب الجسدي الّتي تعرّضوا لها أشبه في خفّتها وتفاهتها بالهواء وزنًا وأهميّة.

متى تجوز الحرب

ولو أنّ بهاءالله كالمسيح ينصح أتباعه فرادى وجماعات بالوقوف تجاه المعتدين موقف التّسامح وعدم العنف والمقاومة، ولكنّه يؤكّد واجب الهيئة الاجتماعيّة في منع الظّلم والعدوان. فإذا ما اضطهد الأفراد وأوذوا فمن حقّهم العفو والصّفح وعدم الأخذ بالثّأر، ولكنّ الهيئة الاجتماعيّة لا يصحّ أنْ تسمحَ بحوادث النّهب والسّلب والقتل تجري في أراضيها وهي مكتوفة الأيدي تجاهها. فمن أحد واجبات الحكومة الصّالحة منع الظّلم ومعاقبة المعتدين( ). وكذلك الأمر في الهيئة الاجتماعيّة الدّوليّة، فإذا

ظلمت أمّةٌ أمّةً أو تجاوزت عليها فمن واجب الأمم الأخرى جميعها أنْ تتّحد على منع مثل هذا الظّلم. فقد كتب عبدالبهاء ما تلي ترجمته:-

"قد يجوز أن تهجم جموع وحشيّة متعطّشة للدّماء على الهيئة الاجتماعيّة وتقصد من هجومها القتل العام، ففي هذه الحال يكون الدّفاع لزامًا ضدّ المعتدين"( ).

وقد جرت عادة البشر حتّى الآن على أنْ تبقى الأمم على حيادها إذا هاجمت أمّةٌ أمّةً أخرى، ولا تتحمّل بقية الأمم مسؤوليّة التّدخل بينهما إلاّ إذا تأثّرت مصالحها أو تعرّضت إلى الأخطار. وكانت أعباء الدّفاع تلقى على كاهل الأمّة الّتي تتعرّض إلى الهجوم مهما كانت ضعيفة لا حول لها ولا قوّة. لكنّ تعاليم بهاءالله قلبت هذا الموقف رأسًا على عقب، وألقت مسؤوليّة الدّفاع على عاتق جميع الأمم فرادى وجمعًا لا على عاتق الأمّة المعتدى عليها وحدها. وحيث أنّ الإنسانيّة جمعاء بمثابة هيئة اجتماعيّة واحدة، فإنّ أيّ هجوم تتعرّض له إحدى الأمم هو هجوم على الهيئة الاجتماعيّة. ويجب أنْ تقومَ كلّ الهيئة الاجتماعيّة على مجابهته. ولو اعترف النّاس بهذه النّظريّة اعترافا شاملاً وطبّقوها، لعلمت كلّ أمّة تنوي العدوان على غيرها أنّها ستجابه مقاومة جميع أمم العالم لا مقاومة الأمّة الّتي تهاجمها، وحينذاك يكفي العلم بهذا ردع أشجع الأمم وأشرسها. وعندما تتأسّس عصبة أمم قويّة من أمم محبة للسّلام، تصبح الحرب في خبر كان. وخلال فترة الانتقال من الفوضى

الدّوليّة إلى الوحدة الدّوليّة ستحدث حروب تعسّفيّة، وفي هذه الحال يكون لزامًا على الأمم اتّخاذ إجراءات قويّة في سبيل الحفاظ على العدل الدّولي والوحدة والسّلام. وقد كتب عبدالبهاء في الرّسالة المدنيّة ما ترجمته:-

"بل قد تكون الحرب أحيانًا أساسًا للصّلح الأعظم، كما قد يكون التّدمير سببًا للتّعمير... وتقوم الحرب على نوايا صالحة فيكون الغضب عين اللّطف والظّلم جوهر العدل والحرب بنيان الصّلح. ويليق بالملوك العظام اليوم أنْ يؤسّسوا الصّلح العمومي، لأنّ فيه ولا شك حريّة العالمين".

اتّحاد الشّرق والغرب

وهناك عامل آخر يساعد على توطيد السّلام وهو ارتباط الشّرق والغرب. فليس "الصّلح الأعظم" مجرّد هدنة بل توحيد قوى وتعاون وديّ مثمر بين أمم الأرض الّتي كانت حتّى الآن ممزّقة. وقد قال عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس:-

"منذ البداية حتّى اليوم كانت شمس الحقيقة تشرق من أفق الشّرق، فحضرة موسى ربّى الخلق وهداهم في الشّرق، وحضرة عيسى ظهر من أفق الشّرق، وحضرة محمد بُعث إلى أمّة في الشّرق، وحضرة الباب ظهر في إيران في بلاد الشّرق، وحضرة بهاءالله ظهر من الشّرق وتفضل بأنّ كوكب المسيح السّاطع ولو أنّه طلع من الشّرق لكنّه أرسل أشعته النّوراء إلى الغرب فانتشرت أنوار الملكوت في الغرب انتشارًا أكبر من الشّرق وراجت تعاليمه

المباركة في عالم الغرب أسرع من رواجها في موطن ولادة حضرته.

"ويحتاج الشّرق اليوم إلى ترقيات الغرب الماديّة، كما يحتاج الغرب إلى الكمالات والفضائل الرّوحانيّة. فيليق بالغرب أنْ يستفيضَ من أنوار الشّرق ويعطيه حظًّا ونصيبًا من علومه واختراعاته. نعم يجب تبادل هذه المواهب ويجب أنْ يكمّل الشّرق والغرب نقائص بعضهما البعض بكلّ اتّحاد. وسيكون هذا الاتّحاد سببًا في تحقيق المدنيّة الحقيقيّة وفي انضمام المدنيّة الماديّة إلى المدنيّة الرّوحانيّة. وحينما يجري هذا الأخذ والعطاء بين الطّرفين تحدث بينهما منتهى الألفة والوئام، فيتّحد الجّميع ويتجلّى أقصى كمال ويحدث امتزاج وامتشاج متين ويصبح العالم مرآة الصّفات الإلهيّة.

"إذن يجب علينا نحن أهل الشّرق والغرب أنْ نبذلَ الجهد ليلاً ونهارًا بأرواحنا وقلوبنا، ونحقّق هذا المقصد الجليل، ونقوّي الألفة والاتحاد بين ملل الأرض، حتّى تنشرح القلوب وتتنوّر العيون وتنهال التوفيقات العظيمةعلينا وتتحقّق سعادة النّوع البشريّ. وهذ هي الجّنّة الّتي يجب ظهورها على الأرض حينما تحشر البشريّة جمعاء في ظلّ خيمة الوحدة والاتّحاد في الملكوت الإلهيّ".

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى