منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الدّين والعلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الدّين والعلم في 2010-12-07, 17:53

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي



"قال الإمام عليّ بن أبي طالب صهر رسول الله أنّ كلّ مسألة تتّفق مع العلم يجب أن تتّفق مع الدّين أيضًا، وكل ما لا يدركه العقل يجب أن لا يقبله الدّين. فالدّين والعلم توأمان، وإنّ كلّ دين يخالف العلم ليس بدينٍ صحيح".
(من خطابات عبدالبهاء فى باريس)

النزّاع بين العلم والدّين منشأه الخطأ في الفهم

إنّ أحد تعاليم بهاءالله الأساسيّة هو أنّ العلم الحقيقيّ والدّين الحقيقيّ يجب أن يكونا دائمًا على وفاق تامّ، فالحقيقة واحدة وكلّما ظهر نزاع فسببه الخطأ فى الفهم لا الحقيقة. ولطالما كان هناك نزاع بين ما يسمّى العلم وما يسمّى الدّين على مدى العصور. ولكنّنا إذا نظرنا إلى ذلك النّزاع تحت ضوء الحقيقة الكاملة استطعنا أن نقتفي الأثر الذى يدلّنا إلى أنّ سببه الجهل أو التعصّب أو التّظاهر أو الطّمع أو ضيق النّظر أو عدم التّسامح أو العناد أو ما شابه ذلك من الأسباب الّتي هي خارجة عن الرّوح الحقيقيّة للدّين والعلم كليهما، لأنّ روحيهما واحد. فيخبرنا العالم هكسلي: "إنّ

أعمال الفلاسفة هي ثمار توجيه دينيّ بارز فيهم قبل أن تكون ثمار عقولهم. وقد سلّمت الحقيقة قيادها إلى صبرهم وإلى حبّهم وإلى سلامة نواياهم وإلى نكرانهم ذواتهم قبل أن تسلّمه إلى براعة منطقهم" وكذلك يؤكّد العالم "بول" في الرّياضيّات: "إن الاستنتاج الهندسيّ في أساسه عمليّة مناجاة وابتهال من العقل المحدود إلى العقل اللاّمحدود التماسًا للنّور والهداية في مهامٍّ معيّنة".

ولم يندّد أحد من عظماء الرّسل بأحدٍ من عظماء العلماء والعكس بالعكس، لكن اتّباع هؤلاء المعلّمين ممّن لا يستحقّون الإحترام، بسبب تمسّكهم بحرفيّة تعاليمهم لا بروحها، قد اضّطهدوا الرسّل الحديثين، وقاوموا كلّ تقدمّ علميّ، وعادوه عداءً مرًّا، فقد درس هؤلاء الأتباع نور الدّين الذي اعتبروه مقدّسًا دراسةً دقيقةً جدًا، وحدّدوا خصائصه ومميّزاته كما تراءت لبصائرهم الضّيّقة، وتوصّلوا إلى أنّ ذلك هو النّور الحقيقيّ الوحيد. فإذا أرسل الله بفضله الّذي لا حدود له نورًا أكمل من أفق آخر واشتعل بذلك مشعل الديّن الإلهيّ فاشتعل اشتعالاً أشدّ سطوعًا من اشتعاله السّابق بيد حامل مشعل جديد، تراهم مذعورين حانقين بدلاً من أن يكونوا من المرحّبين بالنّور الجديد وبدلاً من تقديم شكرهم الجديد لذلك الأب السماويّ أب جميع الأنوار. ولمّا كان النّور الجديد لا يتّفق مع تحديداتهم، ولا يملك اللّون التّقليدي الّذي ألفوه، ولا يشرق من أفق تقليدي عرفوه، لهذا ينادون بإطفائه بأي ثمن كان لئلاّ يضّل النّاس فى فيافي البدع والضّلال حسب زعمهم. نعم إنّ الكثيرين من أعداء الرّسل هم على هذه الشّاكلة – قادة عمي

يقودون عميانًا ويقاومون الحقيقة الجديدة الكاملة في سبيل ما يعتقدونه الحقيقة الوحيدة. وهناك أتباع آخرون منحطّون تدفعهم أنانيّاتهم إلى محاربة الحقيقة وإلى قطع طريق التّقدم بسبب عماهم الرّوحانيّ وركودهم العقليّ.

اضطهاد الرسل

عند مجيء عظماء الرّسل كان النّاس يقاومونهم ويحتقرونهم. وكان الرّسل وأتباعهم الأوائل يولون ظهورهم إلى جلاّديهم ويضحّون بممتلكاتهم وبأرواحهم فى سبيل الله. ونجد في زماننا الّذي نعيش فيه مثل هذا. فمنذ سنة 1844 قتلت ألوف البابيّين والبهائيّين في إيران أبشع تقتيل من أجل تمسّكها بدينها، كما زجّ الكثيرون فى غياهب السّجون، وتعرّضوا إلى النّفي من موطنهم وإلى الإهانات وإلى الفقر. وهكذا كان تعميد أحدث الأديان العظيمة في حمّام من الدّم أكثر من تعميد أي دين سبقه، ولا يزال الاستشهاد مستمرًّا إلى يومنا هذا. وقد حدثت نفس هذه الأحداث لعظماء العلماء، فأحرق "جيرادو برونو" حيًّا سنة 1600 ميلاديّة بتهمة الكفر في تعليمه الناس أنّ الأرض تدور حول الشّمس. وبعد بضع سنين من ذلك أنكر العالم الشّهير الفيلسوف غاليلو نفس هذه النّظريّة جاثيًا على ركبتيه لينجو من ذلك المصير المحتوم. وفي أزمتنا الأخيرة تعرّض العالم دارون كما تعرّض روّاد علم الجيولوجيا الحديثة إلى هجمات لا ترحم، لأنهم تجرّؤوا على مخاصمة تعاليم الكتاب المقدّس في أنّ الخليقة تمّت في ستّة أيّام وقبل أقلّ من ستّة آلاف سنة! على أنّ مقاومة الحقائق العلميّة لم

تأت من جانب الكنيسة وحدها بل إنّ المتعصّبين في أفق العلم قاوموها كما قاومها المتعصّبون في أفق الدّين. فقد استهزأ العلماء الّذين عاصروا كولومبوس به وأثبتوا لأنفسهم في نشوة الفرح أنّ سفنه إذا نجحت في الوصول إلى نصف الكرة الأرضيّة المقابل لنصفنا يستحيل عليها أن تنتصب ولا تنقلب! والعالم كلفاني الرّائد في علم الكهرباء، قد سخر منه رفاقه العلماء وسمّوه "معلّم الرّقص للضّفادع". والعالم "هارفي" الذي اكتشف الدّورة الدّموية قد سخّفه إخوانه الأطبّاء، واضطهدوه من أجل كفره، وطردوه من كرسيّ التّدريس. وعندما اخترع ستيفنسين قاطرته البخاريّة، استمرّ العلماء الرّياضيّون فى أوروبا سنين عديدة إرضاءً لأنفسهم في إثبات أنّ القاطرة لا يمكنها أن تسحب أي حمل وهي فوق القضبان الحديديّة الملساء، لأنّ العجلات سوف تدور حول نفسها، ولا تتقدّم أيّة قاطرة في سيرها فوق القضبان. وكان الأجدر بهم أن يفتحوا عيونهم ويدرسوا الحقائق. وهناك أمثلة عديدة أخرى من التّاريخ القديم والحديث...

فجر الوفاق بين الدّين والعلم

حدث خلال نصف القرن الماضي تغيير على روح الأزمنة، وأشرق نور جديد من الحقيقة، فجعل مجادلات القرن الماضي شيئًا منسيًّا، فأين أولئك الّذين كانوا يتباهون بنظريّتهم المادّيّة وبعقائدهم الإلحاديّة، والذين كانوا قبل سنين قلائل يهدّدون بطرد الأديان في أنحاء العالم؟ وأين أولئك الواعظون الّذين كانوا يدينون من يخالف عقائدهم بنيران جهنم وعذاب الكافرين؟ فلا نزال نسمع

أصداء ضجيجهم، ولكن يومهم قد آل إلى الزّوال، وغدت عقائدهم من دون اعتبار، وصرنا نرى النّظريّات الّتي كان يدور حولها وطيس هذه المجادلات المريرة ليست من العلم الحقّ ولا من الدّين الحقّ في شيء. وأيّ واحد من العلماء في ضوء بحوث علم النّفس الحديث يستطيع أن يقول اليوم: "إنّ الدّماغ يفرز الأفكار كما يفرز الكبد الصّفراء؟" أو يقول بأن تفسّخ الجسد يقتضي أن يرافقه تفسّخ الرّوح؟ لقد صرنا اليوم نقول أنّ الفكر من أجل أن يكون في الواقع حرًّا طليقًا يجب أن يحوم في آفاق الظّواهر النّفسيّة والرّوحانيّة وأن لا يكون محدّدًا بحدود المادّة وحدها. وصرنا الآن ندرك أنّنا لا نعرف عن الطّبيعة إلاّ بقدر قطرة من محيط من المجاهيل الّتي يجب سبر غورها والإحاطة بها. وصرنا نعترف الآن اعترافا كاملاً بإمكان حدوث المعجزات وخوارق العادات لا بمعنى كسر قوانين الطّبيعة بل باعتبارها، حين حدوثها، مظاهر لقوى بارعة فعّالة لا تزال مجهولة لنا كما كانت القوّة الكهربائيّة والأشعّة السّينيّة مجهولة عند أسلافنا. ومن ذا الّذي يستطيع من المعلّمين الدّينيّين البارزين اليوم أن يصرّح بأنّ نجاتنا الرّوحانيّ يستلزم إيماننا بأنّ العالم قد خلق في ستة أيّام؟ أو أنّ وصف الطّاعون الّذي حلّ بمصر، كما جاء في سفر الخروج، وصف حرفيّ صحيح؟ أو أنّ الشّمس وقفت في السّماء (أي أنّ الأرض توقّفت عن الدّوران حول نفسها) لتسمح للنّبي هوشع بمطاردة أعدائه؟... إنّ أمثال هذه المعتقدات قد يجوز في المستقبل تكرّرها فى شكلها، ولكن من ذا الّذي يقبلها بدون تحفّظ باعتبارها حرفيّة في معناها؟ فقد زالت سيطرتها على

قلوب النّاس وعقولهم أو أنّها في طريق الزّوال. وإنّ عالم الدّين مدين بالشّكر إلى رجال العلم الّذين ساعدوا على تمزيق أمثال هذه العقائد البالية وسحق هذه المذاهب الباطلة والسّماح للحقيقة أن تخطو إلى عرصة الشّهود بكلّ حرّية وانطلاق. لكنّ عالم العلم مدين بأكثر من ذلك إلى الرّجال المقدّسين الحقيقيّين والأتقياء الطاّهرين الّذين تمسّكوا بالحقائق الحيويّة خلال محنهم الرّوحانيّة والّذين كشفوا للعالم الغارق في شكوكه أنّ الحياة أكثر من الجسد وأنّ الخفيّ المجهول أكثر من الظّاهر المعلوم. وقد غدا هؤلاء العلماء وهؤلاء القدّيسون أشبه بقمم الجبال الّتي تستقبل أولى أشعّة الشّمس الطّالعة وتعكسها على العالم الأدنى. ولكنّ الشّمس قد طلعت اليوم وها هي تنير بأشعّتها كلّ الآفاق. وإننا لنجد في تعاليم بهاءالله ظهورًا عظيمًا للحقيقة يرضي القلب والعقل وفيه يتّحد الدّين والعلم ويصبحان شيئًا واحدًا.

تحرّي الحقيقة

إنّ التّعاليم البهائيّة حول كيفيّة الوصول إلى الحقيقة تكشف عن وفاقها التّام مع العلم وتوصي بأن يحرّر الإنسان نفسه من جميع التّعصّبات لكي لا يحول بينه وبين الحقيقة حائل حين بحثه عنها. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس ما ترجمته:-

"إن أردنا نحن الوصول إلى الحقيقة وجب علينا ترك التّعصّبات ونبذ ما لا يسمن ولا يغني. وهنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى البصيرة النيّرة والعقل السّليم. فلو كان كأس وجودنا طافحًا بالأغراض الشّخصيّة لن يبقى فيه مجال لماء الحياة، وحينما نظنّ

أنّنا على حق وإنّ غيرنا على الباطل يصبح اعتقادنا هذا أعظم مانع في سبيل الإتّحاد. وإذا كنّا نبحث عن الحقيقة، وجب علينا الإتّحاد، لأن الإتّحاد هو أسّ الأساس، والسّبب في ذلك هو أنّ الحقيقة واحدة وليست هناك حقيقة تخالف حقيقة أخرى أو تعاكسها.

"إنّ النّور محبوبٌ من أيّة زجاجة سطع، والورد محبوبٌ من أيّ أرضٍ نبتت، والنّجم لامعٌ سواء أشرق من الشّرق أم من الغرب. فلا نتعصّب بل نكون عشّاقًا لشمس الحقيقة من أيّ أفقٍ طلعت. فنور الحقيقة الّذي أشرق من المسيح، سبق أن أشرق من موسى وبوذا. هذا هو مقصودنا من تحرّي الحقيقة.

"فنستنتج من هذا إنّنا جميعًا يجب أن نلقي بما سمعناه، ونترك جانبًا كلّ مانع يمنعنا عن الوصول إلى الحقيقة. ويجب أن لا يصعب الأمر علينا حتى ولو اقتضى الأمر أن نشرع بتربية أنفسنا من جديد. ويجب أن لا نحصر حبّنا في دين واحد أو في شخص واحد فيكون ذلك سببًا في احتجابنا، وأن لا نتقيّد بالتّقاليد، بل يجب أن نتحرّر من هذه القيود، ونتحرّى الحقيقة بفكرٍ حرٍّ، حتى تنجلي لبصائرنا ونصل إلى المقصود"( ).

مذهب اللاّأدرية الصّحيح

تتّفق التّعاليم البهائيّة مع العلم ومع الفلسفة فى التّصريح بأنّ طبيعة الله فوق إدراك البشر بكل معنى الكلمة. وكما يؤكد العالم

توماس هكسلي والفيلسوف هربرت سبنسر بأنّ طبيعة العلّة الأولى العظمى مجهولة، يؤكّد بهاءالله قوله تعالى "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"( )، وبأنّ "السّبيل مسدود والطّلب مردود" لعرفان حقيقة الألوهيّة. إذ كيف يستطيع المحدود أن يدرك غير المحدود؟ وكيف تستطيع القطرة أن تستوعب البحور؟ أو كيف تستطيع ذرّة الهباء الرّاقصة فى حزمة الضّياء أن تحتضن الكون؟ ومع هذا فإنّ جميع الكون ناطق بوجود الله. وقد سُترت فى كلّ قطرة بحور من المعاني، وستر فى كلّ ذرّةٍ من الهباء عالم كامل من العظائم يفوق إدراك أعظم العلماء. فعلماء الكيمياء والفيزياء الّذين يتابعون بحوثهم حول طبيعة المادّة قد انتقلوا من الكتلة إلى الجزيء ومن الجزيء إلى الذرّة ومن الذرّة إلى الإلكترون ومن الإلكترون إلى الأثير، ولكنّهم فى كلّ خطوة شاهدوا أنّ مصاعب البحث تزداد إلى أن تصل إلى حدّ لا تستطيع اختراقه أرجح العقول، فتنحني إجلالاً في رهبة وصمت أمام غير المحدود المجهول الّذي يبقى ملتحفًا في سرّه الغامض المصون. وقد قال الشّاعر الانجليزي تينيسون:

"أيّتها الزّهرة المختبئة في شقّ الجدار! ها أنا اقتلعتك من مكمنك. وها أنت في قبضتي بكاملك جذرًا وزهرًا. أيّتها الزّهرة الصّغيرة! ليتني أعرف ما أنت: جذرًا وزهرًا، وأعرف كلّ شيء عنك! فلو عرفت ذلك، لعرفت حقيقة الله وحقيقة الإنسان".

فإذا كانت أعظم العقول البشريّة قد عجزت عن عرفان حقيقة الزّهرة وكينونتها وعن عرفان الذّرة وما تحتويه من الأسرار

المكنونة، فكيف يستطيع الإنسان أن يحيط بالكون! أو كيف يستطيع أن يدّعي بأنّه يحيط بالعلّة الأولى لجميع الأشياء أو يصفها؟ فجميع تصورات اللاّهوتيين حول طبيعة وجود الله هباء منثور لا معنى لها ولا ثمرة منها.

معرفة الله

وإذا كانت طبيعة ذات الله مجهولة، فإن مظاهر رحمته مشهودة في كلّ مكان. وإذا كان من المستحيل إدراك العلّة الأولى، فإن آثارها تسترعي انتباه كلّ جارحة من جوارحنا. وكما أنّ إحاطة الفنّان الخبير بلوحات رسّام تعطيه معرفة صحيحة عن كفاءة ذلك الرسّام، فكذلك معرفة الكون في كلّ مناحيه سواء أكانت معرفة الطّبيعة أو معرفة الطّبيعة البشريّة أو معرفة الأشياء المنظورة أو معرفة الأشياء غير المنظورة إنّما هي معرفة ما صنعته يد الله. وهذه المعرفة تعطي للباحث الإلهيّ معرفة حقيقيّة بعظمته واقتداره:-

"السّموات تُحدّث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلامًا وليل إلى ليل يبدي علمًا"( ).

وقال تعالى: "يسبّح له ما في السّموات والأرض"( ) وقال: "إنّ الله سخّر لكم ما في الأرض والفلك بأمره، ويمسك السّماء أن تقع على الأرض"( ).

المظاهر الإلهيّة

إنّ جميع الأشياء تعلن رحمة الله بوضوح قلّ أم كثر، كما تعكس جميع الأشياء الماديّة نور الشّمس إذا تعرّضت له قلّ أم كثر. فكومة السّخام (النيلج) تعكس نور الشّمس قليلاً، والصّخرة تعكس أكثر، وقطعة الطّباشير أكثر، ولكن لا يستطيع أيّ واحد من هذه الأشياء العاكسة أن يدلّنا على شكل الشّمس ولا على لون هذا الجرم السّماوي العظيم إلاّ المرآة، فإنّها تعكس شكل الشّمس ولونها بحيث يصبح النّظر إليها كالنّظر إلى الشّمس ذاتها تمامًا. وهكذا الأمر مع الطّريقة الّتى تتّبعها الأشياء في حديثها لنا عن الله: فالصّخر يستطيع أن يخبرنا قليلاً عن الصّفات الإلهيّة، والزّهرة تستطيع أن تخبرنا أكثر، والحيوان بحواسه الرّائعة وغرائزه العجيبة وقوة حركته المدهشة يخبرنا أكثر. ونستطيع أن نشاهد في أحطّ إخواننا البشر قابليّات عجيبة تخبرنا عن وجود خالق عظيم، ولكنّنا نجد فى الشّاعر والقدّيس والنّابغة تجلّيات أعلى. وليس الرّسل العظام ومؤسّسوا الأديان إلاّ مرايا كاملة ينعكس منها حبّ الله وحكمته انعكاسًا شديدًا على سائر البشر، وإنّ مرايا سائر البشر ملوّثة بلطخات الأنانيّة وغبار التعصّب لكن مرايا هؤلاء الرّسل نقيّة لا شائبة فيها، وهي خالصة لإرادة الله إخلاصا كاملاً تامًّا، ولهذا نراهم قد أصبحوا أعظم المربّين للجنس البشريّ، وأصبحت التّعاليم إلهيّة وقوّة الرّوح القدس الّتي تفيض منهم سببًا في تقدّم الإنسانيّة، لأنّ الله يساعد البشر عن طريق بشر آخرين. وكلّ إنسان

أسمى في مدارج الحياة يكون وسيلة لمساعدة من هم دونه. وإنّ أعلى النّاس يساعدون الإنسانيّة جمعاء. فكأنّ البشر جميعهم مرتبطون ببعضهم بحبال مطّاطيّة، فإذا ارتفع إنسان قليلاً فوق مستوى رفاقه البشر اشتدّت الحبال المطّاطيّة، وحاول رفاقه الأقدمون سحبه إلى الوراء، لكنّه يسحبهم إلى الأعلى بقوّةٍ تفوق قوّتهم، وكلّما ارتفع إلى الأعلى شعر بثقل جميع العالم يحاولون إعادته إلى الوراء، وازداد هو اعتمادًا على الاسناد الالهىّ الّذي يصله عن طريق القليلين ممّن هم أعلى منه. وفوق الجميع يقف الرّسل العظام والمنقذون والمظاهر الإلهيّة وهم البشر الكاملون، وكان كل واحد منهم في يومه لا مثيل له ولا قرين، وقد حمل ثقل العالم كلّه وحيدًا دون سند يسنده إلاّ الله. وقد صدق بحقّ كلّ منهم "إنّه كان يحمل ثقل ذنوبنا" وكان كلّ واحد منهم "الطّريق إلى الحقيقة وإلى الحياة" بالنّسبة لأتباعه. وكان كلّ واحد منهم قناة الرّحمة الإلهيّة لكلّ قلب أراد الحصول عليها. وقد لعب كلّ واحد دوره في الخطّة الإلهيّة العظمى المرسومة من أجل رفعة الإنسانيّة.

الخليقة

يعلّمنا بهاءالله أنّ الكون لا بداية له في الزّمان، وأنّه انبعاث أبديّ من العلّة الأولى العظمى. وقد كانت للخالق أبدًا مخلوقاته وسيبقى دائمًا وله مخلوقاته. وقد تأتي عوالم وأنظمة ثم تذهب، ولكنّ الكون باق. وكلّ شيء يناله التّركيب سوف يناله في وقته التّحليل، ولكنّ عناصر التّركيب باقية. فخلق العالم أو الزّهرة أو الجسم البشريّ ليس صنع شيء من لا شيء بل هو اجتماع للعناصر

الّتي كانت سابقًا متناثرة، فظهر شيء كان في السّابق مكنونًا. وسوف تتناثر العناصر شيئًا فشيئًا ويختفي الشّكل، ولكنّ شيئًا ما في الحقيقة لن يضيع ولن يفنى. ولطالما ظهرت تراكيب جديدة وأشكال جديدة من بقايا انقاض تراكيب قديمة وأشكال قديمة. ويؤيّد بهاءالله ما ذهب إليه العلماء الّذين ادّعوا أنّ تاريخ خلق الأرض لا يعود إلى ستة آلاف سنة بل إلى ملايين وألوف الملايين من السّنين. ولا تنكر "نظريّة النّشوء والارتقاء" قوّة الخالق بل تحاول فقط وصف طريقة ظهور مظاهر تلك القوّة الخالقة وأنّ قصّة الكون العجيبة الّتي يكتشفها الفلكيّون والجيولوجيّون والفيزيائيّون وعلماء الأحياء كشفًا تدريجيًّا أمام عيوننا قصّة لها قيمتها العظيمة وقصّة تثير احترامنا وعبادتنا أكثر ممّا تثيره القصّة السّاذجة الّتي وردت في أسفار العبرانيّين. فالقصّة القديمة عن الخليقة في سفر الخروج تفيدنا ولا شكّ في إشارتها إلى خطوط الرّموز القليلة البسيطة الّتي ترمز إلى المعاني الرّوحانيّة الأساسيّة للقصّة كما يستطيع الرسّام الماهر بخطوط قليلة من ريشته أن يحمل إلينا تعابير قد يعجز عن إبرازها رسّام مثابر آخر مع كلّ اهتمامه بالتّفاصيل عجزًا تامًّا. وإذا كانت التّفاصيل الماديّة تعمينا عن المعاني الرّوحانيّة فالأحسن لنا أن نستغني عنها، ولكنّنا إذا توصّلنا إلى المعنى الأساسيّ لجميع الخطّة الرّوحانيّة فعرفاننا بعد ذلك بالتّفاصيل يزيد إدراكنا ثروة وبهاء، ويكوّن لنا صورة رائعة بدلاً عن تخطيط موجز.

ويقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-

"اعلم أنّه لا يمكن أن يتصوّر مربّ بدون تلاميذ، ولا يتحقّق وجود ملك بلا رعيّة، ولا معلّم بغير متعلّم، ولا يمكن وجود خالق بدون مخلوق، ولا يخطر بالبال رازق من غير مرزوق، لأنّ جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة تستدعي وجود الكائنات. فلا نتصوّر أنّ الكائنات عامّة لم تكن موجودة وقتًا ما، فهذا التّصوّر إنكار لألوهيّة الله. وفضلاً عن هذا، فالعدم المطلق غير قابل للوجود. فلو كانت الكائنات عدمًا مطلقًا لما تحقّق الوجود. ولمّا كان وجود ذات الأحديّة – أي الوجود الإلهيّ – أزليًّا سرمديًّا، يعني لا أول له ولا آخر، فلا بدّ وأنّ عالم الوجود يعني هذا الكون الّذي لا يتناهى لم تكن ولن تكون له بداية. نعم قد يصحّ ويمكن أن يوجد جزء من أجزاء الممكنات أي جرم من الأجرام مثلاً أو أن يتلاشى بينما بقيّة الأجرام اللاّمتناهية تظلّ موجودة. فعالم الوجود أبديّ لا ينعدم. وحيث أنّ لكلّ جرم من هذه الأجرام بداية فلا بدّ له من نهاية، لأنّ كلّ تركيب سواء كان جزئيًّا أم كلّيًّا لا بدّ له من أن يتحلّل. وغاية ما هنالك هو أنّ بعض المركّبات سريع التّحليل وبعضها بطيء التّحليل، وإلاّ فلا يمكن أن يتركّب شيء ولا يتحلّل. إذًا يجب أن نعلم كيف كان كلّ موجود من الموجودات العظيمة في أوّل أمره"( ).

تطوّر الإنسان

يؤيّد بهاءالله علماء الأحياء الّذين وجدوا أنّ جسم الإنسان يعود

في تطوّره إلى نوع عاش قبل ملايين السّنين. فالجسم البشريّ وقد بدأ بشكل بسيط تافه في ظاهره قد تطوّر في مراحل خلال أجيال لا تعدّ، وازداد تعقيدًا وتحسّنًا في تكوينه إلى أن بلغ إلى الإنسان الحاضر. ويتطوّر كلّ جسم بشريّ في بطن أمّه في سلسلة مراحل من مضغة أشبه بمادّة هلاميّة إلى رجل كامل. فإذا صحّ هذا على الفرد الإنسانيّ بما لا ينكره أحد، فلماذا نعتبر تطوّر النّوع الإنسانيّ على الأرض شيئًا مشينًا برفعة الإنسان وكرامته؟ وهذا موضوع يختلف تمامًا عن موضوع انحدار الإنسان من القرد. فقد يشبه جنين الإنسان يومًا ما سمكة ذات ذنب وخياشيم، ولكنّه ليس بسمكة بل هو جنين بشريّ. وكذلك النّوع البشريّ ربّما يشبه في تطوّره كما تراه أعيننا في الظّاهر نوعًا من الحيوانات الواطئة، لكنّه كان في ذاته نوعًا بشريّا يمتلك القوى الكامنة الخفيّة الكفيلة بتطوّره إلى الإنسان الحاضر الّذي نراه اليوم، بل ونحن واثقون من أنّه سيتطوّر في المستقبل إلى إنسان أعلى وأسمى من الإنسان الحاضر بكثير، ويقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:-

"من الواضح إنّ هذه الكرة الأرضيّة تكوّنت في رحم العالم، ونشأت ونمت ومرّت بصور وحالات مختلفة حتى وصلت بالتّدريج إلى كمالها وتزيّنت بمكوّنات غير متناهية وتجلّت في نهاية الاتقان. إذًا اتّضح أنّ تلك المادّة الأصليّة الّتي هي بمنزلة النّطفة كانت عناصرها المركّبة ممتزجة امتزاجًا أوّليًّا، وهذا التّركيب نشأ ونما بالتّدريج في الأعصار والقرون، وانتقل من شكل وهيئة إلى شكل وهيئة أخرى حتّى بلغ هذا الكمال والنّظام والتّرتيب والإتقان

بحكمة الله البالغة. والآن فلنرجع إلى مسألة أنّ الإنسان في بدء الوجود نشأ ونما تدريجيًّا في رحم الكرة الأرضيّة كالنّطفة في رحم الأمّ وانتقل من صورة إلى صورة ومن هيئة إلى هيئة حتّى تجلّى بهذا الجمال والكمال وهذه القوى والأركان. ويقينًا أنّه ما كان في البداية بهذه اللّطافة والجمال والكمال، بل وصل بالتّدريج إلى هذه الهيئة والشّمائل والحسن والمَلاحة كنطفة الإنسان في رحم الأمّ. ولا شكّ أن النّطفة البشريّة ما أخذت هذه الصّورة دفعة واحدة وما كانت مظهر قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، لهذا أخذت حالات متنوّعة بالتّدريج وظهرت في هيئات مختلفة حتّى تجلّت بهذه الشّمائل وهذا الجمال والكمال والحسن واللّطافة. إذًا صار من الواضح المبرهن أنّ نشوء الإنسان ونموّه على الكرة الأرضيّة حتّى بلغ هذا الكمال كان مطابقًا لنشوء الإنسان ونموّه في رحم الأمّ بالتّدريج وانتقاله من حالٍ إلى حالٍ ومن هيئةٍ وصورةٍ إلى هيئةٍ وصورةٍ أخرى، حيث أنّ هذا بمقتضى النّظام العامّ والقانون الإلهيّ الكلّيّ. يعني تمرّ نطفة الإنسان بحالات مختلفة ودرجات متعدّدة حتّى ينطبق عليها قوله تعالى: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، وتظهر فيها آثار الرّشد والبلوغ. وعلى هذا المنوال كان وجود الإنسان على هذه الكرة الأرضيّة من البدء حتّى وصل إلى هذه الحال من الهيئة وجمال الأخلاق بعد أن مضت عليه مدّة طويلة واجتاز درجات مختلفة، ولكنّه من بدء وجوده كان نوعًا ممتازًا. كذلك نطفة الإنسان في رحم الأمّ كانت في أوّل أمرها بهيئة عجيبة فانتقل هذا الهيكل من تركيب إلى تركيب ومن هيئةٍ إلى هيئةٍ ومن صورةٍ

إلى صورةٍ حتّى تجلّت النّطفة في نهاية الجمال والكمال. وحتّى لمّا أن كانت في رحم الأمّ وفي تلك الهيئة العجيبة الّتى تغاير تمامًا ما هي عليه الآن من الشّكل والشّمائل، فإنّها كانت نطفة نوع ممتاز لا نطفة حيوان، وما تغيّرت نوعيّتها وماهيّتها أبدًا. وعلى فرض تحقّق وجود أثر لأعضاء تلاشت، فإنّ هذا لا يكون دليلاً على عدم استقلال النّوع وأصالته. وغاية ما هنالك أنّ الهيئة والشّمائل والأعضاء الإنسانيّة قد ترقّت، ولكنّه كان نوعًا ممتازًا أيضًا. فقد كان إنسانا لا حيوانًا. مثلاً: لو انتقلت نطفة الإنسان في رحم الأمّ من هيئةٍ إلى هيئةٍ بحيث لا تشابه الهيئة الأولى بأي حال فهل يكون هذا دليلاً على أنّ النّوعيّة قد تغيّرت بأن كانت في البداية حيوانًا ثمّ نشأت أعضاؤها وترقّت حتّى صارت إنسانا؟ لا والله"( ).

وأمّا بخصوص قصّة آدم وحوّاء، فيقول عبدالبهاء في كتاب المفاوضات:

"لو أخذنا هذه الحكاية حسب المعنى الظاهريّ للعبارات وحسب المصطلح عليه بين العامّة، لكانت في نهاية الغرابة، ويستحيل على العقل أن يقبلها ويصدّقها ويتصوّرها، لأنّ ترتيبًا وتفصيلاً وخطابًا وعتابًا كهذا بعيد أن يصدر من شخص عاقل فكيف به من الحضرة الإلهيّة؟ الّتي رتّبت هذا الكون اللاّمتناهي على أكمل صورة وزيّنت هذه الكائنات الّتي لا عداد لها بمنتهى النّظم والإتقان وغاية الكمال... فحكاية آدم وحوّاء هذه وتناولهما من الشّجرة وخروجهما من الجنّة جميعها رموز ومن الأسرار الإلهيّة والمعاني

الكلّية، ولها تأويل بديع"( ).

الجسد والرّوح

إنّ التّعاليم البهائيّة الخاصّة بالجسد والرّوح وبالحياة بعد الموت تتّفق ونتائج بحوث علم النّفس، فهي تعلّمنا، كما سبق، أنّ الموت ليس إلاّ ولادة جديدة وأنّه الهروب من سجن الجسد إلى حياة أوسع، كما تعلّمنا أنّ الارتقاء بعد الموت ارتقاء لا حدود له. وقد تراكمت لدينا شيئًا فشيئًا براهين علميّة على أيدي باحثين غير متحيّزين بل وناقدين متبحّرين وهي براهين تكفي تمامًا لتبرهن بما يتجاوز حدود الشّك استمرار الحياة بعد الموت واستمرار فعّالية ووعي الرّوح بعد انحلال الجسد العنصريّ. وكما يقول العالم (مايرز) في كتابه "الشّخصيّة البشريّة" وهو كتاب لخّص فيه تحرّيات عديدة قامت بها جمعيّة البحوث النّفسية:-

"هدت المشاهدة والتّجربة والاستنتاج العديدين من الباحثين -وأنا أحدهم- إلى الاعتقاد بوجود "اتّصال حسّي متبادل" بين عقول البشر الموجودين على سطح الأرض، بل وبين عقول البشر الكائنين على سطح الأرض الآن وأرواح البشر الّذين فارقوا هذا العالم. ومثل هذا الاكتشاف يفتح لنا الباب على مصراعيه إلى "الإلهام الالهيّ".

"ولقد أثبتنا أنّ كثيرًا من المظاهر الحقيقيّة تصلنا من وراء القبور وسط الكثير ممّا نعانيه من الانخداع الذّاتي والغش والتّوهم.

"وقد ثبتت لنا مبدئيًّا عن طريق الإيحاء والاكتشافات بعض المباحث الخاصّة بالأرواح الّتي رحلت، فاستطعنا مقابلتها. وأشاهد أنا قبل كلّ شيء مجالاً للاعتقاد بأنّ حالة تلك الأرواح حالة تطوّر لا نهاية له في حكمتها وفي محبتها، ولا يزال حبّها الأرضي باقيًا وبصورة خاصّة ذلك النّوع من حبّها الّذي يعبّر عنه بطريق العبادة وهو أسمى أنواع الحبّ... وقد صار الشّر يبدو لتلك الأرواح شيئًا حقيرًا أكثر من أن يكون شيئًا مرعبًا. ولا يتجسّد الشّر أيّ روح من الأرواح المقتدرة القويّة بل يؤلّف نوعًا من الجنون يعزل بعض النّاس عن إخوانهم، فتحاول الأرواح العليا أن تحرّر منه النّفس المصابة به والمشوّهة منه. ولا حاجة إلى العقاب بعذاب النّار، فمعرفة الإنسان نفسه هي عقاب المرء وجزاؤه، ومعرفة الإنسان نفسه وقربه أو بعده عن تلك الأرواح العليا هي عقاب المرء وجزاؤه لأنّ الحبّ في ذلك العالم هو في الواقع ملاذ وملجأ للذّات، وإنّ الاتّصال بالقدّيسين لا يعطي الحياة الأبديّة زينتها فحسب بل هو الّذي يكوّنها ويؤلّفها. وينحدر كذلك من قانون "الاتّصال الحسّي المتبادل" أنّ الاتصال بتلك الأرواح ممكن الآن على هذه الأرض، فننال الآن من محبّة الأرواح المتصاعدة الجواب على توسّلاتنا وتضرّعاتنا لها. وإنّ ذكرى حبّنا للأرواح المتصاعدة - والحبّ بذاته صلاة ومناجاة – يقوّي تلك الأرواح ويسندها وهي في طريق تساميها".

ومن المدهش حقًّا أن نرى الوفاق والتّشابه بين هذا الرّأي المبنيّ على البحث العلميّ الدّقيق وبين التّعاليم البهائيّة الخاصّة به.

وحدة العالم البشريّ

إنّ من أشهر الكلمات المأثورة عن بهاءالله، والّتي بها تميّزت رسالته وتفرّد ظهوره بين الظّهورات الإلهيّة السّالفة، هذه الكلمات "كلّكم أثمار شجرةٍ واحدةٍ وأوراق غصنٍ واحدٍ"( )، ومثلها كلماته: "ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحبّ العالم"( ). فالوحدة-وحدة الجنس البشريّ ووحدة جميع المخلوقات في الله- هي الموضوع الأساسيّ من بين مواضيع تعاليمه. وهنا يتجلّى مرّة أخرى الوفاق بين الدّين الحقيقيّ والعلم: فقد ثبت بكلّ برهان عن طريق التّقدّم العلميّ أنّ الكون وحدةً واحدةً وأنّ أجزاءه يعتمد بعضها على البعض الآخر. فحدود عمل الفلكيّ لا يمكن فصلها عن حدود عمل الفيزيائيّ، وحدود عمل الفيزيائيّ لا يمكن فصلها عن حدود عمل الكيميائيّ، وهذا عن حدود عمل عالم الأحياء، وعالم الأحياء عن العالم النّفسيّ، وهلمّ جرّا. وإنّ كلّ اكتشاف جديد في أيّ حقل من حقول البحث العلميّ يلقي نورًا جديدًا على الحقول الأخرى. وكما أثبت علم الفيزياء أنّ كلّ جزء من الكون يجذب الجزء الآخر ويؤثّر عليه مهما كان دقيقًا في حجمه أو بعيدًا، فكذلك يثبت علم النّفس أنّ كلّ روح في الكون تؤثّر في أيّ روح أخرى. ويكشف الأمير "كروبوتكين" في كتابه "العون المتبادل" عن وجود تعاون متبادل بين أحطّ الحيوانات ضروريّ

لاستمرارها في الحياة. أمّا بين بني الإنسان فإنّ تقدّمهم الحضاريّ يتوقّف على استعاضتهم العون المتبادل مكان العداوة المتبادلة استعاضة متزايدة. والمبدأ القائل: "الفرد يحيا من أجل المجموع والمجموع يحيا من أجل الفرد" هو المبدأ الوحيد الّذي تستطيع به الجامعة البشريّة أن ترقى وتتقدّم.

عصر الاتّحاد

تدلّ جميع "علامات الأزمنة" على أنّنا نعيش في فجر عصر جديد من تاريخ البشريّة. ولقد كان فرخ نسر البشريّة متعلّقًا حتّى زماننا الحاضر بوكره القديم فوق صخرة الأنانيّة الصّمّاء والماديّة المقيتة، وقد كانت جميع محاولاته في استعمال أجنحته يحفّ بها الخجل والتّردد. وما استقرّ له قرار أبدًا في شوقه للوصول إلى ما لم يبلغه. وطال عليه الأمد في سجن عقائده القديمة وتعصّباته. إلاّ أنّ عصر سجنه قد انتهى. ويستطيع الآن أن يحلّق بأجنحة الإيمان والعقل إلى آفاق عليا من الحقيقة والمحبّة الرّوحانيّة. ولن يطول ارتباطه بالأرض كما كان قبل نموّ أجنحته، بل سيحلّق كما شاء إلى أقاليم بعيدة المدى بأبهى حرّية وانطلاق. إلاّ أنّ هناك شيئًا واحدًا ضروريًّا يجب أن يتوفّر له إذا قُدّر له أن يطير طيرانًا ثابتًا وطيدًا، هو أنّ أجنحته لا يكفيها أن تكون قويّة بل يجب أن يكون عملها متوافقًا ومنسجمًا. ويقول عبدالبهاء:-

"لا يمكن الطّيران بجناحٍ واحدٍ، فلو طار بجناح الدّين فإنّه يحطّ في حقل الخرافات، ولو طار بجناح العلم فإنّه يغوص في مستنقع

الماديّة الوبيل"( ).

هذا وإنّ الوفاق التّام بين الدّين والعلم شرط أساسيّ لحياة الإنسان حياة رفيعة. وعندما يتحقّق هذا الشّرط ويتربّى كلّ طفل لا على دراسة العلوم والفنون فحسب بل على حبّ جميع الإنسانيّة والطّاعة المطلقة لإرادة الله الّتي أوحت بها تعاليم الرّسل في مدارج التّطور الرّوحانيّ البشريّ فحينذاك وحينذاك فقط سيأتي ملكوت الله، وتكون إرادته على الأرض كما هي على السّماء. وحينذاك وحينذاك فقط تفيض بركات الصّلح الأعظم على العالم. فيقول عبدالبهاء في إحدى خطاباته في باريس ما تلي ترجمته:-

"عندما يتجرّد الدّين تجرّدًا تامًّا من جميع الخرافات والتّقاليد والمعتقدات البليدة، يلوح تطابقه ووئامه مع العلم، كما يلوح النّور المبين، وعندئذٍ تتجلّى قوّة موحدّة عظيمة تكتسح من أمامها كلّ الحروب والاختلافات والمنازعات والمشاحنات، وعندئذٍ يتّحد الجنس البشريّ بقوّة محبة الله"( ).

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى