منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

هجــرة العشــّـاق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 هجــرة العشــّـاق في 2010-12-23, 10:28

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
قصة هجرتي إلى الجزيرة العربية، ثم الرجوع إلى إيران، وحادثة الليلة التي قبضوا فيها على زوجي وإبنتي وقادوهما إلى السجن ....
للسيدة: فرخندة محمودنژاد

ولدتُ في سنة 1940 ببلدة "نصرآباد" في ضواحي مدينة "يزد" في إيران.. كان والداي كلاهما يعملان في مجال التدريس.. تزوجّا عن حبّ. ورزقا بأربعةٍ من البنين والبنات، كان ترتيبي الثانية.. كان والدي معروفاً بـ "أستاذ شهريار". توظف فيما بعد في وزارة العدل. ووالدتي أصبحت ربة بيت.. عند بلوغي عامي التاسع من العمر، فارقت والدتي الحياة، إثر نوبةٍ قلبية.. صرنا نحن "إبنين وبنتين" في رعاية جدّينا.. تزوج والدي مرةً أخرى، بعد أربعة أشهر من وفاة والدتي، ورزق منها بأربعٍ آخرين "إبنين وبنتين"، كلهم في ظل الأمر المبارك. عندما بلغت عامي الرابع عشر، إنتقلت من يزد إلى "آبادان" للعيش مع والدي وخالتي.. هناك بدأت أحضر جلسات جناب "فاضل مازندراني" وأتعرف على الكثيرين من أقراني.. كنتُ مفعمةً بحيوية الشباب، وإلى جانب ذلك كان تشجيع المبلغين المستمر في حث الشباب على القيام بالهجرة، يثير حماسي أكثر فأكثر.. لذلك كنتُ أتوجه في صلواتي إلى الجمال المبارك رجاءَ أن يوفقني بالهجرة. وأطلب من الله القدير أن يجعل توفيق الهجرة من نصيبي.. كان خالي قد هاجر في بداية خطة "السنوات العشر" إلى إمارة "قطر".. كنت أعزّه وأقدّره تقديراً عالياً.. وأنظر إليه على أنه "بطل" إذ وُفِقَ بخدمةٍ كتلك.. في أحد الأيام وبينما كنت على سطح المنزل وأستمع إلى صفارة الباخرة التي كان طاقمها بصدد رفع مرساتها لتنطلق نحو المحيطات، خفق قلبي خفقاناً شديداً، بدأت أقرأ الدعاء والمناجاة وسط سيلٍ من العبرات والأنين، وقلت: يا إلهي القدير، هل من الممكن أن أهاجر أنا أيضاً مع إحدى هذه السفن؟ منذ سنتين وأنا أناجيك وأرجوك. متى ستجيبني؟. ومتى سأصل إلى هدفي؟ هل أنا غير لائقة؟ متى ستضع مرهماً لجرح قلبي الحزين؟.. لن أنسى أبداً كيفية ذلك اليوم الذي بكيت فيه كثيراً، والكيفية التي تمنيت القيام بالهجرة والخدمة.. نزلت من على سطح البيت.. في جلسةٍ من جلسات جناب فاضل مازندراني دار الحديث حول الهجرة. فقلت لأستاذي العزيز: كيف يمكن لنا نحن الفتيات أن يشملنا هذا الفيض العظيم من إشتياقنا لذلك؟". قال الأستاذ بإبتسامةٍ لطيفة: "إنها ليست بمشكلة. تزوجي من أحد هؤلاء الفتيان الذين ينوون تشكيل أسرة، وإخدما معاً جنباً إلى جنب".
كانت هذه فكرة جديدة، ولكن كيف يمكن تنفيذها؟! عدت إلى البيت مع سيارة الأجرة. وصعدتّ مرةً أخرى إلى السطح، مأمني وملاذي الوحيد. بدأت أتمشى وأفكر وأقول لنفسي: كيف؟ وبأي شكل؟ الفتاة لا تقدر أن تتقدم وتطلب يد الفتى! أيّ دربٍ أرشدني إليه هذا الأستاذ الجليل؟ تمشيتُ قليلاً، نزلتُ من على السطح يائسة. وجدت أن والدي وخالتي ينظران إلى بعضهما تارةً وإليّ تارةً أخرى، ويضحكان ويشير كل واحدٍ منهما إلى الآخر.. خالتي أعطتني ظرفاً به صورة ورسالة.. قرأتُ تلك الرسالة بكثيرٍ من الإستيحاء الخاص بالفتيات في تلك المرحلة من العمر، وكذلك شاهدتًُ تلك الصورة. أجل كنتُ قد بلغت مرادي، إذ كان خالي هو الذي بعث بتلك الرسالة من قطر، والصورة كانت لـ "يدالله محمودنژاد" الذي كان قد أبدى رغبته بالزواج مني. هل تقدرون أن تتصوروا الحالة التي كنتُ فيها؟ من جهةٍ صرت مسرورةًً جداً، إذ كنتُ سأقوم بالهجرة ومن جهةٍ أخرى إستولى عليّ حياء الفتيات. كان والدي ينتظر رداً مني، وأنا كنتُ صامتـة وغارقـة في الأفكار. كنتُ أفكر في الخدمـة والهجـرة.. إذ ذاك إعتبر والدي سـكوتي علامة الرضاء. وفي الحقيقة أنه كان كذلك. إستغرق الإستعداد للسفر إلى قطر، قرابة شهرين من الوقت، كإستخراج جواز السفر ورخصة الخروج .. و.. و. كنتُ قد تعرفت من خلال رسائل خالي إلى أسرة "حبيب الله جابري" التي كانت لها عدة فتيات، سافرت برفقة تلك الأسرة في أغسطس سنة 1958 عن طريق ميناء آبادان البحري إلى قطر.. إستغرق السفر مدة 5 أو 6 أيام.. كان البحر هادئاً والسفينة تمخر عباب الماء بشكلٍ رتيب.. كنتُ أنظر إلى خضرة البحر وأفكر في جماله وسكونه، وتمنيت في باطني أن تكون عينا زوج المستقبل خضراوان، وتكونا كالبحر عمقاً وهدوءً.. ثم أطلقتُ ضحكةً عالية، إذ لم أكن حتى ذلك اليوم أعير أدنى إهتمام لتلك المظاهر.. كانت كل إهتماماتي وأفكاري محصورة في الخدمة والهجرة.. لم أكن أعرف من أيّ بلدٍ هو؟ لم يكن يهمني هيكله أو شكله أو أسرته أو أي شيءٍ آخر.. المهم في نظري أنه مهاجر وقائم على الخدمة، كنتُ أهتم بهذا الجانب فقط.. كانت أسرتي تدين (في السابق) بالزرادشتية، وكانت السّنة المتبعة تفرض وتحتم أن يكون كلا طرفي الزواج زردشتياً.. وكنتُ أول من تخرق هذه السّنة الموروثة.. فيما بعد عندما ذهبت مع زوجي لزيارة خالتي، كان الزرادشتيون ينظرون إلينا ويتحدثون إليه بالزرادشتية.. وبما أن السيد محمودنژاد كان ضليعاً بعلم النفس ويتمتع بروح الدعابة، فقد كان يهز رأسه إحتراماً لهم ويتحدث إليهم بكل حفاوة، وكانت نتيجة ذلك السلوك أن قال الزرادشتيون لخالتي أن السيد محمودنژاد أحسن خلقاً منا نحن الزرادشتيين* خلاصة القول رست السفينة في ميناء "الدوحة" بقطر.. بعد ساعةٍ واحدة جاء خالي والسيد محمودنژاد إلى قمرتنا في السفينة.. أولاد السيد جابري الذين كانوا يعرفون السيد محمودنژاد من قبل، ألقوا بأنفسهم في حضنه بل في الواقع تسلقوه.. كان يعشق الأطفال، والأطفال يعشقونه.. أخيراً وبنفس الوضع قابلني السيد محمودنژاد وصافحني.. عندما نظرت إلى عينيه خفق قلبي وإهتز طرباً، إذ كانت عيناه خضراوان أي بلون البحر وعمقه كما تمنيت.. تفاءلت بذلك خيراً.. لحظتها عقدت عهداً مع الجمال المبارك، ورجوته أن يمنحني قدرةً وقوة لأكون زوجةً جيدة ولائقةً به على أكمل وجه وبشكل اللائق، ويشتغل كل واحدٍ منا على عبودية عتبة الحق.. ولا نهدأ إلى آخر دقيقةً من حياتنا ولا نستريح. فيما بعد، عندما كنا نتحدث معاً، كان هو يضيف هذه الجملة ويقول "لنفدِ روحنا دون تردد".
في تلك الأيام كانت هذه الجملة ثقيلة بالنسبة لي.. ولكنني اليوم أدركت مغزاها.. في قطر نزلت ضيفة على خالي "عزيزالله تشكري"، كان إستقبال زوجة خالي متسماً بالحفاوة.. كان السيد جابري وأفراد أسرته -أيضاً- مدعوين لمأدبة الغذاء المقامة في منزل خالي وزوجته.. في تلك الليلة تحدثنا مع بعضنا البعض.. وتبادلنا الأفكار.. تقرر أن تقام مراسم الخطوبة في اليوم التالي.. وجعلوا بداية التاريخ، اليوم الذي رأيت فيه صورته الفوتوغرافية.. لم يكن بقي لدينا متسع من الوقت لعقد القِران.. فلذلك قام محفل قطر الروحاني بعقد قراننا .. قررنا أن ننجب من الأطفال إثنين فقط.. حتى نستطيع أن نخدم الأمر الأعظم أكثر فأكثر.. وأن نحب أطفال الجامعة وشبابها مثل أولادنا، ونكون مرشداً وصديقاً وحبيباً ومعيناً لهم.. وأن لا نهدأ دقيقة ولا نسترح، ولنفدِ أرواحنا وما في وسعنا في سبيل أمره المبرم.. مع هذه الأمنية ومع هذا النهج، بدأنا حياتنا الزوجية في بيتٍ كان عبارة عن غرفةٍ واحدة.. البيت الذي كنا نعيش فيه كان يتكون من أربع غرف، وتسكن فيه أربع عائلات.. كل أسرة تعيش في غرفة واحدة.. كان جو قطر حاراً جداً.. كان الماء يُجلب إلينا حملاً على الأكتاف.. ويتكلف كل دلوٍ من الماء مبلغاً لا بأس به من المال.. كان يجب علينا أن نستخدمه بكل حرصٍ وإقتصاد.. خلاصة القول أنه ورغم هذا الوضع والنهج، كنا نعيش بكل سرورٍ وإبتهاج وتوكلٍ متوسلين إلى الله.. كان المهاجرون في قطر، أكثرهم من فئة الشباب إلا عدداً محدوداً منهم.. كانت أواصر الود والمحبـة فيما بينهم قويـة.. بحيث كانـوا وكأنهم ينتمون إلى أسرةٍ واحدة.. وهذا المنهج في المعيشة كان بالنسبة لي أمراً مثيراً للإهتمام.. وفي غاية الروعة.. بعد سنة وعدة أشهر رزقنا بطفلتنا الأولى.. والدها هو الذي إختار إسمها وسماها "ترانة".. كانت عينا ترانة أيضاً كعيني والدها خضراوان كلون مياه البحر.. وكان كل من يرانا، يبدأ بترنيم أغنية "اين آخرين ترانه ى من است" هذه أغنيتي الأخيرة.. هذه علامتي الأخيرة.. ولكن السيد محمودنژاد كان يرد عليهم بتحريف كلمات الأغنية ويقول "هذه أغنيتي الأولى، هذه علامتي الأولى".
عقد في نفس السنة في قطر المؤتمر الروحاني المركزي.. وكان مضيف المؤتمر "السيد علائي".. كان السيد علائي يسكن معنا في نفس البيت بجوار غرفتنا.. عندما كان الأحباء يأتون من كل مكان إلى منزلنا، كان ذلك يوجد فينا سروراً وبهجة.. كنا نستقبلهم بكل حفاوة ونستمتع بلقائهم، ونشكر الجمال المبارك على كل هذه المحبة والإخلاص والصداقة التي أوجدها في قلوبنا مما جعلنا كروحٍ واحدة في عدة أجساد.. عندما كنا على مائدة الغذاء وكان كل واحدٍ من الأحباء يتحدث عن مكان هجرته، وعن مشكلة النقص في عدد المهاجرين الجدد، وعن أن اليمن يجب أن يتشكل فيها المحفل الروحاني في السنة القادمة، أثار ذلك إهتمامنا، وإتفقنا نحن الثلاثة "أنا والسيد محمودنژاد وترانه" أن نهاجر إلى اليمن، وأن نكمل عدد أعضاء محفل اليمن الروحاني.. وفعلاً وبعد مضي أشهرٍ معدودات عزمنا على الهجرة إلى اليمن.. تركنا دكاننا وأثاث بيتنا في قطر.. سافرنا مع قليل من الأمتعة الضرورية، بواسطة باخرة نقل يابانية صوب "عدن" اليمن.. في الباخرة تعرفنا على عائلة هندية.. لم يكونا قد أنجبا بعد.. ولتحقيق أمنيتهما تلك، كانا قدما إلى إيران لزيارة مشهد المقدس، مزار الإمام رضا عليه السلام.. زوجي بلغهما الأمر المبارك.. فآمنا بالأمر المبارك بكل إخلاص، وأقسما يميناً على أنهما بعد وصولهما إلى الهند سوف يتصلان بأحد الأحباء هناك.. كنا معهما بالباخرة لتسعة أيام، كنا مرتاحي البال من ناحية ترانة.. إذ كان الزوجان يهتمان ويعتنيان بها بكل همةٍ ومحبة.. بدأت ترانة تخطو أولى خطواتها على ظهر تلك السفينة، حيث كانت تبلغ من العمر وقتذاك أحد عشر شهراً.
أريد أن أكتب شيئاً ولا أدري كيف سيكون إنطباعكم تجاه ذلك؟ وكيف ستفكرون؟.. ولا أدري بماذا ستسمون ذلك في أذهانكم؟ التسامح؟ التضحية؟ الإيثار؟ المحبة والعشق؟.. في اليوم الأخير من رحلتنا وعندما أردنا أن نغادر الباخرة، كان الزوج والزوجة يحتضنان ترانة الصغيرة ذات العينين الخضراوين، ترانة الجميلة ويذرفان دموعاً.. لا تسأل عن مدى تعلقهما بها وعن حزنهما لفراقها؟ كانت لهما حالة تبكي لها الصخرة الصماء.. ناهيك عن قلب السيد محمودنژاد الحسّاس الذي كان يتألم من عشق وهيام هذين الزوجين تجاه طفلته الوحيدة الصغيرة.. السيد محمودنژاد أيضاً كان بدوره يبكي ويشاركهما حزنهما ويشعر بما يشعران من مرارة الفراق.. فقام فجأة ونظر إليّ نظرة قائلاً: "قسماً بالله يا فرخندة إن وافقتي أنتِ فإني أهبّ عزيزة قلبي وروحي وأمل حياتي طفلتي ترانة أهبها لهما كي نتحمل نحن ألم الفراق بدلاً منهما".. هنا أدركتُ حقيقة الموقف، فإحتضنتُ طفلتي وقلت: لن أفعل ذلك.. ترانة التي كانت قد ألفت بهما طيلة تلك المدة، كانت قد مدت يديها إليهما وتبكي بكاءً متواصلاً، وهي أيضاً تريد أن تذهب إليهما.. يا سبحان الله ما هو الحل؟ كنتُ قد تعرضتُ لأصعب الإمتحانات.. كنتُ أنظر إليهما تارةً وإلى زوجي تارةً أخرى.. لم أكن أعرف ماذا يجب أن أفعل؟ هنا تدخل الرجل الهندي وطلب منا أن ندعوهما ليرزقا أطفالاً.. أجبتُ على الفور: على عيني فإن دعواتي مستجابة، سأدعو لكما.. وبجوابي هذا أنقذت نفسي من تلك الحيرة الكبرى.
عندما وصلنا إلى "مسقط" ورست الباخرة، جاء الدكتور نصرالله أفنان والسيد حاجيان والسيد رضائي لملاقاتنا.. إستمر ذلك اللقاء زهاء ساعتين من الزمان.. هم من مسقط ونحن من قطر.. تحدثنا كثيراُ عن برامجنا المستقبلية.. كان يوماً مشهوداً.. لن أنساه أبداً.. أخذت رحلتنا عدة أيام إلى أن وصلنا إلى "المكلا" التي هي قريبة إلى عدن، تبعد عنها أكثر من يوم أو يومين.. في المكلا إلتقينا بالسيد حسام الدين متحد الذي كان المهاجر الوحيد هناك وقتذاك.. إستطاع السيد حسام الدين متحد أن يستأذن لنا من الجهات المسئولة بالنزول إلى المدينة.. بعد 7 أو 8 أيام رحلةٍ بحرية كنا مرهقين. قضينا في المكلا ليلة لا تنسى.. سهرنا حتى الفجر.. كنا نتحدث عن فعالياتنا وخدماتنا المفيدة وعمّا جرى علينا أو لنا خلال المدة التي فارقنا بعضنا البعض.. نتحدث ونستفيض.. صباح اليوم التالي تابعنا رحلتنا البحرية إلى صوب عدن.. عندما وصلنا إلى ميناء عدن، جاء السيد مولوي فاتح عدن لملاقاتنا.. لا نحن كنا نعرفه، ولا هو كان يعرفنا.. كان موقفاً مثيراً للإهتمام.. فجأةً ألقى السيد محمودنژاد نظرةً إلى الأطراف وقال: أترين ذلك الرجل النوراني الأصلع؟ ألقيتُ بصعوبةٍ بالغة نظرة إلى داخل الجمع وتابعت مسار نظرة السيد محمودنژاد إلى أن رأيته.. كان يبدو عليه من سنين العمر قرابة 55 عاماً، له وجهٌ بشوش قامته متوسطة يرتدي قميصاً أبيض وبنطلوناً بني اللون.. أخيراً تم التعرف علينا ولنا.. أصر على أن يستضيفنا في بيته ولكننا نزلنا في الفندق.. مكثنا في عدن عدة أيام.. إلى أن تمت التمهيدات اللازمة لإنتقالنا إلى صنعاء.. لم تكن هناك إلا رحلة جوية واحدة إلى صنعاء في الأسبوع.. قطعنا تذكرة السفر إلى "الحديدة" إحدى المدن اليمنية وقلنا: توكلنا على الله وهو من سيذلل الصعاب.. قمنا بما كان يجب أن نقوم به.. عندما وصلنا إلى الحديدة لم يبقى سوى يوم واحد لحلول عيد الرضوان.. كانوا قد أخذوا تأشيرة الدخول إلى صنعاء للسيد محمودنژاد كمساعد حلاق الإمام، مع أنه لم يكن يعرف شيئاً عن تلك المهنة، ولا يعرف كيفية إستخدام المقص وغير ذلك من أدوات الحلاقة.. على كل حال إستأجرنا سيارة جيب أجرة ووصلنا إلى صنعاء ليلة عيد الرضوان.. كان الطريق وعراً وغير معبّد، فيه كثير من الجبال والمطبات والمنعطفات.. نزلنا في ضيافة السيد عبدالله أنور فاتح "صنعاء" كانت ليلة رائعة.. بعد الإستحمام، جلسنا بالدعاء والشكر للجمال المبارك، وذرفنا دموع الفرح بما وفقنا على أداء جزءٍ يسيرٍ من الدّين الذي له علينا.. كم كانت ليلة جميلة.. نحن الأحباء مجتمعون من شبه الجزيرة، من إيران، من الهند، يحب كلّ واحدٍ منا الآخر إلى درجة العشق.. كان الإنفعال الروحاني يسود جمعنا.. الإنفعال الروحاني الذي كان خصيصاً لذلك الزمان وذلك الموقف.. أستطيع أن أجزم بل أقسم أنه لم ينم أحدٌ منّا في تلك الليلة.. السيد عبدالله أنور والسيدة حرمه المحترمة "عليهما رضوان الله، إذ أنهما ودعا العالم الفاني وسرعا إلى العالم الباقي"، كانا مضيفينا.. وقاما بإستقبالنا وضيافتنا بكل ترحابٍ وحفاوة.. كانت السيدة منيرة أنور التي تصل أصولها إلى أسرة يهودية تقول: فديتك أيها الجمال المبارك جمعتنا كلنا وكل واحدٍ منا مستعد ليضحي بنفسه في سبيل الآخرين.. مع أن كل واحدٍ منا كان ينتمي في الماضي إلى دينٍ غير أديان الآخرين.. يا إلهي أيّ فضلٍ هذا الذي شملنا.. في الماضي كنا أعداء.. واليوم وفي ظل تعاليم حضرة بهاءالله ونتيجة لإطاعة أوامره، يعشق كل واحدٍ منا الآخر.. مثلاً السيد أنور وحرمه المحترمة كانا ينتميان إلى اليهودية، السيد خلوصي إلى الإسلام وزوجته تنتمي إلى الزرادشتية، في صباح اليوم التالي عقدت أولى جلسات محفل صنعاء الروحاني.. بدأ السيد محمودنژاد بالعمل في صيدلية السيد عبدالله أنور.. إستأجرنا بالمشاركة مع السيد خلوصي وحرمه مهرانـﮕيز خانم منزلاً وسكنا لمدة سنة كاملة في بيتٍ واحد.. تآلف أهل صنعاء معنا.. كنا نزورهم في بيوتهم ويستقبلوننا بحفاوة.. حتى عندما كان حفل زواج أحد أقارب الإمام كانوا يوجهون لنا الدعوة.. لقد تقبلونا تقريباً.. لو كانت للجيران ضيافة أو حفلة كنا نحن من ضمن الحضور.. كانوا يطلقون علينا إسم "الأعجام".. نحن أيضاً بدورنا كنا نعقد أمسيات وندعوهم للحضور لتناول الكعك والمكسرات والحلويات والشاي.. كان الجو في صنعاء جيداً.. إذ كان من الممكن العيش بالشتاء بدون مدفئة.. أما في الصيف فقد كان الجو معتدلاً وجيداً جداً.. ولكن ومع الأسف الشديد لم نستطع أن نقيم هناك أكثر من سنة ونيف.. إذ تبدلت الحكومة.. إمام اليمن المقبول لدى عامة الشعب توفي.. خلفه إبنه الإمام البدر.. قامت مجموعة من الناس بالثورة ضده.. كان بيتنا يقع بالقرب من محطة الإذاعة.. أي أن المسافة بين البيت والمحطة لم تكن تزيد عن 30 أو 40 قدماً.. كانت حديقة عم الإمام الواسعة تقع في الجانب الغربي من البيت.. بينما يقع بيت الإمام البدر في الجانب الشرقي.. كان بيتنا في وسط المعركة.. في منتصف الليل إنقطع التيار الكهربائي.. وحوصر بيت البدر من قبل الثوار.. النار والدخان وصوت الدبابات والرشاشات كانت تُرى وتُسمع من كل الجهات.. كان بيتنا يتكون من طابقين، ويسكن الطابق العلوي طبيب إيطالي وأسرته.. كان السيد محمودنژاد يحاول أن يهديء من روعي فيقول لا تقلقي، إنها مراسيم تجري بمناسبة تتويج الإمام البدر.. يا ليت كنتم معنا، لتروا العجب العجاب.. كان سريرنا يتقافز وزجاج النوافذ يتكسر ويتبعثر بالأرض.. فجأةً رأيتُ الطبيب الإيطالي وأسرته ينزلون من شقتهم.. كانت زوجته الطبيبة ترتجف من الخوف.. هي أيضاً حاولت تهدئتي وقالت لا تقلقي، لا بأس عليك.. ما أن تفوهت بهذه الجملة، حتى سقطت هي نفسها على الأرض مغشية عليها إثر دوي إنفجار إحدى قذائف المدفع.. إستمر هذا الوضع حتى الصباح.. في الصباح أعلنت الإذاعة، اليمن دولة جمهورية.. كانت المقاومة مازالت مستمرة في بيت الإمام وعمه.. وتشتعل فيهما النيران.. وبما أن محطة الإذاعة كانت تقع بالقرب من بيتنا، فقد خرجنا لنرى ماذا يجري؟.. رأينا مجموعة من الدبابات تحاصر مبنى الإذاعة وكان بيتنا أيضاً شبه محاصر.. لم تكن باليمن وقتذاك مياه شرب نقية.. كان لزاماً علينا أن نشتري يومياً عدة سطول من الماء.. وكان قد مضى على آخر مرة إشترينا فيه الماء لأكثر من يومين.. كان يجب أن نقتصد في إستخدام المياه.. كان وضع المعيشة صعباً ونحن واقعون في محاصرة الدبابات والمدافع.. كنا ندعو ونرجو من الجمال المبارك أن ينقذنا من هذه الورطة.. مضى على هذا الوضع أسبوع كامل.. إلى أن هجموا على بيتنا في إحدى الليالي، في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.. خمسة أو ستة أشخاص مدججين بالسلاح بدأوا بتفتيش الغرف والأثاث.. قطعوا ألبومات الصور تقطيعاً.. حتى الإسمنت الذي كان يغطي أرضية الغرف حفروه.. وعندما إعترضنا على ما فعلوه، قالوا أنتم جواسيس والدليل أن محطة لندن الإذاعية أذاعت قبل أن نعلن نحن "إننا بصدد قلب الحكم الإمامي إلى جمهوري".. أنتم الأعجام من فعل ذلك.. ولذلك نحن نبحث في بيوتكم عن جهاز اللاسلكي وما يثبت تلك الجريمة.. بعدما فتشوا تفتيشاً دقيقاً ولم يجدوا شيئاً، قالوا أنكم أتلفتم أدوات الجريمة.. كانت تلك ليلة مُرة.. نحن كنا على ثقة أننا براء مما ينسبون إلينا ولا دخل لنا في الأمور السياسية.. كان وقع هذه التهمة قاسياً.. ولكن ماذا كان عسانا أن نفعل؟ هكذا كانت يد التقدير قد رسمت لنا.. ما كنا نطلبه من الله كان أن يخلصنا من قبضة هؤلاء الجهال فقط.. أخيراً غادروا المكان بعد أن فتشوا كثيراُ وحطموا أثاثات المنزل وعاثوا في المنزل فساداً وأمهلونا أسبوعاً واحداً لمغادرة صنعاء.. كنا نحب تلك المدينة وأهلها، وهم أيضاً كانوا يحبوننا ويبدون تعلقهم بنا.. هل تقدرون أن تتصوروا حالة العاشق وهو يودع المعشوق؟ تلك كانت حالتنا بالتأكيد.. مهلة أسبوع كانت فرصة قليلة.. كان الأهالي في حالة ترقب وإنتظار لما سيستقر عليه الوضع؟.. لم تكن لدينا سيولة نقدية، وكان لزاماً علينا أن نتدبر مبلغاً من المال لشراء تذكرة السفر.. وما كان أحد يريد أن يشتري أثاث بيتنا في وقت الحرب.. كان موقفاً صعباً للغاية.. جاء عدة سماسرة (دلالين)، ولكنهم لم يكونـوا يريـدون أن يدفعوا مقابل كل الأثاث ما يسـاوي قيمـة ماكينـة الخياطة التي كانت ضمن الأثاث.. توسـلنا عن طريق الدعاء والمناجاة إلى حضـرة بهاءالله طالبين منه العون.. فأجاب دعاءنا إذ جاء دلال أكثر إنصافاً وإشترى كل وسائل معيشتنا بثلاثمائة ريال يمني.. بذلك المبلغ إستطعنا أن ندفع قيمة تذكرتنا إلى عدن.. أينما ذهبنا كنا نأخذ حقيبتنا وسجادتينا الصغيرتين إذ لم يكن لنا متاعٌ غيرها.. عندما وصلنا إلى عدن أرسلونا إلى لحج، إذ أنها لم تزل كانت جمعية.. ولم يشكل فيها المحفل الروحاني بعد.. شكرنا الله على أننا وجدنا مأمناً مرةً أخرى.. وإنتقلنا مجدداً إلى نقطةٍ تحتاج إلى المهاجرين.. بدأنا الحياة هناك في غرفةٍ واحدة مع الحد الأدنى من مستلزمات المعيشة.. لا تعرفون أن الحياة على هذا النمط كم هي حلوة؟.. كنا قد خسرنا في سبيل الله كل شيء، وكنا نشتري المواد الغذائية -أيضاً- على قدر إستطاعتنا المالية.. كانت إبنتنا ترانة البالغة من العمر ثلاثين شهراً شريكة أفراحنا وأتراحنا.. بعينيها الجميلتين تمنح حياتنا مسرة أكثر.. كان للسيد رحمت الله حسيني والسيد علي أكبر سالكي، معاً، ورشة لإصلاح الراديوهات، فإنضم السيد محمودنژاد إليهما.. فيما بعد إنضم إلى هؤلاء الثلاث، إثنان آخران وأصبحوا بذلك خمسة شركاء في ورشةٍ واحدة.. وكان المكسب الضئيل يُقسّم فيما بينهم.. كان المناخ في لحج حاراً جداً.. والغبار ينتشر في الهواء ثم يزحف رويداً رويداً إلى داخل البيت.. في الليل كان يجب أن نكنس الغرفة ثم نستحم وبعد ذلك نأوى إلى الفراش.. كنا نمرض كثيراً من الغبار المنتشر في الهواء.. وكان هذا الوضع دائم الإستمرار.. كان هذا برنامج حياتنا اليومي.. ولكنه كان أمراً معتاداً لأهالي لحج.. أنهم لم يكونوا يعيرونه أدنى إهتمام على أي حال تحسن وضعنا المعيشي نتيجة إقتصاد النفقات.. وشيئاً فشيئاً إستطعنا أن نشتري بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة.. إستطاعت جامعة أحباء عدن بعد نزوح المهاجرين الجدد من صنعاء إليها أن تشكل أول محفل روحاني فيها.. وإنتخب السيد محمودنژاد عضواً في ذلك المحفل.. كانت السعادة تغمرنا إذ كنا نرى أنه وبعد إخراجنا من صنعاء "اليمن" أصبح وجودنا له أثرٌ إيجابي (في تشكيل المحفل) ولربما كان خروجنا من اليمن إرادة إلهية.. بعد مضي برهة على وجودنا في لحج، إستقر مهاجرون جدد شيئاً فشيئاً في عدن، وبذلك أصبح محفل عدن يتشكل بمن هم في عدن.. وكذلك صارت جمعية لحج محفلاً.. السيدات في الجزيرة العربية لم يكن لهن الحق في إحراز عضوية المحفل في تلك السنين.. كم كانت سعادتنا كبيرة وكم كان الفرح غامراً عندما صار وجودنا نحن السيدات مؤثراً إذ أصبح بإمكان السيدات أن يَنتخبن وأيضاً يُنتخبن.. أخيراً كنا قد بلغنا مبتغانا.
كنا ننتظر قدوم مولودٍ جديد.. كان هدفنا أن نكمل مشوار حياتنا الزوجية بالمولود الجديد.. ويكون فارق السن بينهما قليلاً.. حتى يستطيعا أن يتآلفا مع بعضهما البعض بصورة أفضل.. ولكن وبعد عناءٍ دام تسعة أشهر وبعد عمل ما يجب عمله، ذهبنا إلى المستشفى الوحيد للولادة هناك.. كانت الطبيبة هندية.. عاينتني وضربت لي إبرة.. ثم تركتني وشأني وذهبت إلى دار السينما.. بقيت إمراة بجانبي لتمريضي.. كانت يدا تلك الممرضة قذرة إلى درجة لا توصف.. في خضم آلام المخاض كانت تراودني فكرة أني سأفقد مولودي ونتيجة لهجوم تلك الأفكار، بدأت أفقد وعيي شيئاً فشيئاً.. أخيراً عادت الطبيبة الهندية بعد غيابٍ دام أربعة ساعات.. وأخرجت المولود بواسطة الجهاز.. كان المولود ذكراً، ولكنه وللأسف قبل أن يخرج إلى هذا العالم، سرع إلى العالم الآخر.. موقفٌ صعبٌ جداً.. كنا جهزنا لهذا المنتظر ما يلزمه وكنا قد رتبنا له برنامجاً خاصاً.. بعد ثلاثة أيام عدت إلى البيت.. كنت مريضة وبحاجة إلى الراحة.. وكان قلبي يملأه الحزن والكآبة.. كان زوجي يهديء من روعي ويشجعني دائماً مع أن قلبه كان مكسوراً وحزيناً.. كان يعيش بالقرب من بيتنا صحفي يمني.. كانت له مطبعة وكان هو الصحفي الوحيد في البلاد.. عندما كنت حاملاً كان يشـاهدني بإسـتمرار، وكان صديقاً لزوجـي.. كان قد سـأل زوجـي عما إذا كان المولود ذكراً أم أنثى؟.. وهنأه على سلامة المولود والأم.. وكان زوجي قد أخبره بالحقيقة، وقال أنه ونتيجة لإهمال الطبيبة الوحيدة الموجودة في البلد وعدم تحملها المسئولية، فقدنا المولود.. بينما لو مكثت الطبيبة مع زوجتي لما حدث ما حدث.. تأثر الصحفي وإنزعج كثيراً من إهمال الطبيبة، وطلب من السيد محمودنژاد أن يسمح له بنشر هذا الموضوع في جريدته.. وما قاله أنه بما أنكم أجانب فمن الممكن أن يكون لذلك أثر كبير وينجو بذلك سكان هذا البلد من غطرسة تلك الطبيبة غير الكفؤة.. كان زوجي يتلو الدعاء والمناجاة يطلب من الله أن يلهمه ما هو خير ومقتضى الوقت.. ألّح الصحفي وبإصرار إلى أن أذن له زوجي بنشر القضية في الجريدة.. بعد نشر هذا الخبر في الجريدة، قامت مجموعة أخرى من سكان المدينة أيضاً بالشكوى ضدها، بحجة أنهم فقدوا عزيزاً لهم بسبب إهمال هذه الطبيبة الجاهلة الجشعة، وكتبوا ذلك في نفس الجريدة وكشفوا عن وقائع وحوادث مماثلة كثيرة، مما أدى في نهاية الأمر إلى الإهتمام بذلك المستشفى بإستخدام أطباء أكفاء، فتغير وضع مستشفى لحج كلياً.. ونحن إعتبرنا فقدان المولود فداءً لتحسن الوضع الصحي لسكان البلد.. بعد مرور الوقت وكذلك مع شعورنا بالسعادة الغامرة عن أنّ هذه الواقعة كانت ذات ثمرٍ مفيد، بدأنا رويداً رويداً بنسيان فقدان المولود.. كانت الأيام في لحج تمر جيدة.. وكنا نفكر في أن ننجب أخاً أو أختاً لإبنتنا ترانة.. ليكون صديقاً ومجالساً ومؤنساً وأنيساً لها.. وتخرج هي من وحدتها.. عندما كانت ترانة في عامها الخامس، كانت الحرب قد بدأت في لحج وعدن.. كانت عدن وضواحيها مستعمرة بريطانية.. وكان الأهالي والإنجليز يحارب كلٌ منهما الآخر.. وكنا نحن في وضعٍ لا تُحسد عليه.. ولم يكن لنا إنطباع جيد من مستشفى لحج.. هذه المرة كنا نريد أن ننقذ مولودنا بأي ثمن.. بدأ المخاض.. كنا قد قررنا أن نذهب إلى مستشفى عدن الذي يبعد عنا مسافة نصف ساعة مهما كلفنا الأمر.. ولكن كانت هناك حرب، والتفتيش في الطريق شديد.. لذا كان الوصول إلى الهدف أمراً مستبعداً.. إذاً ما العمل؟ فجأةً سمعنا صوت جرس الباب.. عندما فتحنا الباب كان السيد ثابت وقرينته والسيدة مولوي قد جاءوا من عدن.. عندما رأوا الوضع على ما هو عليه، لفوني في ملحفة وأخذوني إلى سيارتهم فولكس واجن، وقالوا بأي نحوٍ كان سنوصلك إلى المستشفى.. كان الطريق تحت سيطرة العساكر وكان هناك تفتيش مكثف.. كان ألم المخاض يزداد حدة.. كنتُ أقول في نفسي متسائلة: يا إلهي هل سيولد هذا المولود سليماً معافىً؟ أم سيكون كسابقه فداءً لما أراد الحق؟ هل هذه الحرب وسفك الدماء تتطلب إفتداءً؟ يا إلهي إمنحني قوةً للصبر والسكون.. مضى وقت طويل إلى أن وصلنا إلى مستشفى عدن بعد تحمل الألم ومشقة الطريق.. ما أن وصلنا إلى المستشفى حتى جاءت الوليدة التي كادت أن تموت إختناقاً.. سمعت صوت بكاءها، فرحت إذ عرفت أنها حية ترزق.. أجل هكذا ولدت صغيرتنا "منى".. كان المستشفى محاصراً ولم يكن للمولودة الجديدة أيّة ملابس.. لفوها في منشفة.. إذ أننا ونتيجة لإستعجالنا كنا نسينا أن نأخذ حقيبة ملابسها.. ولم يكن لدينا نقود ولا محفظة.. عاد زوجي إلى لحج حتى لا تبقى ترانة وحيدة.. وبعد يومين وبعد بذل الجهد الجهيد، إستطاع السيد محمودنژاد أن يعود إلى عدن ويلحق بي في المستشفى.. ألبسنا المولودة الجديدة وخرجنا من تلك الوضعية المؤسفة.. أصبحت أسرتنا الآن تضم أربعة أفراد مع مصاريف أكثر ومدخول أقل.. ولكن كان الفرح والسرور غامراً.. إذ كنا من عشاق الحق ونرى أن سنوات عمرنا لا تذهب سُدىً.. بل تُصرف في الخدمة.. عندما أكملتْ منى عامها الأول ووصل عدد أحباء لحج البالغين إدارياً إلى أحد عشر نفراً، فكرنا في أن نغير مكان هجرتنا ونهاجر إلى نقطة أكثر حاجة إلى الهجرة.. لذلك إنتقلنا إلى مدينة دار سعد التي تبعد عن لحج مقدار ربع ساعة.. فيما بعد هاجر "السيد شفيعي" أيضاً إلى هناك وكان يعمل فنياً في مجال تركيب الأسنان.. بذلك شكلنا جمعية دار سعد البهائية.. هناك أيضاً كانت الأيام تمر بصعوبة.. كان للغبار والقمل صولان وجولان.. تصديق ذلك صعب على من لم يعشه.. المنزل الذي كنا نعيش فيه كان به قبلنا مستأجرٍ آخر.. يبدوا أنهم لم يهتموا بالنظافة أبداً.. القمل كان يتحرك في البيت كأنه جماعة نمل.. كنا ننظف البنتين بإستمرار.. ونرش على رأسيهما مادة (د-د-ت) ومعذلك كانت الغلبة دوماً لهـذه الحشرات المؤذية.. مضت مدة على هذا المنوال.. السيد محمودنژاد أسس في دار سعد ورشة لإصلاح الراديوهات والتلفزيونات وعمل بها.. كان أهالي دار سعد فقراء ولم يكونوا يملكون مالاً.. وعند حدوث عطل في أجهزتهم الإلكترونية من راديو وتلفزيون ما كانوا يُقدمون على إصلاحه.. وبما أن زوجي كانت له رقة قلب ويعلم أن الوسيلة الوحيدة لتسلية أهل المنطقة هي الراديو، لذا كان يقول لهم هاتوا راديوهاتكم لأصلحها لكم وعندما تملكون المال إدفعوا ما عليكم.. وإن لم تملكوا، فأتعابي حلال لكم.. وبهذه الوسيلة كان ينفذ إلى أعماق قلوب الأهالي أكثر فأكثر.. كان يتمتع بطبعٍ مرحٍ وهمةٍ عالية لم يكن يعير إهتماماً بالمال.. كان قنوعاً برزقه اليومي.. وحتى إذا كان بإستطاعته أو إذا كان يملك من المال ما يزيد على مصروفه اليومي، يساعد به المعوزين والمحتاجين.. كان من المستحيل أن يمر أحدهم من أبناء البلد من أمام ورشته و لا يحييه أو يسأل عن حاله.. كان الجميع يحبونه وينادونه بـ "محمود".. مضت سنة ونصف السنة على هذا المنوال.. وصلت نائرة الحرب فيما بين الأهالي والإنجليز إلى أشدها.. وكانت مستجدات تلك الأوضاع تؤثر على الأهالي تأثيراً سلبياً وفظيعاً.. ترانة كانت تذهب إلى المدرسة وتدرس في الصف الثاني إبتدائي.. ولكن نظراً للهرج والمرج السائد والإضطرابات السياسية، لم يكن هناك إهتمام بالتدريس.. وصل تدّني معيشة الناس إلى حدٍ صار الشخص يبيع مغسلة بيته مقابل حبتين من البطاطا.. هذا يكشف عن مدى الحالة السيئة التي وصل إليها الناس في معيشتهم اليومية.. جاءتنا أنباء عن إلقاء القبض على أعضاء محفل لحج الروحاني.. وإقتياد الرجال منهم إلى سجن بالقرب من دار سعد.. كان حلول عيد الرضوان قريباً.. ملأ الحزن قلوبنا.. عقدنا العزم على أن نزور المحبوسين بأي ثمنٍ كان ونستعلم أخبارهم.. أعددنا كعك وترمس مليئاً بالشاي والحليب.. السيد محمودنژاد ودعّنا وإستطاع أن يصل إليهم.. وطلب لقاءهم، وحظى هذا الطلب بالقبول وقابل الأحباء الأعزاء المحبوسين.. ووجدهم في غاية السرور والحبور.. فعاد إلى البيت فرحاً.. ظل الأحباء أسبوعاً كاملاً في الحبس وبعد إستجوابهم حكموا عليهم بالخروج من لحج، الأمر الذي بعث الأسف والألم في القلوب.. أولئك الذين كانوا قد إستقروا في أماكن هجرتهم بمشقةٍ بالغة، وكانوا يزاولون أعمالهم بمنتهى الإخلاص، هكذا وبجرة قلم أخرجوا من أماكن هجرتهم.. كان وضعنا هناك -يوماً بعد يوم- يسير من السيء إلى الأسوأ.. كان الوضع المالي تدنى إلى حدٍ لم نكن نقدر معه أن نشتري شيئاً من الفواكه، أو نجد طبيباً أو دواءً.. كان سطح منزلنا قد صار ميدان معركة.. كنا من جهة في معرض رصاص جنود الإنجليز، ومن جهةٍ أخرى إطلاق النار من سطوح منازل الأهالي.. كنا ننوم الأطفال بالأقراص المنومة لكي يناموا تحت السرير حفاظاً على سلامتهم من رصاص القناصة.. كان الأطفال قد ضعفوا كثيراً.. مع أننا كنا نمتلك مقداراً من المواد التموينية، إلا أنه لم يكن بمقدورنا أن نطبخ منها شيئاً.. عند حدوث وقف إطلاق نار متقطع وحصول الإطمئنان على عدم إستهدافنا، كان الأطفال يخرجون من تحت السرير منى الصغيرة التي كانت تحب النظافة كثيراً، كانت تأخذ مكنسة وتكنس التراب والقطع المتناثرة الأخرى التي كانت تتراكم نتيجة إصابة الرصاصات المتبادلة بجدران البيت.. وتعتبر ذلك العمل تنظيفاً حسب رؤيتها الطفولية.. كان الجو في لحج حاراً جداً، ولم يكن لدينا ماء للإستحمام والنظافة.. كان تيار الكهرباء مقطوعاً منذ أكثر من شهر لم نكن قادرين على تحمل الحرارة والقذارة ذات ليلةٍ، إقترحت أن نصعد إلى سطح المنزل وننام هناك هرباً من الحر، وافق زوجي على إقتراحي.. ولكـي يعرف أطراف النزاع بأن نسـاءً وأطفالاً يعيشـون في هذا البيت وسـاكنوا هـذا البيت ليسـوا طرفاً في النزاع.. صعدت إلى السطح في الساعة السابعة مساءً مصطحبةً معي أطفالي.. كان الخوف والقلق قد أخذا مني كل مأخذ.. وأقمت الناموسية بصعوبةٍ بالغة.. وعندما أردت أن أنزل من الدرج الذي كان مكشوفاً أطلقت رصاصة صوبي.. أخذت أطفالي وعدت أدراجي بأقصى سرعة ممكنة.. كان إطلاق النـر لا يزال مستمراً.. وعندما نزلت إلى باحة البيت، رأيت أن الرصاصات أصابت أكثر الدرج.. بعد تلك الحادثة لم نعد نفكر في النوم فوق سطح البيت.. إلى أن تحسّن الوضع قليلاً.. وإستطعنا في إحدى الليالي أن نصعد إلى السطح وننام هناك.. كان النوم على السطح، في تلك الأيام الحارة غاية آمالنا.. شكرنا الله بأننا سننام في هذه الليلة في جوٍ أكثر نظافة وبرودة.. في منتصف الليل قفزنا من أماكننا.. رأينا طوافة تقف على مقربةٍ منا.. وترسل ضوءها المُبهر وتُحدث عاصفة وصوتاً مزعجين.. كانت مجموعة من الأفراد المسلحين صوبوا فوهات بنادقهم نحونا.. ولكنهم بعد أن رأوا نومة عائلية غادروا المكان بعد أن صورونا.. نزلنا على وجه السرعة إلى عشتنا وعرفنا فضل تلك المغارة.. لم نطمح بعد ذلك أبداً إلى النوم في الهواء الطلق على السطح.. الركود الإقتصادي، الغلاء، عدم توفر المال، والأهم إنقطاع التيار الكهربائي والماء، رائحة العفونة المنتشرة في المدينة، القذارة والمرض، كل هذه العوامل السلبية كانت لها صولات وجولات.. كان أكثر الناس مصابون بالأمراض ولا يجدون من طبيب أو مشفى أو علاج.. كان تبادل إطلاق النار متواصلاً.. أجساد المقتولين متروكة في الشوارع ولا يُقدم أحد على دفنها.. كان في عدن واعظ كفيف.. كان موضع إحترام وتقدير الجميع.. ذات يوم سمعناه عبر الإذاعة يطلب ويترجّى من طرفي النزاع المسلح وقفاً لإطلاق النار ولو لمدة قصيرة أو حتى لبضعة ساعات لكي يتمكن الناس من دفن الموتى والمقتولين.. كان يقول أن الكلاب بدأت تنهش في الأجساد وتمزقها.. ولكن لم يكن هناك من يعير إهتماماً لمطلبه.. كان الوضع يسير على هذا المنوال.. المادة التموينية الوحيدة التي بقيت في حوزتنا كانت كيس أرز، كيس سكر، علبة سمن وقليل من الدقيق.. كنا نواجه نقصاً حاداً في الماء.. في يوم من الأيام أعلنوا عبر الإذاعة، أنهم سوف يقصفون منطقتي شيخ عثمان ودار سعد، لذا يجب على سكان تلك المناطق إخلاء مساكنهم.. إحدى الجارات والتي كانت صديقة حميمة، جاءت إلى منزلنا وقالت لي: يا أم منى يجب أن تأتي معي إلى قريتنا. لو أراد زوجك أن يبقى هنا لا بأس به، ولكنك أنت وأطفالك سافري معنا.. إن المدينة معرضة للقصف والحصار، من الممكن أن تقعي أنت وأطفالك في مأزق.. تشاورت بهذا الخصوص مع زوجي.. قال: كلا نحن لن نفعل ذلك.. لا نترك خندقنا، نحن جنود الجمال المبارك، وقمنا بالخدمة والهجرة إنطلاقاً من حبنا له وطاعةً لأمره.. هو نفسه يؤيدنا.. لو يقصفوا كل أرجاء المدينة، إذا لم يكن تقديره قد قدر، فلن يلحق بنا أيّ أذى ولو على قدر سم إبرة.. سنمكث هنا ولن نغادر.. وعند قصف المدينة نقوم بالتضرع إلى الله ونطلب من الحق المغفرة والعفو لسكان هذه المدينة.. ونترجى من الله أن ينقذ هؤلاء الناس من بؤس الحرب والجهل والعداوة.. هذا هو هدفنا وأملنا، إننا هاهنا ماكثون.. في الساعة الخامسة والنصف مساء نفس اليوم بدأوا بقصف المدينة.. كان لغرفتنا عدة نوافذ، يتوسطه عمودٌ صغير حيث كان بالكاد يقدر أن يحمي شخص واحد خلفه.. كان الأطفال -كالعادة- تحت السرير.. أنا والسيد محمودنژاد لجأنا إلى خلف العمود.. وبدأنا نتلو الدعاء والمناجاة.. الأصوات المزعجة الصادرة عن القصف كانت تصّم الآذان.. فجأةً قام السيد محمودنژاد من مكانه وإتجه نحو علبة الطلاء التي كنا إشتريناها لطلاء الباب والنوافذ.. وأخذ الفرشاة وبدأ بكل جدية وإبتهاجٍ زائد بطلاء الباب.. وفيما كان لسانه ينشد بصوتٍ خافت هذا الشعر:
"أيها الناس ما همـﮕـى بشريم بنده ى يك خداى دادﮔريم"
أيها الناس نحن كلنا بنو بشر جميعنـا عبيـدٌ لإلـهٍ عـادل

تحيّرت في البداية وطلبت منه أن لا يفعل ذلك.. إذ كان من الممكن أن تصيبه رصاصة.. ولكنه لم يعر أي إهتمام لمناشدتي ورجائي.. رويداً رويداً تغيرت نفسيتي.. أخرجت الطفلتين من تحت السرير.. وقلت لهما إذهبا وساعدا والدكما.. وأنا نفسي قمت بتحضير الشاي.. لم يبق للخوف مكان فيما بيننا.. كلنا بدأنا نعمل معاً.. وفيما بعد شربنا الشاي.. ولم نهتم بكل تلك الأصوات.. إستمر هذا الوضع إلى منتصف الليل.. كانت بين الحين والحين تدوي صوت رصاصة داخل البيت.. وتثير شيئاً من الغبار والتراب.. فتقوم منى الصغيرة على الفور وتأخذ مكنسة وتكنس المكان.. تعودنا على الوضع.. لم يكن يساورنا لا خوف ولا قلق.. فيما بعد سألت السيد محمودنژاد وقلت: صحيح أننا لم نُصب في ذلك اليوم، مع أننا كنا على مرمى من الرصاص ولم يصبنا مكروه، ولكنه كان عملاً متهوراً.. لماذا فعلت ما فعلت؟ وشجعتنا نحن أيضاً بالعمل معك؟ صحيح أنك بعملك ذاك غيّرت نفسيتنا.. نحن من جهة مدينون لك.. ولكن كيف كنا سنتصرف في حال إصابة أحدنا؟.. فأجابني: عندما نقرأ دعاء الحفظ، ينبغي أن نؤمن ونوقن به.. بناءً على ذلك كنتُ على يقين بأن الله سبحانه وتعالى سيحفظنا وهذا هو معجزة الدعاء والمناجاة.. مضت عدة أيام، كانت الطفلتان قد ضعفتا كثيراً نتيجة سوء التغذية.. كنا نشاهد سريان الأمراض فيهما شيئاً فشيئاً.. والسيد محمودنژاد أصابه الذعر والهلع عندما شاهد الوضع.. قال: مهما يكن الأمر، سأخرج من المنزل لعلي أجد لهما شيئاً من الطعام والفاكهة.. وصّى وصّيته على أنه لو حدث له مكروه يعني ما الذي يتوجب علينا فعله.. خرج من البيت وسّلم أمرنا إلى الله تعالى.. في الحال بدأنا بالدعاء والمناجاة.. وطلبنا من الجمال المبارك أن يعيده إلى البيت سالماً.. ولا يتركنا وحيدات في هذه المدينة المتسّمة بالفوضى والدمار.. اللهم تأييدك.. مضت ساعات الإنتظار ببطءٍ وصعوبةٍ شديدين.. ولم نعلم خلالهما عن أمر زوجي الحنون.. عندها أحسست بالمسئولية أكثر من ذي قبل.. فكرت في تدبيرٍ وهو إنقاذ الطفلتين من الموت المحتم.. لذا أخذت آنية وصعدت إلى سطح المنزل، لأجمع الماء المتبقي في قاع خزان الماء بملعقة كبيرة.. إذ أن الماء ونظراً لقلة كميته لم يكن ينزل إلى الأسفل.. فعلت ما كنت قد عزمت عليه.. جمعت كمية من المياه الراكدة.. كانت الديدان تتراقص بداخلها.. دون أن تعلم الإبنتان، قمت بتصفيتها وغليها.. بعد ذلك شرّبتهما منها قليلاً.. بما أن البنات كنّ ينمن بإستخدام المنومات القوية لذلك وبعد صحوتهن كن يشعران بغثيان.. وكان من الضروري أن يأكلنّ شيئاً من الطعام أو أي شيء آخر لتعويض ما يفقدن في أجسامهنّ.. كان لون بشرتهنّ ضارباً إلى الصفرة.. ومن حيث البنية أيضاً ضعفنّ كثيراً.. فكرت في أن أعمل لهنّ طعاماً مقوياً، بإستخدام الماء الموجود.. إعتقدت أن "الحلوى" بإمكانها أن تكون طعاماً جيداً.. إذ تحتوي على جلوكوز إلى جانب إحتوائها على سعرات حرارية مناسبة.. وضعت كمية من السمن في مقلاة ثم أضفت قليلاً من الدقيق وبدأت أحمره.. سمعت طرقاً على الباب.. فتحت ترانة الباب، دون أن تستأذن مني أو تسأل عمن هو الطارق ظناً منها أن الطارق هو والدها.. كنا نسكن في الطابق العلوي، ونتيجة لوجود ذباب كثير، كنا عملنا على باب العمارة باباً آخر من الشبك للحيلولة دون دخول الذباب.. كنتُ منشغلةً بإعداد الحلوى.. لم أعرف أن بنيّتي الجميلة قد وقعت رهينة في أيدي مجموعة من العساكر وترتعد خوفاً.. كأنها ظبية وقعت أسيرة بين براثن مجموعةٍ من الذئاب.. عندما عرفت الموضوع نزلت مسرعة نحوهم وأخذت بيد إبنتي الجميلة وأدخلتها إلى داخل الغرفة.. وأغلقت باب الشبك.. كانوا ثلاثاً.. هددوني بأسلحتهم المزودة بالرماح وطلبوا مني أن أفتح الباب.. قالوا إن لم أفتح الباب فإنهم سيدخلون البيت عنوة.. رأيت أنه من المنطق ألا أجّر الوضع إلى الإصطدام.. ولا أعطيهم ذريعة.. لذا فتحت الباب وطلبت من بناتي أن يقفن خلفي.. إتجهت نحو مقلاة الحلوى مسرعة.. ووضعت فيها سمناً أكثر.. وزدت في درجـة حرارة الموقـد.. تقـدم أحدهـم نحـوي، ومـد يـده بإتجاه شـعري ليمسـها.. رحمـاك يا جمـال المبارك، رحمتك لي ولإبنتّي عشقكَ هو الذي قادنا إلى هذه الديار، إحفظني برحمتك.. فجأةً وبشكلٍ لا إرادي أخذت المقلاة المملؤة بالسمن المذاب والدقيق النصف محترقة.. وصوبتها إليهم وقلت: إن لم تخرجوا من هذا المنزل، سأرشكم بهذا السمن الساخن.. قال أحدهم: بيتكم توجد بها قنابل كثيرة.. ونحن هنا لتفتيش منزلكم.. قلت: لماذا تتعرضون لنا إذاً؟ أشاروا إلى غرفة النوم وقالوا إنه هناك.. تعالي أرينا إياها.. كانوا ينوون أن يخرجوني من المطبخ ويبعدوني عن المقلاة وسمنها الساخن.. ثم بعد ذلك ينالوا مني.. عرفت قصدهم فوضعت المقلاة فوق النار أكثر فأكثر.. ولم أعد أخاف من أسلحتهم المصوبة نحوي.. أشاروا إلى كيسي الأرز والسكر وقالوا أن القنابل مخبأة بداخل هذين الكيسين.. أخذت المقلاة معي وذهبت إلى ناحية الكيسين حيث كانا على مسافة بضع أقدامٍ وبركلةٍ واحدة مني ألقيتهما على الأرض، وكان مجموع وزن الكيسين يقارب مائة كيلوجرام.. قلت ها هما، إن وجدتم شيئاً فهو لكم.. إستغربوا من شجاعتي وبينما كانوا ينظرون إليّ بدهشة قالوا هل كل الإيرانيات لبؤاتٌ مثلك؟ أجل في تلك اللحظة الحاسمة كنتُ بحق لبؤة.. إذ هكذا كانت إرادة الله.. فيما بعد وللتجربة حاولت أن ألقي أحد الكيسين إلى الأرض فلم أقدر.. ولكني شاهدت في تلك اللحظة معجزة الجمال المبارك بأم عيني.. ترانة كانت قد أخذت بيد منى وإحتضنت كل واحدة منهما الأخرى وكانتا ترتجفان على رغم الصيف الحار وصولته.. صرخت بصوتٍ مسموع اللهم أنقذ إبنتيّ من براثن هؤلاء الظلمة.. قلت لهم إخرجوا وإلا رششت هذا السمن الساخن على وجوهكم.. وقلت للبنتين إذهبا إلى باحة البيت.. وأنا تبعتهما.. هناك بدأت أرسل صيحاتي وأستغيث.. كم كان عملي هذا عبثاً وغير مُجدٍ.. إذ لم يكن في المدينة أحد كي ينقذنا!.. غير عدة إبلٍ ومجموعةٍ من الدجاج.. في هذا الوقت فتح زوجي الباب بمفتاحه الذي كان يحمله ودخل إلى ساحة البيت.. أجل إنه كان ملاك النجاة الذي أنقذنا.. سألوه عدة أسئلة وذهبوا معاً إلى ورشة السيد محمودنژاد.. هناك فتشوا المكان وقلبوا جميع الأجهزة والأثاث رأساً على عقب.. كسروا الزجاج الأمامي لباب الورشة.. وأمهلوه أسبوعاً واحداً لمغادرة المدينة.. نعم كنا نشاهد مرة أخرى إنقلاباً جديداً.. البلد الذي كان يحكمه سلطان على نمط الملكية.. إنقلب بين ليلةٍ وضحاها إلى بلدٍ جمهوري.. كان هؤلاء هم عساكر الجمهوريين.. بمجرد مغادرتهم المنزل أدركت فقط فظاعة الموقف.. مع أنني إلى تلك اللحظة كنت متماسكة وواقفة على أرجلي بكل صرامة ورباطة جأش إلا أنني بعد ذلك سقطت على الأرض وأجهشت بالبكاء.. كانت دموعي تنزل نزول مطر الربيع.. كانت منى الصغيرة تمسح دموعي وتقول حسب رؤيتها الطفولية لما حدث: "هؤلاء سيئون جداً".. ترانة صغيرتي الحبوبة كانت تنظر من النافذة والقلق يملأ قلبها، إذ ترى والدها يذهب إلى مقر عمله برفقة أولئك العساكر.. بعد ساعةٍ واحدة عاد السيد محمودنژاد إلى البيت بقلبٍ حزينٍ ولكن بروحٍ فرحٍ ومستبشر وأخبرنا بأنه يجب علينا مغادرة المكان بأمر الحكومة الجمهورية.. يا رباه! كم كان صعباً علينا أن نبتعد عن نقطة هجرتنا.. بعد ثماني سنوات، تكرر سيناريو صنعاء "اليمن الشمالي".. كان إخراجنا من منطقة هجرتنا يتكرر مرةً أخرى.. كان أكثر أحباء عدن في عطلتهم الصيفية والبعض الآخر منهم كانوا في الهند للإشتراك في المؤتمر المنعقد هناك.. لم يبقى في المنطقة غير عددٍ محدودٍ من الأحباء كي نتشاور معهم.. كانت عائلة السيد"شيرازي" في عدن المعّلا.. ذهبنا إليهم وأطلعناهم بما جرى.. كان السيد مولوي وأسرته أيضاً في عدن.. خلاصة القول قررنا أن نسكن في منطقة "الشيخ عثمان" في حظيرة القدس (عدن).. لم تكن لدينا رخصة للإقامة في تلك المدينة.. وكان من المفترض أن لا يعلم أحد بوجودنا هناك.. كانت الحياة على ذلك النمط صعبةً جداً.. كنا نعيش دوماً مع القلق والإضطراب.. زوجي أسس هناك مرةً أخرى ورشة لإصلاح الراديو والتلفزيون وبدأ العمل فيهـا.. ولكـن بـدون رخصـة عمـل أو إقامـة.. كـان قـد أدركنـي وهـن الأعصاب.. وكنت مريضـة وملازمة الفراش.. ذات ليلة فقدت وعيي فسارع زوجي ونقلني إلى المستشفى.. مضت عليّ ثلاثة أيامٍ كاملة وأنا فاقدة الوعي وفي غيبوبة.. عندما أفقت لم أستطع المشي.. كانت تنتابني نوبة دوار وأسقط على الأرض.. رأوا أنه من المستحسن أن أسافر إلى إيران للعلاج.. وصلت إلى إيران في غيبوبةٍ كاملة.. رقدت في مستشفى السوفيت بطهران.. بعد مدةٍ من العلاج، تحسنت قليلاً.. ولكن زوجي أصيب بقرحة المعدة وبدأت معدته تنزف.. مع الأسف لم نقدر أن نعود إلى منطقة هجرتنا .. أجل هكذا كان تقديرنا.. كان يجب أن نمكث في إيران.. بدأنا الحياة في إيران مرةً أخرى من جديد.. لم نكن نملك من الدنيا شيئاً.. غير حقيبتين فيها مجموعة من الملابـس الصيفية.. حتى الملابس الشتوية المناسبة لطقس إيران لم تكن في حوزتنا.. بعد العلاج أقمنا بـ "إصفهان".. كان زوجي يعمل في شركة خاصة.. لذا وبعد سنة واحدة نقلوه إلى مدينة "كرمانشاه".. ومن هناك إلى "تبريز".. كان الوضع لي وللبنات في تبريز صعباً جداً.. إذ كان الكل حتى طلاب المدارس يتحدثون بالتركية.. إلاّ أنه من ناحية أخرى سيطرت علينا في تبريز حالة روحانية عالية.. تشرفنا بزيارة "أرك" المطهر ومشهد حضرة الأعلى وجناب أنيس.. كنا نستذكر المصائب والرزايا الكثيرة التي وقعت في تلك المدينة المليئة بالبلايا.. نبكي ونندهش وندعو لسكان تلك المدينة.. اللهم يا ربي الأعظم أيقظ الجميع، إمنحهم بصيرةً، إغفر لهم ذنوبهم.. ولكننا كنا أيضاً نستذكر قول حضرة بهاءالله إذ يتفضل بما معناه: "يا ظَلَمةْ الأرض قصّروا أيديكم عن الظلم، إذ أقسمتُ بأن لا أغفر ظلماً لأحد".. كانت ترانة ومنى تدرسان كل واحدة منهما في صفها الخاص.. وكانت لهما أفكار عالية ومرهفة.. كثيراً ما كانتا تقولان: "لماذا أقمنا في مدينةٍ إستشهد فيها حضرة الأعلى؟".. خذونا إلى المدينة التي ولد فيها حضرة الأعلى.. وكان كل آمالهما ومبتغاهما أن تسافرا إلى شيراز وتتشرفا بزيارة البيت المبارك.. كان السفر إلى شيراز بالنسبة إليهما قد أصبح سراً أو لغزاً أو أملاً.. كانتا تدعوان وتناجيان وتطلبان من حضرة الأعلى أن يجعل توفيق زيارة البيت المبارك من نصيبهما.. أخيراً إستجيب دعائهما، وإنتقلنا من تبريز إلى شيراز.. عندما وصلنا إلى شيراز، إستولت علينا حالة من الفرح الشديد بحيث لم ننم تلك الليلة حتى مطلع الفجر.. بعد سنين من الإنتظار كنا قد أدركنا أمنياتنا.. كانت تربته معطراً وقرةً لعيوننا.. كل ذرة من ترابها متبركة.. جبالها تشرفت بتلقي نظرات حضرة الأعلى المنيرة.. كم كانت مدينة جميلة ومباركة.. مدينة العشق والهيام، مدينة الشعر والبهجة.. كانت لأرواح البنات الحساسة واللطيفة ميلٌ مدهشٌ وغير قابل للتصديق لهذه البقعة المباركة.. كأنه صار لهما جناح وبهما تطيران.. عندما لاحظنا فيهما كل هذا الوجد والسرور واللهفة، عقدنا العزم على أن نقيم في تلك المدينة ونرتب أمريهما، بعد ذلك نهاجر أنا وزوجي معاً إلى الجزيرة العربية، أو إلى أيّ مكانٍ آخر فيه حاجة إلى المهاجرين.. كل واحدٍ منا تعهد للآخر وأقسم على أن يفي بالوعد حتى وإن عاش واحدٌ منّا فقط.. عقدنا العزم على أن نصرف سنوات عمرينا في خدمة الأحباء والأطفال والشباب قدر المستطاع.. ولا نهدأ دقيقة ولا نسترح.. بدأنا الحياة في شيراز بهذا العزم والأمل.. بما أننا كنا نعاني من ضيق مادي، لذا قررنا أن أعمل أنا في مجال الخياطة.. كي أساهم في تأمين جزء من مصاريف الحياة.. ومن جهةٍ يتفرغ زوجي لخدمة الأمر المبارك أكثر.. إذ كانت لديه من المعارف الأمرية ما تؤهله لذلك.. كان يعقد جلسات كثيرة لإزدياد المعلومات الأمرية خاصة مع جيل الشباب والنشيء.. يستمع إلى هموم الأحباء، يشاركهم أحزانهم ويساهم في تخفيف آلامهم.. يحب الجميع من صميم قلبه ويعشقهم.. له روح حساس ولطيف.. يعقد دائماً جلسات التبليغ.. يحضر تلك الجلسات أناسٍ من كل صنف.. خلاصة القول أنه كان قد وهب نفسه لخدمة الأمر المبارك، دون أن يغفل عن تربية إبنتيه.. ترانة تزوجت وذهبت إلى بيت الزوجية، بعد أن أكملت دراسـتها الثانوية.. صارت أسرتنا تضم ثلاثة أشخاص فقط.. كنا نشعر شعوراً قوياً برحيل ترانة، نظراً لقلة عددنا.. منى كانت تكتب أحياناً شعراً في فراق ترانة.. بعد سنة 1979 كانوا يلقن القبض على الأحباء وأعضاء المحافل.. وبعد ممارسة التعذيب يستشهد بعضهم ويُحبس بعضهم الآخر حبساً مؤبداً.. وكثيراً ما كانوا يختطفونهم.. لم يبق أحباء شيراز بمنأى عن هذه المضايقات.. في بداية الثورة كانوا يهجمون مجموعاتٍ مجموعات على بيوت الأحباء.. ينهبون البيوت ثم يضرمون فيها النيران.. بلغت هذه الهجمات ذروتها في "سروستان، نيريز، خورموج ومناطق أخرى".. توقفت المحافل الروحانية في تلك البلدات عن النشاط شيئاً فشيئاً.. تجدد إنتخاب محفل شيراز.. وإنتخب السيد محمودنژاد عضواً في ذلك المحفل.. وقام على الخدمة والعبودية. لم يهدأ دقيقة واحدة.. وصرف جميع حياته ووقته في سبيل الأمر المبارك.. منى كانت تتبع خطوات والدها الأمرية.. قبل كل شيء كانت تتزود بالمعارف الأمرية.. كي تتمكن من تتبع خطوات والدها.. كان منزلنا مكاناً لإجتماع الأحباء جيئةً وذهاباً.. مع أن الأحباء كانوا يطلبون من السيد محمودنژاد أن يتوارى عن الأنظار أو يغادر المدينة إذ كان الأعداء يتربصون به وكان من الممكن أن يقع في قبضتهم، إلا أنه لم يكن يأبه لهذه المطالب، ويقول: طالما أنا حي سأقوم على خدمة أمرالله. إلى أن توقف محفل شيراز الروحاني أيضاً عن النشاط.. أو بعبارةٍ أدق أُرغم على ذلك.. أُسندت مهمة أمور الأحباء إلى أعضاء هيئة المعاونين والمساعدين.. عُيّن السيد محمودنژاد عضو هيئة معاونة.. في اليوم الذي بشروه بهذه البشارة السارة، خّر ساجداً وأجهش بالبكاء وطلب من الجمال المبارك المحوية والعبودية الخالصة لعتبته المقدسة.. وتعهد بأن يهب نفسه وحياته على قدر إستطاعته إلى خدمة الأمر الإلهي.. ثم جاء إلى هذه الفانية وقال: مع أنني كنتُ أتطلع دوماً أن أصرف جميع أوقات حياتي في خدمة العتبة المقدسة، وأفدي بعمري لأمره، ولكن إن لم تأذني أنتِ فلن أقبل هذه المهمة.. إن لم تكوني راضية، فلن أدخل إلى مقر القدس.. نصف حياتي لي ونصفي الآخر لكِ.. نحن حمامتان يجب أن نطير بجناحين.. الطيران بجناح واحد ناقص ومحال.. الآن قولي ما هو رأيك؟ هذه الخدمة هل أقبلها أم أرفضها؟.. يا رباه، كنتُ أشعر على أكتافي بثقل حملٍ عظيم.. إن قبلت فالإقامة بشيراز وبالتالي الإستشهاد أمرٌ محتوم.. ولكن مع علمي بما سيحدث في حياتنا قبلت إستمراره في الخدمة.. طيلة ثلاثة أشهر لم يهدأ دقيقة واحدة.. تارةً في شيراز وتارةً أخرى في ضواحيها.. لم يضع رأسه على فراش الراحة ليلة واحدة.. كان الأحباء موضع كل إهتمامه وفكره.. أولئك الأحباء الذين طردوا من الجامعات كطلاب، سُرحوا من أعمالهم كموظفين، أخرجوا من ديارهم كمواطنين، كلهم كانوا بحاجة إلى الحنان والمأوى والمسكن.. يذهب من بيتٍ إلى بيت وهدفه هو مساعدة الأحباء.. منى من جانبها كانت تداوم ليل ونهار على مطالعة الكتب الأمرية وغير الأمرية.. تنهل من ينبوع معارف والدها نهلاً إلى أبعد الحدود.. تدّون جميع المعلومات.. تبني حياتها على أساس التعاليم المباركة.. إلى أن جاءت تلك الليلة الموعودة.. ليلة الجمعة الساعة التاسعة مساء الثلاثون من الشهر السابع سنة 1360 هـ.ش. الموافق 20 أكتوبر "تقريباً" 1981.. إقتحم في تلك الليلة بيتنا خمسة من حراس الثورة مدججين بأسلحتهم النارية.. كان منزلنا في ذلك اليوم محل إجتماع للمساعدين من كل الأطراف والنواحي كـ "جهرم، بوشهر، برازجان وغيرها".. كنا من أول النهار إلى تلك الساعة، نلتقي بهم ونذكرهم بالواجبات التي علينا.. بعد ما عاد أولئك الأعزاء إلى أماكنهم، بدأ كلٌ منّا (أقصد أفراد أسرتنا) يقوم بما عليه من الأعمال والواجبات.. قالت منى: غداً عندي إمتحان اللغة فذهبت إلى غرفتها لتذاكر.. قال السيد محمودنژاد أنا أقوم وأخدم نفسي بنفسي وأجهز عشائي.. أما أنا فدخلت الحمام وعندما خرجت من الحمام وكانت المنشفة مازالت ملفوفة على رأسي، إذ سمعت رنين جرس الباب.. قلت متسائلة: من الطارق؟ وإقتربت من العين السحرية على الباب ورأيت هناك مجموعة من حراس الثورة.. قبل أن أفتح الباب ذهبت إلى السـيد محمودنژاد الذي كان يطالع كتاباً.. وقلت له: إنهم حراس الثورة، ماذا أفعل؟ كانوا في تلك الأوقات يركلون الباب بعنف، كأنهم يريدون أن يكسروا الباب.. قال السيد محمودنژاد: لم التعلل؟ مرحباً بهم، إفتحي الباب.. ما أن دخلوا البيت بكل عنفوانٍ وخشونة.. قاموا بفتح باب الحمام والتواليت أيضاً بعنفٍ شديد.. وأمرونا بأن نجلس ثلاثتنا على كنبة واحدة.. ولكنهم منعونا من التحدث فيما بيننا.. منى بعينيها اللامعتين والخضراوين وبشعرها المرسل والطويل وببلوزتها الخضراء وتنورتها الممزوجة بالأخضر والأبيض، كانت تبدو جميلة جداً.. لذا رأت ببصيرتها أنّ عليها أن تغطي شعرها، لأن البلد كان فيه حكم إسلامي.. وكان لزاماً علينا أن نرتدي الحجاب. منى طلبت منهم أن يسمحوا لها أن تذهب وتلبس غطاء رأسها.. قال أحدهم: كلا، لن نأذن لكِ بذلك.. ولكنها أصّرت وقالت: حسب قانون بلد إسلامي، لها الحق فـي أن تلبس خمارها.. أخيراً سمحوا لهـا بأن تذهب وتغطي شعر رأسها.. عندما قامت منى من مقعدها، ذهب إثنان منهم معها إلى غرفتها.. بعدما لبست غطاء رأسها عادت وجلست معنا.. أما أنا بما أنني كنتُ قد خرجت من الحمام قبل لحظات فقد كنتُ أشعر بالبرد لذا رجوتهم أن يأذنوا لي بإرتداء ملابسي الشتوية.. كان السيد محمودنژاد يقرأ الدعاء والمناجاة بكل سكينةٍ وهدوء.. وطلب إليّ أن أرتاح أيضاً.. وأشار إلى شمائل حضرة عبدالبهاء المبارك وقال: ركزّي كل إهتمامك إليه، إنه حافظ الكل.. وقال أيضاً إقرئي "هل من مفرجٍ..." كان أحد الحراس مكلفاً بمراقبتنا والآخران كانا في غرفة منى يقومان بالتفتيش والعبث بأثاث الغرفة والإثنان الآخران كانا يفتشان غرفتنا.. كانت الساعة تقترب من الحادية عشر مساءً.. لقد عبثوا -خلال الساعتين- بمنزلنا الصغير أيّما عبث.. أخيراً جاءوا إلى الغرفة التي كنّا فيها، وأشاروا إلى السيد محمودنژاد ومنى بأن يرتديا ملابسهما ويذهبا معهم.. يا إلهي، لا تعلمون بأيّ حالٍ صرت؟ شعرت بدوارٍ شديدٍ في رأسي.. وأحسستُ بأن الدم تجمد في عروقي.. هرعتُ نحو الحراس وقلت: إلى أين تأخذون منى؟ إنها طفلة.. ما شأنكم بها؟ خذوني بدلاً عنها.. أشار أحدهم إلى ما كتبت منى وكانوا قد أخذوا كل تلك الكتابات معهم، وقال أحدهم: من تكتب هذه الكتابات لا يمكن أن تكون طفلة.. إنها بكتاباتها هذه سوف تقود العالم إلى الجهالة والضلالة.. إنها تسّوق الجميع إلى طريق الإنحراف والضياع.. رجوتهم مرةً أخرى وطلبت منهم بل توسلت إليهم (أن يأخذوني بدلاً عنها) عندما رأت منى الوضع على هذا النحو، قالت: يا أمي لا تتوسلي أكثر من ذلك.. أيّ جريمةٍ إقترفت حتى يأخذوني بها؟ هل أحرقتُ سيارة؟ هل إرتكبتُ عملاً شائناً؟ هل قتلتُ أحداً؟ أم سرقتُ مالاً؟ أو أنهم وجدوا في البيت أسلحة أو مخدرات؟ بأيّ جرمٍ يأخذونني إلى السجن؟ أليس جرمي هو عشقي بالله وبجميع أنبيائه وحبي لحضرة بهاءالله؟ أليس هدفي هو تحقيق وحدة العالم الإنساني؟ إذاً لماذا تتوسلين، قومي ولا تتوسلي إليهم.. وقامت منى وذهبت إلى غرفتها بقدرةٍ وهيمنةٍ جعلت الجميع لا يبرح مكانه.. إنطلق أحد الحراس من خلفها ليرافقها إلى غرفتها، قالت منى: من فضلك، قف خارج الغرفة، إذ أنني أريد أن أغير ملابسي.. وقبل أن ينبس الحارس ببنت شفة كانت منى قد أغلقت باب الغرفة من الداخل.. في تلك اللحظات قامت منى بتفتيش الغرفة رأت أن الحراس قد جمعوا كثيراً من الكتب والمكاتيب داخل أكياس ليأخذوها معهم، فتقرر أن تلقي نظرةً إلى داخل الأظرف، حتى إذا ما وجدت فيها وثائق أو مكاتيب تأخذها وتخفيها.. فإذا بها تجد فعلاً تلك الوثائق التي فيها أسماء الأفراد وأسماء تلامذة الدروس الأخلاقية وأرقام هواتف.. فأخرجت تلك الأوراق من داخل الأظرف وأخفتها تحت السرير.. كذلك أخرجت وثائق توبة أحباء سروستان الذين كانوا كتبوها في قضية سروستان، ووضعتها تحت السجادة.. لو كانت وثائـق توبـة أولئك البؤسـاء وصلت إلـى أيـدي أولئك المسـئولين، الله يعلم أيّ عـذابٍ وعنـاءٍ كـان سيصيبهم؟ وأيّ تعذيبٍ كان عليهم أن يتحملوه؟.. أجل. فأكثر أحباء سروستان الذين حذفوا أسمائهم من قائمة أتباع الدين البهائي، كانوا قد أرغموا على ذلك تحت التهديد والتخويف، حتى أن الأعداء أدخلوا بعضهم في جواني وأخذوهم إلى المسجد عنوةً.. ولكن الأحباء ندموا على فعلتهم تلك وتابوا عنها وكتبوا تلك المكاتيب، مكاتيب الندامة والتوبة.. فطانة منى وكياستها "بإخفائها أسمائهم" أنقذت كثيراً من أولئك التائبين من السجن.. ولكن كتاباتها هي أصبحت ضحية ولم تبق لنا منها شيئاً... إلا تلك التي كتبتها بخطٍ طفولي وهي لم تتجاوز الحادية عشر من عمرها أو الثانية عشر.. قال السيد محمودنژاد للحراس: بحكم أيّ جهةٍ وبأيّ تهمةٍ تلقون القبض علينا؟ عليكم أن ترونا الحكم الصادر من النائب العام بتوقيفنا، وإلا لن نذهب معكم.. بما أنهم لم يروا منا غير الأدب والمحبة لذا خففوا من حدّتهم وشدّتهم تجاهنا.. أرونا ورقة مختومة بختم النيابة العامة وفيها أمر بإلقاء القبض على السيد محمودنژاد وإبنته.. إقتادوا أولئك الأعزاء معهم.. منى قد صارت في تلك الليلة أكثر جمالاً بإرتدائها بالطو وبنطلوناً كحلياً مع غطاء رأسٍ لونه بيج.. كان لها خدّان ورديان وعينان جميلتان تلمعان من شدة الشفافية.. إحتضنتني وقبلت خدّي وقالت: يا أمي، كوني صبورة، إدعي لنا، ألم أقل لكِ أن الوقت ضيق وعليّ أن أتزود بالمعارف الأمرية قدر المستطاع..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى