منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

ترانة" ترثى الشهيدة منى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
** قسم مما كتبته "ترانة" شقيقة منى:

سوف أرسل إليكنّ "أو إليكم" من خلال عدة رسائل متتالية ومرقمة، شرحاً لآخر لقاءاتي مع والدي ومع منى.
كتبتُ هذه المواضيع بعد عدة أشهر من إستشهاد منائي العزيزة.. وإنها شرحٌ لما وقع.. الجدير بالذكر بأنني لن أقدر أن أكتب ما رأيت.. إنمّا هي رشح ممّا ورد علينا.. لن أستطيع أن أرسم على الورق جلال منائي الرائعة وعظمتها.. ولن أقدر أن أكتب عن والدي الحنون كما كان هو.. يعتبر هذا من فضل الجمال المبارك أن أكون إبنة لذاك الوالد وتلك الوالدة الفدائية، وشقيقةً لعروس الملكوت الجميلة منى العزيزة.

المدينة التي كانت مدينة العشق، مدينة الأحرار، مدينة النور والجلال والجمال، مدينة الحق، شهدت تلك المدينة مرةً أخرى ظلماً آخر، حيث إرتفع الضجيج من الأحجار وسُحقت قلوب الأحباء المنفطرة.. تعلمين يا صديقتي أريد أن أحكي لكِ عن يومٍ قيدوا فيه طيورنا المغرّدات.. كنّا مجموعة من ذوات الآمال، نؤمن من أعماق قلوبنا بأن الروضة الإلهية مليئة بالطيور الربانية.. كنّا نتوق إلى الطيران.. كان أمل الوصول إلى تلك الحديقة، حديقة العشق يضرم النار في أرواحنا.. كانت فيما بيننا طيوراً قد جربنّ الطيران.. كان لهنّ شوق الطيران.. ولكنّ القفص الحديدي لهذه الدنيا كان قد قيّد جناحهنّ ورياشهنّ.. إلا أنهنّ كنّ قد أدركنّ الحقيقة.. لا يمكن إخفاء النور.. كان النور قد نفذ إلى قلوبهنّ المطهرة من خلال ثقوب ومنافذ هذه الدنيا.. كنّ يشاهدنّ طريق النور ويُرينه إلى غيرهنّ من المشتاقات.. كنّ يتغنينّ.. طيورنا كنّ يرددن نشيد العشق الشجي.. ويتركنّ صديها في حوزة ملائكة الناشرات.. وتلك الملائكة، ملائكة الناشرات كنّ بدورهنّ يوصلنّ صدى تلك النغمات، نغمات السعادة إلى أسماع المستعدين والمستعدات من بني البشر، إلا أنه كانت هناك نفوسٌ لا تروق لهم هذه الألحان.. لم يكونوا يريدون السعادة.. لم تكن لديهم معرفة بالعشق.. كانوا ينظرون إلى ترنمات هؤلاء العشاق على أنها صخب وضجر.. أجل فالقلب الذي لم يعرف موسى، لم يعرف عيسى، لم يعرف زرادشت، لم يعرف محمد، لم يعرف الباب، لم يعرف بهاءالله، أنّى له أن يعرف هؤلاء العشاق؟.. اليد التي صلبت المسيح، اليد التي قتلت الباب رمياً بالرصاص، نفس تلك اليد تجاسرت على إسكات طيورنا ذوات الألحان البديعة.. ألقوا القبض عليهنّ وقيدوهنّ.. الطيور التي كانت هذه الدنيا قفصاً لهنّ، نقلوهنّ إلى قفصٍ أكثر ضيقاً.. كسروا أجنحتهنّ المقيدة ونتفوا رياشهنّ.. قطعوا أصواتهنّ.. قالوا: لا يحق لكنّ أن تتغنينّ.. إلا أنهم لم يكونوا مدركين أن النور لا يُمنع.. إنتشار النور في نفس القفص الضيق.. مع أن طيورنا توقفنّ عن التغني، إلا أن طيور ملكوت الأبهى غنّت بصوتٍ أكثر علواً.. لقد غفلوا عن أن طيورنا كنّ يعرفنّ أن المنفذ الذي يصل بهنّ، في النهاية، إلى قاف العبودية، إنما يمر عبر ذلك القفص الضيق.. طارت طيورنا من ذلك القفص إلى الحديقة الإلهية.. فتحت أباهر التقديس ووصلت إلى ذروة العزة القديمة لدى سلطان العشق.. هل تعلمين يا صديقتي ها هنا مدنية الطيور وأنا أريد أن أحكي لكِ عن طائرٍ صغير.. طائرٍ رائعٍ إسمه منى.. الطائر الذي كان قد أدرك الحقيقة.. الطائر الذي كان قد عرف العشق وعرف أيضاً أن العشق سفاحٌ وطاغٍ.. ولكنها كانت تتطلع إلى الطيران.. هل تعلمين أيّ قلبٍ كان لهذا الطائر الصغير؟.. وكيف كانت تهديء من خفقان ذلك القلب؟ أجل كان قلبها يخفق كالمجنون، كالعاشق، لأجل بني البشر، لأجل بهاءالله، لأجل الخدمة والتبليغ.. كان طائرنا الصغير يقضي أوقاتاً كثيرة في الدعاء والمناجاة.. تطلب البلاء من كل قلبها.. وتتطلع إلى أن تحترق في لهيب نار الحقيقة.. تعلم أن هذا الإحتراق هو عين الإشتعال والوصول إلى الحياة الأبدية.. منانا ومن خلال نافذة هذا العالم كانت قد رأت الجمال المبارك مراتٍ ومرات.. تشرفت بلقاء عبدالبهاء "روحانياً".. كانت مجتهدة في جميع الأعمال.. هل تعلمين يا صديقتي في تلك الليلة التي فيها قامت الخفافيش ذوات القلوب السوداء على ظلم الصقور البيضاء، ألقوا القبض على مجموعةٍ من الطيور.. كانت منى أول من ألقيت في غياهب السجن.. كانت وحيدة.. قالت فيما بعد لوالدتها ما يلي: في البداية فتشوني تفتيشاً دقيقاً، ثم عصّبوا عينيّ، بعد ذلك أمسكت بطرف جريدةٍ كان طرفها الآخر بيد حارسٍ إقتادوني إلى داخل دهليز جد مظلم.. بعد مغادرته عرفت ها هنا هو المكان الذي سأمكث فيه.. (أعتقد أنها فُتشت من قِبل مجموعةِ من المفتشات وكذلك الحارس الذي إقتادها كانت حارسة ولكن الضمائر لا تختلف في قواعد اللغة الفارسية، لذلك ترجمتها بصيغة المذكر) قادري.. فككت العصابة عن عيني.. جاءتني إحدى السجينات غير البهائيات وأرشدتني إلى المكان الذي أستطيع أن أفترش فيه.. إذ لم تكن عيناي تعودتا بعد على ذلك الظلام الدامس.. ثم سألتني عن جرمي: أجبتُ: جرمي هو بهائيتي.. إذ لم أكن إرتكبتُ جرماً آخر.. كنتُ أعتقد بأن الساعة لابد وأن تكون فيما بين الثانية عشرة والنصف ليلاً.. أعطتني بطانيتين، إحداها لأفرش على الأرض والأخرى لأتغطى بها.. مضى بعض الوقت إلى أن تعودت عيناي على الظلمة.. نظرت إلى محيطي.. كانت الغرفة أشبه بالصالة وكانت مجموعة من النسوة والفتيات راقدات على مقربةٍ من بعضهن البعض.. لم أعرف أحداً ولم يكن لديّ أيّ علمٍ عن والدي المحبوس.. كنتُ أقرأ الدعاء في قلبي وأشكر المولى إذ كنتُ قد وطئت أرضية قصرٍ وبلغت أوج العلاء.. كان وجه أمي القلق ماثلاً أمام عيني.. وكنتُ أتمنى لها الصمود والإستقامة.. صليتُ لأجل إستقامة والدي أيضاً.. قررت أن أتمدد كما فعلت الأخريات كي أرى إلى أين سيجرني مصيري؟ وقضاء الجمال المبارك؟.. إفترشتُ الأرض وغصتُ في بحرٍ من الأفكار.. فجأةً فُتح الباب ودخلت سيدة أخرى إلى الصالة.. كما عاملتني الحارسة عاملتها هي أيضاً.. بعدما عرفت الحارسة أنها هي أيضاً بهائية أرشدتها إلى جواري.. طبعاً لم أكن أعرف هذه السيدة "إيران آوارﮔان" من قبل ولم أكن أعرف أنها هي أيضاً بهائية.. قمت فذهبت إلى الحمام وعدت ونمت.. قالت السيدة "آوارﮔان" فيما بعد: عندما ذهبت منى للحمام، قلت في نفسي وأنا لا أعرف منى بعد: يا لفداحة الظلم، كيف طاوعتهم أنفسهم أن يسجنوا فتاةً صغيرة السن، طويلة الشعر، ممشوقة القامة مثل هذه؟ بعد عدة دقائق، فُتح الباب وأدخلت الحارسات سيدة أخرى داخل الزنزانة.. كانت هذه السيدة تقول: هاتوا حبوبي، هاتوا أقراصي، إني مصابة بصداعٍ مزمن.. ولكن لم يكن أحد يهتم بها.. كانت هذه السيدة "طوبى زائرﭙور" ولكني ونتيجة للظلمة المخيمة على المكان لم أتعرف عليها.. إلا أن صوتها كان مميزاً.. أدخلنّ السيدة طوبى أيضاً إلى جوارنا.. ما أن رأت طوبى إيران حتى قالت: أهذه أنتِ يا خانم آوارﮔان؟ بدورها تعرفت خانم آوارﮔان على السيدة طوبى.. كنتُ قد قمت من فراشي وإتكأت على مرفقي إذ كان الصوت مألوفاً.. فجأةً قالت طوبى: منى؟ أهذه أنتِ؟ لماذا أنتِ هنا؟.. هل أوقفوكِ أنتِ أيضاً؟ يا رباه!! (إستشهدت طوبى مع والد منى) تشجّعتُ كثيراً، ورغم أنهم أبعدوني عن بيتي وحالوا بيني وبين أفراد أسرتي، ولكن ها أنا ذا أكّون أسرةً جديدةً بداخل الزنزانة.. مَن هنّ أكبر مني سناً هم مقام أمي ومَن هنّ في مستوى عمري هنّ إخوتي.. خلاصة القول أن المسئولون جمعوا شيئاً فشيئاً كل العشاق داخل نفس الزنزانة.. إنتهت أقوال منى.
بعدما عرفت منى أنهم أوقفوا الكثيرين والكثيرات من أقرانها، كانت تشجع الجديدات منهّن.
كان اليوم الجمعة والوالدة جالسة بجوار النافذة.. لم يكن لديها أيّ خبر عن إبنتها الملكوتية.. حاولنا عدة مرات لدى الحرس الثوري ولكنهم رفضوا إعطائنا إذن بالزيارة.. في ذلك اليوم كانت قد فقدت السيطرة على أعصابها.. كانت تنظر إلى أولئك الذين يمشون في الشارع بكل حرية ويمارسون حياتهم اليومية دون إكتراثٍ لغيرهم.. تنظر إليهم وتذرف دموعاً وتقول بصوتٍ عالٍ "يا جمال المبارك أريد ملاكي، أريد منى منك.. لا أعرف عنها شيئاً.. يا جمال المبارك أريد طفلتي".. ثم نظرت إلى السماء وقالت: "الطيور لهنّ حريتهنّ ولكن طائري الصغير محبوس".. مضى ذلك اليوم بالدموع والهموم.. في صبيحة اليوم التالي ذهبنا إلى مقر الحرس الثوري.. بينما كان قلب والدتي غائصاً في دمه، والدموع تنهمر إلى خديها.. لم تكن دموع الحزن، إنما دموع طلب الإستقامة.. وأما ما جرى على قلبي، فذاك لا تسألي عنه.. أخيراً وبعد إنقضاء تلك الأيام المليئة بالخوف والرجاء، ونتيجة لإصرارنا، سمحوا لنا بمقابلة منى ولكن بدون أن يسمحوا لنا بالكلام معها.. أحضرونا للمقابلة منذ الساعة الواحدة بعد الظهر ولكنهم أحضروها في الساعة السابعة.. أحضروا جميعهنّ ما عدا ثلاثة منهنّ.. أوقفوهنّ في طابور خلف جدار زجاجي سميك.. كنا ننظر إليهنّ.. كنتُ أذرف دموع الشوق.. قالت منى بالإشارة: لا تبكي.. مسحتُ دموعي فوراً.. لم يكن بمقدوري أن أقول لها: أيتها الطائرة السجينة الجميلة، دموعي هي نتيجة لقاءك، هي دموع الفرح.. ولكني على يقين أنها فهمت قصدي.. ولكنها هي أيضاً لم تكن تريد أن ترى دموعاً في عيوننا.. وقفتُ أمامها.. الوالدة كانت تنظر إليها بصمت وهي أيضاً كانت تنظر إلينا وإلى الآخرين.. القلم عاجز واللسان قاصر.. عليكِ أن تعرفي حالاتها من خلال كلماتي إذ أنني عاجزة يا صديقتي العزيزة عن البيان.. قالت الوالدة فيما بعد، أن منى قالت لها في الأيام التي سجنت الوالدة معها: المسئولون كانوا يستجوبونها في ذلك اليوم، منذ الساعة الواحدة ظهراً حتى الثالثة بعد منتصف الليل.. خلال ذلك الإستجواب، سمحوا لها بعدة دقائق فقط للإلتقاء بنا وكان يوماً عصيباً.. منى لم تكن تحبذ أن تتحدث عن أيام سجن الحرس الثوري.. إذ كان لها عالمٌ آخر والحديث عن سجن الحرس الثوري كان يعيدها إلى عالم التهم والكلمات البذيئة والأسئلة الغير مفيدة.. مثلاً سأل وكيل النيابة: ما هي الوديان السبعة؟ فأوضحت له منى ذلك، ولكن جوابها له كان كوابلٍ أصاب صفواناً فتركه صلداً.. قال لها المحقق بعد ذلك: إقرئي مناجاة.. فسألته منى: أحقاً تريدني أن أقرأ مناجاة؟ فقال بإستهزاء: أجل.. فما كان لـ منى إلا أن وضعت يديها على صدرها وأغمضت عينيها وقرأت: يا إلهي أنت أرفق بي من نفسي.. محبتك أكثر فأكثر.. كلما تذكرت ألطافك.... هنا إرتفع صوت المحقق بالشتم والسّب والصياح والصراخ مما إضطر منى للتوقف عن تلاوة المناجاة.. الخلاصة كانت الأيام تمر.. سُنحت الفرصة لمنى، أيام إعتقالها في سجن الحرس الثوري، أن تلتقي مرتين فقط وفي كل مرة لعدة دقائق بوالدها.. لم يلتقيا بعد ذلك قط إلاّ في 12 فبراير سنة 1982.. كنّا نذهب مرتين كل أسبوع لزيارتهما مرةً لزيارة الوالد وأخرى لزيارة منى.. في يوم السبت 3 ديسمبر، عندما ذهبنا لزيارة منى في سجن الحرس الثوري، قيل لنا أنهم نقلوها إلى سجن عادل آباد..هرعنا إلى سجن عادل آباد لزيارتها هناك.. عندما جاء دورنا، رفعت الوالدة السماعة وقالت: منى كيف أنتِ؟ كانت منى مصابة بالبرد، إذ كانت ترتدي كل الملابس التي بحوزتها.. كان قد مضى على إنتقال منى إلى عادل آباد أسبوعاً كاملاً ولم يكن لدينا علمٌ بذلك.. وأصيبت بالبرد لفقدان البطانية الإضافية وبرودة الطقس الشديدة.. قالت الوالدة لـ منى والدموع تنهمر على خديها بغزارة: معذرةً يا أماه ولكن ماذا عساي أن أفعل؟ أفتقدك كثيراً يا عزيزتي.. إستطاعت منى بكل صلابةٍ أن تمنع دموعها عن الإنهمار، بينما كنتُ أشاهد حلقات الدموع تتراقص في عينيها.. قالت لنا منى: أنا هنا في غاية الراحة.. كأنني أعيشُ في فندق، أتمتع بالراحة التامة.. قياساً بالسجن الأول، يعتبر هذا قصراً.. يقدمون لنا فطوراً وغداءً وعشاء، الخلاصة أنا هنا في راحةٍ كاملة.. أيضاً قالت: كتبتُ لكم رسالة إذهبنّ وإستلمنّها.. هي كانت تشجعنا دوماً.. أجل كانت طيرنا الجميل الشادي دوماً.. قالت في ختام مكالمتها الهاتفية: بمجرد أن تعلمنّ أنهم نقلوا الوالد إلى هنا، إحضرنّ له بطانية حتى لا يصاب بالبرد هو أيضاً.. كانت ملاكنا تهتم بالوالد لئلا يصيبه مكروه.. أخيراً إنتهى الوقت المخصص للزيارة.. الوالدة ودّعت منى أولاً وعندما حان دوري للتوديع، أرسلت منى قبلةً وألصقتها على الزجاج.. وأنا أيضاً فعلت الشيء نفسه.. وبعد ذلك كنا نكرر نفس الشيء عند الوداع.. كانت الأيام تمر على هذا المنوال.. طيلة الأسبوع كنا ننتظر مجيء يوم الزيارة كي نتحدث مع منى لعدة دقائق.. إلى أن جاء يوم الخميس 13 يناير سنة 1981.. قامت الوالدة في صبيحة ذلك اليوم بمراجعة المسئولين في الحرس الثوري، للإستفسار عن ملف الوالد وملف منى.. وإذا بهم يوقفونها هي أيضاً.. سمحوا لها بالعودة إلى البيت على أساس أن تحضر بنفسها يوم السبت إلى مقر السجن.. فعلت الوالدة ما طلبوا منها، لم نكن نصدق أنهم يسجنونها هي أيضاً.. كنا نأمل أن يسألوها بعض الأسئلة ثم يطلقوا سراحها.. ولكن يد التقدير خبئت لها شيئاً آخر.. كان يوم السبت يوم زيارة منى.. كانت الوالدة مسجونة، فلم أعلم ماذا أفعل؟ على أية حال ذهبت بمفردي لزيارة منى.. إنتظرت إلى أن جاء دوري.. رفعت منى السماعة.. بعد تبادل عدة كلمات، سألتني: أين الوالدة؟ هل هي بخير؟.. لم أكن أعلم أين هي الوالدة على وجه الدقة وكيف حالها؟.. على هذا الأساس قلت: ذهبت لمقر الحرس الثوري لأجل ملف الوالد.. بعد ذلك لا هي سألت سؤالاً آخر حول أمي، ولا أنا أضفت شيئاً على ما قلت.. إستمر الحديث حول المواضيع العادية من قبيل إذا ما كانت تحتاج إلى شيء وكان جوابها المعتاد: لا، شكراً، وأمثال هذه الحوارات.. من البديهي أنه لم يكن بمقدورنا أن نتحدث في كل ما كنا نود أن نتحدث فيه.. ولكننا كنّا ننظر إلى عيني بعضنا البعض ونقرأ فيها كل ما نصبو إليه.. كنتُ أقرأ دائماً في عينّي منى علامات التسليم والرضاء والفرح الزائد اللامحدود.. أخيراً إنتهى وقت المكالمة.. وودعت كل واحدة الأخرى.
قالت الوالدة: أنهم أخذوها في نفس الليلة إلى "سجن عادل آباد" وسجنوها مع الأخريات.. هناك عندما صعدتُ إلى الطابق الثالث من السجن، عبر سلم حديدي عرضه صغير، هرعت بعض السجينات اللواتي كنّ برفقتي لدى الإنتقال إلى سجن عادل آباد، هرعت البعض منهنّ إلى منى وأخبرنّها بوجودي بجوارها.. إستقبلت منى الوالدة بكل حيرةٍ وإندهاش.. قبّلت السجينات الأخريات الوالدة وإحتضننها أولاً، ومنى تنظر إليها فقط.. بعد أن قامت السجينة الأخيرة بإحتضان الوالدة، قفزت منى إلى حضن أمها.. أخذتها وقبّلتها.. هناك تفجرت ينابيع العواطف وإنهمرت سيول الدموع.. كانت منى تقول للوالدة دون أن ترفع عنها عينيها: أماه، أهلاً وسهلاً بكِ، على الرحب والسعد في بيتك الجديد.. تعالي تعالي لأريكِ منزلكِ الجديد.. فترد الوالدة بالقول: منى أخذتها إلى عنبر 11.. كان جو السجن غريباً على الوالدة.. سألتها منى: أظنكِ لم تتعشي بعد؟.. فردت الوالدة: لا.. فأحضرت منى شيئاً من غداء الظهر وشيئاً من طعام العشاء، ثم فرشت سفرة صغيرة، وجلست الوالدة على المائدة، وبينما كانت تأكل كانت تتحدث أيضاً إلى جميع السجينات البهائيات اللواتي حضرنّ إلى عنبرها، تتحدث عن أوضاع الخارج وتشرح لكل سجينة عما قام به أهلها لإستخلاصها.. خلاصة القول كانت تلك الليلة ليلة صاخبة.. كانت طيورنا "في الأصل ببغاواتنا بالإشارة إلى حكاية الببغاء السجينة في ديوان جلال الدين الرومي" يودنّ أن يعرفنّ أحوال الهند هند الروح، من خلال الببغاوات الطليقة.. إلى أن حان وقت النوم وتفرق الجمع.
نامت الوالدة -في الليلة الأولى- فوق السرير، ونامت منى على الأرض إلى جوار الباب، على مقربة من طاهرة أرجمندي التي كانت مسجونة في عنبر منى وإستشهدت هي أيضاً.. منى وضعت يدها في يد الوالدة وراحت تتكلم معها بصوتٍ خافت، تقول: أماه، هنا بيئة جديدة تختلف إختلافاً كبيراً عن بيئة الخارج.. هنا لا يتغير شيء، عليكِ أن تتأقلمي مع ما هو موجود.. عليكِ أن تقرأي الدعاء والمناجاة أكثر وتذرفي الدموع في خلوتكِ.. تلك الدموع التي تجري حباً للجمال المبارك.. تتحدثي عن حرقتكِ ولوعتكِ لنفسكِ وفي وحدتكِ.. إياكِ أن تذرفي دموع الحزن، إذ أن الجمال المبارك، لا يحبذ ذلك النوع من الدموع.. في الجمع إبتسمي دوماً.. وإنفخي فيهنّ روح القوة.. أريد أن أطلب منكِ أيضاً طلباً آخر.. وطلبي هو أنني لا أحبذ أن تقبليني أمام الجمع أو تُظهري لي محبة أكثر مما تظهرين للأخريات.. لأنني لا أحب أن يعتقدنّ ولو للحظةٍ واحدة أنه ها هي والدة منى بجانبها ونحن وحيدات.. عليكِ أن تكوني أماً لغيري أكثر من كونكِ أماً لي.. لا يهم إن لم تهتمي بي أو لم تتمشي معي.. إهتمي بالأخريات أكثر.. الوالدة ولآخر يومها في السجن لم تقبّل منى ولم تتمشى معها أكثر مما تمشّت مع الأخريات.. مما قالت منى للوالدة أيضاً: كوني نفسكِ، وعند إتخاذ القرار لا تقلدي أحداً.. إعملي ما ترينه صحيحاً.. إذ توجد هنا "داخل السجن" إلى حد الآن الحرية اللازمة فيما يتعلق بسلوكيات الفرد.. كانت الوالدة سألت منى: كيف الحياة هنا؟ وكانت إجابة منى: جيدة جداً.. كأنه فندق.. كان هدف منى أن لا تزعج الوالدة في أول ليلة لها في السجن.. كانت أيام السجن تمر.. تمضي لحظات السجن بطيئة وثقيلة.. ما كان يبث الأمل والدفء في القلوب هو تذكر المحبوب الغيبي والمعشوق الحقيقي فقط.. تقول ترانة: كنتُ أنتظر مجيء يوم السبت، إذ كان يوم زيارة منى والوالدة وكذلك كنتُ أنتظر حلول يوم الأربعاء، إذ كان يوم زيارة الوالد.. كانت الليلة التي أخذوا فيها الوالدة إلى السجن ليلةً مريرةً لي.. إذ لم أكن أصدق أن أجد نفسي فجأةً وحيدة لهذا الحد.. كنتُ أقول لنفسي: كل هذا ليس حتى على قدر ذرة مما تحمله الجمال المبارك.. كيف حمّل هو كل هذه المصائب والسجن والحزن.. كل تلك السجون؟ كل تلك الأغلال والسلاسل؟ ذلك السرداب المظلم؟ ذلك النفي من حضن الأسرة الدافيء؟ النفي المتكرر؟ إستشهاد الغصن الأطهر؟ هرج الناقضين ومرجهم؟ وفي خضم كل تلك الإبتلاءات، تفقد أحوال الأحباء المخلصين ذوي القلوب الجريحة؟ إنزال كل تلك الألواح والآيات؟ إصدار كل تلك الكلمات الواهبة للحياة؟.. الويل لي، كم كنتُ غافلة؟ الآن أدركتُ فضله اللامحدود وعرفتُ كيف حرك بحر المواهب وجعل لنا منها نصيباً نحن البؤساء.. أيها الجمال المبارك إمنح قوةً للإستقامة وتحمّل البُعد والفراق.. في تلك الليلة بكيتُ بكاءً مريراً.. بكيتُ من كل شيء.. كان شعوري وإحساسي بغم الجمال المبارك ينهشُ أعماقي.. حزن الإبتعاد عن والدي وعن والدتي وعن شقيقتي الحنونة يأكل روحي.. كنتُ أحسّ بمرارة الظلم.. لم أكن أعلم إن كانوا أخذوا والدتي إلى عنبر منى أم لا؟ في يوم السبت ذهبت للزيارة، وجدتهما واقفتان معاً.. كم كان جميلاً. كان الطائران الجميلان يقفان بجوار بعضهما البعض بكل وقارٍ وجمال.. اليوم عندما أتذكر تلك الدموع أو عندما تزورني تلك الدموع، أدرك أكثر مما يعني "بلائي عنايتي..." الخلاصة قالت الوالدة أنها أخذت بنصيحة منى، وكانت تقضي أغلب أوقاتها مع الأخريات.. ومنى كانت تفضل أن تكون بمفردها.. وتناجي معبودها في خلوتها.. وعند إخلاء السجينات البهائيات زنزانتهن للإجتماع في زنزانةٍ واحدة مع بعضهنّ، كانت منى تنسل خلسة إلى تلك الزنزانة وتقضي جميع أوقاتها بالدعاء والمناجاة.. كانت لـ منى في جميع شؤونها ذوقاً خاصاً.. مثلاً عندما كانت في البيت كانت تحضر مائدة الغداء أو العشاء بشكلٍ جميلٍ جداً.. تحب الأعمال اليدوية حباً جماً.. تصنع من الورق والمعجون أغلب الأزهار.. ترسم، تطرز.. وإلى جانب ذلك تهتم بدروسها المدرسية والأخلاقية.. وتواصل خدماتها الأمرية.. ومع أنها لم تكن قد بلغت سن الرشد بعد، إلا أنها كانت تمتلك مع صغر سنها موهبة التدبير في جميع الأعمال.. ولكن في السجن لم يكن هناك أي إمكانية لتنفيذ أي شيء من ذلك.. لا تقدر أن ترسم في السجن رسماً أو تكتب مقالاً أو تقوم بأي عملٍ يدوي.. أكثر من ذلك كانت ممنوعة من كتابة الرسائل.. الرسالتان اللتان كتبتهما منى في السجن والآن هما تحت أيدينا، ونعتبر وصولهما تأييداً من الجمال المبارك.. تقول الوالدة: منى كانت قد كتبت في السجن شعراً رائعاً جداً وضمنّت فيه أسماء جميع النسوة السجينات، ولكنها مزقته في يوم تفتيش الزنزانة، خوفاً منها أن يشكل ذلك إبتلاءً جديداً لها.. كانت تتأسف لذلك وتقول: يا ليتني حفظته عن ظهر قلب.. منى كانت تتحدث إلى غير البهائيات، عن الأمر المبارك عند كل فرصةٍ سانحة.. وتنشد لهنّ -بصوتٍ خافتٍ جداً- أناشيد أمرية.. وتراعي في ذلك أقصى درجات الحيطة.. إذ كان من المحتمل أن يشكل ذلك خطراً على جميع السجينات البهائيات.. تقول الوالدة: كثيراً ما دعت سجينات غير بهائيات منى إلى زنزانتهنّ، ويطلبنّ منها أن تتحدث إليهنّ عن الأمر المبارك، ويقلنّ لها: علمينا من أناشيدكنّ.. وكنّ يحببنها كثيراً.. حدث أن أخذوا إحدى الفتيات من سجن الحرس الثوري إلى المحكمة وعند إعادتها إلى سجن الحرس، كانت قد إشترت لها كمية من البرقوق الأخضر الحامض "ﮔوجه ى سبز ترش مزه" هديةً لزميلاتها السجينات.. أهدت تلك الفتاة واحدة من البرقوق الحامض هديةً للسيدة يلدائي.. وقالت: أعلمْ أنكِ تحبينها كثيراً ولكني لا أملك أكثر من واحدة، فلذلك لا أقدر أن أعطي كل واحدة منكنّ حبة واحدة.. كُليها دون أن تعرف الأخريات.. ثم ذهبتْ.. الوالدة كانت حاضرة.. قالت السيدة يلدائي لوالدتي "إستشهدت السيدة يلدائي مع منى" لا يطاوعني قلبي أن آكلها بمفردي، بل لا أريدها أصلاً، خذيها لكِ.. قالت الوالدة: أنا أيضاً لا أريدها، كليها أنتِ بنفسك.. بينما هما كذلك، مرت منى قبالة زنزانتهما.. تبادلت السيدة يلدائي والوالدة النظرات، ثم نادت السيدة يلدائي على منى.. وعند دخولها وضعت السيدة يلدائي البرقوق الصغير بيد منى قائلةً: إنها لكِ يا منى، ولكنها هي واحدة فقط لا أكثر، إذهبي وكُليها.. أخذت منى البرقوق وغادرت العنبر.. تقول الوالدة أنا والسيدة يلدائي كنّا نتجاذب أطراف الحديث، فإذا بـ منى تدخل عنبرنا بعد مدةٍ قصيرة، حاملةً بيدها صينيةً صغيرة.. كانت قد قسّمت البرقوق إلى سبع عشرة قطعة، على عدد السجينات، بعد أن أخرجت منها نواتها.. وضعت سكينة وشوكةً بلاستيكيتين فوق الصينية، ثم دعت باقي السجينات.. جاء الجميع.. أخذت كلّ واحدةٍ منهنّ نصيبها منها.. قالت الوالدة: إننا تمتعنا كثيراً وفي نفس الوقت ضحكنا كثيراً من عمل منى.. إذ أن نصيبي كان قطعة صغيرة من قشر البرقوق.. شعرت بحموضتها في فمي.. قالت الوالدة: كنتُ قد وصلتُ إلى حالةٍ عجيبة.. كنتُ قد إستسلمتُ إستسلاماً حقيقياً لكل ما سوف يحدث لي.. وفي أحد الأيام وبينما كان الحزن قد أخذ مني كل مأخذ، تحدثتُ إلى منى، وكشفتُ لها عن حالتي وقلتُ لها فجأةً: منى يا روحي لا أعتقد أنهم سيطلقون سراحكِ.. تشير كل الدلائل على أنهم إن لم يعدموكِ، فسيحكمون عليكِ بالسجن من خمس عشرة إلى عشرين سنة.. وبما أنكِ في السابعة عشرة من عمركِ، فعند إطلاق سراحكِ ستبلغين الثلاثين أو حتى الأربعين من عمركِ.. هل أستطيع أن أصمد أنا إزاء ذلك؟ وجهتْ منى عينيها نحوي وقالت: يا أماه، هل أنتِ مستعدة لأقول لكِ موضوعاً؟.. قلت: نعم، قولي.. قالت: أمستعدةٌ أنتِ تمام الإستعداد؟ قلتُ: أجل. قالت: لو عرفتُ أنه مقابل مكوثي بالسجن، سيؤمن عدة أشخاصٍ فقط، لطلبتُ من الجمال المبارك أن أعيش مئات الآلاف من السنين وأمكثَ في السجن إلى أن يؤمن كل سكان الكرة الأرضية بالدين البهائي.. وإن عرفتُ أنّ إعدامي سيصير سبباً في تنبه شباب العالم ويقظتهم حتى يقوموا قومة رجلٍ واحد، ويشّمروا ساعد الخدمة ويسّعوا في إعلان ونشر الآثار الأمرية ويسيروا في صراط العبودية ويستقيموا فيه، لرجوتُ من الجمال المبارك أن تكون لي مئات الآلاف من الأرواح لأفديهنّ كلهنّ لحضرة المحبوب.. أنتِ قلقة بشأن حياتي أو عمري أن ينقضي في السجن؟ أو خائفة من إستشهادي؟.. لا تسألي "أو لا تسأل" عن مدى إحساسي بضئالة نفسي وحقارة ذاتي أمام عظمة روحها.. قلتُ في نفسي: منى هي أمي وليست إبنتي.. واليوم أتذكر أحياناً نظرتها الجميلة ويطّن في أذني صدى صوتها المستساغ حيث قالت: يا ليت كانت لي مئات الآلاف من الأعمار لأفديها للمحبوب.. أتذكر تلك الكلمات وأقول لنفسي بنفسي: منى، أنتِ صنعتِ مع حياةٍ واحدة ما تصنعه آلاف الأفئدة والقلوب رفعتِ عَلَمْ الفوز والفلاح.. أنظري إلى النار التي أوقدتِ في القلوب.. أنظري كيف تكاثف الشباب البهائي اليوم بقلوبٍ مشتاقةٍ وقاموا بكل إتحادٍ وإتفاقٍ على دفع عجلة الأمر قدماً.. كان يوم الأربعاء 12 فبراير سنة 1982م.. تقول الوالدة: أُعلنَ في ذلك اليوم عبر إذاعة السجن أنه على الأخوات البهائيات أن يحضرنّ إلى قسم أمن السجن.. كانت هي المرة الأولى التي تذاع فيها كلمة "البهائي" من خلال إذاعة السجن والمرة الأولى التي تخاطب فيها أيضاً النساء البهائيات بالـ "أخوات".. إستعد الجميع وذهبنّ مع كثيرٍ من الإستغراب.. كان الرجال البهائيون أيضاً مجتمعون هناك.. مفترشين على الأرض.. دار الحديث بين السجناء ووكيل النيابة العامة.. وإعتبر ذلك الحديث إتماماً للحجة وإنذاراً أخيراً للأحباء كي يعودوا من المسلك الذي سلكوه ويتبرءوا مما إعتقدوه.. بعد ذلك سمح للأحباء بأن يلتقوا بأفراد أسرهم المباشرين.. أجل فقد جمعوا طيورنا في مكانٍ واحد.. ليقولوا لهم: لماذا تطلبون الطيران إلى الذروة العليا؟ عودوا إلى خرائب هذا العالم.. لِمَ إخترتمْ العزة الأبدية؟ إرجعوا إلى الذلة والخسران.. لماذا تتطلعون إلى روضة التوحيد وتهيمون في طلب طلعة المحبوب؟ .. هلمّوا، تناوشوا كالغربان وإبنوا أوكاركم فوق الطلل والأنقاض.. غضّوا الطِرف عن المعشوق.. وبدلوا نغمة العشق والوله بالبكاء والصراخ.. ولكن كيف لطيرٍ يقف على عتبة الحرية أن يتراجع؟ وينصرف عن حجب الطيران؟.. الخلاصة بعد سجنٍ دام لعدة أشهر سمحوا لهم بلقاء أحبابهم.. هنا برز إلى الوجود مشهدٍ بديع.. جلست عائلة "إشراقي" في ركنٍ على الأرض وأيدي كل واحدٍ منهن في أيدي الآخر.. السيدة يلدائي وإبنها كانا جالسين متقابلين في ركنٍ واحد.. وكانت السيدة يلدائي قد ضمت رأس إبنها بهرام إلى صدرها.. طاهرة أرجمندي وزوجها جمشيد سياوشي جلسا متقابلين.. كانت زرّين مقيمي ووالدها يقفان جنباً إلى جنب.. الوالدة، الوالد ومنى كانوا جالسين على الأرض، واضعين أيديهم في أيدي بعضهم البعض.. تقول الوالدة: قلتُ لوالدكِ: أعلم أنهم سيعدمونك.. هل أقدر أنا أن أتحمل ذلك؟ قال الوالد: أجل، تقدرين بكل تأكيد.. تمر أيام الفراق بسرعةٍ كبيرة.. تنتهي بغمضة عين.. أتذكرين أننا في أيام الهجرة كنا دائماً ننتقل من مكانٍ إلى آخر؟.. كنتُ أذهب أولاً وأستأجر بيتاً ثم أعود وآخذكِ إلى ذلك المنزل كسيدة أرستقراطية؟ كذلك الحال اليوم.. أنا أذهب أولاً وأعدُ لكِ منزلاً في الملكوت الأبهى ثم آخذك إلى هناك.. بعد ذلك قال: تذكري الجمال المبارك في سجن "سياه ﭽال".. كم كان سياه ﭽال موبوءً ونتناً؟ لا ماء و لا طعام؟ تذكري تلك السلسلة الثقيلة التي كانت على عنق الهيكل المبارك.. أيّ نصيبٍ لنا من تلك المعاناة؟ هل تقارنين حبسنا هذا مع سياه ﭽال؟ أيّ وجهٍ للمقارنة؟ هنا "يعني محل السجن" جيدجداً.. ثم إعلمي أن الخلفَ يرث والده السلف.. نحن أخلاف الجمال المبارك وحضرة الأعلى.. ما كان للوالد، يرثه الولد.. نحن نرث من الجمال المبارك الألم والحزن والمعاناة والسجن.. ونرث من حضرة الأعلى الإستشهاد.. لا تنسي هذا أبداً.. ثم إلتفتَ إلى منى وسألها: يا منى، أسمائية أنتِ أم أرضية؟ فردت: سمائية.. بعد ذلك لم يدر بينهما حديثٌ آخر.. فقط كنتُ ألاحظ أن منى تقوم وتقبل عينيّ والدها.. كررتها عدة مرات.. كانت ترى في عيني والدها أسرار الملكوت.. إنهما لم يكونا بحاجةٍ إلى الحديث.. إذ كانا يقرآن كل شيء من نظرتيهما لبعضهما البعض.. بعد ذلك سأل الوالد عن أحوال الآخرين.. فاطلع على أحوالهم.. ولو أنني على يقينٍ على أنه كان مطلعاً على أحوال الآخرين أحسن مني.. الخلاصة إنتهى وقت اللقاء.. ولم أرَ والدكِ بعد ذلك أبداً.. إلى أن مضى على ذلك اليوم شهرٌ كامل.. فإستشهد الوالد مع طوبى زائرﭙور ورحمة الله وفائي.. تقول الوالدة: في اليوم الذي أخبرت السجينات بنبأ إستشهاد السيد محمودنژاد، جاء الجميع، إثر عودتهنّ إلى زنزانتهنّ، بعد لقاء أفراد أسرهنّ سواء البهائيات أو غير البهائيات، جاء الجميع لمواساتنا والتخفيف عن حزننا.. كانت فئة تبكي.. وأخرى تواسي.. والجو تسوده حالة من العواطف المتدفقة والقلب تسيطر عليها مشاعر جياشة.. قالت منى: لا، أرجوكنّ، لا تبكينّ.. أنا لا أشعر بالوحدة.. أنا أعتبركنّ حقيقةً شريكاتي في حزني.. إذ إعتبرتكنّ بمثابة عمّاتي وخالاتي.. أشارت إلى أحدثهنّ سناً وقالت: أنتنّ كأنكنّ أخواتي.. علينا أن نحافظ على طاقاتنا بقدر الإمكان.. ولا نهدر تلك الطاقات، إذ أننا لم نجتز بعد مرحلة الإمتحان.. طوبى لأولئك الذين إجتازوا تلك المرحلة وتحقق لهم حسن الختام.. ينبغي لنا نحن أن ندعو ونترجى شفاعة أولئك السابقين حتى نتمكن من تخطي مراحل إمتحاننا.. بعد ذلك بدأت منى بإنشادنا أناشيد أمرية بصوتٍ هاديء.. أنشدت عدة أُخر من النساء -أيضاً- أناشيد أخرى.. هكذا مضى ذلك اليوم.. كانت أيام البعد والفراق تمر، ويوم إستشهاد حضرة الأعلى يقترب.. قررت طيورنا، كل ثلاثة منهنّ اللواتي في زنزانةٍ واحدة.. أن يبدأنّ بالدعاء والمناجاة، في رأس الساعة الثانية عشر.. منى كانت ترغب في أن تدعو وتناجي بمفردها.. كانت الوالدة قد قالت لها: لا يا منى، بما أن طاهرة موجودة معنا هنا، لا ينبغي أن تتركينا لوحدنا، بل يجب أن تكوني معنا.. فلم تعترض منى.. بعد الدعاء، تناولنّ الغداء.. ثم قامت كل واحدة منهنّ إلى عملها.. كغسل الأواني وتنظيف الزنزانة.. بما أن شهر رمضان كان على الأبواب، لذا كانت إذاعة السجن تذيع تلاوة القرآن.. كان الجو ينتشر فيه صخبٌ عالٍ.. وكانت جلبة السجينات الشابات وهمّ يغسلنّ الأواني، مرتفعةً جداً.. في تلك الحالة، إقتربت منى من الوالدة وقالت: أماه، كنتُ أرغب كثيراً في أن أكون بمفردي، في هذه الجلسة الأخيرة لي ليوم الإستشهاد.. وأناجي ربي في خلوتي.. الوالدة لم تفهم معنى "الجلسة الأخيرة لي ليوم الإستشهاد".. ظنتْ أن منى تقصد جلسة الإستشهاد الأخيرة التي هي بالسجن.. بينما منى كانت تقصد "جلسة الإستشهاد الأخيرة" التي هي فيها في هذه الدنيا.. قالت الوالدة لـ منى لو أخبرتيني لما إعترضت.. لماذا رضختِ لطلبي سريعاً؟ قالت منى: لأن لكِ أيضاً حقٌ عليّ.. ثم ذهبت وتمشت قليلاً.. ثم عادت إلى الوالدة وقالت: أماه، أريد أن أقول لكِ شيئاً.. من فضلك رافقيني.. مشت الوالدة برفقة منى.. كان الدهليز ضيقاً، بحيث كان من الصعب أن يمشي فيه نفران جنباً إلى جنب.. منى والوالدة بدأتا تتمشيان في ذلك الدهليز.. توقفت منى فتوقفت معها الوالدة مترصدة..ألقت منى نظرةً إلى الوالدة قائلة: أماه، هل تعلمين أنهم سيقتلونني؟ كانت الوالدة تقول: أحسستُ فجأةً بأن كياني تبدل إلى شعلة نار، لم أكن أريد أن أصدقها.. فقلتُ: يا منى، أنتِ سوف تنالين حريتكِ.. تخرجين من السجن.. تشكلين أسرة، ترزقين بأطفال.. أمنيتي هي مشاهدة أطفالك وإحتضانهم.. لا، لا تفكري هكذا.. كنتُ غافلةً عن العالم الذي تسير فيه بل تطير فيه منى.. إنزعجتْ منى وقالت: أماه، والله ليست لي هذه الأماني.. وأنتِ أيضاً لا تتمني لي هذه الأمنيات.. أعلم أنني سأنال الشهادة، أريد أن أُخبركِ بما سأعمله.. وإن لم تسمعي سوف تحترقين بنار الندامة والحسرة.. وستقولين يا حسرةً علي، لمَ لمْ أدعها تفصح عمّا تريد.. الآن، هل أخبركِ أم لا؟.. قلتُ متلعثمة وحائرة: أجل أخبريني.. بدأت منى تتمشى مرةً أخرى وأخذتني معها.. وبينما هي ممسكة بذراعي قالت: تعلمين يا أمي، المكان الذي سيأخذونني إليه للإعدام، سيكون حتماً مكاناً عالياً.. حتى يتمكنوا من وضع حبل المشنقة حول عنقي.. أولاً سأستأذن منهم وأقبل يدّي من سيضع حبل المشنقة حول رقبتي.. تعرفين يا أمي أنهم سيوافقون على طلبي.. وسأخبرهم بأننا نحن البهائيون ممنوعون عن تقبيل الأيادي، إلا -حسبما أشار مولانا- يد قاتلنا.. تلك الأيدي تستحق التقبيل.. إذ أنها ستصل بنا إلى معبودنا بصورة أسرع.. ثم أقبّل حبل المشنقة أيضاً.. بعد ذلك سأستأذنهم مرةً أخرى وسأقرأ هذا الدعاء.. عند ذلك توقفت منى عن المشي وبينما كانت تضم يديها إلى صدرها وتُغمض عينيها وتعلو وجهها حالة ملكوتية وعشقية وجميلة بدأت تقرأ المناجاة: هو الله يا إلهي روحي لأحبائك الفداء، إسفح هذه الدم الخالدة على التراب في سبيل أحباءك، وإجعل هذا الجسد المتهالك تراباً للأرض التي وطئتها أقدام الأصفياء وغباراً في ممر أقدام الأحباء، ع ع.. ثم فتحت عينيها وقالت: بعد ذلك سأدعو لسعادة بني البشر، ثم أودع هذا العالم الفاني وأسير نحو محبوبي.. ثم نظرت إليّ.. كنتُ أنظر إليها ولكني لا أراها، لم أكن أفهم ما تقول.. من جهةٍ كنتُ مضطربةً نتيجة تعلقي بها.. كنتُ أخشى أن تذهب منى أيضاً "تعني تفقدها".. من جهةٍ أخرى كنتُ مستغرقة في عوالمٍ روحانيةٍ بحتة.. ولكني لم أصدق الموقف.. قلت لـ منى: كانت قصة جميلة.. فنظرت منى إليّ وحلقاتٌ من الدموع تتراقص في عينيها قائلةً بهدوء: أماه، هذه ليست قصة، لماذا لا تريدين أن تصدقيها؟.. بعد ذلك إنفصلت عني.. تمشت برهة طويلة.. منائي الجميلة كانت تعلم أنها ستذهب.. وكانت تعلم كيف ستذهب وأنا لم أكن أصدقها.. إنتهت أقوال أم منى.
نالت منى الشهادة بعد مضي عشرة أيامِ من المحادثة التي دارت بينها وبين أمها، بينما لم يكن قد مضى على إطلاق سراح الوالدة أكثر من خمسة أيام.. تقول الوالدة: مضى ذلك اليوم عصيباً علي.. كنتُ أكرر أقوال منى مع نفسي.. ومن كان يحدثني لم أكن أفهم شيئاً عن حديثها.. أقول لنفسي: يا إلهي كيف أقدر أن أصمد؟.. وحضرة عبدالبهاء منحني تلك الإستقامة.. بعد ليلتين، في تلك الليلة التي في غداتها أبلغوا السجناء البهائيين بأن لديهم أربعة فرص ليتبرءوا وفي حال رفضهم التبرؤ سيعدمون، في تلك الليلة، رأت منى في عالم الرؤيا أنها واقفة داخل الزنزانة وتصلي الصلاة الكبيرة.. فإذا بحضرة عبدالبهاء يدخل من خلال جدار الزنزانة.. ويجلس على السرير الذي كانت الوالدة نائمة عليه.. ويضع يداً على رأس الوالدة.. طاهرة كانت نائمة على الأرض بجوار السرير.. ثم يرفع يداً أخرى نحو منى.. منى تقول في نفسها: لو تابعتُ أداء الصلاة، لربما يغادر حضرة عبدالبهاء.. لذا تترك الصلاة دون إكمالها وتركع أمام حضرة عبدالبهاء وتمسك بيديها يدي حضرة عبدالبهاء.. يتفضل حضرة مولى الورى قائلاً لـ منى: "منى ماذا تطلبين منّا؟" فترد منى: الإستقامة. يسأل حضرته مرةً أخرى: "منى ماذا تطلبين منّا؟" فترد منى: "الإستقامة لجميع الأحباء". يعود ويسأل حضرة عبدالبهاء للمرة الثالثة: "ماذا تطلبين منّا لأجل نفسك؟" فتقول منى مرةً أخرى: الإستقامة. يقول حضرة عبدالبهاء: "قد أوتيتِ مسئلتكِ، قد أوتيتِ مسئلتكِ".. في الصباح تروي رؤياها لجميع السجينات.. بعد مدةٍ، يطلبون كل من زرّين مقيمي وعزت جانمي "إشراقي" إلى قسم شرطة السجن، لإجتياز المراحل الأربعة للإرشاد.. بعد المرحلة الثالثة، إجتمعت جميع السجينات ليودعنّ هاتين العروسين.. إذ بعد إجتيازهما المرحلة الرابعة، سيحكم عليهما بالإعدام.. وينفذون الحكم فيهما دون تأخير.. الجميع كنّ يرددنّ معاً "هل من مفرجٍ.....".. الجميع يطلبنّ الإستقامة والتأييد.. حتى سجينات غير بهائيات كنّ إجتمعنّ حول العزيزات "الحبيبات".. وكنّ يشهدنّ على مظلوميتهنّ.. فجأةً إرتمت زرّين مقيمي في حضن منى.. وقالت: يا منى كم كانت أمنيتكِ التي تمنيتيهما من حضرة عبدالبهاء رائعة.. مع أن إعدامنا سيكون فجيعة إلا أنني على يقين بأن الأحباء سوف يستقيمون.. كان بإمكانكِ أن تطلبي حريتكِ وحرية والدتكِ أو حتى حريتنا جميعاً، ولكنكِ طلبتِ أجمل طلبٍ وحضرته منحكِ إيّاه.. تضيف الوالدة: عندما طلبوا، للمرة الرابعة، هاتين العزيزتين، ودّعهما الجميع.. رؤيا إبنة السيدة إشراقي بينما كانت ممسكة بيد منى فيما عيناها تذرفان دمعاً.. كان الكل يبكي ولكن بهدوءٍ ووقار.. يا إلهي ما أصعب الصبر عندما يأخذون عزيزاً لكَ من بين يديك.. ولو أنهما عادتا في ذلك اليوم ولم ينفذوا فيهما حكم الإعدام.
أطلق سراح الوالدة من السجن في يوم الإثنين 13 يونيو سنة 1983.. تقول الوالدة: في ذلك اليوم أرسلتْ كلّ سجينةٍ رسالةً شفاهية إلى أهلها.. مع أن الوالدة لم تكن على يقين بإطلاق سراحها، إلا أنه قد تم بالفعل.. قالت السيدة إشراقي للوالدة: لا بد أن تحضري، بالنيابة عني ورؤيا، ووالدها في حفل زواج إبنتي، وتقدمي لها بالنيابة عنّا ثلاثة أغصان من وردة القرنفل الحمراء.. الخلاصة كل واحدة منهنّ تحدثت إلى الوالدة بحديثٍ خاص.. منى كانت الأخيرة.. قبّلت الوالدة.. وبينما كانت تمسك بيدي الوالدة في يديها، قالت لها: يا أمي، سيطلق سراحك.. ومثلما بعثت في جمعنا روحاً ودفئاً إذهبي الآن وأخبري العائلات عن حالنا وإبعثي فيهم أيضاً روحاً ودفئاً.. ثقي، أن ما يريده الجمال المبارك هو ما سيكون.. قبلتها مرةً أخرى وودعتها.. لم تكن هذه القبلة الأخيرة فيما بين الوالدة ومنى.. إذ أن الوالدة طبعت قبلتها الأخيرة على جسد منى الدافيء بعد إستشهادها وسلمت تلك الأمانة الغالية إلى مالكها الحقيقي.. وفي لقاءها الأخير مع منى يعني يوم السبت 18 يونيو، قالت لها منى: أماه، نحن غداً في ضيافة الجمال المبارك.. طاهرة كانت قد قالت للوالدة: المسئولون لم يستدعوا منى بعد لإجتياز المراحل الأربعة للإرشاد.. كانت طاهرة أرجمندي سجينة في نفس زنزانة منى.. في يوم الأحد 19 يونيو، أعلمونا بنبأ إستشهاد منى.. وبقية أولئك العزيزات، أجل، كان طيراناً مجيداً.. وصلت طيورنا إلى قمة الملكوت الأبهى.. لبيّنّ عهد الحب الأزلي وأصبحنّ فراشاتٍ يحترقن حول شمع البهاء.. زينّ أعناقهنّ بطوق المحبوب.. وفتحنّ جناح المحبة وأنشدنّ أنشودة العشق ووحدة العالم الإنساني بصوتٍ مسموع..

يوليو سنة 1984 – ترانة شقيقة منى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى