منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الحضارة ول ديورانت (3)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
الحضارة ول ديورانت (3)

التنظيم الاقتصادي

الشيوعية البدائية - أسباب زوالها -
أصول الملكية الخاصة - الرق - الطبقات
كانت التجارة أعظم مثير للعالم البدائي، لأنه لم يكن هناك مِلك، وبالتالي لم يكن هناك من نظم الحكم إلا قليل، قبل أن تدخل في حياة الناس وتجر وراءها ذيولها من أموال وأرباح، ففي المراحل الأولى من التطور الاقتصادي كانت الملكية محصورة- في الأعم الأغلب- في حدود الأشياء التي يستخدمها المالك لشخصه، وكان معنى الملكية هذا من القوة بحيث لازمت الأشياء المملوكة مالكها، فغالباً ما دفنت معه في قبره (وانطبق هذا على الزوجة نفسها)، وأما الأشياء التي لا تتعلق بشخص المالك فلم تكن الملكية مفهومة بالنسبة إليها مثل هذا الفهم القوي، فلا يكفي أن نقول إن فكرة الملكية ليست فطرية في الإنسان، إنما يجب أن تضيف إلى ذلك أنها في مثل هذه الأشياء البعيدة عن شخصية المالك، كانت من الضعف في أذهان الناس بحيث تحتاج إلى تقوية مستمرة وتلقين مستمر.
فتكاد تجد الأرض في كل الشعوب البدائية ملكا للمجتمع بأسره، فالهنود في أمريكا الشمالية، وأهالي بيرو، وقبائل الهنود التي على تل تشيتاجونج، وأهل بورنيو، وسكان الجزر في البحر الجنوبي، مثل هؤلاء- فيما نرجح- كانوا يملكون الأرض جماعة ويحرثونها جماعة ويقتسمون الثمار جماعة، وفي ذلك قال هنود أوماها: "إن الأرض كالماء والهواء لا يمكن أن تباع"، وكذلك لم يكن بيع الأرض معروفا في سامُوا قبل قدوم الرجل الأبيض، ولقد وجد الأستاذ رِفرز


قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


شيوعية الأرض لا تزال قائمة في مالينزيا وبولينزيا، ويمكنك أن تلحظها اليوم قائمة في داخل ليبريا(35).
وأما شيوعية القوت فقد كانت أقل من ذلك انتشاراً، فمن المألوف عند "الهمج" أن من يملك طعاماً يقتسمه مع من لا يملك منه شيئاً؛ كما كان من المألوف كذلك للمسافرين إذا ما أرادوا طعاماً أن يقفوا عند أي دار يشاءون في طريقهم، بل كان من المألوف أن تستعين الجماعات التي ينزل بها القحط بجيرانها(36)، وكان إذا ما جلس إنسان في الغابة ليأكل وجبته، توقع منه الناس أن يصيح لمن أراد أن يشاطره الطعام قبل أن يبدأ هو في تناوله، وبغير ذاك لا يكون الصواب في جانبه(37)؛ فلما قص "تيرنر" على رجل من "ساموا" قصة فقير في لندن، سأله "الهمجي" في دهشة: "وكيف هذا؟ أليس هناك طعام؟ أليس له أصدقاء؟ أليس في المكان بيت للسكنى؟ أين إذن نشأ هذا الفقير؟ أليس لأصدقائه منازل" (38)؟ والجائع من الهنود ما عليه ألا أن يسأل فيجاب سؤاله بالعطاء، فمهما يكن مورد الطعام ضئيلاً عند المعطي، فأنه لابد أن يعطي منه هذا السائل ما دام محتاجا؛ "فيستحيل أن تجد إنساناً يعوزه القوت ما دامت الغلال موجودة في مكان بالمدينة" (39)؛ وكانت العادة عند الهوتنتوت أن يقتسم من يملك أكثر من سواه هذه الزيادة حتى يتساوى الجميع؛ وقد لاحظ الرحالة البيض أثناء رحلاتهم في إفريقية قبل أن تدخلها المدنية، لاحظوا أن "الرجل الأسود" إذا ما قدمت له هدية من طعام أو غيره من الأشياء ذوات القيمة، فإنه يقسمها بين ذويه فوراً؛ وإذا ما أعطى المسافر بدلة لأحد هؤلاء السود، فسرعان ما يرى الموهوب يلبس من الهبة جزءاً كالقبعة مثلاً، ثم يرى صديقا له يلبس السراويل وصديقا آخر يرتدي السترة، وكذلك الإسكيمو لا يرون للصائد حقا شخصيا في امتلاك صيده، بل يلزم توزيعه على أهل القرية جميعاً، وكانت الآلات والمخزون من الطعام ملكا مشاعا بين الجميع وقد وصف "كابتن كارفر" Captain Carver


قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


هنود أمريكا الشمالية فقال "إنهم لا يعرفون من فوارق الملكية شيئا سوى الأدوات المنزلية ... وهم أسخياء بعضهم لبعض غاية السخاء، وإذا ما فاض عند أحدهم فيض ونَقص عند الآخر ما يحتاج إليه، فلابد أن يسد الأول بفيضه نقص زميله" وكذلك كتب مبشر ديني يقول: "إن ما يثير الدهشة العميقة أن تراهم يعاملون بعضهم بعضاً برقة ومجاملة قَلَّ أن تراهما عند أكثر الأمم تحضراً؛ وذلك بغير شك يرجع إلى لفظتي "ملكي" و "ملكك" اللتين قال عنهما القديس كريسوستم Chrysostom إنهما تخمدان في قلوبنا شعلة الإحسان وتشعلان نار الجشع، لا يعرفهما هؤلاء الهمج "ويقول شاهد آخر: " لقد رأيتهم يقتسمون الصيد إذا كان لديهم ما يقتسم، لكني لا أذكر مثلاً واحداً لتنازعهم أو لتوجيههم النقد لطريقة التقسيم كأن يقولوا إنه غير عادل أو غير ذلك من أوجه الاعتراض؛ إن الواحد منه ليؤثر أن يرقد على معدته الخاوية، على أن يُتَّهم بأنه أبى أن يعين المحتاج . . . إنهم يعدون أنفسهم أبناء أسرة واحدة كبيرة" (40).
لماذا اختفت الشيوعية البدائية حين نهض الإنسان إلى ما نطلق عليه في شيء من التحيز اسم المدنية؟ يعتقد "سمنر" Sumner أنها دلت على أنها ليست بيولوجية في اتجاهها لأنها عقبة في سبيل تنازع البقاء، وأنها لم تحفز الناس بما يكفي لتشجيعهم على الاختراع والنشاط والاقتصاد، وأن عدم مكافأتها للأقدر وعقابها لمن هو أقل قدرة سوى بين الكفايات تسوية تعاند النمو وتعارض التنافس الناجح مع سائر الجماعات (41)، وكتب "لوسكيل" Loskiel عن بعض القبائل الهندية في الشمال الشرقي يقول: "إنهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئاً بأنفسهم، بل يعتمدون كل الاعتماد على احتمال أن غيرهم لن يرفض أن يقاسموه في إنتاجه؛ ولما كان النشيط لا يتمتع من ثمار الأرض بأكثر مما يتمتع الخامل، فإن إنتاجهم يقل عاما بعد عام" (42)؛ ومن رأى دارون أن المساواة التامة بين الفويجيين تقضي على كل أمل في تحضرهم (43) أو ربما قال الفويجيون في ذلك إن المدنية

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


إذا ما أتتهم فإنها ستقضي على المساواة القائمة بينهم؛ نعم إن الشيوعية طمأنت هؤلاء الذين خلصوا بحياتهم من حوادث الفقر والجهل وما يترتب عليهما من مرض في المجتمع البدائي، لكنها لم تنتشلهم من ذلك الفقر انتشالا، وأما الفردية فقد جاءت بالثراء، لكنها كذلك جرَّت معها القلق والرق، نعم إن الفردية حركت في الممتازين من الرجال قواهم الكامنة، لكنها كذلك نفخت نار التنافس في الحياة فأشعلتها، وجعلت الناس يحسون الفقر إحساساً مريراً، مع أن هذا الفقر لم يكن ليؤذي أحداً حين استوى فيه الجميع .

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


تستطيع الشيوعية أن تعيش في سهولة أكثر في مجتمعات دائمة الانتقال، لا يزول عنها الخطر والعوز؛ فالصائدون والرعاة ليس بهم حاجة إلى مِلك يحتفظون به، لكن لمّا أصبحت الزراعة صورة الحياة المستقرة، لم يلبث الناس أن تبينوا أن العناية بالأرض تبلغ أقصاها من حيث غزارة الثمر إذا ما عاد جزاء تلك العناية إلى الأسرة التي قامت بها؛ فنتج عن ذلك بحكم الانتخاب الطبيعي الكائن بين النظم الاجتماعية والأفكار، كما هو كائن بين الأفراد والجماعات ينتج أن الانتقال من الصيد إلى الزراعة استتبع تحولا من الملكية القبلية إلى ملكية الأسرة وبذلك أصبحت أكثر الوحدات الاجتماعية اقتصادا في نفقات الإنتاج، هي كذلك وحدة الملكية؛ فلما أن أخذت الأسرة شيئاً فشيئاً تتخذ الصورة الأبوية التي تركز السلطة كلها في أكبر الذكور سنا، أخذت الملكية كذلك يزداد تركزها شيئاً فشيئاً في أيدي أفراد، ثم نشأ التوريث لشخص معين عن شخص معين؛ ولما كان كثيراً ما يحدث لفرد مغامر أن يغادر مرفأ الأسرة الآمن، ليضرب بمغامراته خارج الحدود التي وقف عندها ذووه، ثم ينتهي به العمل المتصل الشاق أن يستولي على قطعة أرض من الغابة أو الحَرج أو المستنقع؛ فإنه يحرص عليها حرصاً شديداً لا يسمح لغيره بانتزاعها لأنها ملكه الخاص، حتى لتضطر الجماعة في النهاية أن تعترف بحقه فيها، وبهذا نشأ ضرب آخر من ضروب الملكية الفردية (43 أ) ومثل هذا الاستيلاء على الأراضي أخذ يزداد اتساعاً حين ازداد السكان واستُنفِذَت قوة الأرض القديمة، حتى وصل الأمر في المجتمعات

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


الأكثر تعقيدا من سواها، إلى أن باتت الملكية الفردية هي النظام السائد، ثم جاء اختراع المال فساعدته هذه العوامل بتيسيره لجمع الثروة ونقلها وتحويلها؛ واتخذت حقوق القبيلة القديمة وتقاليدها صورة الملكية بمعناها الدقيق، وأما المالك عندئذ فهو أهل القرية جماعةً أو الملك، ثم خضعت الملكية لإعادة التوزيع حيناً بعد حين؛ ومضى هذا العصر الذي جعل أمر الملكية يتذبذب فيه على هذا النحو من طرف إلى طرف، بين النظام القديم والنظام الجديد، وبعدئذ استقرت الملكية الفردية الخاصة استقراراً لا شبهة فيه، وأصبحت هي النظام الاقتصادي الأساسي الذي أخذت به المجتمعات في العصور التي دوَّن أخبارها التاريخ.
لكن بينما كانت الزراعة تنشئ المدنية إنشاءً، فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص. لأن زوجة الصائد وأبناءه كانوا يقومون بالأعمال الدَّنيَّة، وكان فيهم الكفاية لذلك، وأما الرجال فقد كانت تتعاقب في حياتهم مرحلة تضطرب بنشاط الصيد أو القتال يتلوها مرحلة من فتور الاسترخاء والدَّعة بعد الإجهاد والعناء؛ ولعل ما تنطبع به الشعوب البدائية من كسل قد بدأ- فيما نظن- من هذه العادة، عادة الاستجمام البطيء بعد عناء القتال والصيد؛ ولو أنها لم تكن عندئذ كسلا بمقدار ما كانت راحة واستجماماً؛ فلكي تحول هذا النشاط المتقطع إلى عمل مطرد، لا بد لك من شيئين: العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم، وتنظيم العمل.
وأما تنظيم العمل فيظل مُنحَلَّ العرى لَدُنّىَّ النشاط ما دام الناس يعملون لأنفسهم؛ لكنهم إذا كانوا يعملون لغيرهم فإن تنظيم العمل لا بد أن يعتمد في النهاية على القوة والإرغام؛ وذلك أن نشأة الزراعة وحدوث التفاوت بين الناس انتهيا إلى استخدام الضعفاء اجتماعياً بواسطة الأقوياء اجتماعياً، ولم يتنبه الظافر في القتال قبل ذلك إلى أن الأسير الذي ينفعه هو الأسير الحي، وبذلك قلت

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


المجازر وقل أكل الناس بعضهم لحوم بعض، كلما زاد نظام الرق اتساعاً(44) وإذن فقد تقدم الإنسان من حيث الأخلاق تقدماً عظيماً حين أقلع عن قتل زميله الإنسان أو أكله، واكتفى من أعدائه باسترقاقهم؛ وإنك لترى تطورا كهذا يتم اليوم على نطاق واسع، إذا أقلعت الأمم الظافرة عن الفتك بالعدو المغلوب، واكتفت باسترقاقه عن طريق التعويض الذي تقتضيه إياه؛ ولما استقر نظام الرق على أسسه وبرهن على نفعه، أخذ يزداد نطاقه بأن أضيف إلى الرقيق طوائف أخرى غير الأسرى، فأضيف إليهم المَدِينون الذين لا يوفون الدَّين، والمجرمون الذين يعاودون الإجرام، هذا إلى إغارات تُشَنُّ عمداً لاجتلاب الرقيق؛ وهكذا كانت الحرب بادئ الأمر عاملا على نشأة الرق؛ ثم أصبح الرق عاملا على شن الحروب.
ولعل نظام الرق حين امتدت به القرون قد اكسب الجنس البشري تقاليده وعاداته من حيث العمل، فلن تجد بيننا أحداً يقدم على عمل شاق عسير إذا كان في مقدوره أن يتخلص منه بغير أن يتعرض لشيء من العقاب البدني أو الاقتصادي، وإذن فقد بات الرق جزءاً من النظام الذي استعد به الإنسان للقيام بالصناعة، هذا فضلاً عن أنه عمل على تقدم المدنية بطريق غير مباشر، بأن زاد من الثروة فَخَلق الفراغ لفئة قليلة من الناس، ولما مَضَت قرون على هذا النظام، جعل الناسُ ينظرون إليه كأنه نظام فطري لا غنى عنه، بهذا قال أرسطو وكذلك بارك القديس بولس هذا النظام الاجتماعي الذي لا بد أن يكون قد بدا لعينيه في عصره نظاماً قضى به الله.
هكذا أخذت الزراعة وأخذ نظام الرق، كما أخذ تقسيم العمل وما يقتضيه من اختلاف بين الناس، أخذ كل هذا يستبدل شيئاً فشيئاً بالمساواة التي كانت قائمة في الجماعة الطبيعية تفاوتاً وانقساماً إلى طبقات "ففي الجماعة البدائية لا ترى- على وجه العموم- فارقاً بين حرّ وعبد، ولا تجد فيها رقا ولا طبقات، ثم

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر الاقتصادية في الحضارة -> التنظيم الاقتصادي


لا تدرك من الفوارق بين الرئيس وتابعيه إلا قدراً ضئيلاً" (45). وبالتدريج ازدادت الآلات والصناعات تعقداً، فعمل ذلك على إخضاع الضعيف العاجز إلى مشيئة القوي الماهر، وكان كلما ظهر اختراع جديد، أصبح سلاحاً جديداً في أيدي الأقوياء، فزاد من سلطانهم على الضعفاء واستغلالهم لهم ثم عمل نظام التوريث على اتساع الهوة بأن أضاف إلى الامتياز في الفُرَص السانحة امتيازاً في الأملاك، فقسمت المجتمعات التي كانت يوماً متجانسة إلى عدد لا يحصيه النظر من طبقات وأوساط؛ وأحس الأغنياء والفقراء بغناهم أو فقرهم إحساساً يؤدي إلى التشاحن، وأخذت حرب الطبقات تسري خلال عصور التاريخ كأنها خيط أحمر، فاقتضى هذا النزاع بين الطبقات قيام الدولة التي لم يعد عن قيامها محيص لتنظيم تلك الطبقات ولحماية الأملاك ولشن الحروب ولتنظيم السلام.
قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> أصول الحكومة

العناصر السياسية في الحضارة

أصول الحكومة

الغريزة الاجتماعية - الفوضى البدائية -القبيلة

والعشيرة - الملك - الحرب

ليس الإنسان حيوانا سياسيا عن رضى وطواعية، فالرجل من الناس لا يتحد مع زملائه مدفوعا برغبته بقدر ما يتحد معهم بحكم العادة والتقليد والظروف القاهرة؛ فهو لا يحب المجتمع بقدر ما يخشى العزلة، ولذلك تراه يتحد مع غيره من الناس لأن اعتزاله يعرضه للخطر، ولأن ثمة أشياء كثيرة يمكن أن يجود أداؤها بالتعاون أكثر مما يجود بالانفراد، وعلى ذلك فالرجل من الناس وحشي في صميمه يتصدى للعالم كله تصدي العدو لأعدائه بكل ما يتطلب ذلك من بطولة؛ فلو قد جرت الأمور على ما يشتهي الإنسان المتوسط لكان الأرجح ألا تقوم للدولة قائمة؛ بل إنك لتراه في يومنا هذا يمقت الدولة مقتا، ولا يفرق بين الموت وجباية الضرائب، ويتحرق شوقا لحكومة لا تحكم من أموره إلا أقلها؛ ولو رأيته يطالب بزيادة في القوانين فما ذاك إلا لأنه يعتقد أن جاره لابد له من تلك القوانين أما هو إذا ما ترك لهواه، فينزع إلى الفوضى التي لا يضبطها تفكير فلسفي، ويظن أن القوانين - فيما يختص بحالته - زائدة لا حاجة إليها.
ولو نظرت إلى أبسط المجتمعات تكوينا لأوشكت ألا ترى فيها حكومة على أية صورة من الصور، فالصائدون البدائيون لا يميلون إلى قبول التقنين إلا حين

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> أصول الحكومة


ينضمون إلى جماعة الصيد ويستعدون لدور النشاط؛ أما في غير هذا فترى قبيلة البوشمن تعيش عادة في أسرات معتزل بعضها عن بعض؛ وكذلك أقزام إفريقية وأهل استراليا الفطريين لا يقبلون التنظيم السياسي إلا مؤقتا، حتى إذا ما فرغت مهمته انتشروا من جديد في أسرات كل منها قائم بذاته؛ وليس لأهل تسمانيا رؤساء ولا قوانين ولا حكومة دائمة، والفديون من سكان سيلان انقسموا جماعات على أساس الروابط العائلية، لكن لم يكن عليهم حكومة، والكوبيون في سومطرة "يعيشون بغير سلطان" وتحكم كل أسرة نفسها؛ وقلما تجد الفويجيين في جماعات تزيد عن اثني عشر؛ وكذلك التنجيون يجتمعون اجتماعات متفرقة لا تزيد الجماعة منها عن عشر خيمات أو ما يقرب من ذلك، ولا يزيد "الحشد" من الاستراليين عن ستين شخصا إلا في القليل النادر(1)، ولا تلتئم هذه الجماعة ولا تتعاون إلا لأغراض خاصة مثل الصيد، دون أن تتحد في نظام سياسي دائم.
كانت القبيلة أول صورة للنظام الاجتماعي الدائم - ونقصد بالقبيلة جماعة من أسرات ترتبط بأواصر القربى، وتشغل بقعة من الأرض على سبيل الشيوع ولها طوطم مشترك وتحكمها حكومة بعينها وفق قوانين معينة؛ فإذا ما اتحدت عدة قبائل تحت رئيس واحد تكونت بذلك العشيرة؛ فالعشيرة هي الخطوة الثانية نحو تكوين الدولة؛ لكن التطور في هذه السبيل كان بطيئا إذ كان كثير من الجماعات بغير رؤساء(2) وجماعات أخرى كثيرة لن تقبل نظام الرئاسة - فيما نظن - إلا في وقت الحرب(3) فالديمقراطية ليست من مزايا عصرنا التي يُزهى بها على العصور السوالف، لأنها تظهر على خير وجوهها في كثير من الجماعات البدائية حيث لا تكون الحكومة القائمة عليها سوى ما يشير به رؤساء الأسر في العشيرة - ولم يسمح قط بقيام السلطة جزافا(4) فالهنود من قبائل "إراكو" و "دلاوير" لم يعترفوا بشيء من القوانين أو الضوابط خارج نطاق النظام

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> أصول الحكومة


الطبيعي الذي تقضي به الأسرة أو العشيرة؛ ولم يتمتع رؤسائهم إلا بسلطة متواضعة في مقدور شموخ العشيرة أن ينسخوها في أي وقت شاءوا؛ وكان يقوم على هنود "أوماها" "مجلس السبعة" الذي يظل أعضائه يتشاورون في الأمر حتى يصلوا إلى إجماع في الرأي؛ فإذا أضفت إلى هذا جمعية الإراكوا المشهورة، التي تم فيها الاتفاق بين قبائل كثيرة، فارتبطت القبائل بما اتفقت عليه من عهود في حفظ السلام، لم تجد هوة سحيقة تفصل بين هؤلاء "الهمج" وبين الدول الحديثة التي تتعهد بنشر السلام في جمعية الأمم تعهدا قد يُخلّون به.
لكنها الحروب هي التي تخلق الرئيس وتخلق الملك وتخلق الدولة؛ كما أن هؤلاء جميعا هم الذين يعودون فيخلقون الحروب؛ ففي "ساموا" كانت للرئيس سلطة إبان الحرب، أما في غير ذلك فلم يكن يأبه له الناس كثيرا؛ وقبيلة "دياك" لم تكن تعرف من الحكومة إلا ما لرأس الأسرة على أسرته من سلطان، فإن نشب القتال كانوا يختارون أشجع مقاتليهم فيولونه القيادة ويطيعونه طاعة عمياء، حتى إذا ما فرغوا من قتالهم، نزعوه وأرجعوه إلى عمله السابق بمعنى هذه العبارة الحرفي(5)؛ وأما في فترات السلم فقد كان أكثر السلطة والنفوذ للكاهن أو رئيس السحرة؛ فلما تطور نظام الحكم، وأصبحت الملكية هي الصورة المألوفة لدى أغلب القبائل، اشتقت الملكية وظائفها من وظائف هؤلاء، وجمعت تلك الوظائف كلها في يدها: وظائف المقاتل والشيخ الوالد والكاهن؛ وإنك لترى الجماعات تحكمها قوتان: تحكمها الكلمة في وقت السلم، ويحكمها السيف إبان الشدائد؛ وإذن فالقوة لا تستعمل إلا حيثما يفشل الإرشاد بالقول؛ وقد سار القانون والعقائد الأسطورية جنبا إلى جنب خلال العصور، يتعاونان معا على حكم البشر، أو يتعاقبان الواحد بعد الآخر، ولم تجرؤ دولة من الدول حتى يومنا هذا أن تفصل بينهما، ومن يدري لعلهما يعودان فيتحدان غدا.

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> أصول الحكومة


ولكن كيف انتهت الحرب إلى قيام الدولة؟ لم يكن ذلك لأن الإنسان ميال بفطرته للحروب، فبعض الشعوب المتأخرة غاية في حب السلام، ولم يستطع الإسكيمو أن يفهموا لماذا يطارد الأوربيون بعضهم بعضا كأنهم الحيتان - مع أنهم يدينون جميعا بعقيدة مسالمة واحدة - ولماذا يسرق بعضهم أرض بعض، ولذا قالوا في تمجيد أرضهم: "ألا ما أجمل أن يكون غطاؤنا ثلجا وجليدا! ما أجمل أن يكون الذهب والفضة اللذين إن كانا كامنين في صخورنا - الذهب والفضة اللذين يتكالب عليها المسيحيون تكالبا جشعا - فإنهما يكونونان تحت غطاء كثيف من الثلج بحيث لا يستطيعون الوصول إليهما! إن عقم أرضنا عن الإثمار مؤد إلى سعادتنا ومنقذنا من اعتداء المعتدين" (6) ومع ذلك فحياة البدائيين قد تخللتها حروب لا تنقطع؛ فالصائدون كانوا يقاتلون من أجل المصائد التي لم تزل عامرة بصيدها، كما كان الرعاة يقاتلون في سبيل المراعي الجديد من أجل قطعانهم، والزارعون يقاتلون ليستولوا على التربة العذراء؛ وكل هؤلاء وأولئك كانوا يقاتلون حينا بعد حين ليثأروا لقتل، أو لينشئوا ناشئتهم على الصلابة والنظام، أو ليجددوا الحياة الرتيبة المملولة، أو ليظفروا بغنيمة يسلبونها أو أسيرة يخطفونها، وقليلا ما حارب هؤلاء وأولئك من أجل الدين؛ نعم لقد كان بينهم أنظمة وعادات تحدد القتل، كما هي الحال بيننا - فعينوا ساعات بعينها أو أياما أو أسابيع أو أشهرا لا يجوز للهمجي الكريم النفس أن يقتل أحدا خلالها؛ وكذلك حددوا بعض القواعد لا يجوز عصيانها، وبعض الطرق لا ينبغي أن يعتدي عليها، وبعض الأسواق والمستشفيات لا ينشب فيها قتال؛ ومن هذا القبيل عملت "جمعية الإراكوا" على قيام "السلم الأعظم" مدى ثلاثمائة عام(7)، لكن الحرب مع هذا كله كانت هي الأداة المختارة للانتخاب الطبيعي بين الأمم والجماعات البدائية.
ولم يكن للنتائج المترتبة على الحروب نهاية تقف عندها فقد كانت عاملاُ
قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> أصول الحكومة


لا يرحم في اقتلاع الشعوب الضعيفة والقضاء عليها، ورفعت مستوى الإنسان من حيث الشجاعة والعنف والقسوة والذكاء والمهارة؛ وحفزت الإنسان على الاختراع، وأدت إلى صنع آلات أصبحت فيما بعد أدوات نافعة، وإلى اصطناع فنون للحرب سرعان ما انقلبت فنونا للسلم؛ "فكم من السكك الحديدية اليوم تبدأ على أنها جزء من خطة القتال، ثم تنتهي وسيلة من وسائل التجارة! " وفوق هذا كله عملت الحرب على انحلال الشيوعية والفوضى اللذين سادا الجماعات البدائية وأدخلت في الحياة نظاما وقانونا، وأدت إلى استرقاق الأسرى وإخضاع الطبقات وقيام الحكومات؛ فالدولة أمها الملكية وأبوها القتال.

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> الدولة


الدولة

باعتبارها تنظيما للقوة - المجتمع القروي - الأركان النفسية للدولة


يقول نيتشه: "أن جماعة من الوحوش الكواسر شقراء البشرة، جماعة من الغزاة السادة، بكل ما لها من أنظمة حربية وقوة منظمة، تنقض بمخالبها المخيفة على طائفة كبيرة من الناس، ربما فاقتها من حيث العدد إلى حد بعيد، لكنها لم تخذ بعد نظاما يحدد أوضاعها... ذلك هو أصل الدولة" (Cool، ويقول "لستر وورد" Lester Ward: "تبدأ الدولة - باعتبارها مختلفة عن النظام القبلي - بأن يغزو جنس من الناس جنسا آخر" (9)؛ ويقول "أوبنهيمر" Oppenheimer : "إنك لترى أينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى أقل منها استعدادا للقتال، ثم تستقر في أرضها مكونة جماعة الأشراف فيها، ومؤسسة لها الدولة" (10)؛ ويقول "تاتسنهوفر" Tatzenhofer "العنف هو الأداة التي خلقت الدولة" (11) ويقول "جمبلوفتش" Gumplawiez إن الدولة نتيجة الغزو، هي قيام الظافرين طبقة حاكمة على المهزومين(12). ويقول "سمنر" Sumner "إن الدولة نتيجة القوة وهي تظل قائمة بسند من القوة" (13).
وهذا الإخضاع العنيف إنما يقع عادة على جماعة زراعية مستقرة، من قبيلة من الصائدين والرعاة(14) لأن الزراعة تعلم الناس الأساليب المسالمة، وتروضهم على حياة رتيبة لا يختلف يومها عن أمسها، وتنهكهم بيوم طويل من عمل مجهد؛ مثل هؤلاء الناس يجمعون ثروة، لكنهم ينسون فنون الحرب ومشاعرها؛ أما الصائد وأما الراعي، وقد ألفا الخطر ومهرا في القتل، فإنهما ينظران إلى الحرب

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> الدولة


كأنها ضرب آخر من مطاردة الصيد، لا تكاد تزيد عن مطاردة في خطرها؛ فإذا نضب معين الغابات ولم يعد يمدهم بما يشتهون من صيد، أو إذا ما قلت قطعانهم بسبب اضمحلال المراعي: فإن رجال الصيد والرعي عندئذ ينظرون بعين الحسد إلى حقول القرية بما تحوى من ثمار، وسرعان ما ينتحلون تبريرا للهجوم شأنهم في ذلك شأن المحدثين في استسهال هذا الانتحال؛ ثم يغزون فيغلبون فيسترقون فيحكمون الدولة مرحلة متأخرة في سلم التطور لم تكد تظهر قبل عهد التاريخ المدون، لأن قيام الدولة يقتضي تغيرا في مبدأ التنظيم الاجتماعي من أساسه فيكون المبدأ هو أن يكون الحكم لمن يسيطر بدل أن يكون لذوي القربى كما كانت القاعدة السائدة في المجتمعات البدائية، وإنما يكون نظام السيطرة في أنجح حالاته إذا ما ربط عدة جماعات طبيعية مختلفة، بعضها ببعض برباط يفيدها من نظام وتجارة؛ وحتى وهو في هذه الحالة تراه لا يدوم طويلا إلا في القليل النادر، اللهم إلا إن كان تقدم في الاختراع قد زاد من قوة القوى بأن وضع في يديه أدوات وأسلحة تمكنه من كبت الثورة إذا اشتعلت؛ وفي حالة السيطرة الدائمة ترى مبدأ التسلط يميل إلى إخفاء نفسه حتى لا يكاد يدس نفسه في ثنايا اللاشعور؛ فلما ثار الفرنسيون سنة 1789م أوشكوا ألا يتبينوا - حتى ذكرهم بالحقيقة كاميل ديمولان Camille-Desmolins أن طبقة الأشراف كانت تحكمهم منذ ألف عام جاءتهم من ألمانيا وأخضعتهم لسلطانها بالقوة؛ حقا إن الزمن ليخلع على كل شيء مسحة من قدسية، حتى أخبث السرقات قمين أن يبدو في أيدي أحفاد اللص الذي سرق، مِلْكاَ مقدسا لا يجوز عليه

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> الدولة


اعتداء؛ إن كل دولة تبدأ بالقهر لكن سرعان ما تصبح عادات الطاعة هي مضمون الضمير ثم سرعان ما يهتز كل مواطن بشعور الولاء للعلم.
والمواطن في ذلك على صواب، فمهما تكن بداية الدولة فسرعان ما تصبح دعامة لا غنى عنها للنظام، لأنه إذا ما ربطت التجارة طائفة من القبائل والعشائر، نشأت بين الناس علاقات لا تعتمد على القرابة بل تعتمد على ما بين الناس من اتصال، وإذن فلابد لمثل هذه العلاقة من أساس للتنظيم يصطنع لها اصطناعا، ونستطيع أن نسوق مجتمع القرية مثلا لذلك: فالقرية هي التي حلت محل القبيلة والعشيرة وأصبحت هي صورة التنظيم الاجتماعي المحلي؛ فأقامت لنفسها حكومة بسيطة تكاد تكون ديمقراطية، حكومة قوامها مناطق صغيرة يجتمع عنها رؤساء الأسر؛ لكن مجرد وجود هذه الجماعات وكثرة عددها، استلزم تدخل قوة خارجية تنظم ما بينها من علاقات، وتنسجها جزءا من شبكة اقتصادية أوسع، والدولة هي التي سدت هذه الحاجة مهما يكن فيها مما يخيف ويفزع أول أمرها؛ أنها لم تَعُد قوة منظمة وكفى، بل أصبحت كذلك أداة توائم بين مصالح مئات الجماعات المتضاربة التي منها يتألف المجتمع في صورته المركبة، ولما تم للدولة ذلك مَدَّت حبائلها من سلطان وقانون وأخذت توسع نطاقها شيئا فشيئا؛ وعلى الرغم من أنها صيَّرَت الحرب الخارجية أكثر تخريبا مما كانت قبل تكوينها، إلا أنها استطاعت أن توسع السلام الداخلي وتثبت أركانه؛ ولك أن تعرف الدولة بأنها سلام في الداخل استعدادا للحرب في الخارج؛ ولم يلبث الناس أن يتبينوا أن دفع الضرائب للدولة خير لهم من التقاتل بعضهم مع بعض، خير لهم أن يدفعوا الجزية للص واحد عظيم من أن يدفعوا الرشوة للجميع، وإذا أردت أن تعلم ماذا عسى أن يقع في مثل هذا المجتمع إذا خلا من الحاكم لفترة من الزمن؛ فانظر ماذا تصنع جماعة "الباجندا" التي اضطر كل رجل فيها حين مات الملك أن يسلح نفسه،

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> الدولة


لأن الخارجين عن القانون أنشبوا أظفار الفوضى والقتل والنهب أرجاء البلاد جميعا(15)؛ وقد صدق "سبنسر" حين قال: "إنه بغير حكم أوتوقراطي كان يستحيل على تطور المجتمع أن يبدأ مراحله" (16).
على أن الدولة التي تعتمد على القوة وحدها سرعان ما يتقوض بناؤها، لأن الناس وإن يكونوا بطبعهم أغرارا، فهم كذلك لطبعهم ذوو عناد؛ والقوة مثل الضرائب تبلغ أكثر نجاح لها إذا ما كانت خفية غير مباشرة؛ ومن هنا لجأت الدولة - لكي تبقي على نفسها - إلى أدوات كثيرة تستخدمها وتصطنعها في بث تعاليمها - كالأسرة والكنيسة والمدرسة - حتى تبني في نفس المواطن عادة الولاء للوطن والفخر به؛ ولقد أغناها هذا التنشيء عن مئات من رجال الشرطة، وهيأ الرأي العام للتماسك في طاعة وانصياع، فمثل هذا التماسك لابد منه في حالة الحرب؛ وفوق هذا كله فإن الأقلية الحاكمة حاولت أن تحولّ سيادتها التي فرضتها على الناس فرضا بقوتها إلى مجموعة من القوانين من شانها أن تُبَلور سلطانها من جهة، وإن تقدم للناس ما يرحبون به من أمن ونظام من جهة أخرى وهي تعترف بحقوق "الرعية" اعترافا تستميلها به إلى قبول القانون ومناصرة الدولة.


قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون

القانون
انعدام القانون - القانون والعادة - الثأر - الغرامات

المحاكم - المحنة - المبارزة - العقاب الحرية البدائية

يأتي القانون مصاحبا للملكية والزواج والحكومة؛ فأحط المجتمعات تدبر أمرها بغير قانون؛ يقول "ألفرد رسل ولاس": "لقد عشت مع جماعات الهمج في أمريكا الجنوبية وفي الشرق، ولم أجد بينهم قانون ولا محاكم سوى الرأي العام الذي يعبر عنه أهل القرية تعبيرا حرا، فكل إنسان يحترم حقوق زملائه احتراما دقيقا، فالاعتداء على هذه الحقوق يندر وقوعه أو يستحيل، إن الناس جميعا في مثل هذه الجماعة متساوون تقريبا" (17)؛ وكذلك كتب "هرمان ملفيل" Herman Melville شيئا كهذا عن أهل جزيرة ماركساس Marqusas فقال: "أثناء وجودي بين قبيلة "التايبي" Typees لم يُقَدّم أحد قط للمحاكمة بتهمة الاعتداء على غيره من الناس؛ وسار كل شيء في الوادي سيرا هادئا متسقا على صورة لا تجد لها مثيلا في الجماعات المسيحية مهما انتقيت منها خيرها وأصفاها وأنقاها؛ وإن في هذا القول مني لجرأة أستبيحها لأنه قول الصدق" (18)؛ ولقد أقامت حكومة الروسيا القديمة دورا للمحاكم في جزر ألوشيا لكنها لم تصنع شيئا قط مدى خمسين عاما، ويقول "برِنتُنْ" Printon : "كانت الجرائم والاعتداءات في قبيلة إراكوا من القلة في ظل نظامهم الاجتماعي بحيث تكاد لا تجد ما يبرر أن نقول أن لهم قانونا للعقوبات" (19)، هذه هي الظروف المثالية أو ربما كانت صورتها المثالية من خلفنا نحن - التي يتمنى الفوضويون عودتها

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


لكن هذه الصورة يجب أن تعدل بعض التعديل؛ فالجماعات الفطرية تتمتع بحرية نسبية من قيود القانون؛ أولاً لأنها محكومة بعادات هي في صرامتها وفي استحالة الخروج عليها كأي قانون، وثانياً لأن جرائم العنف في أول الأمر تعتبر مسائل خاصة يقضى فيها بالثأر الشخصي الذي تُسفح فيه الدماء.
إن التقاليد لتكوّن أساسا ثابتا مكينا تراه مستقرا تحت الظواهر الاجتماعية كلها؛ فهي بمثابة الصخرة الراسخة في أسفل البناء، وقوامها ألوان الفكر وضروب الفعل التي خلع عليها مر الزمان هالة من تقديس، وهي تُمِدُّ المجتمع بشيء من الثبات والنظام إذا ما انتفى القانون أو تغير أو اضطرب؛ فالتقاليد فيما تعطيه للجماعة من استقرار تشبه الوراثة والغرائز فيما تعطيانه من استقرار للنوع البشري، كما تشبه العادات بالقياس إلى الفرد الواحد؛ والتقاليد هي الاطراد المكرور الذي يحفظ للناس عقولهم في رءوسهم لأنه إذا لم تكن لدى الإنسان هذه القنوات التي ينزلق فيها التفكير والعمل انزلاقا لا شعوريا يسيرا، لاضطر العقل أن يتردد إزاء كل شيء وسرعان ما يلوذ بالجنون مهربا؛ والغرائز والعادات والتقاليد والأوضاع الاجتماعية كلها تتحدد وفق قانون اقتصادي يستغني بالقليل عن الكثير، لأن العمل الآلي هو أنسب طريقة يستجيب بها الإنسان للمثير الخارجي إذا تكرر، أو للموقف المعين إذا تجدد حدوثه؛ أما التفكير الأصيل والتشديد في السلوك فهو اضطراب في مجرى الاطراد، ولا يستطيعه الإنسان إلا في الحالات التي يريد فيها أن يغير من سلوكه المألوف بحيث يلائم الموقف الذي يحيط به، أو في الحالات التي يأمل فيها أن يكافأ على تشديده وتفكيره كسبا موفوراً.
فإذا أضيف إلى هذا الأساس الطبيعي وهو التقاليد، تأمين يأتيه من السماء عن طريق الدين، وأصبحت تقاليد آبائنا هي كذلك ما تريده لنا الآلهة من سلوك، عندئذ تصبح التقاليد أقوى من القانون، ويبعد الإنسان عن حريته البدائية بعدا جوهرياً؛ إنك إذا جاوزت حدود القانون فقد كسبت إعجاب نصف

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


الناس الذين يحسدون في أعماق نفوسهم كل من يستطيع أن يتغلب بذكائه على هذا العدو القديم؛ أما إذا جاوزت حدود التقاليد فأنت قمين أن تصطدم بمقت الجميع لأن التقاليد تنشأ من الناس أنفسهم، بينما يفرض عليهم القانون فرضا من أعلى؛ القانون عادة مرسوم قضى به السلطان، أما التقاليد فهي الانتخاب الطبيعي لألوان السلوك التي ثبتت صلاحيتها في خبرة المجتمع، والقانون يأخذ في حلوله محل التقاليد حين تحل الدولة محل الأسرة والقبيلة والعشيرة والمجتمع القروي، وكلها أنظمة طبيعية؛ ثم يتم حلول القانون محل التقاليد حين تظهر الكتابة، وتتدرج القوانين في انتقالها من تشريع يهبط إلى الخلف عن طريق ذاكرات الشيوخ والكهنة، إلى نظام تشريعي صريح مكتوب على ألواح، لكن حلول القانون محل التقاليد لم يكمل في يوم من الأيام؛ وستظل التقاليد حتى النهاية هي القوة الكامنة من وراء القانون حين يقرر الإنسان أي نوع من السلوك ينبغي أن يسلك، وحين يحكم على أنواع السلوك بالخير والشر؛ ستظل التقاليد حتى النهاية هي القوة الكامنة وراء العرش، "هي الحكم الأخير الذي يقضى في حياة الإنسان".
وأول المراحل في تطور القانون أخذ الإنسان لنفسه بالثأر فيقول الرجل من البدائيين: "إن الثأر ثأري وسأرد عن نفسي ما لَحِقَ بي"، وكل فرد من القبائل الهندية التي تسكن "كاليفورنيا السفلى" هو لنفسه الشرطي وهو الذي يقيم لنفسه ميزان العدل بما تسعفه قوته من الثأر؛ ففي مجتمعات بدائية كثيرة إذا حدث لشخص "أ" أن اغتال شخصا آخر هو "ب" كانت النتيجة أن يقتل "أ" على يد ابن "ب" أو صديقه. ولنرمز له بالحرف "جـ"، ثم يقتل هذا الابن أو الصديق على يد شخص رابع هو "د" يكون ابن "أ" أو صديقه وهكذا حتى تنتهي أحرف الهجاء، وإنك لترى أمثلة للثأر في أنقى العائلات الأمريكية دماً في يومنا هذا، ولقد امتد الثأر ما امتد القانون نفسه في عصور

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


التاريخ، وهو يظهر في "القصاص" المذكور في القانون الروماني؛ والقصاص يلعب دورا كبيرا في تشريع حمورابي، وتراه في أمر "موسى" بأن تكون "العين بالعين والسن بالسن" وهو ما يزال كامناً وراء الكثرة الغالبة من العقوبات القضائية حتى اليوم.
والخطوة الثانية نحو القانون والمدنية من حيث التصرف إزاء الجريمة هي الأخذ بالتعويض بدل الثأر، فكثيرا جداً ما استعمل الرئيس سلطته أو نفوذه لكي يحافظ على حسن العلاقات بين أفراد جماعته - ليحمل الأسرة الراغبة في الأخذ بالثأر على أن تستبدل بالدم المطلوب ذهباً أو متاعاً؛ ثم ما هو إلا أن نشأت "تَعْرِيفة" قانونية، تحدد كم من المال ينبغي أن يدفع ثمناً للعين وكم للسن وكم للذراع وكم للحياة، وقد توسع حمورابي في تشريعه على هذا الأساس؛ وقد كان أهل الحبشة غاية في الدقة في العقوبة بالقصاص بحيث إذا سقط صبي من أعلى الشجرة على زميله وقتله، فإن القاضي يحكم بأن ترسِلَ الأم الثكلى ابناً آخر من أبنائها ليسقط من أعلى الشجرة على عنق الصبي الذي اقترف الذنب أول مرة (20)، والعقوبات التي تُقَدَّر في حالات التعويض، قد تختلف باختلاف جنس المعتدي والمعتدى عليه، وعمره ومنزلته، فالفيجيون - مثلاً - يعتبرون السرقة الطفيفة يأتيها إنسان من سواد الناس، أشنع إجراما من القتل يقترفه الرئيس(21) وهذا ما حدث طوال تاريخ القانون، ففداحة الجريمة كانت دائماً تقل بعلو منزلة المجرم ولما كانت هذه الغرامات أو التعويضات التي تدفع اجتناباً للثأر، تتطلب تقديراً للجريمة وللتعويض بحيث يتلاءمان، اتخذت خطوة ثالثة نحو القانون وهي قيام المحاكم، حيث كان الرؤساء أو الكهنة أو الشيوخ يجلسون مجلس القضاة ليقضوا فيما ينشب بين الناس من خلاف، ولم تكن هذه المحاكم

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


دائماً مجالس تقضي كما يقضي القضاة، بل كثيرا ما كانت مجالس لإصلاح ذات البين، فكانت تصل بالمتخاصمين إلى حل يرضيهما معاً بصورة ودية ؛ ولبث الالتجاء إلى المحاكم اختيارياً لدى كثير من الشعوب مدى قرون طوال، وكان المعتدى عليه إذا لم يُرْضه الحكم الصادر في شأنه، يباح له أن يأخذ ثأره بيده(22).
وفي حالات كثيرة كان البت في أمر الخصومات يتم في صورة عراك يجري على مرأى من الناس بين المتخاصمين، وكان هذا العراك يختلف في مدى إراقته للدماء، من مباراة في الملاكمة لا يترتب عليها شيء من الأذى - كما هو الحال بين الإسكيمو الحكماء - إلى مبارزة تنتهي بالموت؛ وكثيراً ما لجأ البدائيون إلى اصطناع المحنة في فض مشكلاتهم، غير أنهم لم يقيموها على أساس النظرية التي سادت في القرون الوسطى بأن الله سيكشف عن المجرم عن طريق المحنة بقدر ما أقاموها على أساس من أمل بأن المحنة مهما بلغت من بعدها عن العدل، ستختم نزاعاً قد تضطرب له القبيلة أجيالا عدة إذا لم يلجأ في فضه إلى المحنة ومن أمثلة ذلك أن المتَّهِمَ والمتَهَمَ كليهما يطلب إليهما أن يختار كل منهما صحفة طعام من بين صحفتين إحداهما مسمومة، وقد ينتهي هذا الاختيار بأن يأخذ الصحفة المسمومة من هو بريء (والعادة ألا يكون أثر السم مما يستحيل الخلاص منه) لكن الخصومة تنتهي بهذا، ما دام الفريقان يعتقدان في غير إرغام بعدالة مبدأ المحنة؛ وقد كانت العادة عند بعض القبائل أن المذنب إذا اعترف بذنبه مد ساقه للمعتدى عليه ليطعنها برمحه؛ أو يُطْلب إلى المتهم أن يصمد للرماح يقذفه بها متهموه، فإذا أخطأته الرماح جميعاً، أعلنت براءته، أما إذا أصابه ولو رمح واحد، حكم بإدانته وفُضَّ الخلاف(23).
وهكذا هبط مبدأ المحنة خلال العصور، بادئاً من تلك الصور البدائية إلى

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


قوانين موسى وحمورابي ثم إلى العصور الوسطى؛ والمبارزة ضرب من ضروب المحنة، وقد ظن المؤرخون أنها قد انقضى عهدها، لكنها في طريقها إلى العودة من جديد في أيامنا هذه، وهكذا ترى الفارق بين الإنسان البدائي والإنسان الحديث ضيقاً صغيراً في بعض جوانب الحياة، وإن تاريخ المدنية لقصير.
ورابع الخطوات التي خطاها القانون في تطوره، هي أن تعهد الرئيس أو تعهدت الدولة أن يحول دون الاعتداء وان يُنزل العقاب بالمعتدي؛ وليس بين فض النزاع وإنزال العقاب بالمعتدين وبين محاولة اتقاء وقوع النزاع إلا خطوة واحدة؛ بهذا لم يَعُد الرئيس قاضياً وكفى، بل أصبح إلى جانب ذلك مشرعاً يسنُّ القوانين، وأضيفت إلى مجموعة القوانين العامة الشائعة بين الناس، والتي استمدوها من تقاليدهم مجموعة أخرى من "القوانين الوضعية" التي مصدرها مراسيم الحكومة؛ ففي الحالة الأولى تصعد القوانين من أسفل، وفي الحالة الثانية تهبط على الناس من أعلى؛ وفي كلتا الحالين ترى القوانين مصطبغة بمسحة السلف الغابر، وتشم فيها رائحة الأخذ بالثأر الذي جاءت تلك القوانين بديلاً له؛ لقد كان العقاب في الجماعات البدائية قاسياً(24) لأن تلك الجماعات لم تكن آمنة على حياتها، ولذلك ترى صرامة العقاب تقل كلما ازداد النظام الاجتماعي استقراراً.
وتستطيع القول بصفة عامة أن "حقوق" الفرد في المجتمع الفطري أقل منها في حالة المدنية؛ فأينما وجَّهت النظر وجدت الإنسان يولد مكبلا بالأغلال: أغلال الوراثة والبيئة والتقاليد والقانون؛ والفرد في الجماعة البدائية يتحرك في شبكة من القوانين التي تبلغ بصرامتها وتفصيلاتها حداً يجاوز المعقول، فألف تحريم يحدد سلوكه وألف إرهاب يشل إرادته؛ أن أهل زيلندة الجديدة كانوا فيما يبدو للعين يعيشون بغير قانون، لكنهم في حقيقة أمرهم كانت التقاليد تتحكم في كل مظهر من مظاهر حياتهم؛ كذلك أهل البنغال تسيرهم التقاليد التي لا قِبَل لهم بتغيرها أو معارضتها، فتحدد لهم طريقة الجلوس والقيام والوقوف والمشي والأكل والشرب

قصة الحضارة -> التراث الشرقي -> نشأة الحضارة -> العناصر السياسية في الحضارة -> القانون


والنوم؛ فالفرد أوشك ألا يكون في عرفهم كائناً مستقلاً بذاته في البيئة الفطرية، ولم يكن يتمتع بالوجود الحق إلا الأسرة وإلا القبيلة والعشيرة والمجتمع القروي، فهذه الهيئات هي التي تملك الأرض أو تباشر السلطان، ولم يصبح للفرد وجود واقعي متميز من وجود مجموعته إلا بعد أن ظهرت الملكية الخاصة التي هيأت له سلطاناً اقتصادياً، وبعد أن ظهرت الدولة التي اعترفت له بوجود قانوني وحقوق محددة (25)؛ إن الحقوق لا تأتينا من الطبيعة، لأن الطبيعة لا تعرف من الحقوق إلا الدهاء والقوة؛ إنما الحقوق مزايا منحتها الجماعة للأفراد على اعتبار أنها تؤدي إلى الخير العام؛ ولذا فالحرية ترف اقتضاه اطمئنان الحياة، والفرد الحر ثمرة أنتجتها المدنية، وعلامة تُمَيّزُها.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى