منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

في بيان مقصود أهل البهآء والأدلّة المثبِتة لدعواهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لأبى الفضائل

[إعلم أيها المناظر الجليل أيّدك الله بروح منه] إنّ عقيدة أهل البهاء هي أن جميع الصحف الإلهيّة والكتب السماويّة الموجودة في العالم ناطقة بهذه البشارات العظيمة ومتّفقة عليها وهي أنّ العالم يصل إلى درجة البلوغ بسبب طلوع نيّرين أعظمين في سماء أمر الله في آخر الزمان وتنطوي دورة الأوهام والخرافات وتزول من عالم الوجود ظلمة الإختلافات الدينيّة والمذهبيّة ويستقرّ العالم على كلمة واحدة ودين واحد وتُمحى الضّغائن الكامنة في الصّدور وتتبدّل العداوة والتنافر بين الأمم بالمحبّة والأخوّة وينهدم بنيان الحرب والقتال بل تتبدّل آلات الحرب بأدوات الزراعة والصناعة وتظهرُ الحقائقُ المودَعَة في الكتب وتتقدّم المعارف والعلوم وتتنوّر جميع الأقطار بأنوار التمدّن الحقيقي الّذي يسمّى "بالدّين" بلُغة الأنبياء ويهبّ نسيم الرّحمة ويظلّل غمام العدل وتهطل أمطار الفضل ويركد غبار الظلم والجور في جميع أقطار العالم. وخلاصة القول تنطوي سموات الأديان المختلفة ويتزيّن العالم بزينة جديدة وتحيا عظام الدين الرميمة بحياة جديدة ونشأة جديدة ويتجلّى معنى الآية: "يَوْمَ تَبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرُ الأرْضِ" وتنكشف حقيقة "وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنورِ رَبِّها" ويظهر تفسير "والأمْرُ يَوْمَئذٍ لله" .

وقد عبّرت التوراة المقدّسة عن هذا اليوم العظيم والقرن الفخيم بعبارة "يوم الربّ" و "يوم الله" وعَبّرت عن هذين الظهورين الكريمين بعبارة "نزول إيليّا" أي إلياس و "ظهور الله". وعبّر الإنجيل الجليل عن هذا اليوم العظيم بعبارة "يوم الربّ" و"يوم الملكوت" وعبّر عن الظهورين بعبارة "رجعة يحيى" و "النـزول الثاني لحضرة روح الله من السماء".

وعبّر القرآن المجيد عن هذا اليوم العظيم بعبارة "يوم الله" و "يوم الجزاء" و "يوم الحسرة" و "يوم التلاق" و "القيامة" و "السّاعة" وأمثالها. وعبّرت الأحاديث النبويّة المبيّنة للقرآن عن الظهور الأوّل بظهور "المهدي" وعبّرت عن الظهور الثاني بقيام "روح الله" وعبّرت أحاديث أئمّة الهدى عن الظهور الأوّل بظهور "القائم" وعن الظهور الثاني بظهور"الحسين".

ومقصودهم جميعاً كما سنشرحه ونبرهنه يومان عظيمان وظهوران كريمان كما قيل ["عباراتنا شتّى وحُسنك واحد"]. ومع أنّنا نستطيع أنْ نفهم من الشواهد الكثيرة أنّ رجال الله في طول هذا الليل الحالك مجهول الإبتداء قد بشّروا طلاب الهدى وطمأنوهم وبرهنوا لهم بلوغ العالم رتبة الكمال المبين إلاّ أنّ العقل المنير يشهد كذلك بصدق هذه الوعود وبلزوم تحقّق ظهور الموعود لأنّ العالم إنْ لم يصل إلى رتبة البلوغ فإنّ كتاب تكوين الوجود يبقى ناقصاً وتصبح شجرة الخلق عديمة الثمر.

2. في بيان تحقق الوعود بظهور النقطة الأولى والجمال الأقدس الأبهى:

هذا وإنّ إتّفاق الملل على الحشر الأعظم وعلى زوال الإختلافات الدّينيّة من عالم الوجود شاهدٌ أمين على هذه المسألة وبرهان متين عليها وأوّل شخص زيّن صفحات الألواح بهذه البشارات وأكّد ورود "يوم الله" كان السيّد العظيم موسى الكليم وبعده أنبياء بني إسرائيل الّذين بشّروا قومهم خلال ألف وخمسمائة سنة بالبشارات المذكورة وقوّوا قلوبهم بحتميّة زوال الظلمة من العالم إلى أنْ لَمَعَ برْقُ روح القدس من الأراضي المقدّسة وطلعت شمس جمال عيسى من أفق بيت المقدس وارتفع نداء "تُوبُوا فَقَدْ إقْتَرَبَ مَلَكُوتُ الله" الّذي زيّن العالم وطمأن قلوب الموحّدين بقرب إنقضاء هذه الليلة الدّهماء وبطلوع شمس الهدى. ودارت أرض المعارف حول هذا المحور مدّة ستّمائة وإثنين وعشرين عاماً إلى أن ظهر نور الصّبح من جهة يثرب وقام خاتم الأنبياء الّذي هو أوّل أشراط يوم الجزاء: سيّد الأصفياء عليه وآله أفضل التحيّة والثناء وأحاط نداءُ "أتَى أمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ" بجميع الآفاق وأحاطت العالم صيحة "إقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونْ" وطمأن الحديث الشريف "أنَا عَلَى نَسَمِ السَّاعَةِ" قلوبَ طلاب الهدى بقرب ورود السّاعة وانقضاء دور أرباب الظلم والجور والشرور وامتلأت الكتب والألواح ببشارات وعلامات " يوم الله" وإستقرّت القلوب على هذا الأمل المنشود مدّة ألف ومائتين وستّين عاماً إلى أنْ طلع ذلكم النّجم الدّري الإلهي من أفق فارس واشتعلت شعلة نار الحقيقة النورانيّة من شيراز وظهرت تباشير الصبح الصادق وارتفعت من جميع البلاد صيحة ظهور القائم الموعود وأحاط الآفاق نداءٌ محيي للأرواح بأنْ ["بُشْرى بُشْرى صُبْحُ الهُدى تَنَفَّسْ "] وفي مدّة دعوته الّتي دامت سبع سنين وهي مدّة تطابق أصحّ الأحاديث وأكثرها قام بالرّغم من إبتلائه بالنّفي والحبس وتحمّلَ الأهوالَ الشديدة والمصائبَ الكثيرة بنشر ألواح مقدّسة بشّر بها العالم وطمأنه بقرب ظهور الموعود بإسم "مَنْ يُظْهِرُهُ الله" وخصوصاً في الباب الثالث من الواحد السادس من كتاب البيان الشريف حيث نصّ وصرّح بظهور "مَنْ يُظْهِرُهُ الله" في مدّة "واحدٍ واحدٍ" بمعنى تسعة عشر عاماً وبعد إنقطاع السّنوات السّبع من أيّام قيامه نال رتبة الشهادة في مدينة تبريز وفقاً للحديث المشهور "لا بُدَّ لَنَا مِنْ آذَرْبِيجَانْ" وصعد إلى الرّفيق الأعلى.

وأخيراً بعد شهادة حضرته حلّ الميعاد واقترب "يومُ الله" و "يومُ الملكوت" وطلعت شمس الحقيقة وأشرق النيّر الأعظم وقام بأمر الله الجمال الأقدس الأبهى جلّ إسمه الأعلى وتحقّقت بقيامه المقدّس وعودُ جميع الأنبياء والمرسلين وبشارات الأولياء والمقرّبين وبعد أن حلّت به مصائبُ عديدة وحدثت له حوادث خطيرة موكول تفصيلها إلى الكتب التاريخيّة لا إلى الرسائل الإستدلاليّة إنتهى نفي ذلكم الوجود الأقدس بحكم أولياء الأمور في الدولتين العليّتين العثمانيّة والإيرانيّة إلى مدينة عكّاء المنوّرة فكملت بهذا النّفي بشارات الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام الخاصّة بالأراضي المقدّسة وتمّت النّبوّات وتحقّقت جميع الأحاديث والأخبار وعاش في هذه المدينة المنوّرة أربعة وعشرين عاماً ومع إحاطته بعواصف المصائب وهيجان زوابع الشدائد أبلغ النّداء الإلهي عن طريق ألواحه المقدّسة إلى ملوك الأرض ورؤساء الملل وبلغت صيحة ["قدْ ظَهَرَ الموْعود وَتَمَّ الوَعْدُ"] مسامعَ الصغير والكبير والجليل والحقير وجرى زلال الحقائق من قلمه المبارك وإنسابت أنهار المعارف من بيانه المقدّس وإمتدّت المائدة السماويّة الّتي تجلس حولها جميع الملل وشرّع الشريعة المقدّسة الّتي لا يمكن بدونها تصوّر إصلاح العالم وتمدّن الأمم ونزل من قلمه الأعلى الكتاب الأقدس الّذي هو الدرياق الأكبر لدفع أمراض العالم والمغناطيس الأعظم لجذب قلوب الأمم وظهور السبيل المقدّس الّذي وعد به النّبيون. وشُرّعت في هذه الشريعة المقدّسة جميع لوازم الدّيانة وآدابها من عبادات ومعاملات من طهارة ونظافة وصوم وصلاة وآداب زواج وحقوق متبادلة بين الأزواج والزوجات والمواريث وغيرها بأتقن وضع ٍ وأحسن وجهٍ وأمَرَ الكلّ بإطاعة الدّولة وإتّباع القوانين في كلّ مملكة وبالإنقياد للأنظمة الدّولية وعدم المداخلة في الأمور السّياسية وأمَرَ الجميع بإحترام الملوك والأمراء وحفْظِ مقام أرباب الفضل والعلماء ونهاهم نهياً أكيداً عن الحرب والقتال والمبارزة والنـزال وحتى عن حمل السلاح بدون إذن الحكومة، وأوصى الكلّ بإكتمال محامد الصّفات ومكارم الأخلاق من قبيل الصّدق والصّفاء والمحبّة والوفاء والعفّة والعصمة والأمانة والتقوى ونهاهم عن قبائح الأفعال ومخازي الخصال كالكذب والإفتراء والغيبة والنميمة والسرقة والخيانة والزنا، وأمَرَ أهل البهاء بمحبّة أهل العالم ومودّة جميع الأمم على حدّ سواء وأبطل ومحا كلّ موجبات التباعد والتنافر والمجانبة، فمثلاً قد أمَرَ أنْ لا يُزعج إنسانٌ أنساناً بقولٍٍ خشنٍٍ وأنْ لا تجري على لسانه كلمة طعن ٍ أو لعن ٍ أو ما يتكدّر به الإنسان وأنْ لا يجعل الإختلافات الدّينيّة والمذهبيّة سبباً للمنافرة والمجانبة وأن يرى الكلّ أوراق شجرة الإنسانيّة وأنْ يعتبر الجميع أزهارَ غصن البشريّة وأنْ يتّخذ جميع الملل إخواناً له وأن لا يفتخر على إنسانٍٍ وأنْ يقوم على خدمة العالم وأنْ يعتبر إزالة الضغائن الدّينيّة والمذهبيّة الّتي هي ولا شكّ مؤديّة إلى خراب العالم وهلاك الأمم وشقائها من أهمّ واجباته وأكّد على توسيع دائرة المعارف والعلوم وإتقان المهن والفنون تأكيداً لا شبيه له في الشرائع الماضية، فمثلاً قد فرض على كلّ إمرئٍٍ تربية أبنائه من الذكور والإناث بالعلم والخط والآداب الرفيعة حتى لا يبقى إنسانٌ عامّي غير مهذّب وتحيط العالم أنوار العلم والتمدّن وأشعّة الكمال والتقدّم وتتحقّق بشارة الآية المباركة "لِكُلِّ امْرِئ ٍ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ" وإذا أهمل إنسانٌ تربية أبنائه أو تهاون في ذلك فعلى الحكومة أن تربّي أبنائه بالآداب المذكورة وأن تأخذ مصروف ذلك من والدهم وإذا كان فقيراً وجب على الحكومة إحتسابَ هذه المصروفات من حقوق الله. ومجمل القول أنّه أوضح جميع لوازم السعادة وموجبات تقدّم النوع البشري وردّ الأحكام والعبادات والمسائل المنصوصة إلى الكتاب الأقدس كما ردّ المسائل غير المنصوصة والسياسيّة إلى بيوت العدل. وفي آخر حياته المباركة رَقمَ بخطه كتاب عهده ونصّ وخصّص وأكّد وأثبت مركز عهده وميثاقه وسَطرَ مرّة ثانية في هذا الكتاب الجليل جميع لوازم نجاح الأمم وفلاحها. وفي اليوم الثاني من شهر ذي القعدة سنة (1309) هجرية الموافق للثامن والعشرين من مايس سنة (1892) ميلاديّة إنطوى سجلّ اللقاء وصعد إلى الأفق الأعلى والمقصد الأسمى.

وقد إتّضح مما كتبناه إلى أنّ معتقد أهل البهاء هو إنّ ظهور حضرة الباب الأعظم النقطة الأولى وظهور الجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكرهما وعزّ إسمهما ظهوران بشّرت بهما جميع الأنبياء عليهم ألاف التحيّة والثناء، وأثبتوا وقائعهما وعلاماتهما بكمال الوضوح والصّراحة في الكتب السّماوية، وحيث أن إصلاح العالم ووفاق الأمم منوط بهذين الظهورين الأعظمين فقد أخذ الله على الأمم عهد ذلك من حيث الزّمان والمكان بصورة مؤرّخة ومعيّنة في جميع الكتب الإلهيّة ووفقاً لمصطلحات الإسلام الّذين نوجّه الخطاب إليهم سُمّي الظهور الأوّل بظهور القائم الموعود وسُمّي الظهور الثاني بالظهور الحسيني لدى الشيعة وبإسم "المهدي" و "روح الله" لدى أهل السنّة والجماعة.

فلمّا إتّضح وجهُ الدّعوى وتبيّن مَدْعى أهل البهاء فإنّنا نعطف زمام القلم نحو ذِكْر الأدلّة والبراهين على ذلك ونسأل الحقّ جلّ جلاله التأييد إنّه خير موفّق ومعين، ونعرض على سبيل المقدّمة وقبل كلّ شيئ أنّه ولو أنّ أدلّة الظهور في أوان ظهور المظاهر الإلهيّة وطلوع شموس الحقيقة كثيرة جدّاً وأنّ الشواهد على الطلوع لا تحصى بل إنّ الذرات بإعتقاد أهل الفؤاد تدلّ على ظهورهم والأحجار والحصى تشهد بحقيقتهم لكن حيث أنّ الكثيرين بسبب تمسّكهم بالأوهام الواهية ورسوخهم في العقائد الباطلة عاجزون عن مشاهدة أدلّة حقيقة أنبياء الله وقاصرون عن إدراك عظمة أمْر الله كما يدلّ على هذا بقاء أهالي الأديان القديمة على معتقداتهم الفاسدة وإصرارهم على تكذيب الأنبياء والمرسلين بعد مرور ألفين أو ثلاثة آلاف سنة لهذا فإنّنا نقتصر في إثبات هذا الأمر الأعظم على الإستدلال بالبراهين الأربعة الّتي هي أقوى وأظهر البراهين وهي: آيات الكتاب والبشارات السابقة ودليل التقرير والمعجزات، ونبيّن كيفيّة الإستدلال بها في غضون أربعة فصول.


3. في بيان كيفيّة الإستدلال والإحتجاج بآيات القرآن الكريم:

إعلم أيها الشهم الفاضل أيّدكم الله وإيّانا باتّباع الحقّ ومجانبة الباطل أنّ أعظم الأدلّة وأقوى البراهين الّتي بقيت من لدنّ الأنبياء والّتي بها تحدّوا كلّ المعاندين وإحتجّوا على كلّ المكابرين هو الكلام الربّاني والوحي السماوي، وفي القرآن المجيد دعا الله هذا الدّليل دليلاً كافياً وحجّةً بالغةً وآياتاً إلهيّةً وبيّنةَ الصّحفِ السّماويةِ وخصَّصَ به نفوذَ كلمةِ الله وأوْكَلَ غلبةَ أمرِ الله بهذه الحجّة وحدها ووَعَدَ المكابرين والمكذّبين بها بعذاب أليم وسخط عظيم "يُرِيدُ اللهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينْ" . وهذا الدليل هو عبارة عن المعاني والحقائق الّتي نزلت بواسطة الروح الأمين على قلبه المقدّس وتجلّت على هيئة كلمات وظهرت في قوالب ألفاظ على لسانه المبارك ونتيجة لظهورها وصدورها ونزولها وإنتشارها إكتسب العالم الهرم قوّة الشباب وحلّ الرّبيعُ الروحاني وتجدّدت الشرائع والطقوس والسّنن والآداب وتجلّت حقيقة الأمطار السماويّة الّتي تَنْزل من غمام الهياكل الطيّبة وتهِب الحقائق الإنسانيّة، الّتي هي أشجار إلهيّة، نُضرةًً ورونقاً وبهاءً وتشرق على العالم بطلوع النيّر الأعظم أشعةُُ شمس الظهور بحكم "الله نُورُ السَّمَواتِ والأرْضِ" فتزيل ظلمة الأوهام والخرافات من قلوب النفوس المستعدّة.

وموجز القول إنّ الكلام الإلهي هو أعظم حجّة إستدلّ بها الحقّ على حقّية رسالة خاتم الأنبياء وصرّح بكفاءتها دون سائر المعجزات ويشهد العقل المنير على عظمة هذه الحجّة من عدّة وجوه ويرجّح دلالتها فوق دلالة سائر المعجزات. (فالوجه الأوّل) هو إنّ الكتاب أثر باقٍ دائم بينما سائر المعجزات آثار زائلة غير باقية لأنّ الحاضرين الموجودين في زمان الظهور والغائبين وغير الموجودين يستطيعون في كلّ قرن وزمان أنْ يتناولوا الكتاب الإلهي بأيديهم ويتوصّلوا عن طريق الأثر إلى المؤثّر وينتفعوا به لكنّ إحياء الميّت والصّعود إلى السماء وإنطاقُ الحجر والشجر وأمثالها أمورٌ لا تبقى ولا تتوصّل إليها كلّ يد وليس من الممكن وصولها إلى بلاد نائية وأقطار شاسعة ولهذا سُمّي القرآن بالحجّة البالغة والمعجزة الباقية وإعتُبر أعظمَ الآيات وأكبرَ المعجزات، (والوجه الثاني) هو إنّ العلم والكتاب أشرف جميع الأشياء الّتي يمكن أن تكون حجّة لأشرف المخلوقات وبرهاناً لسيّد الموجودات وهو الإنسان ولو رجع المنصف إلى عقله لَشهد أنّه لا شيئ من أشياء العالم يملك شرافة العلم والكتاب ولا شيئ يساويه في العلوّ وليس في العالم شيئ مثمر ومفيد مثل العلم والكتاب، (والوجه الثالث) هو أنّه يمكن أن تُدوّن في الكتاب شرائع وآداب ومواعظ وإنذارات تؤدّي إلى حصول الترقيات الرّوحانية والمدنيّة ويمكن بها تأديب أهل العالم وتمدينهم ولكن أيّة فائدة تحصل من إحياء الميّت ومحادثة العنب ونمو النّخل على ظهور الجمال؟ وأية ثمرة تترتّب على ذلك لأهل العالم؟ (والوجه الرابع) هو أنّ آيات الكتاب تؤدّي إلى الحياة والهداية والتذكرة والرّحمة بخلاف الآيات المقترَحة أي المعجزات الّتي يطلبها القوم من نبيّهم ويوقّفون إيمانهم على ظهور تلك المعجزات كما سنثبته بالآيات تفصيلاً إنْ شاء الله في فصل المعجزات حيث يصرّح تعالى إنّ آيات الكتاب تؤدّي إلى الإطمئنان والهداية بينما تؤدّي الآيات المقترحة إلى زيادة الشكوك والغضب الإلهي والهلاك.

ومجمل القول إنّ فيما عرضناه كفاية لكلّ منصف في إثبات أنّ الآيات أشرف وأعظم دليل. ولنتأمّل الآن قليلاً في القرآن الكريم الّذي هو الدليل المتين والسراج المنير والفارق بين الحقّ والباطل ولننظر كيف يستدّل به الرّسول الأكرم وخاتم النبيّين عليه آلاف التحيّة والثناء في إثبات رسالته، وأيّة حجّة عُظمى يستند إليها؟ وعندما يمعن الإنسان البصير نظره في جميع الآيات القرآنيّة من البداية إلى النهاية يشاهد أنّ الله جلّ جلاله لم يستدّل في إثبات حقيّة رسوله الأكرم بغير القرآن المجيد ولم يتّخذ حجّة وبرهاناً أبداً غير آيات الكتاب وصرّح بوضوح أنّ الأنس والجنّ عاجزون عن إتيان سورة من مثله وجميع أهل الأرض قاصرون دون الإتيان بشبهه، فالباطل لا يستطيع الوقوف تجاهه والقدرة الإلهيّة لا تمهل كلّ مختلق ومفتر على الله يختلق شَبَه آيات الله، فمن ذلك ما ورد في سورة العنكبوت قوله تعالى: " وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآيات عِنْدَ اللهِ وإنَّمَا أنَا نَذيرٌ مُبِينْ. أوَلَمْ يَكْفِهِمْ إنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلى إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةًً وَذِكْرى لِقَوْمٍٍ يؤْمِنُونْ" .

ويُستفاد من هذه الآيات فائدتان: (أوّلهما) إنّ حضرة الرّسول لم يستدلّ بالمعجزات أي لم يأتِ بمعجزة بحيث أنّ الكفّار صرخوا قائلين إنْ كان محمّد نبيّاً فلماذا لا يؤْتِهِ الله معجزة؟ و(ثانيهما) إنّ الكتاب دليل كافٍ وبرهان وافٍ وفيه قد سُترت هداية العباد الّتي هي المقصود الوحيد من إرسال الرّسل وبه أُنيط تذكّر الأمم وإنتباهها وهذه الآية المباركة وحدها تكفي العالم لو يكون للإنسان قلب مدرك وصدر منشرح ولكن ما العمل والناس يكتفون بتلاوة القرآن دون فهمه ويتمسّكون بأوهامهم الباطلة مثل الأمم الماضية.

وكذلك قال تعالى في سورة طه "وَقَالُوا لَوْلا يَأتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أوَلَمْ تَأتِهِمْ بَيِّنَةُُ مَا في الصُّحُفِ الأولى" . ومضمون هذه الآية الكريمة هي أن كفّار مكّة قالوا لماذا لا يأتهم الرّسول بمعجزة من ربّه؟ فنـزل في جواب سؤالهم ألم نُنـزل لهم بيان الصّحف الأولى أي القرآن الّذي هو بيان التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماويّة؟ ويستفاد من الآية المباركة أنّ حضرة الرسول بالرغم من إستدلاله على حقيّته بالقرآن الكريم فإنّه لم يجب ما سأله القوم من إظهار إحدى المعجزات.

وكذلك قال تعالى في سورة البقرة: "وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنا فأتوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَدَائكُمْ مِنْ دُونِِ الله إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينْ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الّتي وُقُودَهَا النَّاسُ والحِجَارَةِ أُعِدَّتْ لِلْكافِرين" .

وكذلك قال تعالى في سورة يونس: "وَمَا كَانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِنْ دُون ِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلُ الكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِين أمْ تَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأتوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِِ الله إنْ كُنْتُمْ صَادِقِين" .

وأمثال هذه الآيات الكريمة كثير وقد إقتصر المؤلّف على هذا القليل رعاية للإختصار وكلّها يصرّح بأنّ المنكرين إنْ كانوا في شكٍّ من الكلام الإلهي في القرآن وظنّوا في أنفسهم أنّ الرّسول تكلّم به من نفسه ونسبه إلى الله بهتاناً فليتّفقوا جميعاً وليستعينوا بعلمائهم وفصحائهم وعظمائهم وليأتوا بسورة مثله والواقع أنّهم لن يأتوا بمثله ولن يستطيعوا ذلك بل إنّه تعالى قال في سورة بني إسرائيل "قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الأنْسُ والجِنُّ عَلَى أنْ يَأتُوا بِمِثْلِِ هَذا القُرْآنِِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍٍ ظَهِيراً" .

فيُفهم من هذا كلّه أنّ الله جلّ جلاله إتّخذ آيات الكتاب أعظمَ حجّةٍ وبرهان ولم يأتِ أحد في الدنيا مثلها بالباطل بل جاء في الصحف الإلهيّة إنّ إنساناً لو قال من نفسه كلاماً ونسبه إلى الله إفتراءً فإنّ الله جلّ جلاله يأخذه بيمين قدرته ويهلكه ولا يمهله ويبيده هو وكلامه فقال تعالى في سورة الحاقّة "وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيل ِ لأخَذْنَا مِنْهُ باليَمِينِِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينْ وإنَّهُ لَتَذْكَرَة ٌ لِلْمُتَّقِينْ" . وهذه الآية صريحة بأنّ الله لا يمهل إنساناً ينسب كلاماً له كذباً أو يسمّي كتاباً يصنفه بنفسه ويطلق عليه إسمَ الوحي والآيات الإلهيّة [تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.]

فلمّا تمّ الإطّلاع على عظمة آيات الكتاب وعلوّ مقام كلام ربّ الأرباب وأذعنت القلوب المنيرة إلى عظمة هذا البرهان القويم والدليل المتين والحجّة الباقية والوسيلة الوحيدة أعرضُ أنّ من الواضح لدى الصغير والكبير والأمير والحقير إنّ حضرة الأعلى في مدّة سبع سنين وإنّ الجمال الأقدس الأبهى في مدّة تقارب الأربعين سنة قد تمسّكا بهذا البرهان نفسه وقاما بإعلان أمر الله وفقاً لهذا الدليل نفسه وبصورة خاصّة صرّح حضرة بهاء الله من يوم خروجه من دار السلام بغداد حتى يوم صعوده في ألواحه الكثيرة الّتي أحصاها المؤرّخون بأكثر من ألف لوح أنّ هذه الكلمات الواردة فيها كلمات إلهيّة وأنّ هذه الصحف آيات سماويّة وإنّه لا يقولها من نفسه ولا يتكلّم بغير ما أذن الله له. فمن الألواح لوح السلطان المغفور له والمدرج في سورة الهيكل نزل قوله: "كُنْتُ نائِماً عَلى مَضْجَعي مَرَّتْ عَلَيَّ نَفَحاتُ رَبّيَ الرَّحْمَن ِ وَأيْقَظَتْني مِنَ النَّوم ِ وَأمَرَني بِالنِّداءِ بَيْنَ الأرْضِِ والسَّماء لَيْسَ هَذا مِنْ عِنْدي بَلْ مِنْ عِنْدِهِ وَيَشْهَدُ بِذلِكَ سُكّانُ جَبَروتِهِ وَمَلَكوتِهِ وَأهْلُ مَدائِن ِ عِزِّهِ، فَوَنَفْسِهِ الحَقُّ لا أجْزَعُ مِنَ البَلايا في سَبيلِهِ وَلا عَن ِ الرَّزايا في حُبِّهِ وَرَضائِهِ وَقَدْ جَعَلَ الله البَلاءَ غادِيَة ً لِهَذِهِ الدَّسْكَرَةِ الخَضْراءِ وَذِبالَة ً لِمِصْباحِهِ الّذي بِهِ أشْرَقَتِ الأرْضُ وَالسَّماء".

ومنها ديباجة لوح أمبراطور ممالك روسيا الأعظم الّتي تزينت بهذه الآية المباركة: "يا مَلِكِ الرّوسْ إسْمَعْ نِداءَ اللهِ المَلِكِ القُدّوس ثُمَّ أقْبِلْ إلى الفِرْدَوْسِِ المَقَرِّ الّذي فيهِ إسْتَقَرَّ مَنْ سُمِّيَ بِالأسْماءِ الحُسْنَى بَيْنَ مَلأ الأعْلى وَفي مَلَكوتِ الإنْشاءِ بِإسْمِِ الله البَهِيِّ الأبْهى. إيَّاكَ أنْ يَحْجِبُكَ هَوَاكَ عَنْ التَّوَجُّهِ إلى وَجْهِ رَبِّكَ الرَّحْمَنِِ الرَّحِيمْ".

وهكذا صرّح في أكثر الألواح المقدّسة الّتي هي أشبه بدرر منيرة لمعت وإشتهرت في كلّ الأقطار وأشبه بزهور معطِّرة إنتشرت وتناثرت في كافة البلاد بأنّها ألواح إلهيّة نسبها إلى الله وسلب نسبتها لنفسه وقد سمعت الملل كلمته المباركة: "تالله إنَّ البَهَاءَ ما يَنْطُقُ عَنِِ الهَوَى" ووصل إلى كلّ قطر من أقطار الدنيا هذا النداء الأحلى: "هَذا يَوْمٌ بَشَّرَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسولَ الله وَمِنْ قَبْلِهِ الرّوحُ وَمِنْ قَبْلِهِ الكَليمُ" حتى أن جناب الشيخ نفسه أيضاً مع عدم إطّلاعه الكافي بألواح هذا الظهور الأعظم وآثاره قد كتب في رسالته أن البابيّة تعتبر كتاب الإيقان مثل القرآن أي تذعن إلى كونه وحياً سماويّاً، ففي هذه الحال الّتي يعرف الإنسان فيها أن الله جلّت قدرته وجلّت عظمته قاهر وقادر ومحيط بالأشياء وحاضر ويعرف الآيات الإلهيّة الّتي وردت في القرآن المجيد بخصوص إزهاق الباطل وإعدام المفتري على الله ويعرف ذلك وعداً من الله وكلام الله فإنّه لا مفرّ له إلاّ بأن يعترف بحقّية هذه الآيات ويطأطئ الرأس تجاه عظمتها ولا يعارض حجّة الله ولا يغالب قضاءه ولا يحسد نعمته ولا يعرّض نفسه لغضب الله وسخطه مثل الأمم الطاغية [وكذلك كانت حجّة الله على خلقه في جميع الأزمنة والقرون] "فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤمِنُونْ" .

ولو نظر إنسان إلى آثار الأنبياء السابقين ثم أمعن النظر في آثار هذين الظهورين العظيمين وقارن بينهما بصورة دقيقة لشهد بعظمة آثار هذا الظهور ولرأى آيات السّابقين إذا ما قُورنت بآيات هذين الظهورين تبدو كالقطرة تجاه البحر.

فمثلاً القرآن الكريم الّذي هو في الواقع إذا ما قورن بسائر آثار الأنبياء يبدو متلئلأً ومشرقاً كالشمس بين النّجوم فمع أنّ الرّسول الأكرم وخاتم النبيّين قد بُعث بالرسالة في الأربعين من عمره وفي أعرق القبائل في الفصاحة والعروبة ومع ذلك فإنّ القرآن الكريم نزل منجماً على حضرته في أجزاء متفرّقة في حين أن حضرة الباب النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى مع أنّه شاب فارسيّ اللسان لم يتعلّم أبداً في المدارس كما نسب إليه ألدّ أعدائه الجهل بكتبهم التاريخيّة ونفوا عن ذلك الوجود الأقدس معرفة تصريف (قالَ يقولُ) الّتي يعرفها أطفال المدارس قد قام بأمر الله في السّن الخامسة والعشرين وخلال السنين السبع الّتي قضاها كلّها في النفي والحبس قد ترك للعالم أضعاف القرآن من تفاسير الآيات الكريمة وحلّ غوامض العقائد الدينيّة وجواب الأسئلة العلميّة وغيرها من خُطَبٍ ومناجاة وشؤون علميّة وآيات وآثار مباركة ونشرها في جميع الأقطار بالرغم من منع المعارضين الشديد والمقاومة القويّة للمعاندين حتى أنّ ذلك الوجود المبارك كتب الكثير من تلك الألواح في محضر الأمراء والعلماء بناءً على طلبهم وبدون تأمّل أو تفكّر أو توقّف في جريان قلمه الأعلى في الجواب على أسئلتهم العلميّة فأدهش العالم بإظهار هذه الآية الكبرى وأفحمه.

وكذلكم الجمال الأقدس الأبهى جلّ إسمه الأعلى مع أن وجوده المبارك كان محاطاً في كلّ الأحيان بأمواج البلايا الشديدة ومبتلياً بمصائب كبيرة من النفي والسجن الّذي لا يفهم معنى صعوبتها أولئك المتنعّمون والجالسون على وسادة العزّة والمناصب الرفيعة فإنّه نوّر العالم بآثار قلمه الأعلى شرقاً وغرباً وأظهر مصداق وعده تعالى: "سَأرِيكُمْ آيَاتي فَلا تَسْتَعْجِلُون" ، فنجد من آثاره المباركة المدوَّنة ما يعادل جميع الكتب السماويّة لكافّة الملل وقد إنتشرت مجلّدات كبيرة من آياته الكريمة إلى جميع الأقطار والبلاد [فلينصف المنصفون ولينتبه الراقدون ولينتبه الغافلون وليعلموا أنّهم سوف يُسألون عما هم يقترفون.]

4. في بيان كيفيّة الإستدلال والإحتجاج بالأحاديث والبشارات:

[إعلم أيها الحبر النبيل والسيّد الكبير وفقك الله لحسن النظر في هذا الأمر الخطير] أن الأحاديث كثيرة والأخبار متظافرة في البشارة بظهور "المهدي" الموعود ونزول "روح الله" في كتب الحديث لدى أهل السنّة وأهل الشيعة قد دُوّنت فيها علامات قبل الظهور ووقائع بعد الظهور بصورة مفصّلة لكنّ كثرة إختلافات الأحاديث وتناقض الرواة بلغ إلى حدّ يصعب فيه التوفيق بينها كما صرّح به حضرة الشيخ الأمجد الأكبر الشيخ أحمد الإحسائي في كتابه (شرح الزيارة) وكما صرّح العلامة المجلسي في مجلّد الغيبة من كتابه (بحار الأنوار) ولهذا السبب جمعا في كتبهما الأحاديث المذكورة على إختلافها وتناقضها. وهذا العبد حينما كنت في سمرقند ألّفتُ كتاب (فصل الخطاب) إجابة لسؤال أحد أفاضل آذربيجان وشرحت بصورة مفصّلة في فصل الإستدلال بالأحاديث والأخبار وطرق جمعها وتطبيقها وقلت إنّ الأحاديث الصحيحة يمكن تمييزها وتشخيصها عند مطابقتها للآيات القرآنيّة ولهذا فإنني سوف أكتفي في هذا الموجز بإيراد بعض الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها بين أهل السنّة وأهل التشيّع والمنطبقة على القرآن المجيد وإذا أراد إنسان تفصيلاً أكثر فليرجع إلى ذلك الكتاب.

5. في بيان الأحاديث والآيات الواردة في تعيين زمان ظهور الموعود:

فمن الأحاديث الدالّة على ميعاد الظهور الحديث المشهور لأبي لبيد المخزومي الّذي ذكره المرحوم فيض في تفسير الصافي في تفسير بداية سورة البقرة وكذلك ذكره المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من كتاب (بحار الأنوار) وهو:

ومن الحديث ما رواه العيّاشي عن أبي لبيد المخزومي قال قال أبو جعفر عليه السلام "يَا أبَا لَبِيدْ إنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ وَلَدِ العَبَّاسِ إثْنَيْ عَشَرَ يُقْتَلُ بَعْدَ الثَّامِنِ مِنْهُمْ أرْبَعَةٌ تُصِيبُ أحَدُهُمْ الذَّبْحَةُ فَتَذْبَحُهُ هُمْ فِئَةٌ قَصِيرَةٌ أعْمَارَهُمْ خَبِيثَةٌ سُرَّتُهُمْ مِنْهُمْ الفُوَيْسِقُ المُلَقَّبِ بِالْهَادِي وَالنَّاطِقِ وَالغَاوِي. يَا أبَا لَبِيدْ إنَّ لِي في حُرُوفِ القُرْآنِ الْمُقَطَّعَةِ لَعِلْماً جَمّاً: إنَّ الله تعالى أنْزَلَ (ألم ذَلِكَ الكِتَابُ) فَقَامَ مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ حَتَّى ظَهَرَ نُورُهُ وَثَبُتَتْ كَلِمَتُهُ وَوُلِدَ يَوْمَ وُلِدَ وَقَدْ مَضَى مِنَ الألْفِ السَّابِعِ مِئَةُ سَنَةٍ وَثَلاث سِنِينَ" ثم قال "وَتِبْيَانُهُ في كِتَابِ الله في الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ إذَا عَدَدْتَهَا مِنْ غَيْرِ تِكْرَارٍ وَلَيْسَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ حَرْفٌ تَنْقَضِي أيَّامُهُ إلَّا وَقَائِمٌ مِنْ بَنِي هَاشِمَ عِنْدَ إنْقِضَائِهِ" ثمّ قال "الألِفْ وَاحِدٌ وِاللامُ ثَلاثُونَ وَالْمِيمُ أرْبَعُونَ وَالصَّادُ تِسْعُونَ فَذَلِكَ مَائَةٌ وَوَاحِدٌ وَسِتُّونَ ثُمَّ كَانَ بِدْءُ خُرُوجِ الْحُسِيْن عَلَيْهِ السَّلامْ (ألم الله لا إله) فَلَمَّا بَلَغَتْ مُدَّتُهُ قَامَ قَائِمُ وَلَدِ العبَّاسِ عِنْدَ ال (مص) وَيَقُومُ قَائِمُنَا عِنْدَ إنْقِضَائِهَا ب (ألمرا) فَافْهَمْ ذَلِكَ وَعُدَّ وَاكْتِمْهُ".

ووفقاً لهذا الحديث الشريف عندما إنقضت إحدى وسبعون سنة على قيام حضرة الرسول خاتم الأنبياء بأمر الله قام سيّد الشهداء عليه التحيّة والبهاء وفاز برتبة الشهادة ولما إنقضت مائة وإثنتان وأربعون سنة على قيام سيّد الرسل قام قائم آل العباس عبد الله السفّاح بأمر الخلافة الهاشميّة وبقيامه زالت الخلافة الأمويّة وإنقرضت وعندما تحسب الحروف المقطّعة في أوائل السور من (ألم ذَلِكَ الكِتَابُ) إلى (ألمرا) وفقاً لأمر أبي جعفر عليهما السلام يكون مجموعها ألفاً ومائتين وسبعاً وسبعين، وهذا العدد يطابق يوم طلوع النيّر الأعظم من أفق فارس ولا يخفى أن التواريخ المذكورة في هذا الحديث تبدأ من يوم قيام رسول الله بإعلان دعوته وكما جاء في جميع كتب السيرة النبويّة إنّ ذلك الإعلان كان في السابعة قبل الهجرة بدعوة قريش علانيّة وكان عليه السلام قبل قيامه بالإعلان يخفي أمر بعثته وبأخذ هذه الزيادة بنظر الإعتبار يكون العدد مطابقاً لسنة 1260 هجريّة الّتي هي سنة ظهور النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى.

وهذا هو بالذات المقصود كذلك في حديث المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام أنّه قال في ميعاد ظهور "المهدي" الموعود: "وفي سَنَةِ السِتّينِ يَظْهَرُ أمْرُهُ وَيَعْلُو ذِكْرُهُ".

وجاء في كتاب (اليواقيت والجواهر) الّذي ألفه السيّد عبد الوهاب الشعراني من أئمّة علماء أهل السنّة والجماعة في المبحث الخامس والستّين من هذا الكتاب:

"المبحث الخامس والستّون في بيان أنّ جميع أشراط الساعة حقّ لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة وذلك بخروج الدجّال ثم نزول عيسى وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ورفع القرآن وفتح سدّ يأجوج ومأجوج حتى لو لم يبق من الدنيا إلاّ مقدار يوم واحد لوقع ذلك كلّه. قال الشيخ تقي الدين بن أبي المنصور في عقيدته: "وكلّ هذه الآيات تقع في المائة الأخيرة من اليوم الّذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم امّته بقوله: "إنْ صَلُحَتْ أمَّتِي فَلَهَا يَوْمٌ وَإنْ فَسُدَتْ فَلَهَا نِصْفَ يَوْمٌ" يعني من أيّام الربّ المشار إليها بقوله تعالى "وَإنَّ يَوْمٌ عِنْدَ رَبُّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّون" .

وهذا الحديث النبوي يعني إن تكن أمّتي صالحة فإنّها تملك يوماً واحداً وإن تفسد فإنّها تملك نصف يوم وكلّ يوم عند الله ألف سنة من السنين الّتي تحسبون بها الزمن.

والحديث "إنْ صَلُحَتْ أمَّتي فَلَها يَوْمٌ" ذكره المجلسي عليه الرحمة أيضاً في مجلّد الغيبة من كتاب (بحار الأنوار) وقد قاله الرسول الأكرم بعد نزول الآية الكريمة: "لِكُلِّ أمَّةٍ أجَلٌ فَإذَا جَاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون" وحيث أنّ هذه الآية تدلّ على أنّه قد قُدّر لبقاء كلّ أمّة في العالم أجل محدود ومدّة معيّنة بحيث لا يزيد ولا ينقص ساعة واحدة ولا يتقدّم ولا يتأخّر لذلك إستفسر الصحابة من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ما هو أجل أمّة الإسلام وبقاء عزّة هذا الدين في العالم فتفضّل: "إنْ صَلُحَتْ أمَّتي فَلهَا يَوْمٌ وإنْ فَسُدَتْ فَلَها نِصْفُ يَوْمٍ وَإنَّ يَوْمٌ عِنْدَ رَبُّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّون" .

ومصدر هذه الأحاديث المبيّنة لميعاد ظهور الموعود ومنبعها آيتان كريمتان في القرآن المجيد الّذي إحتوى "تبياناً لكلّ شيئ" ونزلت فيه جميع الحقائق الدينيّة "ما فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيئ" ولم يترك فيه بيان أشراط هذا اليوم العظيم وعلاماته وحوادثه ووقائعه ولهذا ورد عن أئمّة الهدى عليهم السلام قولهم "كُلَّما بَلَغَكُمْ عَنّا مِنْ حَدِيثٍ إعْرِضُوهُ عَلَى القُرْآن الشَّرِيفِ فَإنْ وَجَدْتُمْ لَهُ مَأخَذاً مِنَ القُرْآن فَاقْبَلُوه وَإلاّ فَرِدّوه" (فالآية الأولى) الّتي تبيّن ميعاد الظهور هذه الآية الكريمة في سورة السجدة حيث قال تعالى: "يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرِجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّون" وهذه الآية تعني أنّ الله جلّ جلاله ينـزل أمر الدين المبين أوّلاً من السماء إلى الأرض وبعد إكمال النـزول والتدبير تزول أنوار الدين في مدّة ألف سنة شيئاً فشيئاً خلال هذه المدّة وتصعد إلى السماء مرّة أخرى.

ومن المعلوم أنّ نزول أنوار الدين من السماء إلى الأرض لا يُعقل ولا يُتصور إلاّ بالوحي النازل على سيّد المرسلين وبالإلهامات النازلة على الأئمّة الطاهرين، وهذه الأنوار نزلت من السماء إلى الأرض تماماً خلال مئتين وستّين سنة من هجرة خاتم الأنبياء إلى إنقطاع أيّام أئمّة الهدى وأنزلت المائدة السماويّة للأمة الإسلاميّة تماماً بنـزول القرآن وببيانات أئمّة الدين الّذين هم المبيّنون والمفسّرون الشرعيّون للكتاب عليهم السلام ولما توفّي الحسن بن علي العسكري عليهما السلام سنة مائتين وستّين هجريّة وحلّت أيّام الغيبة وتحوّل أمر الدين إلى آراء العلماء وأنيط بأنظار الفقهاء ظهرت شيئاً فشيئاً إختلافات الآراء وتشتّت الأهواء في أقوال وأفعال رؤساء الملّة البيضاء وإزداد أفق أمر الله ظلاماً يوماً فيوماً حتى لم يبق من الأسلام إلاّ إسمه وتبدّلت عزّته ونصره بذلّة ومغلوبيّة، وبعد إنقضاء ألف سنة تماماً من الغيبة طلعت شمس الحقّ سنة (1260) هجريّة من أفق فارس وتحقّقت بالتمام بشارة القرآن والحديث كلّها. (والآية الثانية) جاءت في سورة الحجّ: "وَيَسْتَعْجِلونَكَ بالعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّون" وهذه الآية تعني أنّ الله تعالى وعد بنـزول العذاب في يوم القيامة وأنّ هناك ألف سنة حتى يأتي اليوم الموعود وقد قدّر إعدام أهل الطغيان وإنقراض أرباب الشرك والكفر بورود هذا اليوم العظيم المهيب. وقد نزلت هذه الآية الكريمة حينما كان الكفّار بسبب تمسّكهم الشديد بعقائدهم الوثنيّة يعتبرون أمر الرسول الأعظم والعياذ بالله واهياً وباطلاً وموهوناً وإعتمدوا على دينهم وقالوا جرأة: "اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَامْطِرْ عَلَيْنا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أوْ آتِنَا بِعَذابٍ ألِيمْ" ولهذا نزلت الآية الكريمة في الجواب على طلبهم وإتّضح منها لأهل الفؤاد ميعاد بقاء دين الإسلام وظهور القائم وورود يوم الله، وورد ذلك الوعد أيضاً في سورة سبأ قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينْ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً ولا تَسْتَقْدِمُون" .

وخلاصة القول، يكفي هذا المقدار من الآيات والأحاديث الّتي عُرضت في إثبات أنّ وقت ظهور الموعود قد حلّ وأن الوعود الإلهيّة قد تحقّقت، إنْ لم يكن الإنسان من أهل المكابرة يسعى في هلاك نفسه وهلاك قومه مثل المكابرين السالفين.

وحينما كان المؤلّف سنة (1305) هجريّة مقيماً في بلاد أراك إيران ذكر بصورة مفصلة – في رسالة ألفها بإسم (شرح الآيات المؤرّخة) بناء على طلب أحد الأمراء الإيرانيّين- الآيات الواردة في التوراة والانجيل والقرآن وصحف الديانة الفارسيّة، وهذه الرسالة موجودة في أكثر البلاد حتى في القفقاس ولمن أراد مزيد الإيضاح والبيان أن يرجع إلى تلك الرسالة.


6. في بيان الأحاديث الدالّة على حداثة سنّ القائم الموعود وشبابه حين ظهوره:

ومن الأحاديث الدالّة على حداثة عمره المبارك وظهور تلك الحضرة في سنّ الشباب وحداثة العمر ما ذكره المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من كتاب (بحار الأنوار) في باب كيفيّة ظهور القائم عن أبي بصير عن أبي عبدااله عليه السلام أنّه قال: "إنَّهُ لَوْ خَرَجَ القَائِمُ لَقَدْ أنْكَرَهُ النَّاسُ: يَرْجِعُ إلَيْهِمْ شَابَّاً مُوَفَّقاً فَلا يَلْبَثُ عَلَيْهِ إلاّ كُلُّ مُؤْمِنٍ أخَذَ الله مِيثَاقَهُ في الذَّرِّ الأوَّلِ" وقال أيضاً عليه السلام "وَمِنْ أعْظَمِ البَلِيَّةِ أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمْ صَاحِبُهُمْ شَابّاً وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ شَيْخَاً كَبِيراً".

وكما جاء في هذا الحديث الشريف، لما ظهر حضرة النقطة الأولى عزّ إسمه في بداية الشباب وفي غضاضة غصنه قام أولو القلوب المريضة في الحال على تكذيبه لأنّهم ظنّوا القائم رجلاً معمّراً عمره ألف سنة لا شابّاً عمره خمس وعشرون سنة، ولهذا لما إرتفع نداء قائميّته إرتفع صخب الجهّال الّذين بيدهم زمام أمور الناس قائلين واديناه واشريعتاه! إن الحجّة عليه السلام صار له ألف سنة في مدينة جابلقا المستورة وهذا الشاب الشيرازي الّذي ولد في هذا القرن أنظروا ماذا يقول! وكيف يسمّي نفسه القائم الموعود!

وكذلك ورد في (كتاب الكافي)، الّذي هو أوثق كتاب لدى الفرقة الإثني عشريّة، الحديث الشريف الّذي ذكره محمّد بن يعقوب الكليني عليه الرحمة بإسناده عن الحكم بن أبي نعيم أنّه قال: أتيت أبا جعفر عليه السلام وهو بالمدينة فقلت له "نِذْرٌ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ إنْ أنَا لَقِيتُكَ أنْ لا أخْرُجَ مْنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى أعْلَمَ أنَّكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدْ أمْ لا". فلم يجبني بشيئ فأقمتُ ثلاثين يوماً ثم إستقبلني في طريقٍ فقال "يَا حَكَمْ وَإنَّكَ لَهَهُنَا بَعْدُ؟" فقلت "إنِّي أخْبَرْتُكَ بِمَا جَعَلْتُ لله عَلَيَّ فَلَمْ تَأمُرُنِي وَلَمْ تَنْهَنِي عَنْ شَيْئٍ وَلَمْ تُجِبْنِي بِشِيْئٍ" فقال: "بَكِّرْ عَلَيَّ غُدْوَةَ المنْزِلِ" فَغَدَوْتُ عليه فقال عليه السلام: "سَلْ عَنْ حَاجَتِكَ" فقلت "إنِّي جَعَلْتُ للهِ عَلَيَّ نِذْراً وَصِيَاماً وَصَدَقةً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِِ إنْ أنَا لَقِيتُكَ أنْ لا أخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِِ حَتَّى أعْلَمَ أنَّكَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدْ أمْ لا فَإنْ كُنْتَ أنْتَ رَابَطْتُكَ وَإنْ لَمْ تِكُنْ أنْتَ سِرْتُ في الأرْضِ وَطَلَبْتُ المَعَاشَ" فقال "يَا حَكَمْ كُلّنَا قِائِمٌ بِأمْرِ الله" قلت "فَأنْتَ الْمَهْدِيّ؟" قَالَ كُلّنَا مَهْدِيٌّ إلى الله" قُلْتُ "فَأنْتَ صَاحِبُ السَّيْفِ؟" قال "كُلّنَا صَاحِبُ السَّيْفِ وَوَارِثُ السَّيْفِ" قُلْتُ فَأنْتَ الّذي يَقْتِلُ أعْدَاءَ اللهِ وَيُعَزُّ بِكَ أوْلِياءُ اللهِ وَيَظْهَرُ بِكَ دينُ الله؟" فقال "يا حَكَمْ كَيْفَ أكُونُ أنَا وَقَدْ بَلَغْتُ خَمْساً وأرْبَعِينَ وَإنَّ صَاحِبَ هَذَا الأمْرَ أقْرَبُ عَهْداً بِالّلبَنِ مِنّي وَأخَفُّ عَلَى ظَهْرِ الدّابَةِ".

فتأمّلوا قليلاً في هذا الحديث الشريف الّذي فيه يصرّح أبو جعفر عليه السلام بأنّ القائم عندما يقوم يكون عمره المبارك أقلّ من خمس وأربعين سنة ويكون في ريعان الشباب وعنفوان العمر قريب عهدٍ بالرضاعة، ولهذا السبب يُسمّى حضرته في كثير من الأحاديث بأسم "الصبيّ" أو بأسم "الغلام" أو بإسم "الشاب".

وكذلك روى المجلسي عليه الرحمة في كتاب بحار الأنوار في باب كيفيّة خروج القائم: عن الأزدي عندما وفد مع أبي بصير وعلي بن عبد العزيز على أبي عبدالله عليه السلام وتشرّفوا بحضوره أنّه قال: "قُلْتُ لَهُ أنْتَ صَاحِبُنَا؟" فقال "إنّي لَصَاحِبُكُمْ؟" ثم أخذ جلدة عضده ومدّها فقال "إنّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَصَاحِبُكُمْ شَابٌّ حَدَثٌ".

وكذلك روي في هذا الكتاب عن أبي بصير أنّ أبا عبدالله عليه السلام قال: "لَيْسَ صَاحِبَ هَذَا الأمْرِ مَنْ جَاوَزَ الأرْبَعِينَ".

وكذلك روى المجلسي عليه الرحمة في هذا الكتاب في باب صفات القائم عن يحيى بن سالم أنّ أبا جعفر عليه السلام قال: "إنَّ صَاحِبَ هَذَا الأمْرِ أصْغَرُنَا سِنّاً وَأجْمَلُنَا شَخْصاً" قلت "متى يكون؟" قال "إذَا سَارَتِ الرّكْبَانُ بِبِيْعَةِ الغُلامِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْفَعُ كُلُّ ذِي صَيْصَئَةٍ لِوَاءً" .

وكذلك روى المجلسي عليه الرحمة في هذا البحار في باب ما روي عن الباقر عليه السلام عن أمّ هاني الثقفيّة أنّها قالت: "غَدَوْتُ عَلَى سَيِّدِي مُحَمَّدْ بِنْ عَلِيّ البَاقِرْ عَلَيْهِ السَّلام فَقُلْتُ لَهُ يَا سَيِّدِي آيَةٌ في كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَرَضَتْ بِقَلْبِي أقْلَقَتْنِي وَأسْهَرَتْنِي" قال "فَاسْألِي يَا أمَّ هَانِي" قُلْتُ "قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ‏فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ‏الْجَوَارِ الْكُنَّسِ " قَالَ: "نِعْمَتِ الْمِسْألَةِ سَألْتِنِي يَا أمَّ هَانِي هَذَا مَوْلُودٌ في آخِرِ الزَّمَانِ هُوَ الْمَهْدِيُّ مِنْ هَذِهِ العِتْرَةِ تَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أقْوَامٌ وَيَهْتَدِي فِيهَا أقْوَامٌ فَيَا طُوبَى لَكِ إنْ أدْرَكْتِهِ وَيَا طُوبَى لِمَنْ أدْرَكَهُ".

ويكفي أولي الألباب اليقِظة هذا المقدار من الأحاديث الّتي عرضناها ولو أراد المؤلّف أن يذكر الأحاديث الأخرى الصريحة في قضيّة أنّ حداثة سنّ القائم تكون سبباً لإمتحان القوم وإعراضهم فإنّه يجب أن يفرد لذلك كتاباً كبيراً.

ومن العجيب كيف لا ينتبه الأشخاص الّذين يعشقون مدنية المتمدّنين الأوروبيّين إلى أن جهود هؤلاء المتمدّنين أنفسهم في الجغرافيا قد أنارت مذهب أهل الشيعة وأوضحت عدم وجود مدينة (جابلقا)، الّتي إعتبرها العلماء الأعلام محلّ غيبة القائم عليه السلام، وضوحاً بيّناً كالشمس في رابعة النهار، ومع ذلك فلا زال الكثير من كتب كبار علماء الشيعة يذكر بأسانيد طويلة عريضة أخباراً عن أنّ فلاناً الصالح الصادق القول قد دخل مدينة (جابلقا) وتشرّف فلان الثقة صحيح الخبر في مدينة (جابلقا) بحضور الإمام وخدمته. وقد دوّنوا هذه الأخبار الكاذبة بكلّ جسارة وجرأة في كتبهم وقيّدوا قومهم المساكين مدّة ألف سنة بقيود الأباطيل حتى أشرقت شمس العلوم الحديثة فأزالت هذه الظلمة وهدم سيل المعارف الجارف بنيان الخرافات، ومع كلّ هذا فالقوم لا يزالون مرتبطين بحبال العقائد الخرافيّة الواضحة في الإستحالة وينتظرون ظهور شاب عمره ألف سنة!

7. في بيان الأحاديث والآيات الدالّة على مكان ظهور الموعود:

وأمّا الأحاديث الدالّة بصورة صريحة على أنّ مطلع هذين النيّرين الأعظمين هو بلاد الشرق وأنّ مكان إرتفاع نداء القائم هو مكّة المكرّمة ومحل قيام وإرتفاع نداء الظهور الثاني هو مدينة عكّاء المنوّرة والأراضي المقدّسة فهي أحاديث كثيرة. فمنها الحديث الّذي رواه المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من كتاب بحار الأنوار من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "وَلَوْ ذَابَ مَا في أيْدَيهِمْ لَقَدْ دَنَى التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَكَشْفِ الغِطَاءُ وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَأزِفَ الوَعْدُ وَبَدَا لَكُمْ النَّجْمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَأشْرَقَ لَكُمْ قَمَرُكُمْ كَامِلاً كَلَيْلَةِ تَمَّ. فَإذَا إسْتَبَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَخَالِفُوا الْحَوْبَةَ وَإعْلَمُوا أنَّكُمْ إنْ أطَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الصَّمَمِ وَإسْتَشْفَيْتُمْ مِنَ البَكْمِ وَنَبَذْتُمْ الثِّقْلَ الفَادِحَ عَنِ الأعْنَاقِ فَلا يُبْعِدُ اللهُ إلاّ مَنْ أبَى الرَّحْمَةَ وَفَارَقَ العِصْمَةَ وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أيّ مُنْقَلِبٍ يَنْقَلِبُون" .

وهذه الخطبة تتطرّق إلى أنّ الخلافة من بعده عليه السلام تنتقل إلى بني أميّة، ثمّ تتطرّق إلى زمان ذوبان الدين في أيديهم وعند ذلك يحلّ موعد إمتحان العباد وتمحيصهم، ثمّ تتطرّق إلى أنّهم لو أطاعوا النجم الّذي يشرق من بلاد الشرق فإنّه يسلك بهم على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فعند ذلك يشفون من صممهم وبكمهم وينتزعون الحمل الثقيل الملقى على كواهلهم ولا يحرمنّ الله إلاّ الّذين يبتعدون عن الرحمة والعصمة والعفّة. وهذه الخطبة الفصيحة صريحة بأن نيّر السعادة، وهو موعود الأمّة، سيظهر من جهة المشرق ويقوم وفق منهج رسول الله بتشريع شرع جديد، وليس المقصود بهذا أنّ المهدي عليه السلام سوف يعمل بالشريعة الإسلاميّة لأنّ جميع أئمّة الهدى كانوا يعملون بشريعة خاتم النبيّين ولم يتجاوزوا قيد شعرة عن ظاهر الشرع الإسلامي ولهذا فإنّ هذا التخصيص بنهجه منهاج رسول الله (صلعم) يعني قيامه بدعوة جديدة وتشريعه شريعة جديدة كما سيتّضح لكم من الأحاديث فيما بعد.

وممّا يؤيّد تلك الخطبة المباركة ما رواه المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من كتابه بحار الأنوار في باب العلامات عن الحارث الهمداني من مشاهير أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنّه عليه السلام قال: "المَهْدِيّ أقْبَلٌ جَعِدَ الشَّعْرِ بِخَدِّهِ خَالٌ يَكُونُ مَبْدَؤهُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ".

وقد إستخرج السيّد عبد الوهاب الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر) في أوصاف هذا الظهور من الأحاديث الصحيحة النبويّة شرحاً ورد تفصيله في كتاب (الفتوحات المكية) للشيخ إبن العربي قدّس الله سرّه منها أنّه عليه الصّلاة والسلام قال: "هُوَ أجْلَى الْجَبْهَةِ أقْنَى الأنْفِ أسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أهْلُ الكُوفَةِ يَقْسِمُ الْمَالَ بِالسَّوِيَّةِ وَيَعْدِلُ في الرَّعِيَّةِ يَأتِيهِ الرَّجُلَ وَيَقُولُ يَا مَهْدِيّ أعْطِنِي وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمَالُ فَيُحْثِي لَهُ في ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أنْ يَحْمِلَهُ. يَخْرُجُ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الدِّينِ يَزَعُ اللهُ بِهِ مَا لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ. يُمْسِي الرَّجُلُ جَاهِلاً وَجَبَاناً فَيُصْبِحُ عَالِماً شُجَاعاً كَرِيماً" إلى أن قال عليه الصّلاة والسلام: "يَشْهَدُ الْمَلْحَمَةَ العُظْمَى مَأدُبَةَ اللهِ بِمَرْجِ عَكَّاءَ. يُبِيدُ الظُلْمَ وَأهْلَهُ. يُقِيمُ الدِّينَ وَيَنْفُخُ الرّوحَ في الإسْلامِ. يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإسْلامَ بَعْدَ ذِلَّةٍ وَيُحْييهِ بَعْدَ مَوْتِهِ" ثم قال عليه الصّلاة والسلام عن أصحاب المهدي: "شُهَدَاؤهُ خَيْرُ الشُّهَدَاءِ وَأمَنَاؤهُ أفْضَلُ الأمَنَاءِ" قال الشيخ: "وَقَدْ اسْتَوْزَرَ اللهُ تعالى لَهُ طَائِفَةً خَبَّأهُمْ اللهُ تعالى لَهُ في مَكْنُونِ غَيْبِهِ أطْلَعَهُمْ كَشْفَاً وَشُهُوداً عَلَى الحَقَائِقِ وَمَا هُوَ أمْرُ اللهِ عَلَيْهِ في عِبَادِهِ وَهُمْ عَلَى أقْدَامِ رِجالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ وَهُمْ مِنَ الأعَاجِمِ لَيْسَ فِيهِمْ عَرَبِيٌّ لَكِنْ لا يَتَكَلَّمُونَ إلاّ بِالعَرَبِيَّةِ لَهُمْ حَافِظٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمْ مَا عَصَى اللهَ قَطّ وَهُوَ أخَصُّ الوُزَرَاءِ" إلى أن قال الشيخ "وَيُقْتَلُونَ كُلَّهَمْ إلاّ وَاحِداً مِنْهُمْ يَنْزِلُ في مَرْجِ عَكَّاءَ في الْمَأدُبَةِ الإلَهِيَّةِ الّتي جَعَلَهَا اللهُ مَائِدَةً لِلسِّبَاعِ وَالطّيُورِ وَالْهَوَامِ".

وما أبدع ما إنطبق هذا الحديث مع الآية الكريمة في سورة الفرقان "فَأولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتَهُمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً" . ويدلّ الحديث على أنّ أصحاب القائم يدركون الحقائق الدينيّة من دون أن يتعلّموا في المدارس ويفقهون الأوامر الإلهيّة بمجرّد إيمانهم كما تدلّ على ذلك عبارته عليه الصّلاة والسلام "يُمْسِي الرَّجُلُ جَاهِلاً وَجَبَاناً فَيُصْبِحُ عَالِماً شُجَاعاً كَرِيماً".

وهذا الحديث الشريف الّذي وقعت في هذا الظهور الأعظم جميع البشارات الواردة فيه يكفي الإنسان المنصف البصير ومما لا شكّ فيه أنّ آلاف الآيات والبشارات لا تنفع مع أولي القلوب المختومة "وإنْ يَرُوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنُوا بِهَا" .

وعن أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث صعصعة بن صوحان حين سأل عن ميعاد خروج الدجّال تفضّل حضرته بعد ذكر العلامات والحوادث "خَيْرُ المسَاكِنِ يَوْمَئِذٍ ألبَيْتُ الْمُقَدَّسِ لَيَأتِيَنَّ زَمَانٌ عَلَى النَّاسِ يَتَمَنَّى أحَدُهُمْ أنَّهُ مِنْ سُكّانِهِ".

وهذا الحديث الّذي هو من أشهر الأحاديث رواه المجلسي في هذا الكتاب عن يوم الظهور عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "تَوَقَّعوا الصَّوْتَ يَأتِيكُمْ بَغْتَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فِيهِ لَكُمْ فَرَجٌ عَظِيمٌ".

ومن الأحاديث المشهورة الّتي صُرّح فيها بمحل الظهور الحديث المروي عن علي بن مهزمار، وهذا الحديث رواه السيّد الجليل السيّد هاشم البحريني في كتابه (مدينة المعاجز) في الحديث العشرين بعد المائة من أحاديث ظهور المهدي وذكره كذلك المجلسي عليه الرحمة في مجلّد الغيبة من كتابه، وهو حديث مفصّل عن الحسن بن علي عليهما السلام في أوصاف المؤمنين بالمهدي الموعود وفيه يتفضّل: "تَلُوذُ بِفَنَائِكَ مِنْ مَلأٍ بَرَّأهُمْ اللهُ بِطَهَارَةِ الوِلادَةِ وَنَفَاسَةِ التُّرْبَةِ مُقَدَّسَةٌ قُلُوبُهُمْ مِنْ دَنَسِ النِّفَاقِ مُهَذَّبَةٌ أفْئِدَتُهُمْ مِنْ رَجْسِ الشِّقَاقِ لَيِّنَةٌ عَرَائِكُهُمْ لِلدّينِ خَشِنَةٌ ضَرَائِبُهُمْ في العِدْوَانِ وَاضِحَةٌ بِالقَبُولِ أوْجُهُهُمْ نَضِرَةٌ بِالْحَقِّ عِيدَانُهُمْ يَدِينُونَ بِدِينِ الْحِقِّ وَأهْلِهِ فَإذَا إشْتَدَّتْ أرْكَانُهُمْ وَتَقَوَّمَتْ أعْمَادُهُمْ بِمُكَاثَفَتِهِمْ طَبَقَاتِ الأمَمِ إذْ تَبِعَتْكَ في ظِلالِ شَجَرَةٍ بَسَقَتْ أفْنَانُ غُصُونَهَا عَلَى حَافَاتِ بُحَيْرَةِ الطَبَرَيَّةِ فَعِنْدَهَا يَتَلَئْلأُ صُبْحُ الْحَقِّ وَيَنْجَلِي ظَلامُ البَاطِلِ وَيَقْصِمُ اللهُ بِكَ ظَهْرَ الطُغْيَانِ وَيُعِيدُ مَعَالِمَ الإيمَانِ. يَوَدُّ الطِفْلُ لَوْ إسْتَطَاعَ إلَيْكَ نُهُوضاً وَنَوَاشِطُ الوَحْشِ لَوْ تَجِدُ نَحْوَكَ مَجَازاً. تَهْتَزُّ بِكَ أطْرَافُ الدُنْيَا بَهْجَةً وَتُهَزُّ بِكَ أغْصَانُ العِزِّ نَضِرَةً وَتَسْتَقِرُّ بَوَانِي العِزِّ في قَرَارِهَا وَتَؤوبُ شَوَارِدُ الدِّينِ إلَى أوْكَارِهَا. يَتَهَاطَلُ عَلَيْكَ سَحَائِبُ الظَّفَرِ فَتَخْنُقُ كُلَّ عَدُوٍّ وَتَنْصُرُ كُلَّ وَلِيٍّ فَلا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأرْضِ جَبَّارٌ قَاسِطٌ وَلا جَاحِدٌ غَامِطٌ وَلا شَانٍ مُبْغِضٌ وَلا مُعَانِدٌ كَاشِحٌ. "وَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْئٍ قَدَراً" .

(وطبريّة) المذكورفي هذا الحديث تقع بالقرب من (عكّاء) وهي معروفة ببحيرة طبريّة، وقد ورد ذكرها كثيراً في أسفار التوراة والإنجيل ويخرج نهر الأردن منها، وهذه المدينة سمّاها المؤرّخ المعروف هيرودس، الّذي وُلد حضرة المسيح عليه السلام في زمانه، بإسم القيصر طيباريوس، ويحيط بهذه المدينة مزارع وبساتين تعتبر من أحد منتزهات سوريّة والأراضي المقدّسة واليوم تعود بعض أراضيها إلى غصن السدرة المباركة [لِيَقْضِي اللهُ أمْراً كَانَ مَفْعُولاً].

ومرجح جميع هذه الأحاديث الدالّة على مكان إرتفاع النداء الإلهي هذه الآية المباركة في سورة ق قوله تعالى: "‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ" .

وقد إتّفق جميع المفسّرين من أهل السنّة وأهل الشيعة في تفسير هذه الآية على أنّ النداء الإلهي يرتفع من صخرة بيت المقدس أي من جبل الكرمل الّذي سُمّي في التوراة بالجبل المقدّس وبجبل بيت الله.

وخلاصة القول، لو كان الإنسان طالباً للهداية ولا يريد المجادلة بالباطل ويمعن النظر في الأحاديث المرويّة وفي آيات الكتب المقدّسة السماويّة فإنّه يجد بوضوح أنّها كلّها تبشّر بأنّه بعد ألف سنة من غيبة شمس الحقيقة يطلع نجم السعادة ذاك مرّة ثانية من بلاد الشرق ويرتفع من مكّة المكرّمة نداء المهدي الموعود ويرتفع بعده نداء الظهور الثاني من الأراضي المقدّسة من صخرة بيت المقدّس، وكما جاء في البشارات فقد كانت ولادة هذين الظهورين الأعظمين في إيران وكان إرتفاع نداء النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى من مكّة المكرّمة وحيث كان مقرّ الجمال الأقدس الأبهى في مدينة عكّاء النوراء سمع أهل العالم نداء الظهور الثاني من الأراضي المقدّسة. وقد جاءت الإشارة إلى هذا في حديث أبان إبن تغلب الّذي رواه المجلسي عليه الرحمة في باب العلامات من مجلّد الغيبة "قال قال أبو عبد الله عليه السَلام إنّ أوَّلَ مَنْ يُبايِعُ القَائِمَ عليه السلام جِبرائيلُ يَنْزِلُ في صُورَةِ طَيْرٍ أبْيَضٍ فَيُبَايِعَهُ ثم يَضَعُ رِجْلاً على بَيْتِ اللهِ الحَرامِ وَرِجْلاً على بَيْتِ المَقْدِسِ ثم يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ تَسْمَعَهُ الخَلائِقُ: "أتَى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ" ".

وهذا الحديث صريح الدلالة على أن مكان إرتفاع هذا النداء هو هذين المقامين المقدّسين وأنّ النداء السماوي تسمعه الخلائق من هذين البيتين الرفيعين وبهذا تتحقّق جميع البشارات والعلامات.

نعم لا بدّ أن يتمسّك كثير من الجهّال كما تمسّكت الأمم الماضية بالظواهر غير المعقولة ويقوموا على المعارضة بحكم الحديث المقبول لدى أهل السنّة وأهل التشيّع المروي عن خاتم الأنبياء عليه أفضل التحيّة والبهاء والّذي خاطب به الأمّة الإسلاميّة بقوله عليه الصّلاة والسلام "لَتَسْلُكُنَّ سنَنَ مَنْ قَبْلُكُمْ شِبْراً فَشِبْرٍ وَذِرَاعاً فَذِرَاع"، فيعترضون قائلين متى ظهر جبرائيل بصورة طير أبيض؟ ومتى تلا هذا الطير العجيب الخلقة هذه الآية المباركة؟ كما إحتجّ اليهود بعلامات ظهور المسيح الموعود وإعترضوا على عيسى عليه السلام وعلى أمّته وتمسّكوا بالظواهر غير المعقولة وجادلوا قائلين إنّ من علامات ظهور المسيح كما جاء بصريح التوراة أن يلعب الطفل بالأفعى فلا تضرّه ويعيش الأسد مع البقرة والذئب مع الحمل وتظلم الشمس والقمر وتكون سلطنة الأرض بيد اليهود، فأين وقعت هذه العلامات في أيّام عيسى عليه السلام؟ ومتى تحقّقت هذه البشارات؟ وهم يرددون هذه الكلمات إلى يومنا هذا وباقون على دينهم ومتمسّكون بمنتهى الإطمئنان بعقائدهم الباطلة.

وحيث أن حديثنا الآن موجّه نحو أهل العلم لذا نكتفي في باب البشارات بهذا القدر من الشرح والإيضاح وسنبحث موضوع الإستعارات الواردة في بيانات الأنبياء وأئمّة الهدى بصورة مفصّلة بعون الله تبارك وتعالى ونلتمس من الحقّ جلّ جلاله التوفيق [إنّه خير موفّق ومعين].

8. في كيفيّة الإستدلال بدليل التقرير:

[إعلم أيها السيّد المجيد أيّدك الله وإيّانا بالبصيرة الكاشفة والرأي السديد] أنّ دليل التقرير أكبر الأدلّة الّتي تمسّك بها العلماء الأعلام في التفريق بين الحقّ والباطل وإستدلّوا بها بكلّ تفصيل وإسهاب.

ومنطوق هذا الدليل هو أنّه لو إدّعى أنسان مقام الشارعيّة وشرّع شريعة ونسبها إلى الله تبارك وتعالى ونفذت شريعته وبقيت في عالم الوجود فإنّ نفس بقائها ونفوذها دليل على حقيقتها وعلى العكس من ذلك يكون زوالها وعدم نفوذها دليل على بطلان دعوتها الزائلة.

ومع أنّ نفوذ كلمة الحقّ وبقائها، كما جرت عليه سنّة الله في إرسال الرسل وتشريع الشرائع، لا يكون عن طريق العلوم والمعارف الإكتسابيّة ولا بالعصبيّة والمساعدة القوميّة ولا بالمال والثروة الظاهريّة ولا بالسيطرة والسلطة الدنيويّة فإنّ الحجّة تكون بالغة على الفلاسفة الّذين يتتبّعون تسلسل العلل فيعود نفوذ تلك الشريعة وبقاؤها في علّته إلى الإرادة الغيبيّة الإلهيّة لأنّه لا يُتصوّر وجود معلول بدون العلّة. هذا وقد إحتجّ الحقّ جلّ جلاله بهذا البرهان العظيم في جميع الكتب المقدّسة السماويّة وإعتبر بقاء الحقّ وزوال الباطل الآية الكبرى والدليل الأعظم وقد نزلت هذه المسألة في القرآن المجيد في مواضع متعدّدة تصريحاً وتشبّهاً كما جاء في سورة الشورى قوله تعالى: "‏وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا إسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ" .

وسورة الشورى من السور المكيّة الّتي نزلت حينما كان أصحاب رسول الله قلّة ومع ذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى قال فيها أنّه إن أجاب الدعوة جمعٌ فإنّ الله قد أبطل بهذا حجّة المجادلين ويكون إحتجاجهم سبب نزول الغضب الإلهي عليهم. والسبب في ذلك، لو أمعن العاقل المتفرّس النظر، هو أنّ ما عدا الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد إنفاذ شريعة أو إبقاءها وأن قهّاريّة الله وقدرته تمنعان شريعة باطلة كاذبة وفي نفس هذه السورة المباركة يتفضّل أيضاً: "‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" .

وتعني هذه الآية أنّه هل حتى الوقت الحاضر أن شرّع أحد شريعة بدون إذنه تبارك وتعالى حتى يعتبره الظالمون قياساً ويعتبرون بموجبه شريعة الله باطلة؟

بلى يا سيّدي الجليل لقد تصوّر هؤلاء أنّه سبحانه وتعالى والعياذ بالله عاجز وغافل أو قد إعترفوا بالله اعترافاً إسميّاً وتقليديّاً لا حقيقيّاً وتحقيقيّاً وإلاّ كيف يمكن أن نتصوّر أنّه تعالى "وَهُوَ القَادِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ" يمهل كاذباً ليؤسّس شريعة بدون إذنه ويبقى ذلك الشرع الكاذب الباطل في عالم الوجود ثابتاً؟

ولعمر الله لو لم يكن في القرآن المجيد غير الآية الكريمة: "إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً" فإنّ الحجّة تتمّ على الأمّة الإسلاميّة ويعرفون أنّ الحقّ لا يُغلب أبداً والباطل لا يبقى أبداً.

ومن المعلوم أنّ المقصود من الغلبة الواردة في الآية الكريمة ليس الغلبة الحربيّة أو الإنتصارات الدنيويّة لأن الكثيرين من الأنبياء عليهم السلام قد قُتلوا في منتهى الذلّة ولطالما كان المقرّبون والمخلصون لهم مبتلون بظلم الظالمين وبإهانات المستكبرين بل المقصود كما أوضحه كتاب الإيقان الشريف بأفصح بيان هو الغلبة الروحانيّة ونفوذ الشريعة الربّانيّة وبقاؤها.

لاحظوا مثلاً في ظهور عيسى عليه آلاف التحيّة والثناء كيف كان المؤمنون به منذ زمان دعوته حتى زمان إيمان قسطنطين في بلاء وإضطهاد على أيدي اليهود والرومان وكيف أُحرقوا وقتلوا وسجنوا في أنحاء الأمبراطوريّة الرومانيّة الواسعة الأرجاء وإتُّهموا بتهمة الفساد وإختراع دين جديد بين عموم الخلق حتى أنّ القيصر الظالم نيرون بعد أن أحرق مدينة روما العظيمة ليلاً في حالة سكره وعربدته إتّهم المسيحيّين صباحاً بهذا العمل الشنيع حينما صحا من سكرته وسفك دم جماعة من المظلومين الأبرياء وشاع القتل والحرق في تلك الفئة المظلومة مدّة مديدة من الزمن حتى إضطرّوا إلى الهرب تحت ستار الرهبانيّة وإلى الإنزواء في الكهوف والجبال وإلى الإكتفاء بشَظَف العيش ولكنّ كلمة الله بالرغم من جميع هذا الظلم غلبت يوماً فيوماً وإزداد عدد أهل الإيمان حتى أحاطت العالم أنوار المسيحيّة وإنعدم اليهود والرومان.

ولو أمعن الإنسان النظر في تسمية خاتم الأنبياء الظهور الثاني بعد القائم بظهور روح الله لأدرك سرّ مظلومية أهل البهاء ولشاهد أسرار البدء في الرجوع فقد قال عليه الصّلاة والسلام "فَوَالّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً لِوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُنْيَا إلاّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ اليَوْمَ حَتىَّ يَخْرُجَ فِيهِ وَلَدِي الْمَهْدِي ثُمَّ يَنْزِلُ رُوحُ اللهِ وَيُصَلّي خَلْفَهُ وَيَبْلُغُ سُلْطَانَهُ الْمَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ".

ومن الآيات الشريفة المميّزة بين الحقّ والباطل والمثبتة لبقاء الكلمة الإلهيّة وفناء وزوال الكلمة البشريّة الكاذبة هذه الآية الكريمة: "‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ِ‏تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" .

وفي زمان خاتم الأنبياء في بداية إنتشار الإسلام قامت بعض النفوس المغرورة الّتي ظنّت تشريع الشرائع أمراً سهلاً وإدّعت الرسالة مثل مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وأمثالهما وقد أضلّوا قوماً وإجتمع الناس حولهم أيّاماً قليلة ففُتح باب إنتقاد المكابرين ووجدوا الفرصة سانحة للنقد والإعتراض ونحوا باللائمة على أهل الإيمان قائلين أنظروا فلاناً وفلاناً إدّعيا النبوّة وإعتبرا نفسيهما مرسلين من الله لهذا نزلت هذه الآيات الكريمة في القرآن حتى يفهم أرباب القلوب الصافية الفارق بين الحقّ والباطل ويميّزوا الكلمة الطيّبة عن الكلمة الخبيثة ويطمئنّوا إلى بقاء الدعوة الصادقة وزوال الدعوة الكاذبة وفنائها وليعلموا يقيناً أنّ الحقّ جلّ جلاله غير غافل عن خلقه والعياذ بالله ولا تأخذه سِنة ولا نوم ومن المستحيل أن يترك القاهر الجبار-الّذي أهلك قبائل عاد وثمود القويّة بصيحة واحدة وأفنى بإرادة واحدة من إرادته جبابرة الفرس والرومان- أن يترك دعوة كاذبة تنفذ في العالم أو يشرّع مفتر كاذب شريعة بدون إذنه ويسبّب ضلال العالم وهلاكه بل على العكس من ذلك كانت ولا تزال إرادة الحقّ هي الغالبة والباطل مغلوباً وزائلاً: "‏سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" .

نعم إنّ بعض الناس الّذين لا خبر لهم عن حقائق أمر الله وعن كيفيّة تشريع الشرائع أو الّذين يقصدون المغالطة والمجادلة بالباطل ينتقدون دليل التقرير متمسّكين بوجود بعض المذاهب الّتي يعتبرونها بزعمهم باطلة أو بوجود بعض الشرائع الّتي يعتبرونها بزعمهم الباطل ليست من عند الله سبحانه وتعالى فيقولون مثلاً لو أنّ الباطل لا يبقى فكيف بقيت في العالم إلى مدّة من الزمان مذاهب باطلة أمثال الأسماعيليّة والصبّاحيّة وغيرها؟ أو كيف بقيت شرائع البرهميّة والصينيّة والزردشتيّة مدّة آلاف من السنين؟ وكذلك أهل السنّة الّذين يعتبرون مذهب الشيعة باطلاً ينتقدون دليل التقرير متمسّكين ببقاء التشيّع والعكس بالعكس إنتقاد أهل الشيعة دليل التقرير حين يرون بقاء مذهب أهل السنّة الّذي يعتبرونه باطلاً وجوابنا على هذا النقد واضح وهو أنّ وجود المذاهب المختلفة للشريعة الألهيّة أمر خارج عن موضوع دليل التقرير لأنّ موضوع دليل التقرير هو إدّعاء مقام النبوّة والرسالة وتشريع شريعة جديدة ومن الواضح أن رؤساء المذاهب الإسلاميّة الموجودة لا يدّعي أي واحد منهم الوحي السماوي ولا يعتبر أحدهم نفسه مشرّعاً لشريعة جديدة بل كلّهم يدّعون تبعيّة سيّد الأنام وخاتم الأنبياء ويثبتون شريعة الإسلام. أما إختلاف نظرهم فيما بينهم فيعود إلى إختلاف أفهامهم في المسائل الإجتهاديّة ولا يعارض أبداً الشريعة الإسلاميّة.

وأمّا وجود الشرائع البرهميّة والبوذيّة والزردشتيّة فجوابنا عليه ما تحكم به الآية الكريمة: "إنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ" والآية الكريمة: "لِكُلِّ أمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً" ولهذا فأصول هذه الشرائع قد شُرّعت من جانب الله تبارك وتعالى، ولكنّ العادات الباطلة والبدع الفاسدة دخلت هذه الشرائع بسبب طول الزمن كما دخلت أمثال هذه البدع في الشريعة النصرانيّة والشريعة الإسلاميّة أيضاً وصارت سبباً في تشتّت الأمّة وفي ضعف الدين. ولا يخفى على العاقل اللبيب أنّ الله جلّ جلاله لم يهمل أمّة من الأمم بل بعث في كلّ أمّة رسولاً وجعل الحجّة بالغة على أهل الشرق والغرب "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ" .

وعندما تمسّك علماء البروتستانيّة بهذه الشبهة وبهذا النقد ردّوا على إستدلال علماء الإسلام بدليل التقرير متمسّكين ببقاء الديانات الوثنيّة وصاروا في كلّ يوم يؤلّفون كتاباً في الردّ على الدين الإسلامي الحنيف ويطبعونه وينشرونه في جميع الممالك فقد ألّف النمساوي (فاندر) كتاب "ميزان الحقّ" وصرّح بالتفصيل بهذا النقد قائلاً إنّ علماء الإسلام لا يستطيعون أن يستدلّوا على حقيّة دينهم ببقائه وبنفوذه لأنّ الديانات الوثنيّة مع ثبوت بطلانها لا تزال موجودة في العالم ولهذا فإنّ هذا العبد سيقوم بدفع شبهته في مبحث قادم أكثر تفصيلاً وإيضاحاً ويقوم بالتدليل على كمال هذا الدليل بطريقة واضحة يستطيع كلّ امرئٍ فهمها لعلّ يكون ذلك بعون الله تعالى سبباً لإنتباه أولي الإستعداد وتعود فائدته وثمرته على العموم.



9. في بيان أنّ الأديان الموجودة في العالم قبل ظهور الباب الأعظم سبع أديان شُرّعت كلّها بإذن الله:

من الواضح لدى الفضلاء في علم التاريخ والعلماء في الملل والنحل أنّ أصول الأديان والشرائع الّتي كانت سائدة في العالم قبل ظهور الباب الأعظم تنحصر في سبعة أديان عظيمة، ويعبد أهل العالم ربّهم في ظلّ هذه السبع الطباق ويسيرون في طريق التقدّم والفلاح في شعاب هذه الطرق السبعة وليست المذاهب المختلفة إلاّ دروب وشوارع إنشعبت من هذه الطرق السبعة وخلجان إنشعبت من هذه البحار السبعة:

وأوّلها: الديانة البوذيّة. وهذا الدين أعظم الأديان من حيث العدد وهو دين أهل الصين واليابان وبعض بلاد الشرق الأقصى المجاورة وعدد أهالي هذه الديانة يقارب (500) مليون. ويعتقد البوذيّين أنّ أوّل أنسان وُجد على الأرض هو"بوذا" وهو الّذي عمّر العالم ونشر النسل البشري وليس لديهم ذِكر عن آدم وحوّاء وطوفان نوح وأمثال ذلك. وآخر مشرّع ظهر في هذه الديانة كان المشرّع الصيني "كنفوشيوس" وهو معاصر لعزرا الكاهن العبري ومعاصر لكورش الملك الإيراني العظيم، وقد تُرجمت شرائعه الأدبيّة إلى اللغات الفرنسيّة والإنكليزيّة ومجّدها فلاسفة أوروبّا حتى أنّ المؤلّف الفرنسي (ملطيرون) كتب بعض شرائعه في مؤلّفه الجغرافي الكبير ورجّحها على شريعة حضرة المسيح. وتضع الأمّة البوذيّة صور وتماثيل عظماء دينها في المعابد وتحترمها.

وثانيها: الديانة البرهميّة. وهي ديانة أهل الهند الأصليّين وعددها على إختلاف المؤرّخين (160) مليون نسمة. ويعتقد البراهمة أنّ أوّل إنسان ظهر غلى الأرض كان "براهما" وهو العقل السماوي الّذي تجسّد بصورة إنسان وقد عمّر العالم ونشر النسل البشري، وكتابهم السماوي هو (الفيدا) وليس لدى أهالي هذا الدين كذلك ذِكر لآدم وحواء ونوح وهم أيضاً يضعون صور وتماثيل عظماء دينهم في المعابد ويعبدونها.

وثالثها: الديانة الفتشيّة. وهي الدين الوثني في أفريقيا وأتباعه على الغالب في حالة توحّش وبداوة. ولصعوبة إختراق الصحاري الأفريقيّة لم يعيّن بالتحقيق عددهم، ويبلغ عددهم بصورة تخمينيّة (100) مليون نسمة ويظهر من تسميتهم معابدهم بالشمس وبالقمر وسائر الكواكب أنّهم بقايا الصابئة الّذين قال الله تعالى في حقّهم في سورة المائدة: "‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" .

وهذه الأديان الثلاثة الّتي ذكرناها يسمّيها المؤرّخون والمؤلّفون بالأمم الوثنيّة كما نراهم يسمّون بقيّة الأديان الأخرى بالأمم غير الوثنيّة. وأوثان الأمم الوثنيّة وتماثيلها إنما هي على الغالب صور وتماثيل لرؤساء أديانها وكانت قد وضعتها في المعابد من أجل ذكراهم ثم إنتهى بهم الأمر شيئاً فشيئاً إلى عبادتها. وهم يعتبرون الأوثان وسائط للتقرّب إلى الله ويرون إحترامها يورث الأجر والثواب لا أنّهم يعتبرونها ذات الله وواجب الوجود كما قال تعالى في سورة يونس: "‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ" وقال تعالى في سورة الزمر: "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" .

ورابعها: الديانة الزردشتيّة. وهي دين الإيرانيّين الأقدمين. وشارع هذا الدين كان إبراهيم زردشت، والكتاب السماوي لهؤلاء القوم عبارة عن إحدى وعشرين صحيفة يسمّونها (آفستاوزند). ولا تضع هذه الطائفة في معابدها صور وتماثيل ولا تجيز عبادة الأوثان. وليس فى كتب هذه الطائفة أيضاً ذكر لآدم وحواء ونوح والطوفان. ولا يعرف المؤرّخون على وجه التحقيق عدد هذه الطائفة. ويسكن القليل منهم الآن في إيران وقد هاجرت أكثريتهم في بداية الفتوحات الإسلاميّة إلى الهند وإستوطنت هناك إلى يومنا هذا.

وخامسها: الديانة اليهوديّة. وشارع هذا الدين موسى عليه السلام. وقد تشتّتت هذه الطائفة في جميع الممالك بعد إنتصار القيصر الروماني طيطوس وهدمه مدينة القدس الشريفة. ولا تجيز هذه الطائفة أبداً وضع التماثيل في معابدها. وعدد نفوسها خمسة ملايين تقريباً.

وسادسها: الديانة النصرانيّة. وشارعها عيسى عليه السلام. وعدد هذه الطائفة (370) مليون نسمة. وجميع النصارى ما عدا البروتستانت يجيزون وضع صور وتماثيل عيسى عليه السلام ومريم العذراء والرسل والقدّيسين في معابدهم وكنائسهم ويسمّونها "أيقونات" وقد جعلوا لكلّ أيقون صلاة وعبادة خاصّة.

وسابعها: الديانة الإسلاميّة. وشارع هذه الشريعة الغرّاء والملّة البيضاء محمّد خاتم الأنبياء عليه وعلى آله آلاف التحيّة والثناء. وجميع الفرق الإسلاميّة بدون إستثناء لا تجيز وضع الصور والتماثيل في مساجدها ومعابدها. وعدد المسلمين على إختلاف المؤرّخين (300) مليون نسمة.
إنّ هذه الأديان السبعة قد تشعّبت إلى مذاهب متعدّدة. فالديانة الإسلاميّة مثلاً قد تشعّبت إلى مذاهب السنّة والشيعة والخوارج والغلاة والوهابيّة وغيرها. وكلّ واحد من هذه المذاهب إنشعب إلى فرق مختلفة. والمسيحيّة كذلك إنشعبت إلى كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت وغيرها. والديانة اليهوديّة كذلك إنشعبت إلى مذاهب مختلفة. والديانة الهنديّة كذلك إنشعبت إلى مذاهب مختلفة. وقد ورد تفصيل هذه المذاهب مشروحاً في الكتب التاريخيّة للأديان والملل والنحل. وكلّ واحد من هذه الأديان له شرائعه وقوانينه المفصّلة والمبيّنة في كتابه السماوي ما عدا الديانة الفتشيّة فإنّها لا تملك كتاباً بسبب قدم تشريعها وبسبب إيقالها في التوحّش والجهل وتركها المعارف فلم يعد فيها نداء ولا صوت. ولا شكّ أن في كلّ واحدة من هذه الملل الجاهل والعالم والعاصي والمطيع والمتعبّد. وتعتبر كلّ واحدة منها أنبياءها وشارعيها بل أولياءها ومقدّسيها أصحاب معجزات وكرامات وخوارق عادات. وكلّ واحدة منها تعتبر دينها الوسيلة الوحيدة للنجاة والفلاح والسبب في الخلاص والنجاح. ولا يخفى على أولي العلم أيضاً أنّ الزردشتيّة والهنود والبوذيّة لا يعتبرون شرائع اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام شرائع حقّة بل يعتبرون والعياذ بالله موسى وعيسى ومحمّد عليهم الصّلاة والسلام كاذبين في إدّعائهم النبوّة والرسالة كما لا يصدّق اليهود عيسى عليه السلام ولا يصدّق النصارى محمّد رسول الله في رسالته وكذلك لا يصدّق المسلمون حضرة الباب الأعظم في إدّعائه المهدويّة كما يعتبر جميع اليهود والنصارى وأكثر المسلمين حضرة زردشت ومشرّعي الديانة البوذيّة والبرهميّة أنبياء كاذبين.

والآن بعد أن إتّضحت هذه المقدّمات المعروفة لدى أهل العلم يسأل هذا العبد من جميع فضلاء ورؤساء الأديان المذكورة سؤالاً واحداً ويطلب منهم الإجابة عليه حتى تتّضح وتتجلّى حقيقة دليل التقرير. والسؤال هو:

لو فرضنا أنّ شخصاً إدّعى رسالة كاذبة سواء أكان هذا الشخص زردشت كما يعتقده اليهود والنصارى والمسلمون أو كان موسى أو عيسى أو محمّد رسول الله كما يعتقده الزردشتيّون ثم قال كلاماً من نفسه ونسبه إلى الله تبارك وتعالى وشرّع من نفسه شريعة ونسبها إلى الله جلّ جلاله ثم بقي كلامه هذا ونفذ وصار سبباً في خلق أمّة إمتدّ وجودها في العالم فكيف يستطيع الشخص المجاهد والحالة هذه أن يميّز بين الشارع الصادق والشارع الكاذب؟ وكيف يستطيع أن يعرف الشريعة الباطلة من الشريعة الحقّة؟


10. في بيان أنّه لو إستُغني عن دليل التقرير لصعب بل لإستحال إثبات حقيقة أيّ دين من الأديان:

لو تأمّلنا قليلاً لعرفنا أننا لو إستغنينا عن دليل التقرير لما أمكن أبداً التفريق بين الحقّ والباطل لأنّه لو كانت المعجزات هي الفارق المميّز فإننا نجدها مذكورة في جميع الأديان. ولو كان الفارق والمميز هو الكتاب فإننا نجد كتاباً مسطوراً لدى كلّ أمّة من الأمم. ولو كان الفارق والمميز وجود الصالح والطالح والعالم والجاهل فإنّ ذلك موجود لدى كلّ أمّة من الأمم. فلا سبيل بعد هذا للإنسان إلاّ أن يغضّ النظر والعياذ بالله عن جميع الأديان وعن الحقّ الواضح وينكر نعمة الديانة الّتي هي أفضل جميع النعم الإلهيّة ويصبح لا دينياً علمانيّاً وينكر وجود الله أو يتّخذ من دون تمييزٍ أو دليل أحد الأديان ديناً له ويعتبره حقّاً من دون برهان ويعتبر الشرائع الأخرى باطلة من دون برهان ويكتفي بالتقليد المهلك كما جاء في الآية الكريمة: "إنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون" ولا سبيل له إلاّ أن يتمسّك بدليل التقرير ويعتبر الله تعالى حاضراً ناظراً قادراً قاهراً ويعتبر نفوذ الشريعة الحقّة وبقاءها الدليل الوحيد على حقيّتها وفقاً للآية الكريمة: "أنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونْ" ووفقاً للآية الكريمة: "إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً" ويرى فناء الشريعة الكاذبة والدعوات الباطلة أمثال المانويّة والمزدكيّة ومسيلمة الكذاب وطيلحة الأسدي وسجاج وأمثالهم الّذين زالوا وبادوا وطوت يد الله جلّ جلاله بساطهم الممدود في وقت قصير. وسنعود إن شاء الله إلى هذه المسألة مرّة ثانية في غضون أجوبتنا على أسئلة حضرة شيخ الإسلام ونوفّيها حقّها ببيانٍ أوفى وأكمل والآن نودع مزيد البيان في هذا المقام بقوله تعالى: "‏لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ" .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى