منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 4 في 2010-11-02, 11:49

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل


في الجواب على الشبهة الثانية من شبهات شيخ الإسلام.

1. في بيان الشبهة الثانية الّتي قال الشيخ فيها بأنّ إدّعاء الجمال الأقدس الأبهى لو كان النبوّة فإنّ هذا يخالف إجماع المسلمين:


كتب جناب الشيخ في رسالته الأولى أيضاً: "والآن لنأت إلى إدّعاء جناب البهاء فلو فرضنا أنّ مقام جنابه وإدّعاءه هو النبوّة فلا شكّ أنّ هذا يخالف جميع الأمّة الإسلاميّة لأنّ النبوّة في عقيدة جميع الأمّة الإسلاميّة قد خُتمت وهذا يعني أنّه سوف لن ينـزل من الله دين ينسخ هذا الدين. نعم ولو أنّ صاحب كتاب الإيقان بموجب عدّة تأويلات يجمع الأوّليّة والآخريّة في وجود كلّ واحد من المظاهر القدسيّة لأنّها تجلّي الصفات الإلهيّة كما يقول في هذه العبارة: "لو أنّ جميع الأنبياء ينادون أنا خاتم النبيّين فإنّ هذا حقّ لأنّهم جميعاً في حكم ذاتٍ واحدة وروحٍ واحدةٍ وأمرٍ واحدٍ وجميعهم مظهر البدئيّة والختميّة والأوّليّة والآخريّة والباطنيّة لتلكم الروح الحقيقيّة روح الأرواح" فنحن أوّلاً لا نعترف أبداً بأنّ شخصاً يكون مظهر الصفات الأوّليّة والآخريّة للذات الأقدس لأنّ هذه الصفة تدلّ على الصفة الأزليّة والأبديّة لله تعالى وهذا يختصّ بذات واحد وهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن ولا يستلزم لصدق المظهريّة أن تجتمع جميع الصفات الإلهيّة في وجود المظهر وتتجلّى وتظهر فيه وثانياً لنفرض أنّهم جميعهم مظهر كلّ صفات الله فلا شكّ أنّ هذه المظهريّة ستنتهي في نقطة واحدة وهذا يعني أنّه سوف يظهر نبيّ واحد يكون دينه آخر الأديان وكتابه آخر كتب الأوّلين. ولنفرض أنّ شخصاً يظهر بهذه الصفة ويستقرّ دينه وشريعته ولكن يخرج بعد مدّة شخص آخر يدّعي المظهريّة وإدّعاؤه باطل محض ولكنّه يتشبّث بأمثال هذه الأدلّة ويقول "أيها الناس لا يشتبه عليكم الأمر في أنّ النبيّ السابق سمّى نفسه خاتم الرسل فإنّ كلّ واحد منا مظهر البدئيّة والختميّة والأوّليّة والآخريّة لأننا جميعاً في حكم ذات واحدة وروح واحدة وجسدٍ واحدٍ وأمرٍٍ واحدٍ" ففي هذه الحال يستوجب أن نسلّم بكلامه ونصدّق إدّعاء شخصٍٍ كاذبٍ باطلٍ [فالدليل الّذي يفضي إلى تصديق الكاذب لا يصلح أن يكون دليلاً].


2. الجواب على شبهة جناب الشيخ السالفة وإثبات أنّ إدّعاء الجمال الأقدس الأبهى ليس إدعاء نبوّة بل إدّعاء ظهور الموعود في القرآن وسائر الكتب المقدّسة:

لقد عرضنا سابقاً أنّ الله تبارك وتعالى قد وعد في جميع الكتب السماويّة وخاصةًً في القرآن المجيد وصرّح أنّ ندائين سيرتفعان في آخر الزمان وسوف يقوم بأمر الله وجودان مباركان وفي الأحاديث الصحيحة المبيّنة للقرآن قد عُبِّرَ عن ظهور الأوّل على إختلاف المصطلحات بين أحاديث أهل السنّة والشيعة بظهور المهدي أو القائم وعُبِّرَ عن الظهور الثاني بقيام روح الله أو الظهور الحسيني. فيُفهم من هذا بكلّ صراحة أنّ عقيدة أهل البهاء هي أنّ ظهور حضرة بهاء الله جلّ ذكره وعزّ إسمه هو الظهور الثاني الموعود في القرآن وفي الأحاديث الصحيحة. ولهذا فإنّ ما ظنّه جناب الشيخ في أنّ إدّعاءه قد يكون إدّعاء نبوّة فهو ظنّ وخيال من جناب الشيخ. وكلّ من عاشر أهل البهاء أو إطّلع على كتب هؤلاء القوم يعرف بأنّ إدّعاء النبوّة لم يذكر في الألواح المقدّسة ولا اُطلقت كلمة النبيّ على ذلك الوجود الأقدس من لسان أحدٍ من أهل البهاء. والسبب في ذلك هو ما عرضناه سابقاً في أنّ الألقاب الخاصّة بمظاهر أمر الله هي الّتي يطلقونها هم بأنفسهم على أنفسهم لا ما ظنّته الأمم بحقّهم ولا ما وضعته مصطلحاتها الوهميّة بحقّهم أمثال (كلمة الله وروح الله) في ظهور عيسى عليه السلام و (الباب الأعظم والنقطة الأولى) و (بهاء الله والجمال الأبهى) في هذا الظهور الأقدس الأعلى.


3. في بيان بطلان الإجماع الّذي إدّعاه الشيخ وفي إثبات أن هذا الإجماع كان دائماً سبب إضطهاد مظاهر أمر الله:

كتب جناب الشيخ: "لو فرضنا أنّ مقام جنابه وإدّعاءه هو النبوّة فلا شكّ إنّ هذا يخالف جميع الأمّة الإسلاميّة لأن النبوّة في عقيدة جميع الأمّة الإسلاميّة قد خُتمت وهذا يعني أنّه سوف لن ينـزل من الله دين ينسخ هذا الدين". مرحىً مرحىً لهذا الإستدلال! وهل يُتصوّر عجزٌ وضعفٌ فوق هذا؟ بأنّ رجلا ً عالماً في الإسلام ويدّعى مقام شيخ الإسلام لا يستطيع في إثبات عقيدته الأصليّة أن يستدلّ بدليل من الأدلّة العقليّة أو بأيّة آيةٍ من آيات القرآن أو بحديث من الأحاديث الصحيحة بل يستدلّ بالإجماع الّذي لا يُعتبر في هذه المقامات أبداً دليلاً ولا يُقبل لدى المتناظرين.

يا أولي البصائر المنيرة والآذان الواعية! ألمْ يتمسّك اليهود في زمان ظهور عيسى عليه السلام بنفس هذا الإجماع في الردّ على حضرته؟ وألم يتمسّك المجوس في الردّ على المشرّعين العظام موسى وعيسى ومحمّد عليهم الصّلاة بنفس هذا الإجماع؟ وألم يعتبر النصارى دينهم آخر الأديان وشريعتهم آخر الشرائع وكتابهم آخر الكتب، وبالإستناد إلى نفس هذا الإطمئنان حكموا بأنّ الرسول الكريم مخالف للضّروريات الدينيّة ومخالف لإجماع الأمّة النصرانيّة بل مخالف لصريح الإنجيل المقدّس؟ وهل يليق بالعاقل بعد أن رأى الأمم العظيمة والملل الكبيرة تتمسّك بهذا الحبل الضعيف وتنـزل به في بئر الضلالة أن يتمسّك بهذا الدليل الباطل ويغفل عن بشارات الكتاب الكريم والنبيّ العظيم ويلحق بالأمم الهالكة فوق طريق الآراء والظنون المهلكة؟

نعم لا شكّ إنّ هذا الوباء الديني العام: "إنَّ ديننا لن يتبدّل أبداً وإنّ شريعتنا لن تنسخ أبداً" قد أحاط بجميع المذاهب وإنّ هذا السبات العميق والكابوس الثقيل قد شمل كافّة الأمم والقبائل ولكنّ الآية الكريمة: "أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمّا لا تَهْوى أنْفُسَكُمْ إسْتَكْبَرتُمْ" تُعلِّم العاقل البصير بأنّ ظهور مظاهر أمر الله لا يأتي مطابقاً لأهواء الأمم ورغباتها. وتكفي الطالب كلمات بطرس الرسول: "لَمْ تَأتِ نُبُوَّةٌ قطُّ بِمَشِيئَةِ إنْسَانٍٍ". فيُفهم من هذا أنّه لم تظهر أبداً أيّة نبوّة طبقاً لإرادة أحد أو ميوله. وحيث إتّضح إنّ إدّعاء الجمال الأقدس الأبهى هو إدّعاء ظهور الموعود لا إدّعاء النبوّة أو الوصاية أو النيابة فيمكن التوصل بصراحة الدليل العقلي إلى أنّ مظهر أمر الله ... ليس مجبوراً على إجراء الشريعة السابقة لأنّ هذا المقام مقام الشارعيّة وإنّ رتبة الشارعيّة رتبة السلطنة الإلهيّة المطلقة لا يُعقل تقييدها. وحيث أنّ مقتضيات القرون والأجيال تتغاير وتتفاوت حسب ناموس التقدّم والإرتقاء أو التأخّر والإنحطاط الّذي هو من مقتضيات الحركة الجوهريّة الطبيعيّة للعالم فلا شكّ أنّ مظهر أمر الله والقائم بإذن الله يشرّع الشرائع ويضع السنن والقواعد حسب مقتضيات الوقت لا حسب ما كان يلائم الأزمنة السابقة أو حسب ما يوافق ميول وأهواء عبيد الهوى. وحيث أنّ إدراك هذه الدقائق خارج عن قدرة الأبصار المكفوفة وأنّ فهم الحقائق فوق طاقة أصحاب الأحلام الضعيفة فليس لعلماء الوقت سعة النظر وقوّة الطيران في فضاء المعارف فوق هذه الرتبة الّتي فيها يستطيعون إستنباط شؤون صاحب الأمر من الأحاديث الماضية وإدراك الإرادات الإلهيّة اللاحقة من البشارات السابقة.


4. في بيان الآيات الدالّة على أنّ مقام القائم الموعود هو مقام الربوبيّة وأنّه سيظهر بشريعة جديدة:

لهذا وبكمال الأدب وغاية الإحترام أعرض في خدمة جناب شيخ الإسلام فأقول يا سيّدي الشيخ نحن وأنتم لم نجلب خبر ظهور الموعود من بيت آبائنا وأجدادنا ولم نلتفت إلى ضرورة تجدّد العالم ولزوم الظهور المحمود بفضل عقولنا بل إنّ الله ورسوله أخبرنا بذلك وأخذ عهد ذلك في الكتاب الكريم وفي الأحاديث الصحيحة. ولهذا فمن الأحسن الآن أن نرجع إلى القرآن الكريم وإلى الأحاديث الصحيحة ونجعل حكم الله ورسوله أحسن فاصل بين الحقّ والباطل في هذه المسألة الّتي هي نقطة الخلاف فيما بيننا وبينكم وهي أنّ ظهور الموعود ظهور نيابة وإمامة وخلافة أم ظهور ربوبيّة وشارعيّة وإصالة فننظر إلى القرآن الموصوف بأنّه يحتوي "تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْئٍ" وننظر في الأحاديث المبيِّنة للقرآن لنرى هل أنّ ظهور القائم الموعود وقيام روح الله هو من قبيل ظهور أحد أئمّة الهدى الطاهرين والخلفاء الراشدين الّذين روّجوا الشريعة النبويّة ولم تكن لهم القدرة على تشريع شرع جديد أم إنّه من قبيل ظهور الرسول الأكرم وعيسى وموسى عليهم السلام الّذين كانوا أصحاب قدرة مطلقة وسلطنة إلهيّة وكانت لهم القدرة على تشريع شرع جديد وإيجاد أمرٍ جديد؟

أمّا آيات القرآن المجيد فإنّها أكثر من أن تُحصر في هذا المختصر أو تُفسَّر لأنّه من الواضح لدى كلّ بصير عالم بالكتاب أنّ ثلث القرآن على الأقل قد نزل في ذكر ورود هذا اليوم العظيم وفي آثار وعلائم هذا الظهور الكريم. لذا فإننا نكتفي بتلاوة بضع آيات ونحيل القارئ للإطّلاع على الآيات الباقية إلى الألواح المقدّسة وإلى كتب الإستدلال الّتي ألّفها أهل البهاء.

فمنها في سورة البقرة قوله تعالى: "‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ " ، وهذه الآية المباركة تطابق تماماً ما ورد في الإنجيل المقدّس من أنّ عيسى عليه السلام تفضّل بأنّه سوف ينـزل على سحاب السماء وسيرسل ملائكته إلى أقطار الأرض بصوت صافور عالٍ. وخلاصة القول فإنّ في هذه الآية الكريمة إخبار بظهور الموعود بعد الرسول الكريم لا كما توهّمه أهل الظنون وفسّروه بأهوائهم.

ومنها في سورة النبأ قوله تعالى: "‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا " ، وهذه الآية الكريمة مثل الآية السابقة تنبئ كذلك بورود يوم الله ويوم الربّ الّذي فيه يقوم روح الله عيسى عليه السلام بالأمر الإلهي وتقوم نفوس مقدّسة على إعلاء أمره ولا تتكلّم بغير ما أذن الله.

ومنها في سورة ق قوله تعالى: "‏وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ" .

ومنها قوله تعالى: "أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ" .
ومنها قوله تعالى: "‏وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا"
ومنها قوله تعالى: "‏يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"

وخلاصة القول فإنّ هناك كثير من أمثال هذه الآيات الكريمة في القرآن المجيد وفي جميعها عُبِّرَ عن الظهور القادم بمثل هذه الألفاظ العالية والعبارات الرفيعة وكلّها تصرّح بسموّ مقام الظهور القادم ورفعته وجلاله وبأنّه أعظم من جميع الظهورات السابقة والشرائع الماضية. وغنيّ عن البيان أنّ ذات الغيب الإلهيّة مقدسة عن جميع ما يتعلّق بالجسد من الخروج والدخول والصعود والنـزول والتشبيه والحلول والعلوّ والدنوّ والقرب والبعد وأمثالها، ولهذا فإنّ الألفاظ الكريمة: (يأتيهم الله) و (جاء ربّك) و(أو يأتي ربّك) وغيرها تدلّ على مجيئ مظهر أمر الله وقيام روح الله وظهور الموعود وورود الشارع المحمود وهذا يصرّح بأنّ مثل هذا الظهور العظيم ليس مقامه مقام النيابة والخلافة والإمامة بل هو ظهور كلّي إلهي ومقام الشارعيّة الإلهيّة والسلطنة الربّانيّة.

ومع أنّ هذه الآيات والألقاب العظيمة تكفي لبيان مقام الموعود فمن أجل التنصيص في ذلك اليوم العظيم على تجدّد الديانة وظهور شريعة جديدة نزلت الآية الكريمة قوله تعالى: "‏يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ" ومن الواضح كلّ الوضوح أنّ الدين الّذي وعد به الله الناسَ في هذه الآية الكريمة ليس الدين الإسلامي لأنّ الدين الإسلامي نزل في ظهور رسول الله نزولاً كاملا ً وإنّه عليه السلام أبلغه إلى الخلق بل المقصود شريعة جديدة تضمن حقوق جميع الأمم وتوافق مقتضيات الزمان وترفع الإختلافات الدينيّة من بين جميع أهل العالم حتى تزول هذه العداوات والمنافرات والضغائن الّتي رسخت في صدور الأمم بعضها ضد البعض الآخر وتنبت في أراضي القلوب بدل أشواك المنافرة أزهار الأخوّة والمحبّة الخالصة العميقة.


5. في بيان إضطراب تفاسير المفسّرين وذكر خطبة من خطب أمير المؤمنين في أنّ علماء التفسير سوف يحرّفون القرآن الكريم:

وينبغي كذلك لأرباب البصيرة الّذين أوجّه الكلام إليهم أن يفهموا أنّه كما أنّ علماء اليهود وعلماء سائر الملل قد حرّفوا بشارات الكتب السماويّة أي أنّهم فسّروها على خلاف المقصود الإلهي المراد بها وبهذا السبب منعوا الأمّة عن عرفان عيسى ومحمّد عليهما السلام والإيمان بهما، فكذلك فسّر بعض المفسّرين الآيات القرآنيّة الإلهيّة بغير مقاصدها الأصليّة فأظلَمَ بذلك أفق الكتاب الإلهي المنير بآرائهم الباطلة وأهوائهم وظنونهم ظلاما ً دامساً وإختفت المعاني الإلهيّة في الآيات الإلهيّة على غير أرباب البصائر النيّرة وطُرد كلّ عالم بحقائق الكتاب على يد كلّ ظالم غشوم. فمثلا ً فسّر مولانا جلال السيوطي من مشاهير علماء التفسير الآية الّتي إستشهدنا بها في تعيين مكان إرتفاع نداء الظهور فقال في بيان كلمة (منْ مكان ٍ قريب): "من مكان قريب من السماء وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء" في حين أنّ المقصود واضح جدّاً والمراد منها الأراضي المقدّسة القريبة من مكّة المكرّمة الّتي نزلت فيها الآية الكريمة وكأنّ معلومات مولانا السيوطي في علم الفلك وعلم الجغرافية قد بلغت إلى درجة أنّه عَرفَ نقطة على الأرض أقرب إلى الأفلاك الّتي توهّمها السابقون. وإذا كان المقصود بالآية إرتفاع أرض بيت المقدس عن سطح البحر بإصطلاح الجغرافيّين فذلك باطل أيضاً لأنّ إرتفاع أرض مدينة القدس شيئ لا يذكر بالنسبة لمرتفعات سوريا والجزيرة العربيّة وكيف لو قيست بالمرتفعات الأخرى في جبال آرارات وجبال حملايا وغيرها الّتي يعرف الجميع إرتفاعاتها الشاهقة وهي كالشمس في رابعة النهار لدى الجغرافيّين كما دُوّنت في الكتب الجغرافية الموثوقة. ومع أنّ إضطراب التفاسير أمرٌ واضح جدّاً فلا تظنّوا أنّ هذا العبد يلقي الكلام على عواهنه ويتّهم علماء التفسير بدون مستند صحيح. بل اُنظروا إلى الخطبة البليغة الّتي وردت في كتاب نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه من التحيّات أطيبها وأزكاها: "وّإنَّهُ سَيَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْئٌ أخْفى مِنَ الْحَقّ وَلا أظْهَرَ مِنَ البَاطِلِ وَلا أكْثَرَ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللهِ وَرَسُولِهِ وَلَيْسَ عِنْدَ أهْلِ ذَلِكََ الزَّمَانِ سِلْعَة ٌ أبْوَرَ منَ الكِتَابِ إذا تُلِيَ حَقَّ تِلاوَتِه وَلا أنْفَقَ مِنْهُ إذا حُرِّفَ عَنْ مَواضِعِه وَلا في البِلادِ شَيئٌ أنْكَرَ مِنَ المعْرُوفِ وَلا أعْرَفُ مِنَ المُنْكَرِ فَقَدْ نَبَذَ الكِتَابَ حَمَلَتَهُ وتَنَاسَاهُ حَفَظَتَهُ فَالكِتَابُ وَأهلُهُ يَوْمَئِذٍ طَرِيدَان ِ مَنْفِيّانِِ وَصَاحِبَانِِ مُصْطَحِبَانِِ في طَرِيقٍٍ وَاحِدٍ لا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَالكِتَابُ وَأهلُهُ في ذَلِكَ الزَّمَانِ في النَّاس وَليْسَا فِيهِمْ وَمَعَهُمْ لأنَّ الضَّلالَةََ لا تُوافِقُ الهُدى وإنْ إجْتَمَعَتا فاجْتََمَعَ القَوْمُ عَلى الفِرْقَةِ وافْتَرَقُوا عَنِ الجَمَاعَةِ كَأنّهُمْ أئِمَّة ُ الكِتَابِ وَليْسَ إمَامُهُمْ فَلَمْ يَبْق َعِنْدَهُمْ إلاّ إسْمُهُ وَلا يَعْرِفُونَ إلاّ خَطَّهُ وَزَبْرَهُ وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَسَمّوا صِدْقَهُمْ عَلى اللهِ فِرْيَةً وَجَعَلُوا في الحَسَنَةِ عُقُوبَةََ السَيِّئةِ وإنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِِ آمَالِهِمْ وتَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتّى نَزَلَ بِهِمْ الموْعُودُ الّذي لا تُرَدُّ عَنْهُ المَعْذِرَةُُ وتُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُُ وتَحُلُّ مَعَهُ القَارِعَةُ والنَقْمَةُ".

يا أيّها الناظر في هذه الأوراق إنّني لا أتجاسر أن أقدّم النصائح إلى جناب الشيخ لأنّ حلو النصيحة في مذاقه مرّ شديد المرارة وشميم الموعظة اللطيف في مشامه سامّ منفور ولذا أرجوك بكلّ تواضع أن تهبط قليلاً من شاهق كبريائك وتجبّرك وتتأمّل قليلاً بنظر الإمعان والتدقيق في هذه الخطبة البليغة لعلّك تتجنب تيّار الهلاك المحتوم للمتكبّرين والمضلّين في الأمّة وتنجو من دار الهلاك والبوار الّتي هيّأها رؤساء الأمّة الجهلاء. وهذه الخطبة من جلائل الخطب العلويّة الّتي نصّ على صحّتها السيّد الرضي من علماء الإماميّة والقاضي الفاضل الشيخ محمّد المصري من علماء أهل السنّة والجماعة وهذه الخطبة المباركة كافلة وشاملة لجميع المطالب الّتي عرضها هذا العبد. ولا يظنّنّ أحد بأنّ أمير المؤمنين إكتفى بهذه الخطابة في إنذار الأمّة الإسلاميّة بل حاشا من ذلك فإنّ أكثر الخطب العلويّة والأحاديث النبويّة والآيات القرآنيّة تحتوي على هذه الإنذارات وصريحة بنـزول البلايا والنكبات [ولكن أين الآذان الواعية والبصائر الكاشفة والقلوب الفاهمة والنفوس الزكيّة والأنفس الطيّبة الطاهرة حتى تسمع نداء الله وترى آثار الله وتدرك غوامض أمر الله وتجيب نداء الداعي إلى الله وتتخلّص من القارعة المحتومة النازلة على أعداء الله].


6. في بيان الأحاديث الصريحة بأن القائم الموعود سيظهر بشريعة جديدة وكتاب جديد:

لمّا تمّ الإطّلاع على رفعة وجلال مقام الموعود من الآيات القرآنيّة نبحث الآن في الأحاديث الواردة من طرق أهل التسنّن والتشيّع ونرى هل إنّ مقام الموعود قادر على تشريع شريعة جديدة بمقتضى الربوبيّة الّتي وصفه الله جلّ جلاله بها في الكتب السماويّة أو إنّه بمقتضى منصب النيابة والإمامة الّتي أنعم بها عليه علماء الإسلام غير قادر على إيجاد دين جديد وتشريع شريعة جديدة.

فمن الأحاديث الّتي تدلّ دلالة صريحة على علوّ مقام حضرة الموعود وعلى الشريعة الجديدة عند ظهور ذلك الجمال المعبود ما روي في بحار الأنوار في باب سير القائم وأخلاقه عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال: "سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: "لَوْ خَرَجَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدْ عَلَيْهِ السَّلامْ لَنَصَرَهُ الله بِالْمَلَئِكَةِ المُسَوَّمِينِ وَالْمُنْـزَلِين وَالْمُرْدَفِين وَالكَرُّوبِيّينْ. يَكُونُ جِبْرَائِيلُ أمَامَهُ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَإسْرَافِيلُ عَنْ يَسَارِهِ وَالرُّعْبُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ أمَامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَالْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ حِذَاهُ أوَّلُ مَنْ يتَّبِعَهُ مُحَمَّد وَعَليّ الثَّانِي وَمَعَهُ مُخْتَرَطٌ. يَفْتَحُ الله لَهُ الرُّومَ وَالصِّينَ وَالتُّرْكَ وَالدَّيْلَمَ وَالسِّنْدَ وَالْهِنْدَ وَكَابِلَ شَاه وَالْخَزرَ. يَا أبَا حَمْزَة لا يَقُومُ القَائِمُ إلاّ عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ وَزَلازِلَ وَفِتْنَةٍ وَبَلاءٍ تُصِيبُ النَّاسَ وَطَاعُونٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَسَيْفٍ قَاطِعٍ بَيْنَ العَرَبِ واخْتِلافٍ شَدِيدٍ بَيْنَ النَّاسِ وَتَشَتُّتٍ في دِينِهِمْ وَتَغَيُّرٍ مِنْ حَالِهِمْ حَتّى يَتَمَنّى الْمُتَمَنِّي الْمَوْتَ صَبَاحاً وَمَساءً مِنْ عِظَمِِ مَا يَرَى مِنْ كَلَبِ النَّاسِ وِأكْلِِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً. وَخُرُوجُهُ إذَا خَرَجَ عِنْدَ الأيَاسِِ وَالقُنوطِ. فَيَا طُوبى لِمَنْ أدْرَكَهُ وَكَانَ مِنْ أنْصَارِهِ وَالوَيْلُ كُلُّ الوَيْلِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَخَالَفَ أمْرَهُ وَكَانَ مِنْ أعْدَائِهِ" ثم قال: "يَقُومُ بِأمْرٍ جَدِيدٍ وَسُنَّةٍ جَدِيدَةٍ وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ عَلى العَرَبِ شَدِيد لَيْسَ شَأنُهُ إلاّ القَتْل ولا يَسْتَنِيبُ أحَداً وَلا تَأخُذُهُ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ".

ويكون خروج حضرته في زمان يأس وقنوط كما أنكر المتعصبون أمثال إبن خلدون وأعوانه أخبار وبشارات الظهور المبارك إنكاراً تامّاً خلافاً لله ولرسوله وقد أقرّهم على ذلك الكثيرون من البلهاء.

والآن نسأل أهل الإدراك هذا السؤال: هل يمكن تسمية مثل هذا الظهور على ما هو عليه من هذه العظمة في هذا الحديث الّذي يطابق آيات القرآن بأنّه ظهور نيابة ووصاية وخلافة؟ وبعد هذه الصراحة في أن أوّل أتباعه يكون رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام وإنّه يظهر بأمر جديد وسنّة جديدة وقضاء جديد هل يمكن إنكار حضرته جرياً وراء خرافات الأمم السابقة؟ "فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونْ" ومما تفضّل به بأنّ لدى حضرته سيفاً قاطعاً يفتح الله له به الروم والصين والترك والديلم والسند والهند وكابل والخزر لا يظنّنّ أحد أنّه السيف المعروف بين الناس لأنّ سيفاً واحداً مهما كان قاطعاً فليس من الممكن والمعقول أن يستطيع فتح كلّ هذه الممالك الواسعة بل المقصود بهذا السيف القاطع الكلام الإلهي والحجّة الإلهيّة والوحي السماوي الّذي به كان الله جلّ جلاله ولا يزال يفتح مدائن القلوب وبه تنفذ ارادة الله في الشرق والغرب كما قال تعالى: "يُرِيدُ اللهُ أنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينْ" وقد أطلقت كلمة سيف الله المسلول على سبيل الإستعارة في مواضع عديدة من كلمات الأنبياء وأئمّة الهدى على الكتاب الإلهي بل وأطلقت على بعض كبار الصحابة والتابعين.

ومن الأحاديث الّتي تدلّ على الشريعة الجديدة عند ظهور الموعود ما رواه المجلسي عليه الرحمة في باب العلامات من مجلّد الغيبة من كتاب بحار الأنوار عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "فَوَالله لَكَأنّي أنْظُرُ إلَيْهِ بَيْنَ الرُّكْنِ والمقَامِ يُبايِعُ النَّاسَ بِأمْرٍ ٍ جَدِيدٍ وَكِتَابٍ جَدِيدٍ وَسُلْطَانٍ جَدِيدٍ مِنَ السَّمَاء".

وكذلك ورد في هذا الكتاب في باب تفسير سير القائم وأخلاقه عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "يّقُومُ القَائِمُ بِأمْرٍٍ جَدِيدٍ وَكِتَابٍ جَدِيدٍ وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ عَلى العَرَبِ شَدِيد لَيْسَ شَأنُهُ إلاّ بِالسَّيْفِ لا يَسْتَنِيبُ أحَداً وَلا تَأخُذُهُ في الله لَوْمَةَ لائِمٍ". وبعد هذا الحديث رُويت ثلاثة أحاديث متتالية عن أبي عبدالله أنّه قال: "مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِخُرُوجِ القَائِمِ فَوَالله مَا لِبَاسُهُ إلاّ الغَلِيظِ وَلا طَعَامُهُ إلاّ الْجَشَبِ وَمَا هُوَ إلاّ بِالسَّيْفِ وَالْمَوْتِ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ".

ومقصود هذا العبد من ذكر هذا الحديث هو أن يفهم أولو الإدراك بأنّ أوهام خروج القائم بغلبة دنيويّة وبسلطنة ظاهريّة إنما هي من الأوهام القديمة الّتي لا زالت راسخة في قلوب أهل الهوى. وكان أئمّة الهدى غالباً لا يكشفون النقاب عن حقائق ظهور الموعوج إلاّ عند القليلين من المؤمنين أولي الأحلام الرزينة والنفوس الأمينة والصدور المنشرحة والقلوب الطيّبة الطاهرة ويأمرونهم كذلك أن يستروا الأمر ويكتموه وذلك إتباعاً لمراتب سنّة الإمتحان والتمحيص الّتي هي من السنن الحتميّة الإلهيّة. فإشتد الحرص التام على قلوب أكثر الأنام وصاروا يستعجلون بظهور الموعود ويستفسرون عن علائم ظهوره وآثاره. ولهذا فقد ندر صدور مثل هذه الأجوبة من مصادر أمر الله في دفع مثل هذه الأوهام وفي تنبيههم إلى أنّ القائم لن يظهر طبقاً لما يتوقّعه الخلق وفي تفهيمهم صعوبة الأمر وخطورة إحداثه الّتي لن يصبر عليها إلاّ المؤمن الخالص حتى إذا شاهدوا في الأحاديث أحياناً كلمة السيف لا تفتنهم الأوهام الباطلة وحتى يدركوا مقصود أئمّة الهدى بعد كشف الحجاب من دون إرتياب.

ومن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع ما ورد في كتاب بحار الأنوار أيضاً في باب سير القائم وأخلاقه عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال :" كَيْفَ أنْتُمْ لَوْ ضَرَبَ أصْحَابُ القَائِمِ عَلَيْهِ السَّلامْ الفَسَاطِيطَ في مَسْجِدِ الكوفانِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ الْمِثالُ المُسْتأنَفُ أمرٌ جديدٌ ، على العرب شديدٌ". وهذا الحديث يشير إلى أحداث جناب باب الباب الملا حسين البشروئي وجناب الملا علي البسطامي وغيرهما الّذين هم من كبار اصحاب الموعود والّذين هم بعد صعود حضرة السيّد كاظم الرشتي إلى جوار الله تعالى ضربوا خيمة في مسجد الكوفة وإعتكفوا في ذلك المكان الشريف نظراً لتصريحات حضرة السيّد الرشتي الّتي سمعت منه مراراً عن قرب ظهور الموعود. وشرعوا عند إعتكافهم بالصوم والصّلاة والإبتهال بكلّ تضرّع سائلين الله تعالى أن يشرّفهم بإدراك الظهور إلى أن تشرّفوا كما هو مشروح في التواريخ المعتبرة بلقاء النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى ونالوا فخر إدراك "الْمِثالُ المُسْتأنَفُ" المذكور في هذا الحديث.

ومن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع ما ورد أيضاً في كتاب بحار الأنوار في نفس هذا الباب عن أبي بصير أنّه قال: قلت لأبي عبدالله أخبرني عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء" فقال: "يَا أبَا مُحَمَّدْ إذَا قَامَ القَائِمُ عَلَيْهِ السَّلامْ إسْتَأنَفَ دُعَاءً جَدِيداً كَمَا دَعَا رَسُولُ الله".

وهذا الحديث صريح جدّاً بأنّ دعوة القائم دعوة إصالة لا دعوة نيابة ولهذا السبب يجد المؤمنون بحضرته أنفسهم غرباء لا معين ولا نصير لهم ومطرودين ومنبوذين من أجل تهمة إختراع دينٍ جديد. وهذا الحديث الشريف يطابق الآية الكريمة: "كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ‏فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" . ومعنى الشياطين في هذه الآية الكريمة واضح جدا كما أنّ غربة أهل الإيمان وقيامهم من دون معين أمر واضح غير مستور.

وورد في كتاب أصول الكافي في باب الأحاديث المرويّة عن موسى أبن جعفر عليه السلام قال: "سأل الراهب عن موسى ابن جعفر عليهما السلام: أخبرني عن ثمانية أحرف نزلت فبقي في الأرض منها أربعة وبقي في الهواء منها أربعة على من نزلت تلك الاربعة الّتي في الهواء ومن يفسّرها؟ قال: "ذاك قائمنا فيُنْزِلُ الُله عَلَيْهِ فَيُفَسِّرَهَا وَيَنْـزِلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْـزِلُ عَلَى الصَّدِّيقِينَ وَالرُّسُلِ وَالْمُهْتَدِينْ" وهذه الجملة من الحديث تطابق تماماً الوعد الصريح في الآية الكريمة: "‏خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" وهؤلاء الناس الغافلون قد نسوا القرآن وكأنّه نزل على أمّةٍ غير أمّتهم أو أنّ شيئاً فيه قد تُرك ذكره بحيث يجب عليهم لذلك أن يتمسّكوا "بالضروريّات" الموهومة ويستدلّوا "بإجماع الأمّة" في أهمّ مسألة من المسائل الأصوليّة وكأنّ مثل هذا الوعد الصريح بأنّه تعالى "سيريهم آياته فلا يستعجلوه" وعدٌ لم يكن شيئاً مذكوراً.

وقد روى الشيخ إبن حجر الهيثمي من كبار علماء السنّة والجماعة في كتابه (الصواعق المحرقة) في تفسير الآية الكريمة: "وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" الحديث النبوي الّذي رواه الحاكم في صحيحه: "يَحِلُّ بِأمَّتي في آخِِر الزَّمَانِ بَلاءٌ شَدِيدٌ مِنْ سُلْطَانِهِمْ لَمْ يُسْمَعُ بَلاءٌ أشَدُّ مِنْهُ حَتّى لا يَجِدُ الرَّجُلُ مَلْجَأ فَيَبْعَثُ الله رَجُلاً مِنْ عِتْرَتِي أهَلِ بَيْتِي يَمْلأُ بِهِ الأرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجُوراً" والطبراني:"الْمَهْدِي مِنَّا أهَلَ البَيْتِ يُخْتَمُ الدِّينُ بِهِ كَمَا فُتِحَ بِنَا" وهذا الحديث صريح جدّاً بأنّ إنقضاء أجل الديانة الإسلاميّة هو في ظهور الموعود.

وروى الشيخ حسن العدوي في كتاب مشارق الأنوار كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: " الْمَهْدِي مِنَّا أهَلَ البَيْتِ يُخْتَمُ الدِّينُ بِهِ كَمَا فُتِحَ بِنَا" ومقصوده عليه السلام: إنّ الدين كما بدأ بنا أهل البيت فسوف يُختم كذلك بنا أهل البيت. وإنّ من له معرفة قليلة بقواعد اللغة العربيّة يفهم أنّ حضرته قصد الإفتخار عند الإختصاص بعبارة: "بنا أهلَ البيت" أي أنّه كما كان فخر تشريع هذا الدين مختصّاً بنا أهل البيت فكذلك يُختصّ بنا أهل البيت فخرُ ختم هذا الدين وتشريع ديانة جديدة. ولكنّ هذه النقطة الدقيقة اللطيفة يفهمها من يعرف مقام الشارعيّة وعلوّ هذه القدرة الإلهيّة وسموّها ورفعتها لا الّذي يعتبر كاليهود يد القدرة الإلهيّة مغلولة عن تشريع شريعة جديدة وينكر أعظم النعم الإلهيّة الّتي بها يتجدّد العالم وتتقدّم الأمم أو يظنّ مثل البلهاء في الوقت الحاضر بأنّ تشريع الشرائع أمرٌ هيّن وأنّه نتيجة البطالة ويرجّح السعي في تحصيل المعيشة على الهمّة في تكميل الديانة.

وقال مولانا علي الفري الهروي من أئمّة الحنفيّة في كتابه (أوصاف المهدي): "ومنها ما اخرجه الطبراني في الأوسط من طريق عمر بن علي عن علي بن ابي طالب أنّه قال للنبيّ عليه السلام: أمنّا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟ قال: "بَلْ مِنّا. يَخْتمُ اللهُ الدِّينَ بِهِ كََمَا فُتِحَ بِنَا وَبِنَا يُسْتَنْقَذُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَبِنَا يُؤَلِّفُ الله بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ عَدَاوَةِ الفِتْنَةِ كَمَا ألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ عَدَاوَةِ الشِّرْكِ". ولعمر الله إنّ طلاوة هذه العبارات اللطيفة ورشاقة هذه البيانات الشريفة شاهدة بنفسها على أنّها صدرت من مصدر النبوّة والرسالة ونزلت من سماء العلم والحكمة الإلهيّة. وهذه الكلمات صريحة في أنّ ظهور المهدي يكون سبباًً في ختم الإسلام وفتح شريعة جديدة وديانة جديدة حتى تتآلف قلوب الملل المتفرّقة وترتبط ببعضها إرتباطاً وثيقاً.

ولما وجد الامام الشعراني الأحاديث الدالّة على هذه المسألة في منتهى القوّة والصحّة لذا فقد إكتفى في كتابه (اليواقيت والجواهر) عند بحثه موضوع عدم موافقة أحكام المهدي مع أحكام علماء الإسلام بنقل العبارات التالية عن الشيخ أنّه قال: "يُخَالِفُ في غَالِبِ أحْكَامِهِ مَذَاهِبَ العُلَمَاءِ فَيَنْقَبِضُونَ مِنْهُ لِظَنِّهِمْ أنّ اللهَ تعالى مَا بَقِيَ يُحَدِّثُ بَعْدَ أئِمَّتِهِمْ مُجْتَهِداً".

وجاء في (الصواعق المحرقة) أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: "لَيَدْرِكُنَّ الْمَسِيحَ أقْوَامٌ إنَّهُمْ لَمِثْلِكُمْ أوْ خَيْرٌ ثَلاثاً وَلَنْ يُخْزِي اللهُ أمَّةًً أنَا أوَّلُهَا وَالْمَسِيحُ آخِرَهَا".

وخلاصة القول فإنّه قد ثبت مما عرضناه بطلان القول الفاسد بأنّ شريعة أخرى لن تشرّع بعد الشريعة الإسلاميّة وأنّ باب ظهور مظاهر أمر الله وهو أعظم باب لتقدّم الأمّة ونجاحها وفلاحها سيبقى مسدوداً. هذا وإنّ أعجب تناقض ملحوظ في عقائد المنكرين وأقوال المكذّبين هو أنّهم يفسّرون كلمة "خاتم النبيّين" بعدم مجيئ رسول ونبيّ آخر بعد رسول الله عليه الصّلاة والسلام بينما يتفّقون من الناحية الأخرى جميعهم على نزول عيسى عليه السلام بشخصه وبجميع أوصافه الشخصيّة في آخر الزمان وهذا تناقض واضح وسفسطة مفضوحة لأنّ عيسى عليه السلام إذا نزل بشخصه وبأوصافه السابقة فإنّه لا شكّ نبيّ يظهر بعد رسول الله ويبعث لهداية الأمم وحكم العالم وعند ذلك لا يبقى لكلمة "لا نَبِيَّ مِنْ بَعْدِي" ولكلمة "خَاتَمُ النَّبِيِّينْ" ذلك المعنى الّذي إفترضه قصيرو النظر ومحدودو التفكير. بل قال بعض العلماء دفعاً لهذا التناقض عن أوهامهم الفاسدة إنّ عيسى عليه السلام بعد نزوله سيحكم بالشريعة الإسلاميّة. في حين لو سألت منهم بأيّ دليل وبأيّ برهان إعتمدتم في قولكم وتمسّكتم بهذا الخيط الضعيف من الباطل؟ فإنك تراهم جميعاً عاجزين عن الإجابة بل ترى أنّ سندهم الوحيد في ذلك هو ميول أهل مذهبهم وإجماعهم على ذلك. ومع ذلك فإنّي أعرض بأنّه لو فرضنا أنّ عيسى عليه السلام سيحكم بالشريعة الإسلاميّة فهل تنتفي عنه صفة النبوّة وروح الله وكلمة الله؟ "قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤفَكُونْ" في حين أنّك تشاهد بصورة صريحة أنّ خاتم الأنبياء وأئمّة الهدى عليهم الاف التحيّة والبهاء الّذين بشروا الناس بظهور المهدي الموعود وقيام روح الله قد نصّوا بصورة صريحة على أنّ هذين الظهورين الأقدسين سيقومان بشريعة جديدة وسينتصران على العالم بكتاب جديد وسيوحّدان جميع الأمم بقضاءٍ جديد سماويّ. [هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضلال.]


7. في إثبات أنّ مظاهر أمر الله هم مظاهر الأوّلية والآخريّة وسائر الصفات الإلهيّة:

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ بقوله: " نحن لا نعترف أبداً بأنّ شخصاً يكون مظهر الصفات الأوّلية والآخريّة للذات الأقدس " فقولٌ ناشيئ عن جهله بالوحدة الذاتيّة للروح القدس المتجلّي في مرايا وجودات المظاهر المقدّسة لأمر الله وجهله بالتفريد الحقيقي للروح الأمين الّذي نزل على قلوب الأنبياء والمرسلين الصافية لأنّه لو كان قد إستنشق شميم النفحات المعطرة من الآية الكريمة: "لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" لما كتب هذا الإعتراض البارد. ولو كانت قد أشرقت على قلبه بارقة من بوارق الآية الكريمة: "‏وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ" لما تفوّه بهذا الإنتقاد السخيف، إذ من الواضح لدى أصحاب القلوب المطهّرة من دنس الشرك أنّه لو كان المراد بهذه الوحدة هو وحدة صور الشرائع والأديان الإلهيّة فإنّ الكثرة فيها واضحة جدّاً، ولو كان المراد بهذه الوحدة هو الأحكام والحدود فإنّ تعدّدها في منتهى الوضوح ولو كان المراد بهذه الوحدة إتّحاد أجساد المظاهر الإلهيّة ومشخّصاتهم فإنّ إختلافهم في الإسم والزمان والمكان والنسب والعادات أمر واضح جدّاً. ففي هذه الحال لن تعني الآية " وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ" إلاّ أن يكون المراد بها حقيقة الروح القدس الإلهي الّتي تنطبع في المرايا كالشمس الواحدة الّتي تطلع من مشارق متعدّدة، ولا يتحقّق صدق الآية: "لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" إلاّ بتفسيرها بجوهر الجواهر الّذي تجلّى من أفئدة مظاهر الأمر وتلئلأ من إكليل مطالع الحكم. وبسبب هذه الوحدة الذاتيّة بين مظاهر أمر الله صار لهم حكم ذات واحدة وروح واحدة وجسد واحد وأصبحوا مظهر الوحدة الحقيقيّة الإلهيّة مع إختلافهم في الإسم والزمان والنسب والأحكام. وإنّ إعتراض جناب الشيخ ليس في الحقيقة على الإيقان الشريف وحده بل على الإنجيل المقدّس أيضاً فقد ورد في الآية (17) من الإصحاح الأوّل من مكاشفات يوحنّا: "فَلَمّا رَأيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً أنَا هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ". وفي الآية (12) من الإصحاح (22) من مكاشفات يوحنّا بالذات: "وَهَا أنَا آتٍ سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ أنَا الألِفُ وَالْيَاءُ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ الأوَّلُ وَالآخِرُ". وفي الواقع لو يفكّر الإنسان في هذه الآيات الّتي ذكرناها بإمعان فإنّه يفهم معنى روح الله الّذي هو الإسم السماوي لعيسى عليه السلام ويذعن أنّ هذه الكلمة المباركة نزلت من لسان الله ولم تُطلق إعتباطاً على حضرته ويشهد بصحّة ما نزل في كتاب الإيقان الشريف ويدرك الحقيقة المقدّسة المتجلّية في جميع المظاهر والظاهرة في جميع المرايا، لأنّه من المتفّق لدى أولي العلم أنّه لو كان المقصود من كلمات " أنَا الألِفُ وَالْيَاءُ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ الأوَّلُ وَالآخِرُ" الأمور الجسمانيّة والمشخّصات الخارجيّة فأنّ هذه الكلمات لن تبدو صحيحة وهذا الإدّعاء لن يبدو معقولاً، إذ الواضح أنّ مظاهر أمر الله قبل ظهور عيسى عليه السلام وبعد صعوده لم يُسمّوا بإسمه ولا كانوا بأوصافه ومشخّصاته ولهذا فقد إتّضح أنّ مقصود حضرته كما ذكرناه مفصلاً هو وحدة الروح الأقدس الّذي هو حقيقة واحدة من جميع الجهات ولا تتعدّد بتعدّد المرايا والمظاهر ولا يعتريها الزوال والفناء والتجديد فهي روح الله وكلمة الله ووجه الله الباقي بعد فناء الأشياء. وقد فسّر كبار المفسّرين الآية الكريمة: "يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ" الّتي نزلت في حقّ أصحاب الصفّة بأنّ وجه الله هو وجه رسول الله خاتم الأنبياء عليه وآله الاف التحيّة والبهاء. ومن الواضح أنّ الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يُتصوّر له وجهٌ غير هذه الوجوه المضيئة المنيرة الواضحة المشرقة: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍٍ وَيَبْقى وَجْهُ ربِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ" .

وقد تفضّل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة الطتنجيّة الّتي شرحها السيّد الأجلّ: "أنا الكلمة الّتي تمّت بها الأمور ودُهِّرتْ الدّهور" وقال فيها: "ألا وَنَحْنُ النُذرُ الأولى وَنَحْنُ نُذرُ الآخِرَةِ وَالأولى وَنُذرُ كُلِّ زَمَانٍٍ وَأوَانٍ. بِنَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَنَجَا مَنْ نَجَا" وقال فيها أيضاً: "أنَا الأوَّلُ وَأنَا الآخِرُ أنَا البَاطِنُ وَأنَا الظَّاهِرُ".

فممّا عرضناه ثبت وإتّضح بأنّ ما كتبه الشيخ: "نحن لا نعترف أبداً بأنّ شخصاً يكون مظهر الصفات الأوّلية والآخريّة للذات الأقدس" ناشيئ عن عدم إطّلاع جنابه على بيانات المظاهر القدسيّة بل من عدم معرفته بحقائق التوحيد وسائر المسائل الروحانيّة.


8. في إثبات بطلان ما تصوّره الشيخ في أنّ نبيّاً سيظهر ويكون دينه آخر الأديان وشريعته تكون شريعة أبديّة:

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ بقوله: "وثانياً لنفرض أنّهم جميعهم مظهر كلّ صفات الله فلا شكّ أنّ هذه المظهريّة ستنتهي في نقطة واحدة وهذا يعني أنّه سوف يظهر نبيّ واحد يكون دينه آخر الأديان وكتابه آخر كتب الأوّلين". فنقول في منتهى الغرابة وكأنّ جناب الشيخ ظنّ بأنّ كلّ شيئ بديهي لديه يجب أن يكون بديهيّاً لدى الآخرين ويجب أن يقبلوه بدون ترديد ومن دون دليل. وأنا لم اعرف دليل عقلي أو نقلي إتّضح لديه بأن نبيّاً يجب أن يظهر حتماً ويكون دينه آخر الأديان وكتابه آخر الكتب وشريعته آخر الشرائع؟ نعم لا شكّ أنّ هذه العقيدة قد جاءت إلى هذه الأمّة بطريقة الوراثة عن اليهود والمجوس وسائر الأمم القديمة بحكم الآية الكريمة: "كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِيْن" وبحكم الحديث المتّفق عليه: "لَتَسْلُكُنَّ سنَنَ مَنْ قَبْلُكُمْ". لأنّه من الواضح لدى أولي العلم والإدراك أنّ أمّة موسى تعتقد مثل هذه العقيدة في حقّ حضرته وفي حقّ شريعته التوراة. وأنّ أمّة المجوس تعتبر شريعة زردشت آخر الشرائع وكتاب (زندافستا) آخر الكتب الإلهيّة وترى أمّة النصارى مثل هذا الرأي بشكل أتمّ وأكمل في حقّ عيسى عليه السلام وفي حقّ الإنجيل المقدّس لهذا فلا عجب لأمّة وصفها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله "كَأنَّهُمْ أئِمَّةُ الكِتَابِ وَلَيْسَ إمَامَهُمْ" أن تولّي بوجهها عن الكتاب الإلهي وتسير في سبيل الأمم الماضية وتعتبر دينها آخر ورقة في كتاب التشريع من دون سندٍ من القرآن الشريف تستند إليه. ولكن يليق بمثل جناب الشيخ الّذي هو من أهل العلم والاجتهاد أن لا يعتبر بديهيّاته حجّة على الآخرين بل يبرهن على إدّعاءه بدليل متّفق عليه لأنّنا أهل البهاء لا نعتبر القدرة الإلهيّة محدودة ولا نعتبر إرادة الله تعالى الغالبة تابعة لإرادتنا وميولنا الباطلة ولا نصدر أحكامنا على الله تبارك وتعالى ولا نجحد بنعمة ظهور مظاهر أمر الله وإنزال الكتب وتشريع الشرائع الّتي لا تفوقها نعمة. ومن الواضح لدى الإنسان البصير الّذي لم يكدّر بصر فؤاده غبار التقليد الكثيف أنّ كلّ أمّة إعتبرت دينها خاتم الأديان وكتابها السماوي آخر ورقة في كتب السالفين لا مفرّ لها من أن تتمسّك بعبارة واحدة من عبارات كتابها وتستنبط منها هذه النتيجة السخيفة وهي أنّ ديننا لن يتغيّر أبداً كما هو واضح لدى المتتبّعين في الأديان. فمثلاً لو سألتَ أمّة التوراة قائلاً "بأيّ دليل تعتبرون دينكم آخر الأديان وشريعتكم شريعة لا تنسخ؟" فسيقولون في الجواب أنظر في التوراة ترى أنّ الله تعالى سمّى هذه الشريعة شريعة أبديّة وأشهَدَ موسى عليه السلام الأرضَ والسماءَ على ذلك ولعنَ كلّ من يغيّر هذه الشريعة. وكذلك لو إستفسرت عن هذا الموضوع بذاته من أمّة الإنجيل فسوف تسمع نفس الجواب بأنّ عيسى عليه السلام سمّى نفسه في مواضع عديدة آخر ظهور في المظاهر الإلهيّة وإعتبر زوال السموات والأرض ممكناً وزوال دينه غير ممكن كما ورد في الآية (35) من الإصحاح (24) من إنجيل متّى بل صرّح في أوّل رسالة أغلاطية باللعن على كلّ مَنْ يجلب بشارة غير بشارة إبن الإنسان ولو كان من ملائكة السماء.

9. في بيان معنى كلمة (النبيّ) وبيان أنّ المقصود بعبارة (لا نبيّ بعدي) هو التعبير عن رقيّ الأمّة الإسلاميّة وليس المقصود بها ختم الشرائع:

فلا عجب بعد هذا أن يُمتحن فقهاء الأمّة الإسلاميّة بآية: "خَاتَمُ النَّبِيِّينْ" وبحديث: "لا نَبِيَّ بَعْدِي" الّذي لا يدلّ أبداً على عدم تجديد الديانة ويلحقوا بالأمم الماضية في حين أنّ مقصود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من هذه الكلمة هو الكشف عن رقيّ الأمّة الإسلاميّة وتوضيح أفضليّة أئمّة الهدى على أنبياء بني إسرائيل مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وزكريّا وأمثالهم قد أخبروا كلّهم عن أمور آتية بواسطة الرؤيا وسمّوا رؤياهم الصادقة إلهاماً إلهيّاً كما تصفهم أسفارهم برؤيا أشعيا ورؤيا دانيال ورؤيا أرميا ورؤيا حزقيال وكما إشتهرت في الأمّة النصرانيّة الهامات القدّيس يوحنّا برؤيا يوحنّا وكما إصطُلح على إطلاق كلمة النبيّ على من يرى الرؤيا وصارت هذه في اللغة العبريّة حقيقة ثانويّة وشاع ذكرها في مواضع كثيرة في أسفار العهد القديم والعهد الجديد. فلمّا طلع فجر السعادة من أفق البطحاء وظهرت علامة إنقضاء الليل الأليل بظهور فخر الملل زالت ظلمة الليل وانقضى زمان الرؤيا وإقترب ميقات الرؤيا والمشاهدة لذا سُدَّ باب النبوّة أي نزول الإلهام بطريق الرؤيا بواسطة الوجود الأقدس لخاتم الأنبياء ونال روح الفؤاد في صدور أرباب السداد مرتبة الإحاطة والكلّية وصارت الحقائق الروحانيّة تُفاض على أئمّة الهدى بطريق الرؤيا والمشاهدة بعد أن كانت تُفاض على أنبياء إسرائيل بطريق الرؤيا فإتّضح معنى الحديث "لا نَبِيَّ بَعْدِي" والحديث الصحيح: "عُلَمَاءُ أمَّتِي أفْضَلُ مِنْ أنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلْ" والكلمات: "كذا رأيت في الرؤيا" الّتي كانت في أسفار السابقين حلّت محلّها كلمات: "كَأنّي أرَى وَكَأنّي أُشَاهِدُ" في بيانات المتأخرين. وخلاصة القول لو يمعن الإنسان النظر في سورة المؤمن ليشهد على مقدار بُعد القوم من الحقائق القرآنيّة فقد قال تعالى: "رفيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرّوحَ مِنْ أمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ" . ومن له إطّلاع في قواعد اللغة العربيّة يفهم أنّ كلمة "يُلْقي الرّوحَ" نزلت بصورة فعل مضارع أي أنّها تبشّر بحادثة مستقبلة ولا تخبر عن أمور ماضية وهي صريحة في أنّ إنزال الروح الأمين وبعث النذير المبين منوط بإرادته تعالى وبمشيئته متى أراد يبعثه ويجدّد العالم بشريعة جديدة في أيّ زمان أراد: "سُنَّةُ اللهِ الّتي قدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً" وكذلك نزل في سورة الأعراف قوله تعالى: "يا بني آدَمَ إمّا يأتيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنْ اتَّقى وَأصْلَحَ فلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنونْ" وهذه الآية صريحة بإخبارها بالمستقبل لأنّ الفعل " يأتيَنَّكُمْ" مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة حتى لا يستطيع أهل التحريف أن يحملوا المستقبل على الماضي ويفسّروا الآية المباركة بالأنبياء السابقين كما صنعوا في تفسيرهم الآية الكريمة: "لمْ يَكُنْ الّذينَ آمنوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكينَ مُنْفَكّينَ حتّى تَأتيهُمُ البَيِّنَةُ" فحرّفوا الفعل "تَأتيهُمُ" الّذي يدلّ على الإستقبال وقالوا أنّه يعني الماضي "حتى أتاهم" أما الفعل "يأتيَنَّكُمْ" المؤكّد بنون التوكيد الثقيلة فإنّه لا يدلّ على الماضي أبداً كما أنّ كلمة "إمّا" لا تسبق الفعل الماضي. وفي ذلك كفاية لأولي الألباب ومَنْ له بصيرة في الكتاب.

10. في ذكر عبارات رسالة الشيخ الأولى وذكر عبارات رسالته الثانية الّتي يعتقد فيها أنّه كتب الشبهة السابقة بصورة أوضح:

وبعد أن ثبت أنّ ما كتبه الشيخ بقوله: "سوف يظهر نبيّ واحد يكون دينه آخر الأديان وكتابه آخر كتب الأوّلين" إنما هو وهمٌ صِرفٌ وباطلٌ مَحْضٌ إنبعث من أوهام السابقين الفاسدة، لننظر الآن فيما كتبه بقوله: "ولنفرض أنّ شخصاً يظهر بهذه الصفة ويستقرّ دينه وشريعته ولكن يخرج بعد مدّة شخص آخر يدّعي المظهريّة وإدّعاؤه باطل محض ولكنّه يتشبث بأمثال هذه الأدلّة ويقول "أيها الناس لا يشتبه عليكم الأمر في أنّ النبيّ السابق سمّى نفسه خاتم الرسل فإنّ كلّ واحد منا مظهر البدئيّة والختميّة والأوّلية والآخريّة لأننا جميعاً في حكم ذات واحدة وروح واحدة وجسدٍ واحدٍ وأمرٍٍ واحدٍ" ففي هذه الحال يستوجب أن نسلّم بكلامه ونصدّق إدّعاء شخصٍٍ كاذب باطل [فالدليل الّذي يفضي إلى تصديق الكاذب لا يصلح أن يكون دليلاًً بل يكون تزويراً وتمويهاً".

وكتب في رسالته الثانية المطبوعة: "والآن نريد في هذه الرسالة أن نوضح إنتقادنا توضيحاً أكثر من بياننا السابق فنفرض ظهور مظهر حقٍّ صادقٍ وخروج مدّعٍ باطلٍ وكاذبٍ وكلاهما يظهر في زمانٍ واحدٍ ولا يسبق أحدهما الآخر في ظهوره ولنفرض مثلا طبقاً لتأويل كتاب الإيقان لكلمة الختميّة أنّ إنسانا ظهر مدّعيا المظهريّة في مدينه مكّة أو عكّا وكان إدّعاؤه في الواقع صادقا وكان دينه وكتابه الصفحة الاخيرة في كتب الأوّلين وفي زمانه يخرج إنسان آخر في أقصى بلاد الهند أو أفريقيا وإدّعاؤه كذب محض وباطل صرف ولكنّه يتمسّك بالأدلّة الّتي وضعها رفيقه الصادق أي يقول لو أنّ جميع المظاهر يدّعون الأوّليّة والآخريّة والبدئيّة والختميّة فذلك حقّ لأننا جميعاً في حكم ذاتٍ واحدةٍ وروحٍ واحدةٍ وأمرٍ واحدٍ وكلّنا متعدّدون حسب الظاهر ولكنّنا في الباطن واحد، وأيّ إنتقادٍ ننتقده على ذلك الكاذبِ يقولُ في الجواب إنّ أمثال هذه الإنتقادات قد قيلت بحقّ السابقين فإنْ أردتم مشاهدة آياتي وبيّناتي فتعالوا عندي لتروها بأعينكم، ففي هذه الحال ماذا نعمل نحن المساكين على سطح الأرض؟ وبأيّة وسيلة نعرف حقيّة هذا وحقيّة ذاك؟ وإلى عتبة أيّهما نتوجّه؟ وهل نذهب إلى عكّا أم إلى الهند؟ وبأيّة إستطاعةٍ ووسيلةٍ نسافر؟ وكيف نعرف أيهما الصادق وأيهما الكاذب؟ إذاً إتّضح مما ذكرناه أنّ كلّ دليل ذكره في كتاب الإيقان من أجل إثبات حقيّته إنما هو ضعيف في منتهى الضعف والتعليل والسخف ويؤدّي إلى تصديق الكاذب المخادع. وكذلك إعتذاره تجاه الإعتراضات الموجّهة إليه بأنّ مثل هذه الإعتراضات قد قيلت بحقّ السابقين وأنّ دعوة الخلق إلى عتبة مدّعي المظهريّة لمشاهدة الحقيقة وخصوصاً بالصورة الأخيرة الّتي فرضناها أمراً خارجاً عن دائرة العقل والشّرع بل من قبيل التكليف بالمحال والباعث لحيرة العباد في أمر الدين [فافهم ولا تكن من المناظرين المعاندين الخادعين فإنّ الحقد والعناد والخدعة والفساد من خطوات الشياطين فلا تتّبعوها إن كنتم من المتّقين].

11. الجواب على شبهة الشيخ وبيان أنّه لم يفهم الفرق بين دفع الشبهات وبين أدلّة الإثبات ثم بيان الشبهات الثلاث الّتي أدّت بالأمم إلى إنكار الأنبياء:

إنّ أوّل أخطاء جناب الشيخ في مطالعته لكتاب الإيقان الشريف هو أنّه لم يفهم الفرق بين حلّ الشبهات وبين أدلّة الإثبات. ومع ذكر هاتين النقطتين في ذلك الكتاب المبارك بمنتهى الصراحة والوضوح فإنّ جنابه قد سكت عن الجواب على أعظم الأدلّة وشرع في بحث شبهات الأمم الأخرى وظنّ تلك الشبهات دليل حقيّة الظهور ولهذا فإنّي أعرض في خدمة أولي الألباب لتوضيح هذا الموضوع أنّ كلّ أمّة تنكر ظهور النبيّ الّذي يظهر بعدها وتعتبره والعياذ بالله كاذبا ومفتريا فإنّ إنكارها هذا ناشيئ عن شبهات منعتها عن معرفته وأصبح التمسّك بتلك الشبهات سدّاً منيعاً بين تلك الأمّة وبين إيمانها وإذعانها. وعندما يمعن الشخص البصير النظرَ في سبب إعراض الأمم عن الأنبياء ويفحص بصورة دقيقة أقوالها ومستنداتها في رفض الأنبياء والمرسلين يجد أنّ شبهات هؤلاء المنكرين تنحصر في ثلاث شبهات:

الشّبهة الأولى: وهي أعظم الشبهات وهي أنّ هذه الملل والأديان الموجودة سواء البوذيّة أو الهنود أو الزردشتيّون أو النصارى أو اليهود تعتبر كلّ واحدة منها شارع دينها آخر المشرّعين للأديان الإلهيّة وشريعته وكتابه آخر ورقة في شرائع الأوّلين وكتبهم بحيث يُعقل أنْ تزول السماء والأرض ولكنّ تغيير حكم من أحكامها لا يُعقل ولا يجوز ويعتبرون نسخ شريعتهم وتغييرها من أوّل المستحيلات ويرون بقاءها وأبديّتها من البديهيّات ومن الضروريّات الدينيّة الثابتة، وإنْ شكّ أحد في صدق هذا القول فإنّ هذه الملل المذكورة موجودة في أكثر المدن بل القرى ومختلطة بالناس ويمكن السؤال منها عن صدق هذا الإدّعاء أو كذبه والإطّلاع على الواقع لديها.

الشبهة الثانية: العلامات الواردة في الكتاب الإلهي في كيفيّة الظهور الآتي والتمسّك بالظواهر غير المعقولة لتلك العلامات وهي تكوّن دائماً سدّاً في سبيل إيمان أولي الأوهام والظنون. وقد وردت هذه العلامات في جميع الكتب السماويّة بلهجة واحدة ونزلت بنحوٍ واحد على الأغلب. فكما ورد في القرآن المجيد من العلامات المحتومة للقيامة ولقيام القائم وروح الله وإنفطار السماء وظلمة الشمس والقمر وسقوط النجوم والكواكب وقيام الأموات وتجديد السماء والأرض وقوّة الموعود وقدرته وغلبته وسلطنته وإنخذال المنكرين والمكذّبين وزوالهم وإضمحلالهم، فكذلك وردت في الإنجيل نفس تلك العلامات المذكورة والإمارات المأثورة وكذلك نزلت في أسفار أنبياء بني إسرائيل نفس تلك العلامات ونزلت عين تلك العلامات في حوادث ظهور المسيح الموعود. وكذا الأمر في بقيّة الأديان والكتب السماويّة. وإنْ شكَّ أحدٌ في صدق هذه القضيّة فليرجع إلى كتب هذه الملل الّتي ذكرناها وهي اليوم مطبوعة بحمد الله وموجودة في كلّ مكان.

الشبهة الثالثة: الأخبار الموجودة في جميع الأديان حول رجعة بعض السابقين وقد ذكرت في الكتاب السماوي لكلّ ملّة. فمثلاً الأمّة الزردشتيّة تنتظر رجعة بعض أكابر الزردشتيّين مثل كيخسرو وبشوتن عند ظهور الموعود فينصرونه في نشر كلمته بقوّتهم الغالبة في جميع أقطار العالم. وكذلك الأمّة البرهميّة تعتقد كما هو مدوّن في كتبها بأنّ بعض عظمائها سيرجعون بأشخاصهم ويقومون على نشر دينهم. وكذا اليهود ينتظرون بصريح الآية الكريمة من الإصحاح الرابع من سفر ملاخي أنّ إيليّا أي إلياس عليه السلام الّذي صعد إلى السماء حسب عقيدة اليهود والنصارى والمسلمين سوف ينـزل من السماء قبل ظهور المسيح ويبشّر الناس بقرب ظهور المسيح. وهذه المسألة عند اليهود من الضروريّات الدينيّة المؤكّدة البديهيّة. فعندما ظهر عيسى عليه السلام سألوه قائلين إنْ كنتَ أنتَ المسيح الموعود فلماذا لم يظهر إيليّا النبيّ قبلك؟ فأجابهم حضرته: نعم إنّه جاء ولكنّكم ما عرفتموه وعملتم به ما أردتم. ويقصد حضرته يحيى بن زكريا عليه السلام. وهذه القضية صريحة في الآية (13) من الإصحاح (11) من إنجيل متّى حيث يتفضّل: "وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقْبَلوا فَهَذا هُوَ إيليّا المُزْمَعُ أنْ يأتي. مَنْ لَهُ أذُنانِ لِلسَّمَعِ فَلْيَسْمَع". ولكنّ اليهود إستبعدوا هذا التأويل وإزدادوا حيرة وإنزعاجاً مثلما حدث لجناب الشيخ من تفسير الآية الكريمة: "إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ" والآية الكريمة: "ذُقْ إنَّكَ أنتَ العزيزُ الكَريم" لأنّ اليهود كانوا منتظرين نزول إيليّا بشخصه لا أنْ يولد إنسانٌ آخر غيره بينما عيسى عليه السلام بدون مناسبة إسميّة أو نَسَبِيّة أو صُوَرِيّة سمّى يحيى بن زكريا إيليّا. واليهود باقون إلى يومنا هذا على عقيدتهم هذه وينتظرون نزول إيليّا بشخصه. وكذلك الأمّة النصرانيّة تنتظر نزول عيسى عليه السلام بشخصه ونظراً لتأكيدات حضرته الصريحة في الإصحاح (24) من إنجيل متّى وفي غيرها من الآيات بأنّ كلّ شخص يظهر غير حضرته باطل وكاذب بقيت أمّة النصارى إلى يومنا هذا مطمئنّة في رفضها الدين الإسلامي ومرتاحة تماماً لتكذيبها شارع هذا الدين المبين. وهي مصرّة على صحّة عقيدتها ومذعنة لها. وكذلك الأمّة الإسلاميّة فينتظر أهل السنّة نزول عيسى عليه السلام بشخصه من السماء بعد ظهور المهدي الموعود ويكون له على العالم حكم نافذ وسلطان مهاب ولكنّ حضرته بحسب حكم فقهاء هذه الملّة غير مأذون بأن يحكم بغير الشريعة الإسلاميّة ولا يصدر حكماً بغير الفقه الحنفي. أما أهل التشيّع فينتظرون رجوع الإمام محمّد بن الحسن العسكري عليه السلام بإسم القائم ورجوع الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بإسم الظهور الحسيني بشخصيهما ليوحّدا العالم على مذهب الشيعة. وخلاصة القول فإنّ مسألة رجوع الأشخاص ثابتة وواردة في جميع الأديان وكلّ أمّة مبتلية بهذا الموضوع. وقد ثبت مما عرضناه أنّ هذه الشبهات الثلاث تمنع الأمم دائماً عن تصديق مظاهر أمر الله وهي عبارة عن: عدم جواز نسخ وتغيير الأديان، وعدم ظهور العلامات، وعدم رجوع الموعود بشخصه. وحيث أنّ التمسّك بهذه الشبهات يؤدّي إلى تكذيب مظاهر الحقّ بل ينتهي إلى إبطال جميع الأديان الإلهيّة الحقّة لهذا خصّص الله جلّ جلاله الجزء الأكبر من كتاب الإيقان الشريف لحلّ هذه الشبهات وخصّص الجزء الأخير منه لذكر الأدلّة والبراهين الخاصّة. وفي موضوع الأدلّة والبراهين على حقيّة الظهور المبارك خصّص عشرين صفحة تقريباً لذكر أعظم دليل من هذه الأدلّة وهو عبارة عن الآيات الإلهيّة والوحي السماوي وبرهن لجميع مَنْ على الأرض حجّية كتاب الله. وقد إشتبه الأمر على جناب الشيخ في هذه النقطة وإعتبر حلّ الشبهات دليلاً وأنهى إعتراضه الفرضي الموهوم والمستحيل بهذا التذييل [: "فالدليل الّذي يفضي إلى تصديق الكاذب لا يصلح أن يكون دليلاً"] ولكنّه نسي أنّ هذه الشبهات لو كانت تؤخذ بنظر الإعتبار فإنّها تؤدّي إلى إبطال الأديان الحقّة وكلّ من يتمسّك بها يلحق بالأمم الهالكة ["فالطريق الّذي يفضي إلى إبطال الحقّ لا ينبغي أنْ يُتَّخَذَ مسلكاً وسبيلاً"]. وظنّ جناب الشيخ أنّ الجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكره وعزّ إسمه لما تفضّل "إنَّ مظاهرَ أمرِ اللهِ كُلُّهُمْ مَظاهِرَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ" قصد بهذه العبارة الإستدلال على حقيّته أو حقيّة النقطة الأولى عز إسمه. يا سيّدي الشيخ إنّ هذا الوجود الأقدس الأبهى والظهور الألطف الأعلى كما عرضناه في المقالة الأولى قد ظهر براية الوحي السماوي وقام بأعظم الآيات الإلهيّة الّتي بها يقوم كلّ دين وسخّر الأفئدة والقلوب بسيف كلمة الله القاطع وخطف أبصار أهل المكابرة والإنكار بلمعان قضيب كتاب الله حتى تتحقّق بشارة الكتاب المقدّس القائلة: "يَضرِبُ الأرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ وَيُمِيتُ المُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ" ويتحقّق قول أبي جعفر عليه السلام: "لَهُ مُخْتَرَطٌ يَفْتَحُ الله لَهُ الرُّومَ وَالصِّينَ وَالتُّرْكَ وَالدَّيْلَمَ وَالسِّنْدَ وَالْهِنْدَ".

وقد ورد في الإيقان الشريف بيان المعاني الحقيقيّة لإنفطارالسماء وتجديد الأرض ورجعة الحقائق وغير ذلك من أجل دفع الشبهات الّتي لا تزال حتى الآن سبب حرمان الأمم الهالكة من تصديق مظاهر أمر الله، وقد أدّى الجهل بهذه الحقائق إلى جرأة المجوس واليهود وجسارتهم في تكذيب عيسى ومحمّد عليهما السلام. وأقلّ فائدة ظهرت في العالم من بيان المعاني الحقيقيّة وكانت فائدتها وتأثيرها كالنور على شاهق الطور هي أنّ نفوساً كثيرة من اليهود والمجوس الّذين رسخت في قلوبهم كراهية عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسلام قد تبدّلت كراهيتهم إلى محبّة هذين الوجودين الكريمين بسبب حلِّ كتاب الإيقان الشريف لهذه الشبهات وتبدّلت ضلالتهم إلى الإيمان بسبب هذه البيانات الواضحة. ولو يمعن رؤساء الضلالة وقوّاد جيوش الجهالة نظرهم قليلاً ويتدبروا قليلاً فإنّهم لا شكّ سيفهمون لماذا لم يستطيع علماء الأمّة الإسلاميّة وفضلاؤها بعد إنقضاء ألف سنة على أيّام أئمّة الهدى أن يجعلوا شخصاً من اليهود والمجوس يدخل في الدين الإسلامي عن طيب خاطره وبرغبته وبقوّة الدليل والبرهان ويجعلوه يعترف بحقيّة الشريعة الغراء والملّة البيضاء بدون إكراه أو إجبار أو إستعمال الطرق الدنيئة المعهودة منهم، في حين أنّ هذه الفئة إستطاعت بالرغم من مظلوميّتها ومن إحاطتها بالمصائب الكثيرة وعدم قدرتها وعزّتها وسلطانها الظاهري أن تُدخل آلافاً من هذه النفوس البعيدة الزردشتيّة واليهوديّة وغيرها من الأمم إلى شريعة الإيمان بقوّة برهان كتاب الإيقان الشريف وبياناته الرشيقة اللطيفة وأن تتوفّق إلى عبوديّة الجمال الأقدس الأبهى وخاتم الأنبياء وعيسى أرواحنا وأرواح العالمين لحقيقتهم المقدّسة فداء بكلّ رسوخ وثبوت إعترافاً وإذعاناً عجزت سيوف الأعداء عن قطع حبل إيمانهم المتين وخاب تيّار البلايا عن إطفاء نار محبّتهم وإيقانهم وهذا مقام إمتاز فيه الموقن عن المريب وقُطعت فيه جهيزة قول كلّ خطيب وتمّ فيه شعر ذاك الشاعر اللبيب:

وكُلٌّ يدَّعي وَصْلاً بِلَيْلى وليلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا
إذا انْبَجَسَتْ دُموعٌ مِنْ خُدودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكى مِمَّنْ تَباكى

وخلاصة القول لو أنّ هؤلاء الأشخاص الّذين إكتفوا بالألفاظ في الأمور السابقة عرفوا هذا الأثر الباهر لإنتبهوا إلى مقدار فضل الحقّ جلّ جلاله في تنـزيل كتاب الإيقان الشريف ولعرفوا قدر حلّ هذه الشبهات الّتي كانت خلال آلاف السنين أقوى مانع حال دون هداية الأمم وإقبالها ولأطلقوا ألسنتهم بشكر الله جلّ جلاله وجلّ إحسانه على هذه الموهبة العظمى والعطيّة الكبرى ولكن هيهات أن تهتزّ القلوب القاسية بهذه النفحات اللطيفة وأن تتنوّر الأفئدة المظلمة من الحسد والبغضاء بهذه الأنوار الباهرة كما قيل: "بنسيم الأسحار يتفتّح الورد لا الحطب الّذي لا يتفتّح إلاّ بضربات الفؤوس".

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى