منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 11

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 11 في 2010-11-03, 20:10

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل

في بيان بعض اغلاط جناب الشيخ في رسالته المطبوعة:

ولو كان مقصود هذا العبد المناقشات اللفظيّة لا القضايا العلميّة وكشف سبل الأدلّة العقليّة والنقليّة لذكرت في هذا المبحث بعض أغلاط جناب الشيخ وهفواته الإنشائيّة حتى يطّلع أولو الإدراك على مقدار علمه ويعرفوا مقدار فصاحته وبلاغته في صناعة الإنشاء. ولكنّ مقصود هذا العبد من تأليف هذا الكتاب كشف غوامض القضايا العلميّة لا بيان المباحث اللغويّة. ومع ذلك فإنني أذكر بعض عباراته العربيّة ليكون ذلك سبباً في إنتباه الناس لأنّ أغلاط الفارسيّة تفوق حدود الإستشهاد ويجلّ عنها مقام الإنتقاد بل لو رفعتَ من رسالتيه عبارات الإيقان الشريف التي إقتبسها لم يبق منها غير العبارات الركيكة والجمل الفاسدة كما نقلنا بالأصل في الأبواب السابقة لتكون برهاناً على قوتّه في الإنشاء وترسيل البرهان وشاهداً على مقدار علمه في الفصاحة والبلاغة. فمثلاً بعد أن أوضح بزعمه تحقيقاته الدقيقة في قوانين الألفاظ كتب العبارة التالية إظهاراً لقدرته في اللغة العربيّة وبها ختم كلمته: "فافهم هذه النكتة التي قد كنتم عنها غافلين وأغررتم بجهلها جاهلين". وهذه العبارة بغض النظر عن ركّة كتابتها وقبح أسلوبها مغلوطة بصورة واضحة لأنّ كلمة (أغررتم) ليست موجودة في اللغة العربيّة والفعل (غرَّ) الثلاثي لا يتعدّى على وزن (إفعللّ) المزيد ويجب أن تكون العبارة: "وغرّرتم لجهلكم بها الجاهلين" حتى لا يصبح الكلام الركيك في عبارته والقبيح في أسلوبه مغلوطاً أيضاً.

وكذلك ورد في كتاب جناب شيخ الإسلام العبارة التالية: "بعث الأنبياء لهداية العباد وإرشادها إلى طريق الحقّ والرشاد وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة والبيّنات الباهرة فبلّغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده الخلق سيّما بعث نبينا في آخر الزمان" فلا يأتي الفعل في اللغة العربيّة بعد (سيما ولا سيما) من دون ضرورة بل يليها مصدر لإسمٍ من الأسماء ويكون آخر ذلك الإسم محرّكاً بحركات ثلاثة كما ورد في كتب اللغة.

وكذلك ورد في نفس هذه الخطبة: "وكمّل إيماننا بتصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة وتوقين ما نص به من إمامة الائمّة الطاهرين". وليس في اللغة العربيّة كلمة (توقين) ولم يرد من مادة (يقين) الوزن تفعيل. وهذا القدر القليل من البحث يكفي لبيان مبلغ علم جناب الشيخ باللغة العربيّة ولا نحتاج إلى أن نعلّق على كلماته في هذه الخطبة أيضاً في عباراته التي كتبها في تمجيد الله بقوله: "مستجمعٌ لجميع الصفات الكماليّة الجماليّة ومنـزّه عن الأوصاف النقيصة والجلاليّة" فكأن آية "ذي الجَلالِ والإكْرَامِ" لا يعتبرها جناب الشيخ من الأسماء والصفات الإلهيّة وأخشى أن يكون جناب الشيخ قد وجد وجوهاً من التمدّن جديدة يصف بها الحقّ جلّ جلاله وينـزّهه عن صفة الجلال. ولكنّنا لا بدّ أن نعفي جناب الشيخ من هذا الإنتقاد لأنّ الشخص الذي في رسالته عند إستشهاده بالآية المباركة: "فأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" يسمّي الآية مصحفاً وينـزّه الحقّ جلّ جلاله من الصفات التي نطق بها القرآن فلا عتب عليه لو يمسح اللغة العربيّة أو يقوم بهذه اللغة الركيكة والبضاعة المزجاة من علمه على إنتقاد "مَنْ خَضَعَتْ لَهُ أعْنَاقُ الفُصَحَاءِ". هذا وإنّ أهل البهاء لو يشكرون الحقّ جلّ جلاله بدوام الأرض والسماء فإنّهم لا يفون حقّ موهبته هذه التي جعل بها المعترضين على ربّ العالمين والمكذّبين بيوم الدين يدوّنون للذكرى في مدوّناتهم وكتبهم شبهاتهم الواهية وإنتقاداتهم الباردة وعباراتهم الركيكة لعلّ عندما يزول بقدرة الحيّ القدير سحاب الجهل والغباوة الكثيف من أفق العالم وتتنوّر القلوب والأبصار في جميع الأقطار والأمصار بأشعّة أنوار المعارف لا يقول أهل الإرتياب إنّهم كانوا متمسّكين في إعتراضهم وإعراضهم بحبل متين ومتشبّثين بركنٍ مكين وليرى الجميع ماذا قال المعترضون على الحقّ وماذا كتبوا وكيف أنّ أهل الإيمان إبتلوا بمعارضة أشخاصٍ كهؤلاء إذ إنّ أصعب الأشياء وأشقّ الأمور مناظرة أولي العلم القليل ومعارضة الأشخاص المحرومين من الشعور ولقد أجاد من قال:

(وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَدْلُ مَنْ لا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابِ مَنْ لا يَفْهَم)

هذا وقد إنتهى هذا المبحث البديع بعد بحث طويل والأمل أن يعذرنا أولو الإدراك لأنّ مسألة فصاحة الكتب السماويّة وبلاغة الكلمات الإلهيّة لم يجر بحثها بين علماء الإسلام والأمّة البهائيّة فحسب بل إنّ هذه المسألة كما ظهر لكم من "التذييل" على كتاب "مقالة في الإسلام" كانت موضع مناظرات مدّة مديدة بين الأمّة الإسلاميّة وأمّة النصارى وكانت ميداناً للجدال والنـزال بين كبار الأمتين ولهذا فقد قام هذا العبد بكتابة جميع وجوه هذه المسألة بصورة مفصّلة ومشروحة حتى يطّلع أولو البصيرة على السبب الأصلي في حجيّة الكلام الإلهي وليقفوا على أساس إيرادات وإنتقادات أرباب الشبهات سواءً أكان المنتقد (جرجيس صال) الإنكليزي أو (إبن الآخوند) التفليسي.


*******************


في الجواب على الشبهة السادسة من شبهات شيخ الإسلام

1. في ذكر عبارات جناب الشيخ بخصوص آية الإنجيل "حينئذ تظهر علامات إبن الإنسانّ في السماء":

كتب جناب الشيخ في رسالته الأولى: "وكذلك يتفضّل المصنّف المذكور في تفسير القول "تظهر علامة إبن الإنسان في السماء إلى آخره" أنّ نجماً يظهر في السماء الظاهرة قبل ظهور كل نبي. فقد أخبر الكهنة قبل ظهور خليل الرحمن بظهور نجم في السماء وكذلك الأمر في زمان الكليم والمسيح وخاتم النبيّين حتى وصل الأمر إلى هذا الأمر البديع المنيع فقد أخبر أكثر المنجّمين في هذا الزمان بظهور نجم في السماء الظاهرة وكذلك بشّر على الأرض النوران النيّران أحمد وكاظم قدّس الله تربتهما ببشارة ظهوره وما ذكرناه مختصر لكلمات الإيقان. والآن نسأل هذا السؤال بأيّ دليل وبرهان ثبت أنّه من الضروري ظهور نجم في السماء عند ظهور كلّ نبي؟ ولماذا هذه الضرورة؟ وإذا لم يظهر نجم في السماء أليست الملائكة مكلّفةً بالإيمان به؟ وأليس لعرفانه غير ظهور الكوكب؟ ومع كلّ هذا لو كان هذا الخبر صحيحاً فإنّه ينطبق بحقّ إثنين أو ثلاثة من الأنبياء، لا أنّه ينطبق بحقّهم جميعاً إستناداً على أخبار الكاهنين والمنجّمين الذين يخبرون عن الحوادث بالظنّ والحدس فقط فإنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً" إذاً فمن العجيب أن نرى صاحب الإيقان، وهو الذي يطعن ويلوم في كتابه مراراً أولئك الذين يتّبعون الظنّ، يقوم بالإستدلال بأخبار الكهنة والمنجّمين ويعتبرها موثوقة. وهذا لا يتلائم أبداً مع إسم كتاب الإيقان. وعلاوة على ذلك يتفضّل في حقّ خليل الله "إنّ شخصاً ظهر في الأرض يبشّر الناس بظهور حضرته". تُرى من كان ذلك الشخص المبشّر بين أهالي بابل والملّة الصابئة الذين كانوا كلّهم عبدة أوثان؟ أرجو بيان إسمه وعلاماته ولو بمستند من أقوال أحد المؤرّخين. ومَن هم المنجّمون الذين أخبروا الناس في زمان ظهور الأمر البديع بظهور نجم في السماء؟ أرجو بيان أسمائهم وعلاماتهم وطائفتهم ومكانهم. وكذلك أرجو بيان عبارات الشيخ أحمد والسيّد كاظم رحمهما الله التي دوّنوها في مؤلّفاتهم الشهيرة. [هذه دلائل لا تشفي المريض ولا ترفع الشبهات عن القلوب سيّما عن القلوب التي لم تعتد على إستماع تلك الأقوال الواهية العارية عن الدليل والبرهان]." إنتهى.

2. الجواب وبيان أنّه لما كان إصلاح العالم منوط بقيام روح الله وورود يوم الله فإنّ جميع أشراطه وإماراته قد نزلت في الكتب السماويّة:

لا يخفى على أولي الألباب أنّ سنّة الله جرت رأفةً بعباده ورحمةً على خلقه في أيّام طلوع شموس الحقيقة ومواقيت تجديد وإبداع الشرائع المقدّسة السماويّة أمثال ظهور إبراهيم والكليم وعيسى وخاتم النبيّين عليهم آلاف التحيّة والبهاء، على أن تنبّه الخلق عن طريق ظهور علامات أرضيّة وسماويّة ودينيّة تشير إلى قرب ظهور الموعود وتجعل القلوب الصافية مترصّدة ومستعدّة لإجابة الداعي إلى الله والإيمان بمظهر أمر الله. فعندما ينقشع غمام الغيبة الغليظة ويطلع جمال الموعود المنير ويرتفع نداء حضرة المعبود تؤمن بحضرته نفوس طيّبة وتقبل إلى ساحته وجودات زكيّة وتنجوا أمم عظيمة من الهلاك والدمار التام "سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" . وحيث أنّ إرادة الله شاءت أن يتجدّد عالم الدين بقيام روح الله وورود يوم الله كما سبق لنا أن عرضناه بصورة مفصّلة، وتزول إختلافات الأمم وتتحقّق في هذا الظهور المبارك إصلاحات عظيمة منصوصة في جميع الكتب لهذا فإنّ جميع العلامات والإشارات المبشّرة بقرب ميعاد ظهور الموعود والوفاء بعهود ووعود حضرة المعبود قد ذُكرت في جميع الكتب المقدّسة السماويّة والأحاديث الصحيحة النبويّة قبل ورود هذا اليوم الكريم وقبل ظهور هذا الموعود العظيم. وهذه الكتب والأحاديث موجودة عند جميع الملل وباقية لدى جميع النحل ولكنّ شيئاً من علامات وإشارات ظهور الأنبياء السابقين أمثال نوح وهود وصالح وإبراهيم عليهم السلام أو شيئاً من أديانهم وكتبهم لم يبق إلاّ شذرات متفرّقات بين طيّات الأحاديث وأخبار الأديان الموجودة على سبيل الإجمال أو في بيانات مظاهر أمر الله على سبيل التشبيه والعبرة والإنذار.

3. في أنّ كثيرا من الأخبار الواردة في كتب النبيّين لا توجد في كتب المؤرّخين مثل قصص هود وصالح وذي القرنين وأمثالهم:

وبسبب ما عرضناه قد يحدث أن يذكر مظهر أمر الله في سبيل تذكير الأمم ونصحها شيئاً غير موجود في التواريخ عن كيفيّة رسالة أحد الرسل ولا مرجع لذلك الخبر غير كتابه نفسه. فمثلاً لو يسأل أحد النصارى من جناب شيخ الإسلام عن خبر ظهور ناقة صالح وإعراض قوم ثمود الوارد في القرآن المجيد وعن مكان تدوينها في أحد تواريخ اليهود أو اليونان أو الرومان أو الفرس أو يسأله عن حكايات ذي القرنين وحوادثه المعروفة وعن المؤرّخ الذي دوّنها في كتابه فلا شكّ أنّ جناب الشيخ يعجز عن الجواب لأنّ هذه القصص المذكورة وكثيراً غيرها من أمثال قصة موسى والخضر والنملة وسليمان وإحياء حمار العُزيْر وغيرها لم ترد أبداً في أيّ تاريخ من التواريخ المؤلّفة قبل ظهور رسول الله عليه السلام ولم يشر إلى هذه القصص أحد من كبار المؤرّخين أمثال (يوسيفوس) و (هيرودتس) و (ديودوروس) و (أسترامون) و (زنفون) الذين سجّلوا تواريخ الأمم الشرقيّة والغربيّة بصورة مفصّلة. ولا يظنُنَّ القارؤون أنّ كاتب هذه الصفحات يفترض هذه النكتة إعتباطاً بل أنظروا في الكتب التي كتبها علماء النصارى في الردّ على القرآن الشريف أمثال (مقالة في الإسلام) التي كتبها جرجيس صال الإنكليزي وكَتَبَ (التذييل) عليها باللغة العربيّة هاشم الشامي و(كتاب ميزان الحقّ) الذي ألّفه فاندر النمساوي في الردّ على الإسلام وغيرهما من الكتب المطبوعة المنتشرة في الشرق والغرب حتى تدركوا باليقين المبين بأنّه كما تشبّث جناب شيخ الإسلام بالحوادث التاريخيّة في الإعتراض على حضرة العزيز العلاّم كذلك تشبّث المعاندون للإسلام بنفس هذه الشبهات في الإعتراض على سيّد الأنام. وإني لذاكرٌ لكم عين عبارات صاحب (التذييل) على (مقالة في الإسلام) حتى يطّلع أولو البصيرة على أنّ شوك الإعتراضات ينبت في تربةٍ واحدةٍ وأنّ شجرة الإعراض تُعطي [بدوام الأرضين والسموات] نوعاً واحداً من الثمرات.

4. في ذكر كلمات (صاحب التذييل) في إنتقاداته التاريخيّة للقرآن الشريف:

قال صاحب التذييل في الصفحة (49): "ثالثاً إنّ غلطه في الحوادث التاريخيّة وأسماء مشاهير رجالها وجهله في أمور الطبيعة ما لا ينبغي جهله. كلّ ذلك يدلّ على أنّه ليس من الله في شيئ لأنّ الخطأ مستحيل في موضع العصمة والجهل ممتنع على من أحاط بكلّ شيئ علماً. فقد زعم مصنف القرآن أنّ كتابه "لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" وإنّه جاء مصدّقاً لما بين يديه من الكتب المنـزلة أي ما تقدّمه من التوراة والإنجيل لكنّه خالفهما في مواضع كثيرة، فدعا أبا إبراهيم آذر وهو في التوراة (تارخ) ودعا مريم العذراء بنت عمران وأخت هارون وهي في الإنجيل (بنت الياقيم) وأين مريم من عمران أبي موسى وهو متقدّم عليها بألف وستّمائة سنة؟ ومن غلطه أيضاً أنّه جعل (هامان) وزيراً لفرعون ولم يكن أحدهما من الآخر في شيئ لأنّ (هامان) متأخّر عن فرعون بزهاء ألف سنة وكان وزيراً لأحشورش في بابل لا لفرعون في مصر. ومن ذلك قوله خطاباً لموسى : "قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأضَلَّهُمْ السَّامِرِي" وأراد بذلك أنّ هذا السامري هو الذي صنع عجل الذهب لبني إسرائيل ودعاهم إلى عبادته لما كان موسى غائباً عنهم وأنت تعلم أنّه لا يمكن أن يكون في بني إسرائيل سامري على عهد موسى لأنّ هذا النعت لم ينعت به أحداً إلاّ بعد موسى بقرون عديدة أي بعد جلاء بابل. ومن ذلك ما جاء في سورة البقرة من قوله: "فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمُهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنْ إغْتَرَفَ غَرْفَهُ بِيَدِهِ" (الآية 249) فقد عزا هذا إلى شاؤول وقومه ما جاء في التوراة عن جدعون وقومه (سفر القضاة 7:5-7).

ومن ذلك أنّه تعرّض لتاريخ الإسكندر فدعاه ذا القرنين وقال عنه أنّه بلغ قوماً لا يفقهون قولاً وأنّه بنى سدّاً من زبر الحديد وغير ذلك مما لا حقيقة له أصلاً إذ تاريخ الإسكندر معروف وقد كتبه الثقات قبل القرآن بكثير وليس فيه ذكر لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً ولا للسدّ". إلى أن قال أخيراً "ويترتّب على ما مرّ من التناقض والغلط والجهل أنّ القرآن كلام البشر لا كلام الله وأنّه تصنيف رجال مختلفي المقاصد والمذاهب من عرب ومجوس ونساطرة ويهود وإنّ بعضهم كان أميّاً لا معرفة له في شيئ فلذلك كان فيه الغثّ والسمين وكثر تلوّنه حتى لم يبق له لون" إنتهى.

وعندما ينظر أولو البصيرة في إنتقادات جناب الشيخ للإيقان الشريف وينظرون في إنتقادات هذا المعاند للقرآن المجيد يجدوت أنّ شوك الإعتراضات على مظاهر أمر الله ينمو دائماً بشكل واحد في أراضي القلوب الميّتة الجرزة وإنّ نعيب الإستهزاء بكلمات الأنبياء يُسمع على وتيرة واحدة "أشْبَهُ مِنَ الصّعْلِ بالصّعل أو النّعلِ بالنّعلِ". نعم إنّ الفرق الوحيد بين إنتقادات هذين المنتقدين هو أنّ قصص ذي القرنين وحكايات بناء السدّ وطالوت والنهر ووزارة هامان وغيرهما ممّا هو وارد في القرآن الشريف لا يمكن في الحقيقة إيجاده في أيّ تاريخ من التواريخ بينما الحوادث التاريخيّة النازلة في الإيقان تنطبق تماماً مع الكتب التاريخيّة الموثوقة الموجودة في العالم وغاية ما في الأمر هو أنّ جناب الشيخ الذي لا نصيب له من المعارف التاريخيّة وسائر المعارف الأخرى قد تمسّك بهذه الشبهات وظنّ مثل هاشم الشامي أنّ تصديق مظاهر أمر الله وتكذيبهم يتوقّف على موافقة الكتب التاريخيّة أو مخالفتها أو على إنطباق كتبهم على الأفكار الطبيعيّة أو عدم إنطباقها عليها.

5. في بيان كيفيّة طلوع النجم في ميلاد الأنبياء:

لقد نزل في كتاب الإيقان الشريف في تفسير الآية: "حينئذٍ تظهر علامة إبن الإنسان في السماء"، وهي الآية التي تفضّل بها عيسى عليه أطيب التحيّة والبهاء في علائم الظهور التالي، ما خلاصته: "إنّ المقصود بالسماء هو السماء الظاهريّة والمعنويّة فقبل ظهور كلّ واحد من مظاهر أمر الله (كما يظهر في السماء الظاهريّة نجم ليبشّر أهل السموات بطلوع ذلك النيّر) يظهر على الأرض شخص ليبشّر أهل الأرض بظهور ذلك الوجود المسعور. فمثلاً في زمان نمرود حينما أخبر الكهنة بطلوع نجم يبشّر بولادة حضرة خليل الرحمن كان هناك شخص يبشّر الناس بقرب ظهور حضرته وكذلك في زمان فرعون لما أخبر كهنة مصر بطلوع نجم يدلّ على ميلاد موسى عليه السلام كان هناك شخص يبشّر بني إسرائيل في الليالي ويسلّيهم. وفي زمان عيسى عليه السلام جاء عدد من المجوس من الشرق إلى الأراضي المقدّسة وبشّروا الناس بطلوع نجم حضرته وكان هناك في الأرض يحيى عليه السلام يبشّر الناس بقرب ظهور المسيح. وفي زمان ظهور خاتم النبيّين عليه من التحيّات أطيبها وأبهاها لمّا بشّر بعض الرجال بطلوع نجم في السماء يبشّر بظهور نبي عظيم كان هناك في الأرض أربعة أشخاص أخبروا الناس أحدهم بعد الآخر بظهور حضرته. ومنهم سَمِعَ سلمان الفارسي بخبر الظهور وتشرّف بالحضور الأقدس وبسعادة الإيمان حتى إنتهى الأمر إلى هذا الظهور الأقدس الأعظم فأخبر المنجّمون بظهور نجم في السماء وكان هناك النوران النيّران الشيخ الأكبر أحمد الاحسائي والسيّد الأمجد كاظم الرشتي عليهما أفضل التحيات وأطيب البركات يبشّران الخلق بقرب ظهور القائم الموعود ويطمئنان أهل الأرض بإنقضاء الأجل المحدود.

فلمّا شاهد جناب الشيخ هذا التفسير ظنّ أنّه وجد باباً واسعاً للإنتقادات وتصوّر أنّ هذه الحوادث غير مذكورة في الأحاديث النبويّة والكتب التاريخيّة الموثوقة، وظنّ أنّ الكتب التاريخيّة إنْ لم تثبت قول المظاهر الإلهيّة فإنّ إدّعاءهم عليهم الصلاة والسلام يكون باطلاً. ولو طُلب إلى أهل السماء أن يؤمنوا مثل أهل الأرض فإنّ طبقات السماء مثلاً سوف تنفطر ولهذا وضع إنتقاده التالي بشكل سؤال فقال: أوّلاً بأيّ دليل وبرهان ثبت أنّه من الضروري ظهور نجم في السماء عند ظهور كل نبي؟ ولماذا هذه الضرورة؟" وقد كتب جناب المناظر في جواب جناب الشيخ "إنّه لم يُذكر في الإيقان شيئ حول الضرورة ولكنّ جناب شيخ الإسلام إخترعها وألصقها بكتاب الإيقان الشريف ومع أنّه في الصفحة (32) من رسالته المطبوعة قد لعن الكاذب المفتري فإنّه نفسه قد إبتلى بهذه الورطة الواضحة لأنّ مظاهر أمر الله والمؤمنين بهم لا ينسبون إلى الحقّ جلّ جلاله أمراً عن طريق الضرورة والإجبار. وبعبارة أخرى لا يقولون من باب التحكّم مثل الفقهاء: "يجب أن يكون كذا ويجب أن يعمل صاحب الأمر كذا" ولا يعتبرون الله تبارك وتعالى مُلزماً بمتابعة إرادة إنسان ومشيئته بل يعتبرونه بحكم الآيتين الكريمتين: "يَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ" و"يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ" فاعلاً لما يشاء وحاكماً على ما يريد ويرونه بحكم الآية الكريمة: "يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أمُّ الكِتَابِ" قادراً على محو كلّ شيئ وإثبات كلّ شيئ ولا يقولون أبداً لماذا إختار الله هذه العلامة من سائر العلامات؟ ولماذا إنتخب هذه الآية من بين الآيات؟ "لا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلْ وَهُمْ يُسْألُونْ" .

ولو ينظر الإنسان نظراً دقيقاً في عبارات جناب الشيخ التي كتبها هنا بأسلوب الإستهزاء وأدخلَ بذلك نفسه في عداد المشمولين بالآية الكريمة: "يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَأتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤنْ" ليشاهد أنّ هذا الإنتقاد في الحقيقة (أوّلاً) وبالأصل يرجع على عيسى عليه السلام لأنّ حضرته وعدَ بظهور علامة في السماء الظاهريّة قبل ظهور حضرة الموعود لتذكير الخلق بقرب ظهوره، (ثانياً) يرجع إلى الأئمّة وعلماء الإسلام لأنّهم إعتبروا ظهور النجم في السماء إحدى العلامات الكليّة لظهور الأنبياء ودوّنوا ذلك في كتبهم وأحاديثهم. فانظروا في كتاب (المواهب اللدنيّة) تأليف العلامة القسطلاني وهو من الكتب الإسلاميّة الموثوقة المعروفة والتي فيها روى بضعة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "ومن عجائب ولادته ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن حسان بن ثابت قال إني غلامٌ إبن سبعِ سنين أو ثمانٍ أعقِلُ ما رأيت وسمعت إذ يهوديّ يصرخ ذات غداة يا معشر اليهود. فإجتمعوا إليه وأنا أستمع. قالوا: "يا ويلك ما بالك؟ قال طلع نجمُ أحمد" وقال أيضاً: "كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر وهو ثلاثة أنجمٍ صغارٍ ينـزلها القمر وهو مولد النبيّين عليهم السلام". ومولانا جلال الدين البلخي صاحب المثنوي الذي تستغني شهرته عن مدح هذا العبد والذي إستشهد جناب الشيخ كذلك كثيراً بأشعاره قال في باب النجم هذا البيت من الشعر وترجمته: "كلّ نبيٍّ يتكوّن في عالم الأرحام، يطلع نجمه في الفلك". وواضح أنّ الأساس الذي يستند إليه هؤلاء العلماء الأعلام في هذا الباب هو الأحاديث التي وردت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الذي سمّاهم القرآن المجيد بإسم الرسل وأنصار الله قد أيّدوا صدق هؤلاء المنجّمين ودوّنوه في الإنجيل المقدّس ليكون علامة على صدق إدّعاء حضرته.

وقد أدرك أولو الإنصاف مما ذكرناه أنّ ضرورة ظهور النجم في ميلاد كل واحد من مظاهر أمر الله قد جاءت في كتب الإسلام وأحاديثه لا في كتاب الإيقان المقدّس. وكلّ ما في الأمر إنّ كتاب الإيقان فسّر آية الانجيل الشريف وشرح العلامة التي قرّرها عيسى عليه السلام من علامات الظهور التالي.

6. في أنّ عجب جناب الشيخ من ظهور مبشّر وسط الصابئين ناشئ عن جهله بحقائق الأديان:

وبخصوص ما نزل في الإيقان الشريف من أنّ شخصاً ظهر على الأرض قبل ظهور إبراهيم الخليل عليه السلام وبشّر الناس بظهوره المبارك كتب جناب الشيخ: " تُرى من كان ذلك الشخص المبشّر بين أهالي بابل والملّة الصابئة الذين كانوا كلّهم عبدة أوثان؟ أرجو بيان إسمه وعلاماته ولو بمستند من أقوال أحد المؤرّخين".

(أوّلاً) يُفهم من عبارة جناب الشيخ كأنّه إعتبر الله الذي كان قادراً على أن يبعث بين الوثنيّين والصابئين العرب رسولاً مكرماً مثل رسول الله عليه السلام حتى لا ينسد باب الهداية على وجه الخلق ولا تنقطع وشائج التوحيد والعياذ بالله غير قادر على أن يبعث بين الوثنيّين في بابل مبشّراً يبشّر الناس بظهور خليل الرحمن عليه السلام، وإلاّ فإنّه لو إعتبر الله تبارك وتعالى قادراً وإعتبره دائماً هادياً للعباد فما هو مجال عجبه وإستغرابه وما هو مجال شكّه وإرتيابه؟

(ثانياً) إنّ سبب إشتباه جناب الشيخ هو نفس الظنون السابقة التي برهنّا وكشفنا بطلانها وهي أنّه ظنّ أنّ ديانة الصابئين لم تكن في أساسها ديانة إلهيّة ولم يشّرعها الأنبياء والرسل وأنّ أساسها في الأصل مبنيّ على الوثنيّة وعبادة الأصنام وأنّ وشائج التوحيد مفقودة فيها وقد أوضحنا وكشفنا سابقاً بطلان هذه العقيدة وأثبتنا أنّ جميع الأديان الموجودة تأسّست في أصلها بتشريعٍ ووضعٍ إلهي قام به الأنبياء عليهم السلام وليست عبادة الأوثان إلاّ بدعة من بدع الضلال التي دخلت دائماً إلى الأديان الإلهيّة بسبب سوء تصرّف العلماء والحكماء أو بسبب أغراض الملوك والأمراء السياسيّة ومع وجود هذه العبادات الباطلة وسيادتها لم تنقطع وشائج توحيد الله وعبادته إلى يوم ظهور رسول جديد ودين جديد. وحيث أنّ مستوى المعارف والعلوم بين فقهاء القفقاس قد إنحطّ إلى درجة بحيث صاروا ولا علم لهم فيها عن حوادث زمانهم ووقائعه فكيف الأمر بمعرفة التواريخ القديمة والحوادث الماضية لذا سوف نذكر أقوال بعض كبار المؤرّخين في عقائد الصابئة لعلّ يطّلع أهل الإستعداد على الحقائق العلميّة وينتبهوا إلى مقدار أوهام فقهاء هذا العصر الباطلة.

قال المؤرّخ الشهير عماد الدين أبو الفداء الحموي في ذكر أمة السريان والصابئين: "أمّة السريان: هي أقدم الأمم وكلام آدم وأولاده بالسريانيّة وملّتهم هي ملّة الصابئين ويذكرون أنّهم أخذوا دينهم عن شيت وإدريس ولهم كتاب يعزّونه إلى شيت ويسمّونه صحف شيت يذكر فيه محاسن الأخلاق مثل الصدق والشجاعة والتعصّب للغريب وما أشبه ذلك ممّا يأمر به ويذكر الرذائل ويأمر بإجتنابها. وللصابئين عبادات منها سبع صلوات منهنّ خمس توافق صلوات المسلمين والسادسة صلاة الضحى والسابعة صلاة يكون وقتها في تمام الساعة السادسة من الليل. وصلاتهم كصلاة المسلمين في النيّة وفي أن لا يخلطها المصلّي بشيئ من غيرها. ولهم الصلاة على الميّت بلا ركوع ولا سجود ويصومون ثلاثين يوماً وإنْ نقص الشهر الهلالي صاموا تسعاً وعشرين يوماً وكانوا يراعون في صومهم وإفطارهم الهلال بحيث يكون الفطر وقد دخلت الشمس في الحمل ويصومون من ربع الليل الأخير إلى غروب قرص الشمس. ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة التي تختلف مطالع إشراقها، وهي زحل والمشتري والمرّيخ والزهرة وعطارد. ويعظّمون بيت مكّة ولهم بظاهر حرّان مكان يحجّونه. ويعظّمون أهرام مصر ويزعمون أنّ أحدها قبر شيت بن آدم والآخر قبر إدريس وهو حنّوخ والآخر قبر صابي بن إدريس الذي ينتسبون إليه، ويعظمون يوم دخول الشمس برج الحمل فيتهادون فيه ويلبسون أفخر ملابسهم وهو عندهم من أعظم الأعياد لدخول الشمس برج شرفها. قال إبن حزم "والدين الذي إنتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله تعالى اليهم إبراهيم خليله عليه السلام بالدين الذي نحن عليه الآن" إنتهى. فيُفهم من هذه العبارة أنّ ما عرضناه سابقاً من أنّ شارعي جميع الأديان هم الأنبياء عليهم السلام كان في منتهى الصحّة والإتقان ولولا خوف التطويل لذكرنا أقوال سائر علماء هذا الفنّ حتى يتّضح لأولي الإدراك أنّ دين الصابئين كان أعظم دين إلهي على الأرض وأنّ أكثر عباداته مستعمل اليوم في الإسلام من قبيل الصلاة والصوم وحجّ البيت والوضوء والغسل والجنابة وهي في الأصل من شرائع ذلك الدين وقد أبقاها الله جلّ جلاله في الإسلام. ومما ذكرناه يتضّح تماماً بطلان أوهام أمثال جناب الشيخ في بناء هذا الدين على الوثنيّة وإنقطاع وشائج التوحيد فيه. ولنفرض أنّ جناب الشيخ لم يشاهد الكتب المشهورة الموثوقة وليس له نصيب من المعارف التاريخيّة أفلم يقرأ القرآن المجيد الذي إعتبر الله فيه الصابئين في عداد الأديان الحقّة وبشّر الصالحين منهم بالنجاة في قوله تبارك وتعالى في سورة المائدة: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" ؟ وألم يشاهد قول أمير المؤمنين عليه السلام ذلك القول الرصين في نهج البلاغة: "لا تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ حُجّةٍ إمّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أوْ خَائِفَاً مَغْمُوراً لَئَلّا تَبْطُلُ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ"؟ وألم يقرأ قوله عليه السلام أيضاً في نهج البلاغة: "إنّ الله تعالى جَعَلَ الذِّكْرَ جَلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الوَقْرَةِ وَتَبْصُرُ بِهِ بَعْدَ العَشْوَةِ وَتَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ المُعَانَدَةِ وَمَا بَرِحَ للهِ عَزَّتْ آلاؤُهُ في البُرْهَةِ بَعْدَ البُرْهَةِ وَفي أزْمَانِ الفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ مِنْ فِكْرِهِمْ وَكَلَّمَهُمْ في ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقْظَةٍ في الأبْصَارِ وَالأسْمَاعِ وَالأفْئِدَةِ يُذكِّرُونَ بِأيَّامِ اللهِ وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ"؟ نعم إنّ جناب شيخ الإسلام لم ير هذه البيانات الصريحة والكلمات البليغة وإن كان رآها فإنّه ما فهمها وإلاّ لما تعجّب وإستغرب قائلاً مَنْ هو ذلك المبشر الذي بشّر وسط الوثنيّين بظهور خليل الرحمن؟ وليس مقصودنا هنا بيان هذه النكتة ليتّضح ويتجلّى عدم علم جناب الشيخ وأمثاله لأنّ ذلك من الأمور الواضحة. ونفس رسالته شاهداً على مقدار علم مصنّفها وفضله بل مقصودنا كما أشرنا سابقاً هو أن يدرك أولو الفراسة والإدراك أنّ هذا التشبيه بالديانة الوثنيّة من مخترعات الطائفة البروتستانيّة التي تريد بهذا الإستدلال محو نفوذ الدين الإسلامي وبقائه وإبطال دليل التقرير الذي هو أعظم برهان على حقيّة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليطلع أهل الإيمان وأولو الإدراك على مكامن الشبهات وليدركوا خاطرات القلوب الميّتة التي تنبعث منها روائح التشكيكات النتنة وليعلموا يقيناً أنّ ظهور مظاهر أمر الله كان ولا يزال على نهج واحد ولم تنقطع أبداً عن الأرض روائح حجج الله الطيّبة ونفحات أوليائه المعطّرة. [هذا هو الحقّ وما بعد الحقّ إلاّ الضلال].

7. في بيان إخبار المنجّمين بطلوع نجم عند الميلاد المبارك وبيان معنى كلمة (كاهن):

وبعد أن تمّ الإطلاع على أنّ إستغراب جناب الشيخ من ظهور مبشّر بين الصابئين نشأ عن عدم إدراكه بكيفيّة ظهور الأنبياء وتجدّد الشرائع أنظروا الآن في أصل سؤاله الذي قال فيه: "ومَن هم المنجّمون الذين أخبروا الناس في زمان ظهور الأمر البديع بظهور نجم في السماء؟ أرجو بيان أسمائهم وعلاماتهم وطائفتهم ومكانهم". لهذا كتب جناب المناظر البهائي في الجواب عليه: "إنّ ظهور النجم وإخبار المنجّمين نمرود بميلاد خليل الرحمن عليه السلام مدوّن في كتاب (روضة الصفا) وكتاب (نفحات الأزهار) وكتاب (الكامل لإبن الاثير) وهي كتب فارسيّة وتركيّة وعربيّة تشمل على هذا الحادث. وفي مثنوي مولانا جلال الدين الرومي ذكر طلوع النجم في ميلاد موسى عليه السلام. وفي الإنجيل المقدّس ذكر طلوع النجم في ميلاد عيسى عليه السلام. وفي أكثر التواريخ الإسلاميّة ذكر ميلاد خاتم النبيّين كما أيّدت ذلك الأخبار".

وفي الإجابة على سؤاله الثاني عن المنجّم الذي أخبر بطلوع النجم الجديد في هذا الظهور البديع كتب: "إنّ تيمور الخوارزمي من أحفاد تيمورلنك المشهور ومن سكّان مدينة أصفهان ومن مشاهير المنجّمين في ذلك الزمان أخبر أنّه سيحدث في العالم حدث بين سنة (1230) وسنة (1250) هجريّة بحكم إقتران نجوم الفلك وهذا الحدث يسبّب إنقلابات كلّيّة. وكذلك أخبر المنجّم الأصفهاني الميرزا قاخان من سكّان نصر آباد والذي كان رئيس المنجّمين لدى معتمد الدولة منوجهرخان والي اصفهان ومستخرجاً للتقاويم السنويّة أنّه سيظهر في العالم شخص تتجدّد بظهوره قوانين الديانة لأنّ نجمه قد ظهر في السماء الظاهرة، يعني أنّ أعظم العلامات والإمارات الفلكيّة قد تحقّقت. وكان يذكر هذا الموضوع في مجالس علماء أصفهان وأعيانها وكان يؤكّد على صحّة نظره حتى شاهد الذين بقوا أحياء حتى سنة (1269) هجريّة غرائب الحوادث الجديدة وكان بعض الأعيان يسأله: أيّ أمرٍ غريبٍ سيظهر؟ فكان يقول لا بدّ أن يظهر شخص مثل موسى وعيسى ورسول الله عليهم السلام ويشرّع ديناً جديداً".

وإنّ أحد المنجّمين في ذلك الزمان قال إنّ لكلّ كوكب من الكواكب السيارة السبعة المعروفة لدى الشرقيّين دورةً تختصّ به تبتدأ من كوكب زحل وتنتهي إلى القمر وإلى يومنا هذا يسمّي الفلكيّون والأدباء الدورة الأخيرة بدورة القمر. وبعد إنقضاء دورة القمر تظهر دورة جديدة تتعيّن تواريخها الشهريّة والسنوية ب (19) ويتعيّن بها إنقضاء الدورة القمريّة وبلوغ تجدّد الدورة الفلكيّة بطلوع نجم وظهور علامات جديدة سماويّة".

وبعد أن كتب جناب المناظر البهائي بهذه الرشاقة والدقّة جواب جناب الشيخ وأوضح جهل جناب الشيخ بالحقائق الدينيّة والتاريخيّة مع أنّ جناب المناظر من أصحاب الحرف والتجارة لا من أرباب القلم والصحافة، سأل جناب الشيخ قائلاً: "لماذا لم يوجّه جناب الشيخ هذا الإنتقاد الى الإنجيل المقدّس الذي جاء في الإصحاح الثاني من إنجيل متّى بصورة صريحة فيه: "لَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ في بَيْتِ لَحْم اليَهُودِيَّةِ في أيَّامِ هِيرُودُس الْمَلِك إذا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاؤوا إلى أورْشَلِيمَ قَائِلِينَ أيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ اليَهُودِ فَإنَّنَا رَأيْنَا نَجْمَهُ في الْمَشْرِقِ وَأتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ"؟ ولماذا لم يكتب أبداً أين يوجد هذا الموضوع وفي أيّ كتاب تاريخ ورد؟ وما أسماء أولئك المجوس؟ وإذا وجب رفض ما يخبر به مظاهر أمر الله في كتبهم لمجرّد عدم وجودها في تواريخ الآخرين وإعتباره دليلاً على بطلان مظاهر أمر الله فلماذا لم يوجّه هذا الإنتقاد أوّلاً إلى القرآن الشريف؟ لأنّه ليس في كتب اليهود والنصارى وحتى في كتب اليونان والرومان والهنود أبداً ذكر لصالح وهود وهذا ما ينتقد به علماء تلك الملل القرآن الكريم إلى يومنا هذا ويتّخذونه مثل جناب الشيخ وسيلة لتكذيب مظهر أمر الله".

وكان جواب المناظر البهائي هذا قويّاً إلى درجة وجد جناب الشيخ نفسه عاجزاً عن مجابهة مناظره، لهذا أطلق لسانه بشنيع السباب والشتائم في رسالته الثانية جرياً على عادته وظنّاً منه أنّ بذئ القول يستر ضعف شبهاته أو أنّ السبّ والشتم يمنع كلمة الله من النفوذ أو تلبس الشبهة الباطلة حلّة الحجّيّة وتنال لياقة الدلالة عن طريق التوجيهات العديدة والتقريرات المتنوّعة، وقد غفل عن أنّ العقلاء قد قالوا إنّك لو توجّه خطأً واحداً ألف توجيه فإنّه يتحوّل إلى ألف خطأٍ وواحدٍ وإنّك لو ألبست القبيح حلل الجمال فإنّه يبقى على نفس تلك المِسخة المنحوسة والخِلقة المكروهة.

وخلاصة ما كتبه جناب الشيخ في رسالته الثانية بعد حذف زوائدها: "(أوّلاً) لماذا إستند في الإيقان الى أقوال المنجّمين والكهنة وإستدلّ بها؟ و(ثانياً) هل أنّ العالم مقصور على إيران وحدها؟ ولماذا لم يخبر سائر علماء البلاد بطلوع نجم؟". وعندما ينظر العاقل اللبيب إلى شبهة جناب الشيخ هذه يرى أنّها ساقطة من درجة الإعتبار من عدّة وجوه:

(الوجه الاول) إنّ جناب الشيخ لم يفهم الفرق بين علامات الظهور وبين براهين صاحب الظهور وتصوّر تفسير العلامات نفس الأدلّة والبيّنات، فمثلاً جاءت في التوراة بشارة ظهور المسيح وقد بيّن أنبياء بني إسرائيل بضع علامات لظهور حضرته وواضح أنّ العلامات هي غير الأدلّة والبراهين التي وهبها الله جلّ جلاله لنفس المسيح وبتلك البراهين والأدلّة أثبت تعالى المسيح عليه السلام. فالآن لو ينظر الإنسان العاقل إلى الإنجيل المقدّس وإلى ذكر طلوع النجم فإنّه لا يستطيع أن يعتبر ذلك من الأدلّة والبراهين على حقيّة حضرة المسيح ويرفع راية المجادلة والإنتقاد قائلاً إنّ عيسى إعتمد على أقوال المنجّمين أو إستدلّ على حقيّته بأقوال أهل النجوم الذينهم في نظر جناب الشيخ ليسوا أهل ثقة لأنّ حضرة المسيح نصر أمره بقوّة الآيات التي بها نفذ أمره وغلب، وبنفس هذه الآيات أستدلّ وإحتجّ على حقيّة حضرته وإذا كان قد جاء في الإنجيل ذكر ظهور النجم فإنّما جاء لبيان إتمام العلامات قبل الظهور حتى لا يقول أمثال جناب الشيخ إنّ العلامات لم تظهر وإنّ شرائط طلوع شمس الحقيقة لم تكمل وتتحقّق. ومن المعلوم أيضاً أنّ معرفة تحقّق العلامات والأشراط تتعلّق بمعرفة مصدر تلك العلامات والأشراط، فمثلاً لو جاءت في كلمات بني إسرائيل أنّ إحدى علامات ظهور المسيح هي خراب مدينة بابل فلا شكّ إنّ معرفة تحققّ هذا الخبر تتعلّق بتصديق المؤرّخين لذلك الخبر وكذلك في طلوع النجم تتعلّق بتصديق المنجّمين. والآن أنظروا قليلاً إلى مصائب مظاهر أمر الله العظيمة، فمع أنّهم يظهرون بالآيات الظاهرة والبيّنات الباهرة فإنّهم إنْ لم يبيّنوا تحقّق العلامات يصيح جهلاء الأرض قائلين: "إنّ العلامات لم تظهر وشرائط الظهور لم تتحقّق" وإنْ بيّنوا العلامات وعيّنوا مصادر ظهورها فإنّ أولئك الجهلاء يصيحون أيضاً قائلين: "إنّه يعتمد على أقوال المنجّمين وإنّه يستدلّ بالأدلّة الخياليّة" "قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أكْفَرَهْ" أفهل يتوقّع جناب الشيخ أنّ صاحب الظهور حينما يولد يأتي ويدقّ الأبواب وخاصّة أبواب تفليس باباً بعد باب في حالة رضاعته ويخبر جناب الشيخ قائلاً له "أنظر لقد طلع نجمي وتحقّقت علامة الظهور" حتى لا يحتاج حضرته إلى تصديق المنجّمين؟ والحال أنّ جناب الشيخ على فرض المحال لو شاهد ذلك النجم ودوّنه في كتابه فإنّه سيحكم كمّا توقع الميرزا آقا خان حينما قال "سيظهر بعد خمسين سنة شيخ أسلام آخر وسيقول بكل وقاحة "لقد اخطأ مَنْ قال إنّ هناك أخبار وردت عن طلوع نجم وعن ظهور مجدّدٍ للدين"."

وبعد أن تفضل عيسى عليه السلام: "حِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلامَةُ إبْنِ الإنْسَانِ في السَّمَاءِ" وبعد أن تفضّل أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الطتنجيّة: "ألا وَإنّ لَكُمْ بَعْدَ حِينٍ طَرْفَةٌ (أيْ نَجْمٌ) تَعْلَمُونَ بِهَا بَعْضَ البَيَانِ وَتَنْكَشِفُ لَكُمْ صَنَائِعُ الْبُرْهَانِ عِنْدَ طُلُوعِ بَهْرامَ وكيْوانَ عَلَى دَقَائِقِ الإقْتِرَابِ"، يتوقّع جناب الشيخ أن يغيّر الله جلّ جلاله قضاءه فيمحو ذكر العلامات من أجل خاطر شيخ الإسلام حتى لا يحتاج الى تصديق المنجّمين وحتى لا يتعرّض إلى لعن المؤمنين وشتمهم مع أنّ الميرزا أقا خان قد قال قول الحقّ في كلامه الذي نقلناه.

وكلمة (طرفة) الواردة في خطبة أمير المؤمنين إسم كوكب من الكواكب: قال صاحب القاموس "الطرفُ العينُ لا يُجمع لأنّه في الأصل مصدرٌ أو إسم جامع للبصر لا يثنّى ولا يُجمع وقيل أطراف وكوكبان يقْدُمان الجبهةَ سُمِّيا بذلك لأنّهما عينا الأسد ينـزلهما القمر". وقال البستاني في محيط المحيط: "الطرفة الْمَرَّةُ ونجمٌ" فيفهم من هذا أنّ أمير المؤمنين قدّر ظهور النجم من العلامات المحقّقة وقام جناب الشيخ فرفع راية المجادلة بسبب قلّة إطّلاعه، في حين أنّ الحقّ جلّ جلاله بسبب شدّة مجادلة وإعراض وإعتراض ومكابرة أمثال جناب الشيخ قد إستدلّ بأقوال الأجانب. فقد قال تعالى مخاطباً خاتم النبيّين: "‏فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" . ولو يكون الإنسان مجادلاً ومكابراً فإنّه يقول: "تُرى ألا يعتمد رسول الله على قوله جلّ جلاله حتى يحتاج إلى الذهاب إلى اليهود والنصارى ويسألهم حتى يطمئنّ إلى صحّة القرآن ويثق به ويزول شكّه؟".

ولهذا فقد إتّضح أنّ القرآن المجيد اذا قال: "فاسأل الذين يقرأون الكتاب" أو إنّ الإيقان الشريف إذا قال: "إنّ المنجّمين أخبروا بطلوع نجم" فليس ذلك إعتمادٌ على أقوال اليهود أو المنجّمين بل دفع لأقوال المجادلين. وخلاصة القول إنّ أهل الإدراك يجب أن يفهموا أنّ حجّة مظاهر أمر الله كانت وستكون الآيات الإلهيّة والبينات القطعية السماوية كما شرحناه في المبحث الاول من هذا الكتاب وما عداه دفع لشبهات المتمسكين بالشبهات ودفع لاوهام المنتظرين اكمال العلامات حتى يفهموا الفرق بين الآيات والبيّنات وبين دفع الشبهات وظهور العلامات وحتى لا نقع في حفرة الأوهام التي وقع فيها جناب الشيخ حين إعتبر دفع الشبهة دليلاً على حقيّة صاحب الأمر.

(الوجه الثاني) إنّ جناب الشيخ قد ظنّ إستناداً إلى تعريفات بعض اللغويّين والمؤرّخين الذين كانت دائرة معارفهم أضيق من قلوبهم أنّ كلمة (كاهن) تعني شخصاً يُخبر بالغيب ويعتمد غالباً على الحدس والتخمين في حين أنّ هذا الظنّ ناشئ أيضاً عن عدم علم جناب الشيخ وأمثاله بالمعاني الحقيقية لكلمة (كاهن) وبأصل منشأها، لأنّ كلمة (كاهن) المعرّبة عن كلمة (كوهين) العبريّة تطابق تماماً في معناها كلمة (إمام) في العربيّة وأنّ منصب (الكهنوت) هو منصب الرئاسة الدينيّة التي أنعم بها موسى عليه السلام بأمر الله تعالى على هارون عليه السلام وأولاده وهو منصب الإمامة والوصاية التي تختصّ بأمير المؤمنين وبأولاده عليهم السلام. فانظروا في الإصحاح (28) من سفر الخروج وهو من أسفار التوراة المقدّسة حيث تفضّل: "وَقَرِّبْ إلَيْكَ هَارُونَ أخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إسْرَائِيلَ لِيَكْهَنَ لِي هَارُونُ وَنَادَابُ وَأبِيهُو وَإلْعَازَرُ وَإيثامَارُ بَنِي هَارُونَ وَاضِعَ ثِيَاباً مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالبَهَاءِ وَتُكَلِّمَ جَمِيعَ حُكَمَاءِ القُلُوبِ الذينَ مَلأتُهُمْ رَوحَ حِكْمَةٍ أنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي". ومن عبارات هذه الآية يمكن فهم معنى الحديث النبويّ الصحيح: "أنْتَ مِنِّي بِمَنْـِزَلِة هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلاّ أنَّهُ لا نَبِيَّ مِنْ بَعْدِي" فهماً صحيحاً وكانت الرئاسة الدينيّة لبني إسرائيل ومنصب الكهانة متوارثة في ذريّة هارون عليه السلام نسلاً بعد نسل حتى زمان النبي صموئيل الذي كان كاهناً معاصراً للنبي داود عليه السلام وحسب أمره إستقرّت شؤون السلطنة في بني إسرائيل ونال السلطنة بتنصيصه شاؤول أوّلاً وبعده داود ثانياً [كما نزل في القرآن الشريف في سورة البقرة]: "‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" إلى آخر الآيات النازلة في كيفيّة تأسيس الملك في بني إسرائيل وكان جميع هؤلاء الأنبياء الذين حُفظت أسفارهم في العهد القديم من سلالة هارون ومن هؤلاء الكهنة إلى أن وصلت الكهانة إلى زكريّا النبي والد يحيى في زمان عيسى عليهم السلام وقد جاء في إنجيل لوقا في ذكره: "وَكَانَ أيَّامَ هِيرُودُسَ مَلِكِ اليَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ إسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أبيَا وَامْرَأتُهُ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ وَإسْمُهُا ألْيَاصَبَاتْ. وَكَانَا كِلاهُمَا بِرَّيْن أمَامَ اللهِ سَالِكِينَ في جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأحْكَامِهِ بِلا لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ إذْ كَانَتْ ألْيَاصَبَاتُ عَاقِراً وَكَانَ كِلاهُمَا مُتَقَدِّمِيْنِ في أيَّامِهِمَا فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهُنُ في نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أمَامَ اللهِ حَسَبَ عَادَةِ الكَهَنُوتِ أصَابَتْهُ القَرْعَةُ أنْ يَدْخُلَ إلى هَيْكَلِ الرَّبِّ".

وقال صاحب (محيط المحيط) في بيان كلمة (مسيح): "المسيح أيضاً لقب الرّبّ يسوع وهو بالعبرانيّة مشيح وبالسريانيّة مشيحاً وباليونانيّة خريستس ومعناهنّ ممسوحٌ سُمّي به لأنّه مُسح من الله كاهناً ونبيّاً وملكاً". ولا يزال يسمّى منصب الإمامة والرئاسة الدينيّة في الأمّة النصرانيّة إلى يومنا هذا بإسم الكهنوت وهو منصب الحبر الأعظم الروماني وسائر كبار الأساقفة ويعتبرون أنفسهم في هذا المنصب ورثة عيسى عليه السلام. ويؤخذ من تاريخ هيرودتس اليوناني أنّ كلمة (كاهن) لقب عام لُقِّبَ به الأئمّة والرؤساء الروحانيّون في ذلك الزمان وكانت إحدى وظائفه غالباً حفظ التاريخ.

وخلاصة القول أنّه لا يخفى على من له إطّلاع بفلسفة اللغة وكيفيّة الإشتقاقات اللغويّة أنّ كلمة (كاهن) في الأصل من اللغة الساميّة التي إشتقّت منها اللغات العبريّة والسريانيّة والعربيّة والكلدانيّة وهي تطابق تماماً في معناها كلمة (إمام) في العربيّة. وكما أنّ كلمة (إمام) أُطلقت في الإسلام أوّلاً على الأنبياء عليهم السلام وثانياً على الخلفاء ثم أُطلقت تدريجيّاً على رؤساء المذاهب وأئمّة الفقه ثم إنحطّت شيئاً فشيئاً إلى أن صارت تُطلق على كبار العلماء في كلّ فنّ أمثال الإمام فخر الدين الرازي وإمام الحرمين الجوني والإمام الغزالي وفي الأيّام الأخيرة صارت تُطلق على أئمّة الجمعة والجماعات، فكذلك كانت تُطلق كلمة (كاهن) أوّلاً على الأنبياء وثانياً على الرؤساء الروحانيّين وكبار المتألّهين والرجال الإلهيّين والمتبحّرين من أهل العلم والأدب حتى صار كلّ فقيه والرئيس الديني في كلّ قرية أو كلّ خادم في كنيسة ومعبد يُلقّب بهذا اللقب. وفي أواخر أيّام كلّ ملّة عندما تطلع شمس الحقيقة وتتجدّد الشرائع يقوم هؤلاء الرؤساء الذين بيدهم زمام الناس على الإعراض عن أمر الله والإعتراض على مظهر أمر الله ويكونون سبباً في أعراض الخلق وإعتراضهم. وهم على الأغلب يخدعون العوام الذين لا نصيب لهم من العلم والمعرفة ويصلون إلى مناصب دينيّة عن طريق التقرّب إلى الحكّام وأولي السلطة. لذا فقد إنحطّ إسم (كاهن) في ظهور الإسلام من مراتب عزّته ومجده إلى دركات الهوان والذلّة وصار يوصف هذا الإسم على لسان أئمّة الدين الإسلامي وفي مؤلّفاتهم بأحطّ الأسماء. ولو يعلم المغرورون بمناصبهم الدينيّة أنّ سنّة الله التي لا تغيّرها أوهام المبطلين وأحلام المرتابين سوف تُرجع هذه الأسماء العالية الحاضرة وهذه الهياكل المنصوبة والأصنام المنحوتة الإسلاميّة عطفاً على السابقين إلى الفناء وتلحقهم بالهالكين فإنّهم لا شكّ يسكتون عن ذكر السابقين وينتبهون قليلاً إلى مآلهم شديد الإضطراب والإهتزاز ولكن "أنّى لَهُمُ الذِّكْرَى" .

فيُفهم مما ذكر أنّ جناب الشيخ ظنّ أنّ كلمة (كاهن) تعني الإخبار بالإمور الآتية عن طريق الحدس والتخمين والإعتماد على هذا الظن أيضاً عطفاً على سائر شبهاته الناشئة عن عدم علمه وعدم إطّلاعه بمعنى الكاهن وبمقام الكهنة لأنّه كان بين هؤلاء القوم كما صرّح بذلك أمير المؤمنين عليه السلام أشخاص يهدون الخلق في حالك ظلمات الوثنيّة إلى نور الهداية الوحدانيّة وخاصّةً مثل تلك النفس المقدّسة التي بشّرت بظهور خليل الرحمن عليه السلام والذي كان قلبه منوّراً هو وأمثاله بمثل هذه الأخبار السماويّة.

(الوجه الثالث) إنّ ما كتبه جناب الشيخ: "لماذا يجب أن يرى هذا النجم أهل إيران وحدهم؟ وهل أنّ العالم ينحصر بإيران وحدها؟" إنّما هو شبهة ترجع على الإنجيل المقدّس وعلى أائمّة الإسلام لأنّ فلاسفة اليونان ومصر وممالك أوروبّا التي كانت تُسمّى حينذاك بإسم روميّة كانوا في زمان الظهور أي زمان ميلاد حضرة عيسى عليه السلام وكانت لهم منتهى الشهرة في المعلومات الفلكيّة وعلم الهيئة بحيث أنّ فلاسفة أوروبّا في الوقت الحاضر يعترفون بفضلهم ويغترفون من رشحات معارفهم. وكما يقول جناب الشيخ لماذا يجب أن لا يروا نجم عيسى عليه السلام ويراه مجوس إيران وحدهم؟ وهل كان العالم في ذلك الوقت مقصوراً على إيران؟ أو كانت مدارك الإيرانيّين أكبر من فلاسفة اليونان؟ أو كان تعمّقهم أكثر؟ وكذلك الأمر في ميلاد رسول الله عليه السلام لماذا يجب أن لا يرى نجم خاتم النبيين جميع الرواقيّين في مصر والمشّائين في اليونان والفلاسفة في روما ويراه رجل يهوديّ لا إسمه مع الأسف مذكور عند اليهود ولا مسطور في كتب المسلمين أنفسهم؟ وهل كان العالم في ذلك الوقت مقصوراً على المدينة المنوّرة أو كانت أشعّة مدارك اليهود أشدّ إختراقاً للأجواء الفلكيّة من فلاسفة مصر وروما؟ ولكنّ الحقّ يقتضي أن نُعفي جناب الشيخ من الإجابة ونتأمّل ونتدبّر في المعاني المكنونة في الآية الكريمة: "‏سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا" .

وإني أرجو الآن من أهل البصيرة أن يمعنوا النظر قليلاً في معنى الآية المباركة لأنّها آية قرآنيّة ووعد محتوم من ربّكم الديان وقد صرّح الحقّ جلّ جلاله في هذه الآية الشريفة بأنّ المتكبّرين في الأرض سوف يُعرضون عن جميع الآيات الإلهيّة وسوف يرجّحون سبيل الغيّ والضلال على سبيل الرشد والهدى وفي هذه الحال لا أدري هل أنّ الأشخاص الذين يعرضون عن الكتاب الإلهي لأنّه لم ينـزل حسب أذواقهم السقيمة والذين يشيحون بوجوههم عن نصوص رسول الله وبشارات أئمّة الهدى لأنّها تخالف أهواءهم وآراءهم والذين يعتبرون العلامات الفلكيّة باطلة لأنّ المنجّمين قد أخبروا بها والذين يعتبرون نداء الداعي إلى الله غير واجب سماعه لأنّ فلاسفة أوروبّا اشاحوا بوجوهم عنه والذين يجلسون في بيوتهم ينتظرون أن يأتي قائم آل محمّد إليهم ويتشرّف بحضورهم والذين لا يبحثون عن الألواح المقدّسة لأنّهم يرون أنّ مناظرهم مجبور على إرسالها لهم والذين يعتبرون إكتساب المدنيّة أقدم من تكميل الدين ويرون الآلات الحربيّة ألزم من تهذيب الأخلاق والنفوس وأنّ القتل بالمدافع والرشاشات أسهل من السهام والسيوف – لا أدري هل هؤلاء هم المتكبّرون الذين أخبر بظهورهم تعالى؟ أم يجب أن ننتظر حتى يظهر من الفقهاء تكبّر وتجبّر أكثر ويكون إعراضهم عن الآيات وإتّباعهم للشهوات أوضح وأظهر؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.

8. في بيان بشارات النورين النيّرين الشيخ الإحسائي والسيّد الرشتي سلام الله عليهما عن قرب ظهور الموعود:

فلمّا إتّضحت هذه المسألة وعُرف أنّ إنتقاد وشكوك جناب الشيخ حول طلوع النجم في ميلاد الأنبياء ومظاهر أمر الله كان في الحقيقة إنتقاداً وتكذيباً للأنبياء والأولياء والأئمّة السابقين، نشرع الآن في النظر في السؤال الذي سأله جناب الشيخ عن بشارات النورين النيّرين الشيخ الأجلّ أحمد الإحسائي والسيّد الأمجد كاظم الرشتي قدس الله تربتهما، وقد قال جناب الشيخ: "وكذلك أرجو بيان عبارات الشيخ أحمد والسيّد كاظم رحمهما الله التي دوّنوها في مؤلّفاتهم الشهيرة". وقد أجابه جناب مناظره حول هذه المسألة قائلاً: "الجواب الأول: هو أنّ حضرة الشيخ أحمد في جواب سؤال السيّد كاظم قدّس الله تربتهما عن مآل الأمر الإلهي قال: "لا بدّ لهذا الأمر من مقرّ "وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرّ" ولا يجوز الإفصاح بالتعيين "وَلَتَعْلَمَنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينْ" وهذه إشارة إلى الآية الكريمة "إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينْ" ومعروف لدى أولي العلم أنّ مقصود الشيخ أحمد من كلمة "ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينْ" هو حضرة الأعلى روح ما سواه فداه ومقصوده من كلمة "بَعْدَ حِينْ" هو ظهور هذا الأمر الأعظم في سنة (1269) هجريّة. والجواب الثاني: هو أنّ حضرة السيّد كاظم كان يذكر مراراً موضوع الفراق ويخبر بقرب زمان وفاته وإنقضاء أيّام حياته وقد أظهر بعض أحبّائه حزنهم من هذا الخبر المحزن فأجابهم حضرته: "ألا تريدون أن أذهب ويظهر صاحبكم الحقيقي؟" وقال بأصرح بيان لأحبّائه الصادقين وأصحابه المخلصين: "لا تستقرّوا بعدي بل إبحثوا طلباً عن معدن العلم الإلهي لأنّه موجودٌ ولا بدّ أنّه سيظهر". ولهذا لم تستقرّ النفوس الموقنة المقدّسة بعد وفاة حضرة السيّد كاظم قدّس الله تربته الشريفة بل ساروا في الأرض حتى فازوا بمقصودهم ونالوا قصب السبق وشاهدوا الآيات الإلهيّة بأمّ أعينهم وصدّقوا" إلى آخر كلام المناظر.

ويظهر من عبارات جناب المناظر أنّه كان رجلاً بسيط القلب صافي الضمير وتصوّر أنّ جناب الشيخ صافي الضمير وسالم النيّة أيضاً وظنّ واهماً أنّ مقصوده التحقيق العلمي والمجاهدة الدينيّة وأنّه متتبّع لأحاديث أهل البيت ومتضلّع في تفسير غوامض آيات القرآن المجيد بحيث يدرك المقصود بمجرّد الكلام ومن دون ذكر الشواهد والقرائن ويعتمد على مجرّد الرواية الشفهيّة في أنّ حضرة السيّد كاظم تفضّل بكذا وكذا وغفل جناب المناظر عن أنّ جناب شيخ الأسلام من أهل المجادلة لا المجاملة وأنّ مقصوده كتابة هجر القول والهذيان لا إتيان الدليل والبرهان ولهذا فقد إغتنم فرصة إجمال كلام حضرة الشيخ أحمد الإحسائي قدّس الله تربته وبعد أن فسّر الآية الكريمة: "وَلَتَعْلَمَنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينْ" خلافاً لما أراد الله شرّع جرياً على عادته السابقة ببذئ القول وبإلقاء الكلام على عواهنه. وحيث أنّ المقصود بتأليف هذا الكتاب هو تكميل طرق الإستدلال لا الإتيان بمثل هذيان أهل المراء والجدال لهذا نختتم هذا البحث بذكر بيان من البيانات المباركة لحضرة السيّد أفاض الله على تربته وابل الرحمة حتى ينتبه الذين لم تذهب بأبصارهم الأغراض إلى مقصود الإيقان الشريف ويطّلعوا على كيفيّة بشارات النورين النيّرين بهذا الظهور الأعظم. إنّ السيّد الأجلّ عليه أفضل الثناء وأطيب التحيّة والبهاء في كتاب شرح القصيدة في طيّ شرحه قول الناظم:

(بِضَجِيجِ حَضْرَتِكَ الْجَوَادُ مُحَمّدٍ وَحَفِيدِهِ وَهُوَ الإمَامُ الأفْضَلُ)

قال: "إنّ له صلّى الله عليه وآله وسلّم إسمان: إسم في الأرض وهو محمّد وإسم في السماء وهو أحمد. الإسم هو الظهور. يعني: له ظهوران: ظهور في العوالم الظاهريّة ممّا يتعلّق بظواهر الأبدان من أحكامها وأفعالها وصفاتها وكينوناتها ومظهر هذا الظهور وموقع هذا النور المسمّى بمحمّد. وله ظهور في العوالم الباطنيّة والأسرار الغيبيّة ومظهر ذلك الإسم هو المسمّى بأحمد.

ولمّا كان الخلق في القوس الصعودي وكلّما قرب من هذا القوس كان غليظاً وكثيفاً وكلّما بعد وقرب إلى المبدأ كان رقيقاً لطيفاً. ومن عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في رأس كلّ مائة سنة كان يظهر من يروّج الأحكام المناسبة لذلك المقام. ولمّا كان مبدأ القوس كانت التربية لظهور الأحكام بالظواهر والمروّج في كلّ مائة سنة كان يروّج الشريعة على مقتضى ظواهر الرعيّة. ولمّا كان البدن الظاهري له مقامان مقام يتعلّق بالإختلاف وعروض الأحوال وتغيّر الموضوعات ومقام لا يقتضي ذلك ولمّا كان كلّ مقام إنما يَكملُ في ستّة أطوارٍ كما بيّناها سابقاً كانت الأحكام الظاهريّة التي هي مقتضى ظهور إسم محمّد إنما يتمّ في إثني عشر مائةٍ في كلّ مائةِ مَنْ يروّج الأحكام ويعيّن الحلال والحرام ويظهر ما كان مخفيّاً ويفصّل ما كان مجملاً في المائة السابعة ويبيّن ما كان مبهماً فيها. وبالجملة فذلك العالِم الكامل والفاضل يروي غصن الشريعة ويخضرّ عودها إلى أن بلغ الكتاب أجله وتمّ إتمام المائة الثانية عشر وإذاً في هذا الوقت ظهر بعض الكاملين وأظهر بعض البواطن للبالغين الواصلين ممّا كان مخفيّاً وتلك المطالب كانت مطويّة كما فعله الشيخ الأكبر وجعل حقائق المطالب مستورة وخزنها تحت الألفاظ والعبارات وأودع تلك الدرر المكنونة في أصداف الإشارات حتى يكون عوناً لمن يروّجها وذخيرة لمن يبرزها ويتقوّى بها. فلمّا تمّت المائة الثانية عشر وتمّت الدورة الأولى المتعلّقة بالظواهر لشمس النبوّة والإثنتا عشرة دورةً لقمر الولاية من حيث التبعيّة فتمّت الدورة وتمّت مقتضياتها. والكرّة الثانية والدورة الأخرى لبيان أحكام ظهور البواطن والأسرار المخفيّات والمخبيّات تحت الحجب والأستار. وعبارةٌ أخرى الدورة الأولى لشمس النبوّة كانت لتربية الأبدان والأرواح المتعلّقة بها: مثالة الجنين في بطن الأمّ. والكرّة الثانية لتربية الأرواح القادسة والنفوس المجرّدة الغير المرتبطة بالأجسام: مثالة تربية الأرواح بالتكليف في هذه الدنيا.

فلمّا تمّت الدورة الأولى لشمس النبوّة التي هي متعلّقة بتربية الظواهر التي هي مقتضى ظهور إسم محمّد أتت الدورة الثانية لشمس النبوّة لتربية البواطن. والظواهر في هذه الدورة تابعة كما أنّ الدورة الأولى لتربية الظواهر والبواطن كانت تابعة. فكانت هذه الدورة الثانية فيها إسم رسول الله الذي في السماء وهو أحمد. فكان المروّج والرئيس في رأس هذه المائة الأخيرة المسمّى بأحمد (أي الشيخ أحمد) ولا بدّ أن يكون من أعذب أرضٍ وأحسن هواءٍ" إلى آخر كلامه قدّس الله تربته وأعلى الله مقامه في حظائر القدس وكرّم الله وجهه بلقائه في محافل الأنس.

وهذه النغمة الملكوتيّة على رغم أنف كلّ جاحد مكابر هي نفحة من الجنّة ونسيم رحمةٍ يمنح قلوب أهل الإستعداد فرحاً ونشاطاً. ويقصد حضرة السيّد كاظم قدّس الله روحه بكلمة "ظهور البواطن والأسرار المخفيّات" ظهور بواطن آيات القرآن وسائر الكتب السماويّة التي على كشفها لهذه المعاني وإظهارها لهذه المفاهيم يتوقّف ترقّي عقول البشر وتقدّم النوع الإنساني وبروز وظهور نتائج ذلك في عالم الظاهر وبحكم الآية الكريمة: "هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ تَأوِيلُهُ يَوْمَ يَأتي تَأوِيلُهُ يَقولُ الّذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ" والآية الكريمة: "بَلْ كذَّبوا بِما لَمْ يُحيطوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأتِهِمْ تَأويلُهُ" يتوقّف ظهور ذلك على ظهور قائم آل محمّد وقيام روح الله جلّ ذكرهما وعزّ إسمهما كما سبق لنا أن شرحنا ذلك بكلّ تفصيل.

فالآن أرجو من أهل العدل والإنصاف أن يتامّلوا قليلاً بكلّ دقّة وإمعان في هذه البيانات العالية التي تشهد وحدها على سموّ مقام قائلها ليروا كيف أنّ حضرة السيّد كاظم أخبر بإنقضاء أجل الشريعة النبويّة وإنتهاء الدورة الإسلاميّة بعد إنتهاء القرن الثاني عشر من القرون الهجريّة وكيف أنّه قرّر القرن الثالث عشر الهجري ميعاداً لظهور حضرة الموعود وهذا ما ينطبق تماماً على البشارات القرآنيّة والاحاديث الصحيحة عن رسول الله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام كما شرحنا ذلك في المبحث الأوّل.

ولكنّ ما يضحك منه المرء "وشرّ البلية ما يُضْحِكُ" أنّ جناب الشيخ لمّا علم من بيانات حضرة المناظر أنّ بشارات حضرة الشيخ الأكبر والسيّد الأجلّ أنار الله برهانهما غير قابلة للإنكار تمسّك بحبل آخر وزاد في نغمات الإعتراض نغمة أخرى وهي أنّه كتب في رسالته الثانية: "أنّ رتبة المبشّر الشريفة هي رتبة تختصّ بالأنبياء العظام والأولياء الكرام" ويعني أنّ النورين النيّرين لم يبلغا رتبة النبوّة ولم يصلا درجة الأولياء ولهذا فإنّهما ليسا أهلاً لرتبة المبشريّة ويجب أن يكون المبشّر نبيّاً أو وليّاً كما يجب عليهما لبلوغ هذه المرتبة أن يأذن على ذلك أيضاً جناب شيخ الإسلام وإلاّ فإنّ الرتبة تسقط من مقام الإعتبار وقد غفل عن أنّ حقيقة الأنبياء والأولياء لو تتعلّق على قبول الفقهاء فإنّه لن تثبت في العالم نبوّة أيّ نبي وجلالة قدره أبداً لأنّه لم يشرق أبداً نيّر في وسط سماء النبوّة ولم تطلع رسالةٌ إلاّ وكان سحاب معارضة الفقهاء أوّل حائل دون أنوارها ولم يطلع بدر من أفق العهد والولاية المنير إلاّ وحجَبَ ضياءه دخان حسد أهل اللجاج وعنادهم كما نزل في السفر الكريم: "فَارْتقِبْ يَوْمَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ ألِيمْ" . وفي الحقيقة يجب أن لا يتوقّع العاقل إعترافاً من أمثال جناب الشيخ بفضل النورين النيّرين قدّس الله تربتهما لأنّ الذي ينكر ظهور مظاهر أمر الله فمن الأولى والأسهل عليه أن ينكر ظهور المبشّرين. وواضح أنّ اليهود لم ينكروا أمر حضرة المسيح فحسب بل أنكروا كذلك أمر حضرة يحيى عليه السلام المبشّر بظهور حضرته [ولكن ما أضرّوا إلاّ بنفوسهم وما إنقضت صواعق التتريب من غمام التكذيب إلاّ على رؤوسهم. فلا فضائل يحيى أُخفيت بإنكارهم ولا آثار عيسى إندرست بتكذيبهم. فلنودّعنّ هذا المبحث بتلاوة الذكر الحكيم ليزيد المؤمن سروراً وحبوراً] "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْجِنِّ وَالأنْسِ يُوحِي بَعْضُهُمِ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً" .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى