منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 13

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 13 في 2010-11-03, 20:21

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل

. الجواب على شبهة جناب الشيخ السالفة:

لا يخفى على أولي الالباب أنّنا برهنا في المباحث السابقة ببراهين واضحة وأدلّة جليّة أنّ ظهور القائم الموعود هو ظهور شارعيّة كلّي وتجلّي ربوبيّة خاصّ بحيث أنّ بظهوره المبارك تنطوي سموات الأديان العتيقة وترتفع السماء للدين البديع لا كما ظنّ أطفال هذا الزمان وجهّال هذا العهد والمفتونون بالأوهام والمغرورون بأضغاث الأحلام بأنّ الظهور المبارك هو ظهور نيابة وقيام حضرته قيام وصاية ولهذا فقد أغنتنا تلك البراهين الواضحة والأدلّة الجليلة عن إبطال أوهام شيخ الإسلام هنا مرّة ثانية أو إيضاح سخافة رأيه أو الكشف عن وهن ظنونه ولكن حيث أنّ جناب الشيخ ظنّ أنّه وجد دليلاً محكماً على عدم لزوم تجدّد الشرائع وأظهر منتهى البطولة والبسالة في هذه المبارزة وتمسّك بعبارة كتاب الإيقان الشريف على كمال القرآن الكريم ومخافة أن ينسى ذلك المستمعون أوصاهم أن يسجّلوا هذه النقطة لديهم حتّى لا ينسوها. ولهذا نعرض في خدمة أولي البصائر تكميلاً للحجّة وتتميماً للبيّنة ودحضاً لشبهاته وإيضاحاً لهفواته بأنّ عبارة الشيخ تتضمّن بوضوح عدّة مواضيع في منتهى الغرابة: (أوّلها) إنّ جناب الشيخ ليس له خبر من الكتب السماويّة عن ميقات تجديد الشرائع الإلهيّة فحسْب بل أنّه لم يقرأ أيضاً القرآن الشريف الذي يفتخر بإسمه ولم يفهم آيات هذا الكتاب المجيد التي منها يحصل على معيشته [أنظروا سورة الأعراف المباركة التي تشهد بكمال الشريعة الموسويّة وبتعظيم التوراة المقدّسة قوله تعالى: "قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينْ. وَكَتَبْنَا لَهُ في الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْئٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْئٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَأخُذُوا بِأحْسَنِهَا. سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينْ" وكذلك تفضّل في سورة الأنعام المباركة: "ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الذِي أحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْئٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونْ" لاحظوا أنّ هذه الآيات الكريمة تنادي بأعلى النداء بنداءٍ بلغ إلى عنان السماء ولكن ما بلغ إلى الآذان الصمّاء والأسماع الموقرة بخرافات أهل الشقاء أنّه قد نزل في التوراة المقدّسة كلّ ما يلزم للهداية والسعادة وفُصّلت جميع وسائل النجاح والفلاح وسُطرت جميع الشريعة الإلهيّة فيها وفُصّل كلّ شيئ فيها تفصيلاً. فإذا كنّا بناءً على إعتراف كتاب الإيقان الشريف بأنّ جميع لوازم النجاح والفلاح مذكورة في القرآن المجيد ولا نحتاج إلى الشريعة البهائيّة فكذلك يجب أن لا نحتاج إلى الشريعة الإسلاميّة بسبب إعتراف القرآن بأنّ التوراة جامعة لجميع وسائل الهداية والسعادة إتّباعاً للقانون العقليّ المعروف بأنّ الترجيح من دون وجود المرجّح أمر قبيح وإرسالاً للمثل المشهور: "إنّ إجتماع الشتاء والصيف على سطح واحد غير صحيح" ولهذا بناءً على هذا الأساس الذي وضعه جناب الشيخ بكلّ تعقّل ورشاد يجب على أتباعه أن يتركوا الشريعة الإسلاميّة ويلتمسوا سبيل النجاة من الديانة اليهوديّة رجوعاً إلى القهقرى كما يحتجّ علماء اليهود على المسلمين إلى يومنا هذا [بما إحتجّ به جناب شيخ الإسلام على أهل البهاء] ويقولون إنّ التوراة وفقاً لإعتراف القرآن لم تترك شيئاً لم تذكره حتّى نحتاج إلى القرآن ولم يقصّر موسى عليه السلام في تبليغ أمر الله تقصيراً حتّى يأتي محمّد لتكميله. والعيب هنا هو أنّ المكابرين بسبب شدّة وقر آذانهم لا يسمعون غير أصواتهم أنفسهم وبسبب شدّة ضعف مداركهم وإفهامهم لا يفرّقون حُسن الكلام وقبحه. (ثانياً) إنّ جناب الشيخ لم ينتبه إلى [أنّ إختلاف الأحكام في الكتب والأديان يتمّ تبعاً لتغيّر مقتضيات الزمان في جميع العصور والأعصار لا إلى أنّ الله جلّ جلاله والعياذ بالله قد فرّط في كتاب التكوين والتدوين ونزّل مثلاً في القديم كتاباً ناقصاً وشرّع شريعةً غير كافية ثمّ أكملها في الظهور التالي إذ أنّ العدالة الإلهيّة وصريح الآية الكريمة: "مَا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيْئٍ" تستلزم أن لا يفرّط الحقّ جلّ جلاله في كتاب الخلقة ولا يختصّ قوماً بشريعة كاملة وآخرين بشريعة ناقصة ولم ينـزل تعالى إلاّ كتاباً كاملاً وشريعة وافية لأنّ مثل الخلقة لدى أرباب البصائر كمثل خلق إنسان فكما أنّ الشرائع والقوانين الطبيعيّة تختلف بإختلاف سنّ الطفولة والشباب وسنّ الشيخوخة والإنحطاط فكذلك الشرائع الادبيّة تتغيّر وتتجدّد بالنسبة لتقدّم العالم وإختلاف أحوال الأمم، فمثلاً لو يُشغِل المعلّم في المدارس الإبتدائية التلاميذَ والصبيانَ ساعة بالألعاب الرياضيّة ويردع المدرّس في الكليّات طلاّبه عن الحركات الصبيانيّة ويأمرهم بآداب فوق عالم الطفولة فلا يمكن القول بأنّ المعلّم الأوّل قد قصّر في حقّ تلاميذه أو كانت شريعة التدريس ناقصة لديه لأنّ هذه الإختلافات تقع بسبب إختلاف المقتضيات ولا ترجع إلى كمال أو نقص القوانين والتشريعات. وهذا يصحّ في الشرائع والآداب البشريّة التي يجوز أن يقع شارعها في الأخطاء فكيف بالشرائع الدينيّة التي يكون فيها الشارع معصوماً ويكون واحداً في جميعها. إذاً فلو أمَرَ موسى عليه السلام بحفظ السبت وخَرَقَ عيسى عليه السلام ذلك الأمر أو تحليل خاتم النبيين الجهاد وتحريم الجمال الأقدس الأبهى الحربَ والقتالَ فليس ذلك والعياذ بالله من نقص الأوّل وكمال الثاني أو من قسوة الأوّل ورأفة التالي بل إنّ ذلك تمّ في جميع الأحيان وفقاً لتغيّر مقتضيات الزمان ومستلزمات حفظ الهيئة الإجتماعيّة. وبناء على هذه المقدّمة فإنّ عقيدتنا أهل البهاء هي إنّ جميع الشرائع الإلهيّة شُرّعت كاملة وإنّ جميع الكتب السماويّة نُزّلت جامعة وكان تغيير الشرائع يجري وفقاً لتغيّر المقتضيات: "آمَنَّا بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" (ثالثها) إنّ ما كتبه جناب الشيخ: "أيّة قوانين لا نملكما؟" فإنّ هذا لا يدلّ فقط على غفلته عن آيات القرآن المجيد وعدم إطّلاعه على إنذارات خاتم النبيّين وأئمّة الهدى بحكم الحديث المتّفق عليه: "سَيَأتِي زَمَانٌ عَلَى أمَّتِي لا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إلاّ رَسْمُهُ وَلا مِنَ الإسْلامِ إلاّ إسْمُهُ يُسَمَّوْنَ بِهِ وَهُمْ أبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ. مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدى. فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ أشَرُّ الفُقَهَاءِ تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَرَجَتِ الفِتْنَةُ وَإلَيْهِمْ تَعُودُ" وكثير غيره من الأخبار التي تخبر بعدم بقاء دين أو قانون بينهم غير الإسم الذي يُسَرّون به ويفرحون بأنّنا مسلمون وأنّنا أمّة خاتم النبيّين بل يدلّ أيضاً على أنّ جناب الشيخ كما يُفهم من عبارته غير مطّلع في الأمور الحاضرة ولا يفهم سوء حال الأمّة المسكينة وإضمحلالها وقُرب زوالها. ويجب أن نسأل جناب الشيخ ماذا بقي من الآداب الحسنة لديكم؟ وهل إنّ الأركان الأوّليّة في الدين لا تزال قويمة؟ وهل إنّ مجالس القضاء وحفظ الحقوق لا تزال فيكم سليمة؟ وهل لا تزال باب هدى الخلق مفتوحة عليكم؟ وهل لديكم سعادة علوّ الكلمة ونفوذ القول؟ فلا يرى أحدكم قواعد لتعميم المعارف ولا قانون لتسوية الحقوق. فلا أمور الزواج لديكم محترمة ولا الحقوق المتبادلة بين الأزواج والزوجات منتظمة ولا منـزلة الملوك والأمراء محترمة لديكم ولا حظّ للفقير والصعلوك من رئاستكم. لا الأجنبي لديكم مطمئنّ من خوف رِدّة الأمر عنه وبراءتها منه ولا الفرد فيها مرعيّ الجانب محفوظ الحقوق. وخلاصة القول كما عرضنا سابقاً لم يبق من الملّة البيضاء والشريعة الغراء غير آثار مدروسة وأعلام منكوسة وأسلاب منهوبة وقوانين معيوبة وخرافات كثيرة وآمال بعيدة وإذا لم تصدّق بقولنا فارجع إلى كتاب الله وأحاديث أئمّة الهدى لترى بأمّ عينك أنّ ما عرضه هذا العبد ويعرضه مسطورٌ فيها بأجلى عبارة ومذكورة فيها جميع أحوال الأمّة المرحومة وشقاء عاقبة الأمّة المسكينة بأبلغ بيان ولم يتفضّلوا في بيان علاج ذلك إلاّ بظهور القائم الموعود ولم يبيّنوا ملجأ للفرار من الشدائد التي تنتظرها إلاّ الشريعة المقدّسة. نعم إنّ الله جلّ جلاله لو يستشير أمثال هذا العبد وجناب الشيخ عندما يريد تشريع شريعة جديدة فإنّ ذلك يكون أمراً طيّباً ولا شكّ أنّنا لن نرضى بتغيير شريعتنا القديمة ولا ندع ديننا الذي نفتخر به إسماً لا فعلاً يفلت من أيدينا ولمنعناه بأيّة وسيلة كانت من تشريع دين جديد ونسخ دين قديم، ولكن ويا للأسف إنّه جلّت عظمته وجلّت قدرته لا يستشيرنا في مثل هذه الأمور ولا يعتني بميولنا الفارغة وأحلامنا الكاذبة التي رتّبناها بإسم الضروريّات الدينيّة ولا يمنع تهديدنا ووعيدنا مظاهر أمر الله عن تشريع الشرع الجديد.

(وَمَا كُلُّ مَا يَتَمَنّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهِي السُّفُنُ)

ولا شكّ أنّك أدركت من آيات القرآن وأحاديث الرسول وأخبار أهل بيته الطاهرين أنّ الإرادة القاهرة الإلهيّة جرت على خِلاف أحلام قصّار النظر الصبيانيّة وآمالهم الوهميّة وهي أن يَظهر الوجود المبارك لقائم آل محمّد بكتابٍ جديد وشرع جديد وقضاء سماويّ وآيات إلهيّة ويبطل العقائد القديمة العتيقة ويزيل العادات البالية الفاسدة "قُضِيَ الأمْرُ وَجَفَّ القَلَمُ" وبقول الشاعر الفارسي (ما ترجمته) "ما دامت الأذُنُ أُذنك وما دامت الصرخة صرختنا فلن يصل صراخنا إلى أيّ مكان". نعم إنّ جناب الشيخ وفقاً للمثل المشهور "ما دامت الجذور في الماء فلا يزال هناك أمل" قد تنبّأ في رسالته الثانية وتحدّث بأمور غيبيّة آتية وبشّر أعوانه بأنّ أمر البابيّة سوف ينقرض وسوف تنطفئ هذه النار المشتعلة ولكنّه ربط ذلك الأمل البعيد بحبلٍ طويل بأن يفتح أعوانه مدارس ويبذلوا الجهد في نشر العلوم حتّى تنفتح عيون الناس وآذانهم ولا يقعوا في حبال البابيّة ولا يخرجوا عن سواء السبيل وليس لدينا جواب عليه في هذه الحال إلاّ أن نعرض في خدمته: "مرحىً مرحىً لعقلك بعيد النظر هذا ومرحىً مرحىً لنظريّتك القصيرة "قُلْ فَانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينْ" ولكنّ جناب الشيخ يجب أن ينتبه قليلاً إلى أنّ تعميم المعارف لو كان يهدم أبنية فإنّه أوّل ما يهدم الأبنية القديمة المتداعية لا الأبنية الجديدة القوّية، فمثلاً لو جرى سيل علم الجغرافية فإنّه يهدم أولاً مدينة جابلقا وجابرصا. ولو أشرقت شمس العلوم الفلكيّة فإنّها تُزيل ظلمة إمكانيّة الصعود إلى السماء أو النـزول منها ولو إتّسعت رقعة العلوم الطبيعيّة فإنّها تُظهر بطلان بناء عقيدة الرجعة الخاصّة الكبرى التي يعتقد بها العوام. ولو إنتشرت العلوم الأدبيّة فإنّها تطمر الإعتماد على قواعد ألف أو ألفي سنة سابقة، ولو فاحت نفحات المعارف الدينيّة المعقولة فإنّها تزيل نتانة العقائد غير المعقولة في العبادات. وحمداً لله الذي ما جعل أساس أمره الأعظم مبنيّاً على رمال الأوهام حتّى نخاف من جريان سيول المعارف ولم تكن مسيرة أهل البهاء في ظلمة العقائد الواهية التعبّديّة حتّى يزلزلها إشراق شمس الفهم والدراية. والعجب إنّ أفاضل أوروبّا يعتبرون الأمّة البابيّة الأمّة الوحيدة بين الملل الشرقية التي تسعى في تعميم المعارف بينما يبشّر جناب الشيخ أعوانه بزوال البابيّة عن طريق تعميم المعارف [سبحان من قسّم العقول والأحلام وفرّق بين المدارك والأفهام].

3. في ذكر عبارات جناب الشيخ في ختام رسالته الأولى بقوله: "من الحيف في هذه الأيام أن ينصرف المرء عن منافع المدنيّة وينشغل بما لا يسمن ولا يغني:

وكذلك كتب جناب الشيخ في ختام رسالته الأولى: "وفي الواقع إنّ ما ينافي الإنصاف أن نشغل أذهاننا وأفكارنا بهذا النوع من الخيالات والشبهات في هذا العصر عصر المدنيّة وإنتشار المعارف الدينيّة والدنيويّة والترقّيات الفنيّة التي بواسطتها كم من إكتشافات وإختراعات ظهرت في العالم فخدمت ثروة النوع البشري ورفاهيته وقوّت أممه ووسّعت دائرة الصناعة والتجارة ونحرم أنفسنا بهذه الواسطة من تحصيل الفنون والعلوم التي أوصلت البحار ببعضها وفصلت بين الأراضي وفتحت في الجبال العالية طرقاً وأذابت الحديد والفولاذ ذوبان الدهون وجعلت المخابرات والمواصلات التي كانت سابقاً تتمّ بشقّ الأنفس خلال بضعة أشهر وبضعة أسابيع فجعلتها تتمّ في ظرف يوم وساعة ودقيقة بطريقة أسهل وأسرع وبهذه الطريقة نكون منكوبين تنهبنا سائر الأمم المتمدّنة، وإنّ الذي يعرض عن تفهيم الناس ويغمض عن تعليمهم ما يحتاجون إليه إنّما هو عدوّ الدين والشعب فيبحث بما لا يغني ويسبّب تفرقة الأمّة وتجزءتها والسلام على من إتّبع الهدى (عبد السلام)".

4. الجواب على الشبهة السالفة وعلى شكوى جناب الشيخ من البابيّة في موضوع تأخّر المسلمين وبيان أنّ الشرائع الإلهيّة لا تخالف التمدّن وخاصّة الشريعة البهائيّة ثم بيان بعض مآثر الأديان الإلهيّة:

لو كانت وسائل إستطلاع الأحوال وإستعلام الأخبار صعبة في هذا القرن مثلما كانت في القرون الماضية ولو كانت أسباب تدهور الأمّة الإسلاميّة مجهولة ومخفيّة فإنّ كلّ من يطالع كلمات جناب الشيخ الأخيرة ويسمع نوحه وندبته على فقدان الإستقلال والمدنيّة ليظنّ بأنّ الطائفة البابيّة سلّمت مملكة القفقاس إلى أيدي الدولة الروسيّة وأنّها هي التي نكبت الشيخ المسكين والأمّة المسكينة وجعلتها نهباً للأمم المتمدّنة ظلماً وعدواناً، وأنّ إختلاف ألف ومائتي سنة بين المذاهب الإسلاميّة وإشتعال نار الحروب الداخلية والخارجية من نتائج ظهور البابيّة وأنّ الدماء المسفوكة بين المسلمين والنصارى وبين أهل التسنّن والتشيّع تقع مسؤوليتها في رقبة الأمّة البهائيّة. ولننسى الماضي فكأنّ الطائفة البابيّة هي التي منعت المسلمين اليوم من التمدّن والتقدّم وأعاقت جناب الشيخ عن تأسيس المدارس وإنشاء المجالس وتصنيف الكتب وكتابة الصحف وتعليم الأطفال وتهذيب الأخلاق. يا ليت يعرض إنسان بالنيابة عن هذا العبد في حضور جناب الشيخ عبد السلام بكلّ إحترام ويقول له: يا سيّدي الشيخ إن كان أسلافك قد تهاونوا في إكتساب المعارف والعلوم وإكتمال الصنائع والفنون فما ذنب البابيّة؟ وإذا حُرمت سلالة أجدادك من نعمة الإستقلال بسبب ظلم أولئك الأجداد للناس فما تقصير البهائيّة؟ فلقد جرت سنّة الله على أنّ كلّ أمّة تشغل بلذائذها الدنيويّة وتشيح بوجهها عن الفضائل العلميّة والدينيّة وتدوس بأقدام الظلم والإستبداد على حقوق العباد وتتّخذ إختلاف العقائد وسيلة لدسّ الدسائس والمفاسد فإنّ الحقّ جلّ جلاله يسلبها نعمة الإستقلال ويعرّيها عن رداء الفضيلة ويعطي حكومة أرضها إلى ملوك عادلين ورئاستها إلى أمراء فاضلين "إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ" يا سيّدي الشيخ! ممّ شكايتكم هذه؟ وممّن تنبعث نوحتكم المريرة وآهاتكم؟ أفهل أسّستم مدرسة وأغلقها البابيّون؟ ومتى أسّستم صناعة وأضاعتها هذه الطائفة؟ فطريق المدنيّة مفتوح وسبيل التقدّم عريض ويا ليتكم تعلّمتم فضيلة واحدة من هؤلاء المتمدّنين الذين تنشدون في مدحهم هذه القصائد والملحمات وهي أنّهم يمنحون حرّية العقيدة لكلّ الملل على السواء ويحترمون جميع الأديان ويصرفون وقتهم وهو الثمين لنشر العلوم وتعمير البلاد لا على نشر الفتنة والفساد بين الناس وتكفير العباد، ولو فهمتم هذه النكتة الوحيدة على الأقل لظهر منكم أيضاً أثر باهر حتّى لا يجد الخصم فيكم مجالاً للطعن ولا ينطبق عليكم المثل السائر: "مِثْلَ القَرْعَاءِ التي تَفْتَخِرُ بِشَعرِ جَارَتِهَا". وكأنّ جناب الشيخ المسكين يريد بشكايته من البابيّة أن يطهّر عِرضه من دنس القصور في العلم والمدنيّة أو يمنع الناس في البحث في الدين والإهتمام بأمره عن طريق السبّ واللعن الذي هو طريق كلّ جاهل عاجز وإلاّ فما مجال المغالطة بالإتيان بالمقدّمات المدنيّة والإكتشافات العلميّة والصناعيّة في معرض المناظرة الدينيّة؟ نعم إنّ التمدّن ولا شكّ ممدوح وبدونه لا تبقى الهيئة الإجتماعيّة سالمة ولا يتقدّم البشر في وسائل العيش ولكنّ جهلاء هذا العصر قد نسوا مآثر الدين وفضائله لأنّهم لم يقرؤا التاريخ ولم يعرفوا من الدين إلاّ أسمه ولا من القرآن إلاّ رسمه فأحوال الأمم الغابرة مسطورة في متون الصحف وكلّ ما محاه الحقّ جلّ جلاله من الأعمال الفضيحة والعادات القبيحة بواسطة الأديان أمر غير مستور. ولولا موهبة ظهور الأديان لبقيت أمم القفقاس وسكّان البحر الأسود تسمّى بأكّالة القماميل ولولا ظهور الشرائع الإلهيّة لبقي أهالي سوريّة أحفاد الفينيقيّين المتمدّنين إلى يومنا هذا يقدّمون أولادهم وهم أحياء قرابين للأوثان. ولولا موهبة ظهور الرسل لبقي المصريّون إلى يومنا هذا يعبدون العجل أبيس ويسجدون للتمساح الخسيس ولولا إشراق أشعّة الدين لبقي العرب إلى يومنا هذا يدفنون بناتهم أحياء ولبقت عفيفات اليونان يسلّمن أعراضهنّ المصونة للهتك في جزيرة قبرص في سبيل آلهة الجمال ولبقي الهنود يحرقون الأحياء مع الموتى سويّةً ولبقي الأوربيّون والفرس يلتمسون الفلاح والنجاح من عبادة النيران. وما ذكرناه قليل من كثير من نيران البوهيميّة التي إنطفأت بنـزول أمطار الديانة وأصلحت بفضل ظهور مظاهر أمر حضرة الأحديّة وقد أوكل الحقّ جلّ جلاله تحقيق ما يحتاج إليه العالم لتكميل النقائص وإصلاح المفاسد وإزالة القبائح ومحو الفضائح أكثر ممّا أصلح سابقاً إلى ظهور القائم وقيام روح الله النازل من السماء حتّى تتحقّق البشارة النبويّة: "يَزَعُ اللهُ بِهِ مَا لا يَزَغُ بِالقُرْآنِ" تحقّقاً كاملاً وتتنوّر جميع الآفاق بأنوار المدنيّة الحقيقيّة في ظلّ الكلمة الإلهيّة بحكم الآية الكريمة: "وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا" .

وواضح لدى أولي البصائر أنّ الديانة والمدنيّة الحقيقيّة كلاهما شيئ واحد لا فرق بينهما ولو إختلف الإسمان ولا تتحقّق السعادة والنجاح الأبديّ إلاّ بعد فهم تلك النكتة المعقولة لأنّ الدين عبارة عن قانون يكفل حفظ الهيئة الاجتماعيّة البشريّة وإنّ الخلافة والسلطنة هي القوّة التنفيذيّة لهذا القانون في أفراد الأمّة وإنّ رعاية هذين الجانبين وحفظهما يكفل حصول الحضارة الممدوحة ويوصل إلى المدنيّة المحمودة. ويُعرف عند فهم هذه النكتة أنّ جناب الشيخ لو كان يملك شعوراً لائقاً وإدراكاً فائقاً لَفَهِمَ أنّ أساس الحضارات والمدنيّات هو الشرائع الإلهيّة وأنّ سعادة الأمم وشقاءها منوط بإتّباع الكتب السماويّة أو عدم إتّباعها وأنّ جميع الشرائع من دون إستثناء مبنيّة على ركنين: العدل والاحسان، وهما أسّا المدنيّة العالميّة وأنّ جميع الأديان من دون تفاوت مبنيّة على المكافأة والمعاقبة وهما منبع سعادة الأمم وشقائها وخاصّة الشريعة المقدّسة البهائيّة التي جعلت تعلّم العلوم والمعارف فرضاً من فروضها الحتميّة وجعلت الإشتغال بالمهن والصنائع من الواجبات الدينيّة فيها حتّى لا يبقى ثمان وتسعون في المائة من أهل البهاء كالمسلمين أميّين ولا يتّسع باب البطالة وحتّى يشتغل كلّ فرد بعمل نافع وحرفة لائقة وحتّى تتحقّق الآية الكريمة: "لَكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ" وقد إعتبرت العالم وطناً واحداً والناس أوراق شجرة واحدة حتّى تزول نظرة الفرقة والتباعد وتتبدّل العداوات المكنونة في صدور الأحزاب إلى المحبّة والوداد. كما أوجبت إطاعة الملوك والأمراء وإحترام أرباب الفضل والعلماء حتّى يبقى مقام الأكابر مصوناً من تعرّض الأصاغر وتنسدّ أبواب الفساد بعد الإصلاح وقد فرّقت بين المعاملات والعبادات حتّى يسهل تطبيق القوانين القضائيّة وفقاً لمقتضى الأوقات وحتّى يستقرّ حفظ الهيئة الإجتماعيّة بالقوانين التشريعيّة على أساس مكين وقد سَدّت باب تأويل الكتاب ومنعت الإعتماد على الأحاديث والأخبار الشفهيّة حتّى ينسدّ باب الأدلّة الظنيّة والإعتماد على الآراء الإجتهاديّة وحتّى لا تصبح الشريعة الإلهيّة ملعبة بأيدي كلّ آخوند (فقيه) ومنعت الحرب والقتال حتّى يُحفظ جناب شيخ الإسلام من هجوم البابيّة ويطمئنّ خاطره ويتفرّغ باله إلى تكميل الفنون العلميّة وتحصيل المآرب المدنيّة وحَرَّمت حمل السلاح لئلاّ يضطرب قلب جناب الشيخ ويرتبك عقله لرؤية بابيّ مسلّح وحتّى لا يمنعه ذلك من خرق الجبال وتوصيل البحار وتسهيل وسائط النقل والأخبار. وخلاصة القول إنّ جميع أحكام هذا الظهور الأعظم مبنيّة على أساس المدنيّة وملائِمة لحفظ الجامعة الإنسانيّة ولم أعرف أيّ أحكام هذا الأمر تمنع من الإستزادة من المدنيّة والحصول عليها حتّى يتشكّى جناب الشيخ هذه الشكوى المريرة ويعتبر البابيّة سبب سقوط الأمّة في هاوية الذلّة وعدوّة للدين الإلهي.

5. في بيان أنّ بعض الأوروبيّين يعتبرون الشريعة الإسلاميّة مناهضة للتمدّن الأوروبي وبعضهم يعتبر جميع الأديان مناهض للمدنية وقيام كبار الكتّاب للردّ على هذه الشبهة:

نعم لقد سمعنا وقرأنا حتّى اليوم ان جماعة كبيرة من فلاسفة أوروبّا والمتطرّفين في تلك القارة البيضاء يرون الديانة الإسلاميّة مخالفة للمدنيّة الأوربيّة ويعتبرون سبب سقوط الأمم الشرقيّة في هاوية الذلّة والشقاء تمسّكها بالشريعة الغراء والملّة البيضاء. ومن الحوادث الشهيرة التي دوى صوتها كالرعد القاصف في جميع الآفاق الحادثة التي فيها رفع المستر كلادستون رئيس وزراء إنكلترا القرآن الشريف بيده في البرلمان حيث إجتمع وزراء الدولة وعظماء الأمّة وقال مخاطباً لهم: "ما دام هذا الكتاب باقياً في العالم فمن المستحيل إنتشار المدنيّة في العالم ونجاة الأمم الشرقيّة من شرور الهمجيّة والتوحّش".

ولقد بلغت هذه الفكرة القائلة بأنّ الدين الإسلامي مخالف للمدنيّة إلى درجة أنّها رسخت أخيراً رسوخاً كليّاً في أذهان الكثيرين من كبار المسلمين الذين يعشقون بسرعة العروض الدنيويّة الزائلة إلى أن قامت أخيراً جماعة من كبار كتّاب الأمّة وفصحاء القوم من قبيل عبدالله النديم الإدريسي وغيره على منع رسوخ هذه العقيدة في أذهان البسطاء وعلى إثبات محاسن الأحكام الإسلاميّة وموافقتها للقوانين المدنيّة وكتبوا مقالات رنّانة ورسائل شهيرة ولكنّ ذلك لم ينفع وإزدادت هذه العقيدة رسوخاً في أذهان الجهلاء بحقيقة الأديان يوماً فيوماً حتّى إتّفقت في هذه السنة جماعة من كبار كتّاب العصر وأفاضل هذا القرن من قبيل عبدالله بن القائد عمرو من أهل الجزائر ومحمّد أفندي مسعود صاحب جريدة (منفيس) من أهل مصر والشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيّد) الشهيرة ومحمود أفندي أسعد المستشار الشرعي في نظارة الماليّة في الآستانة العليّة مع بعض أفاضل أوروبّا مثل المسيو (جوبار) والمسيو (مرسيّيه) من مدينة قسطنطينيّة في الجزائر والمسيو (بودان) في الآستانة والقسّ الفاضل (لوزان ياسنت) من باريس والمسيو (فاندربرج) في هولندة وبرئاسة المسيو (أوجين كلافل) أسّسوا مجلة علميّة بإسم (الإتحاد الإسلامي) تصدر باللغتين العربيّة والفرنسيّة في كلّ شهر مرّتين وتُرسل إلى جميع الكلّيات لعلّ تخرج من الأذهان هذه الشبهة بأنّ الدين الإسلامي يخالف المدنيّة وتتآلف قلوب المسلمين على محبّة الإسلام. ولكنّ أعداد هذه المجلة ويا للاسف لم تتجاوز السبعة والثمانية حتّى إختفت وراء الحجاب وإنطفأ سراج هذا المجمع غير المتناسب في الأعضاء من هبوب عواصف الأهواء المتباينة إنطفاءً سريعاً ولا رادّ لقضائه ولا مانع لحكمه. بلى كما يقول الشاعر الفارسي (ما ترجمته): "لا يستطيع أحد أن يتشبّث برداء السعادة بالقوّة فذلك جهد لا فائدة منه وصبغٌ لحاجبيْ رجل أعمى". وقد غالى في هذه العقيدة بعض المتطرّفين والطبيعيّين وخاصّة أتباع داروين والمعتقدين بنظريّة النشوء والإرتقاء الذين يزداد عددهم بكثرة فإعتبروا الأديان على الإطلاق وكلّ السيطرات والرئاسات مخالفة للمدنيّة والحريّة وإعتبروا كلّ الحكومات سواءً أكانت دينيّة أم زمنيّة ألدّ أعداء الإنسانيّة.

6. في بيان أنّ مناظر جناب الشيخ لمّا لاحظ أنّ تأخّر المسلمين لا يرجع سببه إلى الطائفة البابيّة إستنتج أنّ جناب الشيخ كالإشتراكيّين والفوضويّين يعتبر الأديان مناهضة للمدنيّة:

وبعد أن إطّلعتم على هذه المقدّمات ستشاهدون عجائب غريبة جدّاً لو نظرتم قليلاً في المناظرات التي وقعت بين جناب الشيخ وحضرة مناظره، وستطّلعون على مراتب أدب وشعور الطرفين المتناظرين وترون أنّ البعد بين تاجرٍ من تجّار أهل البهاء وشيخ للإسلام وقاضي القضاة في الملّة البيضاء كالبعد بين الأرض والسماء. ومجمل ذلك هو أنّ المناظر المذكور شاهد بأنّ إنتقادات جناب الشيخ في قضيّة المدنيّة لا تنطبق بأيّ وجه من الوجوه على الطائفة البابيّة وأنّ إنحطاط الأمّة الإسلاميّة لا يرجع سببه أبداً إلى أهل البهاء، فقد نظر بكلّ دقّة في أطراف وأكناف هذه المسألة وهل أنّ البابيّة كانت السبب في إنحطاط العلوم والمعارف مدّة ستّمائة سنة بين المسلمين؟ وهل أنّ البابيّة قسّمت الأمّة الإسلاميّة إلى إثنين وسبعين فرقة؟ وهل أنّ البابيّة أشعلت نيران الحروب الأهليّة بين الأمم الشرقيّة؟ وهل أنّ البابيّة سلّمت للأمم المتمدّنة ممالك الأندلس والهند والتتار والقفقاس؟ وهل أنّ البابيّة علّمت الدول الشرقيّة قواعد الظلم والإستبداد؟ حاشا وكلاّ أن يرجع للبابيّة أيّ أمر من هذه الامور. ثمّ نظر جناب المناظر وفكّر في الأحوال الحاضرة وهل أنّ الحروب البابيّة منعت المسلمين من فتح المدارس وتأسيس المجالس العلميّة وهل أنّ هجوم البابيّة شغل بال جناب الشيخ؟ وهل أنّ أيّ تعليم من تعاليم هذا الدين يخالف الترقّيات العلميّة؟ وهل أيّ حكم من أحكام هذا الأمر يخالف القواعد والقوانين المدنيّة؟ حاشا وكلاّ من هذا أيضاً لأنّ طائفة تعتبر تعليم الاطفال من الذكور والإناث فرضاً من فرائضها الدينيّة وتعتبر الحرب والقتال من المحرّمات الحتميّة إنّما هي طائفة مأمونة الجانب ومطمئنّة العواقب. ثم لاحظ أيضاً هل أنّ جناب الشيخ فاقد للشعور إلى درجة لم يفهم هذه المواضيع؟ وهل أنّه قليل الإدراك إلى درجة لا يعرف أنّ تأخّر المسلمين لا يرجع سببه إلى البابيّة وأنّ الشريعة البهائيّة لا تمنع نشر المعارف؟ حاشا وألف حاشا من ذلك أيضاً، فإنّ أطفال المهد يهربون من تجويز هذا الإفتراء وبعيد من مجانين العصر أن يدركوا هذه الأمور البديهيّة فكيف بجناب الشيخ عبد السلام الذي هو بعقيدة الكثيرين عالم عامل وفاضل كامل، وبعقيدة هذا العبد مبارز باسل ومناظر قويّ الدلائل يعتبر عدم وجود إسم المبشّر بحضرة الخليل دليلاً من أدلّة بطلان هذا الأمر الجليل ويحسب أخبار كهنة مصر عن ظهورٍ محقَّقٍ مثل ظهور موسى عليه السلام من الأدلّة الظنّية للجمال الأقدس الأبهى ويطلب حضور القائم الموعود إلى مدينة تفليس وينكر وجوب الهجرة والمجاهدة وينكر دلالة الشهادة ويضع المقتولين في محبّة يزيد وسائر الأشقياء في مصاف شهداء صفّين وكربلاء ويعلن عجزه عن التفريق بين نداء الحقّ ونداء الباطل ويفتخر بهذا العجز ويسمّي ذلك دليلاً وبرهاناً ويتغنّى أخيراً بنغمة المنكرين السابقين ويسمّي الآيات الإلهيّة أساطير الأوّلين. وأرجو أن لا نبعد عن المقصود فإنّ جناب المناظر كلّما حاول أن يتوصّل إلى محمل صحيح يحمل عليه كلام شيخ الإسلام في مشكاه من البابيّة في تأخّر المسلمين في المدنيّة وفي تسميته ظهور القائم الموعود الذي هو أهمّ الفرائض الدينيّة بإسم (لا يسمن ولا يغني) لم يجد وجهاً صحيحاً يحمل عليه كلام الشيخ إلاّ أن يعتبره من أتباع الإشتراكيّة ومن الشيعة الداروينيّة الذين يقولون بأنّ الأديان على الإطلاق مخالفة للمدنيّة وبأنّ التمسّك بالشرائع مانع دون الوصول إلى المقاصد والمآرب النفسانيّة، ولكنّ الذي منعه عن المجاهرة بهذه العقيدة وكشفه النقاب عن وجه مقصوده إنّما هو حفظ مركزه ومنصبه وخوفه من كبار رجال الدين والدولة ولهذا وجّه التقريع والتوبيخ لأهل البهاء الذين لا معين ولا ناصر لهم غير الحقّ جلّ وعلا وأظهر عقيدته في غضون معارضته وردّه للبابيّة وهو أمر ترضاه العامّة والجهّال ومقصوده الأصليّ أن لا يتكلّم أحد حول الدين ولا ينطق بشيئ عن الأنبياء والمرسلين ويوجّه الجميع همّهم كلّه نحو التمدّن ويبذلوا كلّ جهودهم في موضوع الحريّة حتّى تعطي أبقارهم الحليب مثل أبقار أوروبّا وتسير بنات الهوى في الأزقّة والأسواق مهتوكات الحجاب ومسلوبات النقاب. وخلاصة القول لما إستنتج جناب المناظر هذه الموضوعات من عبارة جناب الشيخ كتب بغاية الأدب واللطف موضوعاً في جواب جناب الشيخ مجمله أنّ من الحيف أن يتشبّث جناب شيخ الإسلام بأقوال الدهريّين ومنكري الشرائع الإلهيّة ويتمسّك بعقائد اللادينيّين والمعاندين للأنبياء في حين أنّ المدنيّة التي لا تُبنى على التديّن تنتهي إلى الإضطراب وتعود في العاقبة إلى الإنهدام كما أدرك فضلاء أوروبّا هذه النكتة وهم اليوم حملة أعلام المدنيّة وعرفوا أنّ الحضارة والمدنيّة لا تستقرّ بغير الأمانة والديانة ولا ثمرة تُجنى منها، وحيث أنّ القوانين الاصليّة للديانات قد غيّرها ما في أيدي الأمم والأقوام في هذا اليوم وإنحرفوا بذلك عن الصراط المستقيم ولهذا لو أراد صاحبُ الأديان ومالكها وموجدها الجالس على عرش "يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" و"يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ" أن يُظهر حقيقتها فمن ذا الذي يجرأ أن يقول له لِمَ وبِمَ أو يفتح شفتيه بعبارة كيف ولماذا. وخلاصة القول فإنّ حضرة المناظر تفضّل في هذا الخصوص ببيانات لو لم تكن مشام المعارض مزكومة بروائح الغرض النتنة لإستنشقت من رقّة ولطافة تلك النفحات قلباً مطهّراً وفؤاداً منوّراً وروحاً معطّرة. وإنّ هذا الكاتب سوف يبادر بذكر عبارات حضرة المناظر في هذه الأوراق لتكون تذكاراً لحضرته وتزييناً لهذه الأوراق ثمّ يذكر كذلك جواب جناب الشيخ عليها حتّى يدرك أهل الأدب الفرق بين المناظرين في الأدب وتظهر مكنونات قلب كلّ واحد منهما من عباراتهما وبحوثهما.

7. في ذكر بعض عبارات المناظر تزيينا لهذا الكتاب وتمييزا بين المناظر وبين جناب الشيخ:

وهذه عبارات المناظر بعينها: "وأمّا ما كتبه في قوله: "وأيّة أوامر وأحكام سوف يتضمّنها ذلك القانون والتي لا نملكها نحن؟" فإنّ هذا القانون هو نفس الأوامر والأحكام الإلهيّة التي نزلت في كلّ عهد وعصر في الكتب السماويّة وإنّ العباد بتمسّكهم بها قد أوصلوا أنفسهم إلى رضوان الإخلاص والتقى وجنان القرب واللقاء وحُرم المتمرّدون والمبغوضون منها وقُهروا في جحيم الإعراض والإنتقاد، وإنّا نسأل الحقّ جلّ وعلا أن يوفّق جنابك على إجراء هذا القانون الإلهي الذي هو مُراد جميع الأنبياء والمرسلين ولا تبقى محروماً من نسيم رحمة الرحمن وعنايته الذي يهبّ اليوم من رضوان قدس ألطافه. وما أبدع ما قيل في هذا المقام:

(وعند هبوب الناشرات على الحمى تميل غصون البان لا الشجر الصلد)


وقول الشاعر الفارسي ما ترجمته: "كلّ شيئ تراه يَجيش جشياناً بذكره ومن أجل سماع هذا لا بدّ من أذن قلب لتسمعه".

يا جناب الشيخ إنّ أهل العالم ليس لهم إطّلاع بما هم فيه فكيف يستطيعون أن ينتقدوا الأحكام الإلهيّة والإرادة السماويّة ومثلهم مثل إنسان من رعايا السلطان المقتدر المحيط يسكن في إحدى المدن ومشغول بنفسه وبمعيشته وليس له خبر عن أمور الحكومة وإدارة المملكة ويسمع أنّ حاكماً جديداً قد جاء من جهة ذلك السلطان الحقيقي وجاء بأمر بديع يدعو الناس إليه ويأمرهم بتنفيذ إرادته فإذا قال : "إنّ هذه الإرادة السلطانيّة عبث لا فائدة منها وإنّ الإرادة السلطانيّة التي في أيدينا هي أوامر السلطان فما حاجتنا إلى حكم جديد وأمر جديد وبعيدٌ عن الإنصاف في هذا الوقت الذي راجت فيه سوقنا أن يصغي أحد من التجار إلى هذا الكلام بمجيئ حاكم جديد جاء بأمر بديع" فماذا سيقول الحاكم والمطّلعون على أمور التنفيذ بل العظماء والعقلاء في حقّ هذا الإنسان وكيف يعاملونه؟ وهل يحسبونه في زمرة الناس أولي الإحساس والإدراك او يصغون إلى هذيانه؟ لا والله. بل رحمةً به يقولون له أيّها المسكين لو أنّ جميع العظماء والوجهاء الذين يملك كلّ واحد منهم الألوف من الأعوان والخدم مثلك لو أرادوا الإعتراض على أوامر السلطان الحقيقي وأحكامه فإنّهم يُقهرون ويُنكبون كما رأيته في الأزمنة القديمة من أمر شداد ونمرود والفراعنة واليهود والرومان والسولاق وقريش والأحزاب قد قُهروا لمعارضتهم الحقّ جلّ جلاله مع عظيم سطوتهم وغرورهم بل إنعدموا وزالوا فكيف بك أنت الذي لا ذكر لك والمكتوب عليك أنّك في سجل المعدومين ويا أيّها المسكين إنّ هذه الأوامر والقوانين هي نفس تلك الأوامر التي كانت سبب سعادة الأقوام ورقيّ العلوم والمعارف والفضائل وسبب حفظ الجامعة البشريّة وراحتها وإطمئنانها. ولو إنقطعت عنايتها دقيقة واحدة لإضطربت جميع هذه العلوم والمعارف والصناعة والتجارة والزراعة فالملك ملكه والحكم حكمه والإرادة إرادته [له الأمر والحكم وإليه ترجع الامور]" إنتهى.

فيُفهم من عبارات حضرة المناظر هذه أنّه إعتبر الحضارة والمدنيّة أمراً محموداً ولكنّه أناط إستقرار قواعدها وإستقامة دعائمها بالتمسّك بالشرائع الإلهيّة كما إتّضح سابقاً من عقائد أهل البهاء أنّهم يعتبرون مظاهر أمر الله مظاهر حقيقة واحدة وكلّهم في حكم ذات واحدة وروح واحدة ونفس واحدة وكذلك إعتبر جناب المناظر الشرائع الإلهيّة في حكم شريعة واحدة وإعتبر إختلافات الأحكام نتيجة لتجدّد الظهور ومقتضيات الزمان. ولو تتأمّلون قليلاً في الآية المباركة في سورة الشورى فإنّكم تدركون مقصود جناب المناظر فقد قال تعالى فيها: "شَرَّعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالذِي أوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ الله يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" . فلاحظوا كيف أنّ الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إعتبر جميع الأديان اليهوديّة والنصرانيّة والإسلاميّة الموجودة ديناً واحداً بل إعتبر الدين الإسلامي عين دين نوح عليه السلام، وأمَرَ ابراهيم وموسى وعيسى وخاتم النبيّين بإقامة حقيقة واحدة وهي عبارة عن إجراء الإرادة الإلهيّة وتنفيذ الأوامر الربانيّة. ولقد إطّلعتم على حسن تمثيل جناب المناظر الحقّ جلّ جلاله بسلطان مقتدر مطلق التصرّف وإعتباره الدين بمثابة إرادة ذلك السلطان وإعتبر مظاهر أمر الله كولاة منفّذين لإرادته فلا تتعدّد الحقيقة المقدّسة الواحدة بتعدّد المظاهر ولا يختلف الدين الإلهي بإختلاف الأحكام وليس أحد غيره جلّ وعزّ بِقادرٍ على تجديد الظهور وتشريع الشرائع [ولا معنى للتوحيد إلاّ الإعتراف بهذا الأمر السّديد. والباقي شِركُ المشركين وأوهام المريبين].

8. في ذكر عبارات جناب الشيخ في الجواب على مناظره:

وبعد إطّلاعكم على كلمات جناب المناظر تأمّلوا قليلاً الآن في جواب جناب الشيخ الذي كتبه في رسالته الثانية لتعرفوا الفرق بين إدراك الطرفين ولتطّلعوا على مقدار آداب وأخلاق وفصاحة وبلاغة كلّ واحد منهما.

وإنّا لنذكر جواب جناب الشيخ بخصوص الموضوع الأوّل وهو أنّ أهل الأديان لمّا بدّلوا القوانين الإلهيّة التي بين أيديهم لهذا شاء المقنّن أن يُظهر حقيقتها وهذه عبارات جناب الشيخ في جواب مناظره: "الله أكبر كبيراً كبيراً حاشا أن يوجد إنسان من أهل العناد على هذه الدرجة بين قوم ثمود وعاد وشدّاد. يا أيّها المسكين لا يستطيع أحد أن يفهم من كلماتك غير الإدّعاء والمكابرة. إدّعاء ثم إدّعاء ثم إدّعاء. فحين يقولون أنّنا غيّرنا القانون الإلهي وإنحرفنا عن الصراط المستقيم نطرح هذا السؤال: "بأيّ دليل تُثبتون إدّعائكم الكاذب هذا؟ وأيّ قانون إلهي غيّرناه؟ فهذا زعم فاسد منكم ولو فرضنا أنّنا غيّرنا فلا يشكّ أحد في أنّنا نكون في درجة من العصيان أحطّ وأوطأ من درجة شِركِ أهل الهند وكفر أهل اليابان الذين يعبدون أصنامهم المنحوتة، وفي هذه الحال يكون الواجب في عنق مدّعيكم أفْرَضَ وأوْجَبَ أن يسحب بساطه إلى تلك الأنحاء لعلّ يهدي تلك الجموع من النفوس الضالّة لا أن يسعى لإصطيادنا نحن المسلمين الذين يمتدح أهل أوروبّا حقائقنا الدينيّة وقواعدنا الشرعيّة ويطبّقونها عندهم. وعلاوة على ذلك مَنْ هو ذلك المالك والصاحب والحاكم الجالس على عرش "يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" ؟ فإنْ كان مرادك مولاك فقد أخطأت لأنّه ليس الله تعالى فقد نطقت بالصحيح لأنّه لا يستطيع أحد أن ينتقد إرادته أو يسأله عنها "لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ" ولكنّ تلك الإرادة الإلهيّة بأيّة واسطة تظهر في عالم الشهود؟ فإنْ إعتبرت الواسطة مولاك فهذا أيضاً خطأ وإدّعاء كبير ولا يمكن التسليم به من دون دليل وبرهان كما عرضنا ذلك سابقاً ونعيد تكراره الآن ونقول ما دمتَ لم تثبت مظهريّة مولاك بالبيّنات الباهرات فإنّ جميع أقاويلك وإدّعاءاتك في عداد أساطير الأوّلين لدى أولي العلم وعلاوة على هذا فإنّه بخصوص عبارتي: "وفي الواقع إنّ ممّا ينافي الإنصاف أن نشغل أذهاننا وأفكارنا بهذا النوع من الخيالات والشبهات في هذا العصر عصر المدنيّة" يقول: "إنّ كان مقصودكم بكلمة الخيالات والشبهات هو الأوامر الإلهيّة وأبحاث الكتب المقدّسة الصمدانيّة فإنّك بهذا الإعتراض تعترض على جميع الأنبياء والكتب النازلة عليهم لا على هذا الأمر البديع المنيع فحسب"، كلاّ أيّها المناظر إنّ مقصودي لم يكن ولن يكون الأوامر الإلهيّة وأبحاث الكتب المقدّسة الصمدانيّة لأنّ مثل هذه الجسارة بعيدة عن هذا الحقير وبعيد منه أن يسمّي الأوامر الحقيقيّة الإلهيّة وأبحاث الكتب الربّانيّة خيالاً بل كان مقصودي أمركم أنفسكم وأبحاثكم الموضوعة التي جئتم بها ووضعتموها في الميدان من دون بيّنة ولا برهان وجعلتم الأمر يشتبه على الناس وألقيتموهم في الضلال وإتّخذتم مثل هذا الجواب بلا صواب دليلاً وقاعدة كلّيّة فتجيبون كلّ أنسان ينتقدكم قائلين بأنّ مثل هذه الإعتراضات قد قيلت أيضاً في حقّ الأنبياء السابقين ولكنّكم تغفلون عن أنّ مثل هذا الجواب يستطيع أن يقدّمه أخوكم الكاذب فبأيّ دليل ستتغلّبون عليه؟ كما ذكرنا سابقاً وبصورة مفصّلة حول هذا الموضوع لئلاّ تتذرّعوا بعد ذلك بذريعة غير مقبولة مع أنّني بغير هذا الدليل وهذه الذريعة أُطمئنكم بأنّه لن يصدّق ذلك أحد فقد قال الشاعر الفارسي ما ترجمته: "لقد ظهر قبحك وإفتضح لأنّ إنتكاستك كانت من مكان عليّ" وأخيراً سأل جناب الشيخ مناظره هذا السؤال وبه إختتم كلامه قائلاً: "لو صحّت أقوالكم بأنّ هذا القانون هو عين القوانين والأحكام السماويّة السابقة فنفس ذلك القانون موجود بحمد الله ومنّته كما أقررتم بذلك فمن المحال تحصيل الحاصل وإيجاد الموجود ومن المستحيل إظهار ما ظهر وأمّا سؤالك من الحقّ أن يوفّقني على تنفيذ هذا القانون فإنّني لست مطمئنّاً من أنّ دعاءكم سوف يُستجاب لأنّ الله تعالى قال في محكم كتابه: "إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" . إنتهى كلام الشيخ.

9. الجواب على أنّتقادات جناب الشيخ لمناظره وإثبات أنّه لم يبق من الشريعة الإسلاميّة إلاّ إسمها طبقا للأحاديث النبويّة:

ولو أنّنا عرضنا بالتفصيل بعبارات واضحة وبراهين جليّة جواب إنتقادات جناب الشيخ بما لا يحتاج إلى التكرار وكان مقصودنا من ذكر جناب الشيخ والمناظر كما أشرنا إلى ذلك سابقاً وهو أن ينظر أولو الأبصار في مراتب علم المتناظرين وفضلهما وأدبهما وفصاحتهما وأحدهما تاجر من تجّار الأمّة البهائيّة والآخر فاضل من علماء الملّة الإسلاميّة بل شيخ الإسلام وقاضي القضاة في ممالك القفقاس، وأن يشاهدوا الفرق بين الشمس وبين الظلّ لكنّنا سوف نعرض بإختصار جواب إنتقاداته مرّة ثانية حسب القول المعروف "هو المسكُ ما كرّرته يتضوّعُ". فأمّا إنكار جناب الشيخ تغييرهم القوانين الإسلاميّة فمعلوم أنّ كلّ أمّة من الأمم العتيقة لو تعرف أنّها غيّرت أحكام دينها الأصليّة التي بها تناط عزّتها ومجدها ونفوذ قولها وعلوّ كلمتها وبذلك إنحرفت عن طريق الحقّ فإنّها لا تُعرِض عن الأنبياء ولا تبقى من الجاهلين ولكنّ جناب الشيخ إذا لا يقبل معروضاتنا ولا يسمع أقوالنا فإنّه لا محالة ناظر إلى آيات القرآن وإنذارات خاتم النبيّين التي يعترف بها لفظاً وتقليداً لعلّه يوقن بهذه المسألة وينجي نفسه وأمّته التي هي على شفا الزوال والإضمحلال والذلّة والهوان وسوء المآل. ولقد عرض هذا العبد سابقاً ما فيه الكفاية من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة المقبولة لدى أهل السنّة والشيعة لو كان السامع من أهل الإنصاف. يا سيّدي الشيخ ليست الآية الكريمة: "إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ" من أقوال البابيّين وليست الآية الكريمة: "وَأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ" من أقوال البهائيّين. فالحديث الصحيح: "يَحِلُّ بِأمَّتي في آخِِر الزَّمَانِ بَلاءٌ شَدِيدٌ مِنْ سُلْطَانِهِمْ لَمْ يُسْمَعُ بَلاءٌ أشَدُّ مِنْهُ" هو أقوى إنذارات خاتم النبيّين عليه السلام. وإنّ الخبر الموثوق بسنده: "سَيَأتِي زَمَانٌ عَلَى أمَّتِي لا يَبْقَى مِنَ القُرْآنِ إلاّ رَسْمُهُ وَلا مِنَ الإسْلامِ إلاّ إسْمُهُ" هو أعظم تخوفات سيّد المرسلين وقد عرضنا سابقاً ونعرض الآن لاحقاً أنّ جميع أحوال الأمّة الإسلاميّة ودرجات تأخّرها وإنحطاطها وجهلها وذلّتها وهوانها التي تصيبها جاءت صريحة في آيات القرآن والأحاديث الصحيحة، وأنّ طريق إصلاحها الذي ظنّه جناب الشيخ يتمّ عن طريق التمدّن المذكور في نفس القرآن والأحاديث وموكول بظهور القائم الموعود ومنوط بالإيمان بحضرته، ولكنّ شدّة المعاندة واللجاج التي قاوم بها رؤساء الأمّة وكبارها أمر الله من المحال أن تترك الأمّة غير مبتلية بالذلّ والهوان كاليهود والمجوس أو تجعلها لا تكون مِصداق الآية الكريمة: "وَأحَلّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ" . وإنّ ما كتبه جناب الشيخ بقوله: "ولو فرضنا أنّنا غيّرنا القانون الإلهي فلا يشكّ أحد في أنّنا نكون في درجة من العصيان أحطّ واوطأ درجة من شرك أهل الهند وكفر أهل اليابان" ناشئ عن عدم علمه وعدم إطّلاعه بحقائق القرآن والحديث، وإنّ هذا العبد لا يعرض الآن أيّة ملّةٍ عند الله أعدل وأتقى وأيّتها أضلّ وأطغى لأنّ معرفة هذه الحقائق موكولة إلى علم الله تبارك وتعالى لا إلى أهواء أُولي النفس والهوى والآمال، ولكنّ الذي يرجع إلى الإنذارات الإلهيّة والبشارات النبويّة يرى أنّ الله ورسوله لم يخاطبا أبداً أمّة الصين واليابان بخطاب: "حِينَئِذٍ تَنْـزِلُ اللعْنَةُ عَلَيْكُمْ" ولم يصفهم بعبارة: "فُقَهَاؤُهُمْ شِرَارُ خَلْقِ الله". والعجب من أمّة إفتتحت كتاب أعمالها بقتل سيّد أهل العالم الحسين بن علي وإختتمت سجلّ أحوالها بشهادة قائم آل محمّد:

(يَا أُمَّةَ السُّوءِ لا سَقْياً لِرَعْيِكُمُ يَا أمَّةً عَجِبَتْ مِنْ فِعْلِهَا الأمَمُ)

ولعمر الله يصعب علينا نحن أهل البهاء ويحزّ في نفوسنا أن نرى أغصان الدوحة الإسلاميّة بسبب بُعدها عن مشرب الحياة العذب يابسة وتُقطع من حديقة أمر الله وتُقلع وتُغرس في مكانها أغصان الأمم البعيدة والملل العتيقة وتنشأ وتترعرع وتكسب نضرة وجمالاً ولكن ما العمل وقد جرى قضاء الله بإبتعاد القريبين عن ساحة حضرة إحديّته بسبب كبرهم وغرورهم وبإقتراب البعيدين إلى مقرّ عزّته بسبب تواضعهم وخضوعهم ولا رادَّ لقضائه ولا مانع لفضله. فانظر فيما رواه المجلسي في مجلد (الغيبة) من كتابه (بحار الأنوار) في باب سِيَرِ القائم وخصائصه عن ابي عبد الله أنّه قال: "إذَا خَرَجَ القَائِمُ خَرَجَ مِنْ هَذَا الأمْرِ مَنْ كَانَ يَرَى أنَّهُ مِنْ أهْلِهِ وَيَدْخُلُ في سُنَّتِهِ عَبَدَةُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ" وفي هذه الحال لا يشِكّنَّ جناب الشيخ أنّ القضاء المبرم الإلهي سينجّي أمم الصين واليابان من شرك الوثنيّة ويحرم من فضله وموهبته الأشخاص الذين يسمّون أنفسهم علماء وفضلاء وبسبب جهلهم لم يقرأوا شيئاً.

10. في ذكر جامع مختصر لأدلّة أهل البهاء وبراهينهم:

وأمّا ما كتبه جناب الشيخ بقوله: "ما دمت لم تثبت مظهريّة مولاك بالبيّنات الباهرات فإنّ جميع أقاويلك وإدّعاتك في عداد أساطير الأوّلين لدى أولي العلم" فشاهدٌ ناطق على أنّه لم يفهم من البيّنة والبرهان شيئاً وأنّه إكتفى بتقليد الآباء والأمّهات في إدراك معاني الآيات والبيّنات، فأيّ برهان يحمله جناب الشيخ في يده لإثبات دينه أمام النصارى واليهود ويعجز أهل البهاء عن الإتيان بمثله أمام جناب الشيخ. ولو أنّنا أوضحنا وكشفنا في المبحث الأول براهين هذا الظهور الأعظم التي هي أكمل وأتمّ من حجج وبراهين الظهورات السابقة وبذلك أتممنا الحجّة في بيان الأدلّة والبراهين ومع ذلك فإكمالاً وتكميلاً للبيّنة نسأل جناب الشيخ في هذا المقام أيضاً: "ما هو مقصودكم بالبيّنة والبرهان؟ لو تعتبرون آيات الكتاب والوحي السماوي حجّة فليس لدينا إعتراض على هذه الحجّة فنحن نعتبر الكتاب الإلهي أعظم الأدلّة وأكمل البيّنات وهو الحجّة البالغة والمعجزة الكافية وحينما نقبل من "إبن العربيّ" الناشئ في قريش ثلاثين جزءاً من القرآن ونعترف بأنّها كلمات الله كيف لا نقبل أضعاف القرآن من "أبن العجميّ" الذي لم يدرس دروساً ولا دخل مدرسة ولا كانت ولادته في بيت علم وفقهٍ وهو أمّي بإعتراف أعدائه؟ ولماذا نظهر من دون سبب بمظهر المعرضين والمنكرين وإذا كان خاتم النبيّين عليه وآله أطيب التحيّة والثناء يتفضّل متحدّياً: "فَأتُوا بِسُوَرٍة مِنْ مِثْلِهِ" فإنّ النقطة الأولى عزّ إسمه الأعلى تفضّل في مقام التحدّي والإعجاز: "فَأتُوا بِآيَةٍ مِنْ مِثْلِهِ" وقهر جميع أهل العالم بتحدّيه إيّاهم بآية واحدة. والسبب في هذا كما عرضناه في المبحث الأوّل أنّ قدرة الله جلّ جلاله والعياذ بالله لم تُسلب ولم تأخذه سِنَةٌ ولا نوم ولم ينسى تعالى وعوده حتّى يستطيع كاذب أن يُلفّق بإسمه تعالى كلاماً ويختلق شريعة وينتشر كلامه في العالم وتنفذ شريعته تلك بين الخلق: "سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً" .

ومن العجيب أنّ جناب الشيخ إستشهد أحياناً في غضون رسالته بالآية الكريمة: "لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" ونَسِيَ أنّ هذه الآية الكريمة هي أعظم شاهد على حقّية هذا الأمر الأعظم لأنّ هذا الأمر المبارك لو كان والعياذ بالله باطلاً فإنّ كذب القرآن يثبت لأنّ الله جلّ جلاله يتفضّل في هذه الآية الكريمة أنّ الباطل لا يأتي قبل القرآن ولا يأتي بعده. والواقع لم يستطع أحد الفلاسفة والعلماء وكبار المؤلّفين والكتّاب مع شدّة عنادهم ومعاداتهم للإسلام من يوم وفاة خاتم النبيّين عليه السلام إلى طلوع شمس جمال النقطة الأولى أن يأتي ولو بصفحة واحدة ويسمّيها كلام الله وتبقى في العالم مع أنّ كثيرين من الذين دُوّنت أسماؤهم في الكتب التاريخيّة قد إدّعوا الشارعيّة وسمّوا أنفسهم بالنبوّة والرسالة والألوهيّة وأمثالها ولكنّهم إضمحلّوا بكلّ سرعة وفُقدوا في أقلّ ضربة فلا ظهرت منهم أمّة ولا بقي منهم كتاب فتحقّقت الآية الكريمة: "لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" تحقّقاً تامّاً. ولو نفرض الآن أنّ هذا الأمر المبارك ليس على حقّ فهلاّ يقف المنكرون للإسلام في وجه المسلمين ويقولون والعياذ بالله :ها إنّ الباطل قد جاء بعد القرآن وظهر من بعده وإانتشر في جميع أقطار الأرض ووضُح كذب القرآن"؟ كذلك "يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأيْدِيهِمْ وَأيْدِي الْمُؤْمِنِينَ" وكذلك يهدمون أركان دينهم وهم لا يفقهون. إذاً فلا مفرّ إلاّ الأعتراف بأنّ كتاب البيان المقدّس وكتاب الإيقان الشريف وسائر الألواح المقدّسة تنـزيل سماويّ وكتب إلهيّة والإقرار بأنّه لا يستطيع أحد غير الحقّ جلّ جلاله تنـزيل الآيات ولا يستطيع أحد غير مظاهر أمر الله تشريع الشرائع حتّى تصدق الآية الكريمة: "لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" وتكون الحجّة بالغة على جميع الخلق.

وإذا كان مقصود جناب الشيخ من البيّنات هو المعجزات والآيات المقترحة كأن يقول إنسانٌ مثلاً لمظهر أمر الله: "إن كنتَ من جانب الله فأنطِق لنا هذا الحجر أو فأحيي لنا هذا الميّت أو فجّر الماء لنا من هذا الينبوع أو فاصعد إلى السماء أو ليجلُسنَّ مثل جناب الشيخ في تفليس ولِتُحْضِر لخدمته صاحب الأمر حتّى يُظهر له كلّ ما تشتهيه نفسه ولا يكلّف الشيخ العزيز مشقّة الأسفار"، فقد علمت أنّ القرآن الشريف قد أبطل جميع هذه الأحلام بل إنّ الإنجيل المقدّس أزالها جميعها. وقد أثبتنا بآيات واضحات أنّ خاتم النبيّين عليه السلام لم يُظهر أيّة معجزة تجاه إقتراحات الأعداء وحتّى أنّه لم يعطهم وعداً بذلك. أمّا في هذا الظهور الأعظم فقد إعترف الأجانب بالمعجزات وبخوارق العادات التي ظهرت من الوجود المبارك كما سبق أن ذكرنا في المبحث الأول شهادات بعض كبار أولي العلم والفضل الذين لا يزالون اليوم على قيد الحياة وهذه هي إحدى ميّزات هذا الظهور الأعظم الأعلى التي لم تكن موجودة في الأديان السابقة وإحدى أوصاف الجمال الأقدس الأبهى الخاصّة التي لم تكن مشهودة في مظاهر أمر الله من قبل.

وإذا كان مقصود جناب الشيخ من البيّنات هو البشارات السابقة وأخبار الكتب المقدّسة كالإخبار بظهور المسيح في التوراة وكالإخبار بظهور خاتم النبيّين في الإنجيل وكالإخبار بظهور القائم الموعود في القرآن وفي الحديث فقد برهنّا على هذه المسألة سابقاً وأثبتنا أنّه لم يُذكر خبر أيّ ظهور في كتب السابقين بمثل هذه الصراحة التي ذُكرت بها أخبار ظهور هذا الأمر الأعظم فيها وقد ذكرنا سابقاً أنّه لما كان إصلاح العالم وإتّفاق الأمم مَنوط في علم الله بورود هذا اليوم الأعظم لذا فإنّ الله جلّ جلاله قد أخذ عهد هذا اليوم في جميع الكتب المقدّسة بلسان جميع الأنبياء والمرسلين حول زمانه ومكانه وعلائمه وآثاره بكلّ صراحة وعيّن زمان ومكان وأدلّة وبرهان صاحب هذا الأمر الأعظم بصورة مؤرّخةٍ معيّنةٍ بحيث لو ينظر إنسانٌ محايد في الكتب المقدّسة المذكورة لَيرى أنّه ليس في تلك الكتب بعد ذكرها الحدود والأحكام غير ذكر بشارات ورود يوم الله ويوم الملكوت ولا يُسمع في حدائق صحفها وأوراقها غير تغنيّات طير القدس في فراق مالك يوم التلاق.

وإذا كان مقصود جناب الشيخ من البيّنات نفوذ الكلمة وسرعة إنتشار الدين فإنّه لم يسبق لأيّ ظهور سابق أن نال مثل هذا النفوذ وعلوّ الكلمة وسرعة الإنشار التي نالها هذا الظهور الأعظم بحيث أنّ صيته قد طبق الآفاق خلال خمسين سنة مع شدّة أصحاب البطش والسلطة ومقاومة أرباب الجاه والشوكة فقد نفذ في جميع الملل. ومن أمثلة سرعة نفوذه أنّ جناب الشيخ إضطرّ إلى تأليف رسالة في الردّ عليه ونَسِيَ أنّ كلّ هذه الشكاية وتأليف الرسائل وإنشاء المقالات هو دليلٌ لدى العقلاء على سرعة إنتشار الأمر ونفوذه لا دليل على إضمحلاله وفنائه. نعم إنّ بعض الجهّال الذين لا علم لهم بالتاريخ وبكيفيّة إنتشار الديانات يظنّون أنّ عيسى عليه السلام لما ظهر إستجاب جميع أهل العالم لأمره المبارك أو أنّ خاتم النبيّين عليه السلام لمّا ظهر إعتنقت جميع الأمم أمره بكلّ فخرٍ وإعتزازٍ ولو عرفوا أنّ أمر حضرة المسيح لم يجد رواجاً في مدّة مائة سنة بحيث أنّ المؤرّخين لم يدوّنوا له ذكراً في تواريخهم ولو عرفوا كذلك أنّ أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام في مدّة قرن واحد لم ينفذ في القفقاس بحيث يفتخر عشرة من أهل القفقاس بشرف الإسلام لَعرفوا معنى نفوذ كلمة الله وإنتشار دين الله. نعم إنّ كلمة الله في الظهور المبارك العيسويّ قد نفذت في تلك الأقطار ولكن بعد ثلثمائة سنة وبمعاضدة قياصرة روما وإنّ صيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد بلغ تلك الأقاليم ولكن بعد مائة سنة وبحدّ سيوف الخلفاء الأمويّين. وخلاصة القول فإنّي لا أدري أيّة بيّنة يملكها جناب الشيخ لإثبات دينه ولا يملكها أهل البهاء؟ وما هو المستند الذي يملكه ولا نملكه نحن؟

وفي سنة (1309) هجريّة لما ورد إلى عشق آباد حضرة الفاضل القائين (النبيل الأكبر) قدّس الله تربته وكان هذا الكاتب مقيماً في تلك المدينة حينذاك، ولما كان المرحوم الملاّ محمّد القاضي السابق لمدينة عشق آباد قد سمع في أيّام شبابه ودراسته بصيت فضائل حضرة النبيل لذا فقد أظهر إشتياقاً لا يوصف للقائه حتّى إتّفق لقاؤهما في إحدى ليالي رمضان المبارك في السنة المذكورة في مجلس في بيت جناب يحيى بك من أعيان المسلمين في المدينة ومن كبار موظّفي الدولة الروسيّة البهيّة فيها وكان المجلس يغصّ بالحاضرين من العلماء والعوام وتزيّن صدر المجلس بوجود المسلمين والنصارى بينما جلس العوام في مؤخّرة المجلس على عادة الجلوس في المساجد والجوامع وكان قاضي عشق آباد الحالي جناب السيّد إبراهيم القراباغي حاضراً في هذا المجلس أيضاً وقد رجع إخيراً من زيارته لمدينة مشهد المقدّسة وكانت تبدو على وجهه آثار الحقد والإنقباض وتظهر من حركاته وسكناته آثار الإضطراب والهيجان ومن دون سابق كلام عن الإختلافات الدينيّة إفتتح باب المناظرة وخاطب حضرة النبيل وهذا العبد وبهذا السؤال قائلاً: "إنّ هذا الأمر الجديد الذي جئتمونا به ما هو دليله وبرهانه؟ وإنّي لا أقبل الإستدلال بآيات القرآن والأحاديث بل أريد دليلاً عقليّاً في إثبات صحّة هذا الأمر" فتحيّر جناب النبيل من إستماع هذا الكلام وأحاطت بهذا العبد الحيرة أيضاً كيف أنّ جناب السيّد وهو من أفاضل الأمّة الإسلاميّة ومن السلالة النبويّة لا يجعل القرآن الشريف فصلاً للخطاب ولا يعير أهمّية في هذا المقام للحجّة البالغة الإلهيّة ولا يرضى بها في الإستدلال؟ ولمّا لاحظت أنّ مقصود جناب السيّد هو المجادلة والإفحام لا الفهم والإستفهام ولاحظت أنّ الشيخ المجادل يحتاج إلى دليل الزامي وإلى إظهار جهله بالمقابلة بالمثل توجّهت نحوه وعرضت قائلاً: "يا سيّدي إنّ أدلّة مظاهر أمر الله متشابهة وبراهين حقيقة الأديان متماثلة وها هو القائد الروسي المعظّم جناب ألكسندر تومانسكي حاضر في هذا المجلس وهو ينكر حقيقة دين الإسلام فتفضّل جنابك أوّلاً واثبت للقائد بدليل عقليّ حقيقة الدين الإسلامي كما تريد منّا إثبات ديننا بالدليل العقلي حتّى نطّلع على دليلك ونقيم نفس البرهان على إثبات حقيقة هذا الظهور الأقدس الأعلى بإسلوب إتمّ وأجلى. فبُهت جناب السيّد من سماع هذا القول وحيث لم يكن له قابليّة الإستدلال أظهر ضجراً ومللاً وكان صاحب البيت بحسن أخلاقه يطفئ نار خشونة السيّد ورعونته ويخمدها بزلال رأفته وملاطفته وبشاشته حتّى إنفضّ المجلس وذهب كلّ واحد إلى سبيله. ومقصودنا بهذه الحكاية أن ينتبه أولو الإدراك إلى أنّ المكابرين لو عرفوا معنى البيّنة والبرهان وتفكّروا قليلاً في براهين حقيقة الدين الذي يؤمنوا به إيماناً تقليدياً فإنّهم يعترفون بكمال برهان هذا الظهور الأعظم ويغترفون من ماء مَعينٍ بيان الإيقان الشريف. [ولطالما أفحمت هذه الآيات المباركة النازلة من القلم الأعلى جنود الضالّين المكذّبين: "قُلْ بِأيِّ حُجَّةٍ آمَنْتُمْ بِاللهِ مِنْ قَبْل؟ هَاتُوا بِهَا يَا مَلأَ الكَاذِبِينَ"].

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى