منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الرد على الشبهات 14

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الرد على الشبهات 14 في 2010-11-04, 13:29

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
من كتاب الفرائد لابى الفضائل

في بيان أنّ جناب الشيخ أجاز التمسّك بشبهات الكفّار في الملل السابقة وفي ذلك من الغرابة ما لا يخفى:

وبعد أن إطّلعتم على الأدلّة والبراهين تأمّلوا قليلاً في عبارات إبن الآخوند حيث كتب: "وإتّخذتم مثل هذا الجواب بلا صواب دليلاً وقاعدة كلّيّة فتجيبون كلّ إنسانٍ ينتقدكم قائلين بأنّ مثل هذه الإعتراضات قيلت أيضاً في حقّ الأنبياء السابقين ولكنّكم تغفلون عن أنّ مثل هذا الجواب يستطيع أن يقدّمه أخوكم الكاذب فبأيّ دليل ستتغلّبون عليه؟" ويظهر من عبارات جناب الشيخ أنّه لم يستطع أن ينكر أنّ شبهاته هي نفس الشبهات التي قالها إخوانه سابقاً في ردّ الأنبياء والمرسلين ولكنّه أجاز وإستحسن التكلّم بكلمات الكفّار السابقين وإحياء سنن المكذّبين الأوّلين بالدليل الذي سبق أن فرضه وتوهّمه قائلاً لنفسه إنّ إنسانين يظهران يكون أحدهما حقّاً والآخر باطلاً وأحدهما يظهر في مكّة والآخر في الهند ثمّ بعد هذا الفرض الأوّل فرض فرضاً ثانياً وهو أنّ الباطل يتكلّم بالكلمات التي يتكلّم بها الحقّ ويتمسّك بأدلّة ثمّ بعد هذين الفرضين الموهومين يُبدي جناب الشيخ حيرته وينوح ويتلو المراثي قائلاً: "فنحن المساكين إلى عتبة أيّهما نتوجّه؟ وبأيّ إستطاعة وقدرة نستطيع القيام بالأسفار للتمييز بين الحق والباطل؟" (إلى آخر فروضه المضحكة التي ذكرناها فيما مضى من هذه المقالة). وقد سبق أن عرضنا الجواب وقلنا يا شيخنا الجليل إنّ الباطل لا يمكن تشبيهه بالحقّ وإنّ المدّعي الكاذب لا يستطيع أن يتمسّك ببراهين المدّعي الصادق وإلاّ فإنّ دلالة الدليل سوف تسقط وسوف تبطل حقيقة الشخص الأوّل الذي فرضتَ أنّه هو الحقّ وكتاب الله هو الحاكم بيننا وبينك وميزان الله هو الفاصل بين الحقّ والباطل. فأيّ مجال يُبقي بعد هذا الفرض الموهومات والتمسك بالشبهات؟ فإنّ الله جلّ جلاله قد أنزل جميع علامات وإمارات وآيات وأطوار الحقّ والباطل في الكتاب الذي وصفه بقوله تعالى: "تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْئٍ" وقد قام رسول الله وأئمّة الهدى عليهم السلام بتبيين مجملاتها وتفسير معضلاتها وبيّنوا جميع دقائق يوم الظهور ودقائق حقائقه من حيث الزمان والمكان والدليل والبرهان حتّى لا تبقى اليوم حائراً ولا تنوح وتتلو مراثي المسكنة ولا تتمسّك بشبهات الكفّار ولا تحيي سنن الهالكين. وخلاصة القول قد أجبنا سابقاً سؤال جناب الشيخ وأوضحنا بطلان هذا الفرض الموهوم بما ينبغي ويليق والآن أوضحناه مرّة ثانية بصورة أكمل لأنّ مجرّد الفرض بأنّه يتمسّك إنسان باطل بهذه الأدلّة لا يُجيز لاي إنسان وبأيّ قانون أن يكرّر كلمات الكفّار السابقين ويحيي سنن السلف المكذّبين ويسلك في سبيل الهالكين وإنّي لا أدري إلى أيّ حدّ تصوّر جناب الشيخ أهالي تلك الحدود جهلاء بلهاء بحيث تجرّأ على كتابة مثل هذا الكلمات من دون مبالاة وإعتبر غرس مثل هذه الأوهام في آذانهم أمراً يسيراً؟ والحال إنّ هذا العبد عند مروري بممالك القفقاس شاهدت أكثر اهالي تلك الحدود منوّرين بأنوار الفراسة والفطنة وموصوفين بفضائل الكياسة وحسن الإدراك. وفي هذا القرن المبارك قرن النورانيّة والإنسانيّة وقرن العلم والفضل والمعرفة وقرن إشراق شمس الحقيقة وقرن زوال ظلمة التقليد والتبعيّة لا أظنّ أنّ مثل هذه الأباطيل تَرْسُخُ في الأذهان لأنّها تؤدّي إلى الرجوع القهقرى إلى حال الأمم الهالكة وإلى التمسّك بشبهات الملل العتيقة.

وخلاصة القول فإنّنا بحكم الآية المباركة النازلة في الإنجيل "تُعْرَفُ الأشْجَارُ مِنْ أثْمَارِهَا" وبحكم الآيه الكريمة في القرآن: "كَذَلِكَ قَالَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" نعرف كلّ شجرة من أثمارها ونميّز القلوب الحيّة والميّتة من الكلمات المنبعثة منها فقد ظهر الجمال الأقدس الأبهى عزّ إسمه الأقدس الأعلى ببراهين جميع الأنبياء وحججهم ونطق المعرضون عن جماله بشبهات السابقين فلم يبق هناك من شكّ أنّ حضرته في مصاف المرسلين السابقين وإنّ هذا المعرض أخ المكذّبين الأوّلين فذاك الموعود في الآية "يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ" وهذا المعرض هو المقصود في الآية "كَذَلِكَ نُسْلِكُهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ" . نعم إنّ الشوكَ شوكٌ في أيّ مكان ظهر والوردَ وردٌ في أيّ مكان نبت [وإن تعدّدت الأسماء وتغيّرت السبل].

12. في بيان أنّ مناظر جناب الشيخ دعا في حقّه وأنّ الشيخ لم يفهم الفرق بين قبول الأعمال وبين إستجابة الدعاء:

ويضحك الإنسان من مطالعة عبارات جناب إبن الآخوند فإنّ حضرة المناظر لما دعا في حقّه وإلتمس من الحقّ جلّ جلاله أن يوفّقه على تنفيذ هذا القانون الذي هو مقصود جميع الأنبياء والمرسلين إضطرب جناب إبن الآخوند وغمرته الدهشة وكأنّه من كثرة علمه وقوّة عرفانه بعلم اللغة لم يفهم الفرق بين قبول العمل وبين إستجابة الدعاء وظنّ أنّ الآية الكريمة: "إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" تعني أنّ الله جلّ جلاله لا يستجيب دعاء غير المتّقي وإليك عني عبارة جناب الشيخ في جواب دعاء المناظر فقد كتب: "وأمّا سؤالك من الحقّ أن يوفّقني على تنفيذ هذا القانون فإنّني لست مطمئناً من أنّ دعاءكم سوف يُستجاب لأنّ الله تعالى قال في محكم كتابه: "إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" وهذه العبارة تدلّ على مقدار علم جناب إبن الآخوند لأنّه لو كان يعرف الفرق بين قبول العمل وبين إستجابة الدعاء لعرف أنّ الحقّ جلّ جلاله لا يستجب أحياناً دعاء الأتقياء فحسب بل دعاء الأنبياء كذلك ولكنّه لم يردّ أعمال الأتقياء والأنبياء فإنّ دعاء إبراهيم عليه السلام: "وَاغْفُرْ لِأبِي أنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ" لم يُستجَبْ كما خاطب تعالى خاتم النبيّين بهذا الخطاب: "إنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ" . لكنّ أعمالهم عليهم السلام بل أعمال المؤمنين بهم مقبولة في محضره الأقدس وفائزة بسعادة الرضاء ولا يدري جناب إبن الآخوند أنّ جناب المناظر إذا دعى في حقّه فإنّ ذلك كان منه بأمر من الحقّ جلّ جلاله أن ندعو بحقّ أعدائنا ونلتمس الخير لهم ولا تجري على ألسنتنا كلمة لعن أو عبارة سبّ وطعنٍ حتّى لا ينتهي الأمر بالملّة البهائيّة إلى المنافرة مع أهل العالم كما إنتهى بالفرق والشيع الإسلاميّة إلى أن جعلت عداوة وبغضاء الملل رُكناً من أركان الدين وجعلت لعنتها غذاءها في أيّامها. ولقد فاحت بعون الله تعالى نفحات المحبّة والوداد من جميع الآفاق وزالت من كافّة الأطراف بتعليمات القلم الأعلى نفثات الحقد والعناد حتّى يصبح العالم جنّة الأبهى وتصبح الدنيا روضة غنّاء [وما ذاك على الله بعزيز، وهنا نختم البحث في الباب التالي ونسأل الله تبارك وتعالى في خاتمة القول أنّ يؤيّدنا وحضرة الشيخ على ما يحبّ ويرضى ويقدّر لنا ولهم خير الآخرة والأولى].


*******************

(خاتمة الكتاب)
في ذكر بعض غرائب إنتقادات جناب الشيخ

1. في أنّ أوّل الغرائب هو أنّ الشيخ بالرغم من مطالعته لكتاب الإيقان الشريف لم يفهم عقيدة أهل البهاء في حقّ النقطة الأولى جلّّ إسمه الأعلى:

لا يخفى على المتصفّحين لهذه الأوراق أنّنا قرّرنا في بداية الكتاب تخصيص الخاتمة لذكر موضوعات جناب الشيخ التي لا ترتبط بأصل الدليل والبرهان وبعبارة أخرى إنّنا نكشف ونوضح في الخاتمة كلّ ما ليس دليلاً وإعتبره هو دليلاً أو كلّ ما لا يتعلّق بالإحتجاج والإستبدال وإعتبره هو متعلّقاً. ولكن حيث أنّنا ذكرنا أكثر هذه الموضوعات بحكم إرتباط الكلام في الأبواب السابقة وكتبنا بصورة مفصّلة جواب شبهاته بعبارات واضحة ظاهرة المعنى فإنّنا نخصّص هذا الباب لذكر بعض موضوعات جناب الشيخ التي لم نذكر في الأبحاث السابقة ولم نبد عنها الملاحظات في تلك الصفحات ليتمّ البحث من جميع الوجوه ونختم الكتاب على ما يرام. وحيث أنّ كلّ واحد من هذه الموضوعات هو في مكان من الغرابة بحيث لا يوجد مثلها في أيّ كتاب مهما كان المصنّف ضحلاً في علمه ولم تُعرف حتّى اليوم عن أيّ كاتب مهما كان مكابراً، ولهذا نصف كلّ موضوع منها بإسم "ومن الغرائب" حتّى تتميّز فصولها ويجلب العنوان نظر القارئ الذي يتصفّحه ومن الله التوفيق.

(وفاتحة هذه الغرائب) التي تدلّ دلالة واضحة على مقدار فهم جناب الشيخ وإدراكه ومنها يطّلع القارئ على درجات علمه وفضله وهو أنّه بالرغم من مطالعته لكتاب الإيقان الشريف وفهمه حسب زعمه له فإنّه شكّ في معتقد أهل البهاء في حقّ حضرة الباب الأعظم النقطة الأولى عزّ اسمه الأعلى، ولهذا إستفسر في رسالته الأولى هل تعتبر الطائفة البابيّة مقامه مقام النبوّة والرسالة أم مقام الإمامة والنيابة أم مقام القائميّة والمهدويّة مع أنّه صرح في هذا الكتاب الشريف فأفصح خاطباً إنّ حضرته هو القائم الموعود الذي أخبر الله جلّ جلاله بظهوره المبارك في القرآن المجيد وبشّر بوروده المسعود خاتم النبيّين عليه آلاف التحيّة والثناء، وإنّ ظهور القائم الموعود هو ظهور مقام الربوبيّة والشارعيّة لا ظهور مقام الوصاية والتابعيّة. ومهما كان الإنسان بليداً قليل الإدراك ولا يفهم جميع عبارات هذا الكتاب الشريف فإنّه لا محال يفهم من الأحاديث التي إستدلّ بها هذا الكتاب المقدّس أنّ هذه الطائفة تعتبر حضرة القائم الموعود وظهوره المبارك ظهور المهدي المذكور في الأخبار والنصوص. فهل يمكن أن يشاهد الإنسان هذا الإستدلال بالحديث الشريف في كتاب الإيقان الكريم: "إذَا ظَهَرَ القَائِمُ لَعَنَهُ أهْلُ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ" ولا يفهم ما هو إعتقاد البابيّة في حقّه؟ وهل يُتصوّر إنّ إنساناً يقرأ في هذا السفر المجيد الحديث الشريف: "إنّ في قَائِمِنَا أرْبَعُ عَلامَاٍت مِنْ أرْبَعَةٍ مِنَ الأنْبِيَاءِ" ويبقى لا يعرف ما يعتبر أهل البهاء مقام حضرته؟ ولو يقول جناب الشيخ أنّه لم ير هذه الأحاديث لأنّ (رغبته لم تسعفه لإكمال مطالعة الكتاب) فإنّ هذا عذر باطل وتعليل مخجل لأنّ ردّ الدليل بدون تلاوته عمل إنسان عامّي جاهل والحكم ببطلان الحجّة بدون تلاوتها شأن كلّ هزيل خامل الذكر. وكما يتذكّر أرباب الفطنة ما كتبه جناب الشيخ بخصوص الأحاديث الواردة عن طريق أهل البيت الطاهرين ومن ذلك يعترفون أنّه قرأ الأحاديث الواردة في كتاب الإيقان الشريف وحَكَمَ بصعوبة فهم صحّتها وسقمها وإلاّ فإنّه لو لم يقرأها ويفهمها فإنّ إصداره مثل هذا الحكم منتهى التلاعب بالدين المبين ومنتهى التهاون بوعود حضرة ربّ العالمين. وأعجب من هذا إنّ جناب الشيخ لمّا شاهد أنّ جناب المناظر ترك الجواب على هذه المسألة عطف عنان جوابه على شبهاته ظنّ جناب الشيخ أنّ عدم تعرّض المناظر إلى تعيين مقام حضرة الباب دليل على عجزه عن الجواب، ولهذا وجد مجال المجادلة فسيحاً وشاهد مسرح الشناعة والوقاحة وسيعاً فكتب مرّة ثانية صفحتين وثلاث صفحات من التشنيع والتقريع وها نحن نذكر بعضها في هذه الصفحات لتبقى تذكاراً لحضرته حتّى يرى أهل الفضل والأدب مقدار فصاحته وبلاغته ويعرفوا المنكرين لفصاحة الإيقان الشريف. وهذه عين عباراته: "لماذا تتعلّلون في بيان إدّعاء المدّعين وترمون أنفسكم إلى اليمين واليسار وتهربون من الطريق المستقيم؟ وبدلاً من الإجابة على إنتقاداتنا بالدلائل والبراهين تتجاسرون مرّة بالنصيحة ومرّة باللوم. وإعلموا علم اليقين أنّ تشبّثكم بهذه الحشائش الأرضيّة لا ينجّيكم أبداً من الغرق والهلاك بل يجب أن تأتوا فقط بالحبل المتين والبرهان القويّ: "هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينْ" . وإطمئنّوا إنّكم بهذه الأجوبة التهرّبيّة لن تفلتوا أبداً من مخلب خصم قويّ. والآن أكرّر مرّة أخرى بكلّ وضوح مقصودي وأطالبكم حتماً بالجواب المبين." إنتهى.

فلمّا إطّلع هذا العبد على مقدار مدارك جناب الشيخ الغالية ولاحظتُ أمره حتماً بالمطالبة بالجواب لذا إمتثالاً لحُكمِهِ العالي كتبت في المبحث الأول بعبارات ظاهرة المعنى (وقبل الشروع بذكر الأدلّة والبراهين) إعتقادات هذه الطائفة في حقّ النقطة الأولى والجمال الأقدس الأبهى جلّ ذكرهما وعزّ إسمهما، وبيّنت مقام هذين الظهورين المقدّسين وفقاًً لمصطلحات أهل التشيّع وأهل التسنّن بل وفقاً لمعتقدات اليهود والنصارى حتّى ننجي حضرة المناظر الضعيف من مخلب جناب الشيخ القويّ لعلّ جناب الشيخ يستعمل هذه القوّة في تعميم التمدّن ويوصل بحر قزوين بالمحيطات ويقرّب الكرة الأرضيّة إلى القمر وينجّي الأمّة المسكينة التي إبتلتها البابيّة بذلّ الرقّ من عبوديّة الأمم المتمدّنة.

2. في بيان أنّ من الغرائب إنتقاد جناب الشيخ لبعض عبارات مناظره بأنّها لو تُرجمت إلى لغة أجنبيّة لظهر جفاف معانيها وإقتراحنا على جناب الشيخ ترجمة بعض آيات القرآن الكريم إلى الفارسية:

... فكتب جناب المناظر: "إنّ جناب الشيخ يقصد بذلك أنّ علمه وفضله ظاهر ولا يحتاج لإظهار علمه وفضله إلى كتابة رسالةٍ رديّةٍ على البابيّة ولكنّنا لم نرى من آثار قلمه أنّه إستطاع أن يجعل إنساناً وثنيّاً واحداً موحّداً أو يجعل يهوديّاً واحداً أو زردشتيّاً واحداً مؤمناً ولم نر من آثار فضله غير إضاعته الأوراق والمداد. وقد رأينا آثار القرآن والإيقان ولكنّنا لم نشاهد مثل آثارهما من أقلام الآخرين: "قُلْ فَأتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أهْدَى مِنْهُمَا أتَّبِعُهُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينْ" . فكتب جناب الشيخ في الإجابة على عبارات مناظره الكلمات التالية في الصفحة (12) من رسالته المطبوعة وفيها يقول: "إنّنا لا نصدّق ..."

(ومن الغرائب) أنّه لما كتب مناظر جناب الشيخ العبارات التي ذكّره فيها أنّه من مطالعة رسالة جناب الشيخ يُفهم أنّ مقصوده ليس الإستفادة والإستفهام بل مقصوده إظهار العلم والفضل وإعتبار نفسه في عداد المعارضين لهذا الأمر الأعظم في حين أنّ جناب الشيخ يجب أن ينتبه ويعلم أنّه قد مضى حتّى الآن ما يقارب الخمسين سنة على هذا الأمر كُتبت فيها رسائل ردّ عديدة في معارضته بحيث تضيع رسالة جناب الشيخ إذا قورنت بها وبعضها موجود إن أراد إرساله إليه. وكان مقصود جناب المناظر من هذه الكلمة أن ينتبه جناب الشيخ إلى أنّ الرسائل الردّية لن توقف نفوذ الكلمة الإلهيّة كما كُتبت رسائل عديدة في عرض هذه الخمسين سنة لم تمنع أمر الله من النفوذ، فكتب جناب الشيخ في جواب ذلك: "إنّنا لا نصدّق المظهريّة الإلهيّة لمدّعيكم ولا نصدّق برهاناً أو دليلاً أو آيات أو بيّنات ظاهرة أو باطنة. ونسمع فقط بضعة إصطلاحات جديدة يابسة لم نسمعها في أيّ دين ومذهب: الأمر الأعظم، الأمر الالهي، قلم عزّ جمال القدم، الهياكل القدسيّة وغير ذلك. فما معنى هذا التفنّن بالألفاظ وما ثمرته؟ وما معنى: قلم عزّ جمال القدم؟ فإنّك إن ترجمت هذه العبارت إلى إحدى اللغات الأجنبيّة رأيت حينذاك كيف أنّها عديمة المعنى وعديمة الحقيقة وعديمة الروح. ولماذا "قلم عزّ جمال القدم" هذا لا يُسكتنا ويقنعنا بآثاره الظاهريّة أو يلقي بقوّته الروحانيّة الباطنيّة شعاعاً من أنوار هدايته على قلوبنا المظلمة حتّى نسلك في الصراط البابيّ أو البهائيّ؟ فلا يفيد أيّ عاقل كلّ هذه الإطالة في البحث وتكرار النصيحة والموعظة كما أنّ خداع عميان هذا الزمان يكون بنقل عبارة "قالوا" و"يقولون" وإشغال المهرّجين والحمّالين بنقل عجوز "كان" وبذلك يُفرحون أنفسهم. ويليق التحقير بالمناظر المغرور لا بالمناظر الطالب للحقيقة" (إلى آخر كلامه عافاه الله).

ونقول في الجواب عليه: يا أيّها الناظر في هذا الكتاب إعلم، هداك الله وإيّانا إلى محجّة العلم وطريق الصواب، أنّ جناب الشيخ قد إنتقد مناظره في هذا المقام إنتقادين كلّ واحد منهما غريب في حدّ ذاته وبعيد عن منهج أرباب العلم والإدراك: (الأنتقاد الأوّل) هو أنّ هذه الألفاظ التي كتبها جناب المناظر في رسالته أمثال الأمر الأعظم والأمر الالهي وقلم عزّ جمال القدم والهياكل القدسيّة وغيرها ألفاظ لم يرها جناب الشيخ في سائر المذاهب والأديان ويقول هذا العبد عنها إنّ عدم رؤية جناب الشيخ بها لا يكون دليلاً على عدم وجودها بحكم القاعدة : ["عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود"] بل أعرض إنّ معنى الدين الجديد والظهور البديع هو أن تلبس جميع الأشياء حلّة بديعة وتظهر جميع الآداب والعادات والمصطلحات والعقائد في صورة جديدة فليس في الكتب المقدّسة من التوراة والإنجيل أيّ ذكر لأسماء يوم القيامة غير إسم يوم الله ويوم الربّ ويوم الملكوت ولم يسمع اليهود والنصارى قبل ظهور رسول الله أسماء: الصاخّة والقارعة والحاقّة والغاشية والساهرة. وكذلك كلمات: "خَاتَمِ النَبِيِّينَ" و"الْحُورُ العِينْ" و"أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ" وكثير من أمثالها وإلى يومنا هذا ينظرون إلى هذه الألفاظ نفس النظرة التي ينظرها جناب الشيخ إلى ألفاظ "الأمر الأبهى" و"الأمر الأعظم" و"الهياكل المقدّسة". وإنّي لا أعلم إنّ الأمر الذي عظّمه القرآن الكريم بكلمة "أتَى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ" لو يسمّيه المؤمن البهائي الأمر الأعظم فأيّ ذنبٍ يرتكبه؟ وإنّ القلم الذي أقسم به الله تعالى في السورة الكريمة: "ن. وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطِرُونْ" لو سمّاه كاتبٌ بإسم القلم الأعلى أو قلم القدم أو قلم عزّ جمال القدم فأيّة معصية يرتكبها؟ وإذا سمّى إنسانٌ أبدان مظاهر أمر الله، التي كلّ شعرة منها أغلى وأعزّ من مائة ألف شخص منّا، عروشاً إلهيّة أو هياكل قدسيّة فأيّة مخالفة إرتكبها؟

وخلاصة القول لمّا لم يجد جناب الشيخ إنتقاداً قانونيّاً على هذه الألفاظ ولم يستطع بعبارة أخرى إثبات خطأها بالقوانين اللغويّة تمسّك بهذا الحبل الواهي بقوله: "إنّك إن ترجمت هذه العبارة إلى إحدى اللغات الأجنبيّة كالروسيّة أو الفرنسيّة أو الإنكليزيّة وغيرها لرأيت حينذاك كيف أنّها عديمة المعنى وعديمة الحقيقة وعديمة الروح" وهذا الإنتقاد إنتحله جناب الشيخ من كتاب أحد دعاة التمدّن الذي يدعو إلى تقبيح الإنشاءات الإسلاميّة ونقلها من هناك إلى هنا كالببّغاء التي تحكي الصوت ولا تعرف المعنى وقد غفل عن أنّ الحقائق في هذا اليوم لا تبقى مخفيّة وراء ستار التمويه والتدليس وليس كلّ ما يعشقه ويُفتن به مقبول لدى أولي العقول السليمة لأنّ الفصاحة هي وصف الكلام وعبارة عن حسن ترتيب الألفاظ التي يكتبها الكاتب ويلقيها الخطيب ولا علاقة لها بأوصاف الكلام المعنويّة حتّى يتّضح عدم معناها حين ترجمتها من لغة إلى لغة أخرى، لأنّ علماء البيان عرّفوا فصاحة الكلام بخلوّه من ضعف التأليف ومن تنافر الكلمات وبفصاحة مفرداته وإعتبروا فصاحة الألفاظ المنفردة بسلامتها من تنافر الحروف ومخالفة القياس اللغويّ. فيُفهم من هذا أنّ صحّة الألفاظ وسقمها وفصيح الكلام وركيكه يرجع إلى نفس اللغة ولا دخل للترجمة في ذلك ولا يعرف ذلك من الترجمة. وإذا لم يستطع المترجم أن يترجم عبارة من لغة إلى لغة أخرى بإسلوب فصيح أو لم تكن العبارة ممكنة الترجمة إلى لغة أخرى فاللوم يقع في ذلك على المترجم لا على صاحب العبارة الأولى والنقص منشؤه هنا اللغة المترجَم إليها لا اللغة المترجم عنها. لأنّ فنّ الترجمة من الفنون البديعة الصعبة لا يستطيعها كلّ كاتب وليس كلّ فصيح متمكّن من حسن ترجمة كلّ عبارة. فكم صادف أن تكون العبارة في غاية الفصاحة والعذوبة والرقّة تكون ترجمتها إلى لغة أخرى ركيكة غير فصيحة ولا يستسيغها الذوق السليم. ولو ينظر الإنسان إلى تراجم التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها ليدرك صحّة ما عرضنا ويشهد على أنّه لا علاقة لصحّة الكلام وسلاسته أو سقمه وركاكته بترجمته إلى سائر اللغات. وحيث سبق أن عرضنا أنّ الدلالة الحلّيّة يستحيل أن تكفي الشخص الذي له غرض ويجادل ويكابر في ستر الحقائق أو تجعله يعترف بخطأه، ولهذا من أجل إيضاح هذه المسألة إلى أرباب الإستعداد نرجو بكلّ خضوع من جناب الشيخ أن يترجم للفارسيّة الآية الكريمة: "الحَاقّةُ مَا الحَاقَّةُ وَمَا أدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ" وكذلك الآية الشريفة: "‏يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ‏قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ‏نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ‏أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" وكذلك الآيات المباركة: "‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ‏ ‏وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ‏وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ‏ ‏فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ‏فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ‏‏يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ‏تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ" وكذلك الآيات الكريمات: "‏وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ‏فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ‏فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ‏فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ‏فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ‏إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ‏وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ" وإنّي لست مثل جناب الشيخ أطلب الجواب جبراً بل بكلّ أدبٍ أرجو جناب الشيخ وبكلّ خضوع ألتمسه أن يتجشّم الصعاب قليلاً ويترجم هذه الآيات السالفة إلى اللغة الفارسيّة في سبيل الله بعد أن أوصل المناظر إلى تلك النقطة حتّى يعرف أهل تلك الحدود درجات عدم المعنى وعدم الروح في ترجمة كلام الطرفين وينتبهوا إلى صحّة أو سقم هذا الإنتقاد الذي تعلّمه جناب الشيخ من غيره وباعه علينا لعلّ نفس جناب الشيخ ينتبه إلى أنّ هذا الإنتقاد بفساد معنى الكلام عن طريق ترجمته هو إنتقاد أُوجد لمقاومة القرآن الشريف. وصار فاقدو البصيرة يتقبّلونه بكلّ بِشْرٍ وسرور وينقلونه كالببّغاء من غير شعور في حين أنّنا برهنّا وأثبتنا أنّ إستحالة ترجمة عبارة من لغة إلى لغة أخرى ترجع إلى عجز المترجم في فنّ الترجمة أو عجز بعض اللغات في ألفاظها وليس ضروريّاً ولا شرطاً واجباً لفصاحة الكلام وبلاغته أن يمكن ترجمته إلى لغة أخرى أو إقتباس الروحانيّة الموجودة في لغة من اللغات من لغة غيرها. كما أنّ نفس هذه الآيات الشريفة التي إلتمسنا من جناب الشيخ ترجمتها هي في اللغة العربيّة في منتهى السلاسة والرقّة والفصاحة والبلاغة وحُسن التنظيم ولكنّ ترجمتها إلى أيّ لغة من اللغات في منتهى الركّة وقبح التركيب وفي هذا كفاية لأرباب الإدراك وبيان للقانون الصحيح في الكتابة والخطابة لدى أهل البنان والبيان.

(الإنتقاد الثاني) الذي جاء به جناب الشيخ هو لماذا لا يقوم هذا الظهور بآثاره الظاهريّة أو بقوّته الباطنيّة على هدايته ولا يهديه إلى طريق البابيّة أو البهائيّة المستقيم؟ وهذا العبد الذي ساح بلاداً واسعة وإختلط بعلماء وفضلاء الملل والأديان وقرأ الكتب الدينيّة والمناظرات العلميّة لدى كلّ مذهب بكلّ دقّة وإمعان لم أشاهد أبداً إنساناً يعتبر نفسه من أهل العلم مهما كان قليل العلم وفاقد الشعور ويستدلّ بالنفي ويعتبر عدم إذعانه دليلاً على بطلان مدّعي مقام الشارعيّة وهو يشبه إنساناً يقول إنّ موسى عليه السلام لو كان هادياً فلماذا لم يهدي أهل مصر جميعاً؟ أو لماذا لم يهد عيسى عليه السلام علماء اليهود إلى الطريق المستقيم؟ أو إنّ خاتم النبيّين مع آثاره الظاهريّة وقوّته الروحانيّة الباطنيّة لماذا ترك كلّ هذه الأمم إلى يومنا هذا في الضلالة ولم يهد إلى سبيل الإسلام وهو يشبه أيضاً إنساناً يقول لو كان الله هادياً فلماذا لا يهدي الكفّار بقوّته وقدرته الذاتيّة؟ ولو كان وهّاباً مغنياً فلماذا لا يجعل كلّ فقير غنيّاً برأفته ورحمته الإلهيّة؟ وهل هناك في جناب شيخ تفليس ميّزة يمتاز بها عن جناب القسس في باريس وهي موجودة عنده ومفقودة عند ذاك حتّى يتحتّم بها أن يهديه الجمال الأقدس الأبهى بقوّته الباطنيّة إلى الطريقة البهائيّة؟ ولكن ليس من ضيرٍ في أن يترك خاتم النبيّين عليه السلام ذلك القسّ مدّة ألف وثلثمائة سنة في الضلال. ومن العجب أنّ حضرة شيخ الإسلام مع قوّة قريحته وشدّة عارضه وسلامة ذوقه وحسن إحتجاجه في إعتباره إنحطاط الأمّة الإسلاميّة في القضايا العلميّة والصناعيّة من معاصي البابيّة وفي إعتباره عدم إذعانه دليلاً على بطلان أمر الداعي إلى الله لماذا لا يوسّع بحث أدلّته وبراهينه ويستدلّ مثلاً بضياء النهار وبظلمة الليل وبسواد الزنوج وبياض الأوروبيّين وبسكون الأحجار وبجريان الأنهار وببرودة الماء وبحرارة النار وبكثيرٍ غيرها على صحّة أقواله وتكذيب أمر الله؟ لأنّ مجال الإنتقادات الباردة غير الواردة وسيعٌ وميدان الإعتراضات غير المترابطة فسيح. نعم إنّ الآية الكريمة "إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" هي السبب في إختصاص البعض من الناس بالهداية وإنّ الحديث: "إذَا خَرَجَ القَائِمُ خَرَجَ مِنْ هَذَا الأمْر مَنْ يَرَى أنَّهُ مِنْ أهْلِهِ" يوضح سبب خروج جماعة عن هذا الأمر الأعظم ولكنّ العيب هنا أنّ انساناً لو يعرض في حضور جناب الشيخ سبب هذا التوقّف والتردّد ويشوّقه خالصاً لوجه الله على تلاوة القرآن الشريف بدقّة وإمعان وينبّهه بكلّ أدب بالشواهد وبالأمثال دأب أصحاب المقال وقدماء الرجال تراه يغضب ويقول لماذا صارت البابيّة تنصحنا ولماذا تتكلّم بالشواهد الأدبيّة ولماذا تقسم اليمين تجاه شدّة إنكار المنكرين أو مفتريات المفترين؟ ولم ينتبه إلى أنّ البهائي المسكين الذي يرى أخاه على حافّة الهاوية وقد أحاطت به وهو غافل ذاهل سيول البلايا العاجلة كالأمم القديمة والملل العتيقة لا حيلة له غير النصيحة الخالصة المؤكّدة بالقسم والإيمان: "والنَّصْحُ أغْلًى مَا يُبَاعُ وَيُوهَبُ" ولو ينظر الإنسان البصير إلى الكتب المقدّسة من التوراة والإنجيل والقرآن ليشاهد في جميعها مواعظ ونصائح وقصصاً وحكايات وحلفاً ويميناً ولكنّ ما ورد في القرآن المجيد من القسم واليمين وتكرار قصص الماضين ونصح وإنذار المتكبّرين لم يرد شبهه أبداً في أيّ كتاب آخر من كتب المتقدّمين والمتأخّرين ولهذا فإنّ حضرة المناظر إذا أقسم احياناً في غضون كلامه أو نصح أو إستشهد بالشواهد والأمثال فيجب على جناب الشيخ أن يعفو عنه لأنّه إقتدى بالقرآن ومشى في طريق السلف الصالحين.

(إنْ كَانَ رَفْضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدِ فَلِيَشْهَدِِ الثَّقَلانُ أنِّي رَافِضِي).

3. في بيان أنّ من الغرائب أن يقرأ جناب الشيخ كتاب الإيقان ثم يعتبر هذا الأمر الأعظم مذهباً من المذاهب الإسلاميّة والأغرب من ذلك أن ينحو باللائمة على الوجود المبارك المحاط ببلايا لا تحصى بأنّه يعيش في عكاء في اللهو والملذات:

(ومن الغرائب) التي تدل دلالة واضحة على مقدار مدارك جناب الشيخ أنّه بالرغم من زعمه قراءته كتاب الإيقان وفهمه له ظنّ أنّ هذا الأمر الأعظم مذهب من المذاهب الإسلاميّة مثل الزيديّة أو الإسماعيليّة أو الكيسانيّة وأمثالها. فيُفهم من هذا جيداً أنّه لم يفهم كتاب الإيقان الشريف فحسب بل لا يعرف الفرق بين الأديان والمذاهب لأنّه لو كان يعرف أنّ هناك ثلاثة أشياء تميّز الأديان عن بعضها وهي تعدّد الشارعين وتعدّد الكتب السماويّة وإختلاف صور وأركان العبادات الدينيّة لكان يفهم أنّ هذا الأمر الأعظم عبارة عن دين من الأديان الإلهيّة لا مذهب من المذاهب الإسلاميّة وإذا نزل في الإيقان تصديق لرسالة خاتم النبيّين عليه السلام وإعتبر هذا الأمر الأعظم بسبب ذلك التصديق مذهباً من المذاهب الإسلاميّة فيجب إذاً اعتبار الإسلام من المذاهب النصرانية بسبب نزول تصديق عيسى عليه السلام في القرآن المجيد كما يجب إعتبار النصرانيّة مذهباً من المذاهب اليهوديّة بسبب تصديق موسى عليه السلام في الإنجيل الجليل وهكذا تنتهي سلسلة النكوص والقهقرى إلى الدورة الأولى ولا يحتاج خطأ هذا الوهم وإنحطاط هذا النظر إلى زيادة في الشرح والتطويل. وكما بيّنا في تفسير الآية الكريمة: "شَرَّعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالذِي أوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" أنّ الإنسان الموحّد إذا إعتبر جميع الأنبياء والمرسلين مظاهر حقيقة واحدة وإتّخذ جميع الأديان على حدّ سواء أبواباً لجنّة واحدة في التقدّم والسعادة فإنّه يستطيع أن يفهم هذا الأمر الأعظم هو حقيقة الدين الإسلامي المقدّس التي تجلّت بظهوره الموعود المبارك خالية من شوائب البدع والأهواء المذهبيّة وتحقّقت بظهورها بشارة: "يَظْهَرُ القَائِمُ بِأمْرٍٍ جَدِيدٍ وَكِتَابٍ جَدِيدٍ وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ مِنَ السَّمَاءِ" وبشارة: "يُقِيمُ الدِّينَ وَيَنْفُخُ الرُّوحَ في الإسْلامْ" وبشارة: "يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإسْلامَ بَعْدَ ذِلَّةٍ وَيُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ" ولكنّ جناب الشيخ بعيد جدّاً عن منهل التوحيد الحقيقي وعن هذا المشرب العذب كما تشهد كلتا رسالتيه أنّه بعيد جداً عن فهم هذه المسألة الغامضة. ولولا خوف التطويل لكتبنا عبارات الصفحتين (34) و (35) من رسالته المطبوعة حتّى يدرك القارؤون درجات رقّة ذوقه وحسن نظره ويشهدون على آثار إنصافه وعلمه وكيف تصوّر هذا الأمر الأعظم مذهباً من المذاهب الإسلاميّة وكيف نحا باللائمة على مسجونٍ محاطٍ وجوده المبارك دائماً بأمواج البلايا الناريّة التي لا تحصى في مدينة عكّاء فوصفه بلهو العيش والملذات

(هُمْ يَحْسِدُونِي عَلَى مَوْتِي فَوَا أسَفِي حَتَّى عَلَى الْمَوْتِ لا أخْلُو مِنْ الْحَسَدِ)

4. في بيان الموازين الاربعة وذكر اختلافات الشيخ ومناظره في هذه المسألة المهمة:

ومن المواضيع التي تستلزم دقّة النظر مسألة الموازين الأربعة التي كانت موضوع النـزاع بين الشيخ ومناظره ومن أجل معرفة صحّتها وسقمها إرتفعت أعاصير المجادلة وتلاطمت أمواج المخاصمة وجناب الشيخ كما هو معهود عنه وعن أمثاله قد أنزل من غمام الكلام رعود التقريع وبروق التشنيع والزجر والتوبيخ وظنّ نفسه غالباً منصوراً [بأوْهَامٍ بَرْقُهَا خُلَّبٌ وَغُمَامُهَا جَهَامٌ] ولو أنّ تقرير هذه المناظرة كان يجب ذكره في المبحث الأوّل من هذا الكتاب ولكنّنا لمّا لم نجد مجالاً هناك نظراً لتسلسل البحث وإرتباط الكلام ومناسبة الموضوع لذا فإنّنا نذكرها في هذا المقام ونستميح القارئ عذراً.

وإجمال ما دار بين المتناظرين أنّ جناب الشيخ لمّا كتب في رسالته الأولى: "وإذا كان المقصود بالغلبة والسلطنة هو الغلبة والسلطنة المعنويّة التي تظهر بمرور الأيام وبتجدّد الخلق والأزمان فَوَجَبَ القول بحقيّة ديانة عبدة الأوثان والحال أنّ بطلان هذا الدين أظهر من الشمس وأبين من الأمس" لذا فقد كتب جناب المناظر في جوابه: "إنّ المذاهب الوثنيّة التي وضعها علماء اليونان والرومان وفلاسفتهم لأغراض سياسيّة ولفوائد علميّة إنّما وضعوها في ظلّ كلمة التوحيد ومعرفة الله التي وضعها الله في كتب الأنبياء ونشرها" ويقصد حضرة المناظر أنّ كلّ دين من الأديان قد شُرّع بوحي إلهي وقد تأسّست جميع الأديان الموجودة على هذا الأساس حيث قام فرد من أفراد الأمّة بإذن الله تعالى وشرّع شريعة وديانة بإذنٍ من الله تعالى بواسطة كتاب نسبه إلى الله تعالى وقد نفذت تلك الديانة بالقوّة السماويّة الغالبة ونظّمت شؤون الأمّة إلى أمدٍ معلوم على العكس من عبادة الأوثان وتعظيم التماثيل التي هي أمور مذهبيّة مخترَعة هي إمّا أن تكون صوراً وتماثيل للأنبياء ولرؤساء الأديان وضعوها للذكرى في معابدهم ويعبدونها كما هو موجود في الديانات البوذيّة والبرهميّة وإمّا أن تكون صور وتماثيل لأجرامٍ فلكيّة يضعونها في المعابد متوهّمين الإستفاضة وإكتساب المنافع منها كما هو مسطور في كتب الديانة الصابئيّة. وتستطيعون أن تفهموا من متانة أقوال حضرة المناظر هذه ودقّتها أنّه مطلع على كيفيّة تشريع الاديان الأصليّة وعارف لأسباب إنشقاق المذاهب المختلفة ودوافع دخول البدع والعبادات الباطلة في دين الله. وقد فصّلنا سابقاً كيفيّة إنشقاق المذاهب المختلفة في الأديان الإلهيّة وأوضحنا سبب دخول العبادات الباطلة في العبادات الأصليّة حتّى يفهم كلّ إنسان الفرق بين الدين والمذهب ويميّز الأديان التي تأسّست بوضع إلهيّ وإعتماد على وحي سماوي من المذاهب التي كان سبب نشوئها لأغراض السياسة أو إختلاف الآراء الإجتهاديّة ولا يشتبه في معرفة ظهور الديانة الجديدة الإلهيّة ويميّزها عن المذاهب المختلفة التي لا تشابهها بأيّ وجهٍ من الوجوه.

وبعد شرح هذه الأقوال كتب المناظر من أجل توجيه جناب الشيخ إلى أصل الدليل في كلّ دين والذي يؤدّي إلى زوال الشكّ وحصول اليقين: "إن الموازين التي يتمسّك بها جميع أهل العالم من أجل المعارف والعلوم وإدراك حقائق الفنون أربعة موازين: (الميزان الأوّل) الميزان الحسّي وهذا الميزان مُعترف به اليوم لدى أكثر الفرق وخاصّة فلاسفة أوروبّا أي أنّ المدركات الحسّيّة تامّة في صحّتها ولا كلام في حجّتها.

(الميزان الثاني) الأوّليّة العقليّة والقياسات المنطقيّة التي يُعبّر عنها بالإستدلال ويعتبر الفلاسفة السابقون والمتأخّرون من الحكماء والمشّائين والسفسطائيّين أنّ هذا الميزان موثوق به في المعارف الخاصّة بعوالم الوجوب والإمكان.

(الميزان الثالث) ميزان النقل الذي يتمسّك به علماء الأديان فمثلاً يستدلّ العلماء اليهود بنصوص التوراة ويستدلّ علماء النصارى بعبارات الإنجيل ويستدلّ علماء المسلمين بآيات القرآن والأحاديث.

(الميزان الرابع) الإلهام وهو المستند الوحيد الذي يستند إليه الإشراقيّون والصوفيّون في الأمّة الإسلاميّة ويسمّونه الواردات الغيبيّة ويعبّرون عنه بالكشف والشهود.

وعندما يلاحظ الإنسان بنظر دقيق في هذه الموازين الأربعة يجدها كلّها عليلة مضطربة ولا يمكن الإعتماد عليها أبداً في أمر الدين ومعرفة مظاهر أمر حضرة ربّ العالمين، لأنّه في الوقت الذي ترى فيه حاسّة البصر التي هي أقوى الحواس النقطة الجوالة دائرة وتظنّ السراب ماء وتعتبر الأجرام الكبيرة الفلكيّة صغيرة وتعتبر الأرض المتحرّكة ساكنة والكرات المركزيّة متحرّكة إلى غير ذلك فإنّ مثل هذا الميزان يجوز الخطأ فيه ولا يوجب اليقين القطعي. وكذلك حُكْمُ الميزان الثاني وهو عبارة عن الأدلّة العقليّة والقياسات المنطقيّة. ففي الوقت الذي نشاهد فيه الأشياء المدرَكة متّحدة نشاهد الخلاف مستحكماً بين الفلاسفة في كلّ مسألة ولم تؤدّي الدلائل العقليّة إلى زوال الإختلافات العلميّة فإنقطع رجاء إطمئنان القلوب وحصول اليقين بها ولم تصبح قاعدة موثوقة في معرفة المسائل الدينيّة بل كثيرا ً ما حدث أنّ مسألة أُثبتت خلال سنين طويلة بأدلّة عقليّة ثمّ نُفيت تلك المسألة بنفس الأدلّة العقليّة مثال ذلك حركة الأرض أو سكونها وعدد الأفلاك وتناهي أبعاد العالم أو عدم تناهيها وإثبات الجوهر الفرد أو نفيه إلى أكثر من أمثال ذلك. وكذلك حُكم الميزان الثالث ميزان الأدلّة النقليّة لأنّ إدراك المنقول يعتمد على الموازين العقليّة أيضاً وحيث أنّ هذه الموازين مضطربة فالميزان الذي يتعلّق بها يكون مضطرباً أيضاً. وأما الميزان الرابع الذي هو ميزان الإلهام فقد سمّاه العرفاء الواردات القلبيّة وهو ميزان مجهول لا يجوز الإعتماد عليه أبداً ولا يؤدّي إلى القطع واليقين لأنّ الوساوس الشيطانيّة بإعتراف العرفاء هي من الخواطر القلبيّة أيضاً وصاحب هذه الوساوس يعتبرها إلهامات روحيّة ولهذا لم يتّفقوا مشايخ الطرق وأقطاب الصوفيّة في مشاهدتهم وقد إبتلوا تماماً بما إبتلى به المتمسّكون بالأدلّة العقليّة والمتمسّكون بالأدلّة النقليّة من الإختلافات. وحيث ثبت إختلال الموازين الأربعة يتّضح بعد ذلك سبب حدوث المذاهب المختلفة من قبيل عبادة الأوثان ووضع التماثيل في المعابد وعلّة بطلانها وإتّضح سبب عدم إنطباقها على الأديان الإلهيّة لأنّ مؤسّسي هذه المذاهب الذين كانوا فلاسفة اليونان والرومان والهند والصين وإخترعوا بسبب تمسّكهم بنفس هذه الموازين الباطلة والمدارك الناقصة عبادات مبتدعة وأجازوا وضع الاوثان في المعابد ظنّاً من الإنتفاع منها ولم يخترعوا هذه العبادات بسبب إعتمادهم على الوحي السماوي الذي هو ميزان أهل الله أو بتمسّكهم بالوضع الإلهيّ الذي يتمسّك به ويعتمد عليه عباد الله. لأنّ ميزان أهل الله وما يعتمد عليه العقلاء وأولو الإدراك من عباد الله هو البصيرة القلبيّة والإحساسات الوجدانيّة المعبَّر عنها بالعقل الكلّي الإلهيّ وهذا الميزان ميزان حقيقي وإلهيّ ومستفاد من الوحي السماوي الذي أسّسه الأنبياء العظام وكتبهم هي الكتب السماويّة التي تنجّي العالم من تيه الجهل والهوى وتهديه إلى رضوان العلم والهدى وتلك الكتب هي الصحف والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن والبيان والإيقان وسائر الآيات المنـزلة من قلم الرحمن ولهذا فكلّ ما نزل في هذه الكتب الإلهيّة من أصول الدين وطرق المعرفة لم يتبدّل ولن يتبدّل ولم يُمْحَ من العالم ولن يُمحى".

ذاك مختصر عبارات حضرة المناظر فلننظر الآن ماذا كتب جناب الشيخ في رسالته بعد أن ذكر عبارات حضرة المناظر بصورة ناقصة ومقتضبة. فقد كتب في الصفحة (25) من رسالته: "لا شكّ أنّ من ينظر مِن أولي العلم والبصيرة إلى هذا الرجل التافه وإلى كلامه في معارضتنا يحتار في أمره. هل صدرت هذه الخرافات والخيالات منه في حالة النوم أم في حين اليقظة؟ لأنّ بحثنا وإنتقادنا ماذا كان وجوابه ماذا كان؟ فإنّني أقول إنّه لو كان المراد بالغلبة هو مجرّد الغلبة الباطنيّة يستطيع عبدة الأوثان في هذا الزمان الموجودون حتماً في الهند واليابان أن يقولوا إنّ ديننا له آلاف السنين وهو مستمرّ وعددنا أكثر بكثير من عدد النصارى واليهود والمسلمين وليس ذلك إلاّ بسبب قوّة الغلبة الباطنيّة والمعنويّة التي كانت في نفس مؤسّس ديننا النفيس حيث كانت كلماته تزداد تأثيراً يوماً بعد يوم إلى أن وصلت إلى هذه المرحلة. وفي هذه الصورة يلزم الإعتراف بحقيقة المذهب الوثني والحال أنّ بطلان هذه الدين أظهر من الشمس فيجيب على ذلك بإستغراب ويقول: "سبحان الله أنّه لم يلاحظ أنّ المذاهب الوثنيّة ليست بإسلوب وترتيب الأديان الإلهيّة في ترتيبها وفي وحيها وفي أممها فمؤسّسوها هم الفلاسفة القدماء ومؤسّسو الأديان الإلهيّة هم الأنبياء العظام" فأنصفوا هل أنّ لهذا الجواب علاقة ونسبة ولو بسيطة بسؤالنا وبحثنا؟ فهل كتبتُ ولو بإشارة في أيّ مكان بأنّ المذاهب الوثنيّة بإسلوب وترتيب الأديان الإلهيّة حتّى تقول أنت بأنّها ليست بأسلوب وترتيب الأديان الإلهيّة وهل قلت أنّ مؤسّسي الأديان الوثنيّة هم من الأنبياء العظام حتّى تقول أنت بأنّ مؤسّسيها هم الفلاسفة الأقدمون؟ إنّ موضوع النـزاع يدور حول الغلبة التامّة، فنحن نقول إنّ المقصود من الغلبة هو الغلبة التامّة التي يجب أن تكون ظاهرة وموجودة في الظاهر والباطن وأنت تقول كلاّ إنّ المقصود هو مجرّد الغلبة المعنويّة التي تحصل بمرور الأيام وبتجدّد الزمان وأنا أقول لو كانت هذه هي الغلبة فإنّ أصحاب المذاهب الباطلة يستطيعون أيضاً أن يدّعوا ذلك وخاصّة عبدة الأوثان الذين تزيد مدّة دوام دينهم وكثرة عددهم على جميع الموقنين بالأديان الإلهيّة وأنت تقول كلاّ إنّ مؤسّسي أديانهم هم الفلاسفة وإنّ مؤسّسي أدياننا هم الأنبياء فهذا الجواب عديم المعنى وعديم الإرتباط لا يُضحك القارئ والسامع العاقل فحسب بل يُضحك القرويّين وأهل البوادي أيضاً. وأمّا تقسيمك موازين الإدراك إلى أربعة أقسام وأعتبارك جميع الأقسام مضطربة وكلّ موازين الحس والعقل والنقل والإلهام مختلّة معيوبة فمن الحيف أن أحيل زعمك ووهمك هذا على أرباب البصيرة بل أحيله على الأطفال الأذكياء وهم سوف يسألون جناب المناظر المخادع بكلّ بساطة هذا السؤال: "الآن لمّا إعتبرت ميزان العقل وإدراك الحواس والإلهامات الإلهيّة كلّها معيوبة مضطربة إذاً فجنابك بأيّ دليل لا يتعلّق بالعقل والنقل دخلت ميدان المناظرة؟ وإذا كان ميزان الحس مختلاًّ وغير معتبر فبأيّة واسطة عرفت الشعلة الجوالة هي نقطة لا دائرة أو إنّ ما يبدو شبيهاً بالماء ليس هو بماء بل سراب؟ ما هو الذي يحملك على قول هذا ولا يحملك على قول ذاك؟ وإذا كان ميزان النقل مختلاًّ فلماذا تستشهد بزعمك بآيات القرآن والإنجيل؟ أيّها المسكين ما معنى كلمة ميزان الله؟ وهل إنّ أقوال أهل الله لا تدخل في النقل والإلهام وإذا وجّه الطفل الذكيّ هذه الأسئلة إلى جناب المناظر المخادع ماذا سيكون جوابه عليها؟ مسكين إنّه لا يعرف كيف يخفق بيديه ورجليه ومن شدّة إضطراب قلبه وتزلزله حتّى ينجّي نفسه من شراك الخجل والمغلوبيّة " (إلى آخر كلام جناب الشيخ عافاه الله).

فالآن لا يرى هذا العبد في جواب جناب الشيخ إلاّ أن يوضح هنا شيئاً عن الديانات البوذيّة والبرهميّة والصابئيّة ويُبطل وَهْمَهُ حين ظنّ أنّ هذه الأديان تأسّست على عبادة الأوثان لأنّنا سبق أن شرحنا هذا الموضوع وبرهنّا عليه في مكانين ونقلنا أقوال المؤرّخين عن منشأ الديانة الصابئيّة وتلونا لأرباب البصائر الآيات الكريمة: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً" وهي آية تنادي بكلّ صراحة مبدأ جميع الأديان لو كانت تسمع الآذان التي يصدق في حقّها: "وَفي آذَانِهِمْ وَقْرٌ" وتُثبت سخافة كلام جناب الشيخ حين كتب: "والحال إنّ بُطلان هذه الدين أظهر من الشمس" لأنّ هذه الآيات المباركة تقول بصراحة إنّ جميع الأمم من دون إستثناء قد شرّع الله جلّ جلاله لها الشرائع والمناسك التي تتنسّك وتعمل بها اليوم. ويشهد التاريخ أنّ العبادات الباطلة كانت تدخل ولا تزال تدخل في الأديان الإلهيّة بواسطة أمثال جناب الشيخ ويا ليت كان لبريد النسيم طريق إلى محضر الشيخ الفهيم لِيَعرض من قِبَلِ هذا العبد قائلاً: "يا أيّها الشيخ الجليل! إنّ هذا الأديان التي تسمّيها بإسم الأديان الوثنيّة ليست أدياناً وثنيّة ولم يقم أحد بإيجاد دين وثني وبقي دينه. وأسماء هذه الأديان هي الديانة الصابئيّة والديانة البوذيّة والديانة البرهميّة وقد قام شارعوها كما قام رسول الله عليه السلام بإدّعاء الوحي السماوي وتشريع الدين الإسلامي فشرعوا الشرائع الصابئيّة والبوذيّة والبرهميّة بوحي سماوي وبعد ذلك بمرور الزمان وَضَعَ فقهاؤهم الجهلاء صور أولئك الشارعين وتماثيلهم إحتراماً وذكرى لهم وشاعت بين الملّة عبادة هذه الصور التي صارت هي الأوثان فيها وكلمة الوثن (بُت) محرّفة عن (بودا) أوّل شارع إلهيّ ظهر في الأمّة الصينيّة وشرّع الشريعة المعروفة. والآن لا أدري بعد هذه العبارات الواضحة هل تفهم مقصود كلام جناب المناظر البهائي حين كتب: "إنّ المذاهب الوثنيّة ليست بأسلوب وترتيب الأديان الإلهيّة" أو لا تزال بعد لا تستطيع فهمها وبدلاً عن الكلام المعقول تدعو لحمايتك صغار الأطفال وضعاف العقول وتكتب بدلاً عن الدليل والبرهان هجراً وهذياناً؟

أمّا تسميتك أنت والمؤرّخون للبرهميّين والبوذيّين والصابئين بإسم "عبدة الأوثان" كتسمية النصارى بإسم "عبدة الصليب" فإن كان إحترام الصليب وعبادته يستلزم بطلان الديانة المسيحيّة المقدّسة فإنّ إحترام الصور والتماثيل وعبادتها يستلزم بطلان الديانة الأصليّة البوذيّة والبرهميّة والصابئيّة.

ويقول جناب الشيخ: "إنّ المقصود من الغلبة التي وُعد بها في ظهور القائم الموعود هو الغلبة التامّة الظاهريّة والباطنيّة التي يجب أن تتجلّى في ظهور حضرته لا الغلبة الباطنيّة الروحانيّة التي تحصل بصورة تدريجية كما ظنّ البابيون. لماذا؟ بدليل أنّه لو كان المقصود بها هو الغلبة الباطنيّة التدريجيّة فإنّ الوثنيين الصينيّين واليابانيّين يستطيعون أن يقولوا إنّ هذه الغلبة الباطنيّة التدريجيّة قد ظهرت أيضاً في ديننا". والآن يسأل هذا العبد من أولي الإدراك: "إذا كان المقصود بالغلبة هو الغلبة الظاهريّة التدريجيّة كلتيهما أفلا يستطيع الوثنيّون الصينيّون واليابانيّون أن يقولوا إنّ هذا قد حصل في ديننا أيضاً؟ وألا يقول الزردشتيّون إنّ ديننا غلب العالم بالغلبة التامّة الظاهريّة والباطنيّة؟ ففي هذه الحال بماذا سيجيب جناب الشيخ هذه الملل؟ وبأيّ برهان يبرهن إمتياز دينه عن سائر الأديان؟ وقد أوضحنا في المبحث السابق أنّه لا يملك أبداً برهاناً غير ذلك الكلام الفارغ الذي يكرره قائلاً: "والحال إنّ بطلان هذا الدين أظهر من الشمس وأبين من الأمس" وقد فقد جناب الشيخ بحمد الله شعوره وإدراكه إلى درجة لا يستطيع معها أن يفهم بأنّه كما يعتبر بطلان سائر الأديان أوضح من الشمس فكذلك يعتبر أهل تلك الأديان دين جناب الشيخ واضح البطلان: "كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا" .

وخلاصة القول حيث أنّنا سبق أن أوفينا هذه المسألة بحثاً ودليلاً فلن نكرّر الكلام في هذا المقام مرّة أخرى ولنترك جناب الشيخ يستدعي لنصرته القرويّين وأهل البوادي ليضحك فلقد صحّ فيه المثل السائر: "وَشَرُّ البَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ" وانطبق عليه قول الله تبارك وتعالى: "فَلِيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلِيَبْكُوا كَثِيراً" .

والآن نتكلّم في الموازين الأربعة التي كانت موضع النـزاع بين المتناظرين والتي هاجت حولها أعاصير غضب المتفقّهين ولقد تعجّب جناب الشيخ قائلاً: "هل إنّ حضرة المناظر كان نائماً حين تجرّأ على كتابة هذه الكلمات؟" لو كان حضرة المناظر مستيقظاً لأدرك أنّه يجب أن لا يكتب مسألة غامضة عجزت عقول عظماء الفلاسفة في كلّ عصرٍ عن فهمها في جواب من لا شأن له في العالم. ويجب أن لا يرجو بصيرة الفؤاد التي إختُصّ بها الخاصّة من أصحاب النبيّين والمرسلين بحكم الحديث: "الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ" ممّن هو بعيد عنهم بمراحل. وقد سبق للبالغين في العالم أن قالوا ما ترجمته: " لمّا صار شغلك مع الأطفال فأطلق لسان الطفولة معهم". وخلاصة القول إنّ من المستحيلات أن يستطيع إنسان لم يدخل إلى عالمٍ أن ينظر بنظر أهل ذلك العالم ولهذا قال البالغون في وصف هذا النظر وهذا الإدراك: "مَنْ لم يَذُقْ لم يَدْرِ". وبعبارة أخرى يستحيل بيان هذه الحال لغير أهله ومع ذلك فإنّ الإنسان البصير لو يتدبّر في كيفيّة إيمان الطبقة الأولى من المؤمنين لَيستطيع أن يفهم مقصود حضرة المناظر لأنّ بطرس الرسول وسائر حواريّي عيسى عليه السلام وكذلك أمير المؤمنين وزيد بن رواحة وأبو بكر وعمر وسائر الصحابة لم يطلبوا في أوّل إيمانهم وإذعانهم آية ومعجزة وهي الدليل الحسّي ولم يؤمنوا بعبارات من التوراة والإنجيل وهي الأدلّة اللفظيّة ولم يستدلّوا بالبراهين الفلسفيّة والقوانين الحكميّة والقياسات المنطقيّة على صحّة دعوة النبوّة ولم يتمسّكوا بالواردات القلبيّة والجلسات الصوفيّة والمشقّات الرياضيّة بل عرفوا مظهر أمر الله فقط بنور التقوى والبصيرة القلبيّة كمّا صرّح بذلك حضرة المناظر وإعترفوا بصدق قوله وبهذه القوّة التي هي أعظم قوّة في العالم تغلّبوا على الأمم والأقوام.

ومع أنّ دلالة الدليل في جميع الفنون تسقط ما لم يحصل الإطمئنان القلبيّ ومع ذلك يُفهم من مجرى كلام حضرة المناظر بل من صريح عبارته أنّ حضرته أنكر قابلية الموازين الأربعة في معرفة مظاهر أمر الله. فلننظر الآن بنظر الإنصاف إلى كلّ واحد من هذه الموازين الاربعة ونزن قابليّة كلّ منها في معرفة مظاهر أمر الله.

(الميزان الاول) الحواس الظاهريّة. وواضح أنّ حجّية هذا الميزان ساقطة لدى أولي العلم نظراً لخطأ الحواس الظاهريّة في بعض المواقف لأنّ الميزان الذي يُعترف به هو الميزان الذي لا يخطئ ولكن حيث أنّ جناب الشيخ معروف في وسائل المغالطة والمجادلة لهذا نسأل منه هذا السؤال: "ألست أنت الذي تعتقد بأنّ الأنبياء عليهم السلام قد أظهروا المعجزات الظاهرة وخوارق العادات الباهرة؟ وألست أنت الذي أنكرتَ دلالة الإستشهاد وحجّية القتل في سبيل الله ووضعتَ المقتولين في سبيل الطمع والدناءة في مصاف أصحاب البلايا وأصحاب الشهادة وإعترفت بأنّ المعارضين للأنبياء والأئمّة كان لهم منتهى الإيمان والإعتماد على عقائدهم ورفعوا راية التضحية بسبب ثبوت ورسوخ عقائدهم الباطلة؟ وفي هذه الحال شاهد الكفّار بإعتقادك معجزات محسوسة ولم تورث تلك المشاهدة إطمئناناً لقلوبهم فأيّ إطمئنان بقيَ لك بالإحساسات الظاهريّة والإدراكات الحسّيّة؟ وألم تر عينُ الكافر وعينُ المؤمن كلتاهما ذلكم الوجه المنير لخير البشر وألم تسمع أذن المعرض وأذن المقبل كلتاهما نغمة الآيات الإلهيّة؟ ولكن يا لله من هذا الميزان المخالف والمعيار غير المنصف الذي كانت كفّة واحدة منه في السماء وكانت الكفّة الأخرى على الأرض وكانت تلك تشاهد النور الإلهيّ وكانت هذه بذاتها نفسانيّة بحتة وكانت تلك تشاهد الرحمة والنعمة والهداية وكانت هذه بذاتها التفرقة والذلّة والضلال وكانت تلك تسمع نغمة طيور العليّين وكانت هذه بذاتها طنطنة أساطير الأوّلين، فنعم ما قيل ما ترجمته: "لو إعتبرت الحسّ الحيواني سلطاناً لشاهدَتِ البقرةُ والحمارُ ربّهما".

(الميزان الثاني) وهو المعبر عنه بالأدلّة العقليّة والقياسات المنطقيّة فإنّ إضطرابه وعدم كفاءته أظهر من الميزان الحسّي وخاصّة في معرفة مظاهر أمر الله وفي الوقت الذي ثبت فيه إختلال هذا الميزان في المعارف الفلكيّة والطبيعيّة وإنكشف فيه بطلان أكثر معتقدات الفلاسفة السابقين فأيّة قيمة بقيت لهذا الميزان؟ ولو ينظر الإنسان في عقائد الفلاسفة اليونانيّين والمصريّين ليفهم مقصود حضرة المناظر في عدم كفاءة البراهين العقليّة لأنّ هؤلاء الفلاسفة العظام الذين بلغ صيتهم وسموّ مقامهم الشرق والغرب وإنتقلت الأدلّة العقليّة والقياسات المنطقيّة بالوراثة منهم إلى فلاسفة المسلمين والنصارى ولم يستطع واحد منهم عند ظهور عيسى وخاتم النبيّين عليهما السلام أن ينجي نفسه من العقائد الوثنيّة السخيفة بواسطة هذه الأدلّة والقياسات أو يفوز بشرف الإيمان بعيسى وخاتم النبيّين عليها السلام بل كان هؤلاء الفلاسفة أقوى مانع دون نفوذ أمر عيسى عليه السلام وقد ألّفوا كتباً كثيرة في ردّ حضرته وفي مقاومة أمر الله حتّى أنّ بولس الرسول في الفقرة الثامنة من الإصحاح الثاني في رسالته إلى الكوليسين قد أوصى المؤمنين قائلاً: "لا يَسْبِيكُمْ أحَدٌ بِالفَلْسَفَةِ وَلا يَصْطَادَكُمْ أحَدٌ بِعُلُومِ الْحِكْمَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ النّاسِ" فإتّضح ممّا عرضناه أنّ هذه القياسات المنطقيّة لم تكن أبداً ميزاناً لمعرفة الحقّ ولم تكن سبباً لهداية إنسان.

(الميزان الثالث) وهو الأدلّة النقليّة والمفاهيم الخطابيّة وإختلاله أوضح من سائر الموازين وفضاحته أصرح من كلّها في معرفة الحقائق لأنّ هذه الأدلّة حرمت اليهود مدّة ألف وثمنمائة سنة من معرفة عيسى وخاتم النبيّين عليهما السلام بل كان هذا الميزان المختلّ بالضرورة والعيان سبباً لخسران عامّة أهل الأديان لأنّك لو إستفسرت من اليهود مثلاً لماذا لم تصدّقوا أمر عيسى عليه السلام؟ فمن الواضح أنّهم يجيبونك قائلين إنّ السبب في ذلك هو ظهور خلاف لنصوص التوراة. ولو إستفسرت من المجوس لماذا لم تخضعوا للظهورات المقدّسة موسى وعيسى ومحمّد عليهم السلام؟ فإنّهم يقولون بكلّ وضوح إنّ هذه الظهورات كانت منافية لصحف ابراهيم. وإذا سألت من النصارى لماذا كذّبتم أمر خاتم النبيّين بكلّ وثوق وإطمئنان؟ فإنّهم من دون تردّد يقولون إنّ ظهور محمّد ينافي الإنجيل ويخالف النصوص الصريحة في هذا الكتاب الجليل. والسوق الآن سوق الإسلام والدور دور العلماء الأعلام فإذا لم ينتبه عقلاء الأمّة المرحومة ولم ينتفعوا من تجارب الأمم المذكورة وتمسّكوا بحبل هذا الميزان الظاهر في الخسران فمعلوم ماذا سيكون ربحهم وإلى أين سينتهي أمرهم. ولمّا عُلم أنّ أسباب ضلال الأمم الأولى هو تمسّكها بنفس هذه الأدلّة النقليّة تستطيعون أن تفهموا معنى الحديث الشريف الذي ذكرنا سابقاً روايته في مجلّد الغيبة من كتاب بحار الأنوار عن فضيل بن يسار أنّه قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "إنَّ قَائِمَنَا إذَا قَامَ إسْتُقْبِلَ مِنْ جُهَلاءِ النَّاسِ أشَدَّ مِمَّا إسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللهِ مِنْ جُهَّالِ الْجَاهِلِيَّةِ". فقلت كيف ذلك قال: "إنّ رَسُولَ اللهِ أتَى النَّاسَ وَهُمْ يَعْبِدُونَ الْحِجَارَةَ وَالصُّخُورَ وَالعِيدَانَ وَالْخَشَبَ الْمَنْحُوتَةَ وَإنَّ قَائِمَنَا إذَا قَامَ أتَى النّّاسَ وَكُلُّهُمْ يَتَأوَّلُ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِهِ" ثمَ قال: "أمَّا وَاللهِ لَيَدْخُلُنَّ عَلَيْهِمْ عَدْلُهُ جَوْفَ بُيُوتِهِمْ كَمَا يَدْخُلُ الْحَرُّ وَالقَرُّ".

وهذا يعني أنّ المعارضين لرسول الله كانوا قوماً أمّيّين ولكنّ المعاندين والمعارضين للقائم الموعود سوف يكونون الفقهاء والعلماء. وواضح أنّ معارضة الأميّ الجاهل أسهل من معارضة العالم الفاضل الذي يحرّف حيناً آيات القرآن ويفسّرها ضدّ أمره ومرّة يكفّر حضرته بالضروريّات الدينيّة وأحياناً يعتبر عدم إيمان الفلاسفة والحكماء دليلاً على بطلان أمره وأحياناً يعتبر خرق الجبال ووصل البحار ألزم من إطاعة أوامره. والأبدع من كلّ هذا يتّهم حضرته في عين إبتلائه وسجنه وجلوسه في عقر داره باللهو والملذّات ويعتبر بياناته غير مقبولة بسبب مخالفتها لتفسير النصارى والأبدع من هذا يأمر حضرته بالسفر إليه والتشرّف به ويعتبر نفسه معذوراً عن السفر في طلب الحقّ فإن لم يطعه يأخذ القلم ويكتب الفتوى في ردّه وتكفير أحبائه.

فإتّضح ممّا ذكرناه أنّ ميزان الأدلّة النقليّة ميزان مختلّ تاه به عالِمٌ ومعيار ناقص صار في سوق المعارف سببا للضرر وشباكاً لخسران أهل العالم.

(الميزان الرابع) هو الإلهامات الصوفيّة والواردات القلبيّة وهو في الحقيقة كما وصفه جناب المناظر ميزان مجهول لا أظنّ أنّ العقلاء في كلّ أمّة يعتمدون عليه في معرفة الأنبياء وفي عرفان الأديان ولا يعقل أبداً أن يعلّق الحقّ جلّ جلاله تأسيس الديانة بآراء أهل الرياضات أو يوكل أحكام العبادات والمعاملات التي يتعلّق بها رقيّ الأمم وإنتظام العالم إلى أوهام الصوفيّة وأفكارها. ويا لله من ميزانٍ يكون أساسه مبنيّاً على الرياضات الشاقّة غير المأثورة والعبادات الباطلة غير المشروعة وتكون نتيجته بطالة الأمّة وكسلها وإنزواؤها وخمولها وواضح عدم أهميّة هذا الميزان بحيث لا يحتاج إلى أن نتكلّف الإستدلال ولا يليق من أجله تطويل المقال خاصّة وإنّ كبار المشايخ وأقطاب الطرق الصوفيّة ليسوا متّفقين وكلّ واحد منهم يعتبر أفكاره إلهامات حقيقيّة ويعتبر أفكار سائر المشايخ وساوس شيطانيّة فأيّ إعتبار يبقى بعد ذلك لهذا الميزان وما هو المميّز بين هذه الوساوس الشيطانيّة وتلك الإلهامات الرحمانيّة؟ والآن بعد أن إتّضحت درجات أهميّة وإعتبار الموازين الأربعة فلننظر في كلام حضرة شيخ الإسلام الذي كتبه بإسلوب الإستنكار والإستغراب حين كتب: "أيّها المسكين ما معنى كلمة ميزان الله؟" وكتب كذلك: "إذاً فجنابك بأيّ دليل لا يتعلّق بالعقل والنقل دخلت ميدان المناظرة؟" في حين أنّ حضرة المناظر كتب بكلّ صراحة إنّ الميزان الصحيح هو أمر الله الذي ظهر بواسطة مظاهر الأمر مثل موسى وعيسى وخاتم النبيّين والنقطة الأولى والجمال الأقدس الأبهى وصار سبباً في حصول اليقين في أفئدة المصدّقين والمؤمنين فلا إضطراب في هذه الموازين الإلهيّة ولا إختلاف في أصولها ومبانيها فكلّ ما وُزن بهذا الميزان الإلهيّ ورُجّح قُبل. وكلّ ما لم يرحّج كان مردوداً. [يا أولي البصائر النيّرة والقلوب المدركة]! أنّ الحقّ جلّ جلاله يتفضّل في سورة الحديد: "لَقَدْ أرْسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأنْزَلْنَا مَعَهُمْ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيُقَوِّمَ النَّاسَ بِالْقِسْطِ" فلاحظوا أنّ الله جلّ وعلا بكلّ صراحة يتفضّل أنّنا أنزلنا مع الأنبياء الكتاب والميزان لتكون بذلك إستقامة الأمّة وجناب الشيخ بكلّ وقاحة يكتب: "أيّها المسكين ما معنى كلمة ميزان الله؟" ولكن هل فكّر جناب شيخ الإسلام في يوم من الأيام بأنّ الميزان الذي أرسله الله مع الأنبياء أيّ ميزانٍ كان؟حاشا وكلاّ أن يكون قد فكّر بذلك لأنّه لو إنتبه إلى هذا المعنى لما تجاسر أبداً بكتابة هذه العبارات وممّا لا يخفى على أولي البصيرة أنّ الميزان الذي أنزله الحقّ جلّ جلاله مع الأنبياء لم يكن ميزان الحواس الظاهريّة لأنّ هذه الحواس مخلوقة مع الإنسان لا أنّها نزلت بمجيئ الأنبياء وكذلك لم يكن ذلك الميزان الذي أنزله الحقّ جلّ جلاله مع الأنبياء هو ميزان القياسات المنطقيّة والقوانين العقليّة لأنّ أيّ رسول ظهر لم يصنِّف كتاباً في المنطق ولم يعلّم أمّته ترتيب القضايا وأستنتاج النتائج على النحو الذي يعلّمه الفلاسفة وواضح كذلك أنّ المقصود بذلك الميزان الذي أنزله الحقّ مع الأنبياء لم يكن بشارات السابقين وأخبار الأوّلين لأنّ تلك البشارات جاءت مع النبي السابق لا مع النبي اللاحق وكذلك لم يكن المقصود بذلك الميزان هو الجلسات الصوفيّة والواردات القلبيّة عند المشايخ لأنّه لم يرد أيّ ذكر أو أيّة إشارة لهذه الخرافات في كتب الأنبياء ولم ينـزل حرفاً أو كلمة على مظاهر أمر الله حول أهميّة هذه الأفكار. فأيّ نبيّ ظهر وعلّم أمّته آداب المراقبة وأوكل معرفة حضرته إلى الرياضات الشاقّة؟ فواضح في هذه الحال وضوح الشمس في وسط السماء أنّ المقصود بهذا الميزان الذي أنزله الحقّ مع الأنبياء هو الروح القدس المعبّر عنه بالعقل الإلهيّ والمفسَّر بأمر الله النازل من السماء. ولعمر الله لو كان لي قلم في صلابة الحديد وأصابع بشدّة الفولاذ ولسان أفصح من فصحاء العالم وبيان أبلغ من بلغاء الأمم لما إستطعت أن أصف كما ينبغي وأوضح كيف أنّ المعترضين على الله بعيدين عن المشرب العذب الإلهيّ وكم إنتبذوا عن فهم ظواهر آيات القرآن مكاناً قصيّاً بحيث أنّهم يرون هذه الآيات الصريحة في القرآن ويكتبون هذه الإنتقادات الركيكة، فإعتبروا يا اولي الأبصار. وقد كتب جناب الشيخ: "وإذا كان ميزاناً مختلاًّ فلماذا تستشهد بزعمك بآيات القرآن والإنجيل؟" نعم يا حضرة الشيخ لأنّها منطبقة مع ميزان الله الذي هو ظهور القائم الموعود. ومن الواضح أنّ اليهودي لو يستدلّ بعبارات التوراة على ردّ عيسى عليه السلام فذاك خطأ وعلى العكس من ذلك النصراني الذي يستدلّ في إثبات أمر عيسى عليه السلام بعبارات التوراة فإنّه على صواب لأنّ ميزان الله هو ظهور حضرة المسيح الذي يُثبت قول النصارى لا اليهود. وكذلك لو إستدلّ النصارى في ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعبارات الإنجيل فإنّهم مخطئون. وبالعكس لو إستدلّ المسلمون بعبارات الإنجيل فإنّهم على صواب لأنّ الميزان الصحيح هو ظهور خاتم النبيّين عليه السلام وهو الذي يُثبت قول المسلمين لا النصارى. وكذلك أمر القائم الموعود فالمؤمن بحضرته يستطيع الإستدلال بعبارات التوراة والإنجيل والقرآن ولا يستطيع ذلك المعرض عن حضرته لأنّ ميزان الله الذي هو نفس الظهور يُثبت قول المقبل لا المعرض ويرجّح إستدلال المؤمن لا المنكر وهذا الميزان الإلهيّ لم ينقطع أبداً عن العالم ولن ينقطع والمتمسّك به لم يخسر أبداً ولن يخسر [هو العروة الوثقى والحبل الممدود في جميع القرون والأزمان وهو الميزان الذي أخبر الله تعالى عنه بقول: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانْ"].

يا حضرة الشيخ فهِمنا أنّك بعيد عن إدراك هذه المسائل ولكن هل لم تقرأ القرآن الشريف أيضاً وهو الذي ينادي بنداء أحاط العالمين: "ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ" ؟ وهل أنّ الإيمان والعلم والعرفان يحصل بغير إطمئنان القلب ويقينه؟ وهل تفضّل ["ألا بالأدلّة الحسيّة تطمئنّ القلوب"؟] وهل ورد: "ألا بالقياسات المنطقيّة تتيقّن النفوس"؟ وهل نزل في أيّة سورة "ألا بالبشارات اللفظيّة تستنير الصدور"؟ وهل وردت آية نُصّ فيها: "ألا بالإلهامات الصوفيّة تستقيم الأمور"؟ وقد فسّر بعض مفسّري القرآن الآية المذكورة بنفس القرآن الكريم وإعتبرها الآخر دالّة على الأذكار والصلاة والدعاء والتضرّع وفسّرها أئمّة الهدى عليهم السلام بالقائم الموعود وفي كلّ حال كانت الموازين الأربعة خارجة عن موضوع هذه الآية. وبهذا يتّضح صِدْقُ قول حضرة المناظر وصحّته. وأنت سواءً أدعوت الأطفال لمساعدتك أو أجلست القرويّين وأهل البوادي في مجلس الضحك والقهقهة فليست لدينا حجّة ولا دليل غير نفس مظهر أمر الله وكتابه ولا نرى سعادتنا بغير التمسّك بهذا الحبل الممدود والعروة الوثقى:

(وَلَيْسَ يَصُحُّ في الأذْهَانِ شَيْئٌ إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إلى دَلِيلٍ)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى