منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مع كتاب المفاوضات لحضرة عبد البهاء 3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي

الرّجعة التّي أخبر بها الأنبياء

السّؤال: نرجو بيان مسألة الرّجعة.

الجواب: قد شرح حضرة بهاء الله هذا المطلب في كتاب الإيقان بالتّفصيل والوضوح، فارجعوا إليها تتّضح لكم حقيقية هذه المسألة جليّة، وحيث سألت الآن عن ذلك فسأتكلّم باختصار، ولنذكر عنوان هذه المسألة من الإنجيل فقد صرّح فيه أنّه لمّا ظهر يحيى بن زكريّا وكان يبشّر النّاس بملكوت اللّه سألوه من أنت؟ هل أنت المسيح الموعود؟ فأجاب لست بالمسيح، ثمّ سألوه أأنت إيليّا؟ قال لا، فمن هذا البيان ثبت وتحقّق أنّ حضرة يحيى بن زكريّا ليس بإيليّا المعهود، ولكن حضرة المسيح يوم التّجليّ في جبل الطّابور صرّح بأنّ يحيى بن زكريّا كان إيليّا الموعود، ففي الآية 11 من أصحاح 9 من إنجيل مرقس يقول "فسألوه لماذا يقول الكتبة إنّ إيليّا ينبغي أن يأتي أوّلاً فأجاب وقال لهم أنّ إيليّا يأتي أوّلاً ويردّ كلّ شيء وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألّم كثيراً ويرذل لكن أقول لكم أنّ إيليّا أيضاً قد أتى وعملوا به كلّ ما أرادوا كما هو مكتوب عنه" وفي إنجيل متّى آية 13 أصحاح 17 يقول "حينئذٍ فهم التّلاميذ أنّه قال لهم عن يوحنّا المعمدان" والحال أنّهم سألوا يوحنّا المعمدان هل أنت إيليّا؟ قال لا، على أنّه في الإنجيل يقول إنّ يوحنّا المعمدان كان نفس إيليّا الموعود، ويصرّح المسيح أيضاً بهذا، حينئذٍ كان حضرة يوحنّا هو حضرة إيليّا فلماذا قال أنا لست إيليّا؟ وإن لم يكن هو إيليّا فكيف يقول حضرة المسيح إنّه كان إيليّا؟

إذاً لم يكن النّظر إلى الشّخصيّة في هذا المقام، بل النّظر إلى

حقيقة الكمالات، أي أنّ تلك الكمالات التّي كانت في حضرة إيليّا كانت متحقّقةً بعينها في يوحنّا المعمدان، وعلى هذا كان حضرة يوحنّا المعمدان هو إيليّا الموعود، فليس النّظر هنا إلى الذّات بل إلى الصّفات، مثلاً في العام الماضي كان الورد موجوداً وفي هذه السّنة أيضاً وجد الورد فأنا أقول قد رجع ورد العام الماضي، والحال أنّي لا أقصد بذلك رجوع ورد العام الماضي بعينه وشخصيّته، ولكن لمّا اتّصف هذا الورد بصفات الورد في العام الماضي يعني بمثل رائحته ولطافته ولونه وشكله، فلذا يقولون عاد ورد العام الماضي، وهذا الورد هو عين ذلك الورد. يأتي الرّبيع فنقول جاء أيضاً ربيع السّنة الماضية لأنّ كلّ ما كان موجوداً في الرّبيع الماضي موجود أيضاً في هذا الرّبيع، لذا يقول حضرة المسيح سترون كلّ ما وقع في زمن الأنبياء السّالفين. ولنأتِ بيان آخر، إنّ حبّة غرست في السّنة الماضية فظهر منها غصن وورق وبرعم وثمر وفي النّهاية تحوّلت إلى حبّة أيضاً، فعندما تزرع هذه الحبّة ثانية تنبت شجرة وتعود وترجع تلك الأغصان والأوراق والبراعم والثّمار وتظهر تلك الشّجرة كاملة، وحيث أنّ الأولى كانت حبّة والثّانية أيضاً حبّة فنقول إنّ الحبّة رجعت، ولكن حينما ننظر إلى مادّة الشّجرة نجد أنّ هذه المادّة مادة أخرى أمّا إذا نظرنا إلى البراعم والأوراق والثّمر نجد نفس ذلك الطّعم والرّائحة واللّطافة، إذاً فقد عاد كمال الشّجرة مرّة أخرى، وعلى هذا المنوال لو ننظر إلى الشّخص نراه شخصاً آخر أمّا لو ننظر إلى الصّفات والكمالات نراها عادت ورجعت، لذا قال حضرة المسيح "هذا إيليّا" يعني هذا الشّخص مظهر الفيوضات والكمالات والأخلاق والصّفات والفضائل التّي كانت لإيليّا، ويوحنّا المعمدان قال أنا لست إيليّا، فحضرة المسيح كان ناظراً إلى الصّفات

والكمالات والأخلاق والفيوضات في كليهما، ويوحنّا كان ناظراً إلى شخصيّته المادّيّة، مثل هذا السّراج الموجود فإنّه كان منيراً ليلة أمس ثم أنير أيضاً هذه اللّيلة وسيضاء اللّيلة الآتية أيضاً، فنقول إنّ سراج اللّيلة هو سراج اللّيلة البارحة وقد رجع ذلك السّراج فالمقصود هو النّور لا الدّهن والفتيل والمشكاة. وهذه التّفاصيل مشروحة ومفصّلة في كتاب الإيقان.

(30)
أنت الصّخرة وعليك أبني كنيستي

السّؤال: مذكور في إنجيل متّى أنّ المسيح قال لبطرس أنت الصّخرة وعليك أبني كنيستي فما معنى هذا؟

الجواب: إنّ هذا البيان من حضرة المسيح تصديق لقول بطرس حينما قال له "أنت المسيح بن الله الحيّ" ثم قال حضرة المسيح في جوابه "أنت الكيفا" والكيفا في اللّغة العبريّة هي الصّخرة ولذا قال حضرة المسيح "وعلى هذه الصّخرة أبني كنيستي" لأنّ بعضهم قال لحضرة المسيح أنت إيليّا، وقال بعضهم أنت يوحنّا المعمدان، وقال بعضهم أنت إرميا أو أحد الأنبياء، فأراد حضرة المسيح أن يؤيّد بيان بطرس بالكناية أو الإشارة ولكونه تسمّى بالصّخرة قال بهذه المناسبة أنت الصّخرة وعليك أبني كنيستي يعني سيكون أساس دين اللّه مبنيّاً على عقيدتك: إنّ المسيح ابن اللّه الحيّ، وعلى هذه العقيدة سيوضع أساس كنيسة اللّه التّي هي شريعة اللّه، ووجود قبر بطرس بروميّة مشكوك فيه وغير مسلّم به، غير أنّ البعض يقول إنّه في أنطاكية،

وفضلاً عن هذا فلو نطبّق أعمال بعض الباباوات على شريعة حضرة المسيح نجد أنّ حضرته كان جائعاً عرياناً يأكل الحشائش في هذه البرّيّة وما رضي بتكدير قلب أحد، مع أنّ البابا يجلس في عربة مرصّعة ويمضي أوقاته بنهاية العظمة في جميع الملذّات والشّهوات وحبّ الذّات والنّعمة التّي لا يتيسّر للملوك مثلها، على أنّ حضرة المسيح لم يكدّر نفساً ولكنّ بعضاً من الباباوات قتلوا نفوساً كثيرة بريئة، فارجعوا إلى التّاريخ لتعلموا كيف كانوا يعارضون الحقيقة وكم سفكوا من الدّماء محافظةً على سلطتهم الزّمنيّة وكم اضطهدوا وسجنوا، وقتلوا الآلاف من خدّام الإنسانيّة وأهل المعرفة الذّين كشفوا أسرار الكائنات وذلك فقط لمجرّد المخالفة في الرّأي وكم كانت معارضتهم شديدة للحقيقة. تأمّلوا في وصايا حضرة المسيح وتفحّصوا في أحوال الباباوات وأطوارهم، فهل تجدون أيّة مشابهة بين وصايا حضرة المسيح وأطوار حكومة الباباوات، مع أنّنا لا نحبّ ذمّ النّفوس والقدح فيها ولكنّ تاريخ الفاتيكان مملوء بالعجائب، والمقصود من هذا أنّ وصايا حضرة المسيح شيء وأطوار حكومة البابا شيء آخر، وليس بينهما تشابه ما. انظروا كم قتلوا من البروتستانت وكان كلّه بفتوى البابا، وكم أباحوا من الظّلم والجور وكم عذّبوا النّاس واضطهدوهم. فهل تستشمّ روائح حضرة المسيح الطيّبة الذّكيّة من هذه الأعمال؟ لا واللّه، فهؤلاء ما أطاعوا المسيح بل إنّ بربارة القدّيسة التّي صورتها أمامنا قد أطاعت حضرة المسيح واقتفت أثره وأجرت وصاياه، وكان من بين الباباوات نفوس مباركة اتّبعوا خطوات حضرة المسيح، وعلى الخصوص في القرون المسيحيّة الأولى التّي كانت فيها الأسباب الدّنيويّة مفقودة والامتحانات الإلهيّة شديدة، ولكن لمّا تيسّرت أسباب السّلطنة وحصلت العزّة والسّعادة الدّنيويّة نسيت حكومة البابا المسيح بالكلّيّة واشتغلت

بالسّلطنة والعظمة والرّاحة والنّعم الدّنيويّة وقتلت النّفوس وعارضت في نشر المعارف وآذت أرباب الفنون وحالت دون انتشار نور العلم وحكمت بالقتل وشنّ الغارة وهلك آلاف من النّفوس من أهل الفنون والمعارف والأبرياء في سجن روميّة، فكيف مع وجود هذا السّلوك وتلك الأعمال يكون البابا خليفة حضرة المسيح، فكرسيّ حكومة البابا كان معارضاً للعلم دائماً، حتّى صار من المسلّم في أوروبّا أنّ الدّين معارض للعلم والعلم مخرّب لبنيان الدّين، والحال أنّ دين اللّه مروّج للحقيقة ومؤسّس للعلم والمعرفة ومشوّق للعرفان، وهو أسّ المدنيّة للنّوع الإنسانيّ وكاشف لأسرار الكائنات ومنّور للآفاق، بناءً على ذلك فكيف يعارض العلم، أستغفر اللّه عن ذلك، أجل إنّ العلم لدى اللّه أفضل ميزة للإنسان وأشرف الكمالات البشريّة، فمعارضة العلم جهل وكاره العلوم والفنون ليس بإنسان، بل هو حيوان لا شعور له، لأنّ العلم نور وحياة وسعادة وكمال وجمال ووسيلة التّقرّب لدى عتبة الأحديّة وشرف العالم الإنسانيّ وأعظم موهبة إلهيّة، فالعلم حقيقة الهداية والجهل عين الضّلالة، طوبى للذّين يصرفون أيّامهم في تحصيل العلوم وكشف أسرار الكائنات والتّدقيق في الحقيقة وويل للذّين يقتنعون بالجهل والغفلة وتنشرح قلوبهم بالتّقاليد وهم ساقطون في أسفل دركات الجهل والذّهول وأعمارهم ذاهبة أدراج الرّياح.

(31)
القضاء والقدر

السّؤال: إذا كان اللّه يعلم أنّه سيصدر عمل ما من شخصٍ وثبت ذلك بالقدر في اللّوح المحفوظ فهل يمكن مخالفة ذلك؟

الجواب: العلم بالشّيء لا يكون سبباً لحصوله لأنّ علم اللّه محيط بحقائق الأشياء قبل وجودها وبعد وجودها على حدّ سواء ولا يكون سبباً لوجود الشّيء وهذا من الكمال الإلهيّ، فمثلاً النّبوّات التّي جاءت على لسان الأنبياء بالوحي الإلهيّ الخاصّة بظهور الموعود في التّوراة لم تكن هي السّبب في ظهور حضرة المسيح، فقد أوحى إلى الأنبياء بأسرار المستقبل المكنونة ووقفوا على ما سيقع وأخبروا بها ولم يكن علمهم هذا ونبوءاتهم سبب حصول الوقائع، مثلاً يعلم كلّ إنسانٍ في هذه اللّيلة أنّ الشّمس ستطلع بعد مضيّ سبع ساعات، فعلم جميع النّاس هذا لا يكون سبب تحقّق طلوع الشّمس، إذاً فعلم اللّه لا يكون أيضاً سبباً لحصول صور الأشياء في عالم الإمكان بل هو مقدّس عن الزّمان الماضي والحال والاستقبال، وهو عين تحقّق الأشياء لا سبب تحقّقها، وكذلك ذكر الشّيء وثبوته في الكتاب لا يكون سبب وجود الشّيء. فالأنبياء اطّلعوا بالوحي الإلهيّ أنّه هكذا سيكون، مثلاً اطّلعوا بالوحي الإلهيّ على أنّ المسيح سيستشهد وأخبروا به فهل كان علم الأنبياء واطّلاعهم على هذا سبباً لشهادة حضرة المسيح؟ لا بل هذا الاطّلاع كمال للأنبياء لا سبب حصول الشّهادة، والرّياضيّون يعلمون بالحساب الفلكيّ بحصول الخسوف والكسوف بعد مدّة معيّنة، ويقيناً أنّ علمهم هذا لا يكون سبباً لوقوع الخسوف والكسوف، هذا من باب التّمثيل لا من باب التّصوير.



لا تعرف الألوهيّة إلاّ بواسطة المظاهر الإلهيّة

السّؤال: ما حقيقة الألوهيّة وما علاقتها بالمطالع الرّبّانيّة والمشارق الرّحمانيّة؟

الجواب: اعلم أنّ الألوهيّة وكنه ذات الأحديّة تنزيه صرف وتقديس بحت، يعني منزّه ومبرّأ عن كلّ نعت، وأنّ جميع الأوصاف العالية في مراتب الوجود أوهام لدى ذلك المقام، غيب منيع لا يدرك وذات بحت لا يوصف، لأن الذّات الإلهيّة محيطة وجميع الكائنات محاط ولا شكّ أنّ المحيط أعظم من المحاط لهذا لا يمكن أن يكتنه المحاط من أحاط به ويدرك حقيقته، فمهما ترقّت العقول ووصلت إلى منتهى درجة من الإدراك، فغاية إدراكها مشاهدة آثاره وصفاته في عالم الخلق لا في عالم الحقّ، لأنّ ذات حضرة الأحديّة وصفاتها في علوّ التّقديس فليس للعقول والإدراكات سبيل إلى ذلك المقام "السّبيل مسدود والطّلب مردود" ومن الواضح أنّ قوّة الإدراك الإنساني فرع لوجود الإنسان والإنسان آية الرّحمن فكيف يحيط فرع الآية بموجد تلك الآية، يعني أنّ الإدراك الذي هو فرع وجود الإنسان يعجز عن أن يدرك حقيقة الألوهيّة، لهذا فتلك الحقيقة الإلهيّة مخفيّة عن جميع الإدراكات ومستورة عن عقول جميع البشر والصّعود إلى ذلك المقام ممتنع محال.

ونحن نرى أن كل دانٍ عاجز عن إدراك حقيقة ما فوقه، مثلاً إنّ الحجر والمدر والشّجر مهما ترقّى لا يقدر على إدراك حقيقة الإنسان ولا يتصوّر البصر والسّمع وسائر الحواس، مع أنّ جميعها مخلوق،

فكيف إذاً يهتدي الإنسان المخلق إلى إدراك حقيقة ذات الخالق المقدّس، فليس للإدراك في هذا المقام سبيل ولا للبيان طريق ولا للإشارة مجال.

وأنَّى للذّرّة التّرابيّة أن تبلغ إلى عالم التّنزيه وما النّسبة بين العقل المحدود والعالم اللاّمحدود؟ (عجزت العقول عن إدراكه وحارت النّفوس في بيانه)* "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللّطيف الخبير" فكلّ ذكر وبيان في هذا المقام قاصر وكلّ تعريف وتوصيف غير لائق وكلّ تصوّر ساقط وكلّ تعمّق باطل، ولكنّ لجوهر الجواهر وحقيقة الحقائق وسرّ الأسرار هذا تجلّيات وإشراقات وظهور وجلوة في عالم الوجود، ومطالع ذلك الإشراق ومجالي ذلك التّجلّي ومظاهر ذلك الظّهور هم المطالع المقدّسة والحقائق الكلّيّة والكينونات الرّحمانيّة الّذين هم المرايا الحقيقيّة للذّات المقدّسة الإلهيّة، وجميع الكمالات والفيوضات والتّجلّيات لذات الحقّ ظاهرة باهرة في حقيقة المظاهر القدسيّة كالشّمس السّاطعة في المرآة الصّافية اللّطيفة بجميع كمالاتها وفيوضاتها.

ولو قيل أنّ المرايا هي مظاهر الشّمس ومطالع نيّر الإشراق، فليس المقصود من ذلك أنّ الشّمس تنزّلت من علوّ تقديسها وتجسّمت في هذه المرآة أو أنّ تلك الحقيقة غير المحدودة تحدّدت في هذا المكان المشهود، أستغفر الله عن ذلك، فهذا اعتقاد الطّائفة المجسّمة، ولكنّ جميع الأوصاف والمحامد والنّعوت راجع إلى هذه المظاهر المقدّسة، يعني أنّ كلّ ما نذكرها من الأوصاف والنّعوت والأسماء والصّفات كلّها ترجع إلى تلك المظاهر الإلهيّة، أمّا حقيقة الذّات الإلهيّة فلم يكتنهها أحد حتّى

________________
* ما بين القوسين عربي النّصّ.

يشير إليه بإشارة أو بيان أو يذكرها بالمحامد والنّعوت، إذاً فكلّ ما تعلمه الحقيقة الإنسانيّة أو تجده من الأسماء أو تدركه من الصّفات والكمالات راجع إلى تلك المظاهر المقدّسة، وليس لها سبيل إلى أيّة جهة أخرى "السّبيل مقطوع والطّلب مردود" ولكنّنا نبيّن لحقيقة الألوهيّة أسماء وصفات ونصفها بالسّمع والبصر والقدرة والحياة والعلم، فإثبات هذه الأسماء والصّفات ليس برهاناً لكمالات الحقّ بل لنفي النّقائص عنه، لأنّنا لو ننظر في عالم الإمكان نرى أنّ الجهل نقص والعلم كمال، لهذا نقول أنّ الذّات المقدّسة الإلهيّة عليم، وأنّ العجز نقص والقدرة كمال فنقول أنّ الذّات الأقدس الإلهيّ قادر، لأنّنا لا يمكننا أن ندرك العلم والبصر والسّمع والقدرة والحياة للذّات الإلهيّة كما هي، لأنّ ذلك فوق إدراكنا حيث أنّ الأسماء والصّفات الإلهيّة عين الذّات، والذّات منزّهة عن الإدارك، ولو لم يكن عين الذّات للزم تعدّد القديم، وما به الامتياز بين الذّات والصّفات يلزم أن يكون قديماً ومحقّقاً أيضاً، وذلك يؤدّي إلى تسلسل القدماء وعدم تناهيها وهذا واضح البطلان، إذاً فجميع هذه الأوصاف والأسماء والمحامد والنّعوت راجع إلى مظهر الظّهور، وما عدا هذا من التّصوّر أو التّفكير ما هو إلاّ أوهام، إذ لا سبيل لنا إلى الغيب المنيع لهذا قيل "كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيكم فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم" ومن الواضح أننا لو نريد أن نتصوّر حقيقة الألوهيّة فإنّ هذا التّصوّر محاط ونحن به محيطون، ولا شكّ أنّ المحيط أعظم من المحاط. فثبت من هذا واتّضح أنّ تصوّرنا لحقيقة الألوهيّة في غير المظاهر المقدّسة أوهام محضة، إذ ليس إلى حقيقة الألوهيّة الّتي تعبّر بالمنقطع الوجداني سبيل، وكلّ ما يدخل تحت تصوّرنا أوهام، وعلى هذا فانظر كيف أنّ طوائف العالم تطوف حول الأوهام وعبدة أصنام التّصوّر والأفكار وهم لا يعلمون،

يعدّون أوهامهم حقيقة مقدّسة عن الإدراك ومنزّهة عن الإشارات ويحسبون أنفسهم من أهل التّوحيد ويعتبرون سائر الملل من عبدة الأوثان، والحال أنّ الأصنام لها وجود جماديّ محقّق، أمّا أصنام الأفكار وتصوّرات الإنسان فهي أوهام محضة بل لا وجود لها أيضاً في عالم الجماد (فاعتبروا يا أولي الأبصار)*

واعلم أنّ الصّفات الكماليّة وجلوة الفيوضات الإلهيّة وأنوار الوحي ظاهرة باهرة في جميع المظاهر المقدّسة، ولكن لكلمة الله الكبرى حضرة المسيح والاسم الأعظم حضرة بهاء الله ظهور وبروز فوق التّصوّر لأنّهما كانا حائزين لجميع كمالات المظاهر السّابقة وأحرزا فوق ذلك الكمالات الّتي تجعل سائر المظاهر الأخرى تابعة لهما، مثلاً إنّ جميع أنبياء بني إسرائيل كانوا مظاهر الوحي وكان حضرة المسيح مهبط الوحي أيضاً، ولكن أين وحي كلمة الله من إلهام إشعيا وإرميا وإيليّا.

لاحظ أنّ الأنوار عبارة عن تموّجات المادّة الأثيريّة الّتي يتأثّر بتموّجاتها عصب البصر وبها يحصل الإبصار، فنور السّراج يحصل من تموّجات المادّة الأثيريّة، ومن ضوء الشّمس تكون أيضاً تموّجات المادة الأثيريّة، ولكن أين نور الكواكب والسّراج من نور الشّمس، وإنّ للرّوح الإنسانيّ في رتبة الجنين جلوة وظهوراً وكذلك لها في رتبة الطّفولة والبلوغ والكمال إشراقاً وبروزاً، فالرّوح روح واحدة ولكنّها في الرّتبة الجنينيّة فاقدة حاسّتيّ السّمع والبصر أمّا في رتبة البلوغ والكمال فإنّها تكون في نهاية الظّهور والجلوة والإشراق، وكذلك الحبّة في بداية نبتها ورقة وهي مظهر روح النّبات وأيضاً في رتبة الثّمر مظهر تلك الرّوح، يعني أنّ تلك القوّة النّامية ظاهرة فيها بمنتهى الكمال،

_________________
* ما بين القوسين عربيّ النّصّ.

ولكن أين مقام الورقة من مقام الثّمر لأنّ في الثّمر تظهر مائة ألف ورقة ولو أنّ الكلّ ينمو وينشأ بروح واحدة نباتيّة.

دقّق النّظر ما أبعد البون بين فضائل وكمالات حضرة المسيح وإشراقات وتجلّيات حضرة بهاء الله وبين فضائل أنبياء بني إسرائيل مثل حزقيل وصموئيل، فمع أنّ الكلّ مظاهر الوحي إلاّ أن الفرق بينهم لا يتناهى والسّلام.

(33)
تنقسم مراتب مظاهر الظّهور إلى ثلاث مراتب

اعلم أنّ المظاهر المقدّسة وإن كانت مقالات كمالاتهم لا تتناهى إلاّ أنّ لهم ثلاث مراتب. فالمرتبة الأولى هي الجسمانيّة، والثّانية الإنسانيّة الّتي هي النّفس النّاطقة، والثّالثة هي الظّهور الإلهيّ والجلوة الرّبّانيّة.

أمّا المقام الجسمانيّ فمحدث لأنّه مركّب من العناصر ولا بدّ لكلّ تركيب من تحليل، ولا يمكن ألاّ يتحلّل التّركيب، والمقام الثّاني مقام النّفس النّاطقة الّتي هي حقيقة الإنسانيّة وهي محدثة أيضاً، والمظاهر المقدّسة مشتركة مع جميع النّوع الإنسانيّ في ذلك.

اعلم أنّ النّفوس البشريّة حادثة على هذه الكرة الأرضيّة وإن كانت قد مرّت عليها العصور والأجيال، وبما أنّها آية إلهيّة فهي بعد وجودها باقية أبديّة، وللرّوح الإنساني بداية ولكن ليست له نهاية وهي باقية إلى الأبد، وكذلك أنواع الموجودات في الكرة الأرضيّة حادثة، ومن المسلّم أنّه في وقت ما لم تكن جميع هذه الأنواع على وجه الأرض بل إنّ هذه الكرة الأرضيّة لم تكن موجودة، أمّا عالم الوجود

فقد كان لأنّ الوجود ليس محصوراً في الكرة الأرضيّة، والمقصود ههنا أنّ النّفوس الإنسانيّة وإن كانت حادثة لكنّها باقية مستمرّة أبديّة، لأنّ عالم الأشياء عالم النّقص بالنّسبة للإنسان وعالم الإنسان عالم الكمال بالنّسبة إلى الأشياء وعندما تصل النّقائص إلى درجة الكمال تحظى بالبقاء، هذا مثل أقوله فاهتد أنت إلى المقصود .

والمقام الثّالث هو الظّهور الإلهيّ والجلوة الرّبّانيّة وكلمة الله والفيض الأبديّ والرّوح القدس، وهو لا أوّل ولا آخر له لأنّ الأوّليّة والآخريّة إنّما هما من خصائص عالم الإمكان وليس بالنّسبة إلى عالم الحق، أمّا عند الحقّ فالأوّل عين الآخر والآخر عين الأوّل، مثل ذلك كمثل الأيّام والأسابيع والشّهور والسّنين والأمس واليوم بالنّسبة إلى الكرة الأرضيّة، أمّا بالنّسبة إلى الشّمس فلا وجود لهذه الاعتبارات، فلا يقال الأمس ولا اليوم ولا الغد ولا الشّهر ولا السّنة بل كلّها متساوية، وكذلك كلمة الله منزّهة عن جميع هذه الشّؤون ومقدّسة عن الحدود والقيود والقوانين المتعلّقة بعالم الإمكان، أمّا حقيقة النبوّة التي هي كلمة الله والمظهريّة الكاملة فليست لها بداية ولن تكون لها نهاية، ولكنّ إشراقها متفاوت كإشراق الشّمس، مثلاً إن طلوعها في برج المسيح كان في نهاية الإشراق والسّطوع وهو باقٍ سرمديّ، انظر كم جاء من الملوك الّذين استولوا على العالم وكم ظهر من الوزراء والأمراء ذوي التّدبير، كلّهم اندثروا وانمحت آثارهم بينما نسائم حضرة المسيح في هبوب مستمرّ وأنواره لا تزال ساطعة وصوته مسموعاً وعَلَمه مرفوعاً وجيشه مكافحاً وهاتفه مليح اللّحن وسحابه يمطر الدّرر وسَنا برقه لامعاً وتجلّيه واضحاً لائحاً وجلوته ساطعة لامعة، وكذلك جميع النّفوس الّتي استظلّت بظلّه واستضاءت بأنواره، إذاً صار من المعلوم

إنّ لمظاهر الظّهور مقامات ثلاث، مقام البشريّة، ومقام النّفس النّاطقة، ومقام الظّهور الرّبّاني والجلوة الرّحمانيّة، فمقام الجسد لا بدّ أن يتلاشى، أمّا مقام النّفس النّاطقة فهي وإن كان لها أوّل فلا آخر لها بل مؤيّدة بحياة أبديّة، أمّا الحقيقة المقدّسة كما يقول حضرة المسيح "الأب في الابن" فليست لها بداية ولا نهاية. فالبداية هي عبارة عن مقام إظهار الأمر، والسّكوت قبل الظّهور يشبَّه بالنّوم، مثله كمثل شخص كان نائماً فلمّا أن تكلّم عُلِم أنّه متيقّظ، وذلك الشّخص النّائم حينما يستيقظ فإنّه هو نفسه لم يحصل تفاوت في مقامه وسموّه وعلوّه وحقيقته وفطرته، فشُبِّه مقام السّكوت بالنّوم وعبِّر عن مقام الظّهور باليقظة، فالإنسان إنسان سواء كان نائماً أم مستيقظاً والنّوم أحد أحواله واليقظة حال أخرى، فيُعبَّر عن زمان السّكوت بالنّوم ويعبَّر عن الظّهور والدّعوة للهدى باليقظة، ففي الإنجيل يقول "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله" إذاً اتّضح أنّ حضرة المسيح كان حائزاً للمقام المسيحيّ وكمالاته من قبل غسل التّعميد، ولم يكن غسل التّعميد سبباً لنزول روح القدس على حضرة المسيح في صورة حمامة، بل إنّ الكلمة الإلهيّة كانت ولا تزال في علوّ التّقديس والسّلام.

(34)
في بيان المراتب الجسمانيّة والرّوحانيّة
لمظاهر الظّهور

سبق أن قلنا أن لمظاهر الظّهور مراتب ثلاث، الأوّل الحقيقة الجسمانيّة الّتي تتعلّق بهذا الجسد، والثّاني الحقيقة الشّاخصة

(أي مشخّصة) أي النّفس النّاطقة، والثّالث الظّهور الرّبّانيّ وهو الكمالات الإلهيّة وسبب حياة الوجود وتربية النّفوس وهداية الخلق ونورانيّة الإمكان.

فمقام الجسد مقام البشريّة وهو يتلاشى لأنّه تركيب عنصريّ وما يتركّب من العناصر لا بدّ من تحليله وتفريقه، أمّا الحقيقة الشّاخصة للمظاهر الرّحمانيّة فهي حقيقة مقدّسة، لأنّها من حيث الذّات والصّفات ممتازة عن جميع الأشياء، مثلاً إنّ الشّمس من حيث الاستعداد تقتضي الإنوار ولا تقاس بالأقمار، فالأجزاء المركّبة منها كرة الشّمس لا تقاس بالأجزاء المركّبة منها كرة القمر، وتلك الأجزاء وذلك التّركيب يقتضي ظهور الأشعّة، أمّا الأجزاء المركّب منها القمر فلا تقتضي الإشعاع بل تقتضي الاقتباس، وعلى هذا فسائر الحقائق الإنسانيّة هي نفوس كالقمر الّذي يقتبس الأنوار من الشّمس. أمّا تلك الحقيقة المقدّسة فهي مضيئة بنفسها.

والمقام الثّالث هو نفس الفيض الإلهيّ وجلوة جمال القديم وإشراق أنوارالحيّ القدير، وليس للحقيقة الشّاخصة للمظاهر المقدّسة انفكاك عن الفيوضات الإلهيّة والجلوة الرّبّانيّة، لهذا فصعود المظاهر المقدّسة عبارة عن تركهم هذا القالب العنصريّ، كالسّراج المتجلّي في هذه المشكاة ينقطع شعاعه منها عند تلاشيها، أمّا فيض السّراج فلا ينقطع، وبالاختصار فالفيض القديم في المظاهر المقدّسة بمثابة السّراج والحقيقة الشّاخصة بمثابة الزّجاج والهيكل البشريّ بمثابة المشكاة فلو تحطّمت المشكاة فالمصباح مضيء.

والمظاهر الإلهيّة هم مرايا متعدّدة لأنّهم ذوو شخصيّة مخصوصة، أمّا المتجلّي في هذه المرايا فهي شمس واحدة، ومن المعلوم أنّ الحقيقة

المسيحيّة غير الحقيقة الموسويّة، ولا شكّ أنّ الحقيقة المقدّسة واقفة على سرّ الوجود من البداية وآثار العظمة ظاهرة واضحة فيها من سنّ الطّفولة، فكيف لا يكون لها الشّعور حينئذٍ مع وجود هذه الفيوضات والكمالات.

قد ذكرنا للمظاهر المقدّسة ثلاث مقامات: مقام الجسد، والحقيقة الشّاخصة، والمظهريّة الكاملة، مثل الشّمس وحرارتها وضيائها، ولسائر النّفوس أيضاً مقام الجسد ومقام النّفس النّاطقة أي الرّوح والعقل، فالمقامات الّتي يذكر فيها كنت نائماً مرّت عليَّ نفحات الله وأيقظتني هي كبيان حضرة المسيح الّذي يتفضّل فيه بقوله "أما الرّوح فنشيط وأمّا الجسد فضعيف" أي أنّ المشقّة أو الرّاحة أو التّعب هذه كلّها راجعة إلى مقام الجسد ليس لها دخل بتلك الحقيقة الشّاخصة ولا بمظهر الحقيقة الرّحمانيّة، مثلاً تلاحظ أنّه يحدث في جسد الانسان ألف انقلاب ولكن ليس للّروح خبر عن هذا أبداً، فمن الممكن أن يختلّ بعض الأعضاء كلّيّة من جسد الإنسان ولكن جوهر العقل باقٍ مستقرّ، يرد على الملابس مائة ألف آفة ولكنّه لا يحدث للابسها أيّ خطر وما تفضّل حضرة بهاء الله قائلاً كنت نائماً مرّت عليَّ النّسائم فأيقظتني راجع إلى الجسد، وليس في عالم الحقّ زمن ماضٍ وحالٍ ومستقبل فالماضي والحال والاستقبال كلّها واحدة، مثلاً يقول حضرة المسيح كان في البدء الكلمة يعني كان ويكون وسيكون لأنّه ليس من زمان في عالم الحقّ، بل حكم الزّمان للخلق لا للحقّ، مثلاً يقول في الصّلاة "فليكن اسمك مقدّسا" والمقصود من هذا أنّ اسمك كان مقدّساً وسيظلّ مقدّساً، مثلاً إنّ الصّبح والظّهر والعصر هو بالنّسبة إلى الأرض أمّا في الشّمس فليس ثمّة صبح ولا عصر ولا ظهر ولا مساء.

(35)
بيان كيفيّة قوّة العلم الحائز لها المظاهر الإلهيّة

السّؤال: من جملة القوى الحائز لها المظاهر الإلهيّة قوّة العلم فما هي حدود تلك القوّة؟

الجواب: إن العلم على قسمين علم وجوديّ وعلم صوريّ، أي العلم التّحقّقيّ والعلم التّصوّريّ، فعلم جميع الخلق بكافّة الأشياء إمّا بالتّصوّر أو بالمشاهدة، يعني أنّهم إمّا أن يتصوّروا تلك الأشياء بقوّة العقل أو يشاهدوها فتنعكس صورها في مرايا القلوب ودائرة هذا العلم محدودة ضيّقة جدّاً لأنّها مشروطة بالاكتساب والتّحصيل.

وأمّا القسم الثّاني المعبّر عنه بالعلم الوجوديّ والتّحقّقيّ فمثله كإدراك الإنسان ومعرفة نفسه بنفسه، مثلاً إنّ عقل الإنسان وروحه واقفان على جميع حالاته وأطواره وأعضائه وأجزائه العنصريّة ومطّلعان على جميع حواسّه الجسمانيّة، وكذلك على قوى نفسه وحواسها وأحوالها الرّوحانيّة، فهذا العلم هو العلم الوجوديّ الّذي يتحقّق به الإنسان وهو يحسّه ويدركه، لأنّ الرّوح محيط بالجسم ومطّلع على حواسّه وقواه، وهذا العلم ليس من قبيل الاكتساب والتّحصيل، بل هو أمر وجوديّ وموهبة محضة، ولمّا كانت حقائق المظاهر الكلّيّة الإلهيّة المقدّسة محيطة بالكائنات من حيث الذّات والصّفات ومتفوّقة عليها وملمّة بالحقائق الموجودة ومطّلعة على جميع الأشياء، فلهذا كان علمهم علماً إلهيّاً لا اكتسابيّاً أي فيض قدسيّ وانكشاف رحمانيّ، فلنضرب مثلاً لإدراك هذه المسألة، الإنسان أشرف الموجودات الأرضيّة ومحيط

بعالم الحيوان والنّبات والجماد، يعني إنّ هذه المراتب مندمجة فيه وهو حائز لهذه المقامات والمراتب وحيث أنّه حائز لهذه المقامات فهو واقف على خفاياها ومطّلع على سرّ وجودها هذا مَثَل وليس مِثلاً .

وبالاختصار فالمظاهر الكلّيّة الإلهيّة مطّلعون على حقائق أسرار الكائنات، لهذا يؤسّسون الشّرائع الّتي تناسب وتتّفق مع حال العالم الإنسانيّ، لأنّ الشّريعة هي الرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الكائنات، فمظهر الظّهور يعني الشّارع المقدّس إذا لم يكن مطّلعاً بحقائق الكائنات ولا مدركاً للرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقائق الممكنات فإنّه لا يستطيع ألبتّة وضع شريعة مطابقة للواقع وموافقة للحال، فأنبياء الله هم المظاهر الكلّيّة والأطبّاء الحذّق، وعالم الإمكان بمثابة الهيكل البشريّ والشّرائع الإلهيّة هي الدّواء والعلاج، إذاً فالطّبيب يجب أن يكون مطّلعاً وعالماً بجميع أعضاء المريض وأجزائه وطبيعته وأحواله، حتّى يمكنه أن يرتّب الدّواء النّافع للسّمّ النّاقع، وفي الحقيقة إنّ الحكيم يستنبط الدّواء من نفس الأمراض العارضة على المريض، لأنّه يشخّص المرض ثمّ يرتّب العلاج للعلّة المزمنة، فإن لم يشخّص المرض فكيف يمكنه أن يرتّب العلاج والدّواء، إذاً يجب أن يكون الطّبيب مطّلعاً تمام الاطّلاع على جميع الأمراض وعلى طبيعة المريض وأعضائه وأجزائه وأحواله عالماً بكافّة الأدوية حتّى يصف دواءً موافقاً، إذاً فالشّريعة هي الرّوابط الضّروريّة المنبعثة من حقيقة الكائنات، وحيث أنّ المظاهر الكلّيّة الإلهيّة مطّلعون على أسرار الكائنات فهم عارفون بتلك الرّوابط الضّروريّة الّتي يقرّرون على وفقها شريعة الله.




(36)
الأدوار الكلّيّة

السّؤال: ما معنى الأدوار الكلّيّة الّتي يقال أنّها وقعت في عالم الوجود؟ نرجو بيان حقيقة هذه المسألة.

الجواب: كما أنّ لكلّ واحد من الأجرام النّورانيّة في هذا الفضاء الّذي لا يتناهى دورة زمانيّة، وكلّ يدور في فلكه في أزمنة مختلفة وبعد أن يتمّ دورته يبتدئ في دورة جديدة مرّة أخرى، مثلاً إنّ الكرة الأرضيّة تتمّ دورتها في كل 365 يوماً وخمس ساعات و48 دقيقة وكسور وبعدها تبتدئ في دورة جديدة أي أنّ الدّورة الأولى تتجدّد مرّة أخرى، كذلك عالم الوجود الكلّي سواء في الأنفس أو في الآفاق له دورة من الحوادث الكلّيّة والأحوال والأمور العظيمة، وعند انتهاء الدّورة تبتدئ دورة جديدة وتنسى الدّورة القديمة بالكلّيّة بسبب وقوع الحوادث العظيمة بحيث لا يبقى لها أثر ولا خبر، كما أنّكم تلاحظون أنّه لا خبر أبداً لما حدث قبل 20 ألف سنة مع أننا أثبتنا من قبل بالدّلائل أنّ عمران هذه الكرة الأرضيّة قديم جدّاً، فلا مائة ألف سنة ولا مائتا ألف سنة ولا مليون سنة ولا مليونا سنة بل هو قديم جدّاً فالآثار القديمة وأخبارها مقطوعة قطعاً كلّيّاً.

كذلك لكلّ مظهر من المظاهر الإلهيّة دورة زمانيّة تجري فيها أحكامه وتسري فيها شريعته، وحينما ينتهي دوره بظهور مظهر جديد تبتدئ دورة جديدة، وعلى هذا المنوال تأتي الأدوار وتنتهي وتتجدّد حتّى تنتهي دورة كلّيّة في عالم الوجود، وتقع حوادث كلّيّة ووقائع عظيمة بحيث لا يبقى أثر ولا خبر لما سبق قطعيّاً، ثم يبتدئ دور كلّيّ

جديد في عالم الوجود إذ ليس لعالم الوجود بداية وقد أقيم الدّليل والبرهان من قبل على هذه المسألة فلا احتياج للتّكرار.

وبالاختصار نقول إنّ الدّورة الكلّيّة لعالم الوجود عبارة عن مدّة مديدة وقرون وأعصار عديدة من غير حدٍّ ولا حساب، وتتجلّى مظاهر الظّهور في تلك الدّورة في ساحة الشّهود حتّى يتجلّى ظهور عظيم كلّيّ يجعل الآفاق مركز الإشراق وظهوره يكون سبب بلوغ العالم رشده ودورته تمتدّ كثيراً، ثم تنبعث المظاهر في ظلّه من بعده ويجدّدون بعض الأحكام المتعلّقة بالجسمانيّات والمعاملات حسب اقتضاء الزّمان وهم مستظلّون بظلّه، فنحن في دورة بدايتها آدم والظّهور الكلّيّ لها حضرة بهاء الله.

(37)
قوّة نفوذ المظاهر الإلهيّة وتأثيرهم

السّؤال: ما درجة قوّة أعراش الحقيقة -مظاهر الظّهور الإلهي- وما حدود نفوذهم؟

الجواب: انظروا في عالم الوجود أي الكائنات الجسمانيّة تجدوا أنّ المجموعة الشّمسيّة مظلمة قاتمة، والشّمس في هذه الدّائرة هي مركز الأنوار وجميع السّيارات الشّمسيّة طائفة حولها ومستشرقة من فيوضاتها فالشّمس هي سبب الحياة والنّورانيّة وعلّة نشوء كافّة الكائنات ونموّها في الدّائرة الشّمسيّة، ولولا فيوضات الشّمس في هذه الدّائرة ما تحقّق وجود كائن حيّ بل لأظلم الكلّ وتلاشى، إذاً صار من الواضح المشهود

أنّ الشّمس مركز الأنوار وسبب حياة الكائنات في الدّائرة الشّمسيّة، فكذلك المظاهر المقدّسة الإلهيّة هم مراكز أنوار الحقيقة ومنابع الأسرار ومفيضو المحبّة يتجلّون على عالم القلوب والأفكار ويبذلون ويفيضون بالفيوضات الأبديّة على عالم الأرواح ويهبون الحياة الرّوحانيّة ويتلألأون الحقائق والمعاني، فاستضاءة عالم الأفكار إنّما هي من مركز تلك الأنوار ومطلع تلك الأسرار، فلولا فيض التجلّي وتربية تلك النّفوس المقدّسة لكان عالم النّفوس والأفكار ظلمة في ظلمة، ولولا التّعاليم الصّحيحة من مطالع الأسرار لكان عالم الإنسانيّة مسرح الأطوار الحيوانيّة والأخلاق البهيميّة وكان وجود الجميع وجوداً مجازيّاً والحياة الحقيقيّة مفقودة، وهذا معنى ما قيل في الإنجيل "في البدء كان الكلمة" يعني صار سبب حياة الجميع. فنلاحظ الآن كم لقرب الشّمس وبعدها وطلوعها وغروبها من الآثار الواضحة والنّتائج الظّاهرة في الكائنات الأرضيّة، فوقتاً خريف وتارةً ربيع وطوراً صيفاً وحيناً شتاءً، وعندما تمرّ خطّ الاستواء يتجلّى الرّبيع المنعش للرّوح، وحينما تصل سمت الرّأس تبلغ الفواكه والأثمار إلى درجة الكمال وتنضج الحبوب والنّباتات وتفوز الكائنات الأرضيّة بمنتهى درجة النّشوء والنّموّ، فكذلك المظهر المقدّس الرّبّاني الّذي هو شمس عالم الخلق، عندما يتجلّى على عالم الأرواح والأفكار والقلوب يأتي الرّبيع الرّوحاني وتقبل الحياة الجديدة وتظهر قوّة الرّبيع البديع وتشاهد الموهبة العجيبة، كما أنّكم ترون أنّ في ظهور مظهر من المظاهر الإلهيّة يحصل رقيّ عجيب في عالم العقول والأفكار والأرواح، وعلى الأخصّ في هذا العصر الإلهيّ تلاحظون مدى ما حصل من التّرقّي في عالم العقول والأفكار، مع أنّه في بداية الإشراق، وعمّا قريب ترون أنّ هذه الفيوضات الجديدة وهذه التّعاليم الإلهيّة ستنير هذا العالم المظلم

وتجعل هذه الأقاليم المحزونة فردوساً أعلى ولو عكفنا على بيان آثار وفيوضات كلّ واحد من المظاهر المقدّسة ليطول بنا الكلام جدّاً، ففكّروا أنتم وتمعّنوا بأنفسكم لتهتدوا على حقيقة هذه المسألة.

(38)
الأنبياء قسمان

السّؤال: إلى كم قسم تنقسم الأنبياء؟

الجواب: إنّ الأنبياء على قسمين: الأوّل الأنبياء المستقلّون المتبوعون والثّاني الأنبياء التّابعون غير المستقلّين، فالأنبياء المستقلّون هم أصحاب الشّريعة ومؤسّسو الأدوار الجديدة الّذين بظهورهم يلبس العالم خلعة جديدة ويؤسّس دين جديد وينزل كتاب جديد وهم يقتبسون الفيوضات من الحقيقة الإلهيّة بدون واسطة، نورانيّتهم نورانيّة ذاتيّة كالشّمس تضيء بذاتها لذاتها والضّياء من لوازمها الذّاتيّة وليس مقتبسة من كوكب آخر، فهؤلاء هم مطالع الأحديّة ومنابع الفيوضات الإلهيّة ومرايا ذات الحقيقة.

والقسم الثّاني من الأنبياء هم التّابعون والمروّجون، لأنّهم فروع غير مستقلّين يقتبسون الفيض من الأنبياء المستقلّين ويستفيدون نور الهداية من النبوّة الكلّيّة كالقمر الّذي لا ضياء ولا سطوع له من ذاته لذاته بل يقتبس الأنوار من الشّمس، فمظاهر النبوّة الكلّيّة المستقلّون في ظهورهم هم كحضرة إبراهيم وحضرة موسى وحضرة المسيح وحضرة محمّد وحضرة الأعلى (الباب) وحضرة بهاء الله. وأمّا القسم الثّاني

من الأنبياء فهم التّابعون والمروّجون كسليمان وداود وإشعيا وإرميا وحزقيال.

فالأنبياء المستقلّون كانوا مؤسّسين، أي أسّسوا شريعة جديدة وخلقوا النّفوس خلقاً جديداً وبدّلوا الأخلاق العامّة وروّجوا مسلكاً ومنهجاً جديداً، فتجدّد الكور وتشكّل دين جديد، فظهور هؤلاء بمثابة موسم الرّبيع الذّي فيه يلبس جميع الكائنات الأرضيّة خلعاً جديدة ويحيا حياة جديدة، وأمّا القسم الثّاني من الأنبياء هم التّابعون الّذين يروّجون شريعة الله ويعمّمون دين الله ويعلون كلمة الله، وليست قدرتهم وقوّتهم من أنفسهم بل يستفيدونها من الأنبياء المستقلّين.

(39)
بوذا وكنفيوش

السّؤال: ماذا كان بوذا وكنفيوش؟

الجواب: إنّ بوذا أيضاً أسّس ديناً جديداً وكنفيوش جدّد الأخلاق القديمة ودعا النّاس إلى الصّراط المستقيم. ولكن ما أسّساه انهار انهياراً كلّيّاً ولم تثبت ولم تستمر الأمم البوذيّة والكنفيوشيّة على عبادتهم ومعتقداتهم الأصليّة، ومؤسّس هذا الدّين كان شخصاً جليلاً أسّس الوحدانيّة الإلهيّة ولكن بعده ذهبت تعاليمه الأصليّة بالتّدريج من بين أتباعه بالكّلّية وابتدعت عادات ورسوم جاهليّة حتّى انتهت بعبادة الصّور والتّماثيل، مثلاً انظروا إنّ حضرة المسيح وصّى كراراً ومراراً بالوصايا العشرة المذكورة في التّوراة وأكّد باتّباعها والتّشبّث

بها، ومن جملة الوصايا العشرة هو ألاّ تعبدوا الصّور والتّماثيل بينما الآن توجد الصّور والتّماثيل الكثيرة في بعض الكنائس المسيحيّة.

إذاً صار من الواضح المعلوم أنّ دين الله لا يبقى بين الطّوائف على أساسه الأصليّ، بل يتغيّر ويتبدّل بالتّدريج حتّى ينمحي وينعدم انعداماً كلّيّاً. لهذا يتجدّد الظّهور وتؤسّس شريعة جديدة، لأنّه لو لم يطرأ عليها التّغيير والتّبديل لما احتاجت إلى التّجديد، فهذا الشّجر كان في البداية في منتهى الطّراوة مملوءاً بالأزهار والأثمار ثم صار عتيقاً قديماً لا ثمر له قطّ، بل يبس وصار هشيماً، فمن أجل هذا يغرس البستانيّ الحقيقيّ أشجاراً يافعة من نوع تلك الأشجار وصنفها، فتنشأ وتنمو يوماً فيوماً فيرف في هذه الحديقة الإلهيّة ظلّها الممدود وتؤتي ثمراً محموداً، وكذلك الأديان تتغيّر بمرور الأيّام عن أساسها الأصليّ، وتذهب حقيقة دين الله وروحه من بين النّاس بالكلّيّة، وتروج بينهم البدع، ويصبح دين الله جسماً بلا روح، ومن أجل هذا تتجدّد الأديان.

والمقصود أنّ هو ملّة الكنفيوش وبوذا يعبدون الآن الصّور والتّماثيل غافلين كلّيّاً عن الوحدانيّة الإلهيّة، بل يعتقدون بآلهة موهومة كما كان يعتقد قدماء اليونان مع أنّ الأساس لم يكن كهذا بل كان منهجاً آخر وأساساً آخر.

انظروا كيف نُسي أساس دين المسيح وراجت البدع، فمثلاً قد نهى حضرة المسيح عن التّعدّي والانتقام بل أمر بالخير والتّسامح تلقاء الشّرّ والمضرّة، والآن انظروا كم وقع من الحروب الدّمويّة في نفس الطّائفة المسيحيّة، وكم حصل من الظّلم والجفاء والافتراس وسفك الدّماء، ووقعت بفتوى البابا كثير من الحروب السّابقة. إذاً صار

من الواضح المعلوم أنّ الأديان تتغيّر وتتبدّل تبدّلاً كلّيّاً بمرور الأيّام ثمّ تتجدّد.

(40)
بيان المقصود من عتاب الله لحضرات الأنبياء
في الكتب المقدّسة

السّؤال: ورد في الكتب المقدّسة بعض خطابات زجر وعتاب موجّهة لحضرات الأنبياء، فمن المخاطب بذلك ولمن وجّه العتاب؟

الجواب: إنّ الجميع الخطابات الإلهيّة التي عوتب بها حضرات الأنبياء إنّما المقصود بها أممهم، ولو أنّها بحسب الظّاهر موجّهة إلى حضراتهم، وحكمة ذلك محض الشّفقة والرّحمة بالأمم، حتّى لا تتألّم نفوسهم ولا تتكدّر خواطرهم ولا يكون الخطاب والعتاب ثقيلاً عليهم، لهذا كان الخطاب بحسب الظّاهر موجّهاً إلى الأنبياء ولكنّه في الحقيقة للأمم، وفضلاً عن هذا فالسّلطان المقتدر المستقلّ في مملكته إنّما يمثّل شعبه ورعيّته، يعني قوله قول الجميع، وكل معاهدة يبرمها هي معاهدتهم، لأنّ إرادة شعبه ورعيّته فانية في إدارته ومشيئته، كذلك كلّ نبيّ إنّما يمثّل أمّته وملّته، لهذا فعهد الله وخطابه مع النّبيّ هو عهد وخطاب مع كلّ الأمّة والغالب أنّ خطاب الزّجر والعتاب يثقل على النّفوس ويسبّب انكسار القلوب.

لهذا اقتضت الحكمة البالغة توجيه الخطاب في الظّاهر لحضرات الأنبياء، وذلك يتوضّح من التّوراة نفسها حيث أنّ بني إسرائيل عصوا

وقالوا لحضرة موسى نحن لا نقدر أن نحارب العمالقة، لأنّهم أقوياء أشدّاء شجعان، فعاتب الله موسى وهارون، مع أنّ حضرة موسى لم يكن عاصياً، بل كان في نهاية الطّاعة، ولا شكّ أنّ شخصاً جليلاً كحضرة موسى الّذي هو واسطة الفيض الإلهيّ والمبلّغ لشريعة الله لا بدّ وأن يكون مطيعاً لأمر الله، فهذه النّفوس المباركة إنّما هم كأوراق الشجرة المتحرّكة بهبوب النّسيم لا بإرادتها، لأنّ هذه النّفوس المباركة منجذبة بنفحات محبّة الله ومسلوبة الإرادة بالكلّيّة، فقولهم قول الله، وأمرهم أمر الله، ونهيهم نهي الله، وهم بمثابة هذا الزّجاج ضوؤه من السّراج ومهما سطع الشّعاع من الزّجاج بحسب الظّاهر فهو في الحقيقة إنّما يسطع من السّراج، وكذلك حركة أنبياء الله ومظاهر الظّهور وسكونهم بوحي إلهيّ لا عن هوى نفساني، فإن لم يكن هكذا كيف يكون ذلك النّبيّ أميناً وكيف يكون سفيراً للحقّ ومبلّغاً لأوامره ونواهيه، إذاً فكلّ ما جاء في الكتب المقدّسة عتاباً لمظاهر الظّهور هو من هذا القبيل.

الحمد لله أنت أتيت إلى هنا وتلاقيت بعباد الله فهل وجدت منهم غير رائحة رضا الحقّ، لا والله، فقد رأيت بعينيك أنّهم باللّيل والنّهار في سعي واجتهاد. وليس لهم من قصد سوى إعلاء كلمة الله وتربية النّفوس وإصلاح الأمم والتّرقّيات الرّوحانيّة وترويج الصّلح العموميّ وحبّ الخير للنّوع الإنسانيّ والمحبّة لجميع الملل والتّضحية لخير البشر والانقطاع عن المنافع الذّاتيّة والخدمة لنشر الفضائل بين العالم الإنسانيّ. ولنرجع إلى ما كنّا فيه، مثلاً يقول في التّوراة في كتاب إشعيا في أصحاح 48 آية 12 "اسمع لي يا يعقوب وإسرائيل الّذي دعوته أنا هو أنا الأوّل وأنا الآخر" ومن المعلوم أنّه ما كان مراده يعقوب أي إسرائيل بل المقصود بنو إسرائيل، وكذلك

يقول في كتاب إشعيا أصحاح 43 في الآية الأولى "والآن هكذا يقول الرّب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأنّي فديتك دعوتك باسمك أنت لي" وفضلاً عن هذا فإنّه يقول في سفر الأعداد من التّوراة في الأصحاح 20 في الآية 23 "وكلّم الرّبّ موسى وهارون في جبل هور على تخم أرض أدوم قائلاً يضمّ هارون إلى قومه لأنّه لا يدخل الأرض الّتي أعطيت لبني إسرائيل لأنّكم عصيتم قولي عند ماء مريبة" ويقول في الآية 13 "هذا ماء مريبة حيث خاصم بنو إسرائيل الرّبّ فتقدّس فيهم" لاحظوا فقد عصى بنو إسرائيل ولكن بحسب الظّاهر عوتب موسى وهارون كما يقول في الأصحاح الثّالث آية 26 في سفر التّثنية من التّوراة "لكنّ الرّبّ غضب عليَّ بسببكم ولم يسمع لي بل قال لي الرّبّ كفاك لا تعد تكلّمني أيضاً في هذا الأمر" بينما هذا الخطاب والعتاب في الحقيقة موجّه لأمّة إسرائيل الّتي بعصيانها الأمر الإلهيّ بقيت أسيرة مدّة مديدة في صحراء التّيه المجاورة للأردن حتّى زمن يوشع عليه السّلام، ومع أن هذا الخطاب والعتاب في الظّاهر كان لحضرة موسى وهارون، ولكنّه في الحقيقة لأمّة إسرائيل، وكذلك تفضّل في القرآن بقوله خطاباً لحضرة محمّد "إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر" يعني نحن فتحنا لك فتحاً واضحاً لنغفر لك الذّنوب المتقدّمة والمتأخّرة، ولو أنّ هذا الخطاب كان بحسب الظّاهر لحضرة محمّد ولكنّه في الحقيقة خطاب لعموم الملّة، وهذا محض الحكمة البالغة الإلهيّة كما سبق حتّى لا تضطرب القلوب ولا تتكدّر، فكثيراً ما اعترف أنبياء الله ومظاهر الظّهور الكلّي في مناجاتهم بالقصور والذّنب، وهذا من باب التّعليم لسائر النّفوس وللتّشويق والحضّ على الخضوع والخشوع والاعتراف بالذّنب والقصور ليس إلاّ. فتلك النّفوس المقدّسة طاهرة من كلّ ذنب،

ومنزّهة عن كلّ خطأ، مثلاً يقول في الإنجيل إنّ شخصاً حضر لدى حضرة المسيح فقال أيّها المعلّم البارّ فأجابه حضرة المسيح لماذا خاطبتني بالبارّ، لأنّ البارّ ذات واحدة وهو الله، فليس المقصود من هذا أن حضرة المسيح معاذ الله كان مذنباً بل كان المراد تعليم الخضوع والخشوع والتّواضع والانكسار لذلك الشّخص المخاطب، فهذه النّفوس المباركة أنوار ولا يجتمع النّور مع الظّلمة، حياة ولا تجتمع الحياة مع الموت، هداية ولا تجتمع الهداية مع الضّلالة، حقيقة الطّاعة ولا تجتمع الطّاعة مع العصيان، وخلاصة القول أنّ العتاب الوارد في الكتب المقدّسة الموجّه بحسب الظّاهر للأنبياء أي المظاهر الإلهيّة إنّما يقصد به في الحقيقة الأمّة، وإذا تتبّعت الكتب المقدسة تجد ذلك واضحاً جليّاً والسّلام.

(41)
بيان الآية الواردة في الكتاب الأقدس

السّؤال: يقول في الآية المباركة "ليس لمطلع الأمر شريك في العصمة الكبرى إنّه لمظهر يفعل ما يشاء في ملكوت الإنشاء قد خصّ الله هذا المقام لنفسه وما قدّر لأحد نصيباً من هذا الشّأن المنيع" فما تفسيرها؟

الجواب: اعلم أنّ العصمة على قسمين، عصمة ذاتيّة وعصمة صفاتيّة، وهكذا سائر الأسماء والصّفات كالعلم الذّاتيّ والعلم الصّفاتيّ، فالعصمة الذّاتيّة مختصّة بالمظهر الكلّي، لأنّ العصمة من لزومه الذّاتيّ، ولا ينفكّ اللّزوم الذّاتيّ عن الشّيء، فالشّعاع لازم ذاتيّ للشّمس ولا

ينفكّ عنها، والعلم لازم ذاتيّ للحقّ ولا ينفكّ عنه، والقدرة لازم ذاتيّ للحقّ ولا تنفكّ عنه، فلو تقبل الانفكاك لا يكون الحقّ حقّاً، ولو انفكّ الشّعاع عن الشّمس لا تكون الشّمس شمساً، لهذا لو يتصوّر الانفكاك في العصمة الكبرى عن المظاهر الكلّيّة فلا يكون مظهراً كلّيّاً ويسقط عن كماله الذّاتيّ.

أمّا العصمة الصّفاتيّة فليست من اللّوازم الذّاتيّة للشّيء، بل هي شعاع العصمة الّذي يسطع من شمس الحقيقة على القلوب ويعطي لتلك النّفوس قسطاً ونصيباً، فهذه النّفوس وإن لم تكن لهم العصمة الذّاتيّة، ولكنّهم تحت حفظ الحقّ وعصمته وحمايته، يعني أنّ الحقّ يحفظ هؤلاء من الخطأ، مثلاً لم يكن كثير من النّفوس المقدّسة مظاهر العصمة الكبرى، ولكن كانوا محفوظين مصونين عن الخطأ في ظلّ الله وحفظه وحمايته، لأنّهم كانوا واسطة الفيض بين الحقّ والخلق، فإذا لم يحفظ الحقّ هؤلاء من الخطأ لأدّى خطأهم إلى وقوع كلّ النّفوس المؤمنة في الخطأ، فينهدم أساس الدّين الإلهيّ بالكلّيّة وهذا لا يليق بحضرة الأحديّة.

وخلاصة القول إنّ العصمة الذّاتيّة محصورة في المظاهر الكلّيّة، والعصمة الصّفاتيّة موهوبة لكلّ نفس مقدّسة، مثلاً لو يتشكّل بيت العدل العموميّ بالشّرائط اللاّزمة أي بانتخاب جميع الملّة فإنّه يكون تحت عصمة الحقّ وحمايته، وكلّ ما لم ينصّ عليه في الكتاب ويقرّره بيت العدل باتّفاق الآراء أو الأكثريّة، فإنّ ذلك القرار والحكم يكون محفوظاً من الخطأ، والحال أنه ليس لكلّ فرد من أعضاء بيت العدل العصمة الذّاتيّة، ولكن هيئة بيت العدل تحت حماية الحقّ وعصمته، وهذه تسمّى بالعصمة الموهوبة، والخلاصة إنّه يقول أنّ مطلع الأمر

مظهر يفعل ما يشاء، وهذا المقام مختصّ بالذّات الأقدس وليس لغيره نصيب من هذا الكمال الذّاتيّ، يعني لمّا تحقّقت العصمة الذّاتيّة للمظاهر الكلّيّة فكلّ ما يصدر عنهم هو عين الحقيقة ومطابق للواقع، فهؤلاء ليسوا تحت ظلّ الشّريعة السّابقة، وكلّ ما يقولون هو قول الحقّ، وكلّ ما يعملون فهو العمل الصّحيح، وليس لأيّ مؤمن حقّ الاعتراض، وفي هذا المقام يجب التّسليم المحض، لأنّ مظهر الظّهور قائم بالحكمة البالغة، وقد تعجز العقول عن إدراك الحكمة الخفيّة في بعض الأمور، لهذا فكلّ ما يقوله مظهر الظّهور الكلّيّ وما يعمله هو محض الحكمة ومطابق للواقع، وإذا لم يهتدِ بعض النّفوس إلى الأسرار الخفيّة لحكم من الأحكام أو عمل من الأعمال فلا يجوز لها الاعتراض، حيث أنّ المظهر الكلّيّ مظهر يفعل ما يشاء، فكثيراً ما حدث أن صدر أمر من شخص عاقل كامل عالم ثمّ اعترض النّاس عليه لعجزهم عن إدراك حكمته، واستغربوا كيف أنّ هذا الشّخص الحكيم قال أو عمل مثل هذا، إنّ هذا الاعتراض صادر عن جهل هؤلاء، أمّا حكمة الحكيم فهي مقدّسة عن الخطأ ومنزّهة عنه، وكذلك الطّبيب الحاذق في علاج المريض فإنّه يفعل ما يشاء، وليس للمريض حقّ الاعتراض، وكلّ ما يصفه له الطّبيب ويشير به فهو الصّحيح، فينبغي للكلّ أن يعدّوه مظهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا بدّ أنّ رأي الطّبيب في علاج المريض يكون مخالفاً لآراء الآخرين، فهل يجوز إذاً الاعتراض من نفوس لم تدرس الطّبّ وليس لها دراية بالحكمة؟ لا والله، فيجب على الكلّ الخضوع والتّسليم وإجراء كلّ ما يقوله الطّبيب الحاذق، فالطّبيب الحاذق له أن يفعل ما يشاء وليس للمريض نصيب من هذا المقام، ولا بدّ من ثبوت حذق الطّبيب، وحيث ثبت حذق الطّبيب فله أن يفعل

ما يشاء، كذلك قائد الجنود من حيث أنّه تفرّد بالفنون الحربيّة فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر به، وربّان السّفينة من حيث أنّ الكلّ يقرّ بإلمامه فنّ الملاحة فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر به.

وحيث أنّ المربّي الحقيقيّ هو شخص كامل فله أن يفعل ما يشاء في كلّ ما يقوله ويأمر، والخلاصة أنّ المقصود من يفعل ما يشاء أنّه قد يصدر مظهر الظّهور أمراً أو يجري حكماً أو عملاً يعجز المؤمنون عن إدراك حكمة ذلك، فلا يجوز أن يخطر الاعتراض بخاطر أحد ويقول لماذا أمر بكذا ولِمَ أجرى كذا؟ أمّا سائر النّفوس الّذين استظلّوا بظلّ المظهر الكلّيّ، فهم تحت حكم شريعة الله ولا يجوز لهم التّجاوز قيد شعرة عن الشّريعة، ويجب أن يطبّقوا جميع الأعمال والأفعال على شريعة الله، وإذا تجاوزوا عنها كانوا مسؤولين لدى الله ومؤاخذين، وليس لهؤلاء قسط ولا نصيب من حكم يفعل ما يشاء ألبتّة، لأنّ هذا المقام مختصّ بالمظهر الكلّيّ، مثلاً حضرة المسيح روحي له الفداء كان مظهر يفعل ما يشاء ولم يكن للحواريّين نصيب من هذا المقام، لأنّهم كانوا في ظلّ حضرة المسيح فيجب ألاّ يتجاوزوا عن أمره وإرادته والسّلام.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى