منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مبادئ الدين البهائى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 مبادئ الدين البهائى في 2010-11-10, 23:29

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي
التعاليم الرئيسية

ثلاثة مبادئ أساسية :

في بحثنا ومناقشتنا لتعاليم الدين البهائي سوف نتناول أولاً ثلاثة مبادئ أساسية وهي (1) وحدة الألوهية (2) وحدة الجنس البشري (3) وحدة أصل الأديان.

(1) وحدة الألوهية :

البهائية تؤمن بإﻟﻪ واحد، وهذا يعني بأنَّ الكون وجميع المخلوقات وما فيه من قوى قد خلقها خالق متعال وهو فوق قدرة الإنسان والطبيعة. هذا الموجود المقدس المنزه الذي نسميه الله سبحانه وتعالى له السلطة المطلقة على مخلوقاته وهو (القدير) بالإضافة إلى العلم والمعرفة الكاملة والشاملة وهو (العليم). وقد يكون لدينا مفاهيم مختلفة عن الله وطبيعته وقد نصلّي له بلغات مختلفة وندعوه بأسماء متنوعة مثل الله، يهوه، الرب أو براهما ولكننا في جميع الأحوال نتحدث عن نفس الوجود المقدس المنيع.

تعظيمًا وتجليلاً لله سبحانه وتعالى يقول حضرة بهاء الله:

"سبحانك اللهم يا إلهي أنت الذي لم تزل كنت في علو القدرة والقوة والجلال ولا تزال تكون في سمو الرفعة والعظمة والإجلال كل

العرفاء متحير في آثار صنعك وكل البلغاء عاجز من إدراك مظاهر قدرتك واقتدارك كل ذي عرفان اعترف بالعجز عن البلوغ إلى ذروة عرفانك وكل ذي علم أقر بالتقصير عن عرفان كنه ذاتك(1)".

أشار حضرة بهاء الله بأنَّ الله عزَّ وجل أعظم وأجل من أنْ يدركه أحد أو يتصوره العقل البشري المحدود أو يحدد بأي شكل من الأشكال:

"شهد الله لنفسه بوحدانية نفسه ولذاته بفردانية ذاته ونطق بلسانه في عرش بقائه وعلو كبريائه بأنَّه لا إله إلا هو لم يزل كان موحد ذاته بذاته وواصف نفسه بنفسه ومنعت كينونته بكينونته وأنَّه هو المقتدر العزيز الجميل وهو القاهر فوق عباده والقائم على خلقه وبيده الأمر والخلق يحيي بآياته ويميت بقهره لا يسئل عما يفعل وإنَّه كان على كل شيء قدير وإنَّه لهو القاهر الغالب الذي في قبضته ملكوت كل شيء وفي يمينه جبروت الأمر وإنَّه كان على كل شيء محيط له النصر والانتصار وله القوة والاقتدار وله العزة والاجتبار وإنَّه هو العزيز المقتدر المختار(2)".

(2) وحدة الجنس البشري:

يعتبر وحدة الجنس البشري المبدأ البهائي الرئيسي الثاني، وهذا يعني بأنَّ كافة الجنس البشري يعتبرون من أصل مميز واحد ومن وحدة عضوية متكاملة. هذا الجنس البشري الواحد هو "أشرف المخلوقات" وأرقى شكل من أشكال الحياة وأسمى شعور خلقه الله سبحانه وتعالى لأنَّ بني الإنسان هذا هو الوحيد من بين المخلوقات الذي يستطيع أن

يدرك وجود الخالق تبارك وتعالى ويتصل به روحيًا وحول هذا الموضوع يقول حضرة بهاء الله :

"يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحد على أحد وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم إذا ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فم واحد وتسكنون في أرض واحدة حتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأفعالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عز منيع( )".

إنَّ وحدة الجنس البشري تعني أيضًا بأنَّ لجميع البشر مواهب وقدرات إﻟﻬﻴﺔ معطاة. إنَّ الاختلافات الجسمانية مثل لون الإنسان أو تركيبة شعره هي أمور ثانوية وليس لها أية علاقة بامتياز أو أفضلية أية مجموعة عرقية على الأخرى. التعاليم البهائية ترفض جميع النظريات التي تقول بوجود أفضلية عرقية لأنَّه ثبت أنَّها نتيجة تصور خاطئ وجاهل(2).

يؤمن البهائيون بأنَّ الجنس البشري مكوّن أساسًا من أصل واحد ولكن التعصب والجهل وحب السلطة والغرور كان السبب في منع الكثير من الناس من معرفة وقبول وحدانية هذا الأصل. إنَّ المهمة

الرئيسية التي أتى بها حضرة بهاء الله هي تغيير هذا الوضع وإيجاد وعي وإحساس عالمي بمبدأ وحدة الجنس البشري. وكما يعتقد البهائيون بأنَّ الوحدة العضوية التي هي الإنسان قد مرّت من خلال عمليات نمو وتكامل مشتركة تحت العناية الإﻟﻬﻴﺔ. وكما أنَّ عضوًا ما يتدرج في مراحل مختلفة ويتطور تدريجيًا للوصول إلى البلوغ، وكذلك الجنس البشري فإنَّه يتدرج في الوصول إلى مرحلة بلوغه.

إنَّ المظهر الرئيسي للتعبير عن التطور الاجتماعي للإنسان هو قدرته على تنظيم مجتمعه والارتقاء بعناصره من الأفراد إلى مستويات عليا من الاتحاد مع مزيد من الاختصاص لأفراده وبالتالي زيادة الاعتماد المتبادل فيما بينها والحاجة إلى التعاون بين تلك العناصر المتخصصة. إنَّ تشكيل العائلة والقبيلة والمدينة والشعب يمثل مراحل مؤشرة على التطور الاجتماعي. أمَّا المرحلة التالية من عملية النمو الجماعي وهو وحدة العالم، أي تنظيم المجتمع في حضارة عالمية فإنَّه يمثل الوصول إلى قمة التطور الإنساني.

تحدث حضرة شوقي أفندي عن هذا المبدأ البهائي فتفضل قائلاً:

"إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري وهو المحور الذي تدور حوله جميع تعاليم حضرة بهاء الله ليس مجرد إحساس متدفق أو تعبير مبهم أو أمل زائف… إنَّه مبدأ لا يطبق على الأفراد فحسب بل يتعلق أساسًا بطبيعة العلاقات الرئيسية التي يجب أن تربط بين الدول والأمم باعتبارهم أعضاء في عائلة إنسانية واحدة… وإنَّه يتطلب تغييرًا عضويًا في هيكل المجتمع الحاضر على نحو لم يشهد العالم مثله من قبل… إنَّه يدعو إلى إعادة بناء العالم المتحضر برمته ونزع سلاحه… إنَّه يمثل قمة التطور الإنساني الذي بدأ بداياته الأولى بحياة العائلة ثمَّ تطور
حينما حقق اتحاد القبيلة الذي أدى إلى تأسيس الحكومة المدنية ثم توسع ليؤسس حكومات وطنية مستقلة ذات سيادة. إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري كما أعلنه حضرة بهاء الله يقوم على تأكيد شديد بأنَّ الوصول لهذه المرحلة النهائية من هذا التطور العظيم ليس ضروريًا فحسب بل حتمي الوقوع وأنَّ ميقات تحقيقه أخذ يقتـرب بسـرعة ولا يمكن تحققه بغير قوة إﻟﻬﻴﺔ المصدر(1).

وعلى ذلك فإنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري يقتضي ليس فقط وعيًا لدى الأفراد بهذا الأمر بل تأسيس وحدة الشعوب ثمَّ الحكومة العالمية وأخيرًا الحضارة العالمية. ونتيجة لذلك ليس كافيًا بأنْ يعترف العالم الإنساني بوحدته ثمَّ يستمر في حياته في عالم مفكك غاص بالخلاف والانحياز والتعصب والكراهية. علينا أنْ نعرب عن الاتحاد بواسطة بناء نظام اجتماعي عالمي متحّد مبني على المبادئ الروحانية. إنَّ تحقيق مثل هذا النظام يمثل الهدف الإﻟﻬﻲ المقدر لرقي الحياة الاجتماعية البشرية وتطورها:

"… إنَّ هدف الحياة للفرد البهائي هو ترويج مبدأ وحدة الجنس البشري. وإنَّ جميع بواعث حياتنا مرتبطة بحياة جميع الكائنات البشرية. فما ندعو إليه ليس خلاصًا فرديًا بل خلاص العالم بأكمله… وما نصبو إليه إنما هو حضارة عالمية تعتمد على سلوكيات ورد فعل الأفراد. من جهـة هو عكس المسيحيـة الذي بدأ بالأفراد ومن خلاله وصل إلى حياة المجتمع الإنساني(2)".

وعلى ذلك فمن وجهة النظر البهائية فإنَّ الهدف الروحاني الرئيسي للمجتمع هو خلق بيئة مساعدة وصحية ومتطورة لجميع أعضائه. لقد وضع حضرة بهاء الله نظامًا مسهبًا ومفصلاً لتأسيس وحدة عالمية سنأتي على شرحه في الفصول القادمة. بصورة عامة ما اقترحه حضرته هو إعادة تشكيل البنية الاجتماعية على أساس من المشاركة والمشورة. هذه البنية الجديدة ستخدم الهدف الرئيسي وهو وضع حد للصراع والنزاع، مما يؤدي إلى تخفيف الفرقة والانقسام في المجتمع بين جميع فئاته. إنَّه هيكل تنظيمي جديد يحتضن عددًا من منظمات دولية فعالة في الحكومة العالمية مثل: مجلس تشريعي عالمي يضم ممثلين مخلصين ذوي صلاحيات واسعة وأيضًا محكمة دولية لها سلطات نهائية في حل قضايا الخلاف والنزاع بين الشعوب وكذلك إيجاد قوة شرطة دولية.

أشار حضرة بهاء الله بأنَّ إيجاد هذه البنية الاجتماعية الجديدة يجب أن يصاحبها وعي فردي وجماعي بأهمية مبدأ وحدة الجنس البشري:

"يا أهل العالم إنكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد اسلكوا مع بعضكم بكل محبة واتحاد ومودة واتفاق. قسمًا بشمس الحقيقة إنَّ نور الاتفاق يضيء وينور الآفاق( )".

وفي فقرة أخرى قال حضرته أيضًا:

"ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم… في الحقيقة إنَّ العالم يعتبر وطنًا واحدًا ومن على الأرض أهله(3)".

الوحدة والاتحاد في المفهوم البهائي يعني "الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد" وهو مفهوم يختلف عن التطابق والتماثل. إنَّ الوصول إلى الوحدة لا يأتي عن طريق إزالة الفروقات وإنمَّا عن طريق الإدراك المتزايد والاحترام للقيمة الجوهرية للحضارات ولثقافة كل فرد. إنَّ التنوع والاختلاف نفسه ليس سببًا في النزاع والصراع وإنما نظرتنا غير الناضجة نحوه وعدم تسامحنا وحميتنا هي التي تسبب الصراع دائمًا. شرح لنا حضرة عبد البهاء هذه النظرة في الفقرة التالية:

"لاحظوا أزهار الحدائق على الرغم من اختلاف أنواعها وتفاوت ألوانها واختلاف صورها وأشكالها ولكن لأنَّها تسقى من منبع واحد وتنتعش من هبوب ريح واحد وتترعرع من حرارة وضياء شمس واحدة فإنَّ هذا التنوع والاختلاف سبب لازدياد جلال وجمال أزهار الحدائق… أمّا إذا كانت أزهار ورياحين الحديقة وأثمارها وأوراقها وأغصانها من نوع ولون واحد ومن تركيب وترتيب واحد فلا معنى ولا حلاوة له، أمّا إذا اختلفت لونًا وورقًا وزهرًا وثمرًا، فإنَّ في ذلك زينة وروعة للحديقة وتكون في غاية اللطافة والجمال والأناقة. وكذلك الأمر بالنسبة لتفاوت وتنوع أفكار وأشكال وآراء وطبائع وأخلاق العالم الإنساني فإنْ جاءت في ظل قوة واحدة ونفوذ واحد فإنَّها ستبدو في غاية العظمة والجمال والسمو والكمال. واليوم لا يستطيع أي شيء في الوجود أن يجمع عقول وأفكار وقلوب وأرواح العالم الإنساني تحت ظل شجرة واحـدة سوى القوة الكلية لكلمة الله المحيطة بحقائق الأشياء(1)".

إنَّ تأسيس الوحدة العالمية والحضارة الإنسانية يمثلان ذروة وقمة التطور الإنساني على هذا الكوكب. ولذا فإنَّ ذلك العصر يعتبر "العصر الموعود" للبشرية وهو عصر بلوغ الجنس البشري. وقد شرح لنا حضرة شوقي أفندي هذه الفكرة بالبيانات التالية:

"إنَّ الغاية القصوى من ظهور بهاء الله ورسالته السامية هي الوصول إلى هذا الاتحاد الروحاني والعضوي لجميع الشعوب. فإذا كنا مخلصين في تطبيق مضامينه، فلا بد لهذا الاتحاد أن يؤدي إلى بروز ذلك العصر الموعود لكافة أركان الجنس البشري. يجب أنْ ننظر إلى ذلك العصر… على أنَّه دلالة على آخر وأعلى مرحلة من مراحل تكامل حياة الإنسان المشتركة على وجه الغبراء. إنَّ ظهور المجتمع العالمي وبروز الإحساس بالمواطنة العالمية وتأسيس الحضارة والثقافة العالمية… يجب أن تعتبر طبقًا لطبيعة الحياة الأرضية، بأنَّها أقصى ما يمكن أن يصل إليه تنظيم المجتمع البشري. ومع ذلك، فإنَّ الإنسان كفرد سيستمر، لا بل يجب عليه أن يستمر في النمو والتطور نتيجة لهذه المنزلة الكمالية التي وصل إليها البشر(1)".

إنَّ المراحل المختلفة من تطور الجنس البشري شبيهه تمامًا بمراحل حياة الفرد. فالمرحلة الحالية يمكن وصفها بمرحلة المراهقة وهي التي تسبق مرحلة البلوغ فيقول حضرة شوقي أفندي:

"إنَّ فترة الطفولة والصبا الطويلة التي مر بها الجنس البشري قد قاربت على النهاية، تمر البشرية الآن بفترة مليئة بالهرج والمرج دون استثناء وهي مرتبطة بأكثر المراحل انفعالية من مراحل تكامله وهي

مرحلة المراهقة عندما تندفع قوى الشباب بكل حماس وتصل إلى الذروة. ومن ثمَّ يجب أنْ يتحول هذا الاندفاع والحماس إلى هدوء وطمأنينة وحكمة وبلوغ وهي صفات تميَّز مرحلة الرجولة، عندئذ تصل البشرية إلى ذلك المستوى من النضوج الذي تسمح فيه لنفسها بامتلاك كل القوى والقدرات التي ستعتمد عليها في تطورها النهائي( )".

أمّا بالنسبة لوصول البشرية إلى مرحلة البلوغ الكامل فقد قال حضرة شوقي أفندي:

"هناك تغييرات عظيمة وسريعة ولا يمكن وصفها ستصاحب مرحلة البلوغ الذاتي ولا مناص عنها في حياة كل فرد… يجب… أن يظهر ما يشابهها في عملية تكامل منظومة المجتمع الإنساني. هناك مرحلة مشابهة ستصل إليها حياة البشرية جمعاء عاجلاً أم آجلاً وسيكون من ملامحها ظهور نظريات مدهشة في العلاقات الدولية وستمنح البشرية قوى العافية والرفاهية وهي المقومات الرئيسية التي ستوفر خلال عصور متتالية الدافع المطلوب لتحقيق ذلك المصير السامي( )".

لاشك أنَّ كل ما نستطيع ملاحظته من تاريخ البشرية هو تاريخ طفولة الإنسانية ثمَّ مرحلة الصبا ومن ثمَّ المراهقة. ولهذا أكَّد حضرة بهاء الله بأنَّنا أحيانًا قد نستهين بالقدرات الحقيقية الكامنة بالجنس البشري. ولكن هذه القدرات الدفينة بالإنسان ستبرز وتتجلى عندما تصل البشرية إلى مرحلة النضج والبلوغ. يقول حضرة بهاء الله:

"قد انتهت الظهورات إلى هذا الظهور الأعظم كذلك ينصحكم ربكم العليم الحكيم والحمد لله رب العالمين. إنَّ مقام ورتبة وشأن كل إنسان يجب أن يظهر في هذا اليوم الموعود(1)".

وباختصار فإنَّ المبدأ البهائي حول وحدة الجنس البشري يعني أنَّ الإنسان يمثل وحدة عضوية أساسية وقد طورت حياته الاجتماعية بالتدريج إلى مستويات أعلى من الوحدة مثل العائلة ثم القبيلة ثم المدينة ثمَّ الأمة. إنَّ المهمة الخاصة لحضرة بهاء الله هي إيجاد زخم ودفع للمرحلة التالية من هذا التكامل الاجتماعي، وبالأحرى تنظيم المجتمع الإنساني باعتباره حضارة تخص كوكب الأرض. يمكن الوصول لهذا الأمر من خلال تطوير بنية اجتماعية جديدة تعمل على التخفيض والحد من صراع المصالح وخلق مستوى جديد من الضمير الإنساني يؤمن إيمانًا قويًا بوحدة الجنس البشري. وفوق ذلك كله فإنَّ وحدة البشرية تعني وصول الإنسانية إلى مرحلة البلوغ أو النضوج خلال مراحل حياتها المشتركة.

يمكن النظر إلى الجامعة البهائية بمثابة الجنين والنموذج المستقبلي للحضارة العالمية. إنَّها تمنـح الفرد الفرصة السانحة لتطبيق مبدأ الوحدة والاتحاد ثم تطوير هذا الشعور الجديد. سنتعرض إلى هذا الموضوع بشكل مسهب في الفصل القادم.

(3) وحدة الأديان :

المبدأ البهائي الرئيسي الثالث هو وحدة الدين. إنَّ هذا المبدأ له علاقة وثيقة بمبدأ وحدة الجنس البشري. جاء في بحثنا حول مفهوم

الوحدة العضوية للجنس البشري بأنَّ البشرية تدور في عملية نمو جماعية شبيهة بعملية النمو لدى الأفراد. ومثلما يبدأ الفرد حياته من المهد ويصل إلى سن البلوغ خلال مراحل متعاقبة يكون الشيء نفسه بالنسبة للجنس البشري حيث يبدأ حياته الاجتماعية الجماعية في مرحلة ابتدائية ومن ثمَّ وبالتدريج يصل إلى البلوغ. ففي حالة الفرد يبدو واضحًا بأنَّ التطور يكون نتيجة التعليم المستمد من الوالدين ومن المعلمين ومن المجتمع بصورة عامة. ولكن ما هي القوة الدافعة لمسيرة الجنس البشري في تطوره وتقدمه؟

الجواب الذي يمكن أنْ يقدمه الدين البهائي هو "الدين السماوي". في أحد الكتب الرئيسية التي جاء بها حضرة بهاء الله والمسمى بكتاب الإيقان شرَّع حضرته بأنَّ الله الخالق سبحانه وتعالى تدخل ويستمر في التدخل في تاريخ البشرية وذلك عن طريق إرسال الرسل أو المتحدثين باسمه. هؤلاء المرسلون الذين سماهم حضرة بهاء لله "مظاهر أمر الله" هم المؤسسون الرئيسيون للأديان الكبرى في العالم مثل سيدنا إبراهيم وموسى وبوذا والمسيح والرسول محمد  وغيرهم. إنَّ الروح التي أطلقها هؤلاء الأنبياء والمرسلون وأيضًا ونفوذ كلمتهم وتعاليمهم والنظام الاجتماعي الذي تأسس بواسطة أحكامهم وقوانينهم ونصائحهم هي التي أدت بالجنس البشري إلى الرقي والتقدم في مسيرة تطوره الجماعي. وبكل بساطة فإنَّ مظاهر أمر الله هم المعلّمون الكبار للبشرية.

وبالنسبة للأنظمة الدينية المختلفة التي ظهرت في تاريخ الإنسانية يقول حضرة بهاء الله:

"هذه الأصول والقوانين وتلك الأنظمة المحكمة المتينة قد ظهرت

من مطلع واحد وأشرقت عن مشرق واحد، أمّا اختلافها فراجع إلى اقتضاء الوقت والزمان والقرون والأعصار(1)".

وعلى ذلك، فإنَّ مبدأ وحدة الدين يعني بأنَّ مؤسسي الأديان وهم الأنبياء والمرسلون العظام جاءوا من جانب إﻟﻪ واحد وأنَّ الأنظمة الدينية التي أقاموها ما هي إلا جزء من خطّة سماوية تديرها القوة الإﻟﻬﻴﺔ.

وفي الواقع هناك دين واحد، وهو دين الله، وهو ينمو ويتطور باستمرار وكل نظام ديني يعتبر مرحلة من مراحل ذلك التطور الكامل. والدين البهائي يمثل المرحلة المعاصرة من مراحل تطور دين الله.

وللدلالة على أنَّ تعاليم الرسل وأفعالهم موجهة من قبل الله العلي القدير ولا تنبع من قدرات بشرية عادية، فقد استعمل حضرة بهاء الله كلمة "وحي" لوصف الظواهر والحوادث التي تحدث عند مجيء رسول سماوي جديد في كل مرة، خاصة وأنَّ كتابات الرسول الإﻟﻬﻲ تمثل كلمات الحق المعصومة، وبما أنَّها تبقى مدة طويلة بعد وفاة الرسول فإنَّها تعتبر جزءًا هامًا من مظاهر "الوحي". وقد لوحظ بأنَّ كلمة "وحي" تستخدم في بعض الأحيان للإشارة فقط إلى كتابات مظهر أمر الله وكلماته.

وينظر إلى التاريخ الديني على أنَّه عملية من تتابع الديانات السماوية من عند الله وأنَّ اصطلاح "تعاقب الظهورات" يستخدم للتعبير عن هذه العملية. وعلى ذلك يعتقد البهائيون بأنَّ تتابع الأديان وتعاقبها هو القوّة الدافعة والمحركة لتقدم البشرية وأنَّ حضرة بهاء الله هو

المظهر الإﻟﻬﻲ الأحدث في سلسلة تعاقب ظهور الأنبياء والمرسلين(1).

وللتركيز على المفهوم البهائي عن الدين بشكل أوضح، دعونا نقارنه بالمفاهيم الأخرى المطروحة لمضمون الدين. فمن جانب، هناك من يرى بأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة ما هي إلاّ نتاج كفاح البشرية بحثًا عن الحقيقة. وفي ظل هذا المفهوم، لا يعتبر مؤسسو الأديان حاملين لرسالة سماوية للبشرية وإنَّما هم أشخاص من كبار الفلاسفة والمفكرين الذين توسعوا وتطوروا في بحثهم عن الحقيقة وتوصلوا إلى هذه المرتبة. هذه النزعة تستبعد فكرة وحدة أساس الدين، لأنَّ الأنظمة الدينية المختلفة تعّبر عن وجهات نظر متفاوتة واعتقادات مختلفة جاءت أصلاً من الإنسان وهو المعرض للخطأ، وهي تختلف عن الوحي الإﻟﻬﻲ الذي يمثّل الحقيقة والعصمة وهو نابع من مصدر واحد فقط.

ومن جانب آخر، هناك الكثير من المتشددين من أتباع أديان مختلفة يقولون بأنَّ رسولهم أو مؤسس دينهم يمّثل دين الحق فقط وأنَّ الأنبياء والمؤسسين الآخرين ليسوا سوى أنبياء كذبة وعلى غير حق أو على الأقل هم دون نبيهم أو رسولهم مرتبة. مثال على ذلك، هناك الكثير من اليهود يعتقدون بأنَّ سيدنا موسى عليه السلام كان حقًا رسول الله ولكن سيدنا المسيح لم يكن كذلك. ونفس الشيء يعتقده الكثير

من المسيحيين بسيدنا المسيح عليه السلام ولكن لا يؤمنون بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأنَّ المسيح يحتل مقامًا أعلى من مقام موسى عليه السلام.

إنَّ مبدأ وحدة الأديان من منظور الدين البهائي يختلف بشكل أساسي عن المفاهيم التقليدية المذكورة سابقًا. فقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ الاختلافات الموجودة في بعض تعاليم الأديان العظيمة يرجع سببها إلى اختلاف حاجات ومتطلبات الزمن الذي ظهر فيه الدين الجديد وليس إلى وجود نقص في مؤسس ذلك الدين. بالإضافة إلى ذلك أشار حضرته إلى أنَّ كثيرًا من الناس يدخلون للدين كثيرًا من البدع ويتلاعبون بالألفاظ وينسبون إليه كثيرًا من الأفكار الدخيلة، وفوق ذلك كله يؤمن البهائيون بأنَّ جميع الأنبياء والمرسلين هم في مصاف واحد وفي مرتبة واحدة. وقد لخص حضرة شوقي أفندي هذه النظرة في الكلمات التالية:

"إنّ المبدأ الهام والأساسي الذي شرحه لنا حضرة بهاء الله ويؤمن به أتباعه بشكل جازم هو أنَّ الحقيقة الدينية ليست مطلقة وإنمّا نسبية وأنَّ الرسالة السماوية هي عملية مستمرة وفي تقدم وأنَّ جميع الأديان العظيمة في العالم سماوية في الأصل وأنَّ مبادئها الأساسية متماثلة ومتطابقة تمامًا وأنَّ أهدافها ومقاصدها متشابهة كما أنَّ تعاليمها تعكس لنا حقيقة واحدة وأنَّ وظائف هذه الأديان مكملة لبعضها البعض وأنَّ اختلافها الوحيد يكمن في الأحكام والحدود الفرعيِّة وأنَّ مهامهم هي التكامل الروحي للمجتمع الإنساني خلال مراحل متعاقبة ومستمرة( )".

الظهور البهائي وآثاره الكتابية المقدسة:

إنَّ آثار حضرة بهاء الله المقدسة إذا ما جمعت في مجلدات سنجدها تفوق المائة مجلد. كتب أغلبها في ظروف صعبة في السجن كما ذكر سابقًا. هذا الكم الهائل من الكتابات يمثل في مجموعه النصوص البهائية المقدسة. أمَّا ألواح حضرة عبد البهاء وتفاسيره وكذلك رسائل حضرة شوقي أفندي وتفسيراته فهي تمثل شرحًا وتوضيحًا للتعاليم والمبادئ البهائية ولها نفس الاعتبار والسلطة ما لآثار حضرة بهاء الله.

ويمكن تقسيم آثار حضرة بهاء الله طبقًا لمواضيعها كالتالي:

1- النوع الأول يحتوي على مفاهيم عرفانية أساسية مذكورة في كتاب الإيقان مع شرح لنظرية تعاقب الظهورات الإﻟﻬﻴﺔ واستمرارها.

2- هناك نوع آخر من الألواح يتحدث عن مبادئ حياة الإنسان وسلوكه وهي مذكورة في نصح ووصايا حضرته حيث يتحدث إلى الناس باعتباره مظهر أمر الله على الأرض. في هذه الألواح شرح طبيعة الحياة والغاية منها ووصف مراحلها ودعا الناس إلى العمل طبقًا للإرادة الإﻟﻬﻴﺔ ومشيئته وبشرهم بالثواب وحذرهم من العقاب المحتوم المترتب على سلوكهم غير السوي.

3- النوع الثالث يتضمن الأحكام والقوانين وهي أشبه ما تكون بالنصح والإرشاد ولكنها واجبة التنفيذ بالنسبة للبهائيين.

4- وإلى جانب كل ذلك هناك المؤسسات الاجتماعية والإدارية التي وضع أسسها حضرة بهاء الله وحدّد سلطاتها ووظائفها واختصاصاتها بكل دقة وعناية.


فالنوعان الأخيران وهما الأحكام والمؤسسات، يشكلان معًّا نظامًا يسمى "النظام الإداري" لحضرة بهاء الله. إنَّ هدف هذا النظام هو الحفاظ على وحدة الجالية البهائية وأيضًا تعتبر وسيلة لتأسيس الوحدة العالمية. الفصول القادمة من هذا الكتاب تتحدث عن النظام الإداري بعمق أكبر.

الأنواع الأخرى من آثار حضرة بهاء الله التي يمكن تمييزها هي الأدعية والمناجاة والمواضيع العرفانية والفلسفية والتحليلات التاريخية. وما اختلاف المواضيع على شمولها إلاّ إشارة إلى اهتمام حضرة بهاء الله بحاجات الفرد ومتطلبات المجتمع.

إنَّ أغلب المبادئ الأساسية المذكورة في هذه الآثار يمكن اعتبارها مبادئ مساعدة من أجل تحقيق الهدف البهائي الرئيسي وهو الوصول إلى نظام عالمي متحد، وسيؤدي تطبيقها إلى الحد من الصراع بين المجموعات وبين الأفراد وبالتالي إيجاد بيئة اجتماعية مناسبة لنمو تلك الوحدة وتطورها. وقد لخص حضرة شوقي أفندي أهم المبادئ البهائية بالبيان التالي وسنناقش ذلك بالتفصيل لاحقًا:

"يؤمن الدين البهائي بوحدة الألوهية ووحدة الأنبياء والمرسلين ويدعو إلى البحث عن الحقيقة وينبذ جميع أنواع التعصب والخرافات وينبهنا إلى أنَّ الهدف الرئيسي للدين هو ترويج الوئام والتآلف ويجب أن يكون الدين مطابقًا للعلم ويكون أساسًا لمجتمع سلمي ومتطور ومنظم. إنَّه يدعو إلى تكافؤ الفرص والحقوق والمزايا لكلا الجنسين ويؤيد التعليم الإلزامي ويضع حدًا للفقر المدقع والغنى الفاحش ويعتبر العمل المنجز بروح الخدمة نوعًا من أنواع العبادة ويقترح تبني لغة عالمية مساعدة وإيجاد المنظمات الضرورية لتأسيس وحماية سلام
عالمي دائم".

على ضوء هذه الفقرة سنقوم بشرح بعض هذه المبادئ بشكل أكثر تفصيلاً:

استقلالية البحث عن الحقيقة:

إنَّ أحد مصادر الصراع الرئيسية في العالم اليوم هو أنَّ الكثير من الناس ينقادون نحو مختلف التقاليد والحركات والأفكار انقيادًا أعمى دون بحث وتمحيص. فالله جلَّ وعلا وهب كل إنسان العقل السليم والقدرة المناسبة للتمييز بين الحق والباطل. فإذا فشل الإنسان في استعمال قدراته العقلية واختار لنفسه قبول بعض الأفكار والآراء دون تفحصها ليس عن قناعة بها أو خوفًا من معتنقيها، يكون عندئذ قد أهمل دوره الخلقي الرئيسي كإنسان يعيش على هذا الكوكب.

علاوة على ذلك، عندما يتصرف الإنسان بهذا الشكل يصبح عادة متشددًا ومتطرفًا في أفكاره وتقاليده ويكون غير متسامح مع من يخالفه في الفكر والرأي. وموقف كهذا يمكنه أن يجر صاحبه إلى الصراع. وقد شهد لنا التاريخ صراعات عديدة بل سفك دماء حول اختلاف رأي في الأمور الدينية البسيطة أو حتى في تغيير جزئي لتفسير بعض المسائل العقائدية.

إنَّ البحث الشخصي عن الحقيقة يؤدي إلى أنَّ الفرد يعرف السبب في تمّسكه بفكرة أو عقيدة معينة. يعتقد البهائيون بأنَّه طالما أنَّ هناك حقيقة واحدة فإنَّ جميع الناس ستكتشف بالتدريج جوانبها والأوجه المختلفة لها، وفي نهاية المطاف سيصلون إلى فهم مشترك واحد شريطة أنْ يكونوا فعلاً باحثين عن الحقيقة بكل صدق وإخلاص. وفي

هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء :

"الحقيقة واحدة ولا تتعدد. وما الاختلافات الظاهرة بين الشعوب والقبائل إلاَّ بسبب جنوحهم نحو التعصب فإذا ما بحث الناس عن الحقيقة بتجرد فسيجدون أنفسهم في اتحاد تام(1)". (مترجم عن الإنجليزية)

ويقول أيضًا:
"إنَّ الحقيقة التي تجعلنا نتخيل أنفسنا على حق والآخرين على باطل ما هي إلاَّ أعظم العقبات في طريق الوحدة، والوحدة ضرورية إنْ أردنا الوصول إلى الحقيقة ذلك لأنَّ الحقيقة واحدة(2)". (مترجم عن الإنجليزية)

ترك التعصب والأوهام:

أعطى حضرة بهاء الله اهتمامًا خاصًّا بمشكلة التعصب. فالتعصب يعني تمسك عاطفي قوي بفكرة أو رأي معين بغض النظر عن مطابقته للعقل والمنطق. إنَّ التعصب بشكله المعروف يبرز للوجود عندما ينتمي فرد إلى جماعة يعتقد بأنَّها مميزة عن غيرها. فيأخذ هذا الفرد بالتالي موقفًا سلبيًّا تجاه الذين يخالفونه في الرأي دون الاعتبار لما هم عليه من قدرات فردية. فالتعصبات قد تكون عرقية واقتصادية واجتماعية ولغوية أو ما إلى ذلك. فجميعها يؤدي إلى الصراع والنزاع لأنَّه يولد الفرقة بين مجموعات الناس. أمَّا الكراهية التي نشأت نتيجة ذلك، فغالبًا ما أدت إلى اضطراب اجتماعي وحرب بل إلى عمليات إبادة جماعية. لقد أمر حضرة بهاء الله أتباعه ببذل أقصى الجهد للتخلص من جميع أنواع التعصبات والخرافات الراجعة إلى الطبيعة

البشرية التي تؤدي إلى الحقد والكراهية.

وضمن آثاره الكتابية التي تتعلق بالأخلاق، أنزل حضرة بهاء الله في: "الكلمات المكنونة" ما يدعونا إلى التأمل في رشح منها:

"يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحدٌ على أحد وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم إذا ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فمٍ واحد وتسكنون في أرضٍ واحدة وحتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأقوالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عزٍّ منيع".

اتفاق الدين والعلم:

من أحد الأسباب الرئيسية للنزاع والصراع في العالم اليوم هو الفكرة العامة بأنَّ هناك تعارضًا أساسيًّا بين العلم والدين، وأنَّ الحقيقة العلمية تناقض الدين في بعض جوانبه، وأنَّ على الإنسان أن يختار بين تمّسكه بالدين وإيمانه بالله أو أنَّ عالمًا خاضعًا للعقل والمنطق.

فالتعاليم البهائية تؤكد على الاتحاد الجوهري بين العلم والدين. وقد أشار حضرة عبد البهاء إلى هذا الموضوع ضمنيًّا في بيانه السابق بأنَّ الحقيقة واحدة وغير قابلة للتجزؤ، فلا يمكن لأمر ما أن يكون خطأ من الناحية العلمية وصحيحًا من الناحية الدينية. كما شرح حضرته هذا الموضوع بشكل مسهب في الفقرة التالية:

"إذا كانت الآراء والمعتقدات الدينية مغايرة للمفاهيم والمقاييس العلمية فإنَّ ذلك يعتبر ضربًا من الأوهام والخيال، ذلك لأنَّ عكس

المعرفة هو الجهل ومولود الجهل خرافات وأوهام ولابد من وجود التوافق والاتفاق التام بين الحقيقة الدينية والعلم. ومن المستحيل الإيمان بمسألة تخالف العقل والمنطق لأنَّ فيها يكون التأرجح والتردد(1)". (مترجم عن الإنجليزية)

أكدَّ حضرة بهاء الله بأنَّ الطاقات الفكرية والعقليـة للإنسان هي مواهب من الله العلي القدير، والعلم هو نتاج الاستخدام المنظم للقوى العقلية. وعليه فإنَّ الحقائق العلمية هي حقائق مكتشفة بينما الحقائق الدينية هي حقائق منزلة وهي التي أرانا الله إياها دون أنْ نكتشفها بأنفسنا. ويؤمن البهائيون بأنَّ الله الواحد الأحد هو الذي أنزل الحقائق الدينية وهو الذي أوجد الفكر والعقل من أجل الاكتشافات العلمية. وعليه لا تناقض بينها لأنَّ موجدها جميعها واحد.

أمَّا التناقض الظاهري بين العلم والمعتقدات الدينية التقليدية فهو من صنع الإنسان المعرض للخطأ والغطرسة. وعلى مر القرون تخلل مختلف الأنظمة الدينية تحريف وتغيير بالتدريج مما عكر صفاء تلك التعاليم والمبادئ الأساسية التي أتى بها مؤسسو الأديان. ومع مرور الزمن أصبح من الصعب التمييز بين ما هو محرّف وما هو أصيل، وعلى نفس المنوال نرى أنَّ النتائج المستقاة من بعض مدارس العلم والمعرفة غير الرصينة أصبحت أكثر جاذبية وشعبية من النتائج الحاصلة من الأبحاث العلمية الدقيقة والمعتبرة مما أدى ذلك إلى تشويش الحقيقة. وقد أكد حضرة عبد البهاء بأنَّ الدين والعلم في الواقع مكمّلان لبعضهما البعض. وفي سياق هذا الموضوع قال حضرته:

"الدين والعلم جناحان يطير بهما الإنسان إلى العلي وبهما تترقى الروح الإنساني. فمن المستحيل الطيران بجناح واحد، فإذا ما طار الإنسان بجناح الدين وحده فسرعان ما يقع في مستنقع الوهم والخرافة، وإذا ما طار بجناح العلم وحده فسيقع في وهدة المادية التي تحول دون تقدمه. إنَّ جميع الأديان في وقتنا الحاضر قد وقعت ضحية التقاليد والأوهام بعيدًا عن حقيقة التعاليم التي جاءت بها وعن ثمار الاكتشافات العلمية لهذا العصر( )".(مترجم عن الإنجليزية)

وفي فقرة أخرى من خطب حضرة عبد البهاء في أوربا وأمريكا أكد حضرته بأنَّ نتيجة توافق العلم والدين هي تقوية وتعزيز الدين وليس ضعفه مثلما يتخوفه المدافعون عن الدين:

"لهذا يجب على الدين والعلم أن يتطابقا. إنَّ جميع هذه التقاليد التي لدى الأمم نظرًا لكونها مغايرة للعلم والعقل فإنَّها سبب للخلاف والوهم لهذا يجب أنْ نتحرى حقيقة كل موضوع وإن تحقق ذلك فإنَّ جميع الأديان تصبح دينًا واحدًا لأنَّ أساسها حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة لا تتجزأ(2)". (مترجم عن الإنجليزية)

تساوي حقوق الرجال والنساء:

بينما تذهب العديد من التقاليد والأعراف الدينية والفلسفية إلى الاعتقاد بأنَّ المرأة يجب أنْ تكون خاضعة للرجل في نواح معينة من

الحياة الاجتماعية وحتى أنَّ المرأة في درجة أدنى من الرجل، فإنَّ الدين البهائي يدعو إلى تساوي حقوق المرأة بالرجل. فقد أكدَّ حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بأنَّ المرأة لديها القدرات العقلية المساوية للرجل وفي المستقبل تستطيع المرأة إظهار طاقاتها لكي تحقق انتصارات في المجالات الذهنية والعلمية في جميع أوجه الشئون الإنسانية. إنَّ السبب الوحيد الذي عرقل المرأة من أجل الوصول إلى هذا الهدف هو حرمانها من الفرص التعليمية والاجتماعية اللازمة. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الرجال نظرًا لقوتهم الجسمية فقد سيطروا على المرأة خلال عقود من الزمن وبذلك منعوا المرأة من تطوير قواها الحقيقية. وفي هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء:

"كان العالم في العهود السالفة أسير سطوة الرجال تحكمه قسوتهم وتسلّطهم على النساء بصلابة أجسامهم وقوة عقولهم وسيطرة شدتهم. أمَّا اليوم فقد اضطربت تلك الموازين وتغيرت واتجه العنف جهة الاضمحلال، لأنَّ الذكاء والمهارة الفطرية والصفات الروحانية من المحبة والخدمة التي تتجلى في النساء تجليًا عظيمًا صارت تزداد سموا يومًا فيومًا. ولهذا في هذا القرن البديع جعل شئون الرجال تمتزج امتزاجًا كاملاً بفضائل النساء وكمالاتهن. وإذا أردنا التعبير تعبيرًا صحيحًا قلنا أنَّ هذا القرن سيكون قرنًا يتعادل فيه هذان العنصران: الرجل والمرأة تعادلاً أكثر، ويحصل بينهما توافق أشد( )". (مترجم عن الإنجليزية)

ووجه هام من وجوه الوحدة العالمية سيكون الحصول على مزيد

من التوازن بين الرجل والمرأة في تأثيرهما على المجتمع. وفي الواقع، فأنَّ زيادة تأثير المرأة في المجتمع سيؤدي إلى الحد من الحروب وإقامة السلام الدائم. يقول حضرة عبد البهاء:

"مرَّت البشرية في العصور السالفة بمراحل من النقص والفتور لأنَّها لم تكن كاملة. فالحروب وآثارها قد أصابت العالم بآفاتها. إنَّ تعليم المرأة سوف يكون خطوة جيدة نحو إنهاء الحروب والقضاء عليها ذلك لأنَّ المرأة ستستخدم كامل تأثيرها ضد الحرب… وفي الحقيقة فإنَّ المرأة ستكون عنصرًا رئيسيًا في تأسيس السلام العالمي والمحكمة الدولية. وبالتأكيد ستعمل المرأة على إنهاء الحروب بين الجنس البشري(1)". (مترجم عن الإنجليزية)

التعليم العمومي:

أوجد حضرة بهاء الله خطوات عملية لتحقيق دعوته في مساواة حقوق المرأة بالرجل ودعا الناس إلى ضرورة تعليم الأطفال وتربيتهم. وإذا كانت المشاكل العائلية أو المالية تعيق ذلك، إنْ لم تستطع الجالية تلبية هذه الحاجة فإنَّ أولوية التعليم يجب أنْ تعطى للإناث دون تردد. هذا العمل يؤدي إلى تحقيق هدفين:

الأول: في مساعدة النساء على التغلب على نقصهن من عدم المساواة في الماضي.

الثاني: طالما أنَّ الأمهات هن المربيات الأوائل في المجتمع، فإنَّ الجيل القادم سيحصل على أكبر فائدة ممكنة من التعليم المقدم له من الأسرة أو من الجالية.

العدالة الاقتصادية – الحد من الغنى الفاحش والفقر المدقع:

إنَّ مبدأ وحدة الجنس البشري الذي تصوره حضرة بهاء الله هو مبدأ قائم على العدالة. ومن الأمثلة الملفتة للنظر لحالة اللاعدالة في العالم اليوم هو عدم التوازن في الشئون الاقتصادية وفي الأمور المادية. هناك نسبة قليلة من الناس يملكون ثروات طائلة وهذه الأقلية تتحكم في الوسائل الرئيسية للإنتاج والتوزيع بينما نلاحظ إنَّ غالبية سكان العالم يعيشون في فقر مدقع وبؤس شديد. حالة اللاتوازن هذه موجودة بين الناس وبين الشعوب حيث إنَّ هناك بعض الشعوب الصناعية تملك ثروات طائلة بينما بعض الشعوب الأخرى مازالت فقيـرة وغير متقدمة. وفوق ذلك فإنَّ الهوة بين الغني والفقير آخذة في الاتساع في كل سنة مما يدل على أنَّ الأنظمة الاقتصادية الحالية غير قادرة على إيجاد عدالة متزنة. لقد أكد حضرة بهاء الله على أنَّ اللاعدالة الاقتصادية مرض أخلاقي وغير مقبول لدى الله عز وجل. ومما ذكره حضرة عبد البهاء:

"عندما نرى بأنَّ الفقر قد تحّول إلى حالة من الحرمان فأنَّ ذلك دلالة على أنَّ هناك نوع من الاستبداد والطغيان(1)". (مترجم عن الإنجليزية)

كما قال حضرة بهاء الله في الكلمات المكنونة: "يا ابن الإنسان أنفق مالي على فقرائي لتنفق في السماء من كنوز عز لا تفنى وخزائن مجد لا تبلى ولكن وعمري إنفاق الروح أجمل لو تشاهد بعيني".

وفي سورة البيان قال حضرته أيضًا:

"لا تحرموا الفقراء عما أتاكم الله من فضله وإنَّه يجزي المنفقين ضعف ما أنفقوا إنَّه ما من إله إلا هو له الخلق والأمر يعطي من يشاء ويمنع عمن يشاء وإنَّه لهو المعطي الباذل العزيز الكريم".

من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى فقدان العدالة الاقتصادية لاشك إنَّها المنافسة الشديدة وغير الشريفة. وبالرغم من أنَّ المنافسة المحدودة كانت دون شك وسيلة تشجيعية لدفع الإنتاج خلال فترة من التاريخ عندما كانت وسائل وطرق الإنتاج أقل تطورًا ونموًا، ولكن اليوم يجب أنْ يحل محلها التعاون والتآزر. إنَّ الموارد البشرية والمادية المتوفرة لدينا يجب أن توظف لمصلحة الجميع وعلى المدى البعيد وليس لمصلحة طبقة محدودة من الناس ولفترة قصيرة. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون التعاون البناء بدل من المنافسة والمضاربة واعتباره أساسًا للنشاط الاقتصادي المنظم.

يجب أنْ يسود التعاون بين جميع طبقات الجامعة. وقد شرح حضرة عبد البهاء بأنَّه حتى المشاريع الفردية يجب أن تعكس تلك المشاركة بين العامل وصاحب العمل بأن يأخذ العامل بالإضافة إلى راتبه، نسبة معينة من الأرباح. وبهذه الطريقة نلاحظ أنَّ العمال وأصحاب العمل يعملون معًا في مشروع تعاوني مشترك، ولا تضارب في مصالحهم المشتركة. إنَّ النظام الحالي الذي يستحوذ فيه صاحب العمل على جميع الأرباح يؤدي إلى حدوث نزاع وصدام بينه وبين العمال مسببًا اختلالاً اقتصاديًا وظلمًا واستغلالاً في أغلب الأحيان. وبالنسبة للمنافسة، وسعيًا وراء السلطة والقوة يقول حضرة بهاء الله:

"عندما يبحث الناس عن التعالي والامتياز يخرب العالم بل يقفر… ومما لاشك فيه فإنَّ الإنسان مخلوق نبيل وفيه نشاهد آية الحق. أمَّا إذا رأى نفسه أعلم وأرجح وأفضل وأتقى وأرفع من الآخرين فهذا هو الخطأ الكبير(1)".

ويبّين لنا حضرة عبد البهاء بأنَّ التعاون يمنح المجتمع حياة مثلما يعيش الكائن الحي بتعاون أجزاء جسمه المختلفة المكونة له. حيث تفضل حضرته:

"في عالم الوجود جميع الكائنات لها علاقة مع بعضها البعض ومن هذه العلاقة يحصل التعاون والتعاضد، وهذا التعاون والتعاضد هو سبب البقاء والحياة، وأن استبعد التعاون والتعاضد ولو لدقيقة واحدة مـن حقائق الأشيـاء تنحـل جميع الكائنات وتصبح هباء منثورًا(2)".

وفي إطار نظام اقتصادي قائم على التعاون فإنَّ التعاليم البهائية تقبل الملكية الفردية والحاجة إلى مبادرة اقتصادية فردية. أضف إلى ذلك فإنَّ المبادئ البهائية حول الاقتصاد لا تشير إلى ضرورة أنْ يكون لجميع الأفراد دخل متساوٍ. فهناك تباين في طبيعة الاحتياجات ثمَّ القدرات بين إنسان وآخر، وهناك بعض أنواع من الخدمة للمجتمع مثل التعليم يحصل أفراده على مكافأة وتعويض أكبر من الخدمات الأخرى.

وعلى أي حال يجب تنظيم جميع تلك المستويات في الدخل ضمن حدود محددة. فمن جانب يجب أنْ يكون هناك حد أدنى للدخل يفي بمتطلبات الإنسان ورفاهيته. وإنْ لم يستطع دخل الفرد تلبية احتياجاته

الضرورية لأي سبب كان (مثل العجز أو غيره) فيجب على هذا الفرد أنْ يحصل على تعويض من المال العام. ومن جانب آخر يجب أنْ يكون هناك حد أقصى للدخل أيضًا. فمن خلال إيجاد نظام ضرائبي متطور ووسائل أخرى يمكن الحد من تراكم ثروة ضخمة للفرد خارج حدود معينة. وطبقًا لبيان صريح من قبل حضرة عبد البهاء لا مكان "لمليونير" في مجتمع قائم على المبادئ البهائية لأنَّه يصبح من المستحيل جمع ثروة طائلة لا ضرورة لها.

أمَّا بخصوص التباين في الرواتب فسوف يستمر ليمّكن المجتمع من دعم جهود فئات مثل الأطباء والمزارعين وتشجيعهم على أداء وظائفهم الهامة لمجتمعهم. إلا أنَّ هذه الفروقات يجب أنْ يكون لها حدود وضوابط معينة للتأكد من عدم حرمان طبقة معينة من الحد الأدنى للراتب وأيضًا عدم السماح لبعض الفئات امتلاك ثروات ضخمة. وعلى ذلك فإنَّ المبادئ البهائية الخاصة بالاقتصاد تحتوي على عناصر مشابهة للأنظمة الحالية ولكنها تتضمن رؤية نحو إيجاد نظام اقتصادي جديد وفريد من نوعه قائم على توزيع عادل للسلع والخدمات، ولا نظير له في رؤيته العالمية(1).

الأساس الروحي للمجتمع :

في بحثنا للقضية الاقتصادية والاجتماعية تجدر الإشارة بأنَّ حضرة

بهاء الله وحضـرة عبد البهاء قد أكّـدا بأنَّ إعادة تنظيم الأنشطة الاقتصادية من أجل الحد من تضارب المصالح ما هو إلاَّ جزء من حل المشكلة. إنَّ أصل مشكلة اللاعدالة الاقتصادية هو الأطماع البشرية. وعليه، يتحتم علينا أساسًا تغيير المفاهيم والمواقف. فإذا ما بقى الإنسان على أطماعه وأنانيته وغير ناضج غارقًا في الماديات مفتقرًا إلى الروحانيات فإنَّ أفضل الأنظمة الاقتصادية وأكملها سوف لا يعمل بكفاءة. إنَّ الحل الأمثل والمرضي للأزمة الاقتصادية العالمية الحالية يكمن في إيجاد تغيير جذري في عقول الناس وقلوبهم، وهو لا يأتي إلاّ عن طريق الدين وفي هذا الصدد يقول حضرة عبد البهاء:

"إنَّ الأسس التي تقوم عليها الأحوال الاقتصادية برّمتها إﻟﻬﻴﺔ في طبيعتها، ولها ارتباط بعوالم القلب والروح( )". (مترجم عن الإنجليزية)

هذا المبدأ يبدو أنَّه جيد وصالح ليس للاقتصاد فحسب بل لجميع الأنشطة والمشاكل الإنسانية. فالتعاليم البهائية تؤكد على أنَّ طبيعة الإنسان روحية في جوهرها، ولا يمكن إيجاد حل دائم وشامل للمشاكل الإنسانية دون أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار. وكل شيء بالأساس مرتبط بالهدف الروحي لوجود الإنسان، وهو معرفة الخالق عز وجل ومحبته ثمَّ تطوير القيم والفضائل الروحية لديه.

ولهذا السبب جاءت آثار حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء لتشمل بهدايتها جزءًا كبيرًا من الأنشطة الإنسانية. ولا يمكن وضع حد فاصل بين الجوانب الدنيوية والدينية للحياة. وإنْ أردنا لحياتنا أنْ تنجح فعلينا أنْ ننظر إلى جميع جوانبها من منظور روحاني. ونظرًا لأنَّ الدين عبارة

عن استمرارية للهداية الإﻟﻬﻴﺔ للعالم البشري، ويعتبر ذا بعد روحاني خاص وأهمية خاصة للإنسان، فإنَّ الدين السماوي يمكن أن يكون قاعدة للمجتمع وإنَّ المساعي الإنسانية لحل مشاكل العالم دون الرجوع إلى الدين وإلى المشيئة الإﻟﻬﻴﺔ ستؤول بالفشل. بالنسبة لهذا الموضوع يقول حضرة شوقي أفندي:

"لقد ذهبت الإنسانية ويا للأسف بعيدًا في ضلالها وأصابها انحطاط هائل إلى درجة يصعب معها إنقاذها، إذ لا جدوى من جهود لا تأييد لها والتي يبذلها أشهر القادة ورجال الدولة البارزين مهما كانت نواياهم خالصة، ومهما بلغت أعمالهم من الإعداد والتخطيط... فلا جدوى من أي خطط تأتي نتيجة حسابات أكثر زعماء السياسة أهمية ولا فائدة من العقائد التي يسعى أصحاب النظريات الاقتصادية تقديمها ولا جدوى من أي مبادئ يحاول دعاة الإصلاح والأخلاق من خيرة القوم غرسها في النفوس ما لم توفر في نهاية الأمر القاعدة الصحيحة التي يمكن أن يبنى عليها صرح المستقبل لعالم مشتت الأفكار والحواس( )". (مترجم عن الإنجليزية)

لغة عالمية إضافية:

إنَّ تعدد اللغات وهو ما يتصف به عالمنا المتحضر اليوم يعتبر عقبة رئيسية أمام وحدة العالم. فعلى مستوى الاتصالات الفعلية فإنَّ وجود لغات متعددة يجعل من الصعب تدفق المعلومات بشكل يسير ويجعل من الصعب على الفرد المتحدث بلغة واحدة أن يحصل على منظور

عالمي لأحداث العالم. هناك توجه من قبل بعض الفئات أو الشعوب نحو التمسك بلغتها وثقافتها وبالتالي اعتبارها أفضل وأحسن من غيرها. هذه النظرة الفوقية أو الغلو في الوطنية عادة ما تؤدي إلى الصراع.

ولهذا فليس من العجب أنْ نرى أنَّ الحل الذي طرحه حضرة بهاء الله لوحدة الجنس البشري يتضمن تبنّي لغة عالمية إضافية. حيث دعا حضرته إلى تعلم لغة أخرى واحدة في جميع المدارس التعليمية في العالم. وبذلك وخلال جيل واحد يستطيع الكل أنْ يتعلم بالإضافة إلى لغته الأصلية لغة عالمية أخرى مشتركة. هذه اللغة العالمية يمكن أنْ تكون لغة مخترعة مثل لغة الاسبرانتو أو من إحدى اللغات المتداولة. ومن محاسن اختيار إحدى اللغات الموجودة، هو وجود نسبة من شعوب العالم يتحدثون بها ويتعلمونها بينما من محاسن اختراع لغة جديدة هو حيادية هذه اللغة وأيضًا إعطاء الفرصة لإيجاد قواعد لغوية بسيطة وسهلة(1).

يؤمن البهائيون بأهمية اختيار لغة عالمية إضافية إلى جانب اللغة

الوطنية، ولكنهم لا يرجّحون لغة معينة على لغات أخرى سواء كانت هذه اللغة موجودة أم مخترعة. إنَّ اختيار هذه اللغة سيتم بواسطة لجنة دولية من الخبراء ويتم إقرارها من قبل شعوب العالم. كما أكدَّ حضرة بهاء الله بأنَّ اللغة العالمية ستكون لغة إضافية ومساعدة بمعنى إنَّها سوف لن تحل محل اللغات الموجودة. إنَّ مبدأ "الوحدة والاتحاد في التنوع والتعدد" يجب أن يطبق في مجال اللغات المختلفة كما هو مطبق في الشئون الأخرى. ونظرًا لأنَّ هناك ضغوطًا مختلفة على الأقليات اللغوية تهدد بذوبانها بين اللغات السائدة والمسيطرة في المجتمع فإنَّ وجود لغة عالمية إضافية سيساعد تلك اللغات الأقلية في حفظ وجودها وبالتالي حفظ ثقافة الاقليات( ).

وجها الظهور الإلهي:

من أجل الفهم الجيد للتعاليم البهائية من الضروري بمكان أن نستوعب ونفهم الدور الذي يلعبه أي ظهور سماوي في تاريخ البشرية. في توضيحهما لمفهوم استمرار الهداية الإﻟﻬﻴﺔ أوضح وشرح حضرة بهاء الله وحضرة عبد البهاء بأنَّ كل دعوة سماوية لها هدفان رئيسيان. الهدف الأول: هو العمل على زيادة معرفتنا بالله سبحانه وتعالى والإيمان بإرادته المطلقة ومشيئته النافذة للبشرية ثمَّ زيادة معرفتنا بالآخرين وبأنفسنا. ولكن كل ظهور سماوي يأتي في مكان وزمن معين

وفي مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي عندما تكون البشرية في مواجهة مشاكل معينة ولها احتياجات خاصة. وعلى ذلك فإنَّ الهدف الثاني لأي دعوة سماوية هو هداية الجنس البشري للطرق العلمية ومنحه العلم اللازم والضروري لمواجهة التحديات المعاصرة.

إنَّ الفرق الوحيد بين الهدفين هو أنَّ الأول هو هدف عام بينما الثاني هدف خاص. في الحالة الأولى يوجه المبعوث السماوي رسالته إلى العالم البشري حول مواضيع عالمية وجوانب مختلفة للحياة مثل معاناة الإنسان وولادته ومماته وظواهر مثل الخوف والحب. فالخبرات التي يكتسبها الإنسان من هذه الجوانب المختلفة للحياة تعتبر من مقومات حياته بغض النظر عن مكانه أو زمانه. أما في الحالة الثانية، فالرسول الإﻟﻬﻲ يخاطب الجنس البشري بأبعاد معينة يختص بالمكان والزمان، وعلى ذلك فإنَّ الحدود والأحكام الإﻟﻬﻴﺔ التي نزلت من أجل تلبية متطلبات كل عصر لها جانبان. الجانب الأول هو عام أو أبدي والجانب الآخر هو اجتماعي أو مؤقت. وقد شرح لنا حضرة عبد البهاء هذين الجانبين للدين بما يلي:

"كل دين من الأديان الإﻟﻬﻴﺔ المقدسة التي نزلت حتى اليوم منقسم إلى قسمين: أحدهما الروحانيات وهي معرفة الله وموهبة الله وفضائل العالم الإنساني والكمالات السماوية، وهذا القسم يتعلق بعالم الأخلاق وهو الحقيقة والأصل. وجميع أنبياء الله دعوا الناس إلى الحقيقة، فالحقيقة هي محبة الله ومعرفة الله وهي الولادة الثانية، والحقيقة هي الاستفاضة من الروح القدس وهي وحدة العالم الإنساني، وهي الألفة بين البشر وهي المحبة والصداقة وهي العدل وهي المساواة بين البشر. وقد روّجها وأسسها أنبياء الله جميعًا. ومن

ثمَّ فالأديان الإﻟﻬﻴﺔ واحدة. والقسم الثاني من الدين متعلق بالجسمانيات وهو فرعي وليس أساسيًا ويحدث فيه التغيير والتبديل بحسب مقتضيات الزمان. فالطلاق مثلاً جائز في شريعة التوراة وليس جائزًا في شريعة السيد المسيح. وفي شريعة موسى كان السبت وفي شريعة المسيح نسخ ذلك الأمر. فجميع هذه الأمور تتعلق بالجسمانيات ولا أهمية لها وهي تتغير وتتبدل حسب مقتضيات الزمان… وخلاصة القول إنَّ هذا القسم الذي يتعلق بالعالم الجسماني يحدث فيه التغيير والتبديل تبعا لمقتضيات الزمان(1)".

من أسباب الصراع الرئيسية بين الأنظمة الدينية المختلفة هو فشل أتباع هذه الديانات في التمييز بين القسمين. ونظرًا لأنَّ الأحكام الاجتماعية قابلة للتغيير تبعًا لتطور البشرية ونموها فإنَّ أتباع الديانات يصابـون بخيبة أمل إذا أصروا على اعتبار أنَّ هذه الأحكام والقوانين غير قابلة للتغيير والتجديد. فمثلاً قام السيد المسيح عليه السلام بتغيير عدة أحكام وقوانين اجتماعية خاصة باليهود لدرجة أنَّ ذلك أثار حفيظة وسخط المتعصبين اليهود.

إنَّ بعض المبادئ البهائية التي تمَّ بحثها في الصفحات السابقة من هذا الفصل تقع ضمن هذه الفئة من التعاليم الاجتماعية. وطبقًا للاعتقاد البهائي فإنَّ أهم مشكلة اجتماعية في عصرنا الحاضر هي الفرقة والشقاق. فمبادئ مثل إيجاد لغة عالمية أخرى لهي وسائل عملية وضعت للمساعدة في تأسيس الوحدة العالمية.

ومع كل ذلك فإنَّ الوحدة تعبير عن المحبة والألفة. أما الخلاف والنزاع فهو نوع من أنواع الحقد والكراهية. وقد أشار حضرة عبد البهاء بأنَّ المحبة هي جوهر وأساس التعاليم التي أتى بها الحق تبارك وتعالى للبشرية وهي مبدأ عالمي جاء في الأديان كلها. وعلى ذلك فإنَّ غالبية المشاكل الاجتماعية والمنبثقة أصلاً من عدم الوحدة يكون سببها الضعف في الروحانيات. ومن ثم يربط البهائيون الكثير من المبادئ التي جاء بها حضرة بهاء الله (مثل تساوي حقوق الرجل والمرأة) إلى أنَّها تعبير عن حقيقة روحانية عالمية وعامل رئيسي في حل المشاكل الاجتماعية المعاصرة.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى