منتديات عظمة هذا اليوم
عزيزي الزائر الكريم يسعدنا انضمامك للصفوة في منتديات عظمة هذا اليوم
ارجو الضغط على زر تسجيل ومليء البيانات
في حالة مواجهتك لاي مشكلة ارجو الاتصال فورا بالادارة على الايميل التالي
the_great_day@live.se

يا إلهي أغث هؤلاء البؤساء، ويا موجدي ارحم هؤلاء الأطفال، ويا إلهي الرّؤوف اقطع هذا السّيل الشّديد، ويا خالق العالم أخمد هذه النّار المشتعلة، ويا مغيثنا أغث صراخ هؤلاء الأيتام، ويا أيّها الحاكم الحقيقيّ سلّ الأمّهات جريحات الأكباد،ع ع



style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="7566737684"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="4473670482"
data-ad-format="auto">




style="display:block"
data-ad-client="ca-pub-1318663160586817"
data-ad-slot="2996937285"
data-ad-format="auto">


بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 35 بتاريخ 2010-11-08, 18:40

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

ماضي وحاضر ومستقبل الأمر البهائيّ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

عاطف الفرماوى


عضو ذهبي
عضو ذهبي


"إنّي أشهد يا أيّها الأحبّاء أنّ النّعمة قد تمّت والحجّة قد كملت، والبرهان قد ظهر والدّليل قد قام. فلننظر الآن ماذا تبديه همّتكم من مراتب الانقطاع، كذلك تمّت النّعمة عليكم وعلى من في السّموات والأرضين والحمد لله ربّ العالمين".
"بهاءالله"( )

تقدّم الأمر البهائيّ

يستحيل علينا في هذا المجال المحدود أن نصف بالتّفصيل تقدّم الدّين البهائيّ في أنحاء العالم، إذ قد يحتاج شرح هذا الموضوع البديع الجذّاب إلى عدّة فصول. وهناك كثير من الأحداث الّتي تهزّ المشاعر والقلوب قد حدثت لشهداء هذا الأمر وروّاده الّذين نشروه في أطراف الأرض. لهذا نكتفي بذكر موجز قصير جدًّا حول هذا الموضوع.

ففي إيران لقي المؤمنون الأوّلون بهذا الظّهور أقصى أنواع المقاومة والاضطهاد والقسوة على أيدي أبناء وطنهم، ولكنّهم

قابلوا كلّ تلك المحن والمصائب ببطولةٍ فائقةٍ وبصبرٍ وثباتٍ. وكان تعميدهم بدمائهم حيث هلكت عدّة ألوف من الشّهداء بينما ضُربت الألوف الأخرى وسُجنت وجُرّدت من ممتلكاتها وطُردت من مواطنها وعُذّبت بطرقٍ أخرى. ومرّت ستّون سنة لم يتجاسر خلالها أحدٌ في إيران بالانتساب علنًا إلى الباب أو بهاءالله وإذا انتسب كان ذلك مخاطرة بأمواله وبحريّته وحتّى بحياته، لكنّ هذه المقاومة الوحشيّة المتعمّدة لم تستطع صدّ تقدّم الأمر البهائيّ أكثر من عاصفة غبار تمنع شروق الشّمس الأكيد.

ففي طول إيران وعرضها هناك بهائيّون في كلّ مدينةٍ وفي كلّ قصبةٍ وفي كلّ قريةٍ وحتّى بين العشائر الرّحل فيها. وفي بعض القرى يكوّن البهائيّون كلّ السّكّان وفي بعضها يكوّنون الأغلبيّة العظمى من السّكّان وقد انضم إلى صفوفها أبناء المذاهب المختلفة الّتي كانت في منتهى العداوة فيما بينها فدخلت الآن في أخوّة عظمى اعتُرفت بأهميّتها لا فيما بينها ٍفحسب بل مع جميع العاملين في توحيد البشريّة ورفعتها من أجل إزالة جميع التّعصّبات والخصومات ومن أجل تأسيس ملكوت الله على الأرض.

فأيّة معجزة هناك أعظم من هذه؟ هناك معجزة واحدة هي إنجاز المهمّة الّتي كرّس هؤلاء النّاس أرواحهم من أجلها في جميع أنحاء العالم، والدّلائل متوفّرة على أنّ هذه المعجزة العظمى تتقدّم الآن أيضًا في طريق تحقّقها. ويكشف الدّين البهائيّ يومًا فيومًا عن قوّةٍ حيويّةٍ مدهشةٍ في انتشاره انتشار الخميرة في جسم البشريّة الهائل

مقلّبًا أحوال الشّعوب والجامعات خلال انتشاره فيها( ).

وقد يبدو عدد البهائيّين الصّغير غير ذي بالٍ إذا ما قورن بعدد أتباع الأديان القديمة، ولكنّ البهائيّين مطمئنّون إلى أنّ القوّة الإلهيّة قد باركتهم بمنحها إيّاهم امتياز خدمة نظام عالميّ جديد سوف تجتمع فيه الأفواج من الشّرق والغرب في يومٍ ليس ببعيد.

ومع أن الرّوح القدس قد انعكس في الحقيقة والواقع في جميع أقطار العالم من القلوب الطّاهرة الّتي لا تدري منبعه العظيم وبالرّغم من أنّ تقدّم الدّين البهائيّ يتجلّى في الجهود الكثيرة المبذولة خارج الجامعة البهائيّة لترويج تعاليم بهاءالله، لكنّ افتقار جميع الأنظمة القديمة إلى قواعد راسية برهان مقنع على أنّ المُثل العليا للملكوت لن تؤتي ثمارها إلاّ داخل إطار الجامعة البهائيّة.

براهين رسالة الباب وبهاءالله

كلّما درسنا حياة الباب وبهاءالله وتعاليمهما استحال علينا الوصول إلى تفسير عظمتهما عن أيّ طريق آخر غير طريق إلهامهما الإلهيّ. فقد نشأ كلاهما في جوٍّ من التّعصب والتّزمت فظيع، ونال كلاهما قسطًا ضئيلاً من التّعليم، ولم يكن لكليهما أي اتّصال بالثّقافة الغربيّة، وكلاهما لم تكن له قوّات سياسيّة أو ماليّة تسنده، ولم يسأل كلاهما النّاس إلاّ العدل والإنصاف ولم ينل كلاهما منهم إلاّ الظّلم والاعتساف، وقد تجاهلهما عظماء الأرض أو قاوموهما،

وكلاهما قد ضُرب وعُذّب وسُجن وتعرّض إلى أقصى المصائب في سبيل إتمام رسالته، وكلاهما وقف ضدّ العالم من دون مُعين إلاّ الله، ومع ذلك فقد انتصر كلاهما انتصارًا رائعًا مبينًا.

إنّ سموّ مبادئهما، ونبل حياتهما، وتضحياتهما، وشجاعتهما الّتي لا تهاب أحدًا، ورسوخ عقيدتهما الّتي لا تقهر، وحكمتهما المدهشة، ومعرفتهما المحيّرة، وإحاطتهما باحتياجات أهل الغرب وأهل الشّرق، ومدى شمول تعاليمهما الملائمة لمقتضيات العصر والزّمان، وقدرتهما في بعث الإخلاص وبثّ الحماس في اتباعهما، واختراق نفوذهما وقدرتهما جميع الآفاق – كلّ هذه براهين على رسالتهما، ولهذه البراهين في قوّة إقناعها ما لأيّة براهين أخرى تضمّنتها تواريخ الأديان.

مستقبل مجيد

إنّ البشرى الّتي تزفّها البهائيّة تكشف للنّاس عن مشاهد فضل الله العظيم ولطفه العميم في التّقدّم الباهر المقبل الّذي قُدّر للعالم الإنسانيّ. وهذا الفضل وتلك النّعمة ليست في الواقع إلاّ هذا الظّهور الأعظم الأبهى الّذي تجلّى للإنسانيّة فحقّق وعود جميع الظّهورات الإلهيّة السّالفة. وليس هدفه إلاّ بعث الإنسانيّة بعثًا جديدًا وتجديدها وخلق "سموات جديدة وأرض جديدة" وهذه نفس المهمّة الّتي من أجلها ضحّى السّيد المسيح وجميع الرّسل أرواحهم، ولا مشاحة بينهم وهم على ذلك متّفقون. ولن تتحقّق هذه المهمّة العظمى على يد هذا المظهر الإلهيّ وحده أو على يد ذاك المظهر الإلهيّ وحده بل على أيديهم جميعًا فيقول عبدالبهاء:-

"إذا أردنا تمجيد السّيد المسيح فلا حاجة لنا بذمّ حضرة إبراهيم، وإن أردنا الثّناء على حضرة بهاءالله فلا ضرورة تلجئنا إلى الحطّ من شأن السّيد المسيح. فعلينا أن نقبل حقيقة الألوهيّة في أيّ هيكل تجلّت. وخلاصة مقصودي هو أنّ جميع الأنبياء العظام قد ظهروا من أجل رفع راية الكمالات الإلهيّة، وكلّهم كالكواكب الدّرهرهة اللاّمعة. وقد أشرق كلّ واحد منهم من سماء مشيئة الله وأضاء فوهب العالم نورًا"( ).

وهذه المهمّة العظمى هي مهمة الله. والله لا يدعو الرّسل وحدهم بل يدعو جميع الإنسانيّة لتشارك في تحقيق هذا التّدبير الإلهيّ الخلاّق. فإذا رفضنا دعوته لن نعيق عمله، لأنّ ما أراده الله يجري. ولكنّنا إذا فشلنا في أن نلعب دورنا فإنّه يختار آلات أخرى ويقيمها لإنجاز مقصوده، فيضيع من أيدينا الهدف الحقيقيّ والمقصود الأصليّ لحياتنا. فالفناء في الله، والتّحول إلى أن نكون عشّاقه وعبيده، وأن نكون قنوات طيِّعة، ووسطاء ممتازين لتنفيذ قوتّه الخلاّقة، لا نشعر بأيّة حياة في باطننا غير حياته الإلهيّة الفائضة – كلّ هذه وفقًا للتّعاليم البهائيّة هي النّهاية المجيدة الّتي تسمو فوق كلّ وصف والّتي قُدّر للكائنات البشريّة أن تنتهي إليها.

والبشريّة على كلّ حال سليمة في فطرتها لأنّها خُلقت على شِبه الله( ). وحينما ترى الإنسانيّة الحقيقة فإنّها في النّهاية سوف لا تصّر على طرق الضّلال. ويطمئننا بهاءالله بأنّ نداء الله سوف يُستجاب

عمّا قريب في كلّ الجهات، وسوف تتوجّه الإنسانيّة بكاملها إلى إطاعة الحقّ "فتتبدّل كلّ الأحزان إلى سرور وكلّ الأمراض إلى صحّة وشفاء"، وسوف يصبح هذا العالم ملكوتًا "لربّنا ومسيحه فيملك إلى أبد الآبدين"( ).

ولن يندمج أهل الأرض وحدهم في إرادة الله بل جميع أولئك الّذين هم في السّموات يندمجون في إرادة الله وسوف يبتهج الجميع إلى الأبد فيه.

تجديد الدين

إنّ حالة العالم في هذا اليوم تقدّم لنا الدّليل النّاصع على أنّ النّاس جميعًا – إلاّ ما شذّ وندر – في كلّ الأديان يحتاجون إلى يقظة ينتبهون فيها إلى المعاني الحقيقيّة المقصودة من أديانهم بالذّات. وكانت هذه اليقظة هي الجزء المهمّ من أعمال بهاءالله، فقد جاء ليجعل المسيحيّين مسيحيّين كاملين وليجعل المسلمين مسلمين كاملين وليجعل البشر عمومًا يسيرون طبقًا للرّوح الّتي أوحتها إليهم رسلهم. وهو ينفّذ الوعد الّذي وعدت به جميع الرّسل وذلك حتّى ظهور مظهر كلّي أعظم في "منتهى الأيّام"، يظهر ليتوّج جهود الرّسل ويوصلها إلى غايتها الّتي نشدتها، وليكشف عن الحقائق الرّوحانيّة كشفًا أوسع ممّا كشفه أسلافه، ويعلن إرادة الله حول كلّ مشكلة من مشاكل الحياة الفرديّة والاجتماعيّة الّتي تجابهنا في العالم اليوم، ويعطينا تعليمًا عامًّا يكون الأساس الرّاسخ الّذي

يمكن أن تبنى عليه حضارة أحسن من حضارتنا – تعليمًا عامًّا يوافق حاجات العالم في العصر الجديد الّذي بدأ الآن.

الحاجة إلى وحي سماويّ جديد

إنّ توحيد العالم الإنسانيّ، والتحام الأديان العالميّة التحامًا تامًّا، والتّوفيق بين العلم والدّين، وتأسيس السّلام العام، والتّحكيم لدى بيت عدل دوليّ، واللّغة العالميّة، وتحرير المرأة، والتّربية العالميّة وإلغاء العبوديّة والرّق الصّناعي، وتنظيم الإنسانيّة كوحدةٍ واحدةٍ مع مراعاة حقوق الأفراد وحرّيّاتهم – كلّ هذه تكوّن المشاكل الجسام الهائلة والواجبات العظمى الّتي لا يزال المسيحيّون والمسلمون وأهل الأديان الأخرى يأخذون بآراءٍ متناحرةٍ تجاهها. لكنّ بهاءالله أعلن بوضوح مبادئ محدّدة سوف يؤدّي الأخذ بها عمومًا إلى جعل العالم جنّة النّعيم.

جاء الحقّ للنّاس كافة

هناك كثيرٌ من الناّس يعتقدون أنّ تعاليم بهاءالله ممتازة وضروريّة لإيران وللشّرق، ويتصوّرون أنّها ليست ضروريّة لأمم الغرب وليست ملائمة لها. وقد أجاب عبدالبهاء شخصًا ذكر له مثل هذا الرّأي:-

"إنّ هدف دين بهاءالله هو أنّ كلّ أمر يؤدّي إلى خير الجميع أمرٌ ربّاني وكلّ أمر ربّانى يؤدّي إلى خير الجميع. فإذا كان حقًّا فهو حقٌّ للجميع وإذا لم يكن حقًّا فليس لأحد. لهذا فالأمر الإلهيّ الّذي فيه الخير للجميع لا يجوز اقتصاره على الشّرق أو على

الغرب لأنّ أشعّة شمس الحقيقة تنير الشّرق والغرب كليهما، وتؤثّر حرارتها في الشّمال والجنوب، ولا فرق بين قطبٍ وقطب. ففي زمان ظهور المسيح ظنّت الأمّتان الرّومانيّة واليونانيّة أنّ دين المسيح يختصّ باليهود وحدهم ورأت نفسها ذات مدنيّة لا تحتاج إلى اقتباس واستفاضة من تعاليم المسيح، فحرمت هاتان الأمّتان نفسيهما من فيوضات أمره. لهذا إعلم أنّ حقيقة تعاليم المسيح وحقيقة تعاليم بهاءالله واحدة وكلتاهما تسيران على نهجٍ واحدٍ وصراطٍ واحدٍ وترتقيان في كلّ عصرٍ حسب رقيّ ذلك العصر. ففي وقت من الأوقات كانت هذه التّأسيسات الإلهيّة في عالم الجنين ثمّ وُلدت فكانت لها فترة طفولة وبعدها بلغت سن الرّشد والشّباب ولكنّها اليوم في كمال الجمال والملاحة والنّورانيّة مشرقة بالأنوار.

"فطوبى لنفسٍ توصّلت إلى الأسرار ودخلت عالم الأنوار".

ألواح وصايا عبدالبهاء

دخل الدّين البهائيّ صفحةً جديدةً من صفحات تاريخه بصعود قائده المحبوب عبدالبهاء. وتُمثّل هذه الصّفحة وضعًا روحانيًّا أكثر سموًّا، وتعبيرًا عن الدّين أكثر نضوجًا وأكثر مسؤوليّة شعر بها أتباعه. وقد كرّس عبدالبهاء طاقاته فوق البشريّة لمهمّة نشر محبّته نحو بهاءالله في الشّرق والغرب وأشعل مصباح الدّين في أرواح لا عداد لها ودرّبها على صفات الحياة الرّوحانيّة الفرديّة وهداها إلى سجاياها، ونظرًا للخطورة البالغة الّتي عليها تِلكُم الوصيّة الأخيرة الّتي أوصاها عبدالبهاء في ألواح وصايا عهده وميثاقه، ونظرًا لخطورة النّتائج الّتي تترتّب عليها والحكمة البالغة المودعة في

نصوصها، نقدّم بضعة مقتطفات تصوّر تصويرًا حيًّا الرّوح الّتي أحيت عبدالبهاء والمبادئ الرّئيسيّة الّتي هدته والّتي نقلها إلى أحبّائه المخلصين ميراثًا فريدًا:-

"يا أحبّاء الله إنّ النّزاع والجدال في هذا الدّور المقدّس ممنوع وإنّ كلّ معتدٍ محروم. فيجب الأخذ بمنتهى المحبّة والصّدق والحقّ مع جميع المذاهب والأقوام قريبين كانوا أم غرباء ويجب إبداء اللّطف والشّفقة إليهم من أعماق القلب بل يجب أن تصل المحبّة واللّطف بهم إلى درجة يحسب الغريب نفسه قريبًا ويعتبر العدوّ نفسه بينهم صديقًا وأعني أن لا يفكّر أحدٌ في تفاوت المعاملة لأنّ الإطلاق أمرٌ إلهيّ والتّقييد من خواص الكائنات... إذن أيّها الأحبّاء الأودّاء عاملوا جميع الملل والطّوائف والأديان بمنتهى الصّدق والمحبّة والوفاء والشّفقة والمودّة وحبّ الخير للجميع حتّى يصبح عالم الوجود ثملاً من كأس البهاء وتزول من وجه الأرض ألوان الجهل والعداوة والبغضاء والحقد وتتبدّل ظلمة التّفرقة عن جميع الشّعوب والقبائل إلى أنوار الوحدة والوئام وإذا عاملتكم بقيّة الأمم بالجفاء فأنتم قابلوهم بالوفاء وإذا ظلموكم فعاملوهم بالعدل والإنصاف وإذا اجتنبوا عنكم فاجذبوهم وإذا ناصبوكم العداء بادلوهم الحبّ والوفاء وإذا أعطوكم سمًّا هبوهم شهدًا وإذا جرحوكم كونوا لجراحهم مرهمًا. هذه صفة المخلصين وسمة الصّادقين...

"يا أحبّاء الله يجب أن تخضعوا لسرير سلطنة كلّ ذي تاجٍ عادلٍ وتخشعوا لعتبة كلّ ملكٍ كاملٍ واخدموا الملوك بمنتهى الصّدق

والأمانة وكونوا مطيعين وراجين الخير لهم ولا تتدخّلوا في الأمور السّياسيّة من دون إذنهم وإجازتهم لأنّ خيانة كلّ سلطانٍ عادلٍ خيانة لله. هذه نصيحة منّي وفرض عليكم من عند الله فطوبى للعاملين...

"ترى يا إلهي يبكي على كلّ الأشياء ويفرح ببلائي ذوو القربى. فوعزّتك يا إلهي بعض الأعداء رثوا على ضرّي وبلائي وبكوا بعض الحسّاد على كربتي وغربتي وابتلائي لأنّهم لم يروا منّي إلاّ كلّ مودّة واعتناء ولم يشاهدوا من عبدك إلاّ الرّأفة والولاء فلمّا رأوني خائضًا في عباب المصائب والبلاء وهدفًا لسهام القضاء رقّوا لي وتدمّعت أعينهم بالبكاء وقالوا نشهد بالله بأنّنا ما رأينا منه إلاّ وفاءً وعطاءً والرأفة الكبرى ولكنّ النّاقضين النّاعقين زادوا في البغضاء واستبشروا بوقوعي في المحنة العظمى وشمّروا عن السّاق واهتزّوا طربًا من حصول حوادث محزنة للقلوب والأرواح. ربّ إنّي أدعوك بلساني وجناني أن لا تؤاخذهم بظلمهم واعتسافهم ونفاقهم وشقاقهم لأنّهم جهلاء بلهاء سفهاء لا يفرقّون بين الخير والشّر ولا يميّزون العدل والإنصاف عن الفحشاء والمنكر والاعتساف. يتّبعون شهوات أنفسهم ويقتدون بأنقصهم وأجهلهم. ربّ ارحمهم واحفظهم من البلاء بهذا الأثناء، واجعل جميع المحن والآلام لعبدك الواقع في هذه البئر الظّلماء، وخصّصني بكلّ بلاء واجعلني فداءً لجميع الأحبّاء فديتهم بروحي وذاتي ونفسي وكينونتي وهويّتي وحقيقتي يا ربّي الأعلى.

"إلهي إلهى إنّي أكبّ بوجهي على تراب الذّل والإنكسار

وأدعوك بكلّ تضرّعٍ وابتهال أن تغفر لكلّ من آذاني بسوء وأهانني وتبدّل سيّئات كلّ من ظلمني بالحسنات وترزقهم من الخيرات وتقدّر لهم كلّ المسرّات وتنقذهم من الحسرات وتقدّر لهم كلّ راحة ورخاء وتختصّهم بالعطاء والسّراء إنّك أنت العزيز المهيمن القيّوم.

"إنّ حوّاريي حضرة الرّوح (المسيح) نسوا أنفسهم وجميع شؤونهم نسيانًا تامًّا وتركوا راحتهم واستقرارهم وتقدّسوا عن الأهواء وتنزّهوا عن المشتهيات وتبرّؤوا عن كلّ التّعلقات وانتشروا في الممالك والدّيار وقاموا على هداية من على الأرض حتّى جعلوا العالم عالمًا آخر وحوّلوا عالم التّراب إلى عالم الأنوار وختموا حياتهم بفداء أرواحهم في سبيل ذلك المحبوب الرّحمانيّ واستشهد كلّ واحد منهم في إحدى الدّيار فبمثل هذا فليعمل العاملون.

"إلهي إلهي أشهدك وأنبياءك ورسلك وأولياءك وأصفياءك بأنّي أتممت الحجّة على أحبّائك وبيّنت لهم كل شيء حتّى يحافظوا على دينك والطّريقة المستقيمة وشريعتك النّوراء. إنّك أنت المطّلع العليم".

وبصعود عبدالبهاء حان الوقت لتأسيس النّظام الإداريّ الّذي سمّي بالنّموذج وبالنّواة "لنظام عالميّ" قدّر لدين بهاءالله أن يؤسّسه.

وإنّ عهد عبدالبهاء وميثاقه هو نقطة التّحول في التّاريخ البهائيّ الّتي تفصل عصر عدم النّضوج وعدم المسؤوليّة عن العصر الّذي قدّر للبهائيّين فيه أن يتمّموا ويحقّقوا روحانيّتهم عن طريق توسيع

مداها من منطقة الفرديّة الشّخصية إلى منطقة التّعاون والوحدة الاجتماعيّة. وإنّ العناصر الرّئيسيّة الثّلاثة في الخطّة الإداريّة الّتي تركها عبدالبهاء من بعده هي:-

1. وليّ أمر الله.
2. أيادي أمر الله.
3. المحافل الرّوحانيّة المحليّة والمركزيّة وبيت العدل العالميّ.

وليّ أمر الله

عيّن عبدالبهاء حفيده الأرشد شوقي أفندي ليشغل مقام وليّ أمر الله وهو مقام مسؤوليّات الأمر البهائيّ الجسام وشوقي أفندي هو الولد الأكبر لإبنة عبدالبهاء ضيائية خانم وإنّ والده الميرزا هادي أفنان كان من أقرباء الباب ولم يكن من نسله لأنّ ابن الباب الوحيد مات في طفولته. وفي زمن صعود عبدالبهاء كان عمر شوقي أفندي خمسًا وعشرين سنة وكان مشغولاً بالدّراسة في كليّة باليول في أكسفورد وقد أُعلن تعيينه وليًّا لأمر الله في وصيّة عبدالبهاء على النّحو التّالي بالنّص:-

"أيّها الأحباء الأودّاء! بعد فقدان هذا الملظلوم يجب على أغصان السّدرة المباركة وعلى أفنانها وعلى أيادي أمر الله وعلى أحبّاء الجمال الأبهى أن يتوجّهوا إلى فرع السّدرتين الّذي نبت من الشّجرتين المقدّستين المباركتين وجاء إلى الوجود من اقتران فرعيّ الدّوحتين الرّحمانيّتين أعني شوقي أفندي لأنّه آية الله والغصن الممتاز ووليّ أمر الله ومرجع جميع الأغصان والأفنان وأيادي أمر الله وأحبّاء الله ومبيّن آيات الله ومن بعده بكرًا بعد بكر أي في

سلالته. وإنّ الفرع المقدّس (أي وليّ أمر الله) وبيت العدل العمومي الّذي سوف يتأسّس ويتشكّل بانتخاب العموم هما تحت حفظ الجمال الأبهى وصيانته وفي ظلّ العصمة الفائضة من حضرة الأعلى وحراسته روحي لهما الفداء وكلّ ما يقرّره ويقرّرونه هو من عندالله...

"يا أحبّاء الله يجب على وليّ أمر الله أن يعيّن بنفسه من هو بعده في زمان حياته حتّى لا يحصل اختلاف بعد صعوده ويجب على الشّخص المعيّن أن يكون مظهر التّقديس والتّنزيه وتقوى الله والعقل والفضل والكمال ولهذا إذا لم يكن ابن وليّ أمر الله البكر مظهر "الولد سرّ أبيه" أعني لم يكن من عنصره الرّوحانيّ ولم يجتمع فيه شرف الأعراق بحسن الأخلاق يجب عليه انتخاب غصنٍ آخر وينتخب أيادي أمر الله من بين جمعيّتهم أنفسهم تسعة أشخاص يكونون مشغولين دائمًا بالخدمات الأمريّة الّتي ينيطها بهم وليّ أمر الله. ويتمّ انتخاب هؤلاء الأشخاص التّسعة إمّا بإجماع مجمع الأيادي أو بأكثريّة آرائهم. وهؤلاء الأشخاص التّسعة يجب أن يصادقوا على الغصن الّذي انتخبه وليّ أمر الله مصادقة تكون إجماعيّة أو بأكثريّة الآراء، ويجب أن تتمّ هذه المصادقة بطريقة لا يعرف منها المصادق من غير المصادق..."- مترجمًا.

أيادي أمر الله

عيّن بهاءالله في أيّام حياته بضعةً من أحبّائه الممتحنين المعتمدين ليقوموا بترويج أمر الله. وأعطاهم لقب "أيادي أمر الله" وكتب عبدالبهاء في ألواح وصاياه نصًّا بتأسيس هيئة دائميّة من بين

مجمع أيادي أمر الله تقوم بخدمة أمر الله وبمساعدة وليّ أمر الله وهذه ترجمة النّص:

"أيّها الأحبّاء! إنّ وليّ أمر الله يجب أن يعيّن أيادي أمر الله ويسمّيهم... وإنّ وظيفة أيادي أمر الله هي نشر نفحات الله وتربية النّفوس وتعليم العلوم وتحسين أخلاق الجميع والتّقديس والتّنزيه في جميع الشّؤون ويجب أن تظهر تقوى الله وتتجلّى من أطوارهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم. وإنّ مجمع أيادي أمر الله يكون تحت إدارة وليّ أمر الله وعليه أن يحثّهم دائمًا على السّعي والجدّ والإجتهاد في نشر نفحات الله وفي هداية من على الأرض لأنّ جميع العوالم إنّما تتنوّر بنور الهداية"( ).

النّظام الإداريّ( )

عرف عن الأديان أنّ أيّ تنظيم يحدث فيها يصير سببًا في منع سريان الرّوحانيّة الحقيقيّة في الأمّة وصد اندفاعها الأصلي عن الاستمرار في سيره في العالم. وقد أصبح كلّ تنظيم فيها بديلاً عن الدّين ذاته إلى الأبد بدلاً من أن يكون وسيلة وآداة تكشف عن تأثير

الدّين ونفوذه. وممّا أدّى إلى هذه النّتيجة المحتومة انقسام الأمم إلى مذاهب مختلفة انقسامًا لم ينتقص بأيّ اتّصال سلميّ بنّاء ولم يمكن تفاديه بأيّة وسيلة كانت. وفي الواقع لم ترد في أي دين من الأديان السّماويّة السّابقة مبادئ واضحة تهدي الجهاز الإداريّ الّذي أسّسه وتصون وحدة الأمّة في خلال دورته.

أمّا في الدّين البهائيّ فقد أوضح بهاءالله مبادئ الإدارة العالميّة ثم طوّر عبدالبهاء هذه المبادئ في آثاره الكتابية وبصورة خاصّة في ألواح وصايا عهده وميثاقه.

والغرض من هذا النّظام الإداريّ هو الوصول إلى وحدةٍ حقيقيّةٍ دائميّةٍ بين شعوبٍ بشريّةٍ من أجناسٍ مختلفةٍ ومن فئاتٍ متباينةٍ ومصالحٍ مختلفةٍ وعاداتٍ وأخلاقٍ متمايزةٍ وعقائدٍ مختلفةٍ متوارثةٍ فيهم. وبدراستنا لهذه النّاحية من الدّين البهائيّ دراسة دقيقة شاملة سنرى أنّ غاية الإدارة البهائيّة ووسيلتها قد وضعتا بشكلٍ يجعلهما يتّفقان والرّوح الأساسيّة الموجودة في الظّهور الجديد كما تتّفق الرّوح والجسد في الإنسان. فطبيعة المبادئ البهائيّة تمثّل علم التّعاون، وعند تطبيقها تتطلّب هذه المبادئ نوعًا جديدًا أسمى من الأخلاق يكون عالميًّا في نطاقه ومداه.

وتختلف كلّ جامعة بهائيّة عن أيّة تجمّعات أخرى تمّت دون إجبار في كون أساسها شامل يستطيع أن يضمّ كلّ إنسان مخلص. وبينما نجد المجامع الأخرى مقصورة في فعّاليّتها على جهة واحدة إن لم يكن هذا في هدفها المقصود، ومقصورة على جهة واحدة أخرى في طريقتها إن لم يكن ذلك في عقيدتها، نجد المجتمعات

البهائيّة ليست مقصورةً على جهةٍ واحدةٍ دون أخرى ولا تسدّ أبواب الأخوّة في وجه أيّ إنسان مخلص. وفي كلّ إجتماع تعقده أيّة جمعيّة من الجمعيّات المختلفة هناك يكمن أو يتطّور مبدأ واحد من مبادئ انتقاء أفرادها. وفي أفق الدّين نرى هذا المبدأ على شكل عقيدة تحدّدها طبيعة نشأتها التّاريخية وفي أفق السّياسة نرى هذا المبدأ على شكل حزب أو منبر معيّن، وفي أفق الاقتصاد نرى هذا المبدأ على شكل قوّة مشتركة أو على شكل محنة مشتركة، وفي أفق الفنون والعلوم نجد هذا المبدأ يتكوّن بتدريب خاص أو بفعاليّة خاصّة أو ميل خاص، وفي جميع هذه الأشياء كلّما كان أساس الإنتقاء محدودًا ومقتصرًا على فئة قليلة من المختارين كانت الحركة أقوى، وهذا موقف يخالف موقف الدّين البهائيّ مخالفةً تامّةً وهو وإيّاه على طرفي نقيض. ولهذا نرى الدّين البهائيّ، مع كلّ ما أوتي من روح النّمو والتّوسع، يتقدّم تقدّمًا بطيئًا في زيادة عدد أتباعه العاملين وذلك لأنّ النّاس قد اعتادوا على الانقسامات في جميع الشّؤون واعتادوا على انتقاء قلّة مختارة تكون فئة خاصّة، وقد صدرت أحكام هامّة عن تلك الفئات ولازالت تصدر لتبرير هذه الانقسامات.

وإذا أراد المرء الدّخول إلى الجامعة البهائيّة فعليه أن يترك وراءه هذه الانقسامات وهذه الأحكام، وتلك بداية تعرّض المرء إلى محنة قاسية وآلام جديدة، لأنّ الأنانيّة البشريّة تثور ضدّ قرار المحبّة العالميّة. وهنا يتحتّم على العلماء أن يتعاشروا مع الأفراد غير المتعلّمين ويتحتّم على الأغنياء أن يعاشروا الفقراء، ويتحتّم على

البيض أن يعاشروا السّود، ويتحتّم على المتصوّفة أن يعاشروا المتمسّكين بحرفية الكلمات، ويتحتّم على المسيحيّين أن يعاشروا المسلمين، ويتحتّم على المسلمين أن يعاشروا الزّردشتيّين، ويتمّ كلّ ذلك على أسس اكتساح الامتيازات والبديهيّات المعترف بها منذ عهدٍ بعيدٍ.

إلاّ أنّ هناك تعويضات عظيمة مقابل هذه المحنة القاسية. ولنتذكّر أنّ الفنون تصبح عقيمةً إذا ابتعدت عن الرّوح الإنسانيّة العامّة، وأنّ الفلسفة تفقد بصيرتها إذا نشأت في عزلة، وأنّ السّياسة والدّين لن يُكتب لهما النّجاح إذا ابتعدا عن الاحتياجات البشريّة العامّة. هذا وإنّ الطّبيعة البشريّة لم تستكشف ولم تسبر أغوارها بعد لأنّنا جميعًا عشنا في حالة دفاع عقليّ وخلقيّ وعاطفيّ واجتماعيّ وإنّ علم النّفس الخاص بالدّفاع إنّما هو علم النّفس الخاص بالرّدع، ولكنّ محبة الله تكتسح الخوف، ويؤدّي زوال الخوف إلى تأسيس القوى الكامنة تأسيسًا مكينًا، كما أنّ الاختلاط بالنّاس في جو المحبّة الرّوحانيّة يسمح لهذه القوى الكامنة أن تعبّر عن نفسها تعبيرًا إيجابيًّا حيًّا. والجامعة البهائيّة هي مجتمع تحدث فيه هذه العمليّة في هذا الزّمان ببطء في البداية، لأنّ الدّوافع الجديدة تستجمع قوّتها في البداية ثم تزداد سرعتها كلّما ازداد أفراد هذه الجامعة البهائيّة علمًا بالقوى الّتي تفتح أزهار الوحدة بين البشر.

وقد أنيطت مسؤوليّة إدارة الشّؤون البهائيّة والاشراف عليها بهيئة تسمّى بـ"المحفل الرّوحانيّ". وهذه الهيئة الّتي تتكوّن من تسعة

أعضاء تنتخب سنويًّا في 21 نيسان (أبريل) وهو اليوم الأوّل من عيد الرّضوان (ذكرى إعلان دعوة بهاءالله) ويقوم بانتخابهم البالغون من المؤمنين في الجامعة ويقوم المحفل الرّوحانيّ السّابق بوضع قائمة بأسماء المنتخِبين.

وقد كتب عبدالبهاء حول طبيعة هذه الهيئة وواجباتها ما ترجمته:

"يجب على كلّ مؤمن أن لا يخطو أيّة خطوة في الخدمات الأمريّة بدون استشارة المحفل الرّوحانيّ ويجب أن يطيع قراره بقلبه ويخضع له حتّى تنتظم الأمور وتترتّب ترتيبًا صحيحًا وإلاّ فإنّ كلّ شخص سوف يشتغل على انفراده ووفقًا لرأيه الخاص فيتّبع هواه ويضرّ أمر الله"( ).

"أوّل فريضة على أصحاب الشّور هي النيّة الخالصة ونورانيّة الحقيقة والانقطاع عمّا سوى الله والانجذاب بنفحات الله والخضوع والخشوع بين الأحبّاء والصّبر والتّحمل في كلّ بلاء والعبوديّة للعتبة السّامية الإلهيّة. فإذا توفّقوا إلى هذه الصّفات أحاطتهم نصرة ملكوت الغيب الأبهى.

"ثاني فريضة عليهم هي إثبات وحدانيّة جمال الغيب الأبهى والمظهريّة الكاملة الربّانيّة لحضرة النّقطة الأولى والعبوديّة المحضة الصّرفة الذّاتية الكينونيّة الباطنيّة الحقيقيّة الصّريحة لعبدالبهاء بدون ذكر أدنى شائبة غير هذا...

"ثالث فريضة عليهم هي ترويج الأحكام الإلهيّة بين الأحبّاء من

صلاة وصيام وحج وحقوق وسائر الأحكام الإلهيّة بتمامها...

"رابع فريضة عليهم هي حفظ جميع الأحبّاء وصيانتهم في جميع المواقف والأوضاع وتمشية الأمور العامّة مثل تربية الأطفال وتهذيب الأخلاق وتعليم العلوم النّافعة من جميع الجهات وتأسيس الكلّيّات والمدارس للذّكور والإناث وضمان الفقراء والعجزة والأيتام والأرامل والأيامى وتدبير آلات الحرف والصّنائع والتّرفيه عن أحوال الجميع.

"خامس فريضة عليهم هي منع الجميع من كلّ ما هو سبب الفتنة والفساد وعدم المداخلة في الأمور السّياسيّة بصورة قطعيّة وعدم التّحدث بخصوصها ولو بشقّ شفة والإرشاد إلى الطّاعة والسّكون في جميع الأحوال ومحبّة الجميع ومودّتهم...

"إنّ أوّل شرط لأعضاء ذلك الاجتماع هو وجود المحبّة والألفة المطلقة بينهم، واجتناب البعد والنّفور، وإظهار الوحدة الإلهيّة، لأنّهم أمواج بحرٍ واحدٍ وقطرات نهرٍ واحدٍ ونجوم أفقٍ واحدٍ وأشعّة شمسٍ واحدةٍ، وأشجار بستانٍ واحدٍ، وأزهار حديقةٍ واحدةٍ، وإذا لم تكتمل لهم الوحدة المطلقة يتشتّت ذلك الجمع ويُمسي ذلك المحفل معدمًا، أمّا الشّرط الثّاني... فهو أنّه يجب عليهم أن يتوجّهوا إلى الملكوت الأعلى حين حضورهم إلى مكان الاجتماع ويسألوا العون من الأفق الأبهى وأن يباشروا أعمالهم بمنتهى الإخلاص والأدب والوقار والطّمأنينة ويخاطبوا المحفل معبّرين عن آرائهم بمحض الأدب والهدوء، وعليهم أن يتحرّوا الحقيقة في كلّ مسألة دون أن يتشبّثوا بآرائهم ذلك لأنّ التّشبث بالرّأي يؤدّي إلى

النّزاع والخصام فتبقى الحقيقة مستورة، على الأعضاء أن يعبّروا عن آرائهم بتمام الحريّة ولا يجوز أبدًا أن يحقّر أحد رأى الآخر، بل ينبغي له أن يوضّح حقيقة رأيه بمنتهى اللّطف وفي حالة وجود أي خلاف في الرّأي يكون الأمر للأغلبيّة حيث يجب على الجميع إطاعة أغلبيّة الآراء والانقياد لقراراتها ولا يجوز لأحد أن يعترض أبدًا أو ينتقد قرار الأغلبيّة أكان ذلك خارج المحفل أو في داخله حتّى ولو كان ذلك بقرار غير صائب لأنّ مثل هذا الانتقاد سيكون سببًا لعدم تنفيذ أيّ قرار. ومجمل القول أنّ كلّ عمل يتم بالألفة والمحبّة وصفاء النيّة نتيجته النّور، أمّا إذا حدث أدنى اغبرار فستكون نتيجته ظلام ليس دونه ظلام. إنّ اصطدام الآراء وتعارضها في مجلس الشّورى هما السّببان لبزوغ الحقيقة فلا ينبغي لأيّ فرد من الأعضاء أن يتكدّر من معارضة أيّ عضو آخر في آرائه بل يجب أن يُصغي إلى رأي زميله بمنتهى الأدب والإخلاص ولو كان ذلك معارضًا لوجهة نظره وأن يفعل ذلك دون أن يستاء أو يتكدّر، وهكذا يكون ذلك المحفل محفلاً إلهيًّا، وما عدا ذلك فإنّه سبب للبرودة والنّفور المنبعثين من العالم الشّيطاني"( ).

وشرحًا لهذا الموضوع، كتب وليّ أمر الله شوقي أفندي العبارات التّالية ترجمتها:-

"يجب أن لا يقدّم مؤمن شيئًا إلى جمهور النّاس ما لم يطّلع عليه المحفل الرّوحانيّ المحلّي الّذي يكون هذا المؤمن تحت إدارته ويصادق عليه. وإذا كان ما يقدّم لهم يخصّ مصالح الأمر

العامّة في ذلك البلد كما هي الحال عادة فيتحتّم حينذاك على المحفل المحلّي عرضه على المحفل الرّوحانيّ المركزيّ( ) للنّظر فيه والمصادقة عليه، وهو الهيئة الّتي تمثّل المحافل المحليّة المختلفة وليس هذا مقتصرًا على المطبوعات بل إنّ كلّ شيء بدون استثناء يخصّ مصالح الأمر المبارك في ذلك المكان فرديًّا كان أو جمعيًّا يجب أن يعرض على المحفل الرّوحانيّ في تلك المنطقة الّذي سيتّخذ قرارًا بشأنه، وأمّا إذا كان الأمر يختصّ بالمصلحة العامّة فيحال في هذه الحال إلى المحفل الرّوحانيّ المركزيّ.

"وعلى كلّ حال فإنّ الوئام التّام والتّعاون بين المحافل الرّوحانيّة المحليّة المختلفة وبين أعضائها أنفسهم وخاصّةً بين كلّ محفل محلّي وهيئة المحفل المركزيّ أمرٌ بالغ الأهميّة، لأنّ وحدة أمر الله تتوقّف عليه كما يتوقّف عليه تضامن الأحبّاء والخدمات الرّوحانيّة الّتي يقدّمونها بمنتهى الكفاءة والسّرعة والكمال.

"وإنّ المحافل المحليّة والمركزيّة المختلفة تؤلف الصّخرة الّتي على صلابتها وقوّتها ومتانتها يشاد ويقوم صرح بيت العدل الأعظم قيامًا متينًا راسخًا. وما لم تقم هذه المحافل بواجباتها قيامًا فعّالاً قويًّا ملؤه الوئام فإنّها لن تحقق نهاية هذه الفترة من الانتقال... فلنتذكّر أنّ محور أمر الله ليس السّلطة الدّكتاتوريّة بل الألفة المتواضعة وليس استخدام القوّة الغاشمة بل (تطبيق) روح المشورة الصّريحة الودّية. فما من شيء سوى روح البهائيّ الحقيقيّ يمكنها أن تأمل في التّوفيق بين مبادئ الرّحمة والعدالة وبين الحريّة

والطّاعة، وبين قدسيّة حقّ الفرد كفرد وبين قدسيّة التّفاني، وبين اليقظة والحكمة والرّزانة من جهة والتّآلف والنّزاهة والشّجاعة من جهة أخرى..."

وترتبط المحافل الرّوحانيّة المحليّة في البلد ببعضها عن طريق المحفل الرّوحانيّ المركزيّ الّذي هو هيئة منتخبة أخرى أعضاؤها تسعة تقوم بتنسيق أعمال المحافل المحليّة. وتأتي هذه الهيئة إلى الوجود عن طريق انتخاب سنوي يقوم به مندوبون يمثّلون الجامعات المحليّة البهائيّة في المؤتمر السّنوي...

والمؤتمر السّنوي الّذي يجتمع فيه هؤلاء المندوبون هو بذاته هيئة انتخابيّة تستند على مبدأ التّمثيل النّسبيّ... فيعيّن عدد المندوبين عن كلّ جامعة محليّة بما يتناسب وعدد المؤمنين فيها. ويفضّل عقد هذه المؤتمرات السّنوية خلال فترة عيد الرّضوان وهي الإثنا عشر يومًا الّتي تبدأ من 21 نيسان (أبريل) يوم ذكرى إعلان دعوة بهاءالله في حديقة الرّضوان في ضواحي بغداد. وإنّ الاعتراف بمشروعيّة المندوبين حقٌّ من حقوق المحفل المركزيّ السّابق.

ثمّ أنّ هذا المؤتمر السّنويّ فرصة مناسبة يعمّق فيها الفرد فهمه وإحاطته بالفعاليّات البهائيّة الجارية وفرصة لتبادل التّقارير بين المحافل المركزيّة والمحافل المحليّة عن جهود فترة السّنة المنصرمة... ولا يقتصر عمل المندوب البهائيّ على الحضور إلى المؤتمر السّنويّ والمشاركة في انتخاب المحفل المركزيّ الجديد، بل أنّ المندوبين حينما يجتمعون إلى بعضهم يكوّنون هيئة استشاريّة

تقدّم المشورة والنّصح إلى المحفل المركزيّ الجديد الّذي عليه أن يقوم بدراسة توصياتها دراسة دقيقة.

وقد حُدّدت العلاقة بين المحفل الرّوحانيّ المركزيّ والمحافل الرّوحانيّة المحليّة وجمهور المؤمنين في البلد في رسالة وليّ أمر الله الّتي نقتطف منها ما يلى مترجمًا:

"أمّا بخصوص مؤسّسة المحفل المركزيّ فإنّها ذات أهميّة حيويّة لكلّ بلد أصبحت فيه الأوضاع ملائمة وأصبح فيه عدد المؤمنين كبيرًا وبلغ حجمًا يستحقّ الاعتبار... فيؤسسّ في الحال محفل روحانيّ مركزيّ يمثّل المؤمنين في أنحاء ذلك البلد.

"وإنّ أوّل هدف يجب أن يتوجّه إليه هو أن يستحثّ جهود الأحبّاء والمحافل الرّوحانيّة المحليّة ويوحّدها ويوفّق بينها عن طريق الاستشارات الشّخصيّة المتكرّرة... ويقوم على توجيه شؤون الأمر المبارك العامّة في ذلك البلد...

"وهذا المحفل المركزيّ الّذي يعاد انتخابه كلّ سنة مرّةً واحدةً... يحرس بكلّ حذرٍ مصالح أمر الله ويوجّه شؤون الجامعة البهائيّة ويشرف عليها إشرافًا عامًّا.

"ومن اختصاص المحفل الرّوحانيّ المركزيّ وحده النّظر في القضايا الحيويّة الّتي تخصّ مصالح الأمر المبارك في ذلك البلد أمثال التّرجمة والنّشر ومشرق الأذكار والتّبليغ والقضايا المشابهة الّتي تبدو متميّزة عن الشّؤون المحليّة البحتة.

"وعلى المحافل الرّوحانيّة المركزيّة (وكذلك على المحافل الرّوحانيّة المحليّة) أن تحيل كلّ قضيّة من هذه القضايا إلى لجنة

خاصّة ينتخبها أعضاء المحفل المركزيّ من بين جميع الأحبّاء في ذلك البلد. وترتبط هذه اللّجان بالمحفل المركزيّ بذات الرّوابط الّتي تربط اللّجان المحليّة بالمحافل المحليّة الّتي تنتسب إليها.

"وإلى المحفل المركزيّ وحده أيضًا يعود القرار في هل أنّ نقطة معيّنة تحت البحث هي نقطة محليّة في طبيعتها تجب إعادتها إلى المحفل المحلّي لينظر فيها ويقرّر قراره حولها أم أنّها تعود إلى دائرة اختصاصه وأنّها يجب أن تحظى برعايته الخاصّة...

"وحبًّا بصالح الأمر الّذي نعشقه جميعًا ونخدمه، يجب على أعضاء المحفل المركزيّ الجديد، بعد أن انتخبهم المندوبون، أن يحترموا فرادى وجمعًا في زمان اجتماع المؤتمر الآراء المدروسة الّتي قدّمها المندوبون المجتمعون وتوصياتهم ومشاعرهم الحقيقيّة وعليهم أن يكشفوا أمام عيون المندوبين الّذين انتخبوهم كشفًا واضحًا غزيرًا كلّ مشاريعهم وآمالهم ومشاغلهم نابذين كلّ أثر من آثار السّريّة أو الكتمان الّذي ليس في مكانه أو التّسامي الدّكتاتوري. ويجب عليهم أن يُطلعوا المندوبين على القضايا المتنوّعة الّتي يجب بحثها خلال العام القادم وأن يدرسوا بهدوء ووعي وجهات نظر المندوبين ويزنوا آراءهم الّتي أبدوها. ويجب على المحفل المركزيّ الجديد خلال جلسات المؤتمر السّنوي في أيّامه القليلة وبعد تفرّق المندوبين أن يبحث عن كلّ الوسائل والطّرق الممكنة في سبيل إيجاد التّفاهم وتسهيل تبادل وجهات النّظر وتعميق الثّقة وأن يُثبتوا بكلّ دليل ملموس رغبتهم الوحيدة في خدمتهم المصلحة العامّة وترويج النّفع العام.

"وبالنّظر للتّحديدات والموانع الّتي لا مناص منها على دعوة المؤتمر السّنوي للانعقاد مرارًا عديدةً وفي جلسات طويلة خلال العام يجب على المحفل الرّوحانيّ المركزيّ أن يحتفظ لنفسه بحقّ القرار النّهائي في جميع القضايا الّتي تؤثّر على مصالح الأمر المبارك... خذ مثلاً حقّ القرار في أنّ محفلاً محليًّا يعمل وفقًا للمبادئ الموضوعة لتقدّم الأمر المبارك أم لا".

أمّا بخصوص قضية تحضير قائمة بأسماء الأشخاص الّذين لهم حقّ الاشتراك في الانتخابات البهائيّة المحليّة السّنوية فإنّ مسؤولية هذه القضيّة تقع على عاتق المحفل الرّوحانيّ المحلّي نفسه. وقد كتب وليّ أمر الله ما ينير السّبيل في هذا الموضوع بعباراته التّالية ترجمتها:-

"... ولكي نقرّر بإيجاز وبشكل يناسب وما تسمح به الظّروف الحاضرة نقول أنّ العوامل الرّئيسيّة الّتي يجب أخذها بنظر الاعتبار قبل القرار بأنّ شخصًا ما هو مؤمن حقيقيّ أم لا هي: الاعتراف الكامل بمقام المبشّر وبمقام المؤسّس وبمقام المثل الأعلى للدّين البهائيّ حسب ما هو مدوّن في ألواح وصايا عبدالبهاء، وكذلك الخضوع لجميع ما نزل من أقلامهم وقبوله من دون تحفّظ أو كتمان قبولاً كاملاً وكذلك التّمسك والولاء لكلّ عبارة من عبارات ألواح وصايا عبدالبهاء، وكذلك الارتباط بروح وشكل النّظام الإداريّ البهائيّ الحاضر. كلّ هذه على ما أرى الاعتبارات الرّئيسيّة الأوّلية الّتي يجب التّأكيد عليها تأكيدًا ملؤه الإنصاف والفطنة والإدراك قبل إصدار قرار حيويّ فعّال حول هذا الموضوع".

وقد مهّدت ألواح وصايا عبدالبهاء السّبيل إلى تطوّر آخر في التّنظيم البهائيّ، في العبارات التّالية ترجمتها:-

"أمّا بيت العدل الّذي جعله الله مصدر كلّ خير ومصونًا من كلّ خطأ فيجب أن يتشكّل بالانتخاب العمومي أي بانتخاب جميع المؤمنين، ويجب أن يكون أعضاؤه مظاهر تقوى الله ومطالع العلم والعرفان ثابتين على دين الله محبّين لخير جميع نوع الإنسان. والمقصود بهذا بيت العدل العمومي فيتشكّل في كلّ قطرٍ بيت عدل خصوصي وتقوم بيوت العدل الخصوصيّة بانتخاب بيت العدل العمومي. وهذا المجمع هو المرجع في كلّ الأمور وهو المؤسّس للقوانين والأحكام الّتي ليست موجودة في النّصوص الإلهيّة. وفي هذا المجمع تحلّ جميع المشاكل... وبيت العدل هذا هو مصدر التّشريع والحكومة قوّة التّنفيذ ويجب أن يكون التّشريع مؤيّدًا للتّنفيذ كما يجب أن يكون التّنفيذ ظهيرًا ومعينًا للتّشريع حتّى يستحكم بنيان العدل والإنصاف نتيجة الارتباط والوئام بينهما وتصبح جميع الأقاليم جنّة النّعيم والفردوس الأعلى... إنّ الكتاب الأقدس هو المرجع للجميع وإنّ كلّ مسألة غير منصوصة ترجع إلى بيت العدل العمومي، وكلّ ما يقرّره بيت العدل العمومي بالإجماع أو بأكثريّة الآراء فإنّه الحق ومراد الله ومن تجاوز عنه فهو ممّن أحبّ الشّقاق وأظهر النّفاق وأعرض عن ربّ الميثاق".

والبهائيّون حتّى في زمانهم الحاضر مرتبطون في جميع أنحاء العالم ببعضهم بروابط ودّية عن طريق المراسلات المنتظمة المستمرّة والزّيارات الفرديّة، وإنّ ارتباط أفراد من أجناس متنوّعة

وقوميّات مختلفة وتقاليد دينيّة متباينة هو بذاته دليل ملموس على أنّ ثقل التّعصّبات وعوامل الانقسام التّاريخيّة يمكن التّغلب عليها بقوّة روح الوحدة الّتي أسّسها بهاءالله.

نظام بهاءالله العالميّ

ومنذ شباط (فبراير) سنة 1929 شرع شوقي أفندي في رسائله المتتالية الّتي خاطب بها الجامعة البهائيّة بشرح مضامين هذا النّظام الإداريّ الواسعة. ففي رسالته المؤرخة 21 آذار (مارس) سنة 1930 كتب ما ترجمته:

"لا أستطيع أن أحجم عن توجيه ندائي إلى أولئك الّذين ينتسبون إلى دين الله أن ينبذوا الأفكار السّائدة في هذا اليوم والأساليب الزّائلة سراعًا ويدركوا بما لم يسبق لهم إدراكه أنّ النّظريّات الّتي ثَبُت بطلانها والمؤسّسات المتداعية في حضارة اليوم لا بدّ أن يبدو تناقضها الأكيد مع جميع المؤسّسات الإلهيّة الّتي قدّر لها أن تقوم على أنقاضها...

"لأنّ بهاءالله... لم ينفخ فقط في البشريّة روحًا جديدًا لتجديدها ولم ينطق فقط ببضعة مبادئ عالميّة معيّنة أو يؤسّس فلسفة معينّة فحسب مهما كانت تلك الرّوح وتلك المبادئ وتلك الفلسفة قويّة وسليمة وعالميّة ولكنّه بالإضافة إلى هذا كلّه وضع بكلّ وضوح وتحديد بخلاف الدّورات الإلهيّة السّابقة مجموعة من القوانين كما أسّس مؤسّسات معيّنة، فقدّم بذلك ما يلزم من الأسس لإقامة الاقتصاد الإلهيّ. وقد قدّر لهذه المؤسّسات أن تكون النّموذج للهيئة الاجتماعيّة المقبلة والأداة العليا لتأسيس الصّلح

الأعظم والوكالة الوحيدة لتوحيد العالم وإعلان سيادة الحقّ والعدل على الأرض...

"وعلى خلاف جميع الدّورات الإلهيّة السّالفة... يجد حواريّو بهاءالله أمام أعينهم في أيّ أرض يعملون فيها ويجاهدون قوانين واضحة بلغة أكيدة لا غموض فيها، ومبادئ ومؤسّسات وهداية يحتاجون إليها في تنفيذ مهمّتهم... وهنا تكمن الميزة الّتي يتميّز بها الدّين البهائيّ عن الأديان السّابقة، وهنا تكمن قوّة وحدة دين الله وحقيّة ظهور إلهيّ لا يدّعي أنّه جاء ليهدم الظّهورات الإلهيّة السّالفة أو لينقّص من قدرها ومقامها بل ليربطها ويوحّدها ويحقّق وعودها...

"ومهما ظهر اليوم ديننا ضعيفًا في أعين النّاس الّذين يشينون اسمه... ويتجاهلون بكلّ احتقار وجوده باعتباره أحد المذاهب الغامضة العديدة في عالم الغرب، فإنّ هذه الجوهرة الفريدة بين الأديان الإلهيّة، وهي لا تزال اليوم في دور الجنين، سوف تتطوّر في صدف الشّريعة الإلهيّة وسوف تسير قدمًا دون انقسام أو انتقاص إلى أن تحتضن العالم البشريّ بأجمعه. أمّا الّذين عرفوا المقام الرّفيع الّذي يشغله بهاءالله والّذين مسّت محبّته قلوبهم، وألفوا قوّة روحه العظيمة، فهم وحدهم يستطيعون تثمين هذا الاقتصاد الإلهيّ الّذي هو المنحة الّتي منحها للبشريّة والّتي تتجاوز كلّ حدود التّثمين".

وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) سنة 1931 ما ترجمته:-

"ونحو هذا الهدف – هدف نظام عالميّ جديد إلهيّ في منشئه وشامل في مداه ومنصف عادل في مبدئه وتتحدّى ملامحه كلّ ما عداها – يجب على البشريّة أن تستحثّ خطاها وتكدح إليه كدحًا...

"وما أشجى حقًّا تلك الجهود المضنية الّتي يبذلها قادة المؤسّسات البشريّة الّذين لا يأبهون أبدًا بروح العصر والّذين يجهدون في تكييف عمليّاتهم القوميّة الّتي كانت في العصور القديمة ملائمة لأممهم المنعزلة ليجعلوها تناسب عصرًا يجب عليه أن يختار بين أمرين: إمّا أن ينجز الوحدة العالميّة الّتي دلّنا إليها بهاءالله أو أن يفنى. وفي ساعة حرجة كهذه السّاعة في تاريخ الحضارة يليق بقادة أمم العالم كلّها كبيرة أم صغيرة، شرقيّة أم غربيّة، منتصرة أم مغلوبة أن يصغوا إلى نداء بهاءالله من صافوره العظيم وينهضوا بكلّ رجولة تدفعهم روح الوحدة العالميّة ويحدوهم الولاء التّام لأمره الإلهيّ لينفّذوا الخطّة العلاجيّة الوحيدة الّتي وصفها ذلكم الطّبيب الإلهيّ للبشريّة المتألّمة ولينبذوا نبذًا تامًّا وإلى الأبد كلّ فكرة سبق لهم أن تصوّروها وكلّ تعصّب قومي تمسّكوا به...

"إنّ شكلاً من أشكال الحكومة العالميّة يجب أن يتطوّر، فتتنازل من أجله جميع أمم العالم طوعًا عن جميع ادّعاءاتها في شنّ الحروب، ويكون له حقّ فرض الضّرائب وتحديد السّلاح واقتصاره على حفظ الأمن الدّاخليّ ضمن حدود سيادته. ومثل هذه الحكومة يجب أن تضمّ ضمن إطارها هيئة تنفيذيّة عالميّة تستطيع أن تفرض

سلطتها العليا الّتي لا ينازعها فيها أحد على كلّ عضو معاند من أعضاء الجامعة الدّوليّة. وإنّ برلمانًا عالميًّا يُنتخب أعضاؤه من بين شعوب الأقطار وتصادق على انتخابهم حكومات الأقطار ذاتها، وإنّ محكمة عليا تكون أحكامها ملزمة للفرقاء المعنيّين حتّى في الحالات الّتي يمتنع فيها أولئك الفرقاء عن عرض قضيّتهم عليها طوعًا، وإنّ جامعة عالميّة تُلغى فيها جميع الفوارق الاقتصاديّة إلغاءً أبديًّا وفيها يعترف اعترافا واضحًا باعتماد رأس المال والعمل أحدهما على الآخر، وفيها يهدأ إلى الأبد ضجيج الحروب والتّعصّبات الدّينيّة، وفيها تُطفأ جميع نيران التّعصّبات القوميّة إطفاءً نهائيًّا، وفيها يقوم قانون دوليّ واحد هو ثمرة أحكام الممثّلين العالميّين المتّحدين بالمصادقة على تلاحم جميع قوى الوحدات المتّحدة، وأخيرًا يتحوّل فيها هياج القوميّات المتحاربة المتقلّبة في أطوارها إلى وعي بالمواطنة العالميّة – هذه كلّها في الواقع كما يبدو هي الخطوط العريضة لنظام تنبّأ به بهاءالله، وهو نظام سوف يُعتبر أبدع ثمرة من ثمرات عصر ينضج نضوجًا بطيئًا...

"ولا يكوننّ هناك أدنى غموض أو إبهام حول الهدف الّذي تقوم عليه شريعة بهاءالله العالميّة. فهو مع بعده عن أن يهدف إلى تقويض أسس الهيئة الاجتماعيّة القائمة نراه يسعى إلى توسيع أسسها وصبّ مؤسّساتها في حال تناسب حاجات عالم مستمّر في التّبدل والتّغيير. وهذه الشّريعة لا يمكن أن تعارض أيّ إخلاص شرعي ولا أن تقوض أي ولاء أساسي كما أنّها لا تهدف إلى إطفاء شعلة الوطنيّة المستنيرة في قلوب النّاس ولا القضاء على نظام

الحكم الذّاتي القوميّ إذا أمكن تجنّب شرور الحكم المركزيّ المفرط كما أنّها لا تتجاهل وجود أصول السّلاّلات البشريّة المتنوّعة بسبب تنوّع المناخ والتّاريخ واللّغة والتّقاليد والأفكار والعادات – تلك الأصول الّتي تميّز النّاس والأمم عن بعضها في العالم ولا تحاول القضاء على تلك الأصول، بل هي تنادي النّاس إلى ولاء أكبر وإلى مطمح أوسع من أيّ ولاء ومطمح دفع الجنس البشريّ وأحياه حتّى الآن...

"إنّ نداء بهاءالله موجّه بصورة رئيسيّة ضد جميع أشكال الإقليميّة والانعزاليّة والتّعصب... لأنّ المعايير القانونيّة والنّظريّات السّياسية والاقتصادية إنّما وُضعت من أجل حماية مصالح البشريّة جمعاء لا من أجل التّضحية بالبشريّة لحفظ سلامة أيّة نظريّة أو أي قانون معيّن... ومبدأ وحدة العالم الإنسانيّ وهو المحور الّذي تدور حوله جميع تعاليم بهاءالله ليس مجرّد اندفاع من الاندفاعات العاطفيّة الرعناء أو تعبير عن آمال غامضة في الورع والتّقوى... بل إنّ مضامينه أعمق، وما يدعو إليه أعظم ممّا دعا إليه الرّسل السّابقون، ولا تنطبق رسالته على الفرد وحده بل يختصّ بصورة أساسيّة بطبيعة تلك العلاقات الأساسيّة الّتي يجب أن تربط الدّول والشّعوب ببعضها كما يرتبط افراد العائلة الواحدة ببعضهم...

"ومبدأ وحدة العالم الإنسانيّ يمثّل منتهى التّطوّر البشريّ...

"أمّا أنّ القوى المنطلقة من كارثة عالميّة تستطيع وحدها أن تعجّل بمجيء هذه الصّفحة الجديدة من الفكر البشريّ فتلك ويا للأسف حقيقة أخذت تزداد وضوحًا...

"ولا شيء غير نار محنة أليمة تخرج منها البشريّة مستعدّة مطهّرة يستطيع غرس ذلك الشّعور بالمسؤوليّة الّتي يجب أن يقوم قادة العصر الجديد على النّهوض بأعبائها...

"ثمّ ألم يؤكّد عبدالبهاء نفسه بلهجة لا غموض فيها: "إنّ حربًا أشدّ من الحرب الماضية ستنفجر بالتّأكيد؟"

وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 8 شباط (فبراير) سنة 1934:-

"إنّ هذا النّظام الإداريّ... حينما تبدأ أجزاؤه المكوّنة له ومؤسّساته الأصيلة فيه بعملها بقوّة وكفاءة سوف يؤكّد على مطالبيه ويعرض قدرته على أن لا يكون مجرّد نواة بل يكون نموذجًا للنّظام العالميّ الجديد الّذي قُدّر له أن يحتضن الإنسانيّة جمعاء عندما يحين الوقت لذلك...

"وهذا الدّين وحده من بين جميع الظّهورات الّتي سبقته... قد نجح في إقامة بناء يستطيع أتباع المذاهب المفلسة المتحطّمة أن يقتربوا منه في ذهولهم ويفحصوه بالنّقد ويرجوا قبل فوات الأوان الأمن باللّجوء إلى حصنه المنيع...

"وإلى أيّ جلال وقدرة تشير كلمات بهاءالله في قوله: "قد اضطرب النّظم من هذا النّظم الأعظم واختلف التّرتيب بهذا البديع الّذي ما شهدت عين الإبداع شبهه" إن لم تشر إلى القدرة والجلال اللّذين قدّر لهذا النّظام الإداريّ أن يكشف عنهما باعتباره بداية ظهور رابطة الشّعوب البهائيّة المقبلة؟...

"ورابطة الشّعوب البهائيّة المقبلة الّتي يكوّن هذا النّظام الإداريّ

الوسيع إطارها الوحيد هي نظريًّا وعمليًّا ليست فريدة في جميع تاريخ المؤسّسات السّياسيّة بل لا نظير لها كذلك في تواريخ أيّ نظام من الأنظمة الدّينيّة العالميّة المعترف بها. وليس هناك أيّ شكل من أشكال الحكومة الدّيمقراطية ولا أيّ نظام من أنظمة الحكم المطلق أو الحكم الدّكتاتوريّ سواء أكان ملكيًّا أم جمهوريًّا ولا أيّة خطّة وسط من النّظام الأرستقراطيّ البحت ولا أيّ نوع من أنواع الحكومات الدّينيّة (الثّيوقراطيّة) المعترف بها... – نعم ليس هناك منها ما يمكن تشبيهه أو مطابقته مع النّظام الإداريّ الّذي ابتدعته يد مهندسه الإلهيّ الكامل...

"ولا يقلّلن أحد من شأن هذا النّظم الإلهيّ الّذي لا يزال في عهد طفولته أو يشوّهن هدفه. فالصّخرة الّتي شيّد عليها ذلكم النّظام الإداريّ هي ما أراده الله للإنسانيّة في هذا اليوم إرادة محتومة. وإنّ المنبع الّذي يستقي منه إلهاماته هو بهاءالله نفسه لا غيره... والهدف المركزيّ والأساسيّ الّذي يقوم عليه ويحيّيه هو تأسيس النّظام العالميّ الجديد وفقًا لما أشار به بهاءالله. وإنّ الأساليب الّتي يتّبعها والمعيار الّذي يقرّره في الأذهان لا يجعله يميل إلى الغرب ولا إلى الشّرق ولا إلى الموحّدين ولا إلى الوثنيّين ولا إلى الأغنياء ولا إلى الفقراء ولا إلى البيض ولا إلى السّود. فشعاره توحيد الجنس البشريّ ورايته "الصّلح الأعظم الإلهيّ".

وكتب شوقي أفندي كذلك في رسالته المؤرّخة 11 آذار (مارس) سنة 1936 ما ترجمته:

"إنّ التّباين المشهود بين الأدلّة المتجمّعة على تراصّ دين الله تراصًّا

ثابتًا راسخًا مرافقًا لنشوء النّظام الإداريّ وبين قوى التّفسّخ الّتي تهدم بناء هيئة إجتماعيّة متعبة هو تباين واضح يستوقف الفاحصين ويأخذ بالألباب. ففي داخل وخارج العالم البهائيّ هناك علامات وإمارات متزايدة يومًا فيومًا تبشّر بطريقة غيبيّة بميلاد ذلكم النّظام العالميّ الإلهيّ الّذي يشير تأسيسه إلى مجيء العصر الذّهبي لدين الله...

"وتعلن ذلك كلمات بهاءالله بالنّص:

"سوف يطوى بساط الدّنيا ويبسط بساط آخر ويبقى العزّة والملك لله العليم الحكيم( ).

"... يجب أن يعتبر الظّهور الّذي أفاض به بهاءالله بأنّه يشير إلى بلوغ الجنس البشريّ بلوغًا تامًّا، ويجب أن لا يُنظر إليه كمجرّد بعث روحانيّ جديد في سلسلة مصائر البشريّة المتغيّرة على الدّوام، ولا أن يعتبر مرحلة أخرى في سلسلة مراحل الإلهام الإلهيّ المتطوّر وحتّى أنّه لا يعتبر كذلك نهاية سلسلة الرّسالات الإلهيّة المتعاقبة بل يُعتبر آخر وأعلى مرحلة من مراحل التّطور الهائل الّذي تطوّرت إليه الحياة البشريّة بمجموعها على هذه الكرة الأرضيّة. وإنّ بروز هيئة اجتماعيّة عالميّة وكذلك ظهور الوعي بالمواطنة العالميّة وتأسيس حضارة وثقافة عالميّة كلّ هذه يجب أن تعتبر أقصى الحدود في تنظيم الهيئة الاجتماعيّة البشريّة بقدر ما يختصّ الموضوع بالحياة على سطح هذه الكرة الأرضية، بالرّغم من أنّ الإنسان كفرد سوف يستمرّ بل يجب أن يستمرّ على التّقدّم والتّطور استمرارًا لا حدود له وذلك نتيجة لوصول البشريّة إلى هذا الحدّ من الكمال في البلوغ...

"إنّ وحدة الجنس البشريّ كما رسمها بهاءالله تتضمّن في مدلولها تأسيس رابطة شعوب عالميّة تتّحد فيها جميع الأمم والأجناس والعقائد والطّبقات اتّحادًا وثيقًا متماديًا، وفيها يُصان الاستقلال الذّاتي للدّول الأعضاء كما تُصان حرّيات الأفراد المكوّنين لها وإبداعهم ومبادرتهم. ورابطة الشّعوب العالميّة هذه يجب أن تتألّف في حدود ما نستطيع أن نتصوّره في الوقت الحاضر من هيئة تشريع عالميّة يسيطر أعضاؤها على جميع منابع الأمم المكوّنة لها باعتبارهم أمناء على جميع الجنس البشريّ ويشرّعون القوانين اللاّزمة لتنظيم حياة جميع الأجناس والشّعوب وسدّ احتياجاتها وتنظيم ارتباطاتها. وإنّ هيئة تنفيذيّة عالميّة تسندها قوّة دوليّة سوف تنفّذ القرارات الّتي تصدرها هيئة التّشريع العالميّة وتطبّق القوانين الّتي تشرّعها وتحرس الوحدة الأساسيّة لرابطة الشّعوب العالميّة بمجموعها. وإنّ محكمة دوليّة سوف تقاضي وتصدر قرارها النّهائي الإلزاميّ في جميع المنازعات الّتي تنشب بين العناصر المختلفة المكوّنة لهذا النّظام العالميّ، وسوف تبتكر وسيلة للاتّصالات الدّولية تحتضن جميع الكرة الأرضية وتكون متحرّرة من العوائق والقيود القوميّة وتقوم بوظائفها بسرعة رائعة وبانتظام تام. وستكون عاصمة عالميّة المركز العصبيّ لحضارة عالميّة والنّقطة الّتي فيها تتجمّع جميع القوى الموحّدة للحياة ومنها يشعّ نشاط نفوذها الفعّال. وإنّ لغة عالميّة سوف تخترع أو تنتخب من بين اللّغات الموجودة في العالم وتدرّس في مدارس جميع الأمم المتّحدة باعتبارها لغة مساعدة إلى جانب لغة الأم، وإنّ خطًّا عالميًّا

وأدبًا عالميًّا ونظامًا عالميًّا موحّدًا للنّقد والموازين والمكاييل سوف يُسهّل اختلاط الأمم والأجناس ويجعله بسيطًا يسيرًا. وفي مثل هذه الجامعة العالميّة سوف يتّفق الدّين والعلم باعتبارهما القوّتين المؤثّرتين في الحياة البشريّة وسوف يتعاونان ويتطوّران بكلّ وفاق. وسوف لن تعود الصّحافة تحت نظام إداريّ مثل هذا النّظام لتكون أداة تستغلّ إستغلالاً سيّئًا مضرًّا لخدمة مصالح معيّنة شخصيّة أو عموميّة وسوف تتحرّر من نفوذ الحكومات المتناحرة والشّعوب المتعادية وتمنح أقصى المدى في حرّية التّعبير عن الآراء المتنوّعة والمعتقدات المتباينة. وسوف تنظّم المنابع الاقتصاديّة في العالم وتستثمر منابع المواد الخام استثمارًا كاملاً وترتّب وتطوّر أسواقها وينظّم توزيع منتجاتها تنظيمًا عادلاً.

"ولن تعود منافسات القوميّات وعداواتها ومؤامراتها بل تستبدل عداوة الأجناس وتعصّباتها بالمحبّة بين الأجناس وبالتّفاهم والتّعاون، وسوف تستأصل أسباب المشاحنات الدّينيّة نهائيًّا، وتمحى الحواجز والقيود الاقتصاديّة محوًا تامًّا وتطمس آثار التّمييز المتطرّف بين الطبقات وسوف يختفي الفقر المدقع الّذي يرى في جهة واحدة كما يختفي في الجهة المقابلة الأخرى تراكم الملكيّة المفرط. وتلك الطّاقات الهائلة الّتي تهدر وتبذر على الحروب سواء الحروب الاقتصاديّة أو السّياسيّة سوف تكرّس إلى غايات توسيع مدى الاختراعات البشريّة، وإلى تطوير التّكنولوجيا، وإلى زيادة القابليّات الإنتاجيّة البشريّة، وإلى استئصال المرض، وإلى توسيع البحوث العلميّة، وإلى رفع مستويات الصّحة البدنيّة، وإلى

شحذ العقول البشريّة وتنقيتها، وإلى استغلال منابع الكرة الأرضيّة الّتي لم تستغلّ أو الّتي لم تستكشف، وإلى إطالة الأعمار البشريّة، وإلى ترقية أيّة وكالات تستطيع إنعاش الحياة الفكريّة والخلقيّة والرّوحانيّة في عموم الجنس البشريّ.

"وإنّ نظامًا فيدراليًّا (اتّحاديًّا) عالميًّا يحكم جميع الأرض ويمارس سلطة لا يمكن تحدّيها على جميع منابعه الواسعة الّتي لا يمكن تصوّرها ويوحّد جميع المثل العليا للشّرق والغرب ويجسّدها ويكون متحرّرًا من لعنة الحرب وبلاياها ومنكبًّا على استثمار جميع الطّاقات الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة وفيه تكون القوّة عبدًا للعدل وتقوم حياته على الاعتراف الشّامل بالله الأحد وعلى الولاء لدين إلهيّ عام – نعم إنّ مثل هذا النّظام هو الهدف الّذي تتقدّم نحوه إنسانيّة تدفعها القوّة الموحّدة للحياة.

"إنّ جميع البشريّة متلهّفة إلى أن تقاد إلى الوحدة وإلى إنهاء عصر استشهادها الطّويل، ومع ذلك ترفض بعناد أن تحتضن النّور وتعترف بسلطنة القوّة الوحيدة الّتي تستطيع وحدها أن تستخلصها من ورطتها وتحوّل عنها الكارثة المريعة الّتي تهدّد بالإحاطة بها وبالتّحديق بكيانها...

"إنّ مبدأ توحيد البشريّة بكاملها هو سمة المرحلة الّتي تقترب منها الجامعة البشريّة الآن. ولقد نجحت محاولات تأسيس وحدة الأسرة، ووحدة القبيلة، ووحدة دولة المدينة، ووحدة الأمّة، وبقيت وحدة العالم هدفًا تسعى نحوه بشريّة قد أنهكت قواها.

"وها قد انتهى بناء الشّعوب وتتوجّه الفوضى الكامنة في سيادة

الدّولة إلى أوجها. وإنّ العالم وهو متوجّه نحو مرحلة البلوغ يجب عليه أن ينبذ هذا الوثن ويعترف بوحدة العلاقات البشريّة بكاملها ويؤسّس أخيرًا الأداة الّتي تستطيع أن تتجسّد هذا المبدأ الجوهري الضّروري لحياتها أحسن تجسّد".

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى